Page 1
الجزء الأول
وصلنا الفندق باكراً عند الصباح، وضعنا حقائبنا، واستلقى هلال على سريره للراحة من عناء سفرٍ دام أربع ساعات، وخرجت وحدي بحجة أني أريد شراء بعض الأشياء، كان قلبي يفيض حزناً على أحبّة فارقتهم.مرّ يومان على وجودنا هناك، ومساء عند الساعة الخامسة، هاتف غرفتنا يرن، وعلى الخط الثاني علي بلعة الشاب اللبناني المقيم في هنغاريا منذ زمن، يطلب منا تجهـيز أنفسنا للتحرك بعد نصف ساعة، حاولت اخباره أن هلال مريض لا يستطيع التحرك وسألته تأجيل الأمر، لكنّه أصرّ عليّ معللاً السبب أنه قد دفع بعض المال للمجموعة الـتي تريد إيصالنا إلى الحدود النمساوية.
لم نكن نعرف علي بلعة سابقاً، فقد أخذنا رقم هاتفه من عائلته في لبنان، كما أرسلوا معنا بعض الأغراض إليه، وكنّا قد التقينا به في اليوم الأول لوصولنا في باحة الفندق، أعطيناه أشياؤه المرسلة اليه من عائلته وأخبرناه أننا نريد العبور إلى أوروبا فوعدنا بالمساعدة على تحقيق مرادنا.
نحن الآن في أوتيل فيينا في مدينة بودابست عاصمة هنغاريا (المجر سابقاً) التاريخ شباط 1995، الطقس شديد الـبرودة والثلج يسقط في كل مكان.
في بودابست لا ترى سوى اللون الأبيض لون الثلج، الأرصفة تغطيها الثلوج بعلو حوالي المـتر، نحن في بودابست هاربين من وطننا الأم لبنان، فارين من الفقر الذي طوّقنا من كل ناحية، والخوف من المجهول.
وُلدتُ في العام 1973، يقولون أني ولدت قبل نشوب الحرب الأهلية في لبنان بسنتين، ولكـني عندما كـبرت قليلاً وقرأت تاريخ وطـني، وجدت أن الحرب قد بدأت قبل عـشرات السنين من ولادتي وأنها لن تنتهي في الوقت القريب.
لهذا رحنا نبحث عن وطن جديد لنا، و شعرنا أن هذه الرحلة يمكن أن تكون الفرصة الوحيدة كي نجد ما نبحث عنه. ولأننا ولدنا فقراء رفضنا أن نبقى كذلك، مصرّين على تغيـير حياتنا بالهروب إلى أوروبا، أنا عقيل أحمد مشيمش وصديقي هلال آدم قمحة.
بسرعةٍ فائقة قام هلال من سريره وأخبرني أنه جاهز للسير، ولكـني كنت أرى في وجهه غـير ذلك، هلال كان نائماً طوال النهار لأنه يعاني من وجع في معدته لكنه لحظة سماع المخابرة تشجّع على التحرك، فقمنا بتجهـيز أنفسنا، لبسنا ما نستطيع من الثياب كي نحتمي من الـبرد القارس، وضبّنا حقائبنا، أخفينا الأموال الـتي معنا في كمر كنزاتنا ما عدا 500 $ كان علي بلعة يريد أن يأخذها منا بدل إيصالنا إلى الحدود النمساوية.
بعد نصف ساعة وصل علي بسيارته إلى الفندق، ركبنا معه دون أي كلمة واتجهنا بالسيارة إلى ساحة الكاليتي ساحة بودابست الشهيرة، هناك طلب منّا علي الصعود في سيارة أخرى فركبنا أنا وهلال على المقعد الخلفي، كان معنا امرأة تجلس في المقعد الأمامي لم نر وجهها طوال فـترة الرحلة، كانت الدنيا ظلاماً، وهي أصلاً لم تنظر إلى الخلف والسائق رجلٌ لم نعرفه فهو بالتأكيد هنغاري، كل ما أخبرنا به علي قبل الصعود في السيارة أننا بأمان مع هؤلاء، وأن المرأة مهمتها إيصالنا إلى الحدود النمساوية والباقي جرياً على الأقدام حتـى نصل إلى النمسا.
في السيارة لم ننبس بكلمة واحدة، كان الليل حالك والثلج ما زال يتساقط، وأنا أرى من خلف الزجاج صوراً قديمة تمر على ذهني وتصوّراً للمستقبل المجهول الذي ركبنا في حافلته.
كل الصُوَر القديمة الـتي مرت أمامي: أصدقائي، قريـتي الجميلة، مغامراتي الصبيانية، الفتاة الـتي أحبها.. كلها كنت أستطيع نسيانها وعدم التفكـير بها إلا صورة وجه أمي لحظة رحيلي فهو مسافر معـي أينما ذهبت.
ودعت أمي على باب منزلنا لحظة خروجي، لم أستطع التفوه بكلمة واحدة أثناء وداعي لها، فأنا أعرف نفسي مـتى نطقت سأنفجر في البكاء أمام الجميع، ولا أريد لأمي أن ترى وجـهي باكياً لحظة سفري، كان منزلنا في بيروت على الطابق الأول، وقفت أمي على الشرفة تنظر إلي وهي تبكي وأنا أخرج من الحي الذي نشأت فيه، لم أستطع أن أنظر إليها كي لا أرى وجهها، طأطأت رأسي ومشيت معتذراً بصمت عمّا سببته لها من حزن.
سارت بنا السيارة حوالي الساعتين والنصف، أحسست أننا منطلقان إلى مستقبل باسم لنا، وعُدنا به في أحاديثنا مع المغتربين القدامى، أقنعنا أنفسنا أنه السبيل الوحيد لتغـيير نمط حياتنا، وأن الدوامة الـتي نعيش بها في بلدنا لا فائدة منها فـهي خسارة للوقت لا أكثر.
قطعنا مسافة طويلة إلى أن توقفت السيارة عند محطة للوقود، هناك طلبت منا المرأة ارتداء ثياب أكثر لشدة البرودة، كما حذرتنا من تجمد أصابع اليدين أو الرجلين أثناء الرحلة فأنها بداية النهاية.
لبس كل واحد منا أكـثر من بنطلون واحد وأربع كـنزات صوف، ثم ارتدينا معاطفنا وقبعاتنا وعدنا إلى السيارة الـتي مشت بنا حوالي الربع ساعة بعد المحطة إلى أن توقفت بجانب سهل طويل من الثلج آخره أشجارٌ قليلة الارتفاع أشارت المرأة إلى ضوءٍ بعيد وقالت:
"هذه النمسا يجب أن تسلكوا هذا الاتجاه لتقطعوا هذه الأضواء التي بالكاد نراها، وأعادت تحذيرها لنا من تجمد أصابع اليدين أو الرجلين أثناء المسير".
Page 2
نزلنا بـسرعة دون أي سؤال، حتـى أننا نسينا شكرها، أخذنا حقائبنا واتجهنا جرياً إلى أن وصلنا إلى الأشجار في آخر السهل. هناك عرفنا أن الضوء بعيدٌ جداً لا نستطيع الوصول إليه مع الحقائب الأربع الـتي معنا، فكان أول ما فعلناه أننا رمينا حقائبنا على الثلج بين الأشجار وظل مع كل واحد منا حقيبة ظهر صغيرة وعصا خشبية نتفحص بها الطريق أمامنا كي لا نسقط في الـبرك المائية المغطاة بالثلج أو الجليد.
صديقي المريض هلال يعاني من وجع في معدته، و كان يشعر بالغثيان كل الوقت ولكنه كان مستعدٌ للمـشي أكـثر مـني. في الطريق توقفنا مرتين للاستراحة بناء على طلـبي وكان يـنزعج في كل مرة ويتمتم: "أمامنا طريق طويل".
المشي على الثلج كالمـشي في الحلم، تمـشي وتمـشي وتظل مكانك، في كل خطوة كانت تغوص أقدامنا حوالي الثلاثين سنتم في الثلج، كنت أجد مشقة في رفع قدميّ الغائرتين، لا شيء سوى الثلج وضوءٍ بعيد هو بداية مستقبل نريد الوصول إليه.
استمرت رحلة المشي على الثلج حوالي ثماني ساعات، تقيأ هلال مرتين من شدة السعال، قطعنا غابات ووديان لم نعرف شيئاً عنها أو عن جغرافيتها وتضاريسها، كل شيء أبيض، في الثلج كل الاحتمالات موجودة: المرض، حيوانات مفترسة، التجمّد، السقوط في بركة مائية مغطاة بصفحة جليدية.
تشعر بالاختناق حين تجري من حرارة جسمك المرتفعة من كثرة الملابس، وعندما تقف يأتيك الهواء الشديد البرودة ويـضرب وجهك، فتشعر بمجموعة من السكاكين تدخل في جسدك مرة واحدة، أما الأقدام فحدّث بلا حرج، فالثلج قد تسرب إلى داخل الحذاء وأصبح ماءً شديد البرودة.
في الطريق وصلنا إلى مكان مسدود، نهرٌ يهدر بكل قوته لا نراه من العتمة، لا نسمع سوى هديره الآتي من الوادي، صوت مخيف ينبئك بالحذر الشديد، موت ينتظرك في قعره، وهوّة واسعة.
أول ما تذكرته عند سماعي صوت خرير النهر المخيف قصص رحلات الموت..، قصص الشباب المهاجرة بطريقة غـير شرعية، أولئك الذين ودّعوا أوطانهم تاركين كل شيء باحثين عن أقدار هم في أوطانٍ جديدة، قصص مخيفة عنهم سمعناها قبل انطلاقنا في رحلتنا.. منهم من مات دنقاً من الصقيع ومنهم من مات جوعاً ومنهم من مات غرقاً أثناء عبوره نهراً يفصل بين بلدين، شبابٌ هاجروا فماتوا قبل أن يصلوا ولا أحد يعرف عنهم كيف قضوا؟ وما كانت كلماتهم الأخـيرة الـتي نطقوا بها قبل الموت؟، أولئك الذين لم يجدوا من ينقذهم، ماتوا قبل الوصول إلى تحقيق أحلامهم وأحلام من ينتظرهم في أوطانهم الأم،
شبابٌ قضوا على طريق العبور ليس لهم أضرحة لتكتب اسماؤهم عليها، سميتهم في قاموسي( الشهداء المنسيين).
فكرنا أنه لا بد من مسلك للعبور إلى الجهة الأخرى، وتحدثنا بنبرات عالية كي نسمع أصوات بعضنا، وراح كل واحد منا بالاتجاه المعاكس يبحث عن طريقة نعـبر بها ، ما هي إلا دقائق حتـى عاد هلال إليّ واخبرني أنه وجد جسراً فوق النهر، ركضنا بسرعة فائقة وتوقفنا مذهولين مما رأينا، جـسر خشبي معلقاً في الهواء، عرضه حوالي المتر تقريباً، مربوط بحبال على جنبيه كي نتمسك بها.
هناك.... طلبت من هلال العبور أولاً، وانتظرته حتـى وصل إلى الطرف الثاني ثم عبرت خلفه، هناك... وفي لحظة ما.... كنت أنانياً في تفكـيري ظننت للوهلة الأولى أن الجسر سيسقط بمن عليه في النهر.
صديقي المريض هلال يعاني من وجع في معدته، و كان يشعر بالغثيان كل الوقت ولكنه كان مستعدٌ للمـشي أكـثر مـني. في الطريق توقفنا مرتين للاستراحة بناء على طلـبي وكان يـنزعج في كل مرة ويتمتم: "أمامنا طريق طويل".
المشي على الثلج كالمـشي في الحلم، تمـشي وتمـشي وتظل مكانك، في كل خطوة كانت تغوص أقدامنا حوالي الثلاثين سنتم في الثلج، كنت أجد مشقة في رفع قدميّ الغائرتين، لا شيء سوى الثلج وضوءٍ بعيد هو بداية مستقبل نريد الوصول إليه.
استمرت رحلة المشي على الثلج حوالي ثماني ساعات، تقيأ هلال مرتين من شدة السعال، قطعنا غابات ووديان لم نعرف شيئاً عنها أو عن جغرافيتها وتضاريسها، كل شيء أبيض، في الثلج كل الاحتمالات موجودة: المرض، حيوانات مفترسة، التجمّد، السقوط في بركة مائية مغطاة بصفحة جليدية.
تشعر بالاختناق حين تجري من حرارة جسمك المرتفعة من كثرة الملابس، وعندما تقف يأتيك الهواء الشديد البرودة ويـضرب وجهك، فتشعر بمجموعة من السكاكين تدخل في جسدك مرة واحدة، أما الأقدام فحدّث بلا حرج، فالثلج قد تسرب إلى داخل الحذاء وأصبح ماءً شديد البرودة.
في الطريق وصلنا إلى مكان مسدود، نهرٌ يهدر بكل قوته لا نراه من العتمة، لا نسمع سوى هديره الآتي من الوادي، صوت مخيف ينبئك بالحذر الشديد، موت ينتظرك في قعره، وهوّة واسعة.
أول ما تذكرته عند سماعي صوت خرير النهر المخيف قصص رحلات الموت..، قصص الشباب المهاجرة بطريقة غـير شرعية، أولئك الذين ودّعوا أوطانهم تاركين كل شيء باحثين عن أقدار هم في أوطانٍ جديدة، قصص مخيفة عنهم سمعناها قبل انطلاقنا في رحلتنا.. منهم من مات دنقاً من الصقيع ومنهم من مات جوعاً ومنهم من مات غرقاً أثناء عبوره نهراً يفصل بين بلدين، شبابٌ هاجروا فماتوا قبل أن يصلوا ولا أحد يعرف عنهم كيف قضوا؟ وما كانت كلماتهم الأخـيرة الـتي نطقوا بها قبل الموت؟، أولئك الذين لم يجدوا من ينقذهم، ماتوا قبل الوصول إلى تحقيق أحلامهم وأحلام من ينتظرهم في أوطانهم الأم،
شبابٌ قضوا على طريق العبور ليس لهم أضرحة لتكتب اسماؤهم عليها، سميتهم في قاموسي( الشهداء المنسيين).
فكرنا أنه لا بد من مسلك للعبور إلى الجهة الأخرى، وتحدثنا بنبرات عالية كي نسمع أصوات بعضنا، وراح كل واحد منا بالاتجاه المعاكس يبحث عن طريقة نعـبر بها ، ما هي إلا دقائق حتـى عاد هلال إليّ واخبرني أنه وجد جسراً فوق النهر، ركضنا بسرعة فائقة وتوقفنا مذهولين مما رأينا، جـسر خشبي معلقاً في الهواء، عرضه حوالي المتر تقريباً، مربوط بحبال على جنبيه كي نتمسك بها.
هناك.... طلبت من هلال العبور أولاً، وانتظرته حتـى وصل إلى الطرف الثاني ثم عبرت خلفه، هناك... وفي لحظة ما.... كنت أنانياً في تفكـيري ظننت للوهلة الأولى أن الجسر سيسقط بمن عليه في النهر.
Page 3
ما زال هلال حتـى يومنا هذا، يحدث أصدقائه كم كان بطلاً حين كان أول العابرين لهذا الجـسر المخيف، وأنا أوافقه الرأي لخطورة الموقف الذي كنّا به.
عرفنا عند الساعة الخامسة صباحاً أننا وصلنا إلى أرض النمسا، وأصبحت الأضواء قريبةً منا، رأينا منازل صغيرة تتصاعد منها دخان المدافئ، كم تمنيت أن أدخل أحد هذه المنازل كي أستلقي قليلاً قرب المدفئة.
بقينا نمشي و نمشي حتـى قطعنا من بين بعض هذه المنازل وأصبحت الطريق العام قريبةً منا، توقفنا على بعد عشرين مـتراً منها، بالنسبة لي رؤية الزفت الأسود بعد عبور مرير في الثلج الأبيض أدخل البهجة والـسرور إلى صدري، لأول مرة تجد في اللون الأسود فرحاً وفي اللون الأبيض حزناً ومأساة، عبرنا أم لم نعبر وصلنا وإن لم نصل، المهم أننا سنخرج من هذا الثلج القاتل.
الساعة الخامسة صباحاً إلا أن الظلام ما زال حالكاً، نظرت مبتسماً إلى هلال وكان منهك القوى، لكنه فاجأني وطلب مني عبور جبلٍ آخر من الثلج والابتعاد عن الطريق، فرفضت رفضاً قاطعاً، وأخبرته أنه يجب أن نخرج من الثلج، دار بيننا سجالٌ حاد حتـى أننا افترقنا هناك، ومشى هلال باتجاه الجبل الثلجي وبقيت أنا واقفاً مكاني أنظر إليه، فأنا أعرف هلال جباناً لا يذهب وحده، مرت دقائق قليلة عاد هلال إلي مستسلماً لفكرتي وهي الخروج من الثلج.
أكـثر ما أزعجـني من هلال هو اكتشافي له لحظة وصولي إلى الفندق في بودابست، أنه جبان في بلاد الاغـتراب عكس ما كان عليه في بلدتنا، فعند دخولنا إلى غرفتنا طلب مـني إقفال الباب بالمفتاح وعدم الخروج خوفاً من سرقتنا أو الاعتداء علينا، لقد اخترته لظـني به أنه شجاع ويستطيع حمايتي في رحلـتي هذه، زد على ذلك أنه لا يتقن أي لغة سوى العربية الـتي لا تنفع هناك، فكان إذا أراد شيئاً يطلبه مـني وإذا أراد أن يتكلم مع أحد كان يجب عليّ أن أترجم ما يقوله، كما أنه كان يحـشر أنفه في كل شاردة وواردة مما سبب لي ازعاجاً كبـيراً وحدّ من حريـتي في التصرف.
حتـى الآن لا يعرف هلال لماذا أصريت على الخروج من الثلج، فهلال كان مريضاً وخائفاً، لم أخـبره أن أصابعي بدأت بالتجمد ويجب علينا الخروج إلى الطريق.
نزلنا إلى الطريق العام، كنت فرحاً كثـيراً... لا يهمني من يراني ولا يهمني إن عثروا عليّ، المهم أنني خرجت من الثلج سالماً.
ما هي إلا دقائق قليلة حتـى توقفت سيارة أدارت أضوائها علينا من بعيد ثم رجعت من حيث أتت، عرفنا أنها سيارة شرطة الحدود فعدنا إلى الثلج، وبدأنا نهرول في أقصى سرعة دون أن ننظر إلى الخلف وبقينا نركض حتـى رأينا أضواء سيارات كثـيرة ورائنا أتت من بعيد فاختبأنا في حفرة من الثلج بجانب بعضنا وبقينا مختبئين حتـى وصلت السيارات إلينا، نزل أحدهم واقـترب منا وقال: (هالو غوليغا) أي مرحباً صديقي.
عرفنا عند الساعة الخامسة صباحاً أننا وصلنا إلى أرض النمسا، وأصبحت الأضواء قريبةً منا، رأينا منازل صغيرة تتصاعد منها دخان المدافئ، كم تمنيت أن أدخل أحد هذه المنازل كي أستلقي قليلاً قرب المدفئة.
بقينا نمشي و نمشي حتـى قطعنا من بين بعض هذه المنازل وأصبحت الطريق العام قريبةً منا، توقفنا على بعد عشرين مـتراً منها، بالنسبة لي رؤية الزفت الأسود بعد عبور مرير في الثلج الأبيض أدخل البهجة والـسرور إلى صدري، لأول مرة تجد في اللون الأسود فرحاً وفي اللون الأبيض حزناً ومأساة، عبرنا أم لم نعبر وصلنا وإن لم نصل، المهم أننا سنخرج من هذا الثلج القاتل.
الساعة الخامسة صباحاً إلا أن الظلام ما زال حالكاً، نظرت مبتسماً إلى هلال وكان منهك القوى، لكنه فاجأني وطلب مني عبور جبلٍ آخر من الثلج والابتعاد عن الطريق، فرفضت رفضاً قاطعاً، وأخبرته أنه يجب أن نخرج من الثلج، دار بيننا سجالٌ حاد حتـى أننا افترقنا هناك، ومشى هلال باتجاه الجبل الثلجي وبقيت أنا واقفاً مكاني أنظر إليه، فأنا أعرف هلال جباناً لا يذهب وحده، مرت دقائق قليلة عاد هلال إلي مستسلماً لفكرتي وهي الخروج من الثلج.
أكـثر ما أزعجـني من هلال هو اكتشافي له لحظة وصولي إلى الفندق في بودابست، أنه جبان في بلاد الاغـتراب عكس ما كان عليه في بلدتنا، فعند دخولنا إلى غرفتنا طلب مـني إقفال الباب بالمفتاح وعدم الخروج خوفاً من سرقتنا أو الاعتداء علينا، لقد اخترته لظـني به أنه شجاع ويستطيع حمايتي في رحلـتي هذه، زد على ذلك أنه لا يتقن أي لغة سوى العربية الـتي لا تنفع هناك، فكان إذا أراد شيئاً يطلبه مـني وإذا أراد أن يتكلم مع أحد كان يجب عليّ أن أترجم ما يقوله، كما أنه كان يحـشر أنفه في كل شاردة وواردة مما سبب لي ازعاجاً كبـيراً وحدّ من حريـتي في التصرف.
حتـى الآن لا يعرف هلال لماذا أصريت على الخروج من الثلج، فهلال كان مريضاً وخائفاً، لم أخـبره أن أصابعي بدأت بالتجمد ويجب علينا الخروج إلى الطريق.
نزلنا إلى الطريق العام، كنت فرحاً كثـيراً... لا يهمني من يراني ولا يهمني إن عثروا عليّ، المهم أنني خرجت من الثلج سالماً.
ما هي إلا دقائق قليلة حتـى توقفت سيارة أدارت أضوائها علينا من بعيد ثم رجعت من حيث أتت، عرفنا أنها سيارة شرطة الحدود فعدنا إلى الثلج، وبدأنا نهرول في أقصى سرعة دون أن ننظر إلى الخلف وبقينا نركض حتـى رأينا أضواء سيارات كثـيرة ورائنا أتت من بعيد فاختبأنا في حفرة من الثلج بجانب بعضنا وبقينا مختبئين حتـى وصلت السيارات إلينا، نزل أحدهم واقـترب منا وقال: (هالو غوليغا) أي مرحباً صديقي.