eKtab
EN ع
الخارطة الشعرية في الأغنية الرحبانية
Read free sample

الخارطة الشعرية في الأغنية الرحبانية

by محمد منصور

Page 1

مدخل

يا ليلُ الصب متى غَدُه؟!..
كان الغناء وما يزال، بوابة عبور وانتشار للشعر والشعراء كي يدخلوا في نسيج الوجدان الشعبي... وقد تأكدت قيمة هذه (البوابة) في العصر الحديث، مع ازدياد قوة تأثير الفن، وتراجع دور الأدب والكتاب. ولو سألت الكثير من الشبان اليوم ـ من غير دارسي الأدب ـ أن يستعيدوا ما في ذاكرتهم من قصائد وأشعار، سواء لشعراء قدامى أو معاصرين، لاقتصر الأمر لدى معظمهم، إما على ما حفظوه على مقاعد الدراسة في مراحل مختلفة، أو ما سمعوه في بعض الأغنيات الذائعة الصيت، التي استلهمت قصائد الشعراء، وقدمتها ملحنة ومغناة، فتناقلتها الألسن وحفظتها ذاكرة الناس.
وربما كانت الأغنية الرحبانية، التي قدمها الأخوين عاصي ومنصور رحباني وغنتها السيدة فيروز، وبعض الأصوات الأخرى التي تعاونت المؤسسة الرحبانية معها في فترة ازدهار نشاطها الكبير قبل انفصال فيروز عن عاصي، خير مثال على قدرة الغناء على حمل الشعر إلى وجدان عامة الناس، فقد قدمت الأغنية الرحبانية أوسع بانوراما للشعر العربي منذ العصر الجاهلي وحتى العصر الحديث... كما أحيت هذه المدرسة في ستينيات القرن العشرين وما تلاه، فن الموشحات الأندلسية الذي يكاد يكون قد اندثر في تاريخ الغناء العربي المعاصر في تلك الفترة، وقدمته بثوب فني جديد، فيه كثير من التطور والفرجة المسرحية الراقية.
ولقد كان الباعث الحقيقي لتأليف هذا الكتاب بالنسبة لي، هي تلك النشوة الغريبة، التي كان يبعثها في نفسي تذوق ما أحفظه من شعر حين أسمعه مُغنّى بصوت السيدة فيروز وبرفقة اللحن الرحباني العذب، فقد كان هذا الغناء الراقي، المتفرد في عناصره اللحنية وهويته الأدائية، ينبش أسرار القصيدة، ويجلو معانيها وصورها، ويشرح من دون أي تفسير لفظي، مكامن القوة والجمال والإبداع فيها.
ومما لاشك فيه، أن ما قدمه الأخوين رحباني من اختيارات صعبة وشبه مجهولة لكثير من الشعراء والقصائد في تاريخ الشعر العربي في عصوره المختلفة، يكشف عن ذائقتهما الشعرية التي كانت تلتقط بحساسية بالغة، كل متميز في موضوعه، وفي صياغته الفنية، وفي جدة وابتكار صوره وأساليبه.. فتذّوقُ نتاجَ قرونٍ طويلة من الإبداع الشعري الذي اعتبر (ديوان العرب)، ليس بالأمر السهل أو اليسير، بل هو في النهاية نتاج خبرة تراكمية في القراءة، وسعة البحث والاطلاع، ميزت عمل الأخوين رحباني، وطبعت سعيهما لإغناء فنهما الغنائي.
ومن هنا يقدم هذا الكتاب، الخارطة الشعرية الكاملة للأغنية الرحبانية، متتبعاً مصادرها، وبداية تشكلها، ومصححاً الكثير من الأخطاء الشائعة حول نسبة بعض القصائد لغير أصحابها أو إغفال أسماء شعرائها، ومقارناً بين الصياغات الأصلية وبين التعديلات التي أدخلها الأخوين رحباني على كثير من القصائد لضرورات فنية، ورابطاً كل هذا بالتوجه العام الذي طبع المدرسة الرحبانية، والذي شكل محور اختياراتها في كثير من الأحيان.
وينبش هذا الكتاب، نصوصاً مجهولة للأخوين رحباني، لم تنتشر على نطاق واسع، ولم تظهر إلى النور، رغم أنها صدرت منشورة في كتيبات مطبوعة، قدم فيها الأخوين رحباني رؤية درامية لسير بعض أعلام الشعر العربي من فحول شعراء العصر الجاهلي والأموي والعباسي والأندلسي... فيقدم قراءة نقدية تعرّف بمضامينها، وتروي باختزال وتكثيف كيف رأى وعالج الرحابنة سير هؤلاء الشعراء، وكيف صاغوا العقدة الدرامية والشرط التراجيدي في مسيرة كل شاعر على حدة.
إنها محاولة نقدية ليس لتأمل الزمن الرحباني الجميل في وقفات تذكارية مستعادة وحسب؛ بل ولإظهار وشائج الصلة الحية بين الأدب والفن التي صاغت ركائز المدرسة الرحبانية وصنعت مجدها وتألقها، فضلاً عن تقديم مثال نموذجي على ما يمكن أن تنتجها تلك الصلات فيما لو أعيد الاعتبار لقيمة الأدب الأصيل في حركة الغناء المعاصر... وهي إلى جانب ذلك كله، محاولة لتطبيق معايير النقد الأدبي على النص الفني... بما يظهر غنى ورقي وخلود هذا النص، حين يمتلك من أبدعه تلك الثقافة الشعرية والأدبية العميقة، فلا يرتهن لأجواء الاستسهال والابتذال التي يمكن أن تحكم الأوساط الفنية صعوداً وهبوطاً!
لقد أثرى الأخوين رحباني والسيدة فيروز ليل الغناء بالصبابة والوجد... ونثروا أقمار الأدب ونجوم القصائد في سمائه فبدا أكثر إشراقاً وسطوعاً وغنى، وقدرة على البقاء في الوجدان... كما أبدع الأخوين رحباني إلى جانب هذا كله ديوانهما الخاص، وكتبا عشرات القصائد الخالدة التي لم تكن بأقل سوية من القصائد التي اختاراها لشعراء آخرين... ومن هنا يحتفي هذا الكتاب بقصائد الأخوين رحباني، وبأجمل ما كتباه من الشعر الفصيح، مثلما يحتفي بنشر قصائد الشعراء الآخرين التي شدا بها صوت فيروز فحملها إلى ذرى وآفاق جديدة، ليقدم في المحصلة ألبوماً تذكارياً لتلك القصائد وزمنها الجميل، نستعيد معه ليل الغناء الرحباني الصادح بالحب والفرح والحياة، مثلما نتأمل في معطياته النقدية وأسراره الفنية الخالدة.
دمشق 20/2/2009

Page 2

الباب الأول

الخارطة الشعرية في الأغنية الرحبانية

الفصل الأول

تراث الشعر والموشحات

* السيدة فيروز مع عاصي ومنصور الرحباني

لم تكن التجربة الرحبانية، التي انطلقت في خمسينيات القرن العشرين في لبنان، مجرد تجربة فنية ذات آفاق ترفيهية أو تجارية محدودة الأفق، ولم يكن الأخوين رحباني ينظران للأغنية باعتبارها منتج فني ينتمي في نسبه لعلم الموسيقى وأصول فن الغناء وحسب، بل كانا يعتبرانها اختزالاً لمناخ ثقافي مشبع بأسرار وجماليات الحياة... ومن هنا فقد وعى عاصي ومنصور في كل ما قدماه مع السيدة فيروز على مدى أكثر من ثلاثة عقود من العطاء المتواصل، أهمية المنابع الثقافية الأصيلة في تغذية أي تجربة فنية تستحق أن تبقى... ولعل تأمل الخارطة الشعرية التي نهلت منها الأغنية الرحبانية، يكشف لنا بوضوح غنى عوالمها الثقافية الأصيلة، التي جعلت منها اليوم إبداعاً حاضراً بقوة، يرتقي بالأذواق ويتجدد مع الأجيال.

* فن الموشحات: زمان الوصل!..

إذا انطلقنا بداية من تراث الشعر العربي القديم، نجد أن الأخوين رحباني، كانا قارئين نهمين لهذا الشعر، اطلعا على نتاج شعرائه الكبار في مختلف العصور، وانتقيا عبر ذائقة شعرية أصيلة أبياتاً وقصائد لها قيمة متفردة في قوة التعبير وأصالة الصور والمعاني في آن معاً.
المدخل الحقيقي للتراث الشعري العربي في تجربة الرحابنة كان هو فن الموشحات، لأن هذا الفن الشعري الذي ظهر في الأندلس وازدهر في القرن الرابع الهجري، ثم انتقل إلى المغرب العربي ثم إلى المشرق في مصر فسورية ولبنان؛ كان فيه خروجاً عن وحدتي الوزن والقافية وعناية شديدة بالموسيقى، وقد وُضع للغناء قبل كل شيء.. وكانت حرية الوزن فيه تقودها أذن موسيقية وضرورات لحنية... وقد طرق شعراء الموشحات أكثر أغراض الشعر المعروفة والشائعة، ولكن لما كانت الموشحات قد اخترعت في سبيل الغناء، كما يقول الدكتور جودت الركابي في كتابه (في الأدب الأندلسي)(1) كان من الطبيعي أن تنظم بكثرة في الأغراض التي تناسب هذا الفن كالغزل ووصف مجالس اللهو والخمر ووصف الطبيعة... وقد وجد الأخوين رحباني في هذه الأغراض تجسيداً للروح الرومانسية المتأصلة في الأغنية الرحبانية، وخصوصاً على صعيد الغزل ووصف الطبيعة، كما وجدوا فيها أيضاً، معطيات فرجة مسرحية تراثية، يمكن أن تغتني بلمسات العصر على صعيد اللحن والتوزيع وحتى الرقص التعبيري والتشكيل والأزياء.
ولعل أول حفلة قدم فيها الرحابنة والسيدة فيروز فن الموشحات على نطاق واسع، كانت في دمشق، وفي حفلة مهرجان معرض دمشق الدولي عام 1960، إذ أن معظم الحفلات الناجحة التي كانوا يقدمونها في لبنان قبل ذلك، كانت تركز على استلهام التراث الشعبي اللبناني، وفولكلور الضيعة اللبنانية التي أحبها عاصي ومنصور وأبدعا في تجسيد جمالياتها وطقوس حياتها شعراً ولحناً.

Page 3

* السيدة فيروز بالزي الأندلسي

يصف منصور الرحباني في مذكراته أجواء الحفلة المذكورة بالقول:
(ليلة الافتتاح ارتفع الستار في دمشق لأول مرة على مسرح يضم فرقة ضخمة بلباس أندلسي، وما هي إلا لحظات حتى خرج صوتٌ مسجل كان صوتي:
جادك الغيث إذا الغيث همـــــــــى
يا زمان الوصل في الأنـــــــــــــدلس
لم يكن وصلك إلا حلمــــــــــــــــــا
في الكرى أو خلســــــــة المختلس
بعدها انطلقت الفرقة بموشح (لما بدا يتنثى) وتألق صوت فيروز جمالاً فانفجرت القاعة تصفيقاً نحو ثلاث دقائق وقوفاً والدمع ينحدر من عيون الدمشقيين، الذين شعروا أننا نعيد إليهم تراثاً كان مغيباً في النسيان) (2)
وقد عاود الرحابنة والسيدة فيروز تقديم الموشحات والأجواء الأندلسية والشعر العربي القديم في دمشق مراراً كما فعلوا في (قصيدة حب) عام 1973، وكما فعلت السيدة فيروز في آخر حفلة أحيتها في سورية على مدرج بصرى الأثري عام 1987، حين قدمت الكثير من الموشحات ومجموعة (أرجعي يا ألف ليلة)
استلهم الرحابنة موشحات لسان الدين الخطيب (713 ـ 776هـ) الأديب الوزير الأندلسي، الذي كان قطب الحركة الأدبية في مملكة غرناطة، وخصوصاً موشحه الشهير: (جادك الغيث) الذي كتبه في اثنين وخمسين بيتاً، معارضاُ فيه موشحاً لابن سهل الإشبيلي(3) وقد اختار منه الرحابنة عشرة أبيات منها:
في ليالٍ كتمت سـرَّ الهوى
بالدجى لولا شموسُ الغررِ
مالَ نجمُ الكأس فيها وهوى
مستقيمَ الســـيرٍ سعدَ الأثر
حين لذَّ النوم شيئاً أو كما
هجم الصبح هجوم الحرس
غارت الشهب بنا أو ربما
أثرتْ فينا عيونُ النرجسِ
ومن الموشحات التي قدمها الأخوين رحباني مع السيدة فيروز، موشح (هل تُستعاد) لابن زهر الأندلسي، الذي ولد في أشبيلية سنة (507) للهجرة وكان طبيباً وأديباً مشهوراً واتصل بدولة الموحدين ثم بدولة المرابطين ومات مسموماً سنة (595) للهجرة وهو في الثامنة والثمانين من العمر... وموشح (هل يستعاد) من موشحاته الشهيرة التي ذاعت لدى دارسي فن الموشحات، وقد اختار منه الأخوين رحباني عشرة أبيات معظمها حسب التسلسل الأصلي:
هل ُتســـــــــــــــــــــــــتعاد أيامُنا بالخليـــج وليالينا
أو يُستفاد من النسيم الأريج مســــــــــكُ دارينا
أو هل يكاد حسنُ المكان البهيج أن يحيينا

Page 4

كما استلهموا موشحات ابن سناء الملك (550 ـ 608هـ) القاضي والشاعر المصري الذي كان أول الناظمين للموشح في مصر في القرن السادس الهجري، فغنت له فيروز مع وديع الصافي في حفلة (قصيدة حب) موشح (يا شقيق الروح) والذي يقول فيه:
يا شقيق الروح من جسدي أهوىً بي منك أم ألم
أيها الظبي الذي شردَ تركتني مقلتاك سدى
زعموا أني أراك غدا وأظن الموت دون غدِ
أين مني اليوم ما زعموا؟!..
وقد أخذ الرحابنة موشحاً للشيخ الشاعر صدر الدين ابن الوكيل (665 ـ 716هـ) الذي كان أحد علماء الحديث الشريف في عصره، والذي ولد بدمياط في مصر وعاش واشتهر في دمشق وتوفي في القاهرة، وكان يكتب الشعر مثلما كتب الموشحات، وقد غنت له فيروز في (قصيدة حب) أيضاً:
غدا منادينـا محببـــــــــــــــــــــاً فينا
يقضي علينـا الأسى لولا تأسّينا
يا جـــيرة بانتْ عــن مُغــــرمٍ صبِّّ
لعهـــده خانتْ مــــــن غير ما ذنبِ
ما هكذا كانت عوائدُ الحــبِ
وقد أتبَعَ الرحابنة هذه الأبيات ببيت للشاعر ابن زيدون ينسب في البيبلوغرافيا الرحبانية، خطأً لصدر الدين بن الوكيل هو:
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا
إذ طالما غيّر النأي المحبينا
وقد عدلوا صدر البيت في الصياغة مع الحفاظ على المعنى ذاته، فغدا على النحو التالي:
لا تحسبوا البعدَ يغير العهدَ
إذ طالما غيّر النأي المحبينا
وفي مصر أيضاً استمر فن الموشحات والأدوار، على يد الشيخ محمد عبد الرحيم الشهير بالمسلوب: (1793 ـ 1928) والذي عاش (135) عاماً، واهتم بالموشحات والأدوار، وقد كتب حوالي المائة دور أرسى من خلالها دعائم القالب المتعارف عليه اليوم(4) وقد أخذ له الأخوين رحباني الموشح الشهير (لما بدا يتثنى)، والذي يقول:
لما بدا يتثنــــــــــــــى قضى الصبا والدلال
حبي جمالُه فتنّا أفديه هل من وصــــال
أومــا بلحظه أسرنا بالروض بين التلال
غصنٌ سبـــــــا حينما غنى هـــــــواهُ ومال
وقد قدم الرحابنة هذا الموشح مع السيدة فيروز، لأول مرة في حفلة معرض دمشق الدولي عام 1960، وجاء ممزوجاً مع موشح لسان الدين بن الخطيب (جادك الغيث)، كما قدما في ألبوم (أندلسيات) موشح سيد درويش الشهير (يا شادي
الألحان) من مقام الراست، الذي يعتبره المؤرخ الموسيقي كمال
النجمي: (من أجمل الألحان منذ عصر الشيخ المسلوب إلى عصر سيد درويش)(5).

Page 5

* أبو خليل القباني: استلهام مُغْفل!

وحين نتحدث عن فن الموشحات، لا بد من التنويه برائد المسرح الغنائي العربي، الفنان السوري أبو خليل القباني (1833 ـ 1903)م. فقد أخذ له الرحابنة أغنيته الشعبية الشهيرة (يا مال الشام) التي كتبها بلغة أقرب إلى العامي الفصيح.. وغنتها فيروز بلحن القباني نفسه، بعد أن عدَّل الأخوين رحباني بعض الأبيات، ومنها:
يا مال الشام يا الله يا مالي
طال المطال يا حلوة تعالي
طال المطال طال وطول
الحلوة بتشكي وبتتحول
يا ربي يرجع زمني الأول
يوم يا لطيف ما كان على بالي
وقد أبقى الرحابنة على المذهب الأساسي (يا مال الشام)، ثم عدلوا الأبيات التالية مع الحفاظ على المعاني وحالة الاشتياق نفسها:
طال المطال طــــــال وطوّل
وراح ونسيني وعني اتحول
رجّع حبيبــــــي زمني الأول
عمر الفراق ما كان على بالي
وإذا كانت هذه المقاربة معروفة في نسبها، فإن الأخوين رحباني أخذا موشحات لأبي خليل القباني، نسب بعضها في مصادرهم، والدراسات التي صدرت عنهم للسان الدين بن الخطيب، كموشح (بالذي أسكر من عذب اللمى) الذي يقول مطلعه:
بالذي أسكر من عرف اللمى
كل كأس تحتســــــيه وحبب
والذي كحّـــــل جفنـــيك بما
ســجد السـحر لديه واقترب
وقد استبدل الرحابنة (عرف اللمى) بـ (عذب اللمى) ثم وضعوا موشح القباني هذا داخل موشح (جادك الغيث) للسان الدين بن الخطيب.
وقد بلغت براعة الربط في اللحن والمضمون، أن ظنَّ الناس أنهما موشح واحد للخطيب.

Page 6

كما أخذ الرحابنة موشحاً آخر لأبي خليل القباني هو (يا غصن نقا) الذي يقول فيه:
يا غصن نقا مكللا بالـــذهب
أفديك من الردى بأمي وأبي
إن كنتُ أسأتُ في هواكم أدبي
فالعصمة لا تكون إلا لنبي
والموشح الثاني ينسب في المصادر للشعر القديم، لكنه لأبي خليل القباني، الذي كان موسيقياً وشاعراً وزجالاً، أغنى تجربته المسرحية الغنائية الرائدة في نهاية القرن التاسع عشر، بتعدد مواهبه وسعة اطلاعه (6).
وقد أدخل الرحابنة إلى الأجواء الأندلسية التي قدموها، شعرا معاصرا للشاعر اللبناني رفيق خوري جعلوه افتتاحية لوحات (أندلسيات) وهو من أجمل ما كتب هذا الصحفي والمعلق السياسي اللبناني في مطلع حياته الأدبية، حيث يقول:
أرجعي يا ألف ليلة غيمة العطر
فالهوى يشفي غليله من ندى الفجر
إن أشواقي الطويلة أقصرت عمري
وحكاياك خميلة في مدى الدهر
ولا بد من التنويه أن الأخوين رحباني قد كتبا الموشح أيضاً، حين ألّفـا ضمن لوحات الأندلسيات التي كانوا يقدمونها بين الحين والآخر موشح (بَلّغهُ يا قمرُ) والذي يقول:
بلغه يا قمرُ إذْ ينشـــــــرُ الخبـــــــــرُ
أني غداةَ غـــــــدٍ يغتالُني الســــــهُر
يا ليتَ يجمعنــــــا للشــوق موعدنا
فالشوق يزرعنا والبعد يحصدنـــا
ولهانُ ينتظرُ والشــــــــــوقُ يســــتعرُ
البْيدُ تعرفـــــــــهُ والليلُ والقمـــــــــرُ
وهكذا أغنى الرحابنة فن الموشحات، انتقاء وكتابة وتوليفا ومزجا ولحناً، نفضوا عنه غبار الإهمال، ونزعوا عنه لباس الماضي، والبسوه في ألحانهم روح العصر الفني الذي كان يتجدد بأصالة على يديهم، دون أن يسيئوا لخصائصه ومزاياه الجمالية في الشكل والمعنى. وقد انعكس هذا الإخلاص للجوهر حتى على شكل الفرجة المسرحية التي قدموا من خلالها هذه الموشحات، حيث حضرت الأزياء الأندلسية ذات الطابع الشرقي والتي كانت ترفل بها السيدة فيروز بأناقة واحتشام كما عناصر الفرقة من حولها، لتعطي كل هذا طابع إحياء العهد والتواصل الفني والثقافي مع الزمن الذي كان.

Page 7

* تراث الشعر العربي: إطلالة كل العصور!

لم يقف الرحابنة عند فن الموشحات وحسب، فالخارطة الشعرية لديهم تكاد تغطي معظم عصور الشعر العربي، بدءاً من الشعر الجاهلي، حيث كان عنترة بن شداد، أحد أبرز شعراء ما قبل الإسلام، الذين غنت لهم فيروز:
ولقد ذكرتك والرماح نواهلٌ مني
وبيْضُ الهند تقطر من دمي
فوددتُ تقبيل السيوف لأنها
لمعتْ كبارق ثغرك المتبسم
كما غنّت له أيضا أبياتاً أخرى أضيفت إلى اللوحات الأندلسية، التي حفلت بكثير من تراث الشعر العربي القديم:
لو كان قلبي معي ما اخترت غيركم
ولا رضيت ســواكم في الهوى بدلا
لكنـــه راغبٌ فيمــــــــــــن يعذبـه
وليـــس يقبل لا لومــــــاً ولا عذلا
ومن العصر الأموي، اختار الرحابنة لجرير (28 ـ 110هـ / 648 ـ 728)م أحد فحول الشعر الكبار، والذي كان إلى جانب حروبه الهجائية الطاحنة التي خاضها ضد الفرزدق والأخطل من أقوى شعراء عصره في الغزل، اختاروا له أبياتاً من قصيدته الشهيرة (جبل الريان)، التي يروي فيها ذكريات الحب والحنين إلى الأمكنة، ويحيّي منازل الحب الأول، والتي يقول مطلعها:
يا حبذا جبلُ الرَّيان من جبلٍ
وحبذا سـاكن الرَّيان من كانا
حي المنازلَ إذْ لا نبتـغي بدلاً
بالدار داراً ولا الجيران جيرانا
إلى أن يصل إلى البيت الشهير الذي اعتُبر مثلاً سائراً في قصيد الغزل عموماً، وفي الحديث عن سحر العيون خصوصاً:
إن العيونَ التي في طرفها حَوَرٌ
قتلننا ثم لـــم يُحيين قتلانـــــــا
يصرعنَ ذا اللب حتى لا حراك به
وهُنَّ أضعف خلق الله إنســــانا
ومن أسف أن قصيدة (جبل الريان) التي سجلت في الخمسينيات، والمثبتة في السجلات، لم يدرجها الرحابنة ضمن الأسطوانات أو الألبومات التي طبعت ووزعت تجارياً، وانتشرت على نطاق واسع، لذا بقيت رغم قيمة الاختيار أولا، وقيمة الشعر ثانياً مجهولة لدى الكثيرين، وحبيسة أرشيف بعض الإذاعات التي تعامل معها الرحابنة في بداياتهم.

Page 8

ويظهر التنوع الثري في اختيارات الرحابنة من الشعر العربي القديم في البرنامج الغنائي (قصيدة حب) الذي قدموه مع السيدة فيروز ووديع الصافي عام 1973 والذي صاغوا من اختياراتهم تلك لوحة شعرية متفردة، تحكي مشاعر الحب والغزل والحنين للأرض والأهل فيمختلف عصور التاريخ العربي، وقد بدأوها بأبيات من شعر الصمة القشيري الذي يعد من شعراء الحب العذري في العصر الأموي(7)، وفيها يقول:
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الرُبا
وما أحسن المصطـاف والمتربعا
وأذكر أيام الحمـــــــــى ثم أنثني
على كبدي من خشيةٍ أنْ تصدعا
وقد استبدل الرحابنة كلمة (بنفسي) بـ (بروحي) وكان هذا التصرف أكثر شعرية، وربما أكثر مرونة في الصياغة اللحنية أيضا، لأن الوقوف على الواو في كلمة (بروحي) أكثر سلاسة واستمرارية من الوقوف عند حرف الفاء في كلمة (بنفسي) حيث ستنقسم الكلمة إلى قسمين غير مستساغين في الأداء الغنائي.
ويبدو أن التصرف في الصياغة الشعرية كان هاجسا ملحاً لدى الرحابنة، تفرضه الضرورات الفنية أحياناً كما نرى فيما استلهموا من شعر أبي نواس الشاعر العباسي الشهير في (قصيدة حب) أيضاً:
يا قضيباً في كثيب تمّ في حسن وطيب
يا قريب الدار ما وصـــــلك مني بقريـــب
يا حبيبي بأبي أنســــــيتني كـــل حبيب
لشقائي صاغــك الله حبيبا للقلـــــــــوب
فقد استبدلوا كلمة (قضيباً) بـ (غزالاً) وهو لفظ أكثر شاعرية، يغني المعنى ويثري الصورة الشعرية ولا ينتقص منها.
وقد قدم الرحابنة الكثير من أشعار أبي نواس، ومنها هذه القصيدة من البحر المقتضب:
حامل الهوى تعبُ يستخفه الطــــــــــــربُ
إن بكى يحق له ليس ما به لعـــــــــــــــبُ
تضحكين لاهية والمـــحب ينتـحـــــــــــبُ
تعجبين من سقمى صحتي هي العجــب
كلما انقضى سببٌ منك عادني ســبب
وقد غير الرحابنة ترتيب البيتين الأخيرين ليقفلوا القصيدة عند الصورة الشعرية الأبلغ: (تعجبين من سقمي صحتي هي العجب)..
كما غنت فيروز لأبي نواس أيضاَ في ألبوم (أندلسيات) مطلع قصيدة (يا خليليَّ) من البحر الخفيف، والتي يقول فيها:
يـــــــــــا خليليَّ سـاعةً لا تريما
وعلى ذي صبـــــــــــابةٍ فأقيما
ما مررنا بــــــــــــــدار زينب إلا
فضحَ الدمعُ سرَّنا المكتوما.

Page 9

أما عمر بن أبي ربيعة، الشاعر الأموي الذي كان من أرق شعراء عصره في الغزل، والذي كان (أول من لطف ديباجة الشعر وأخرجه من حزونة الجاهلية، وأسلس من تعابيره، وطابق اللفظ على المعنى)(8) فقد قدم له الرحابنة في (قصيدة حب) أبياتا من قصيدته الرائية الشهيرة (نعم) التي تقع في خمس وسبعين بيتاً من البحر الطويل، يتغزل فيها بحبيبته (نُعم) ومنها:
ولا قرب نعم إن دنتْ لكَ نافعُ
ولا نأيُها يسلي ولا أنتَ تصبرُ
إذا جئتَ فامنحْ طرف عينيك غيرنا
لكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظرُ
ولم يتقيد الرحابنة بتسلسل الأبيات، بل انتقوا ما يلخّص الحالة الاجتماعية والعاطفية لهذا العاشق المتيّم الذي نفاه الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى (دهلك)، بعدما شكاه بعضهم من أنه يتغزل بالنساء ويشبب بهن! ..
ومن شعراء الغزل العذري في العصر الأموي، اختار الرحابنة أبياتاً لجميل بثينة، الشاعر الذي اشتهر بحبه لبثينة إحدى فتيات قومه، ومنها ما قاله:
لو تعلمينَ بما أُجِنُ من الهوى
لعذرتِ أو لظلمتِ إن لم تعذري
لا تحسبي أني هجرتُكِ طائــعاً
حدثٌ لعمرُكِ رائعٌ أن تُهجـري
ما أنتِ والوعدُ الذي تعِدينني
إلا كبرقِ سحابةٍ لم تُمطـــــــرِ
وكان الرحابنة قد قدموا هذه الأبيات شعرا بصوت منصور في إحدى حفلاتهم الغنائية، على سبيل الربط بين الفقرات الغنائية، لكن السيدة فيروز عادت لغنائها ملحنة في السنوات الأخيرة، بألحان الملحن السوري محمد محسن، ضمن ألبوم (مش كاين هيك تكون) الذي صدر عام 1999(9).
أما الشاعر العباسي (أبو العتاهية) الذي حبسه الخليفة العباسي المهدي حين قرر اعتزال الشعر، وهدده بالقتل إن لم يعد إلى قوله، لروعة وعذوبة ما كان يقول، فقد اختار له الرحابنة قصيدة في بيتين من البحر الخفيف، يقول فيها، مبتكراً واحدة من أجمل وأبدع صور الأسى في تاريخ العشق:
حجبوها عن الرياح لأني
قلتُ يا ريحُ بلغيها السلاما
لو رضوا بالحجاب هانَ ولكن
منعوها يومَ الرحيلِ الكلاما
ومن أجمل القصائد التي غنتها فيروز من الشعر العربي القديم، قصيدة (يا ليل الصبُّ) للشاعر الحصري القيرواني (أبو الحسن علي بن عبد الغني الحصري) وهو شاعر ضرير ولد في القيروان سنة 420 للهجرة، وتوفي في مدينة طنجة سنة 488 للهجرة، وقد غنت له فيروز ستة أبيات من قصيدته الرائعة تلك، في حفلتها الحاشدة التي قدمتها في بصرى عام 1987 وهذه الأبيات هي:
يا ليلُ الصبُ متى غده أقيام الســاعة مـــوعـــــــده
رقد الســــمُّار فأرقـّه أسف للبين يـــــــــــــــــــــــــردده
كلفٌ بغزالٍ ذي هيفٍ خوف الواشين يشــــــــــرده
نصبتْ عيناي له شركاً في النوم فعزَّ تصيــــــــده
يا من جحدت عيناه دمي وعلى خديه تـــــــــــــورده
خداكَ قد اعترفا بدمي فعلامَ جفونـك تجحده؟!

Page 10

* ابن جبير... قصة رحلة وقصيدة!..

وبعيداً عن شعر الغزل وقصائد الحب، اختار الرحابنة قصيدة في مديح الرسول الكريم، محمد صلى الله عليه وسلّم بعنوان (أقولُ وآنستُ ناراً) للشاعر والرحالة الأندلسي ابن جبير المولود في بلنسية سنة (540هـ/1145م) والمتوفى في الإسكندرية (614هـ/1217م) وكان الأمير ابن سعيد بن عبد المؤمن، أمير غرناطة في عهد الموحدين استدعى ابن جبير يوماً ليكتب له كتابا وكان يشرب الخمر.. فناوله كأساً... وقد أظهر ابن جبير الامتعاض من ذلك لأنه لم يشرب قط في حياته، لكن السيد أقسم عليه أن يشرب منها سبعاً، فقبل ابن جبير مرغماً، فكافأه ابن سعيد بأن ملأ الكأس له سبع مرات بالدنانير... وقد أراد ابن جبير أن يكفر عن خطيئته تلك بالقيام برحلة لأداء فريضة الحج بتلك الدنانير.. وقد راق ذلك لابن سعيد فأسعفه وأعانه(10).
استمرت رحلة ابن جبير إلى المشرق العربي والأراضي المقدسة أكثر من سنتين، دوّن فيها مشاهداته وملاحظاته في يوميات أسماها )تذكرة الأخبار عن اتفاقات الأسفار( وعرفت باسم (رحلة ابن جبير)، وقد كتبها حوالي سنة 582هـ/ 1186م... ويبدو أن القصيدة التي قالها في مدح الرسول (صلى الله عليه وسلم)، كانت من خلال تلك الرحلة، التي يصف فيها زيارته للمسجد النبوي في المدينة المنورة، ووقوفه في حضرة الروضة الشريفة، وقد غنت فيروز اثني عشرة بيتاً منها، ويقول مطلعها:
أقولُ وآنستُ في الليل نــــــــــــــــــاراً
لعل سراجَ الهدى قد أنـــــــــــــــــــارا
وإلا فما بال أفق الدجـــــــــــــــــــــى
كأنّ سنا البرق فيه استــــــــطارا
وهذا نســـيم شذا المسك قـــــــــــد
أُعيرَ أم المسك منه اســـــــــــــتعارا
بشائر ُصبح ِ الســــــــــــــرى آذنـت
بأن الحبيب تدانـــــى مـــــــــــــزارا