eKtab
EN ع
القدس في الشعر العربي
Read free sample

القدس في الشعر العربي

by إيمان مصاروة

Page 1

شكر وتقدير وعرفان

إلى المرأة المناضلة بقوة حرفها..

إلى تلك المرأة المتضامنة مع قضية شعبي..

إلى التي قلبها يهفو إلى مدينة القدس صباحاً ومساء..

إلى التي تغنت بالقدس وفلسطين في أشعارها وما زال قلمها وقلبها

ينبضان عشقاً وحباً لوطني ولمدينتي..

كل الشكر لكِ أيتها الأميرة العربية الكبيرة هند القاسمي.

Page 2

تجليات القدس في الشعر العربي
لمحة تاريخية
لم يرد في تاريخ العرب محنة أشد ضراوة وأطول عمراً وأكثر عمقاً من محنة القدس، فقد أثارت مشاعر الأدباء والشعراء في مختلف بلاد العروبة والإسلام على مر الوقت، فخلفوا لنا تراثاً أدبياً ضخماً في أحداثه، يتسم في معظمه بصدق القول والانتماء؛ وحرارة الأداء، وروعة التصوير. وليس هذا بالكثير على قدسنا؛ أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ملتقى الأنبياء، وبوابة الأرض إلى السماء.
ولما تشغله القدس من مكانة دينية في الأديان السماوية الثلاثة، وما تتعرض له من تهويد وتغيير لملامحها التاريخية، بفعل السلطة السياسية المُحتَلّة للأرض والإنسان الفلسطيني، وما نتج من متغيرات القضية الفلسطينية وتحوّلاتها المتعدّدة، بحيث بدأت القدس تأخذ حضورها النسبي في الإنتاج الشعري العربي، وإن ظلّ هذا الحضور محدوداً كماً وكيفاً. لذا وجب على كل المخلصين والشرفاء- علماء وأدباء، شعراء وكتّاب، مفكرين وباحثين- من أبناء هذه الأمة أن يتناولوا القدس، هاجس الأمة وآلامها وآمالها، وإن ما فاضت به قرائح الشعراء هنا ما هو إلا روح الأمة وسفر نضالها، وأدب انتمائها وأصالة برها.. من هنا، ولأجل هذا، كانت هذه الدراسة؛ محاولة مني للإسهام ببصمة أدبية نتوج بها جبين القدس ببعض ما تستحقه منا ولا سيما وأني فلسطينية الروح والهوية..
ولما كانت القدس أرض المحشر والمنشر، فإن العيون تهفو إليها، وترنو القلوب للصلاة بين أعمدة الكنائس وأروقة المساجد التي توحي بأصالة العبد وروعة المعبود.
والقدس تعد من أكرم المقدسات الإسلامية، أكرمها القرآن الكريم في قوله تعالى:
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (سورة الإسراء- الآية 1).
وتحدث عن القدس نبينا ورسولنا محمد صلى الله وعليه وسلم. ولبيت المقدس أُسري بالرسول الكريم ومنه عرج إلى السماء. وكان الركن الثاني في الإسلام الصلاة؛ أعظم المنح الإلهية في الإسراء والمعراج.
 

Page 3

مسجد الصخرة

يرجع اهتمام المسلمين بالصخرة إلى أنها المكان الذي قدّم إبراهيم الخليل ولده إسماعيل عليهما السلام ذبيحا عليها، وكذلك علاقتها بقصة الإسراء والمعراج.

وتقع الصخرة نفسها تحت قبة المسجد مباشرة، وطولها من الشمال إلى الجنوب حوالي 17 متراً ونصف، وعرضها من الشرق إلى الغرب 13 متراً ونصف، وارتفاعها يتراوح بين متر ومترين، وقد بنى مسجد الصخرة الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، ورصد لبنائه خراج مصر لسبع سنين، وشرع البناؤون في البناء سنة 66هـ- 685م، وفرغوا منه سنة 72هـ- 691م. و في عام 1099م حول الصليبيون المسجد إلى كنيسة، وبنوا عليه مذبحا، ولكن صلاح الدين الأيوبي أزال هذه المعالم، وزين القبة وستر الجدران بالرخام كما أهتم بعمارة المسجد ملوك بني أيوب والمماليك والعثمانيون ويتجلى في مسجد الصخرة جمال الهندسة والذوق العربيين، وقد أجمع المؤرخون على أنه من أجمل الأبنية على وجه البسيطة، كما وصفه البعض بأنه من أجمل الآثار التي خلدها التاريخ (1) .

Page 4

المسجد الأقصى

يقع في الجهة الجنوبية من رقعة الحرم الشريف، وعلى بعد خمسمائة متر تقريباً من مسجد الصخرة إلى الجنوب. (وكان هذا الاسم: (المسجد الأقصى) يطلق فيما مضى على الحرم القدسي كله). والذي بناه هو الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان سنة 574 هـ- 693م، وأنه تم في زمن ابنه الوليد (86 هـ- 705م). ويبلغ طوله 88م وعرضه 35م، ويقوم على 53 عموداً من الرخام و 49ساريةمربعة الشكل (2).

Page 5

حائط البراق

هو حائط كبير مبني من الحجارة الضخمة، يبلغ طوله حوالي 156 قدماً وارتفاعه 65 قدماً، يقدسه المسلمون نظراً لعلاقته الوثيقة بقصة إسراء الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى بيت المقدس، إذ تذكر الروايات أن الرسول الكريم أوقف براقه ليلة الإسراء هناك.

ويؤلف هذا المكان اليوم جزءاً من الجدار الغربي للحرم القدسي، وأقيم عنده مسجد صغير لصلاة النافلة.

ومما لا شك فيه أن الصهاينة منذ قديم الأزل يسعون إلى تهويد المدينة المقدسة والاستحواذ عليها.

وأستعرض هنا بلمحة سريعة شذرات من تاريخ وحضارة هذه المدينة وأبدأ من الاسم فقد أطلق على القدس تسميات كثيرة نذكر منها (3) :

- أورشليم أو أورسالم: والتسمية مؤلفة من أور "وتعني بالبابلية" مدينة و"سالم" هو إله السلام عند الكنعانيين.

- يبوس: سلالة حاكمة من قبيلة يبوس الكنعانية، حكمت القدس في نهاية الألف الثانية قبل الميلاد.

- هيروسليما: بعد دخول الإسكندر بلاد الشام، أطلق اليونان على القدس هذا الاسم. ومنه أخذت الأمم الأوروبية "جيروسالم Jerusalem ".

- إيليا كابتيولينا: أطلقه الإمبراطور الروماني هادريان (79-128م) على القدس، واستمرت هذه التسمية إلى أن حررها العرب المسلمون في القرن السابع الميلادي.

- أوريشلم: اسم عرف به العرب القدس في جاهليتهم .

وهكذا يتبين لنا من دراستنا السابقة للآثار عن القدس الشريف أنها مدينة موجودة منذ أكثر من ألفي عام قبل ظهور اليهود على مسرح الأحداث في الشرق الأدنى القديم. وأن بناتها كانوا من العرب الكنعانيين، بنوها ليعبدوا إله السلام. كما نستنتج أيضا، أن اليهود القدماء الذين أصبحوا من القبائل البائدة، واليهود إفراز الهجمة الاستعمارية الأوروبية على بلادنا، وضعوا لبنة واحدة في بناء قدسنا الشريف، وأن وجود اليهود في فلسطين كان وجوداً عابراً شأنه شأن كل الهجمات الغربية على وطننا العربي في القديم والحديث. وتضيف الدكتورة "كنيون" فتقول في بعض الكلام عن حفرياتها في القدس (1961-1967)".

Page 6

وقد اتضح في ما كان من دراسات أثرية وتاريخية أن مدينة القدس التاريخية قامت على تل الظهور (أو فل الطور) المطلة على قرية سلوان إلى الجنوب الشرقي من الحرم الشريف والمسجد الأقصى وعلى مر العصور هجر هذا الموقع لتقوم القدس على تلال تقع إلى الشمال من الموقع الأول بين بابي الساهرة وحطة وبين مرتفع ساحة الحرم الشريف في الشرق (جبل موريا) ومرتفع صهيون في الجنوب الغربي وهي المرتفعات التي تقع داخل السور فيما يعرف اليوم بالقدس القديمة داخل الأسوار.

يبلغ محيط سور القدس ميلين ونصف الميل وله أربعة وثلاثون برجاً وسبعة أبواب (4) :

1- باب الخليل Jaffa Gate في وسط الجانب الغربي من السور.

2- باب الحديد The New Gate في الزاوية الشمالية الغربية من السور.

3- باب الساهرة Herod Gate في الشمال الشرقي من السور.

4- باب العمود Damasus Gate وسط الجانب الشمالي من السور.

5- باب ستنا مريم St. Stepan's Gate في الزاوي الشمالية من السور.

6- الباب الذهبيThe Golden Gate المدخل المباشر إلى الحرم الشريف، يقع في الزاوية الجنوبية الشرقية.

7- باب المغاربة Dung Gate في الجانب الجنوبي الشرقي من السور.

Page 7

حضور القدس في الشعر العربي

إن الاهتمام بالقدس في حقبة الحروب الصليبية كان واضحاً فقد أصبحت المدينة المقدسة هماً إنسانياً يحاصر الشعراء في كل حين، وقد انعكس ذلك في حضور جلي للقدس في أشعارهم ولعل حقبة الحروب الصليبية بما شهدته من مد وجزر، وكر وفر، كانت الأوفر حظاً في الشعر العربي القديم الذي تناول القدس.

فقد تغنى شعراء هذه الحقبة بمعالم القدس وانتصاراتها وانكساراتها وبينوا أثر ذلك كله في نفوس المسلمين.

ومن الشعراء الذين تغنوا بالمدينة المقدسة عمارة اليمني إذ يقول (5) :

قولا لمن في عزمه فترة ارجع إلى الجد وحل المراح

فالقدس قد أذن إغلاقهعلى يدي يوسف بالانفتاح

وهو هنا يتفاءل بفتح القدس واستعادتها من أيدي الفرنجة على يد القائد الإسلامي صلاح الدين الأيوبي، كما يدعو إلى العمل الجاد من أجل هذا الفتح، وكذلك إلى نبذ الفرقة والتخاذل.

ويؤكد العماد الأصفهاني هذا الشعور لدى عمارة اليمني فيقول (6) :

أو ما وعدت القدس أنك منجز ميعاده في فتحه وظهوره

فمتى تجير القدس من دنس العدىوتقدس الرحمن في تطهيره

فهو هنا يحث الهمم على فتح القدس متعجلاً ذاك الفتح الذي اعتبره عبادة وتقديساً لله عز وجل. لذا فإننا نجد الشاعر نفسه يهنئ صلاح الدين بفتح القدس فيقول (7) :

فلا يستحق القدس غيرك في الورى فأنت الذي من دونهم فتح القدسا

وطهرته من رجسهم بدمائهمفأذهبت بالرجس الذي ذهب الرجسا

نزعت لباس الكفر عن قدس أرضهاوألبستها الدين الذي كشف اللبسا

Page 8

وهو هنا يهنئ الفارس المغوار بفتاته التي حررها من أيدي الغزاة، فجعل من مدينة القدس فتاة أو قل عروساً تخلع لباس الذل والكفر وترتدي لباس العزة والكرامة والإسلام، وهي صورة تتلاءم مع أجواء النصر والتحرير التي عاشها الشاعر وأمته فرحة وسعادة.

وكذلك فعل الشاعر الشريف الجواني الذي أشاد بالنصر الذي حققه صلاح الدين، ونوه إلى الذل الذي أحاق بأعدائه ومليكهم قائلاً (8) :

أترى مناماً ما بعيني أبصر القدس يفتح والفرنجة تكسر

وقمامة قمت من الرجس الذيبزواله وزوالها يتطهر

ومليكهم في القيد مصفوداً ولم ير قبل ذاك لهم مليك يؤسر

هذا فيما يتعلق بتحقيق النصر، أما فيما يتعلق بالهزيمة وسقوط القدس في أيدي الفرنجة فقد تعرض إليه الكثير من الشعراء بالرثاء والحزن ومن بينهم الشاعر مجد الدين محمد بن عبد الله الحنفي إذ يقول (9) :

مررت على القدس الشريف مسلماً على ما تبقى من ربوع كأنجم

ففاضت دموع العين مني صبابةعلى ما مضى من عصرنا المتقدم

فهو يسكب الدموع لما آلت إليه هذه المدينة المقدسة، فقد محا الغزاة معالمها الإسلامية ودمروا مقدساتها ظناً منهم بأنهم يغيرون التاريخ ويحرفون مساره. وهو ما يقوم به الاحتلال "الإسرائيلي" في وقتنا الحالي محاولاً تغيير الحقائق التاريخية والجغرافية على الأرض لنزع الصفة الفلسطينية عن المدينة وإلباسها ثوباً زائف اللحمة قوامه المستوطنات وجدار الفصل العنصري.

وكذلك يفعل الشاعر القرقساني عندما يقول (10) :

مصاب القدس قد سلب الرقادا وقد لبس الخطيب به الحدادا

وقاضيه قضى نحباً وإن لميمت لخراب ما أعلى وشادا

ونادى المسجد الأقصى: أيرضى بهذا الفعل من فرض الجهادا؟!

ومنبره الشريف يئن خوفاًومما حل بالمحراب مادا

ألا تذكرنا هذه الأبيات بما تعاني منه مدينة القدس ومسجدها الأقصى المبارك، من حصار ودمار، من حفر وإحراق، من قتل وإبعاد، كل ذلك يأتي في سياق رغبة العدو في نيل الاعتراف بالتفوق (الميجالوثيميا) (11) ، التي تظهر في سعي هذا العدو للاعتراف به. ألا يؤكد هذا لنا أن التاريخ يعيد نفسه وإن تغيرت الأسماء و الوجوه. وهناك نماذج عديدة من الشعر لكثير من الشعراء في حقبة الحروب الصليبية تؤكد ذلك.

وقبل الانتقال إلى حقبة زمنية تالية لا بد أن نلاحظ أن اهتمام الشعراء العرب المحدثين حتى نهاية النصف الأول من القرن العشرين بمدينة القدس لم يكن يوازي أهمية المدينة فقلما نجد حضوراً لها في الشعر العربي. ولعل ذلك راجع إلى تغلغل الفكر الشيوعي بين المثقفين العرب ومن بينهم الشعراء.

إن المد اليساري أضعف الصبغة الدينية للمدينة المقدسة ما جعل الشعراء العرب يعرضون لها من منطلق قومي في الأغلب الأعم. لكن الشاعر الفلسطيني أعاد التوازن لهذه المدينة فركز على البعدين الديني والقومي لها.

لكننا سننتقل إلى حقبة أخرى، هي العصر الحديث، فقد ورد ذكر مدينة القدس على استحياء وفي قصائد محدودة لدى بعض الشعراء العرب ما يدعو إلى القول إن قضية القدس لم تشكل محور ارتكاز في حقبة ما بعد الحروب الصليبية. وقد ظل الأمر على ذلك الحال إلى أن سقطت المدينة مجدداً في أيدي الغزاة الصليبيين في الحرب العالمية الأولى.

Page 9

فعندما دخل "اللنبي" القدس عام 1917م أثناء الحرب العالمية الأولى قال: "الآن انتهت الحروب الصليبية". وعندما دخل الجنرال "غور" دمشق عام 1920 توجه إلى ضريح صانع نصر حطينالبطلالمسلم صلاح الدين الأيوبي ليقول بشماتة الحاقد المتعصب: "ها نحن عدنا يا صلاح الدين"! (12)

وظل الحال على ما هو عليه إلى أن سقطت المدينة في أيدي الصهاينة، فطالعتنا بعض القصائد لشعراء عرب أشاروا فيها إلى المدينة المقدسة ولكن هذه القصائد لم تصور الصراع الذي دار حول المدينة، ولم تعبر عن الخطر المحدق بها.

ومن بين الشعراء الذين أرسلوا تحياتهم للقدس الشاعر خليل مطران في قصيدته "تحية للقدس الشريف" إذ يقول" (13):

سلام على القدس الشريف ومن به

على جامع الأضداد في إرث حبه

على البلد الطهر الذي تحت تربه

قلوب غدت حباتها بعض تربه

وهي كما نلاحظ قصيدة لا تلامس معاناة القدس وأهلها ولم تصور الهجمة الشرسة على هذه المدينة.

ومن الشعراء الذين تحدثوا عن القدس الشاعر المصري علي محمود طه (14) :

أخي إن في القدس أختاً لنا أعد لها الذابحون المدى

أخي قم إلى قبلة المشرقين لنحمي الكنيسة والمسجدا

يسوع الشهيد على أرضها يعانق في جيشه أحمدا

يشير الشاعر إلى استعداد العدو للانقضاض على القدس ويدعو الأمة العربية إلى التوحد لمواجهة هذه الهجمة الشرسة للأعداء، وهذا لا يكون إلا بوحدة العرب مسلمين و مسيحيين، وبذلهم كل نفيس من أجل رد العدوان.

وبنفس الروح وفي إشارات مماثلة يقول عمر أبو ريشة (1910-1991):

يا روابي القدس يا مجلى السنايا رؤى عيسى على جفن النبي(15)

أو يقول:

يا تثني البراق في ليلة الأسراء والوحي ممسك بعنانه (16)

وفي الشعر الفلسطيني الحديث يخصص إبراهيم طوقان (1905-1941) قصيدة له بعنوان "القدس"، ولكنه لم يتناول فيها إلا ما وصفه "التطاحن الحربي الذي تفشى في فلسطين حينذاك"، وكانتالقدس بوصفها عاصمة البلاد مركز ذلك التطاحن.(17)

وكذلك نجد الشاعر عمر أبو ريشة قد تحدث عن القدس في قصيدته التي تحمل عنوان (عرس المجد) وهي قصيدة ألقيت في الحفلة التذكارية التي أقيمت في حلب، ابتهاجاً بجلاء الفرنسيين عن سوريا وتعرض فيها الشاعر لذكر القدس إذ يقول (18) :

أين في القدس ضلوع غضة لم تلامسها ذنابي عقرب؟

وقف التاريخ في محرابهاوقفة المرتجف المضطرب (19)

ثم يقول في موضع آخر من القصيدة ذاتها (20) :

يا روابي القدس، يا مجلى السنا يا رؤى عيسى على جفن النبي

دون عليائك في الرحب المدىصهلة الخيل ووهج الغضب!

طوّر الشعر الحديث المستجد في النصف الثاني من القرن العشرين أشكال القصيدة الحديثة ومضامينها، وقد أخذ يتناول قضايا جزئية أو معينة بشيء من التخصص والتفصيل، بمعنى أنه أخذ يركز على تفريعات لم يكن الشعر- آنفًا- يوليها وقفة طويلة أو اهتمامًا مركزًا.

Page 10

وعلى إثر الهزيمة العربية سنة 1967 غنّت فيروز قصيدة "زهرة المدائن" من كلمات الأخوين عاصي ومنصور رحباني (21)، فترددت الأغنية على الأسماع، وكان لها عميق الأصداء ومن كلماتها:

عيوننا إليك ترحل كل يوم

تدور في أروقة المعابد

تعانق الكنائس القديمة

وتمسح الحزن عن المساجد

يا ليلة الإسراء

يا درب من مرّوا إلى السماء

عيوننا إليك ترحل كل يوم

وإنني أصلي

وربما هذه القصيدة كانت المشرع المؤثر الأول لـ"قصيدة القدس"، من حيث الشيوع أولاً، وتلتها قصيدة نزار قباني (1923-1998) القدس، ويبدأها:

بكيت.. حتى انتهت الدموع

صليت.. حتى ذابت الشموع

ركعت.. حتى ملني الركوع

سألت عن محمد فيك وعن يسوع

يا قدس، يا مدينة تفوح أنبياء

يا أقصر الدروب بين الأرض والسماء

وفي نهاية المقطوعة الرابعة يتساءل الشاعر:

من يوقف العدوان

عليك يا لؤلؤة الأديان؟ (22)

وهذه القصيدة على غرار القصيدة المغناة من حيث لغة العشق والتفاؤل والبحث عن الخلاص، ومن حيث اللجوء إلى الرموز الدينية لاستشفاف المأساة، والسطران الأخيران فيهما أبعاد دينية.

أضف إلى ذلك ما قاله إيليا أبو ماضي، والجواهري، ومظفر النواب.

ومن الملاحظ أن القصائد العربية التي تعرضت لذكر القدس في هذه الحقبة قليلة وإنها لم ترق إلى مستوى أهمية المدينة و قدسيتها.

وأما على صعيد الشعر الفلسطيني الحديث فالأمر مختلف، إذا قلما نجد شاعراً لم يولِ اهتماماً للقدس. فالقدس بالنسبة للشعراء الفلسطينيين رمز عزة وكرامة، وهي كذلك مركز الصراع العربي "الإسرائيلي"، والذي يعد امتداداً للصراع التاريخي الذي شهدته المدينة على مر العصور، لذا فإنهم أولوها اهتماماً كبيراً تجلى نفثات حرّى في أنغامهم وقوافيهم، وتجسد ألماً وحزناً في أبعاد متعددة عرفتها قصائدهم.

ومن هنا فإني سوف أتناول هذه الأبعاد وأكشف عن تفاصيلها من خلال الشعر الفلسطيني. أما هذه الأبعاد فهي: