Page 1
المقدمة
الحمد لله وكفى ، وسلام على رسله الذين اصطفى ، وعلى خاتمهم المجتبى ، محمد وآله وصحبه أئمة الهدى ، ومصابيح الدجى ، ومن بهم اقتدى فاهتدى ...أمـا بــعــد ...
فهذه هى الرسالة العاشرة من (رسائل ترشيد الصحوة) وهى تتحدث عن قضية فى غاية الأهمية والخطورة علينا نحن العرب والمسلمين ، حيثما كنا فى أرض الله ، هى قضية القدس الشريف .
فالقدس فى مهب الريح ، فى مواجهة الخطر الداهم ، الخطر الصهيونى الذى بيَّت أمره ، وحدد هدفه ، وأحكم خطته ، لابتلاع القدس ، وتهويدها ، وسلخها من جلدها العربى والإسلامى ، وقد أعلن قراره ولم يُخفه ، وتحدى وتصدى وتعدى ، ولم يجد من أمة الإسلام ـ على امتدادها واتساعها ـ من يصده ويرده ، وقديما قالوا فى الأمثال : قيل لفرعون : ما فرعنك ؟ قال : لم أجد من يردنى !
إننا فى هذه الصحائف نريد أن ننبه الغافلين ، أن نوقظ النائمين ، أن نذكر الناسين ، أن نشجع الخائفين ، أن نثبت المترددين ، أن نكشف الخائنين ، أن نشد على أيدى المجاهدين ، الذين رفضوا الاستسلام ، وتحرروا من الوهن ، وصمموا على أن يعيشوا أعزاء ، أو يموتوا شهداء .
إن القدس ليست للفلسطينيين وحدهم ، وإن كانوا أولى الناس بها ، وليست للعرب وحدهم ، وإن كانوا أحـق الأمـة بالدفـاع عنها ، وإنما هى لكل مسلم أيا كان موقـعـه فـى مشـرق الأرض أو مغربها ، فى شمالها أو جنوبها ، حاكما كان أو محكومًا ، متعلمًا أو أميًّا ، غنيًّا ، أو فقيرًا ، رجلا أو امرأة ، كل على قدر مكنته واستطاعته .
فيا أمة الإسلام ، هبوا ، فقد جد الجد ، ودقت ساعة الخطر ، القدس ، القدس ، الأقصى ، الأقصى .
( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )(التوبة:105)
الدوحة فى : ذى الحجة 1418 هـ
الموافق إبريل 1998 م
يوسف القرضاوى
Page 2
القدس فى اعتقاد المسلمين
القدس فى الاعتقاد الإسلامى ، لها مكانة دينية مرموقة ، اتفق على ذلك المسلمون بجميع طوائفهم ومذاهبهم وتوجهاتهم ، فهو إجماع الأمة كلها من أقصاها إلى أقصاها . ولا غرو أن يلتزم جميع المسلمين بوجوب الدفاع عن القدس ، والغيرة عليها ، والذود عن حماها ، وحرماتها ومقدساتها ، وبذل النفس والنفيس فى سبيل حمايتها ، ورد المعتدين عليها . وقد اختلف المسلمون ، والعرب ، والفلسطينيون فى الموقف من قضية السلام مع إسرائيل : هل يجوز أو لا يجوز؟ وإن جاز : هل ينجح أو لا ينجح؟ ولكنهم جميعا ـ مسلمين وعربًا وفلسطينيين ـ لم يختلفوا حول عروبة القدس ، وإسلاميتها ، وضرورة بقائها عربية إسلامية ، وفرضية مقاومة المحاولات الإسرائيلية المستميتة لتهويدها ، وتغيير معالمها ، ومسخ شخصيتها التاريخية ، ومحو مظاهر العروبة والإسلام والمسيحية منها . فللقدس قدسية إسلامية مقدورة ، وهى تمثل فى حس المسلمين ووعيهم الإسلامى : القبلة الأولى ، وأرض الإسراء والمعراج ، وثالث المدن المعظمة ، وأرض النبوات والبركات ، وأرض الرباط والجهاد كما سنبين ذلك فيما يلى .القدس : القبلة الأولى
أول ما تمثله القدس فى حس المسلمين وفى وعيهم وفكرهم الدينى : أنها (القبلة الأولى) التى ظل رسول الله * وأصحابه يتوجهون إليها فى صلاتهم منذ فرضت الصلاة ليلة الإسراء والمعراج فى السنة العاشرة للبعثة المحمدية ، أى قبل الهجرة بثلاث سنوات ، وظلوا يصلون إليها فى مكة ، وبعد هجرتهم إلى المدينة ، ستة عشر شهرًا ، حتى نزل القرآن يأمرهم بالتوجه إلى الكعبة ، أو المسجد الحرام ، كما قال تعالى : ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (البقرة:150). وفى المدينة المنورة معلم أثرى بارز يؤكد هذه القضية ، وهو مسجد القبلتين ، الذى صلى فيه المسلمون صلاة واحدة بعضها إلى القدس ، وبعضها إلى مكة• وهو لا يزال قائمًا ، وقد جدد وتعهد ، وهو يزار إلى اليوم ويصلى فيه .وقد أثار اليهود فى المدينة ضجة كبرى حول هذا التحول ، ورد عليهم القرآن بأن الجهات كلها لله ، وهو الذى يحدد أيها يـكـون القبلـة لمـن يصـلـى له : ( سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ( (البقرة:142) إلى أن يقول : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (البقرة:143). فقد قالوا : إن صلاة المسلمين تلك السنوات قد ضاعت وأهدرت ، لأنها لم تكن إلى قبلة صحيحة ، فقال الله : أى صلاتكـم ، لأنها كانت صلاة إلى قبلة صحيحة مرضية عنده عز وجل .
Page 3
القدس أرض الإسراء والمعراج
وثانى ما تمثله القدس فى الوعى الإسلامى : أن الله تعالى جعلها منتهى رحلة الإسراء الأرضية ، ومبتدأ رحلة المعراج السماوية ، فقد شاءت إرادة الله أن تبدأ هذه الرحلة الأرضية المحمدية الليلية المباركة من مكة ومن المسجد الحرام ، حيث يقيم الرسول * ، وأن تنتهى عند المسجد الأقصى ، ولم يكن هذا اعتباطا ولا جزافًا ، بل كان ذلك بتدبير إلهى ولحكمة ربانية ، وهى أن يلتقى خاتم الرسل والنبيين هناك بالرسل الكرام ، ويصلى بهم إمامًا ، وفى هذا إعلان عن انتقال القيادة الدينية للعالم من بنى إسرائيل إلى أمة جديدة ، ورسول جديد ، وكتاب جديد : أمة عالمية ، ورسول عالمى ، وكتاب عالمى ، كما قال تـعـالى : ) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء:107)، ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا )(الفرقان:1)لقد نص القرآن على مبتدأ هذه الرحلة ومنتهاها بجلاء فى أول آية فى السورة التى حملت اسم هذه الرحلة (سورة الإسراء) فقال تعالى :) سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الإسراء:1). والآية لم تصف المسجد الحرام بأى صفة مع ماله من بركات وأمجاد ، ولكنها وصفت المسجد الأقصى بهذا الوصف ( الذي باركنا حوله )، وإذا كان ما حوله مباركًا ، فمن باب أولى أن يكون هو مباركًا .
وقصة الإسراء والمعراج حافلة بالرموز والدلالات التى توحى بأهمية هذا المكان المبارك ، الذى ربط فيه جبريل البراق ، الدابة العجيبة التى كانت وسيلة الانتقال من مكة إلى القدس ، وقد ربطها بالصخرة حتى يعود من الرحلة الأخرى ، التى بدأت من القدس أو المسجد الأقصى إلى السموات العلا ، إلى =سدرة المنتهى+ ، وقد أورث ذلك المسلمين من ذكريات الرحلة : الصخرة ، وحائط البراق .
لو لم تكن القدس مقصودة فى هذه الرحلة ، لأمكن العروج من مكة إلى السماء مباشرة ، ولكن المرور بهذه المحطة القدسية أمر مقصود ، كما دل على ذلك القرآن الكريم والأحاديث الشريفة .
ومن ثمرات رحلة الإسراء : الربط بين مبتدأ الإسراء ومنتهاه ، وبعبارة أخرى بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى ، وهذا الربط له إيحاؤه وتأثيره فى وعى الإنسان المسلم وضميره ووجدانه ، بحيث لا تنفصل قدسية أحد المسجدين عن قدسية الآخر ، ومن فرط فى أحدهما أوشك أن يفرط فى الآخر .
القدس ثالث المدن المعظمة
والقدس ثالث المدن المعظمة فى الإسلام ؛ فالمدينة الأولى فى الإسلام هى مكة المكرمة ، التى شرفها الله بالمسجد الحرام . والمدينة الثانية فى الإسلام هى طيبة ، أو المدينة المنورة ، التى شرفها الله بالمسجد النبوى ، والتى ضمت قبر الرسول * . والمدينة الثالثة فى الإسلام هى القدس أو بيت المقدس ، والتى شرفها الله بالمسجد الأقصى ، الذى بارك الله حوله ، وفى هذا صح الحديث المتفق عليه عن أبى هريرة وأبى سعيد الخدرى ، عن النبى * أنه قال : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدى هذا+ .
فالمساجد كلها متساوية فى مثوبة من صلى فيها ، ولا يجوز للمسلم أن يشد رحاله ، بمعنى أن يعزم على السفر والارتحال للصلاة فى أى مسجد كان ، إلا للصلاة فى هذه الثلاثة المتميزة . وقد جاء الحديث بصيغة الحصر ، فلا يقاس عليها غيرها .
وقد أعلن القرآن عن أهمية المسجد الأقصى وبركته ، قبل بناء المسجد النبوى ، وقبل الهجرة بسنوات ، وقد جاءت الأحاديث النبوية تؤكد ما قرره القرآن ، منها الحديث المذكور ، والحديث الآخر : الصلاة فى المسجد الأقصى تعدل خمسمائة صلاة فى غيره من المساجد ، ما عدا المسجد الحرام ، والمسجد النبوى [متفق عليه] ومنها ، ما رواه أبو ذر ، أن النبى * سئل : أى المساجد بنى فى الأرض أول؟ قال : المسجد الحرام+ ، قيل ثم أى؟ قال : المسجد الأقصى(1).
والإسلام حين جعل المسجد الأقصى ثالث المسجدين العظيمين فى الإسلام ، وبالتالى أضاف القدس إلى المدينتين الإسلاميتين المعظمتين : مكة والمدينة ، إنما أراد بذلك أن يقرر مبدأ هاما من مبادئه ، وهـو أنـه جـاء ليبنـى لا ليهـدم ، وليتمـم لا ليحطم ، فالقدس كانت أرض النبوات ، والمسلمون أولى الناس بأنبياء الله ورسله كما قال الرسول * ليهود المدينة : نحن أولى بموسى منكم .
Page 4
القدس أرض النبوات والبركات
والقدس جزء من أرض فلسطين ، بل هى غرة جبينها ، وواسطة عقدها ، ولقد وصف الله هذه الأرض بالبركة فى خمسة مواضع فى كتابه :أولـها : فى آية الإسراء حين وصف المسجد الأقصـى بأنـه : ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الإسراء:1).
وثانيها : حين تحدث فى قصة خليله إبراهيم ، فقال : ) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء:71).
وثالثها : فى قصة موسى ، حيث قال عن بنى إسرائيل بعد إغراق فرعون وجنوده : ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ) (الأعراف:137).
ورابعها : فى قصة سليمان وما سخر الله له من ملك لا ينبغى لأحد من بعده ، ومنه تسخير الريح ، وذلك فى قـولـه تـعـالـى : ( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ) (الأنبياء:81).
وخامسها : فى قصة سبأ ، وكيف منَّ الله عليهم بالأمن والرغد ، قال تعالى : ( وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ۖ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ) (سبأ:18). فهذه القرى التى بارك الله فيها هى قرى الشام وفلسطين.
قال المفسر الآلوسى : المراد بالقرى التى بورك فيها : قرى الشـام ، لكثرة أشجارها وثمارها ، والتوسعة على أهلـهـا . وعن ابن عباس : هى قرى بيت المقدس ، وقال ابن عطية : إن إجماع المفسرين عليه (2).
وقد ذهب عدد من مفسرى القرآن من علماء السلف والخلف فى قوله تعالى : ) والتين والزيتون ( 1 ) وطور سينين ( 2 ) وهذا البلد الأمين ) (التين:1-3) إلى أن التين والزيتون يقصد بهما الأرض أو البلدة التى تنبت التين والزيتون ، وهى بيت المقدس .
قال ابن كثير : قال بعض الأئمة : هذه محالّ ثلاثة بعث الله من كل واحد منها نبيًّا مرسلاً من أولى العزم ، أصحاب الشرائع الكبار . فالأول : محل التين والزيتون ، وهو بيت المقدس ، الذى بعث الله فيه عيسى ابن مريم عليهما السلام ، والثانى : طور سيناء ، الذى كلم الله عليه موسى بن عمران ، والثالث : مكة ، وهو البلد الأمين الذى من دخله كان آمنًا . وبهذا التفسير أو التأويل ، تتناغم وتنسجم هذه الأقسام ، فإذا كان البلد الأمين يشير إلى منبت الإسلام رسالة محمد ، وطور سينين يشير إلى منبت اليهودية رسالة موسى ، فإن التين والزيتون يشيران إلى رسالة عيسى ، الذى نشأ فى جوار بيت المقدس ، وقدم موعظته الشهيرة فى جبل الزيتون (3).
أرض الرباط والجهاد
والقدس عند المسلمين هى أرض الرباط والجهاد . فقد كان حديث القرآن عن المسجد الأقصى ، وحديث الرسول عن فضل الصلاة فيه ، من المبشرات بأن القدس سيفتحها الإسلام ، وستكون للمسلمين ، وسيشدون الرحال إلى مسجدها ، مصلين لله متعبدين ، وقد فتحت القدس ـ التى كانت تسمى إيلياء ـ فى عهد الخليفة الثانى فى الإسلام عمر بن الخطاب ، واشترط بطريركها الأكبر صفرونيوس ألا يسلم مفاتيح المدينة إلا للخليفة نفسه ، لا لأحد من قواده ، وقد جاء عمر من المدينة إلى القدس فى رحلة تاريخية مثيرة ، وتسلم مفاتيح المدينة ، وعقد مع أهلها من النصارى معاهدة أو اتفاقية معروفة فى التاريخ باسم =العهد العمرى+ أو =العهدة العمرية+ أمنهم فيها على معابدهم وعقائدهم وشعائرهم وأنفسهم وأموالهم ، وشهد على هذه الوثيقة عدد من قادة المسلمين ، أمثال : خالد بن الوليد ، وعبد الرحمن ابن عوف ، وعمرو بن العاص ، ومعاوية بن أبى سفيان (4).وقد أعلم الله نبيه محمدًا * بأن هذه الأرض المقدسة سيحتلها الأعداء ، أو يهددونها بالغزو والاحتلال ، ولهذا حرض أمته على الرباط فيها ، والجهاد للدفاع عنها حتى لا تسقط فى أيدى الأعداء ، ولتحريرها إذا قدر لها أن تسقط فى أيديهم . كما أخبر عليه الصلاة والسلام بالمعركة المرتقبة بين المسلمين واليهود ، وأن النصر فى النهاية سيكون للمسلمين عليهم ، وأن كل شىء سيكون فى صف المسلمين حتى الحجر والشجر ، وأن كلاًّ منهما سينطق دالاًّ على أعدائهم ، سواء كان نطقًا بلسان الحال أم بلسان المقال (5). وقـد روى أبـو أمامـة الباهلى عن النبى * أنه قال : =لا تزالطائفة من أمتى على الحق ظاهرين ، لعدوهم قاهرين ، لا يضرهم من جابههم ، إلا ما أصابهم من لأواء (أى أذى) حتى يأتى أمر الله وهم على ذلك+ ، قالوا : وأين هم يا رسول الله ؟ قال : =ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس+ (6) .
Page 5
القدس تهوّد جهارًا
فى الثانى من سبتمبر 1997 دعيت من قِبَل (مجمع البحوث الإسلامية بلندن) للمشاركة فى مؤتمره العلمى الأول عن (القدس) وإلقاء كلمة فيه بهذه المناسبة . فحضرت وقلت فى بداية كلمتى :فى هذه السنة (1997م) تتزاحم ذكريات مهمة وبارزة تخص قضيتنا الأولى : قضية القدس وفلسطين .
فى هذه السنة تمر ذكرى مرور قرن (100 سنة) على عقد المؤتمر الصهيونى الأول فى (بازل) بسويسرا برياسة (هرتزل) عام 1897م ، وظهور المؤسسة الصهيونية العالمية .
كما تمر ذكرى (80) ثمانين عامًا على مرور وعد بلفور المشؤوم بإقامة وطن قومى لليهود فى فلسطين (نوفمبر 1917م).
وكذلك ذكرى نصف قرن على قرار تقسيم فلسطين (1947م) الذى كان تمهيدًا لقيام إسرائيل (1948م) .
وأيضًا ذكرى مرور ثلاثين سنة على احتلال القدس والضفة الغربية وغزة سنة (1967 م) بعد حرب الأيام الستة المعروفة فى 5 حزيران (يونيو) 1967 م .
وأخيرًا ذكرى مرور عشرين عامًا على زيارة الرئيس السادات إلى إسرائيل (1977م)، التى مثلت بداية الخلل فى وحدة الموقف العربى تجاه إسرائيل .
ونحن الآن نجنى ثمار هذه الأحداث المريرة ، وأشد هذه الثمار مرارة : محاولة إسرائيل =تهويد القدس+ العربية الإسلامية ، وفق تخطيط معلوم ، ونهج مرسوم ، وعلى مرأى ومسمع من أكثر من مائتين وخمسين مليونًا من العرب ، ووراءهم أكثر من مليار من المسلمين . وعلى الرغم من قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولى . وبمساندة وتأييد من أمريكا القوة الأولى والوحيدة ، والمتألهة فى العالم اليوم .
ولا تزال إسرائيل تتابع (حفرياتها) تحت المسجد الأقصى ، وتنشئ مدينة سياحية تحته ، فيما زعموا ، وقد سمعت فى مؤتمر القدس المذكور من الأخ الشيخ رائد صلاح ، رئيس بلدية أم الفحم فى فلسطين المحتلة ، ورئيس الحركة الإسلامية هناك ، أنه أتيح له الاطلاع على هذه الحفريات ، ورأى المسجد الأقصى مهددًا بالانهيار فى وقت غير بعيد .
وهذا يؤكد ما قلته وأعلنته مرارًا من أن إسرائيل تعرف متى ينهار المسجد ، وهى محددة له وقتًا معينًا ، توقع فيه ذلك وتعلنه ، وهى ستختار الوقت المناسب لهذا الفعل ، بحيث يكون العرب والمسلمون مشغولين فى هموم أخرى تلهيهم عن هذا الخطب الجسيم ، أو تجعل احتجاجهم عليه مجرد صراخ لا يرد حقًّا ، ولا يقاوم باطلاً ! ويكون العالم أيضًا مشغولاً بخطب آخر ، قد تكون إسرائيل أو الصهيونية العالمية هى صانعته ومدبرته .
وهكذا تتعرض القدس العربية الإسلامية : مدينة المقدسات ، وأرض النبوات ، وبلد الإسراء والمعراج ، ودار المسجد الأقصى ، الذى بارك الله حوله والذى هو عند كل مسلم بمنزلة سواد العين ، وسويداء القلب . تتعرض هذه المدينة للتهويد المبيَّت ، والانتهاب المخطط ، والالتهام المدبر ، ويتعرض المسجد الإسلامى المعظم للخطر المؤكد ، بما يقع تحته وحوله من حفريات مستمرة ، تهدف فى النهاية إلى إزالته ، وإقامة هيكل اليهود المزعوم على أنقاضه .
الهدف واضح وصريح ، والخطة معلومة ، والعمل معلن ، اتفق عليه اليهود جميعًا ، أيا كان انتماؤهم واتجاههم : دينيين كانوا أم علمانيين ، من حزب (الليكود) الصريح المتعجرف ، أم من حزب (العمل) المناور المراوغ .
ومع هذا لازلنا نركض ونسابق الريح ، سعيًا إلى سلام بائس ، لا يقيم لفلسطين دولة ، ولا يعيد إليها مشردًا ، ولا يرد إليها قدسها وعاصمتها ، ومع هذا الغبن الفاحش ، والظلم المبين ، تركل إسرائيل ، ويركل بنيامين نتنياهو السلام المزعوم بقدميه ، رضى القتيل ولم يرض القاتل !
Page 6
وهكذا كلما تنازلنا عن حق مؤكد لنا ، أصرت إسرائيل على باطـل مدّعـى لها ، وهـى فى كل يوم تأخذ منا ما تريد ، ونحن لا نأخذ نقيرًا ولا قطميرًا ، إلا وعودًا مزعومة ، أشبه بما قال الشاعر :
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا
وما مواعيدها إلا الأباطيل
فلا يغرنْك ما منّت وما وعدت
إن الأمانىّ والأحلام تضليل
بل الواقع أن إسرائيل فى عهد الليكود أمست تضن علينا حتى بالوعود ، وإن كانت سرابًا . فهى تتبجح بالرفض المطلق ، ولا تخاف ولا تستحى . وقد قال رسول الإسلام * :=إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت !. متفق عليه .
إن إسرائيل تستكبر وتبغى فى الأرض بغير الحق ، لأنها لم تجد من يردها ويقفها عند حدها .
فهى تريد سلامًا من منظورها هى ، ووفق مصلحتها ، وتبعًا لاستراتيجيتها التوسعية ، وأطماعها الإقليمية ، المتمثلة فى إسرائيل الكبرى : من الفرات إلى النيل ، ومن الأرز إلى النخيل ! ولكنها قد تخفى ذلك أو تسكت عنه فى وقت ما ، تبعًا لسياسة (المراحل) التى تجيدها إسرائيل من قديم .
ولقد ساعدت الظروف العالمية والإقليمية والمحلية القائمة اليوم ، إسرائيل على هذا التجبر والطغيان الذى نشهده ، وتتمثل تلك الظروف فى الاستسلام الفلسطينى ، والعجز العربى ، والوهن الإسلامى ، والغياب العالمى ، والتفرد الأمريكى ، والتحيز الأمريكى أيضًا .
ولكن هل تضمن إسرائيل أن تبقى هذه الظروف المساعدة لها باقية إلى الأبد ؟ وهل أخذت صكًّا على القدر الأعلى أن تبقى الرياح فى الاتجاه الذى تهوى ؟ .
نحن بقراءة سنن الله فى الكون ، وقراءة التاريخ من قبل ، واستقراء الواقع فى عالمنا : نؤمن بأن الدنيا تتطور ، وأن العالم من حولنا يتغير ، بل يتغير بسرعة غير محسوبة ولا متوقعة ، كما رأينا فى انهيار الاتحاد السوفيتى ، وفى ظهور الاتحاد الأوروبى ، وفى ظهور قوى اقتصادية جديدة فى العالم . وهو ما عبر عنه الناس عندنا من قديم فقالوا : دوام الحال من المحال . وما عبر عنه القرآن فى صورة سنة كونية عامة ، فقال : (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) (آل عمران:140). قال ذلك فى أعقاب غزوة أحد التى انكسر فيها المسلمون في عصر النبوة ، وقدموا فيها سبعين من أغلى شهدائهم ، بعد انتصار مبين قبلها فى غزوة بدر ، التى سمى القرآن يومها : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(الأنفال:41)
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا
وما مواعيدها إلا الأباطيل
فلا يغرنْك ما منّت وما وعدت
إن الأمانىّ والأحلام تضليل
بل الواقع أن إسرائيل فى عهد الليكود أمست تضن علينا حتى بالوعود ، وإن كانت سرابًا . فهى تتبجح بالرفض المطلق ، ولا تخاف ولا تستحى . وقد قال رسول الإسلام * :=إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت !. متفق عليه .
إن إسرائيل تستكبر وتبغى فى الأرض بغير الحق ، لأنها لم تجد من يردها ويقفها عند حدها .
فهى تريد سلامًا من منظورها هى ، ووفق مصلحتها ، وتبعًا لاستراتيجيتها التوسعية ، وأطماعها الإقليمية ، المتمثلة فى إسرائيل الكبرى : من الفرات إلى النيل ، ومن الأرز إلى النخيل ! ولكنها قد تخفى ذلك أو تسكت عنه فى وقت ما ، تبعًا لسياسة (المراحل) التى تجيدها إسرائيل من قديم .
ولقد ساعدت الظروف العالمية والإقليمية والمحلية القائمة اليوم ، إسرائيل على هذا التجبر والطغيان الذى نشهده ، وتتمثل تلك الظروف فى الاستسلام الفلسطينى ، والعجز العربى ، والوهن الإسلامى ، والغياب العالمى ، والتفرد الأمريكى ، والتحيز الأمريكى أيضًا .
ولكن هل تضمن إسرائيل أن تبقى هذه الظروف المساعدة لها باقية إلى الأبد ؟ وهل أخذت صكًّا على القدر الأعلى أن تبقى الرياح فى الاتجاه الذى تهوى ؟ .
نحن بقراءة سنن الله فى الكون ، وقراءة التاريخ من قبل ، واستقراء الواقع فى عالمنا : نؤمن بأن الدنيا تتطور ، وأن العالم من حولنا يتغير ، بل يتغير بسرعة غير محسوبة ولا متوقعة ، كما رأينا فى انهيار الاتحاد السوفيتى ، وفى ظهور الاتحاد الأوروبى ، وفى ظهور قوى اقتصادية جديدة فى العالم . وهو ما عبر عنه الناس عندنا من قديم فقالوا : دوام الحال من المحال . وما عبر عنه القرآن فى صورة سنة كونية عامة ، فقال : (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) (آل عمران:140). قال ذلك فى أعقاب غزوة أحد التى انكسر فيها المسلمون في عصر النبوة ، وقدموا فيها سبعين من أغلى شهدائهم ، بعد انتصار مبين قبلها فى غزوة بدر ، التى سمى القرآن يومها : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(الأنفال:41)
Page 7
الاستسلام الفلسطينى
إن الاستسلام الفلسطينى الذى دفع إليه تسرب الوهن إلى بعض الأنفس ، واليأس إلى بعض القلوب والشعور بالمرارة من تخاذل الكثيرين من العرب ، وارتماء بعضهم فى أحضان الأمريكان ، وسقوط السوفيت ، والإحساس بالرعب من الوحش الأمريكى ، وتحيزه الدائم لربيبته إسرائيل ، واستطالة طريق الجهاد ، وكثرة تكاليفه ، وضحاياه ، كل أولئك سارع بدفع عدد من القادة الفلسطينيين إلى قبول (السلام الأعرج) الذى عرضته إسرائيل ، تحت عنوان (الأرض مقابل السلام). يعنون أن تتخلى إسرائيل عن الأرض الفلسطينية والسورية واللبنانية التى احتلتها عام (1967 م) فى مقابل سلامها ، بحيث لا يناوشها أحد ولا ينازعها . باختصار : هذا القول يعنى : أرض العرب فى مقابل سلام إسرائيل .أى يردون إلينا أرضنا المحتلة لينعموا بالسلام ، معنى هذا : أن الأرض التى أخذوها بقوة السلاح وبالدم والعنف أمسـت ملكـا لهم ، وأمسى لهم الحق عليها ، وهم يتنازلون عنها ليفوزوا بالسلام !
وقبِل العرب المفاوضات على هذا الأساس الأعوج ، وأعطوا إسرائيل السلام ، ولكنها لم تعطهم شيئًا ، باعت لهم (الترام)! كما تحكى الحكايات عن القاهرى الماكر والصعيدى الساذج .
ما معنى سلام يترك المشاكل الكبرى الأساسية كلها معلقة :
مشكلة القدس .
مشكلة الاستيطان .
مشكلة اللاجئين .
مشكلة الحدود .
هذه المشكلات الخطيرة معلقة مؤجلة ، لا تبحث إلا فى نهاية المفاوضات ، ولم يسأل أحد : وإذا لم نتفق عليها فى النهاية فماذا يكون الموقف ؟
والحقيقة أن هذه المشاكل كانت معلقة ومؤجلة عند العرب ، ولم تكن مؤجلة ولا معلقة عند إسرائيل ، فقد أعلن إسحاق رابين عشية توقيع الاتفاق فى (أوسلو) قائلا ومصرحًا : جئتكم من أورشليم (القدس) العاصمة التاريخية والأبدية والموحدة لشعب إسرائيل !
وكذلك لم يؤجل موضوع الاستيطان ، بل ظل مستمرًا فى أكثر من مكان فى فلسطين ، إلى أن فجرته المحاولة الصريحة الجريئة بإنشاء مستوطنة (هارحوما) فى جبل أبو غنيم وكذلك فى رأس العامود فى القدس الشرقية ، ولا يزال الاستيطان يتوسع وينمو ، فى حين لا يسمح للفلسطينيين أهل البلد وأصحاب الدار ، بأى نمو أو توسع .
وكم رأينا بأعيننا البيوت تهدم على مرأى ومسمع ، لأن إسرائيل لم تسمح بها . ولن تسمح يومًا .
إن الفلسطينيين اليوم أدركوا أن إسرائيل تخدعهم وتلعب بهم ، وأن انسحابها الجزئى المحدود جدًّا لم يكن إلا خدعة كبيرة ، وأنها تستطيع أن تعود إلى احتلال المواقع التى أخلتها فى ساعات قلائل ، وأن زمام الأمور كلها بيديها ، وأن لا حول لهم ولا طول ، وأن السلطة التى منحتها إسرائيل لهم سلطة وهمية ، هدف إسرائيل منها : أن تضرب الفلسطينيين بعضهم بعض ، وأن تسلط بعضهم على بعض ، وأن يكون بأسهم بينهم شديدًا ، لتقف هى متفرجة على صراع الأخ مع أخيه ، وأن بندقية الفلسطينى لم تعد موجهة إلى صدر غاصب أرضهم بل إلى فلسطينى مثله . وهذا مراد إسرائيل .
Page 8
ولما لم يتحقق لإسرائيل كل ما تريد ، طلبت بصراحة من السلطة : تدمير حماس ، وتحطيم كل قوة لها ، وإعانة إسرائيل عليها . وهذا شرط أساسى وضرورى اليوم للعودة للجلوس على مائدة السلام المزعوم .
إن إسرائيل ماضية فى خطتها وإصرارها على تهويد القدس ، وهى خطة ليست بنت اليوم ولا وليدة الأمس . وقد حددت هدفها ، ورسمت سياستها ، ومارست تنفيذها ، بمحاصرتها بالمستوطنات ، والعمل الدائب على تفريغها من أهلها العرب مسلمين ومسيحيين ووضع العوائق والعقبات فى سبيل نموّهم وامتدادهم عمرانيًّا وبشريًّا ، والوقائع كلها شاهدة قاطعة ، والعرب لا يملكون إلا الشجب والاحتجاج والاستنكار ، وهذه كلها لا تجدى فـتيـلاً ، ولا تحيى قتيلاً ، ولا تشفى عليلاً . لقد احتج العرب على مستوطنة أبو غنيم ، واحتجوا على احتلال بيت رأس العامود ، ولكن احتجاجاتهم ذهبت أدراج الرياح .
لم يبق من شىء تخافه إسرائيل إلا الشباب الذين حملوا رؤوسهم على أكفهم ، بائعين أرواحهم لله ، لا يبالون أوقعوا على الموت أم وقع الموت عليهم ، من الذين أقلقوا إسرائيل بعملياتهم الاستشهادية ، وقذفوا الرعب فى قلوب أبنائها ، وأطاروا النوم من أجفانهم ، ولا يفل الحديد إلا الحديد .
لهذا قامت إسرائيل ـ على أعلى مستوى فيها ـ بالانتقام من هؤلاء الأبطال ، فقتلت الدكتور الشقاقى ، والمهندس يحيى عياش ، وشرعت أخيرًا فى قتل خالد مشعل ، بسلاح كيماوى متطور ، وفـى بلـد معاهـد لهـم ، هو الأردن ، ليعلم الجميع أن هـؤلاء قـوم لا عـهـد لـه ولا ذمـة ، كـمـا قـال تـعـالـى فـى أسلافـهـم : ( الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ) (الأنفال:56).
وهم من قديم يقتلون كل من يقف فى طريقهم أو ينتقدهم ، أو يكشف أحابيلهم ، من مدنيين وسياسيين ومفكرين ، فقد قتلوا اللورد موين ، وقتلوا الكونت برنادوت ، وقتلوا المفكر الإسلامى الدكتور إسماعيل الفاروقى وزوجته أشنع قتلة ، هذا ما تقوله الوقـائـع ، ولا يـزالـون يهـددون ويتـوعـدون كل من يقول كلمة لا تعجبهم ، حتى الرسائل الأكاديمية أو البحوث العلمية ، التى تتحدث عن مذابح النازية معهم ، وتحاول أن تبين حجمها الحقيقى ، لا يسمح لها أن تبرز وترى النور ، حتى إن كاتبيها يتعرضون للمساءلة والمحاكمة بله المضايقة والإيذاء والتهديد ، وآخرهم المفكر الفرنسى المعروف روجيه جارودى .
إن الذين ظلوا يحملون روح الشعب الفلسطينى المجاهد ، وعناد مقاومته ، واستعداده للتضحية ، إنما هم تلك الفئة المؤمنة التى وهبت حياتها وكل ما تملك من نفس ونفيس ، لتحرير الأرض المقدسة ومسجدها الأقصى . إنما هم أبناء حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وإخوانهم وأعوانهم فى (الجهاد) المقدس ومن يشد أزرهم من أبناء الشعب . إنهم الذين باعوا أرواحهم لله ليشتروا الجنة ، ولقد ابتلوا وأوذوا وسجنوا وعذبوا فى سبيل الله ، فصبروا وصابروا ورابطوا ، ( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) (آل عمران:146،147).
وظنى أن الاستسلام الذي جر إليه الفلسطينيون لن يستمر ، فقد طفح الكيل ، وبلغ السيل الزبى ، وأوشك الصبر أن ينفد ، وحينئذ لا يكون أمام هؤلاء إلا عودة الانتفاضة الشاملة أشد وأقوى مما كانت ، ويفرض الواقع الجديد نفسه ، وتنضم السلطة إلى الشعب ، ويقف الجميع فى وجه العدو صفًّا واحدًا كالبنيان المرصوص . وصدق الشاعر :
إذا لم يكن إِلا الأسنة مركب
فما حيلة المضطر إلا ركوبها !
إن إسرائيل ماضية فى خطتها وإصرارها على تهويد القدس ، وهى خطة ليست بنت اليوم ولا وليدة الأمس . وقد حددت هدفها ، ورسمت سياستها ، ومارست تنفيذها ، بمحاصرتها بالمستوطنات ، والعمل الدائب على تفريغها من أهلها العرب مسلمين ومسيحيين ووضع العوائق والعقبات فى سبيل نموّهم وامتدادهم عمرانيًّا وبشريًّا ، والوقائع كلها شاهدة قاطعة ، والعرب لا يملكون إلا الشجب والاحتجاج والاستنكار ، وهذه كلها لا تجدى فـتيـلاً ، ولا تحيى قتيلاً ، ولا تشفى عليلاً . لقد احتج العرب على مستوطنة أبو غنيم ، واحتجوا على احتلال بيت رأس العامود ، ولكن احتجاجاتهم ذهبت أدراج الرياح .
لم يبق من شىء تخافه إسرائيل إلا الشباب الذين حملوا رؤوسهم على أكفهم ، بائعين أرواحهم لله ، لا يبالون أوقعوا على الموت أم وقع الموت عليهم ، من الذين أقلقوا إسرائيل بعملياتهم الاستشهادية ، وقذفوا الرعب فى قلوب أبنائها ، وأطاروا النوم من أجفانهم ، ولا يفل الحديد إلا الحديد .
لهذا قامت إسرائيل ـ على أعلى مستوى فيها ـ بالانتقام من هؤلاء الأبطال ، فقتلت الدكتور الشقاقى ، والمهندس يحيى عياش ، وشرعت أخيرًا فى قتل خالد مشعل ، بسلاح كيماوى متطور ، وفـى بلـد معاهـد لهـم ، هو الأردن ، ليعلم الجميع أن هـؤلاء قـوم لا عـهـد لـه ولا ذمـة ، كـمـا قـال تـعـالـى فـى أسلافـهـم : ( الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ) (الأنفال:56).
وهم من قديم يقتلون كل من يقف فى طريقهم أو ينتقدهم ، أو يكشف أحابيلهم ، من مدنيين وسياسيين ومفكرين ، فقد قتلوا اللورد موين ، وقتلوا الكونت برنادوت ، وقتلوا المفكر الإسلامى الدكتور إسماعيل الفاروقى وزوجته أشنع قتلة ، هذا ما تقوله الوقـائـع ، ولا يـزالـون يهـددون ويتـوعـدون كل من يقول كلمة لا تعجبهم ، حتى الرسائل الأكاديمية أو البحوث العلمية ، التى تتحدث عن مذابح النازية معهم ، وتحاول أن تبين حجمها الحقيقى ، لا يسمح لها أن تبرز وترى النور ، حتى إن كاتبيها يتعرضون للمساءلة والمحاكمة بله المضايقة والإيذاء والتهديد ، وآخرهم المفكر الفرنسى المعروف روجيه جارودى .
إن الذين ظلوا يحملون روح الشعب الفلسطينى المجاهد ، وعناد مقاومته ، واستعداده للتضحية ، إنما هم تلك الفئة المؤمنة التى وهبت حياتها وكل ما تملك من نفس ونفيس ، لتحرير الأرض المقدسة ومسجدها الأقصى . إنما هم أبناء حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وإخوانهم وأعوانهم فى (الجهاد) المقدس ومن يشد أزرهم من أبناء الشعب . إنهم الذين باعوا أرواحهم لله ليشتروا الجنة ، ولقد ابتلوا وأوذوا وسجنوا وعذبوا فى سبيل الله ، فصبروا وصابروا ورابطوا ، ( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) (آل عمران:146،147).
وظنى أن الاستسلام الذي جر إليه الفلسطينيون لن يستمر ، فقد طفح الكيل ، وبلغ السيل الزبى ، وأوشك الصبر أن ينفد ، وحينئذ لا يكون أمام هؤلاء إلا عودة الانتفاضة الشاملة أشد وأقوى مما كانت ، ويفرض الواقع الجديد نفسه ، وتنضم السلطة إلى الشعب ، ويقف الجميع فى وجه العدو صفًّا واحدًا كالبنيان المرصوص . وصدق الشاعر :
إذا لم يكن إِلا الأسنة مركب
فما حيلة المضطر إلا ركوبها !
Page 9
العجز العربى
أمـا العجـز العربى الذى نراه ونلمسه ، فليس هو بالقدر الذى لا مهرب منه . إنما هو أمر طارئ لابد أن يزول .وأظهر أسباب هذا العجز هو التفرق ، الذى أصاب دول العرب ، منذ شرخ (كامب ديفيد) واتفاقيته التى أخرجت الشقيقة الكبرى : مصر ، من المعركة المصيرية للأمة ، وقد استغل فى ذلك : تخلى العرب عن مصر ، وعدم وقوفهم معها ومعاونتهم لها ، وقد خاضت أربع حروب من أجل فلسطين كلفتها الكثير من المال والرجال .
وزاد هذا التفرق بعد (حرب الخليج) الثانية ، التى مزقت العرب شر ممزق ، وخسروا فيها تضامنهم ووحدة مواقفهم ، كما خسروا أموالهم ، حتى استدانت البلاد الغنية ، بل خسر كثير منهم حرية إرادتهم واستقلال قرارهم ، إلى حد احتلال أراضيهم . كان هذا كله بضربة واحدة ـ ضربة معلم كما يقال ـ وكان الرابح الواحد فى ذلك هو إسرائيل ، وأمريكا وحلفاؤها ، الذين تخلصوا من أسلحتهم القديمة فى أرضنا ، وجربوا أسلحتهم الجديدة فى شعوبنا ، وهدموا ديارنا بفلوسنا ، وبطلبنا ، وخربوا بيوتنا بأيدينا ، ليعودوا فيشيدوها من جديد بأموالنا أيضًا .
وقد انقسم العالم العربى فى هذه القضية انقسامًا لم يحدث مثله فى قضية أخرى ، لما فيها من تداخل وتعقيد ، فإن الذى يرفض التدخل الأجنبى كأنما يؤيد الاحتلال العراقى للكويت ، والذى يقبل التدخل العسكرى الأمريكى والغربى لتحرير الكويت كأنما يؤيد تدمير العراق ، ويساند الاحتلال الأجنبى للمنطقة !
وضاع الرأى الوسط الذى ينكر الاحتلال ويطالب بالجلاء ، كما ينكر التدخل الأجنبى المكثف المسيطر ، سواء بسواء . وهو ما نادت به مجموعات من أهل العلم والفكر من المصريين نشروا بيانهم على صفحات الأهرام وغيره (ضمن المقال الأسبوعى للكاتب الكبير الأستاذ فهمى هويدى).
المهم أن العالم العربى منذ ذلك اليوم المشؤوم قد تصدع بنيانـه ، ولم يجد من يرمِّمه إلى اليوم ، رغم مناداة كثير من العقلاء بوجوب تخطى هذه الأزمة ، التى لا يجوز أن تحكمنا عقدتها أبد الدهر ، وهو ما يفرضه الدين والقومية ، والأخلاق والمصلحة المشتركة ، بل ما يفرضه وجودنا ومصيرنا ، إن أردنا أن يكون لنا وجود ومصير فى هذا العالم ، الذى لم يعد فيه مكان للكيانات الصغيرة ، ولا للكيانات المتفرقة والمبعثرة ، ولهذا رأينا المتفرقين تاريخيا يتحدون ويتناسون الماضى ونزاعاته وحروبه وثأْراته ، استجابة لنداء المصلحة المتبادلة ، كما هو شأن الاتحاد الأوروبى
ولكننا نرى اليوم بشائر لا يمكن تجاهلها ، وهى وقوف العالم العربى كله ضد الولايات المتحدة التى تريد توجيه ضربة عسكرية للعراق ، إن هذه الوقفة العربية ضد التألّه الأمريكى ، يدلنا على أن هذه الأمة لن تموت .
Page 10
الوهن الإسلامى
وإذا كان العجز العربى عرضًا لا يدوم ، فكذلك الوهن الإسلامى ، إنه أمر يعرض للأمم كما تعرض الأمراض للجسم الصحيح ، لا يلبث أن يعالج منه ويشفى .وكم أصابت هذه الأمة من آفات وأمراض ، فى أدوار من التاريخ ، حسب أعداؤها أنها لن تبرأ منها ، وأنها هى القاضية والقاتلة . ولكنها خرجت منها كما يخرج الذهب من النار ، أشد صفاء ، وأكثر لمعانا .
وحسبنا من ذلك : غزوات الصليبيين من الغرب ، وهجمات التتار من الشرق ، فى فترة ضعف من الأمة ، وتفرق بين أقطارها ، وغفلة من حكامها ، حتى سقطت قلاعها أمامهم أول الأمر ، وتحكموا فى رقاب أهلها ، وأقاموا لهم ممالك وإمارات ، وبقى (المسجد الأقصى) أسيرا فى أيدى الصليبيين (تسعين عامًا) كاملة .
ثم هيأ الله رجالاً لم يكونوا من جنس العرب ، ولكن عرّبهم الإسلام ، منهم التركى مثل عماد الدين زنكى ، وابنه نور الدين محمود ، والكردى مثل صلاح الدين الأيوبى ، وغيرهـم مثل سيف الدين قطز ، والظاهر بيبرس من قادة المماليك .
فعاد الصليبيون يجرون أذيال الخيبة ، ودخل التتار فى دين الله أفواجا .
وفى العصر الحديث احتل الاستعمار الغربى الزاحف ديار الإسلام ، من إندونيسيا إلى المغرب ، وحسب جنرالاته العسكريون ، وزعماؤه السياسيون ـ ومن ورائهم المبشرون والمستشرقون ـ أن هذه الديار قد دانت لهم إلى الأبد ، حتى إن بعضها اعتبروها جزءًا من أوطانهم كما فى الجزائر . ثم ما لبث الإسلام الذى يدينون به أن أيقظهم من رقود ، وحركهم من جمود ، ونفخ فيهم من روحه ، فكانت (معارك التحرير) فى كل بلد ، وكان للدين القدح المعلى فى الإيقاظ والتحريك والتجنيد والتجميع ، وآخر ملحمة مع الاستعمار كانت ملحمة ثورة التحرير الجزائرية من سنة 1954 حتى نالت استقلالها 1961 .
لقد نبهنا الرسول المعلم على سبب الوهن الذى يصيب الأمة ، وبين أنه سبب نفسى وأخلاقى ، وذلك فى الحديث الذى رواه أحمد وأبو داود عن ثوبان =يوشك أن تتداعى عليكم الأمم من كل أفق ، كما تتداعى الأكلة على قصعتها ، قالوا : أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال : بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعنَّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفن فى قلوبكم الوهْن . قالوا : وما الوهن يا رسول الله؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت+.
هذا هو سر الوهن وعلّته : حب الدنيا وكراهية الموت . فإذا غيرت الأمة ما بنفسها ، ولم تعد الدنيا أكبر همها ومبلغ علمها ، ولم تعد تبالى : أوقعت على الموت أم وقع الموت عليها ، هنالك يغير الله ما بها ، ويبدل حالها من ضعف إلى قوة ، ومن ذل إلى عزة ، ومن هزيمة إلى نصر وتمكين
وأرى بشائر ذلك قد بدت وتجلت فى هذه الصحوة الإسلامية المعاصرة التى جددت العقول بالمعرفة ، والقلوب بالإيمان ، وأثرت فى شباب الأمة ـ ذكورًا وإناثًا ـ تأثيرًا يشبه تأثير الغيث فى الأرض الهامدة ، حتى إذا نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج .
وقد بينا فى دراسة سابقة لنا (7) :
أن الأمة المسلمة تملك مقومات القوة والرقى والسيادة من : الثروة البشرية (مليار وثلث من البشر) والثروة المادية (من سهول وجبال ومعادن وبحار وأنهار . . إلخ) والثروة الحضارية من خلال موقعها فى ملتقى القارات ، ومنبت الحضارات ومهبط الرسالات . فى أرضها نبتت الحضارات الفرعونية والفينيقية والآشورية والبابلية والفارسية . . .) بالإضافة إلى الحضارة الإسلامية العربية . وفيها نشأت الرسالات السماوية الكبرى : اليهودية والمسيحية والإسلام .
هذا إلى الثروة الروحية الكبرى ، التى تتميز بها دون الأمم ، فهى وحدها التى تملك رسالة الشمول والتوازن والعمق ، المتمثلة فى رسالة الإسلام .
وقد بدأت بعض شعوب هذه الأمة وأقطارها فى النهوض ومحاولة كسر حاجز التخلف الذى وضعت فيه الأمة زمنا طويلا ، وإن مع اليوم غدًا ، وإن غدًا لناظره قريب .