الكفاءة في اللغة:([1])
الكفء: النظير والمساوي ، تكافأ الشيئان : أي تماثلا ، التكافؤ : الاستواء.
الجمع من كُلِّ ذلك أكفاء ، ومن ذلك قولِ الإمام علي بن أبي طالب([2]) :
الناس من جهة الآباء أكفاءُ
أبُوْهُمُ آدَمُ وَالأمُّ حَوَّاءُ([3])
ومعنى قوله تعالى : " وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)" ([4] ) أي : لانظير له([5] ) وحديث : (( المسلمون تتكافأ دماؤهم )).([6] )
قال أبو عبيد : يريد تتساوى في الديات والقصاص ، فليس لشريفٍ على وضيعٍ فضلٌ في ذلك ، وفلان كفء لفلانَةٍ ، إذا كان يصلح لها بعلاً ([7]).
الكفاءة في الاصطلاح :
لقد عَرَّفَ العلماء الكفاءة في النكاح بعدة تعريفات وَفْقَ مذاهبهم في الأخذ بها ولعل المهم الإشارة إليه أنَّ المرأة تكره أن تكون مستفرشة لرجل أَقَلَّ منها في إحدى خصال الكفاءة ؛ ومن هنا اختلفت تعاريف السادة العلماء وَفْقَاً لاختلافهم فيالخصال المعتبرة في الكفاءة . ويمكن في هذه العجالة أخذ نماذجَ من التعاريف على النحو التالي:
قال المناوي: الكفاءة في النكاح : كون الزوج نظيرًا للزوجة.([8])
وقال ابن منظور: الكفاءة في النكاح : أن يكون الزوج مساويًا للمرأة في حَسَبِهَا ودينها ونسبها وبيتها وغير ذلك.([9])
عَرَّفَ السادة الحنفية الكفاءة بأنها : مساواة مخصوصة بين الرجل والمرأة([10]).
عَرَّفَ السادة المالكية الكفاءة بأنها : المماثلة والمقاربة في التدين والحال ، أي السلامة من العيوب الموجبة للخيار([11]).
وَعَرَّفَهَا السادة الشافعية بأنها : أمر يوجب عدمه عارًا . وضابطها مساواة الزوج للزوجة في كمال أوخسة ما عدا السلامة من العيوب.([12]) عرفها السادة الحنابلة بأنها: المماثلة والمساواة في خمسة أشياء([13]) وهي: الدين والنسب والحرية والصنعة واليسار.
ثانيًا : هل الكفاءة معتبرة لصحة النكاح؟
يتساءل الكثير من الناس هل يصح النكاح من غير الأكفاء؟
وللجواب على هذا السؤال ينبغي أن يُعْلَمَ أنَّ علماء السلف قد تباينت آراؤهم في هذه المسالة ، فمنهم من يرى أنَّ الكفاءة في النكاح منحصرةٌ في عدم جواز نكاح الزانية والزاني فقط لقوله تعالى: "الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ" ([14] ) . واستدلوا على ما ذهبوا إليه بعدة أدلة لعل أشهرها ما يلي:
1- قول الله تعالى: " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" ([15] ).
2- قول رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : (( لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلاَّ بالتقوى))([16]).
3- قول الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : (( يا بني بياضة أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه)) ([17]).
4- حديث : (( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه )) .
فأمَّا الآية القرآنية والحديث التي بعدها فيكفينا فيهما ما ذكره المفسرون([18]) عند تفسير هذه الآية حيث فسرها لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وإليك نص الحديث في ذلك : عن أبي هريرة رضي الله عنه قيل : يا رسول الله مَن أكرم الناس؟ قال: ((أتقاهم)) . فقالوا : ليس عن هذا نسألك. قال: (( فيوسف نبي الله بن نبي الله بن نبي الله بن خليل الله)) قالوا: ليس عن هذا نسألك.قال: فعن معادن العرب تسألونني. قالوا: نعم. قال: ((خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) ([19]).
وأما حديث : (( يا بني بياضة أنكحوا أبا هند )) و(( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه )) فسيأتي الجواب عليهما عند الكلام على اعتبار النسب من خصال الكفاءة بشيءٍ من الاستطراد . والله أعلم.
وذهب الجمهور([20]) من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة رحمهم الله إلى أنَّ الكفاءة ليست معتبرةً في صحة النكاح ، فيصح من دونها ، ولكِنَّ الكفاءة معتبرة للزوم النكاحواستمراريته.
قال الإمام الشافعي : وليس نكاح غير الكفء مُحَرَّمَاً فأرده بكل حال إنما هو نقص على المزوجة والولاة ، فإذا رضيت المزوجة ومن له الأمر معها بالنقصلم أرده([21]).
قال الإمام النووي : الكفاءة حق المرأة والولي واحداً كان أو جماعة مستويين في درجة ، فإن زوجها بغير كفء وَلِيُّهَا المنفرد برضاها أو أحدُ الأولياء برضاها ورضي الباقون صَحَّ النكاح فالكفاءة ليست شرطا للصحة . وإذا زوجها الولي الأقرب بغير كفء برضاها لم يكن للأبعد الاعتراض ، فلو كان الذي يلي أمرها السلطان فهل له أن يزوجها بغير كفءإذاطلبته؟! قولان أو وجهان : أصحهما المنع ؛ لأنَّه كالنائب فلا يترك الحظ. ولو زوجها أحدُ الأولياء بغير كفء برضاها دون رضى الباقين لم يصح على المذهب ، وفي قول يصح ، ولهم الخيار في فسخه وقيل: يصح قطعًا ، وقيل: لا يصح قطعًا.([22])
وقال بعض متأخري الشافعية بأن الكفاءة قد تكون أحيانا معتبرة لصحة النكاح.
قال السيد شطا: فالكفاءة معتبرة في النكاح لا لصحته ، أي : غالبا فلا ينافي أنها قد تعتبر للصحة كما في التزويج بالإجبار وعبارة ((التحفة)) وهي معتبرة في النكاح لا لصحته مطلقا.([23])
رأي الحنابلة في المسألة:
قال ابنُ قدامة: (مسألة) قال: وإذا زوجت من غير كفء فالنكاح باطل([24]).
اختلفت الرواية عن أحمد في اشتراط الكفاءة لصحة النكاح : فروي عنه أنها شرط له . قال : إذا تزوج المولى العربية فُرِّقَ بينهما ، وهذا قول سفيان . وقال أحمد في الرجل يشرب الشراب : ما هو بكفء لها يُفَرَّقُ بينهما . وقال: لو كان المتزوج حائكًـا فَرَّقْتُ بينهما ؛ لقول عمر رضي الله عنه: لأمنعن فروج ذوات الأحساب إلاَّ من الأكفاء([25]) . رواه الخلال بإسناده .
والرواية الثانية عن أحمد أنها ليست شرطاً في النكاح . وهذا قول أكثر أهل العلم.
رأي ابن حزم في المسألة:
قال ابن حزم: (وأهل الإسلام كلهم أخوة لا يحرم على ابن من زنجية لغية، نكاح ابنة الخليفة الهاشمي، والفاسق الذي بلغ الغاية من الفسق) وقال أيضًا: (المسلم ما لم يكن زانيًا كفؤ للمسلمة الفاضلة، وكذلك الفاضل المسلم، كفؤ للمسلمة، ما لم تكن زانية)([26]).
ثالثاً : حكم الكفاءة في النكاح
تقدم القول في عدم اعتبار الكفاءة في النكاح إلا من الزاني أو الزانية.
أما الجمهور والذين أخذوا بالكفاءة في النكاح فقد اختلفوا في حكمها فبعضهم قال بوجوبها ، والبعض الآخر قال بالجواز.
وممن يقول بوجوبها : السادة الحنفية ، والسادة الحنابلة.
قال الكمال ابن الهمام (الحنفي) : مقتضى الأدلة وجوب إنكاح الأكفاء ، وهذا الوجوب يتعلق بالأولياء حقا لهم ، وبها حقا لهم لكن إنما تتحقق المعصية في حقهم إذا كانت صغيرة ؛ لأنَّها إذا كانت كبيرة لا ينفذ عليها تزويجهم إلاَّ برضاها فهي تاركة لحقها كما إذا رضي الولي بترك حقه حيث ينفذ.([27])
قال منصور بن يونس البهوتي (الحنبلي): يحرم على ولي المرأة تزويجها بغير كفء بغير رضاها؛ لأنه إضرار بها وإدخال العار عليها . ويفسق الولي بتزويجها بغير كفء دون رضاها وذلك إن تعمده([28]).
أما السادة المالكية فبعضهم قال بالوجوب ، وبعضهم ذهب إلى الجواز.
قال الدردير : لهما - أي الزوجة والولي - معاً تركها وتزويجها من فاسق سكير يُؤمَنْ عليها منه ، وإلاَّ رده الإمام وإن رضيت لحق الله تعالى حفظاً للنفوس وكذا تزويجها من معيب ، لكن سيأتي في فصل الخيار أنَّ الثاني ، أي : السلامة من العيب حق للمرأة فقط ، وليس للولي فيها كلام([29]).
وقال أحمد بن غنيم بن سالم النفراوي (المالكي): لأن الكفاءة في الدين حق لله ليس لأحد إسقاطها ، بخلاف لو زوجها لدنيء في النسب أو فقير أو فاسق بجارحة أو بذي عيب يوجب الخيار للزوجة فلا يرد به مطلقا بل إن أسقطتها المرأة مع الولي سقطت مراعاتها وإن أسقطها أحدهما فحق الآخر باقٍ([30]).
أما السادة الشافعية فذهبوا إلى الجواز .
قال الإمام الشافعي : إذا اجتمع الولاة فكانوا شرعًا فأيهم صلح أن يكون ولياً بحال فهو كأفضلهم وسواء المسن منهم والكهل والشاب والفاضل والذي دونه إذا صلح أن يكون وليا فأيهم زوجها كفؤا جاز وإن سخط ذلك من بقي من الولاة وأيهم زوج بإذنها غير كفء فلا يثبت النكاح إلاَّ باجتماعهم عليه . وكذلك لو اجتمعت جماعتهم على تزويج غير كفء وانفرد أحدهم كان النكاح مردودا بكل حال حتى تجتمع الولاة معا على إنكاحه قبل إنكاحه فيكون حقا لهم تركوه ، وإن كان الولي أقرب ممن دونه فزوج غير كفء بإذنها فليس لمن بقي من الأولياء الذي هو أولى منهم رده لأنه لا ولاية لهم معه.([31])
قال الخطيب الشربيني: يكره التزويج من غير كفءبرضاها([32])
رابعًا : الخصال المعتبرة في الكفاءة
قال الخطابي : إنَّ الكفاءة معتبرة في قول أكثر العلماء بأربعة أشياء الدين والحرية والنسب والصناعة ومنهم من اعتبر السلامة من العيوب واعتبر بعضهم اليسار([33]).
والحق أنَّ آراء العلماء لم تتفق في الأخذ بالأشياء المذكورة بل اختلفت وجهات النظر في تفاصيل بعضها ، وإليك تفصيل ذلك على النحو الآتي:
1- الدين :
لا يجوز للمسلمة المؤمنة أن تنكح مشركا كافرا بالله تعالى لقول الله عز وجل: ﴿ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾ ([34]) .
وفي مقابل ذلك لا يجوز للرجل المسلم أن ينكح مشركة كافرة لقوله تعالى : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ ([35]).
والكلام حول الدين في الكفاءة لا يدور حول أصل الإسلام فحسب بل المعنى أنه إذا كانت المرأة صالحة تقية وعفيفة ، لا يجوز نكاحها من رجل فاسق فاجر؛ لأنه لا يكون كفئًا لها وحاله كذلك .
قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: لو أن امرأة من بنات الصالحين زوجت نفسها من فاسق ، كان للأولياء حق الاعتراض؛ لأن التفاخر بالدين أحق من التفاخر بالنسب والحرية والمال والتعيير بالفسق أشد وجوه التعيير.([36])
وقال أبو يوسف: الفاسق إن كان معلنا لا يكون كفئا وإن كان مستترا يكون كفئاً([37]).