Page 1
المقدمة
...... لقد اهتم الفقهاء القانونيون والناشطون السياسيون وشاركهم في ذلك طلبة الدراسات العليا وطلبة القانون بإثراء الجانب القانوني والفقهي والسياسي وحتى الإعلامي والثقافي بمجلدات عن حقوق الإنسان والدساتير والانتهاكات التي تعرضت لها (نظرياً وعملياً) حتى بلغت الأمور حد التخمة الفكرية والأكاديمية وجرى التداخل والتشابك والفيض الذي لم يأت بفائدة نتوخاها بسبب قهر القوة وجبروتها.فجميع المكتبات الثقافية مكتظة بالكتب والمجلدات والدراسات التي تبحث في الموضوع ذاته لكن بآفاق ورؤى واجتهادات مختلفة ومتباينة بعد أن أدلى الكل بدلوه فيها.
ولقد انصب كل اهتمام الأفرقاء الناشطين والقانونيين على كيفية تحقيق العدالة الاجتماعية التي تأتي من خلال تحقيق العدالة القانونية والقضائية المتمثلة في فقرات الدستور القانونية التي تعنى بحقوق الإنسان وفق المعايير القضائية وقبلها الإنسانية والأخلاقية، وفي مجتمعات متهرئة وآيله إلى الهاوية نتيجة حجم وشدة المظالم التي تعانيها، وقسوة القوة الغاشمة التي احتوت القضاء فسيسته وجعلته أداة قمعية وانتقامية من خصومها مسلطة على أعناق أبناء الشعب الآخرين وخصوصاً، في المجتمعات العربية المظلومة، والمبتلاة بحكام متخلفين لايعرفون سوى الدكتاتورية في تطبيق القانون، والانتقامات العدوانية التي تعدت مستوى الإرهاب المنظم.
وكان جل اهتمام الباحثين يتوخى إيجاد (خطاب قانوني وفقهي واجتماعي) يقنع ويلزم أصحاب القرار من المتنفذين الحكوميين بأن يتعاملوا مع الإنسان كإنسان (إن كان تحت سيطرة القوى والحكومات الدكتاتورية أو إن كان تحت راية شباب التغيير) بما يجنبه شر الانتهاكات الحكومية أو الرد الانتهاكي الانتقامي المضاد («لأن الإنسان في البداية والنهاية هو إنسان ولابد أن يحترم كإنسان بغض النظر عن موقفه من السلطة)إن كان فيها أو خارجها أو معارضاً لها. فالدستور هو حاميه وحامي حرياته».
كذلك لابد من احترام المادة الدستورية المشرعة بالقانون (الشرعي والوضعي) بحيث يكون القانون ملزماً للجميع لايقبل التأويل أو التحريف، ويسير باتجاه العدالة وتحقيق مصلحة الفرد والمجتمع والوطن في آن واحد. وأن يكون القائمون عليه (القضاء المشرع وكذلك القضاء المنفذ وأفراد السلطة الحاكمة)، على مستوى اليمين التي أقسموها في أثناء تسلم مسؤوليات الوطن والشعب. وبذلك سوف نصل إلى مفهوم أن (الإنسان قيمة عليا) نظرياً وعملياً. بعد أن يتفقه الناس بالثقافة القانونية الإنسانية وبما يمنح المواطن من فرص أكثر لتحسين وضعه ومن مساحة أكبر من الحرية والكرامة والعدالة والمساواة على غرار ما يجري في الدول التي سميت بالمتقدمة وسبقتنا بأنصاف شعوبها الى هذا الإنجاز العظيم لتكون بذلك أكثر حضارة وأكثر إنسانية منا نحن (أهل القيم والتقاليد العربية الإسلامية الأصيلة والسابقة).
وقد كانت صرخة الثوار المدوية في أرجاء الوطن العربي صرخة قوية لكنها طبيعية ورد فعل موازٍٍ لحجم الانتهاكات الجارية. بعد أن عجز جيلنا والأجيال التي سبقته عن تأكيد هذه الحالة الإنسانية كون (الإنسان قيمة عليا) لا بد أن يحترم، وأن حقوقه يجب ألّا تنتهك (كما جاء في المفاهيم والإعلانات الدولية والدساتيرالعالمية والعربية) لكن حجم الانتهاكات التي تقوم بها الحكومات ضد شعوبها يتزايد بحجة (حماية هيبة الدولة) أو بسبب التأثيرات الأجنبية وإملاءاتها على الحكام، لتحقيق أطماعها في السيطرة على الثروات العربية إلى الأبد.
وقد كانت فرحتنا نحن جيل الطبقة المثقفة السابقة التي رضخت جراء الاحتواء الفكري ومفهوم القوة الدكتاتورية الحكومي لقرون طويلة، فرحة عارمة ونحن نشهد صفحات التغيير الشبابي بانتفاضاته المتتابعة حيث حقق الشباب في فترة قصيرة ما عجزت عنه أجيالنا لفترات طويلة، التي يليق بها وصف أحد الكتاب العرب المفكرين (بأنها أجيال «الأنا...» الملوثة).
إلا أن فرحتنا تلك لم تكتمل لأننا فوجئنا بأن تلك الصفحات قد حرفت عن اتجاهها بعد أن أفرغت من مضامينها ومحتواها، نتيجة محاولاتها المركزة لتجاوزمفهوم (الأنا) واصطدامها العنيف بخصومها المخضرمين وهي تفتقر الى القيادات الميدانية الحقيقية الفاعلة التي تحتوي المواقف ومفاجآتها وتكتيكاتها لتكيفها لمصلحة الثورات أو الانتفاضات القائمة. حيث كان فعلها عفوياً قائماً على التحدي والتضحية ومفتقراً الى التخطيط السليم والعميق أو البرنامج الاستراتيجي النوعي (قصير المدى أو بعيده) الذي لا يمكن لأي ثورة أن تتعدى الخطوط الحمراء وأن تحقق الانتصار دون أن تكون متسلحه به وبقراراته الهادفة.
Page 2
لذلك فقد انطفأت جذوة الثورات عند أولى مواجهاتها مع الأنظمة القديمة، وكذلك مع (الأحزاب الملوثة والمتحجرة والمتخلفة إنسانياً وفكرياً) التي سرعان ماركبت موجتها بعد أن زجت بشبابها المتدحرج مع حركة الثوار ففتتت كلمتهم وحرفت توجهاتهم. وافتعلت الأزمات اللاثورية بما يصور للآخرين بأن فعل الشباب الثائر أشبه ما يكون بالممارسات الصبيانية، لا بل إنه أقرب الى الأفعال الغوغائية الفوضوية ثم قامت بعدها باحتوائهم وجعلتهم (أي الثوار) ينقادون للتعامل بأسلوب الرد الآني أي يتجاوبون مع الإفرازات الميدانية المخطط لها من قبل الأحزاب والأنظمة السابقة وقواها الأجنبية التي كانت تسيرها وتخطط لها. في حين كان التنسيق يجري على قدم وساق بين تلك الأحزاب الموبوءة والحكومات بالسر وبالعلانية والغاطس فيها أعظم. مما جعل الثوار منهكي القوى، وحجمت الثورة وبقيت تراوح في إطار الانتفاضات الإصلاحية التي لاتحقق نتائج مفيدة للشعب والوطن، والتي كان يتوخاها النظام السابق والأحزاب الموبوءة وبذلك تم إحتواؤها تماماً وإبعاد الثوار عن التأثير الشعبي الفاعل بعد كل التضحيات الجسيمة التي خسروها. لابل إن الأحزاب المتخلفة استثمرت نتائج الثورة، وسيرتها بأسلوب انتقامي متجاوزة الدستور وحقوق الناس بواسطة شبابها، الذين انضموا إلى الثوار وعملوا ما عملوا باسم الثوار ضد الشرطة وضد أفراد النظام القديم، ما أدى إلى انتهاكات إنسانية جديدة شملت الناس وأفراد الأنظمة السابقة وتجاوزت حقوقهم وحرياتهم.
كل ذلك جرى في ظل غياب القانون وتجميد أو إلغاء الدستورمن قبل الأحزاب الملوثه تلك، التي رفع بعضها الشعار البديل للثورة (الدين هو الحل) ليكون ستاراً مضللاً للآخرين الذين يهابون سطوة الدين بعد خلطه بالسياسة القذرة لإمرار أفعال الأحزاب الإجرامية الملوثة بصياغة شرعية دستورية أكثر دكتاتورية وأكثر تخلفاً من الناحية القانونية، وأكثر انتهاكاً لحرمات الإنسان وحقوقه.
وبذلك عدنا إلى دوامة (الفراغ القانوني الدستوري والغياب القضائي الحازم وغير المسيس أو العادل) التي لم تتمكن من إيقاف عجلة تصاعد الانتهاكات، التي طالت الدستور وحقوق الإنسان كافة بغض النظر عن العرق، أو الطائفة، أو المبدأ، أو الثقافة، أو الدين. إذن هي طاحونة (الفتنة) المبنية على قوة التخطيط والتأثير الأجنبي الفاعلة التي سحقت الجميع من دون تفريق. ولم يستفد منها إلا الأعداء والسائرون في ركبهم والمستقوون بقوتهم ممن يعرضون ويبعيون ضمائرهم وأوطانهم للأجنبي في سوق الرق والخساسة المصلحية والانتهازية.
وبذلك، فإن هذه المقدمة المركزة هي التي دفعتني لاختيار موضوع جديد بهذه الشاكلة، جمع بين أهمية القانون والدستور وعلو مكانة الإنسان واحترام قيمه، وفعله التطبيقي المستمر الذي يحاول المحافظة على الإنسان وحقوقه باعتبار أن الدستور قوة مناهضة للانتهاكات المؤلمة، التي لم تغادر ساحات الأوطان العربية في كل العصور. بالإضاف إلى محاولة شباب التغيير الرد على المظالم والانتهاكات والممارسات العدوانية على المواطنيين العاديين، التي تعد تجاوزات للقانون والدستور نفسه. والتي باءت مع الأسف بالاحتواء التام.
لقد توخينا في هذا الموضوع مهمة استكمال ما بدأنا به في دراستنا السابقة التي قدمت للحصول على، درجة الماجستير، بعنوان (حقوق الإنسان في دساتير العالم العربي).
وبهذه الدراسة سنوضح بادئ ذي بدء الخلط بين المفاهيم القانونية المهنية المجردة وبين التأثيرات السياسية (الخارجية والداخلية) في القانون والدستور المولدة للانتهاكات والمظالم والمستمرة فيها، والتي تضع القوانين المشتقة والمسيسة بديلاً طبيعياً للقوانين الأصلية، أو مكيفة لإجراءاتها أو لتطبيقاتها التي تجيز الانتهاكات المبطنة.
إضافةً إلى أني سأتناول بالتحليل انتفاضات الشباب ونتائجها التي تم احتواؤها وحرف مسارها الثوري إلى الطريق الإصلاحي الخائب، معززاً ذلك بالأسباب والفرضيات والبديهيات والنتائج التي كان الشباب يريد تحقيقها ولكن لم تتحقق.
مع التأكيد على النقل الأمين لرأي الشباب وتصوراتهم لمستقبل الأمة العربية ودورها فيما لو استكمل التغيير بلوغ مستوى الثورة الحقيقية، ووفق نظرية الشباب وأهدافه المجسدة لمشروعه النهضوي الشبابي، الذي لم تسمح القوى المضادة بخروجه إلى النور. والذي يصر الشباب على مواصلة الفعل النضالي لتحقيق أهدافه بالتغيير الشامل الكامل للخارطة السياسية والحكومية، وليس بالإصلاح الترقيعي الفاشل الذي أوصل الأمة إلى مرحلة اليأس والعجز والتسليم للواقع الفاسد ومؤثراته.
كما أني سوف أستعين بأمهات الكتب وفروعها والدراسات الأكاديمية ونظرياتها الخاصة بالسياسة والقانون ولن أستثني الصحف وبرامج التلفاز ولاحتى الفيس بوك ولا الإنترنيت. وكل ماهو مفيد ومعزز لدراستي...
وطبيعي أن أستعين كذلك بخبرة وتوجيه وإشراف أساتذتي الذين رافقوني في رحلتي الأولى، وحتى أني أستأنس بملاحظات زملائي طلبة العلم والعمل المهنيين لأنها مفيدة. ومن الله العون والتوجيه بسداد الرأي.... أما أبواب خطة العمل فهي:
كل ذلك جرى في ظل غياب القانون وتجميد أو إلغاء الدستورمن قبل الأحزاب الملوثه تلك، التي رفع بعضها الشعار البديل للثورة (الدين هو الحل) ليكون ستاراً مضللاً للآخرين الذين يهابون سطوة الدين بعد خلطه بالسياسة القذرة لإمرار أفعال الأحزاب الإجرامية الملوثة بصياغة شرعية دستورية أكثر دكتاتورية وأكثر تخلفاً من الناحية القانونية، وأكثر انتهاكاً لحرمات الإنسان وحقوقه.
وبذلك عدنا إلى دوامة (الفراغ القانوني الدستوري والغياب القضائي الحازم وغير المسيس أو العادل) التي لم تتمكن من إيقاف عجلة تصاعد الانتهاكات، التي طالت الدستور وحقوق الإنسان كافة بغض النظر عن العرق، أو الطائفة، أو المبدأ، أو الثقافة، أو الدين. إذن هي طاحونة (الفتنة) المبنية على قوة التخطيط والتأثير الأجنبي الفاعلة التي سحقت الجميع من دون تفريق. ولم يستفد منها إلا الأعداء والسائرون في ركبهم والمستقوون بقوتهم ممن يعرضون ويبعيون ضمائرهم وأوطانهم للأجنبي في سوق الرق والخساسة المصلحية والانتهازية.
وبذلك، فإن هذه المقدمة المركزة هي التي دفعتني لاختيار موضوع جديد بهذه الشاكلة، جمع بين أهمية القانون والدستور وعلو مكانة الإنسان واحترام قيمه، وفعله التطبيقي المستمر الذي يحاول المحافظة على الإنسان وحقوقه باعتبار أن الدستور قوة مناهضة للانتهاكات المؤلمة، التي لم تغادر ساحات الأوطان العربية في كل العصور. بالإضاف إلى محاولة شباب التغيير الرد على المظالم والانتهاكات والممارسات العدوانية على المواطنيين العاديين، التي تعد تجاوزات للقانون والدستور نفسه. والتي باءت مع الأسف بالاحتواء التام.
لقد توخينا في هذا الموضوع مهمة استكمال ما بدأنا به في دراستنا السابقة التي قدمت للحصول على، درجة الماجستير، بعنوان (حقوق الإنسان في دساتير العالم العربي).
وبهذه الدراسة سنوضح بادئ ذي بدء الخلط بين المفاهيم القانونية المهنية المجردة وبين التأثيرات السياسية (الخارجية والداخلية) في القانون والدستور المولدة للانتهاكات والمظالم والمستمرة فيها، والتي تضع القوانين المشتقة والمسيسة بديلاً طبيعياً للقوانين الأصلية، أو مكيفة لإجراءاتها أو لتطبيقاتها التي تجيز الانتهاكات المبطنة.
إضافةً إلى أني سأتناول بالتحليل انتفاضات الشباب ونتائجها التي تم احتواؤها وحرف مسارها الثوري إلى الطريق الإصلاحي الخائب، معززاً ذلك بالأسباب والفرضيات والبديهيات والنتائج التي كان الشباب يريد تحقيقها ولكن لم تتحقق.
مع التأكيد على النقل الأمين لرأي الشباب وتصوراتهم لمستقبل الأمة العربية ودورها فيما لو استكمل التغيير بلوغ مستوى الثورة الحقيقية، ووفق نظرية الشباب وأهدافه المجسدة لمشروعه النهضوي الشبابي، الذي لم تسمح القوى المضادة بخروجه إلى النور. والذي يصر الشباب على مواصلة الفعل النضالي لتحقيق أهدافه بالتغيير الشامل الكامل للخارطة السياسية والحكومية، وليس بالإصلاح الترقيعي الفاشل الذي أوصل الأمة إلى مرحلة اليأس والعجز والتسليم للواقع الفاسد ومؤثراته.
كما أني سوف أستعين بأمهات الكتب وفروعها والدراسات الأكاديمية ونظرياتها الخاصة بالسياسة والقانون ولن أستثني الصحف وبرامج التلفاز ولاحتى الفيس بوك ولا الإنترنيت. وكل ماهو مفيد ومعزز لدراستي...
وطبيعي أن أستعين كذلك بخبرة وتوجيه وإشراف أساتذتي الذين رافقوني في رحلتي الأولى، وحتى أني أستأنس بملاحظات زملائي طلبة العلم والعمل المهنيين لأنها مفيدة. ومن الله العون والتوجيه بسداد الرأي.... أما أبواب خطة العمل فهي:
Page 3
الباب الأول- أهمية الدستور وتعريفه
الفصل الأول- موجز تعريفي بأهمية الدستور لأنه راعي حقوق الإنسان
المبحث الأول
أهمية الدستور نظرياً والمهام الإنسانية التي يتضمنهااستقر الرأي في الفقه القضائي العالمي على تأكييد مبدأ أن الدستور هو القانون الأول في الدولة، لذلك فقد أطلق عليه عالمياً لقب (سمو الدستور).
وهذا يعني عدم مخالفة نصوصه أو تجاوزها أو تأويلها وعدم التقاطع معها أو حتى الاعتراض عليها أو نقضها من قبل القوانين الأخرى، التي تعتبر بموجب هذا المبدأ أدنى منه درجةً وقيمةً فعلية.
وقد أعلن هذا المبدأ لأول مرة في الدستور الأميركي لعام (1787)، حيث نصت المادة (6) منه على «أن يكون هذا الدستور وقوانينه التي هي قوانين دولة الولايات المتحدة الأميركية التي أبرمت بموجبه هذه القوانين والمعاهدات مع الدول الأخرى، أن يكون القانون الأعلى سلطة بالبلاد، ويلزم بذلك القضاء في كل ولاية بغض النظر عما يناقض هذا في دستور أو قوانين أية ولاية)(1).
ويترتب على مبدأ (سمو الدستور) أن القوانين العادية لايمكن أن تأتي بأحكام تخالف بها ما نص عليه الدستور، ولايجوز بموجب هذا المبدأ للسطلة التشريعية أن تشرع في مجال منع الدستور عليه التقنين، وفي هذا ضمان لحقوق الأفراد والمجتمع.(2)
إن ممارسة الإنسان لحقوقه لا تأتي إلا تحت مظلة وحماية الدستور وقوانينه التي تنظم العلاقة بين الفرد والمجتمع وبينهما وبين السلطة التي أوليت ثقة إدارة البلاد. والشرعية الدستورية ترتكز بشكل أساسي على كل من الديمقراطية، وسيادة القانون واحترام الحقوق المتبادلة بين الفرد والمجمع من جهه والدولة من جهة أخرى.
أما المفاهيم الإنسانية التي يرعاها الدستور والمتعلقة بحقوق الإنسان فهي كثيرة وخاضعة لمعايير قانونية. وفي الوقت نفسه فإنها خاضعة لاعتبارات عرفية وشرعية وأخلاقية، أجمع عليها الفقهاء القانونيون والحقوقيون الإنسانيون، وأقرتها وأعلنتها الأمم المتحدة ورعتها وأكدت على المواثيق الدولية التي تضمنتها والتي سنمر بمضامينها لاحقاً.
Page 4
المبحث الثاني
المفهوم النظري لحقوق الإنسان
المطلب الأول: موجز بالمفهوم العالمي لحقوق الإنسان (وفق الدستور)أكد مؤتمر اتحاد البرلمانيين العالمي (الثاني والتسعون) المنعقد في الدنمارك عام 1993:
(أن الاحترام الحقيقي لحقوق الإنسان في العالم هو الركيزة الأساسية التي تقوم عليها العدالة الاجتماعية والرخاء الاقتصادي والتنمية الحقيقية للقيم الإنسانية. وأنه ضرورة قصوى لتوليد العلاقات الودية بين الأمم والحكومات من أجل إقامة وإرساء السلام العالمي.
فالكرامة الإنسانية تستلزم احترام حرية الفرد في التصرف وفي ممارسة أي نشاط يعود عليه بالنفع في مجال التنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية دون أي عوائق أو قيود).
المطلب الثاني: موجز بالمفهوم العربي لحقوق الإنسان العربي وفق الدستور:
لا يخرج الحديث عن (المفهوم العربي النظري لحقوق الإنسان العربي عن إطار المفهوم العالمي النظري وكل ما ورد فيه من قوانين ومعايير نظرية). كانت منقولة نقلاً حرفياً من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومن المواثيق الملحقة به ومن القوانين الخاصة بحقوق الإنسان وخصوصاً القانون الدستوري.
إلا أن الاختلاف الحقيقي والأكيد يكمن في آلية العمل (التطبيق العملي) المخالف تماماً لكل المعايير الدولية وجميع قوانين حقوق الإنسان العالمية ومفاهيمها.
أي إن حديثاً كهذا يعني بشكل مباشر، الخوض في شقين متناقضين ومتعارضين تماماً هما (الدولة والمجتمع) فالقطيعة بينهما تتفاقم يومياً داخل كل المجتمعات العربية وبينها وبين حكوماتها. مما يجبر أي باحث أو ناشط أو متثقف بمبادىء حقوق الإنسان العربية أن يتجاوز الأمور النظرية ويدخل مباشرة الجانب العملي ويحقق ويحلل في مجال الانتهاكات المستمرة من قبل الحكومات بدون استثناء إلا القليل جداً، التي تمارسها ضد شعوبها العربية التي تحكمها، والتي مزقها الظلم والفقر والجهل والفساد والاضطهاد إضافة إلى ضرورة الاطلاع من باب المعرفة أو الشفقة على تلك المجتمعات لمعرفة الآليات والوسائل التي يقوم بها المجتمع العربي المدني ليحمي نفسه من (تغول) الدولة وأخطبوطها بأجهزتها الأمنية المتعددة (المخابرات والاستخبارات وأمن الدولة والشرطة والحراسات الخاصة والأجهزة الخاصة والقانوني المسيس والمنحاز إلى الدولة على حساب شرف المهنة ونزاهتها) والمكلف رسمياً اضطهاد الناس والتدخل في شؤونهم الخاصة والعامة بشكل سافر في جميع مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية وحتى الإبداعية والإعلامية.... إلخ.
لذلك فإن دور المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان العربي هو دور كبير وخطير وصعب جداً لملاحقة أخطبوط كهذا وتفنيد وتحجيم أفعاله وأكاذيبه الحكومية المفبركة ومنظماتها الشكلية المخصصة لخداع الرأي العام الداخلي والعربي والدولي وإمرار قصصها الملفقة التي تدعي فيها زوراً وبهتاناً بأنها تتابع الأمور والانتهاكات الجارية لحقوق الإنسان وتعالجها أولاً بأول.
Page 5
المبحث الثالث
المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ودورها بالدفاع عنهالمطلب الأول: نظرة عامة على المواثيق المتعلقة بحقوق الإنسان
1 ـ الاهتمام الجدي بمفاهيم حقوق الإنسان
بدأ الاهتمام الجدي بحقوق الإنسان في التاريخ المعاصر من خلال الإعلانات والمواثيق الدولية التي شكلت بموجبها (قانوناً أخلاقياً عالمياً) يدعم القوانين الدستورية التي تحيط التصرف في شؤون الأفراد والجماعات البشرية بمنظومة من الحدود والضوابط والقيود التي تتقلص بموجبها رقعة السيادة المطلقة التي كان يمارسها الحكام(3).
وقد أصبحت حقوق الإنسان فكرة عالمية، دل على ذلك القبول العالمي لهذه المواثيق والإعلانات من مختلف الأنظمة على اختلاف التوجهات السياسية والاقتصادية. كما أنها أصبحت نظرية وواجهةجذابة لمختلف الأحزاب السياسية(4).
وبالرغم من ظهور بعض الوثائق في بعض الدول التي عنيت بحقوق الإنسان فيها مثل «الماجنكارتا» في إنجلترا 1215، ووثيقة حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا 1793، ووثيقة إعلان الاستقلال في أميركا 1776، إلا أن ميثاق الأمم المتحدة هو أول وثيقة دولية سجلت التطور الحاصل في مجال حقوق الإنسان، وذلك عندما نص في الماده الأولى على هدف الأمم المتحدة في تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الإنسانية للناس جميعاً والتشجيع على ذلك دون تفرقة بسبب الجنس أو اللغة أو الدين، وهو ما عبرت عنه المادة (55) من الميثاق كذلك، ثم جاء بعد ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948 بعد أن أدى تناسي حقوق الإنسان وإزدراؤها إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني والأخلاقي.
2 ـ نظرة إلى مدى إلزامية القواعد المتعلقة بحقوق الإنسان ومشروعية تقييدها
رغم تعدد المواثيق والإعلانات الدولية والإقليمية المتعلقة بحقوق الإنسان حتى غدت حقوق الإنسان وحرياته الفردية والجماعية شأناً عالمياً، وانتقال الاهتمام بها من ميدان المبادئ الأخلاقية والنظريات الفلسفية والأيديولوجيات السياسية والاجتماعية إلى ميدان الممارسة الواقعية من جانب الأفراد والجماعات البشرية، رغم ذلك فقد ثارت الخلافات حول مدى أهمية القواعد المتعلقة بحقوق الإنسان الواردة في تلك المواثيق والإعلانات، الأمر الذي يثير بدوره التساؤل عن مدى وجود قانون لحقوق الإنسان، حيث من أهم خصائص القانون أنه يتبع قواعد ملزمة للجميع ويضمن تنفيذها من خلال جزاءات يوقعها على المخالف، فإلى أي مدى وصل قانون حقوق الإنسان إلى ذلك الذي يشمل مجموع الحقوق الأساسية التي وردت في الشرعية الدولية لحقوق الإنسان. فالبعض يرى أن هذه القواعد تحتوي على التزامات دولية محددة، ومن ثم فهي قواعد آمرة وحجة على الكافة، وهو يستند في ذلك إلى ما أكدته محكمة العدل الدولية في قضية «برشلونه تراكشن» (parshlona tractionn) فضلاً عن حرص المجتمع الدولي على إدانة تصرفات الدول المخالفة لحقوق الإنسان(5).
ويرى البعض الآخر، من أنصار قانون حقوق الإنسان، أن الجزاء في هذا القانون يتمثل في اعتبار الاعتداء على بعض حقوق الإنسان جريمة دولية تمس المجتمع الإنساني كله لايجوز تجاوز حيثياتها.
كما ترجمت بعض الانتهاكات لحقوق الإنسان في الداخل ومنها القتل، اعتباره اعتداء على حق الإنسان في الحياة، إلى جرائم تصل عقوبتها إلى الإعدام، فضلاً عن الثورات والتمردات والانتفاضات والاغتيالات التي يزخر بها تاريخ الأمم قديمها وحديثها كجزاء على انتهاكات كرامة الإنسان لحرياته الأساسية من جانب الحكومات(6).
وينكر البعض الآخر القيمة القانونية للمواثيق المتعلقة بحقوق الإنسان ومن أبرزها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويرفض اعتباره تطبيقاً لميثاق الأمم المتحدة في مادتيه 56,55 ولا يعترف له سوى بقيمة أدبية وسياسية فقط(7).
ويؤكد البعض الآخر أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، قد خلا من تحديد كيفية تنفيذه، كما أنه لا يعد اتفاقية دولية، ولم يكن محلاً للتصديق من الدول الأعضاء جميعها. فهو في نظر البعض ليس سوى تأثير أدبي وفلسفي محض، كما أن قواعده بالغة العمومية تتسم مبادئه بالغموض ولا يتضمن نصوصاً قانونية محددة قابلة للتنفيذ (تطبق على الحكومات بشكل جماعي أو فردي) في حالة وقوع جرم ما أشرنا من جرائم باعتبارها من مسؤولية الحكومة التي سمحت بتلك الانتهاكات ولم تقدم المجرمين الحقيقيين للعدالة. رغم تأكيد محكمة العدل الدولية على قيمته الدستورية كمادة قانونية لا تقبل الاختلاف بوصفه يبين المبادئ الأساسية للقانون الدولي(8).
Page 6
في حين يؤكد اتجاه آخر على ظاهرية العلاقة بين حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي كوسيلة لإنقاذ تلك الحقوق التي تتمتع بعنصر أسمى من الإقليمية أو بالعنصر الدولي، ويدلل على ذلك بأن حقوق الإنسان تم إدراجها في وثائق جنائية دولية تنص على تجريم انتهاكها مثل الإبادة الجماعية والفصل العنصري ومنها القتل والإبادة والاسترقاق والاضطهاد لأسباب سياسية أو عرقية أو دينية، والقرصنة وخطف الطائرات واحتجاز الرهائن، ومن ثم لابد لحقوق الإنسان أن ترتقي وتتجسد في نصوص ترجمية لضمان نفاذها، ولن يكون ذلك إلا إذا توافر لها العنصر الدولي(9).
وترخص البعض الآخر إلى حد المثاليات فيرى أن العبرة ليست بإعداد المواثيق والاتفاقيات ولكن في إحياء الضمير عن وضع حد لممارسات العنف والظلم والاستبداد في العديد من المناطق مثل فلسطين وأفغانستان، لأن المصادقة إن هي خرقتها في بعض الدول حتى الآن رغم هذه الموسوعة من القواعد التي تؤكد حمايتها وعدم المس بها.
ونحن من جانبنا نرى ضرورة توافر العنصر الدولي والعنصر الأخلاقي معاً، ذلك لضمان نفاذ قواعد القانون الدولي الإنساني.
فالعنصر الدولي بما يكفله من تجسيد لهذه القواعد في نصوص تجريمية دولية يضمن بها نفاذ هذه القواعد عن طريق التهديد بإنزال العقوبات على من يخالفها في أي مكان في العالم.
أما العنصر الأخلاقي فإنه يوفر الرقابة الذاتية في ضمير كل فرد. وهي رقابة الأفراد لهذه القواعد بوازع ديني أو أخلاقي. كما تضمن مشاركتهم للجهات المختصة تنفيذ هذه القواعد محلياً في ضبط وملاحقة من ينتهكها.
3 ـ نظرة إلى مشروعية تقييد حقوق الإنسان
إذا كانت حقوق الإنسان يجب أن يتمتع بها جميع الأفراد، باعتبار توافر صفة الإنسانية لديهم فإن جميع الدول المتحضرة أجمعت على أن حرمان المواطن من حقوقه الطبيعية لايجب أن يفرض كعقوبة على أية جريمة(10). ومع هذا فإن الفرد لايتمتع عادة بحقوق مطلقة بل هي حقوق مقيدة، فكل حق يقابلة واجب حتى ولوكان حقاً طبيعياً للإنسان بحكم مولده، فكل الحقوق تفرض على الإنسان استخدامه بأسلوب يتوخى المصلحة العامة(11).
وإذا كان مدى الحقوق والحريات يختلف باختلاف المذاهب الفكرية، فإنه حتى في ضوء المذهب الحر يمكن اعتبار الحقوق الفردية مطلقة بغير قيود، ولكن الحرية في هذا المذهب تعني أن الغايات التي يجب تحقيقها من وراء ممارسة الحقوق هي غايات مطلقة(12).
فإذا كانت فكرة الحقوق الطبيعية للإنسان وجدت في مرحلة أولى من التطور باعتبارها وسيلة لمقاومة تدخل الدولة في المجال الخاص المتروك للإفراد، بل مقاومة الدولة داخل منطقة النشاط المخصصة للحقوق الفردية، حتى لا تصبح سلطة الدولة قوية تهدد حريات الأفراد. وإذا كان كذلك فإن التطور أوجد في مرحلة لاحقة عدداً من القيود على الحقوق والحريات الفردية، كما ظهر نوع من الحقوق الجماعية التي تتمتع بها الجماعة بأسرها(13).
وعلى ذلك حرصت المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان ألا تطلق تلك الحقوق التي أوردتها من كل قيد وتحديد حيث نصت المادة 29/2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على خضوع الفرد في ممارساته وحرياته للقوانين واحترامها لتحقيق مقتضيات المصلحة العامة للنظام العام وكذلك المصلحة العامة في المجتمع الديمقراطي الذي يبنى على التقيد بالقانون والأخلاق لطرفي المعادلة الاجتماعية (الحكومة والمجتمع وأفراده).
كما أوردت الفقرة الثالثة نصاً يقضي بعدم ممارسة هذه الحقوق ممارسة تتناقض مع أغراض الأمم المتحدة ومبادئها. ومع ذلك فقد أكد الإعلان في مادته الأخيرة (م30) على أنه «ليس في هذا الإعلان نص يجوز تأويله على أنه يخول دولة أو جماعة أو فرداً أي حقوق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف إلى هدم الحقوق والحريات الورادة فيه»، وذلك لإيجاد توازن بين تقرير الحقوق والقيود التي ترد عليها حتى لا تلغي إحداهما الأخرى.
ولذلك نرى أنه يمكن تقييد الحقوق والحريات التي تشكل القانون الدولي لحقوق الإنسان إذ وجد ما يبرر ذلك وفقاً للضرورة المتمثلة في تعزيز المصلحة والنظام العام والأمن القومي، والصحة والأخلاق والآداب العامة. فيسوغ فرض تحديدات على حرية التنقل والتعبير والمعتقد وحق الاجتماع السلمي وتكوين الجمعيات، وحق الملكية ومع ذلك فإن المفاهيم السابقة التي تمثل مسوغات لفرض تقييدات على حقوق الإنسان يجب أن يتم تحديدها بنصوص القانون وفي حدود الضرورة فلا تتعسف السلطة في تحديدها، بل يجب أن يرتكز القانون الذي يحددها على المفهوم الديمقراطي.
وترخص البعض الآخر إلى حد المثاليات فيرى أن العبرة ليست بإعداد المواثيق والاتفاقيات ولكن في إحياء الضمير عن وضع حد لممارسات العنف والظلم والاستبداد في العديد من المناطق مثل فلسطين وأفغانستان، لأن المصادقة إن هي خرقتها في بعض الدول حتى الآن رغم هذه الموسوعة من القواعد التي تؤكد حمايتها وعدم المس بها.
ونحن من جانبنا نرى ضرورة توافر العنصر الدولي والعنصر الأخلاقي معاً، ذلك لضمان نفاذ قواعد القانون الدولي الإنساني.
فالعنصر الدولي بما يكفله من تجسيد لهذه القواعد في نصوص تجريمية دولية يضمن بها نفاذ هذه القواعد عن طريق التهديد بإنزال العقوبات على من يخالفها في أي مكان في العالم.
أما العنصر الأخلاقي فإنه يوفر الرقابة الذاتية في ضمير كل فرد. وهي رقابة الأفراد لهذه القواعد بوازع ديني أو أخلاقي. كما تضمن مشاركتهم للجهات المختصة تنفيذ هذه القواعد محلياً في ضبط وملاحقة من ينتهكها.
3 ـ نظرة إلى مشروعية تقييد حقوق الإنسان
إذا كانت حقوق الإنسان يجب أن يتمتع بها جميع الأفراد، باعتبار توافر صفة الإنسانية لديهم فإن جميع الدول المتحضرة أجمعت على أن حرمان المواطن من حقوقه الطبيعية لايجب أن يفرض كعقوبة على أية جريمة(10). ومع هذا فإن الفرد لايتمتع عادة بحقوق مطلقة بل هي حقوق مقيدة، فكل حق يقابلة واجب حتى ولوكان حقاً طبيعياً للإنسان بحكم مولده، فكل الحقوق تفرض على الإنسان استخدامه بأسلوب يتوخى المصلحة العامة(11).
وإذا كان مدى الحقوق والحريات يختلف باختلاف المذاهب الفكرية، فإنه حتى في ضوء المذهب الحر يمكن اعتبار الحقوق الفردية مطلقة بغير قيود، ولكن الحرية في هذا المذهب تعني أن الغايات التي يجب تحقيقها من وراء ممارسة الحقوق هي غايات مطلقة(12).
فإذا كانت فكرة الحقوق الطبيعية للإنسان وجدت في مرحلة أولى من التطور باعتبارها وسيلة لمقاومة تدخل الدولة في المجال الخاص المتروك للإفراد، بل مقاومة الدولة داخل منطقة النشاط المخصصة للحقوق الفردية، حتى لا تصبح سلطة الدولة قوية تهدد حريات الأفراد. وإذا كان كذلك فإن التطور أوجد في مرحلة لاحقة عدداً من القيود على الحقوق والحريات الفردية، كما ظهر نوع من الحقوق الجماعية التي تتمتع بها الجماعة بأسرها(13).
وعلى ذلك حرصت المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان ألا تطلق تلك الحقوق التي أوردتها من كل قيد وتحديد حيث نصت المادة 29/2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على خضوع الفرد في ممارساته وحرياته للقوانين واحترامها لتحقيق مقتضيات المصلحة العامة للنظام العام وكذلك المصلحة العامة في المجتمع الديمقراطي الذي يبنى على التقيد بالقانون والأخلاق لطرفي المعادلة الاجتماعية (الحكومة والمجتمع وأفراده).
كما أوردت الفقرة الثالثة نصاً يقضي بعدم ممارسة هذه الحقوق ممارسة تتناقض مع أغراض الأمم المتحدة ومبادئها. ومع ذلك فقد أكد الإعلان في مادته الأخيرة (م30) على أنه «ليس في هذا الإعلان نص يجوز تأويله على أنه يخول دولة أو جماعة أو فرداً أي حقوق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف إلى هدم الحقوق والحريات الورادة فيه»، وذلك لإيجاد توازن بين تقرير الحقوق والقيود التي ترد عليها حتى لا تلغي إحداهما الأخرى.
ولذلك نرى أنه يمكن تقييد الحقوق والحريات التي تشكل القانون الدولي لحقوق الإنسان إذ وجد ما يبرر ذلك وفقاً للضرورة المتمثلة في تعزيز المصلحة والنظام العام والأمن القومي، والصحة والأخلاق والآداب العامة. فيسوغ فرض تحديدات على حرية التنقل والتعبير والمعتقد وحق الاجتماع السلمي وتكوين الجمعيات، وحق الملكية ومع ذلك فإن المفاهيم السابقة التي تمثل مسوغات لفرض تقييدات على حقوق الإنسان يجب أن يتم تحديدها بنصوص القانون وفي حدود الضرورة فلا تتعسف السلطة في تحديدها، بل يجب أن يرتكز القانون الذي يحددها على المفهوم الديمقراطي.
Page 7
الفصل الثاني
حقوق الإنسان والانتهاكات اللاإنسانية
ليست هنالك مشكلة في التعرف إلى حقوق الإنسان، إذ تكفلت المواثيق الدولية ببيان هذه الحقوق بدقة متناهية، كما تضمنت كثير من الدساتير الوطنية نصوصاً تضمن وتكفل حماية تلك الحقوق الإنسانية، ولكن المشكلة تظهر على ساحة الواقع أي (عند التطبيق العملي) لهذه الحقوق.فقد أفصحت التجارب العملية عن انتهاكات واسعة المدى لحقوق الإنسان. وتصل هذه الانتهاكات في معناها ومغزاها إلى منحدر خطير للضحية التي لا ترتفع في نظر المنتهك عن مرتبة الحيوان أو الشيء المتجرد من الإنسانية.
1 ـ انتهاكات الحروب
ففي الحرب العالمية الثانية كانت انتهاكات حقوق الإنسان على أشدها من أطراف عديدة وخصوصاً من جانب النازيين الألمان وهم يجرون تجاربهم العلمية على أجساد حية من أسرى الحرب وكأنهم فئران تجارب. ولم تكن نظرة النازيين الألمان في تعاملهم مع شعب البانتو الأفريقي أو غيره من الأفارقة أبناء البلاد الأصليين ترتقي لأكثر من تعامله مع المعنيين على أنهم ليسوا بشراً، إذ امتلأت تقارير المنظمات الدولية بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الأفريقي داخل دولة اتحاد جنوب أفريقيا أو في إقليم ناميبيا قبل الاستقلال، بما يؤكد تدني نظرة السلالات الغربية إلى الجنس الزنجي وفلسفة حرمانه من أبسط حقوق الإنسان.2ـ استغلال التمييز العنصري لانتهاك حقوق الإنسان(14)
وتلك النظرات النازية والعنصرية في ألمانيا النازية واتحاد جنوب أفريقيا قد وصمتها الضمائر الإنسانية بالعار لغلوها في التعصب الذي يجرد أعضاء في الأسرة البشرية من خصائص الإنسان المتميز من الحيوان بالكرامة الأصلية في خلقه بصرف النظر عن جنسه ولغته ودينه ونشأته الذاتية.(15)
والوصمة اللاإنسانية ذاتها قد وجهت إلى الصهيونية باعتبارها حركة عنصرية مدمرة، حيث نجد لها تطبيقات عملية شائنة فوق أرض فلسطين والأجزاء الأخرى المحتلة من الأرض العربية. وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة محقة في قرارها الصادر عام 1975 باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية المضادة للإنسانية إذ جردت هذه الحركة الإنسان الفلسطيني العربي من أهم صفات الإنسانية النابعة من الكرامة والحقوق المتساوية مع غيره من أعضاء الأسرة البشرية بمن فيهم اليهود.
فقد فضح ممارساتها العدوانية الإرهابية وعرّى الضمير الإنسان من صمته الشائن لينطق بكلمة حق وعدل بعد أن أصبحت هذه المذابح أكبر شاهد معاصر على تدني نظرة الإسرائيليين إلى الفلسطينيين، وإلا ما كانت تلك المذابح وتلك الانتهاكات قد وقعت وفق هذا الأسلوب المتدني الذي لايمارس إلا في شريعة الغاب. وهو أسلوب عبر عنه البعض وهو يتحدث عن الفلسطينيين بوصفهم مخلوقات (creatures). وهو تعبير لايستعمل في الخطاب السياسي عن فصائل إنسانية يعنيهم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو الإعلان الأميركي لحقوق الإنسان أو أي ميثاق من المواثيق الأخرى المهتمة أو المعنية بحقوق الإنسان.
Page 8
3 ـ الانتهاكات اللاإنسانية لحقوق الإنسان
وهناك أمر أبشع وأكثر عدوانية وإرهاباً ولايقل بأي حالة من الأحوال خطورة عن تلك النظرات العنصرية إلى الآخرين ألا وهو النظرة الدنيا والممارسات اللاإنسانية الشائنة التي تمارس من قبل بعض نظم الحكم الاستبدادية التي أدانتها وتدينها سنوياً التقارير الدولية بانتهاكات حقوق الإنسان من خلال التصفية الجسدية أو التعذيب الوحشي للحكومات تجاه أبناء البلد الذي أولاهم إدارته وأقسموا اليمين على ذلك وعملهم هذا يصب طبعاً في مصلحة الدول الأجنبية.
وقد شهدت دول الشرق الأوسط والعالم العربي على وجه الخصوص ممارسات خطيرة لحكومات وسلطات تجرد خصومها السياسيين من إنسانيتهم وحقهم في الحياة والكرامة وذلك بالتصفية الجسدية دون محاكمة عادلة أو باستباحة أجسادهم وتعليقها كالذبيحة الحيوانية وإلحاق أشد أنواع الأذى بها بطريقة لاتستخدم حتى مع الحيوان ذاته.
والخطر في هذا الأمر تلك النظرة الخطيرة في عيون وأفئدة منتهكي حقوق الإنسان وهم يجردون الضحية من الحياة والشرف والكرامة، لا بل يتلذذون بذلك لأنهم خارج نطاق الرقابة أو المحاسبة أو الشعور الذاتي بالوازع الإنساني أو الديني (الذي يتشدقون بالانتساب إليه). إنها النظرة المتدنية نفسها لغلاة التمييز العنصري وهي تنزل بمرتبة المخلوق البشري إلى أدنى مستوى الحيوان أو الجماد. فيسحقون إنسانية الإنسان تماماً مثلما كانت تفعل مافيات الرق أيام الزمان السحيق.
المشكلة إذن تكمن في فرضية أولية أساسية لضحايا انتهكت حقوقهم الإنسانية. ولابد من عمل عالمي متضامن بقوة يقيد الفعل الشاذ ويمنع الانتهاكات الإنسانية من الوقوع ويعاقب مرتكبيها حالاً وليس بعد أن تنتهي صلاحياتهم السياسية ليكون ضحية أخرى مثل ضحايا الثورة المضادة كي لاتهون الحقوق الإنسانية وتصبح في نظرمنتهكيها أمراً طبيعياً يزول تأثيره بمرور الزمن أو عبر الصفقات السياسية مثلما يعبر عنها وزير خارجية بلد محتل(16) (بأن الأمور مسيطر عليها لمصلحة الحكومة التي من صنع الاحتلال) ليجرد الإنسان من حقوقه الإنسانية.
إن هذه المشكلة الأزلية ليست مشكلة فلسفية وإنما هي مشكلة أخلاقية واجتماعية وقانونية غاب عنها الضمير والعدالة، وقد أدركت الجمعية العامة للأمم المتحدة ذلك إدراكاً جيداً عند إعداد ثم إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 كانون الأول/ديسمبر 1948، إذ اشترطت في ديباجة الإعلان كفالة حقوق الإنسان قبل أي أمر آخر. فهذا الاعتراف هو المقدمة الضرورية لإقرار الحقوق الإنسانية كما وردت في المواد الثلاثين بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وهذا المنهج الذي نهجته الجمعية العامة للأمم المتحدة يتكرر في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية عام 1966 والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عام 1966 أيضاً إذ تلتزم الدول الأعضاء التزاماً أولياً واضحاً وصريحاً في أول سطر بديباجة العهد بأنها تقر وتعترف أولاً وقبل كل شيء بأن المخلوق البشري إنسان بصرف النظر عن جنسه أو لونه أو دينه وعقيدته. وأنه يتمتع بكرامة الإنسان وحقوقه المتساوية مع غيره من بني البشر. ويستمر منهج الاعتراف الأولي والأساسي نفسه بإنسانية المخلوق البشري في ديباجة الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب والمعاملة الحاطة بالكرامة أو اللاإنسانية لعام 1984، إذ تبرز الدول الأطراف في الاتفاقية أهم الشروط لتطبيق نصوصها وهو الاعتراف المبدئي بأن ضحية انتهاك تلك النصوص هو أولاً وقبل كل شيء إنسان. فهذا الاعتراف هو أساس إدانة مجرمي التعذيب الذين تجردت نفوسهم من الضمير والواعز الإنساني تحت تأثير نظرة متدنية للضحية(17).
Page 9
4 ـ نصوص الاعتراف
ومع أن عبارات الاعتراف بإنسانية المخلوق الآدمي قد وردت بألفاظ متماثلة في المواثيق الدولية إلا أننا نفضل إيرادها مفصلة في النماذج الأساسية لهذه المواثيق.فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان يقول في أول سطر بالديباجة: «لما كان الاعتراف (recognition) بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصلية فيهم ومن حقوق متساوية وثابتة، يشكل أساس الحرية والعدل والسلام العالمي».(18)
ويركز العهدان الدوليان لحقوق الإنسان عام 1966 على عنصر الاعتراف من جانب الدولة الموقعة والمصدقة على العهدين فتقول الديباجة:
«إن الدول الأطراف في هذا العهد إذ ترى أن الاعتراف بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامه أصلية فيهم، ومن حقوق متساوية وثابتة يشكل، وفقاً للمبادئ المعلنة في ميثاق الأمم المتحدة، أساس الحرية والعدل والسلام في العالم».
«وإذ تعترف بأن هذه الحقوق تنبثق من كرامة الإنسان الأصلية فيه»(19).
وفي عام 1984 تركز الجمعية العامة للأمم المتحدة مرة أخرى على أهمية الاعتراف الأولي والمبدئي بإنسانية المخلوق البشري فتضع في الأسطر الأولى من ديباجة الاتفاقية التعهد الدولي نفسه بالاعتراف بتلك الحقوق وكما يلي:
أولاً: بإنسانية عضو الأسرة واعتبار هذا الاعتراف المدخل الرئيسي لاحترام نصوص الاتفاقية
وهكذا يكون الاعتراف المبدئي بإنسانية المخلوق البشري أساس احترام حقوق الإنسان، وبغير هذا الاعتراف تقع كل احتمالات انتهاكات حقوق الإنسان كما نراها ونقرأ عنها في إبادة بعض الأجناس البشرية كما لو كانت مجموعة من الحشرات أو حرمان معارضي نظم الحكم من حياتهم بوحشية متناهية كما تشهد بذلك تقارير منظمات حقوق الإنسان، أو تعريض جماعات من الناس لتعذيب وحشي عبثاً بأجسادهم كما لو كانت ذبائح حيوانية أمام ذابحيها وسالخيها ومقطعيها.
وواقع حقوق الإنسان في العالم يثير عدة قضايا يمكن إجمالها فيما يلي:
أ ـ قضايا الانتماء الوطني والتنمية والرخاء؟؟.
وتلك أخطر القضايا، إذ يتوقف عليها رفاهية البلاد وتقدمها في جميع المجالات وخصوصاً مجالات الإنتاج كما تشهد بذلك أحداث التاريخ بعد الحرب العالمية الثانية، فقد خرجت دول أوروبا شرقها وغربها من الحرب بأوضاع متقاربة ليبدأ التنافس والسباق في المجالات العلمية والاقتصادية والاجتماعية في ظل أيديولوجيات مختلفة بين شرق أوروبا وعلى رأسه الاتحاد السوفياتي وغرب أوروبا وهو يتحسس طريقه للنهوض بذاته وتدعيم استقلاله حتى عن الولايات المتحدة الأميركية نفسها.
ومنذ عام 1948 وهو عام تصاعد الحرب الباردة إثر غلق بوابة برلين، وعلى مدى أكثر من أربعين عاماً، كان الصراع الكبير بين غرب أوروبا ومشرقها الذي انتهى لمصلحة النظام في أوروبا الشرقية. سواء من الناحية الأيديولوجية أو السياسية أو الاقتصادية بما في ذلك الاتحاد السوفياتي ذاته، الذي بدأ عجزه الواضح عن توفير كفايته الذاتية اقتصادياً واحتياجه إلى مساعدات أوروبا الغربية في مجالات كانت قاصرة على دول العالم الثالث المتخلفة، كمجالات الغذاء والقوت اليومي للشعب. وكان انهيار نطم الحكم الشمولية في بولندا وألمانيا الشرقية ورومانيا وتشيكوسلوفيا والمجر علامات واضحة على طريق المنافسة بين مجتمع أوروبا الغربية ومجتمع أوروبا الشرقية، ثم كان طلب هذه الدول الأخيرة الملح للانضمام أو الانتساب أو التعاون مع دول المجموعة الأوروبية نهاية المطاف لمرحلة الصراع والمنافسة الطويلة خلال السنوات الطويلة الماضية منذ الحرب العالمية الثانية.
وهذا يطرح علينا السؤال: لماذا انهارت نظم الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية ورفعت الراية البيضاء أمام أوروبا الغربية وأصبحت تطلب العون منها وتتطلع إلى التشبه بها في نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعد أن تخلت عن نظمها الشيوعية الشمولية؟
إن الفقرة الثالثة من ديباجة العهدين الدوليين لعام 1966 تجيب عن ذلك السؤال، إذ تذهب تلك الفقرة إلى أن المجتمع الحر المتجرد من الخوف والفاقة هو المجتمع النموذج للإنسان الذي يتذوق فيه التمتع بحقوقه المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم فهو المجتمع المثالي في قمة انتماء الإنسان إلى بلاده وحبه لها وتفانيه في خدمتها بما يؤدي إلى زيادة الإنتاج وتحقيق التقدم والرخاء في كل المجالات كما تفصح عن ذلك أحوال أوروبا الغربية.
Page 10
والفقرة الثالثة من ديباجة العهدين التي تتحدث عن مجتمع الأحرار الذين ذهب عنهم الخوف وتحرروا من الفاقة، إنما بنت تلك الصفات للمجتمع البشري على الاعتراف الأولي والأساسي بالإنسان كما ورد في الفقرتين الأولى والثانية من الديباجة. ففي هاتين الفقرتين شروط الاعتراف بإنسانية الفرد وهي:
احترام كرامة الإنسان المتأصلة في خلقه وما ينبثق منها من حقوق إنسانية متساوية مع الآخرين وثابتة له لا تعصف بها العواصف السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وكذلك احترام سلطات البلاد لكرامة الفرد والإيمان الكامل بأصالتها لدى المخلوق البشري وتساويه مع الآخرين.
إن الحقوق والواجبات التي تشمل الحكام أنفسهم هي الشروط الأساسية لمجتمع الأحرار وهو مجتمع الأمن والأمان من الخوف والفاقة ومجتمع الكفاية في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهي الركائز الأساسية للتقدم والرخاء.
وقد سعت دول أوروبا الغربية لإقامة هذا المجتمع المتقدم من خلال تدابير حيوية بدأت بإنشاء مجلس أوروبا عام 1949 لتشجيع التعاون بين الدول الأعضاء على التقدم والرخاء وبناء مجتمع ديمقراطي يقوم على حرية الرأي والتعبير وتعدد الأحزاب السياسية وتنافسها في الحكم وتداول كراسي السلطة بينها للإدارة الحرة للشعب في انتخابات حرة نزيهة تكفل دائماً غلق الأبواب أمام الدكتاتورية والاستبداد واحتكار السلطة. وفي ظل هذا المناخ الديمقراطي أبرمت دول غرب أوروبا الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان عام 1950، ولو لم تفعل ذلك لكانت أجهزة أوروبية لرد الحكومة إلى حظيرة الاحترام الكامل لحقوق الإنسان في مواجهة السلطات، مما أشاع جواً عاماً من الإحساس بقيمة الإنسان في مواجهة السلطات وبقيمة انتمائه إلى مجتمع الأحرار القادر على مشاركة الحكومات في مسيرة الإنتاج والتقدم والرخاء. وقد استثمر قادة أوروبا هذا المناخ العام الإنساني الديمقراطي الحر لإذكاء روح المشاركة الشعبية العامة في دفع عجلة الإنتاج بإنشاء منظمة أوروبية إنتاجية في عام 1951 متمثلة في جمعية الفحم والصلب الأوروبية ثم في إنشاء الجمعية الاقتصادية الأوروبية والجمعية الأوروبية للنشاط الذري عام 1957 حيث حققت تلك الجمعيات أهدافها العظيمة خلال السنوات الماضية وأصبحت أقوى كتلة اقتصادية في العالم وأكثر الجماعات الإنسانية إحرازاً للتقدم بالنسبة إلى مواطنيها في جميع المجالات، وخصوصاً في طفرة الزيادة في دخلها القومي والخدمات الاجتماعية والإنسانية التي يتلقاها المواطن الأوروبي من الحكومات وأنظمتها القانونية.
وفي مقابل هذا النجاح العظيم لمجتمع أوروبا الغربية كان الانهيارلمجتمع منظمة الكوميكون التي نشأت عام 1949 بين الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية كما كان الانهيار الشامل لنظم الحكم الشمولية في أوروبا الشرقية في نهاية الثمانينيات من هذا القرن وانتهاء احتكار الأحزاب الشيوعية للسلطة وسقوط أيديولوجيات ومفاهيم عاشت عليها أوروبا الشرقية عشرات السنين بعد الحرب العالمية الثانية مع نتيجة واضحة للتخلف الاقتصادي والاجتماعي والعجز الشديد عن الإنتاج لدرجه العوز لمساعدات أوروبا الغربية المترفة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
وهذه المفارقة بين المجتمعين هي حصاد التطبيق السليم لمضمون الفقرات الثلاث الأولى في ديباجة العهدين الدوليين لحقوق الإنسان فبقدر تنفيذ هذه الفقرات بدقة في مجتمع أوروبا الغربية كان إهدارها في مجتمع أوروبا الشرقية. لقد شهدت دول الاتحاد السوفياتي قسوة نظم الحكم الشمولية التي جرت فيها مذابح التصفية الجسدية لخصوم النظام إبان حكم ستالين وغيره، واستمر نظام الحكم الشمولي في سيطرة الحزب الواحد سيطرة لا تفسح مجالاً لحرية الإنسان في الرأي والتعبير وحقه في تداول السلطة من خلال أحزاب سياسية ديمقراطية تشعره بأنه شريك في الحكم وليس مجرد رعية لحزب السيطرة الأبدية. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين مجتمع أوروبا الغربية ومجتمع أوروبا الشرقية.إنه الفرق بين مجتمع الأحرار المشاركين في الحكم والمتحررين من الخوف والفاقة والمتمتعين بحقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبين مجتمع الحرمان من هذه الصفات الإنسانية. ولأن المجتمع الأول هو البيئة الصالحة لإرساء قيم الانتماء الوطني والتفاني الإنساني مع المجتمع إنتاجاً وتقدماً ورخاء لذلك فقد حقق ذلك المجتمع كل ما شهدت به حقائق العصرمن نمو وتقدم ورخاء، بينما فشل مجتمع الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية في تحقيق مثل تلك النتائج لضعف إنتاج شعوب كنتيجة حتمية لضعف إحساسها باحترام أنظمة حقوق الإنسان مما يقلل من درجة إحساس المواطن بإنسانيته أو فقده هذا الإحساس تماماً عندما يكون مهدداً بإهدار حقه في الحياة أو تعريضه للتعذيب الوحشي أو إهدارحق شعبه كله في تقريرمصيره كما حدث بالنسبة إلى قمع ثورات شعوب المجر وتشيكوسلوفاكيا وبولندا ورومانيا ويوغوسلافيا. وهكذا كان تخلف شرق أوروبا حصاداً منطقياً لعصور انتهاك حقوق الإنسان. وكان تقدم ورخاء ورفاهية مجتمع أوروبا الغربية حصاداً طبيعياً لاحترام حقوق الإنسان. وبمعنى أوضح كان الاعتراف بإنسانية الفرد في أوروبا الغربية مدخلها الطبيعي منذ نهاية الأربعينيات للتقدم والرخاء والرفاهية. وعلى العكس من ذلك، كان ضعف الاعتراف بإنسانية المواطن في أوروبا الشرقية متمثلاً في عدم التقدير الكافي للكرامة المتأصلة في المخلوق البشري وحقوقه المتساوية كمقدمة ضرورية للمجتمع الحر المتحرر من الخوف والفاقة... كان ذلك سبباً رئيسياً في انعزالية المواطن ولامبالاته وضعف إنتاجه وتلك كلها مظاهرلضعف الانتماء إلى الدولة. وماحدث في أوروبا الشرقية من انهيار للنظم وتخلف في مستوى حياة الإنسان حدث ويحدث في مناطق أخرى من العالم.
وتقدم حياة الشعوب في التسعينيات من هذا القرن إجابة واضحة للفقرات الثلاث الأولى في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين لحقوق الإنسان لعام 1966 فالدول التي اعترفت بإنسانية مواطنها وبتقديس كرامته المتأصلة في خلقه واحترام حقوق الإنسان بكل ما تشمله من معان، وأقامت مجتمع الأحرار المتحررمن الخوف والفاقة، استطاعت أن تهيئ الظروف الضرورية لنهضة المجتمع الإنساني صاحب الوفرة في الإنتاج والرخاء والتقدم والاستقرار والسلام. أما الدول التي عجزت عن تقديم ردود إيجابية عن الفقرتين الأولى والثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والفقرات الثلاث بالعهدين الدوليين فقد عانت التخلف والانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتحقق فيها ما ورد في الفقرة الثالثة من ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تقول: (ولما كان من الأساسي أن تتمتع حقوق الإنسان بحماية النظام القانوني إذا أريد للبشر ألا يضطروا آخر الأمر إلى الاستعانة بالتمرد على الطغيان والاضطهاد)..
إن الذين صاغوا هذه الفقرة الثالثة في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 تتحقق رؤيتهم في دول انتهاك مفاهيم حقوق الإنسان في شرق أوروبا وغيرها من دول العالم التي سادتها الاضطرابات تمرداً على الطغيان والاضطهاد لحقوق الإنسان كما تقول الفقرة الثالثة من الإعلان.
احترام كرامة الإنسان المتأصلة في خلقه وما ينبثق منها من حقوق إنسانية متساوية مع الآخرين وثابتة له لا تعصف بها العواصف السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وكذلك احترام سلطات البلاد لكرامة الفرد والإيمان الكامل بأصالتها لدى المخلوق البشري وتساويه مع الآخرين.
إن الحقوق والواجبات التي تشمل الحكام أنفسهم هي الشروط الأساسية لمجتمع الأحرار وهو مجتمع الأمن والأمان من الخوف والفاقة ومجتمع الكفاية في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهي الركائز الأساسية للتقدم والرخاء.
وقد سعت دول أوروبا الغربية لإقامة هذا المجتمع المتقدم من خلال تدابير حيوية بدأت بإنشاء مجلس أوروبا عام 1949 لتشجيع التعاون بين الدول الأعضاء على التقدم والرخاء وبناء مجتمع ديمقراطي يقوم على حرية الرأي والتعبير وتعدد الأحزاب السياسية وتنافسها في الحكم وتداول كراسي السلطة بينها للإدارة الحرة للشعب في انتخابات حرة نزيهة تكفل دائماً غلق الأبواب أمام الدكتاتورية والاستبداد واحتكار السلطة. وفي ظل هذا المناخ الديمقراطي أبرمت دول غرب أوروبا الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان عام 1950، ولو لم تفعل ذلك لكانت أجهزة أوروبية لرد الحكومة إلى حظيرة الاحترام الكامل لحقوق الإنسان في مواجهة السلطات، مما أشاع جواً عاماً من الإحساس بقيمة الإنسان في مواجهة السلطات وبقيمة انتمائه إلى مجتمع الأحرار القادر على مشاركة الحكومات في مسيرة الإنتاج والتقدم والرخاء. وقد استثمر قادة أوروبا هذا المناخ العام الإنساني الديمقراطي الحر لإذكاء روح المشاركة الشعبية العامة في دفع عجلة الإنتاج بإنشاء منظمة أوروبية إنتاجية في عام 1951 متمثلة في جمعية الفحم والصلب الأوروبية ثم في إنشاء الجمعية الاقتصادية الأوروبية والجمعية الأوروبية للنشاط الذري عام 1957 حيث حققت تلك الجمعيات أهدافها العظيمة خلال السنوات الماضية وأصبحت أقوى كتلة اقتصادية في العالم وأكثر الجماعات الإنسانية إحرازاً للتقدم بالنسبة إلى مواطنيها في جميع المجالات، وخصوصاً في طفرة الزيادة في دخلها القومي والخدمات الاجتماعية والإنسانية التي يتلقاها المواطن الأوروبي من الحكومات وأنظمتها القانونية.
وفي مقابل هذا النجاح العظيم لمجتمع أوروبا الغربية كان الانهيارلمجتمع منظمة الكوميكون التي نشأت عام 1949 بين الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية كما كان الانهيار الشامل لنظم الحكم الشمولية في أوروبا الشرقية في نهاية الثمانينيات من هذا القرن وانتهاء احتكار الأحزاب الشيوعية للسلطة وسقوط أيديولوجيات ومفاهيم عاشت عليها أوروبا الشرقية عشرات السنين بعد الحرب العالمية الثانية مع نتيجة واضحة للتخلف الاقتصادي والاجتماعي والعجز الشديد عن الإنتاج لدرجه العوز لمساعدات أوروبا الغربية المترفة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
وهذه المفارقة بين المجتمعين هي حصاد التطبيق السليم لمضمون الفقرات الثلاث الأولى في ديباجة العهدين الدوليين لحقوق الإنسان فبقدر تنفيذ هذه الفقرات بدقة في مجتمع أوروبا الغربية كان إهدارها في مجتمع أوروبا الشرقية. لقد شهدت دول الاتحاد السوفياتي قسوة نظم الحكم الشمولية التي جرت فيها مذابح التصفية الجسدية لخصوم النظام إبان حكم ستالين وغيره، واستمر نظام الحكم الشمولي في سيطرة الحزب الواحد سيطرة لا تفسح مجالاً لحرية الإنسان في الرأي والتعبير وحقه في تداول السلطة من خلال أحزاب سياسية ديمقراطية تشعره بأنه شريك في الحكم وليس مجرد رعية لحزب السيطرة الأبدية. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين مجتمع أوروبا الغربية ومجتمع أوروبا الشرقية.إنه الفرق بين مجتمع الأحرار المشاركين في الحكم والمتحررين من الخوف والفاقة والمتمتعين بحقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبين مجتمع الحرمان من هذه الصفات الإنسانية. ولأن المجتمع الأول هو البيئة الصالحة لإرساء قيم الانتماء الوطني والتفاني الإنساني مع المجتمع إنتاجاً وتقدماً ورخاء لذلك فقد حقق ذلك المجتمع كل ما شهدت به حقائق العصرمن نمو وتقدم ورخاء، بينما فشل مجتمع الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية في تحقيق مثل تلك النتائج لضعف إنتاج شعوب كنتيجة حتمية لضعف إحساسها باحترام أنظمة حقوق الإنسان مما يقلل من درجة إحساس المواطن بإنسانيته أو فقده هذا الإحساس تماماً عندما يكون مهدداً بإهدار حقه في الحياة أو تعريضه للتعذيب الوحشي أو إهدارحق شعبه كله في تقريرمصيره كما حدث بالنسبة إلى قمع ثورات شعوب المجر وتشيكوسلوفاكيا وبولندا ورومانيا ويوغوسلافيا. وهكذا كان تخلف شرق أوروبا حصاداً منطقياً لعصور انتهاك حقوق الإنسان. وكان تقدم ورخاء ورفاهية مجتمع أوروبا الغربية حصاداً طبيعياً لاحترام حقوق الإنسان. وبمعنى أوضح كان الاعتراف بإنسانية الفرد في أوروبا الغربية مدخلها الطبيعي منذ نهاية الأربعينيات للتقدم والرخاء والرفاهية. وعلى العكس من ذلك، كان ضعف الاعتراف بإنسانية المواطن في أوروبا الشرقية متمثلاً في عدم التقدير الكافي للكرامة المتأصلة في المخلوق البشري وحقوقه المتساوية كمقدمة ضرورية للمجتمع الحر المتحرر من الخوف والفاقة... كان ذلك سبباً رئيسياً في انعزالية المواطن ولامبالاته وضعف إنتاجه وتلك كلها مظاهرلضعف الانتماء إلى الدولة. وماحدث في أوروبا الشرقية من انهيار للنظم وتخلف في مستوى حياة الإنسان حدث ويحدث في مناطق أخرى من العالم.
وتقدم حياة الشعوب في التسعينيات من هذا القرن إجابة واضحة للفقرات الثلاث الأولى في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين لحقوق الإنسان لعام 1966 فالدول التي اعترفت بإنسانية مواطنها وبتقديس كرامته المتأصلة في خلقه واحترام حقوق الإنسان بكل ما تشمله من معان، وأقامت مجتمع الأحرار المتحررمن الخوف والفاقة، استطاعت أن تهيئ الظروف الضرورية لنهضة المجتمع الإنساني صاحب الوفرة في الإنتاج والرخاء والتقدم والاستقرار والسلام. أما الدول التي عجزت عن تقديم ردود إيجابية عن الفقرتين الأولى والثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والفقرات الثلاث بالعهدين الدوليين فقد عانت التخلف والانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتحقق فيها ما ورد في الفقرة الثالثة من ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تقول: (ولما كان من الأساسي أن تتمتع حقوق الإنسان بحماية النظام القانوني إذا أريد للبشر ألا يضطروا آخر الأمر إلى الاستعانة بالتمرد على الطغيان والاضطهاد)..
إن الذين صاغوا هذه الفقرة الثالثة في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 تتحقق رؤيتهم في دول انتهاك مفاهيم حقوق الإنسان في شرق أوروبا وغيرها من دول العالم التي سادتها الاضطرابات تمرداً على الطغيان والاضطهاد لحقوق الإنسان كما تقول الفقرة الثالثة من الإعلان.