eKtab
EN ع
الخلفية الثقافية : للحكم التسلطي في المجتمعات العربية المعاصرة
Read free sample

الخلفية الثقافية : للحكم التسلطي في المجتمعات العربية المعاصرة

by د. محمد السهر

Page 1

المقدمة

تمر الأمة العربية اليوم بأزمة حقيقية تهدد كيانها بالصميم، هذه الأزمة المتعددة الأوجه، المعقدة الأطراف، المتداخلة والمتشابكة الأبواب والمداخل، هي أزمةٌ قديمة، حديثة ومعاصرة. فالأمة العربية اليوم مهددة في كيانها الوجودي بعد أن صارت عرضة للاقتتال والاحتراب الأهلي، وبعد أن أصبحت أطرافها تُقضم الواحد تلو الآخر، بالأمس جنوب السودان وغداً شمال العراق وبعدهُ أجزاء من سوريا أو من مصر، ولا ندري أين ستتوقف عملية القضم أو التقسيم ومتى؟ وإذا كان هذا ما يخص الجغرافية، فإن ما يهم الهوية لهو أعظم خطراً، فالهوية اليوم غير واضحة المعالم، مشوشة الرؤى، فالقوميات التي كان يُظن أنها انصهرت في بوتقة الهوية العربية ظهر اليوم أنها باقية على أصولها وهي منتظرة للفرصة المؤاتية للانفصال، وهذا هو حال الهويات الأمازيغية والطوارقية في المغرب العربـي، والهوية الكردية في شمال العراق وشرق سوريا.ثم تأتي الهويات الدينية والمذهبية، فينقسم المجتمع العربـي أفقياً وعمودياً إلى مسلمين ومسيحيين، والمسلمون ينقسمون إلى سنة وشيعة، ينقسم كلٌ منهما إلى فرق ومرجعيات فرعية، والمسيحيون إلى أقباط في مصر وكلدان وآشوريين في العراق وموارنة في لبنان وهلم جرا.

وإذا كانت هذه الهويات أصيلة وقديمة، فما الذي أبقاها على حالها إلى اليوم؟ ولماذا الآن هي مستعدة للانفصال عن الجسد الحاضن لها وهو الأمة العربية بعنوانها الكبير؟ كلنا يعرف أن هذه الهويات دخلت في جسد الأمة أثناء عمليات الفتوحات الإسلامية في النصف الثاني من القرن السابع الميلادي، لكن النظام السياسي العربـي الذي تشكل آنذاك وقام على أساس الاستبداد والتسلط همشَ كل الهويات الأخرى، ولم يعطها حقها في المشاركة طوال الأربعة عشر قرناً الماضية، حتى إذا ما تغيرت معالم العالم في باكورة الألفية الثالثة شعرت هذه الهويات بأن شيئاً لم يتغير والحال هي ذاتها وكأنها تعيش في العقلية السياسية العربية في القرون الوسيطة.

لقد كان للخلفية الثقافية التي استند عليها المجتمع العربـي في شرق الوطن العربـي ومغربه، الدور البارز والهام والمؤثر في بقاء جميع الهويات الفرعية داخل الجسد العربـي الكبير، قومية أو دينية، في بقائها مهمشة وغير فاعلة، وتحمل في ذاكرتها الجمعية مشاعر الغبن والظلم والاضطهاد، حتى إذا ما تدخل العنصر الخارجي ظهرت هذه الهويات إلى السطح معبرةً عن رؤى جديدة لا تنسجم مع رؤى الأمة الواحدة، ليس في الوحدة الجغرافية التي تبدو اليوم مستحيلة أكثر من أي وقت مضى، بل وحتى في الوحدة الفكرية أو النفسية أو الثقافية. وهكذا نجد اليوم أن ما يسمى بالكيان العربـي يمر بأضعف فترات تاريخه، حيث تشير كل الدلائل والمعطيات المتوفرة على الأرض بأن هذا الكيان عرضة للتهشيم على أساس الهوية والقومية والانتماء من جهة، والدين والمذهب والطائفة من جهة أخرى.

لا يخفى أن النظام السياسي العربـي المعاصر هو نظام قرووسطي العقلية والتفكير، يعتمد ديكتاتورية العائلة أو الحزب أو الطائفة في إدارة شؤون البلد الذي هو فيه، وليس هناك اختلاف بين رئيس جمهورية يرتدي البذلة وربطة العنق، وبين ملك يرتدي الكوفية والعقال، أو سلطان يرتدي العمامة ويعتمر الخنجر، أو رجل دين يرتدي الجبة ويحمل بيده كتاب الفقه، الجميع يعيشون في عقلية الزعيم العربـي الإسلامي الذي ظهر أبان الدول الأموية بشطريها في دمشق والأندلس، أو العباسية في بغداد، أو الفاطمية في القاهرة، وكافة الإمارات والدويلات التي ظهرت آنذاك في كنف هذه الدول أو منفصلة عنها.

إذن لماذا الوطن العربـي مختلف؟ مختلف بكل شيء عما يحيطه من عالم. لماذا هو عاجز عن حل مشكلاته، وعن التخطيط لمستقبله، وعن التصالح مع ذاته، وعن دمج مكوناته وقومياته وأديانه ومذاهبه وطوائفه وأثنياته في وحدة نفسية-ثقافية تجعلها تشعر بالانتماء الحقيقي لهوية عربية واحدة، وليس الشعور بما كان يشعر به الموالي وأهل الذمة والإماء من مواطنة ناقصة؟ لماذا لم يستطع المجتمع العربـي إنتاج فكر سياسي معاصر ومستقل؟ لماذا ظل يجتر الماضي بحثاً عن الجديد؟ لماذا ظل يدور في دوامة الفقر والأمية والفساد والمرض والتخلف؟ لماذا عجزت حكوماته عن إقامة تنمية حقيقية ومستدامة؟ لماذا ظل هذا الوطن الكبير يستهلك ذاته ويحطم كيانه ويبدد ثرواته ويحارب مكوناته ويهمش أجزائه؟ لماذا لم تحقق أية دولة عربية طوال القرن الفائت أي إنجاز عالمي مرموق، لا يهم ما نوع هذا الإنجاز، عسكرياً كان أو علمياً-معرفياً أو رياضياً أو فنياً أو.... الخ. لا ريب أن الثقافة هي السبب الرئيس والعامل الأساس في كل ذلك، فالثقافة العربية في الوقت الراهن هي ثقافة تقليدية، ارتدادية، نكوصية وعقيمة، كانت ولا زالت تعمل على إنتاج الخنوع والخضوع والاستكانة والاستسلام والطاعة التامة للحاكم، والنتيجة النهائية تتجلى فيما نحنُ فيه اليوم من هزيمة على المستويات كافة.

سنحاول في هذه الدراسة، البحث في ثنايا وخفايا الثقافة العربية، ما ظهر منها وما بطن، ما جُهر به وما أُسر، ما شاع منها وما استتر. البحث عن ماذا؟ عن كل ما يمكن تحديدهُ من ميكانيزمات وآليات ودوافع وعوامل، تدعو وتساعد وتُنتج ثقافة الاستبداد بوجهيها، استبداد الحاكم وتسلطه من جهة، وقبول المحكومين بالتسلط والاستبداد والخضوع له والاستكانة في ظله من الجهة الأخرى، بل وهذا هو الأهم، البحث عن الحكم التسلطي واستمراءه واستنشاق الملوث من هوائه وشرب المسموم من مياهه. إذن فأن هذه الدراسة سوف تبحث عن كل ما يُثبت أو يفند ادعاءات القائم بها، وافتراضاته التي يقول فيها أن المجتمعات العربية هي التي تنتج الاستبداد والتسلط وتساعد على استمراره وديمومته، المشكلة بالمحكومين قبل إن تكون بالحاكم، فهم الذين يقدمون أنفسهم قرابين لبقائه وأرواحهم فداء مقدمه فيهم، حاكماً بقوة السيف أو ما يعادله من أدوات عنف معاصرة.

من هنا، سوف يتم تقسيم هذه الثقافة من حيث عملية إعادة إنتاجها، حيث بدايتها عربياً تعود لأربعة عشر قرن خلت، وحقوق ناشريها محفوظة لأساطين الدول العربية التي قامت بعد انتهاء عهد ألرسول والراشدين في منتصف القرن السابع الميلادي. فهنا نحن لا ننتج ثقافة جديدة، وإنما نقوم بإعادة إنتاج لها، وفق تصاميم قديمة مع بعض التعديلات على المظهر دون المساس بقدسية الجوهر. فليس غريباً أن نجد حاكماً عربياً في القرن العشرين يتمثل شخصية الخليفة المنصور، وآخر الـمُعز الفاطمي، وثالث عبد الرحمن الداخل، ورابع عبد الملك بن مروان، حيث لم يتغير تفكير هؤلاء عن تفكير أولئك. الذي تغير فقط مظهر كل فريق، حيث ارتدى الحكام الجدد البدلات الإيطالية واحتسوا الويسكي الاسكتلندي وركبوا طائرات البوينغ ودخنوا السيجار الكوبـي، لكن الأفكار بقيت أفكار أسلافهم دون تغيير، حتى بعد إدعاءات الخلف بأنهم تقدميون، أو ماركسيون، أو ليبراليون، أو وطنيون، أو عسكرتاريون. الجميع ظلوا يحملون روح السلف المقدسة، وإلا فبماذا يمكننا أن نفسر خطاب رئيس أكبر دولة عربية، وفي عام 2012م، في حفل تنصيبه، والذي كان عبارة عن نسخة من خطاب الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوم تنصيبه خليفة بعد وفاة الرسول في عام 632م، (ولقد وُليتُ عليكم وليس بخيركم). 1380 عام بالتمام والكمال فصلت بين الحادثتين، تنصيب الخليفة أبو بكر في المدينة المنورة، وتنصيب الرئيس مرسي في القاهرة.

Page 2

1380عام لم تكن كفيلة بتغيير فهم الحاكم لنفسه كحاكم وللمجتمع كمحكوم من جهة، وفهم المجتمع لنفسه كمحكوم وللحاكم كحاكم من الجهة الأخرى. بل أن أبى بكر رضي الله عنه كان أكثر ديمقراطية من مرسي من خلال تضمين خطبته جملة خلت منها كلمة الأخير، تلك المتعلقة بتقويم الجماهير للزعيم أو عزله إذا أثبت أنه غير أهل للمنصب الذي هو فيه، بينما مرسي عاد بعد أشهر قليلة ليعلن عن جملة من الصلاحيات الممنوحة له كرئيس لا تقل عن أية صلاحيات كان يمتلكها الخليفة الإسلامي في القرون الوسيطة. والحقيقة أن الزعماء العرب الذين يحاولون التشبه بالخلفاء الراشدين، إنما يقومون بذلك لتغطية شخصياتهم الحقيقية ذات التمثل الأموي أو العباسي أو الفاطمي، الذي كان يجعل من الحاكم ظل الله في الأرض وراعي رعيته فيها، الشخص المقدس الموكولة له الزعامة من الله، حيث اصطفاه من دون العالمين ليكون في الذي هو عليه دون الآخرين. وبناءاً على ذلك فأن المبدأ لدى الطرفين يبدو واحداً لم يتغير.

ولا زال الحاكم العربـي يهرع إلى المؤسسة الدينية عندما تلم به المحن، فيستظل بفيئها ويحتمي من الجماهير بالفتوى الدينية التي تحض على رص الصفوف وتوحيد الأمة وتفويت مخططات الأعداء. ومن الغريب أن نجد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي (إسلامي-شيعي) يستخدم مفردات المؤسسة الدينية السنية التي كانت تُستخدم لدرء مخاطر الثورة مثل مفهوم الفتنة. فعلى الرغم من أن هذا المفهوم قد أُنتج بعد مقتل الخليفة عثمان رضي الله عنه ، ثم استخدمته الدولتين الأموية والعباسية للتخلص من مناوئيهم الذين هم بالعادة ثوار شيعة أو خوارج، إلا أننا نجد المالكي يستخدم هذا المفهوم في خطاب له بمناسبة تأسيس حزب الدعوة الإسلامي في يوم 28كانون الثاني 2013، يستخدمهُ بعد أن أعيتهُ مشكلة المظاهرات في محافظة الأنبار. كما أن التلفزيون العراقي الرسمي المتمثل بالقناة الفضائية العراقية بثت دعوى لرجل دين سني سلفي عراقي يدعو إلى عدم الخروج على المالكي لأنهُ يمثل الحاكم الذي يُعد الخروج عليه مدعاة للفوضى والفتنة.

هذه الدعوات الصادرة من المرجعيات الدينية والداعية إلى عدم التغيير خوفاً من الفتنة صارت تتكرر بصورة واضحة خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، حيث شاهدنا واستمعنا إلى دعاة إسلاميين في مصر وليبيا واليمن وسوريا والسعودية والبحرين والكويت والسودان والأردن، وهم يدعون جماهير الأمة إلى عدم الخروج على الزعيم لأنهُ يمثل صمام الأمان للأمة. وعلى الرغم من أن بعض هذه المؤسسات تعترف بفشل سياسيات الدولة القائمة إلا أنها تدعو إلى تقديم النصح للحاكم الجائر بدلاً من الفتنة (الثورة).

لا زال الحاكم العربـي يستند على إطارين مرجعيين رئيسين، هما العرف العشائري- القبلي، والدين. هذا الاستناد ليس من الضرورة أن يكون عن اقتناع منه، ولكن الجماهير القابعة في دهاليز الماضي هي التي تجبرهُ على التمسك بالمرجعية الدينية وبالنظام القبلي، لذا نشاهد وكمثال بسيط على ذلك، الكم الهائل من المؤتمرات التي تضم رجال دين أو شيوخ عشائر طوال العشرة أعوام الماضية (2003-2013) في العراق. ومن الواضح أن الدور الرئيس والمهم هو لرجل الدين أولاً، ولرجل القبيلة ثانياً، ولا يأتي دور السياسي المحترف إلا في مراتب متأخرة. وهذا الأمر أصبحنا نراه في أية دولة عربية حدث فيها تغيير مثل مصر وليبيا واليمن على أقل تقدير.

إذن نحن أمام موضوع شائك ومعقد، مُركب ومتداخل، وعر ومظلم، ذلك هو الطريق الذي سلكناه في هذه الدراسة، التي نجد أن لا مناص منها لتشخيص ما نحن فيه، وليس ما ندعي أننا نحن فيه. في هذه الدراسة سوف نربط الحاضر بالماضي عبر ما نجده من صور معاصرة ترتدي ثوب الماضي وتكتسي بعباءته، على الرغم من كل ما مر به العالم من مراحل متعددة من التغير والتطور. إن الفلسفة السياسية في المجتمعات العربية المعاصرة لم تستطع أن تخرج من قمقم الماضي، فعلى الرغم من مختلف الأطر التي تأطرت بها بعض الأنظمة السياسية العربية كمصر والعراق وسوريا، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، هذه الأطر التي اشتملت على الليبرالية والماركسية والقومية، إلا أن هذه الأنظمة لم تستطع أن تكون إلا صدى للماضي.

وإذا كانت هذه الحالة قد تمت تحت الرعاية والإشراف المباشر من قبل كل من بريطانيا وفرنسا قبل منتصف القرن العشرين، حيث كان القائمون على السياسة العربية يحاولون محاكاة الأنظمة الراعية لهم في أوربا قدر ما يستطيعون، إلا إن ذلك الغطاء غير الواقعي سرعان ما تم التخلص منه في النصف الثاني من ذلك القرن، حيث جاء الزعيم العربـي الذي لم يتوانى عن ارتداء ثوب السلف من الحكام، فارتدت معهُ المجتمعات ثوب السلف من المحكومين. هنا يتكرر السؤالين المركزيين، اللذين تقوم حولهما هذه الأطروحة، يتكرران مرات عديدة، لماذا حدث ذلك؟ وكيف؟ آملين أن تكون هذه الدراسة جديرة بالإجابة عنهما.

Page 3

أولاً- مشكلة الدراسة

يذكر الفيلسوف المعاصر لاندسبرج أن أي مشكلة نتناولها بالبحث لا يمكن أن تُفهم على حقيقتها إلا في علاقتها بغيرها من المشكلات، فالمشكلة المعروضة عرضاً حقيقياً هي المشكلة التي تتشابك وتتبدى داخل نسيج من العلاقات.[1]وتتمحور المشكلة أو القضية، التي تحاول هذه الدراسة الخوض فيها، حول الحكم التسلطي-الاستبدادي الذي يتصف به النظام السياسي العربـي في مختلف الأقطار أو البلدان العربية دون استثناء، سواء أكان شكل هذا النظام جمهوري، ملكي، أميري أو سلطاني. فعلى الرغم من التحولات الكبرى التي مرت بها معظم شعوب وأمم العالم وقطعها لأشواط كبيرة في التقدم والتنمية في مختلف مجالات الحياة ومنها شكل وطبيعة العلاقة بين السلطة والشعب، إلا أننا نلاحظ أن النظام السياسي في الدول العربية لا زال يُفسر العلاقة مع مواطنيه على أنها علاقة بين حاكم ومحكوم، راعي ورعية، رئيس أو ملك (مُسدد من السماء) مطلق الصلاحيات وشعب (مُقدر لهُ من السماء) أن يكون خاضعاً لحاكمه الذي يمثل ظل الله في الأرض، فهو ولي الأمر الذي يجب أن يكون عارفاً ومتحكماً بأبسط مفردات حياة رعيته، وهم (عياله) الذين يطعمهم ويكسهم ويعلمهم، وإذا ما أخطئوا يعاقبهم.

يرى عالم الاجتماع الألماني المعاصر يورجين هابرماس في كتابه المعرفة والاهتمامات الإنسانية Knowledge and human interest، أن مهمة العلوم الثقافية هي فهم المعاني التي يعطيها الأفراد للأشياء والأحداث في ظروف وملابسات تاريخية معينة ومحددة، ويميز هابرماس تمييزاً شديداً بين العلوم الثقافية والعلوم الطبيعية.[2]كما أنهُ يحدد الثقافة بمنظومة من المعاني الذاتية التي يعتنقها الأفراد عن أنفسهم وعن العالم المحيط بهم. ولكي يمكن فهم المعاني التي يلحقها الأفراد بالأشياء والأحداث، فإن الشخص الذي يقوم بالتحليل يتعين عليه أن يُعيد بناء الـمُدركات الذاتية في مواقف محددة، ويكتشف المفاهيم السائدة والمشتركة بين الأفراد في ذلك الموقف والتي يأخذها هؤلاء الأفراد كأمور مُسلم بها. وهذه أمور ليست صعبة فحسب، ولكنها أيضاً غير تراكمية بالضرورة نظراً لاختلاف المواقف إحداها عن الأخرى. فهابرماس يفترض إذن أن المعاني، والقواعد التي يتم بناء المعاني بمقتضاها تختلف من موقف لآخر، إذ يستحيل إقامة قوانين عامة تصف تكوين المعاني. ويعتقد إن الشخص الملاحظ يجلب معهُ نماذج فكرية سابقة عن تأويلات الموقف، ولهذا فإنهُ من الأصح والأدق أن يُقال إن الباحث أعاد تكوين المعنى من جديد بدلاً من أن يُقال إنه اكتشف المعاني. يدرك هابرماس الحدود التي تفرضها اللغة على المعاني، فالدلالات الوفيرة والفهم الضمني الذي يوجد في أي موقف مُحدد يصعب الإحاطة بهما إحاطة كاملة أو التعبير عنهما تعبيراً دقيقاً باستخدام اللغة. ولذا فإن المحلل الذي يعتمد على اللغة كمصدر رئيسي للوضوح وكأداة للتعبير عن النتائج يجد نفسه منشغلاً بالضرورة في عملية التفسير والتأويل، ويقوم المحلل بدور أكثر من مجرد الملاحظة البسيطة وإظهار المعاني التي ينسبها الأفراد لظروفهم وأوضاعهم، كما أنه يُعيد بناء هذه المعاني طبقاً لقواعد معينة متضمنة في اللغة نفسها. ومع ذلك يميل هابرماس ليكون أقل تعلقاً نسبياً من غيره بالنـزعات الفطرية في اللغة.[3]

وتتلخص مشكلة هذه الدراسة، في أن المجتمع العربـي وهو يعيش في العصر الحاضر، لا زال يتقبل هذه العلاقة (المتسلط والـمُتسلط عليه، أو المستبد والـمُستبد به) مع الحاكم، ويضع التبريرات لكل ما يمارسهُ هذا الحاكم من صور الظلم والقهر والاستبداد والتسلط، معتقداً أن هذا الأمر مقدراً من الله، أو هو نوع من الإذعان لسيرة السلف الصالح الذين حذروا من الخروج على الحاكم مهما كانت نتائج وجوده (الحاكم) السلبية، لأن هذه النتائج ومهما بلغت من عنت وألم سوف تكون أقل تأثيراً فيما لو عمت الفتنة وانفرط عقد السلطة. وتتمحور الأسئلة الرئيسة التي نناقشها هنا:

لماذا ظلت المجتمعات العربية خاضعة للحاكم الظالم طوال قرون، ثم خضعت للاحتلال الأجنبـي، ثم عادت للخضوع للحاكم المحلي مرة أخرى وإلى يومنا هذا؟ ، لماذا تقف عامة الشعب في أغلب الأحيان ضد تغيير الحاكم؟ لماذا لم تستطع المجتمعات العربية من بناء أنظمة ديمقراطية على الرغم من مرور أكثر من تسعة عقود على تشكيل الدول الحديثة فيها مثل مصر والعراق وسوريا؟ لماذا يأتي التغيير دائماً من الخارج؟

Page 4

ثانياً- أهداف الدراسة

يرمي الباحث من وراء دراسته هذه إلى تحقيق الأهداف التالية: -

1- تشخيص أهم الأسباب والعوامل التي تساهم في نشوء وديمومة أنظمة الحكم التسلطية- الاستبدادية في الدول العربية وتعمل على إعادة إنتاجها.

2- توضيح العلاقة الجدلية بين الثقافة والفعل الاجتماعي، مع تحديد الدور الذي تؤديه الثقافة العربية التقليدية في عملية تكريس حالة التخلف العام، ومن ضمن ذلك التخلف السياسي.

3- المساهمة في التجربة النقدية العربية للبناء الاجتماعي العربـي بأنساقه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية كافة.

4- المساهمة في تشخيص العوامل المتداخلة التي تساهم في صياغة دوامة التخلف التي تنصهر في بوتقتها العلاقة غير الطبيعية بين الحاكم والمحكوم في البلدان العربية.

5- تفكيك أطر الثقافة العربية والتفتيش بين ثناياها عن كل ما له صلة بعملية إشاعة وتكريس ثقافة الاستبداد والتسلط من جانب الحاكم، والخضوع والاستكانة والرضا بالأمر الواقع والخوف من التغيير من جانب المحكومين، وهذا هو صلب عملنا في هذه الأطروحة، وهو ما لم تتناوله دراسة سابقة في هذا المجال.

Page 5

ثالثاً- أهمية الدراسة

تأتي أهمية هذه الدراسة من أهمية الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، خاصةً وأنها تأتي في ظل التغيرات الراهنة التي تحدث في الأقطار العربية. كذلك في محاولتها لرسم نظرة تحليلية سوسيو- سياسي- ثقافية لواقع ومستقبل البلدان العربية. لا شك أن الأنظمة الاستبدادية تعمل على الإمساك بكافة مفاصل الحياة، وبالتالي فأنها دائماً ما تكون هي المسئول الأول عن المشكلات والأزمات الكبرى التي تتعرض لها مجتمعاتها، ووفقاً لذلك فأن لهذه الدراسة أهمية كبيرة في هذا المجال.

Page 6

رابعاً- مبررات الدراسة

هل هناك مبررات لمثل هذه الدراسة في الوقت الحاضر؟ وهل هناك علاقة لعلم الاجتماع في مثل هذا النوع من الدراسات؟ في الحقيقة أن هناك مبررات كثيرة لإجراء دراستنا هذه، منها: -

1- عدم مواكبة الدول العربية بمجملها لحركات التغير السياسي، ليس في أوربا وأميركا فحسب بل وفي دول آسيوية ولاتينية وأفريقية كانت إلى ما قبل نصف قرن تحكمها أنظمة سياسية استبدادية. فليست الدولة الوطنية الحديثة في الهند- مثلاً- أقدم من مثيلتها في مصر أو العراق أو سورية، ومع ذلك، فالدولة في الهند من أكثر الدول استقراراً، وسلطانها في المجتمع جار على مقتضى القبول العام. بينما الأمر خلاف ذلك في أية واحدة من الدول العربية الثلاث المشار إليها. وإذا كان من المفترض أن تكون معاناة مجتمعات من القهر السياسي مدعاة لطلب المزيد من الحرية والديمقراطية وبناء دولة الحق والقانون، وهو ما حصل بالفعل في مجتمعات أمريكا الوسطى والجنوبية وأوربا الشرقية، فإن ذلك صار لدينا مدعاة إلى الهرع للعصبيات.

2- نحتاج إلى تفسير أبعد وأعمق من التحليل السياسي السطحي، إذ أن التحليل الملائم في حالتنا هو التحليل التاريخي- الثقافي الذي يحفر في طبقات التاريخ الاجتماعي منفتحاً على دروس الأنثروبولوجيا والتاريخ وعلم السياسة، منقباً عن الأسباب والعوامل العميقة الضاربة بجذورها في عمق التاريخ، مع الأخذ بالاعتبار الدور المؤثر الذي تلعبهُ العوامل السياسية المعاصرة في تغذية تلك الجذور العميقة كي تظل قادرة على الحياة وعلى تجديد ثمارها اليوم.

3- نحن نذهب-بمقتضى هذه المقاربة- إلى الأخذ بفرضية أخرى تقول: (إن ضعف فكرة الدولة في المخيال الجمعي الاجتماعي ينهل من عوامل ثقافية قديمة ومزمنة تعود إلى تكوين الجماعات الاجتماعية العربية في العهود القديمة والوسيطة، وإلى محصلتها الثقافية الإجمالية المعبرة عن أوضاع ذلك التكوين، ثم إلى وجود الأسباب الحاملة على تجديد ذلك الموروث الثقافي أو إعادة إنتاج قدرته على تمديد بقائه وفاعليته وتأثيره في تشكيل وعي من يتلقنون معطياته في الزمن المعاصر). ربما كان بعض تلك العوامل الثقافية سياسياً في أول أمره، لكنهُ مع مرور الأيام وأحكام التقادم تحول إلى شأن ثقافي تشربته أجيال من تلك الجماعات بوصفه قرينة على ما هو طبيعي في اجتماعها، أو على ما هو في حكم الثابت والبديهي من الحقائق التي يقوم عليها ذلك الاجتماع.[4]

4- وبما أن هذه الدراسة تأتي متزامنةً مع التغيرات التي تحدث في بعض البلدان العربية في الوقت الحاضر، فإننا سوف نستدل من خلالها على طبيعة هذه التغيرات، من خلال الإجابة على الأسئلة التالية: هل هذه التغييرات نابعة من إحساس مجتمعي بضرورة التغيير؟ هل أن إرادة المجتمع في هذا الأمر هي إرادة حرة مستقلة؟ كذلك سوف تجيب دراستنا هذه على الكيفية التي ستتم بها عملية التغيير، وهل ستنتج أنظمة سياسية ديمقراطية حديثة، أم أنها سوف تعيد إنتاج دكتاتوريات جديدة؟ [5]

5- ومن مبررات اعتقادنا أن الثقافة العربية هي محور المشكلة، هو عدم نجاح نظريات عديدة في تفسير التحول الديمقراطي، فلقد أكدت أدبيات علم الاجتماع المبكرة أن هناك أثراً إيجابياً بين النمو الاقتصادي والديمقراطية، ومن أبرز هذه النظريات، نظرية لبسيت Lipset الكلاسيكية التي تشير إلى أن هناك علاقة مباشرة بين نمو الدخل والحكم الديمقراطي.[6]وفي صياغة حديثة لاختبار فرضية لبسيت، توصل شيفورسكي وآخرون إلى أن الدول التي تحافظ على دخل سنوي متوسط قدره 5000 دولار أمريكي، على الأقل، يُرجح أن تحافظ على الحكم الديمقراطي. وقد لاحظ مراقبون أن عدداً من الدول الفقيرة نسبياً والواقعة تحت المستوى الذي ذكره شيفورسكي وزملاؤه كانت قادرة على تلبية المتطلبات الدنيا للحكم الديمقراطي منذ انهيار الشيوعية. وهكذا، فالقدرات التي تملكها دول، مثل مالي وغانا وبوليفيا وغيرها، لمتابعة السير في النهج الديمقراطي تتحدى الفرضية القائلة إن الديمقراطية تتطلب مستوى محدداً من الرخاء الاقتصادي قبل أن تترسخ.[7]

وتتحدى البلدان العربية الريعية هذه النظرية، فالعراق مثلاً يتحدى نموذج لبسيت من ناحية أخرى، فخلال الفترة 1970-1980 حقق هذا البلد مستوى عالي جداً من النمو والتنمية الاقتصادية نتيجةً لتضاعف موارده النفطية لعشرين مرة. وبحلول عام 1980 بنا العراق أكثر نظم الرعاية الصحية تقدماً في الشرق الأوسط، ووسع بشكل كبير نظام التعليم، وأوصل الكهرباء إلى أنحاء كثيرة من المناطق الريفية. ومع ذلك كانت هناك علاقة عكسية بين النمو الاقتصادي والرخاء من ناحية، والتغير الديمقراطي من ناحية أخرى.[8]أما نظرية الدولة الريعية فقد ارتبطت بالحكم الأوتوقراطي، وهي تذهب إلى أن قدرة الدولة على انتزاع الريوع من بيع السلع ذات الطلب العالي تسمح لها بالالتفاف على الجماهير عموماً كمصدر للإيرادات، وبالتالي تجاهل الضغوط الهادفة للإصلاح والتغيير السياسي. ولكننا لا نستطيع تطبيق هذه النظرية على الدول العربية كافة، وذلك لأنها ليست جميعها دولاً ريعية. فإذا كان من الممكن تطبيق هذه النظرية على العراق ودول الخليج وليبيا والجزائر كونها دول تعتمد الريع النفطي في موازناتها السنوية، فما بال البلدان الأخرى التي ليس فيها مثل هذا الريع؟

6- أن مما لا شك فيه أن التسلط والاستبداد والدكتاتورية هي صفات مشتركة للأنظمة السياسية في الدول العربية كافة في العصر الحديث منذ العقد الثاني من القرن العشرين وحتى الآن. وفي الحقيقة فأن ظاهرة تكريس النظام الدكتاتوري التسلطي في 22 دولة هي ظاهرة جديرة بالدراسة والبحث، فعلى الرغم من التحولات الكبرى التي حدثت في كافة دول العالم بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، وانتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، وتحول الكثير من دول العالم التي كانت تخضع لأنظمة حكم تسلطية أو شمولية أو ديكتاتورية، تحولها إلى النظام الديمقراطي، إلا أننا نجد أن الأنظمة السياسية العربية لا زالت، كما كان عليه أسلافها من الخلفاء والسلاطين قبل مئات السنين، تنتهج نفس الأساليب التي تعتمد الاستبداد والتسلط والحكم الفردي، فما هو السبب؟

Page 7

خامساً- صعوبة الدراسة

قد لا أقدم جديداً عندما أشير إلى معوقات البحث العلمي بمجمله وفي مختلف حقوله في البلدان العربية، مع التأكيد على جمود وصلابة وقوة هذه المعوقات التي تواجه البحث السوسيولوجي. أن مثلث المحرمات الذي يتكون من الدين والسياسة والجنس هو من بين أكبر المعوقات التي تقف حجر عثرة في طريق الباحث العربـي، وتمنعهُ من الإتيان بنظرية مستقلة تؤسس لعلم اجتماع عربـي، وفي دراستنا هذه، سيكون ضلعين من هذا المثلث حاضرين هما الدين والسياسة، الأول يستخدم التحريم ويعاقب بالتأثيم والزندقة، والثاني يستخدم المنع ويعاقب بالتجريم والتخوين والوصم بالعمالة.

أذن فنحن في هذه الدراسة ليس بمنأى عن مؤسستين قويتين وفاعلتين هما المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية اللتين تدعم أحداهما الأخرى في أغلب الأحيان. ولكن كيف نتخوف من وقوف هاتين المؤسستين ضد دراستنا هذه؟ أن المؤسسة السياسية هي المعنية الرئيسة هنا، فالدراسة تشير إليها بالاستبداد والتسلط والدكتاتورية وليس هناك ما يثير الاستغراب من وقوف هذه المؤسسة على الجانب المضاد، أما المؤسسة الدينية فأننا نخشى أن تفسر تحليلنا لبعض الأحاديث والنصوص الدينية التي تكرس ثقافة الإذعان والخضوع للحاكم وعدم الخروج عليه، أن تفسر ذلك على أنه خروج على قداسة الدين. أن ما أود الإشارة إليه في بداية دراستي هذه، هو أننا نهدف إلى نقد استخدام (تأويل) الأنظمة السياسية لهذه النصوص، استخداماً وتأويلاً يصب في مصلحتها ويعمل من أجل ديمومة ظلمها للمجتمع، ولا نقصد بأية حالة من الأحوال نقد الدين والقائمين عليه قديماً وحديثاً. فالدين الإسلامي من الأديان السماوية الكبرى، وقد كان لهُ أكبر الأثر في تكوين دولة عربية موحدة لأول مرة في التاريخ. كما أننا لا ننظر إلى جميع الشخصيات الإسلامية التاريخية التي يرد ذكرها في هذه الدراسة إلا من خلال نظرة بحثية-علمية متفحصة، دقيقة ومتجردة. ونحنُ غير معنيين هنا بتقييمها أو نقدها بأية حال من الأحوال.

أيضاً تواجهنا مشكلة أخرى تتمثل بالثقافة التقليدية العربية، التي سوف ننقدها وبالتالي فأننا سنقوم بعملية تحليل وتقويم ونقد لآليات اكتساب المعرفة ولعملية التنشئة الاجتماعية والثقافية التي تقوم بعملية نقل الموروث الشعبـي، بما يتضمنه من عادات وتقاليد وأفكار وقيم ومعتقدات وأعراف وفنون وآداب بعملية استنساخ وحفظ وتدجين تنقلها الأجيال عبر ذاكرة جمعية لا تريد أن تغادر الماضي أبداً. أن الكم الهائل من مفردات الثقافة التقليدية العربية لا زال يعمل بقوة على عملية الإمساك بخطوات الفعل العربـي ويمنعهُ من التقدم من خلال ملء المخيلة الشعبية بصور واقعية وغير واقعية للماضي (المشرق السعيد)، ومن خلال ما يزرعه من صور الخوف من الآخر ومن التغيير.

Page 8

سادساً- فرضية الدراسة

يفترض الباحث أن ما تعيشهُ المجتمعات العربية المعاصرة من نُظم سياسية تسلطية، أو استبدادية، أو شمولية، إنما أساسهُ الخلفية الثقافية التي تستند عليها هذه المجتمعات وتنهل من مفرداتها يومياً، من خلال تفاعلها الحياتي في الأسرة والمحلة والمدرسة والمسجد والدائرة الحكومية ومكان العمل والوحدة العسكرية وغير ذلك. هذه الخلفية التي بدأت في تخزين مكوناتها منذ أواسط القرن السابع الميلادي حينما تكونت الإمبراطورية العربية بعد عصر الراشدين واستمرت إلى الوقت الحاضر. إن المواطن العربـي المعاصر يخضع لثنائية التسلط والطاعة: نـزعة السيطرة والتسلط على من هم أدنى، كسيطرة الرجل على المرأة والكبير على الصغير والأب على أفراد العائلة والمدير على الموظفين والزعيم على الشعب، والنـزعة الثانية هي نـزعة الخضوع والطاعة لمن هم فوق بدأً من أصغر الوحدات وانتهاءً بالخضوع التام للزعيم.

إن هذه الثنائية التي تغذيها الثقافة العربية عبر إعادة إنتاج مفرداتها في التربية والإعلام والمؤسسات الدينية والتنشئة الاجتماعية، هي التي تساعد على ديمومة الحكم الاستبدادي التسلطي في البلدان العربية، هذه الثقافة التي ظهرت في قبائل جزيرة العرب بصورة جزئية من خلال طاعة شيخ القبيلة، تجذرت بعد تشكيل الدولة إلى طاعة الخليفة عبر تاريخ طويل استمر لمئات السنين، ثم نقلته الذاكرة الجمعية بأمانة كبيرة إلى الأجيال التي تعيش اليوم متخذةً منهُ منهاج عمل وقانون ودستور لا يمكن التجاوز عليه. وهكذا فإن الزعيم العربـي ما أن يصل إلى سدة الحكم حتى يجد أمامهُ هذه الخلفية الثقافية الكبيرة والمتجددة باستمرار والتي تزوده بكيفية التعامل مع الناس ومع الموارد في دولته، كما تهيئ لهُ الطاعة والاستسلام من قبل مواطنيه.

Page 9

الفصل الأول
الدولة والمجتمع
تمهيد

لا تنشأ المجتمعات التاريخية إلا في كنف الدول، حيث لا سبيل للجماعات لكي تتقدم وتنتج وتراكم وتنظم كيانها الداخلي إلا عندما تتحول إلى جماعات سياسية، تنشأ الدولة عن اجتماعها السياسي. وتتفاوت الدول في درجة قيمتها وتطور نظمها بتفاوت مستوى التنظيم الذاتي للجماعات السياسية التي تكونها، وبتفاوت درجة نضج فكرة الدولة في وعي تلك الجماعات.[9]ولا تختلف الدولة العربية، التي نشأت في القرن السابع الميلادي، في عملية تكونها ونشوئها وتطورها عن هذا الافتراض أو عن هذه المحددات التي تحيط بعملية تكون ونشوء وتطور الدول.

لقد كان انتهاء العقد الثاني من القرن السابع الميلادي، إيذاناً بنشوء دولة العرب الإسلامية، بقيادة بانيها ومؤسسها النبـي محمد ‏ ‏صـلى الله عليه وسلم هذه الدولة التي تأسست في عقل مؤسسها قبل ان تتحقق على الأرض، تشكلت منذ اليوم الأول لوصول النبـي إلى يثرب، وفق نظام شبيه بالاشتراكية إلى حد كبير، حيث تقاسم الأنصار بيوتهم وبعض ممتلكاتهم مع ضيوفهم من المهاجرين الذين سرعان ما تكيفوا مع بيئتهم الجديدة بعد أن تشرب الجميع بالمبادئ الجديدة التي أتى بها الإسلام. لكن هل تأسست هذه الدولة من العدم ومن دون مقدمات؟ والجواب كلا، فقد كان هناك جملة من المقدمات السياسية والاقتصادية والثقافية التي أسهمت في نشوء هذه الدولة وأعطتها طابعها الخاص والمميز، حيث سنتناول هذه الظروف والعوامل التي ساهمت في الولادة والنشوء في هذا الفصل. والسؤال الثاني الذي يتبادر إلى الذهن يتعلق بمدى تمسك هذه الدولة بالمبادئ التي قامت عليها بعد وفاة مؤسسها؟ وسؤال ثالث مركب يتعلق بمتى ومن أين وكيف دخل الاستبداد والتسلط إلى هذه الدولة؟ جميع هذه الأسئلة وغيرها ستكون محاولة الإجابة عليها خلال هذا الفصل الذي كرسناه لتكون الدولة عند العرب.

Page 10

المبحث الأول: مراجعة تاريخيةسريعة لتكون الدولة عند العرب
أولاً- العرب (المفهوم والكيان)

أن أقدم العبارات المكتوبة التي تشير إلى العرب جاءت لتصفهم بالجماعات البدوية أو شبه المستقرة التي واجهها الآشوريون في بادية بلاد الشام بين الفرات والعقبة وفي جهات دومة الجندل وتيماء، وذلك لوجودها على طرق التجارة أو لخطرها على الريف. ويلاحظ أن هذه النقوش الآشورية كانت بين القرن التاسع ونهاية القرن السابع قبل الميلاد، وتطلق على الجماعات المذكورة أسماء (عريبـي وعربـي وعربو وعربا) وتسمي أراضيهم بلاد العرب وعربايا.[10]وفي التوراة وردت كلمة عربـي وعرب لتشير بصورة خاصة إلى البدو وإلى البداوة، ولأن التوراة ظهرت في فلسطين فأن الأقوام الذين أشير إليهم في التوراة هم أولئك البدو الذين يسكنون بادية الشام في بعض فصول السنة.[11]وخلال الألف عام التي سبقت الإسلام فأن المصادر التاريخية لم تشر إلى العرب ككيان واضح المعالم وإنما هناك شذرات حرص الباحثون في التاريخ القديم على اتخاذها كدلائل على وجود عربـي ما، فهاهم يتخذون من كتابات آشورية كتبت في عهد شلمنصر الثالث في معركة تدعى قرقر في حدود منتصف القرن التاسع قبل الميلاد، حيث استطاع الآشوريون هزيمة قائد بدوي ومعه ألف جمل، يتخذون منها على أن الحضارات التي كانت عامرة في العراق والشام قد تعرفت على العرب الذين كانوا يسكنون الجزيرة، والذين كانوا لا يشيرون إليهم دون صفة البداوة التي تبدو أنها كانت ملازمة لهم حيث البيئة المجدبة الخالية من الأنهار منعت قيام حضارات مماثلة لما كان موجوداً في محيطها الإقليمي، مثلما كان الحال عليه في العراق والشام ومصر والحبشة واليمن.

لقد تم استخدام مصطلح (العرب) في الأزمان التي سبقت ظهور الإسلام للدلالة على الناس الذين سكنوا شبه الجزيرة العربية والصحراء السورية. ويبدو أن هذا المصطلح كان موجوداً أيضاً في المخطوطات الآشورية: ففي سنة 854 قبل الميلاد، التحق القائد العربي (جندبو) مع قوافله التي كانت تتألف من ألف بعير، ب (بير-أيديري) في منطقة أريبـي في دمشق (حيث لم يكن هذا سوى ابن خداد التوراتي الثاني) للمشاركة في القتال ضد شلمنصر الثالث في معركة كاركار. وفي هذا الظهور الأول للعرب، كان وجودهم مقروناً بوجود الإبل-ومن الواضح أنهم كانوا يرعون الإبل في الصحراء- وخلال القرون الثمانية والعشرين التالية، لم ينفك التلازم بين العرب والصحراء. إن التشبيه (كالعربـي الموجود في الصحراء) استخدم من قبل أرميا النبـي في سفر التكوين (3-2) في حوالي 600 قبل الميلاد، وقبل ذلك الوقت بمدة تتجاوز 100عام، أشار إسحاق في سفر التكوين (13: 20) إلى الشخص (العربـي) الذي هاجم خيمته.[12]

ولم تكن كلمات العرب والعربـي والعروبة واضحة ومشهورة عشية ظهور الإسلام بالشكل الذي يمكن ملاحظته في التراث الأدبـي الثر لسكان الجزيرة المتمثل بالشعر، الذي كانوا يتخذون منه منبراً لتغطية أخبارهم ومناسباتهم وعواطفهم من حب وكره وحقد وهجاء ووصف ومدح وذم وغيره، إذ لم يرد سوى بيت شعر وحيد قالهُ شاعر جاهلي في حدود القرن الخامس الميلادي أي قبل ظهور الإسلام بعدة عقود فيه إشارة واضحة لكلمة عربـي ذلك هو:[13]

هم المانعو البيت والذائدون

عن الحرمات جميع العرب

وأثناء الجدال الذي كان دائراً في مكة جراء ظهور نبـي في هاشم وهي فرع أصيل من قريش التي تُعًد بدورها من أكثر القبائل العربية أصالةً آنذاك، نجد في الحديث الذي يدور بين رجلين قرشيين أحدهما يدافع عن النبـي، هو العباس بن عبد المطلب والآخر غير مؤمن ويتوجس خيفة من انتشار الأفكار الجديدة التي جاء بها الدين الجديد، ذاك هو أبو الحكم، فيقول الثاني للأول بعد أن أعيته النصيحة له في ترك الدفاع عن النبـي الذي هو ابن أخيه، يقول لهُ (لنكتبن عليكم كتاباً أنكم أكذب العرب)[14]، وفي ذلك إشارة إلى أن كلمة العرب كانت متداولة إلى حد ما في الجزيرة وفي مكة على وجه الخصوص عشية ظهور الإسلام في بداية القرن السابع الميلادي.

وحتى مع ظهور الإسلام ووجود صريح لكلمة العربـي في القرآن الكريم، إلا أن الآيات الكريمة التي أشارت إلى أن القرآن نـزل بلسان عربـي مبين، وفي ذلك توضيح للغة التي نـزل بها القرآن والتي اتخذت من لهجة قريش لغةً له دون اللهجات العربية الأخرى، أن هذه الآيات لم تُشر إلى كيان أمة بأسم العرب، أو الأمة العربية، أو الأقوام العربية، أو القومية العربية وغيرها من المسميات التي تشير إلى وجود قومي على شكل كيان ودولة. وفي الحديث النبوي نجد أن النبـي محمد ‏ ‏صـلى الله عليه وسلم حينما يشير إلى العرب فأنهُ كان يقصد بهم سكان الحواضر والقرى في مكة ومحيطها وذلك لتميزهم عن سكان البوادي الذين تمت الإشارة إليهم بالأعراب.[15]ثم نجد الشاعر حسان بن ثابت يصف حال المدينة بعد تزايد الهجرة إليها نتيجة الانتصارات التي حققتها دولة الإسلام في كنف الرسول، وقد أصبح فيها أهلها (يثرب) الأصليون من الأوس والخزرج أقلية، نجد هذا الشاعر يشير لهؤلاء العرب الذين سكنوا مدينته بالأعاريب فيقول:

إن الأعاريب قد عزوا وقد كثروا

وابن الفريعة أضحى بيضة البلد[16]

وأيضاً يمكننا اعتماد مقولة أبو سفيان بعد إسلامه، مداعباً النبـي: "إن هو إلا تركتك فتركتك العرب، فما انتطحت جماء ولا ذات قرون"،[17]اعتمادها في أن مفردة العرب كانت متداولة بين السكان على مختلف مشاربهم.