eKtab
EN ع
الخليج بعد النفط
Read free sample

الخليج بعد النفط

by عبد العزيز خليل المطوع

Page 1

إشراقةٌ

{ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ، ··}

لن يبرح التاريخ معبَرًا حصريّاً لكل الأقوام من الحضارات والأمم والدول والمجتمعات، ولن يبرح طريقًا مشتركًا ووحيدًا للعبور من مرحلةٍ حضاريةٍ إلى مرحلةٍ تاليةٍ لها، إما إلى إثبات الوجود والتمكُّن والصعود، وإما إلى الانهيار والانزياح إلى هامش المشهد التاريخي، أو ربما الاندثار والاختفاء من المشهد تمامًا؛ وبهذه الحركة التبادلية يبحث العابرون عن موطئ قدمٍ لهم على أي زاويةٍ من زوايا هذا المعبر الزمني الماضي إلى نهايته بأحداثه ومجرياته التقديرية والاختيارية بالإيقاع نفسه، والكل يحاول استخدام منطقته الزمنية وإمكانياته المكانية ومميزاته الثقافية الخاصة من أجل أن يستثمر معطيات ذلك التاريخ وظروفه ومتغيراته، للتشبُّث بفرصته وفرصة أجياله الحياتية مزدهرةً لأطول فترةٍ تاريخيةٍ ممكنةٍ، في سبيل الوصول إلى غاياته الكبرى، ومن أجل إمهار التاريخ ببصمته الحضارية؛ هنا تتفاوت الفرص الممنوحة والمكتسبة في الوفرة وفي الإمكانية وفي الاتجاه وفي الفاعلية الحضارية، بين أشكال الاستقرار السياسي والانتشار الجغرافي، والكثرة العددية، والتطور المعرفي والفكري، والدافع الإيماني والعقيدي، وحالة الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية، والأمن القومي والعسكري، والإنتاج الثقافي والفني؛

هكذا، تنال تلك الحضارات والأمم والدول والمجتمعات أنصبتها المتساوية من الفرص التاريخية الكاملة للوجود والبقاء، وتحصل على منحتها الإلهية المناسبة من الفرص والإمكانات الحياتية بالإعطاء وبالديمومة، من أجل أن تتحرك في أفرادها وفي أنظمتها السياسية وفي أعرافها وتقاليدها الاجتماعية دوافع الوفاء والاعتراف بالجميل لتلك المنحة الإلهية، من خلال لمسة الوفاء التي تُترجَم بالاستمساك بالمنهج الربَّاني الذي يعطيها فرصةً إضافيةً مفتوحةً تضمن للفرصة الأولى استمرارية الرفاهية والحضارة والتمكين والتنامي؛ وبذلك فإنها تكون قد استوفت كل احتياطاتها التاريخية لتستبقي مكتسباتها الحضارية في منأىً من استيفاء الشروط المستوجبة لتطبيق الناموس الكوني، واستحقاق رد الفعل الإلهي العادل بإحداث التغيير المؤدي إلى استلاب فرصة التاريخ أو بانتزاع فرصة الحياة؛

{··، حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ، ··}

ولكن تلك الحضارات والأمم والدول والمجتمعات، بلا استثناءاتٍ، لا تحتمل هذا الكرم الرباني الفيَّاض، وقد تذهب إلى أبعد من ذلك، فتتناسى، في خيانةٍ سافرةٍ للنفس، معاناة البدايات الصعبة، وحالات الحاجة والنقص والجوع والخوف، فتتمادى في اعتماديتها على حالة الوفرة والاستقرار والتمكين، أو على حالة البَطَر الحضاري، لتصيبها بأعراض الاعتماء الاستراتيجي، وفقدان الذاكرة التاريخية، وبارتخاء المفاصل الإنتاجية والإبداعية، فتقع في فخ التفريط في مهمة إعمار الأرض؛

كما تتمادى تلك الأمم والحضارات والدول والمجتمعات في ممارستها لحالة الغرور الفكري، وارتكاب حماقة التغافل عن التأييد الإلهي وخيانة ميثاق الأمانة القيمية والإيمانية، وانطفاء الوازع الروحي والأخلاقي، وتَجاهُل التأثيرات والنتائج الفادحة للمعادلات التي تصنعها ظروف الندرة والمنافسة، وتَنَاسي المعادلات الكونية الحاكمة لآليات ونتائج الصراع من أجل البقاء؛ لتصيبها بأعراض الجرأة على عقد المقارنات التفضيلية للفكرة البشرية على حساب التعاليم والأوامر الإلهية، وبذلك تقع في فخ التفريط في مهمة العبودية لله سبحانه؛

وهكذا تكون تلك الحضارات والأمم والدول والمجتمعات قد استوفت كل عوامل التنصل من مسؤولية احتمال المنهج أو الرسالة، وتكون قد تقاعست عن الوفاء بضريبة الحق الإلهي، وتكون قد أخطأت في استبقاء متلازمة العلاقة بين الحاجة البشرية المستمرة وبين المقدرة الإلهية المطلقة داخل نطاقها المحدد بشروط العبودية والإذعان والاستسلام لله وحده؛

وهكذا تكون قد وقعت في فخ التاريخ، وأعطت قوانينه ونواميسه ومعطياته وشروطه كل المسوغات وكل المبررات وكل الأعذار لكي تنتزع منها فرصتها الحياتية، ولكي تُخرجها من صراع التنافس وقد خسرت أهم مكتسباتها الحضارية والاستراتيجية، ولكي تُخرجها من صراع البقاء وقد خسرت وجودها على هذا المعبر الذي لا يقبل إلا بمن يلتزم بقوانينه ونواميسه ومعطياته وشروطه، وتخسر بالتالي فرصتها التاريخية؛ وعلى هذا المنوال الثابت، يمضي مجرى التاريخ إلى نهايته مُلقيًا على هوامشه بكل تلك التجارب الحضارية التي انتهت صلاحيتها البقائية لاغترارها بمجرد الاستحواذ المادي على إمكانات النعمة من مقدرة الموارد أو مقدرة العلم أو مقدرة القوة، ولاعتقادها بأنها قد أصبحت قادرةً على تسخير تلك الإمكانات لإحداث أي تغييرٍ تريده، ولو كان يُخرجها من إطار المنهج الإلهي؛

{··، وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53)} (سورة الأنفال)(1)

على هذا المشهد التغييري الحاسم، يتجلى الحضور الإلهي بالمقدرة المطلقة، ليُذكِّر الإنسان والمجتمع وليُؤكِّد لهما، بأن كل المحاولات التغييرية، التي اعتمدت في موقفها الحضاري وبنائها القيمي على الحيدة عن الحق وانحيازها إلى الباطل، ممهدةً الطريق الى إحداث تلك النقلة التغييرية الطائشة في حياة المجتمع، والقائمة على الأفكار والمعتقدات والتيارات والمناهج المتعارضة والمتصادمة مع منهج الحق؛ وبأن كل الأقوال والطروحات والآراء والجدالات والمحاورات والمشاورات والمناقشات والمداولات ووجهات النظر التي انبثقت منها تلك المحاولات التغييرية، ومعها التوصيات والتوجيهات والقرارات والأحكام التي قادت إليها، لا يمكنها أن تخرج عن الإحاطة السمعية الإلهية، لأنها جميعها محكومةٌ بالدوران ضمن نطاق الملكوت الإلهي، ولكنها تظل اختياراتٍ تغييريةً متروكةً بعلم الله ومشيئته لتمضي إلى مصائرها ومآلاتها ومواقيتها وفق نواميس حركة التاريخ، ووفق أقدارها المحتومة؛

ومع أن هذا الانكشاف السمعي هو على الحقيقة كما وقعت في زمنها، فإنه يظل واقعًا إجبارًا لا طواعيةً تحت الإحاطة الإلهية القَدَرية، بالعلم اللَّدُني المُطلق الذي يحيط بالمسموعات من الأقوال والآراء قبل أن يُصرَّح بها، ويحيط بحقيقة النوايا والدوافع التغييرية قبل أن يُعلن عنها، ويُحيط بالخطط والتنظيمات والبرامج والمشروعات من أجل إحداث المحاولة التغييرية قبل أن تُبذل، ويُحيط بالأدوات والأساليب والطرائق والتجارب من قبل أن تُستخدَم لإنجاحها، ويُحيط بالشخوص التي ستحمل على كاهلها أوزار هذا العداء وهذا التعالي على منهج الحق، ويُحيط بالنتائج والمآلات والعواقب والإخفاقات والكوارث والمآزق المأساوية التي سينتهي إليها أولئك الأقوام البائسون من قبل أن تجتاحهم على الحقيقة·

وهكذا تكون كل المحاولات التغييرية الخاطئة واقعةً بين حاصرتين، لأن الآية السابقة (رقم 52) تعرضت لجنوح الأمم الى عدم التصديق بالمنهج الإلهي وبقوانين التاريخ، وإلى محاولة طمسه استنادًا إلى القواعد الإيمانية الباطلة (الكفر بآيات الله)، ولترتيب أولوياتها الحضارية على خلاف معطياتهما، فكانت النتيجة استحقاقها لعقوبة الأخذ أو استلاب الفرصة التاريخية بالحرمان والإقتار في الإمكانات والموارد؛ أما الآية اللاحقة (رقم 53) فقد تعرضت إلى تجاوز الأمم لمرحلة عدم التصديق وإنكار الإيمان إلى المبادرة إلى مناهضة المنهج الإلهي، والجنوح إلى محاولة إلغائه بجحود المنح الربانية من الإمكانات والموارد، وتوجيهها إلى مصادمة ذلك المنهج (التكذيب بآيات الرب) استنادًا إلى انتحال الأسباب وتلفيق التبريرات الفكرية والعقلية الجدلية، فكانت النتيجة استحقاقها لعقوبة الإهلاك أو الاندثار والاستئصال بانتزاع فرصة الوجود؛ وهكذا فإن إحدى هاتين الحتميتين التاريخيتين ستظل مترصدةً بكل التغييرات الحضارية الحائدة عن منهج الحق، مهما استمتعت بالمدى الزمني الاختباري أو الابتلائي لفرصتها التاريخية·

Page 2

1· التركيبة الاجتماعية والثقافية

للمجتمع الخليجي

(كيف تقتبس الشعوب من ثقافتها المميزة الإضاءات التي تمنحها رؤيتها الخاصة في مدرسة الحياة، وتوظّفها كمحركٍ أو كدافعٍ لها للسلوك والتنظيم والتخطيط والعمل والإنتاج)

النخيل التي تطارد السراب

الألمان شعبٌ يتميز بالدقة والجودة الفائقة في العمل، أما الأمريكان فهم شعبٌ يتميز بوفرة الإنتاج، في حين يتميز الإنغليز بالانضباط واحترام الوقت، بينما يتميز الفرنسيون بجمالية الفن، ويتميز الصينيون بالحكمة، وأما اليابانيون فيتميزون بالمثابرة وكثرة العمل؛ وبهذه الثقافة السلوكية والنفسية المميزة يثبت كل شعبٍ من هذه الشعوب ذاته أو حضوره بلمسته أو ببصمته الحضارية المتميزة في تحديات التميز والتفوق مع الآخرين، وبهذه الثقافة تتفجر إفرازاته الإبداعية التي تلوِّن أوجه الحياة بلونه الجمالي الخاص، وذوقه الفني الخاص، وطابعه الثقافي الخاص، وخطوطه الفكرية والفلسفية الخاصة، حتى وإن اتفق مع الآخرين في بعض الخطوط العامة أو القواسم الإنسانية المشتركة·

Page 3

1.1 الثقافة السلوكية والنفسية

من هذه الثقافة المميزة تقتبس تلك الشعوب الإضاءات التي تمنحها رؤيتها الخاصة في مدرسة الحياة، وتوظّفها كمحركٍ أو كدافعٍ لها للسلوك والتنظيم والتخطيط والعمل والإنتاج، مع كونها في الوقت نفسه هدفًا نهائيّاً معلَنًا لطبيعة ونوعية المخرجات النهائية التي ينتجها الأفراد والمؤسسات؛ وبذلك تستنهض هذه الثقافة طاقة الإنسان الإبداعية، وتستنفر إمكاناته وقدراته بالتركيز على الجانب المعبّر عنها، كما أنها تعطي المجتمع الشحنة اللازمة من الثقة والاعتداد بالنفس لكي يستشرف بها مستقبله الغامض العصيب؛ وفوق ذلك كله، فإن هذه الثقافة تعمل كمؤشرٍ لقياس الأداء والحركة والالتزام والإنجاز، بحيث يظل المجتمع حريصًا باستمرارٍ على إبقائه في أعلى المستويات؛ ولأن الثقافة السلوكية والنفسية المميزة ليست مَعلَمًا معماريّاً أو أثرًا تاريخيّاً موروثًا، وليست حملةً إعلاميةً منمقةً بمساحيق التجميل والألعاب النارية، كما أنها ليست أوهامًا أو تهيؤاتٍ أو أحلامًا في اليقظة، بل هي مظهرٌ حضاريٌّ وثقافةٌ عميقةٌ ومعرفةٌ متراكمةٌ وعقليةٌ إبداعيةٌ والتزامٌ أخلاقيٌّ وأمانةٌ مع الذات وأسلوبٌ حياتيٌّ وهوايةٌ شخصيةٌ، ومن ثم، فإن صياغة أو صقل ثقافةٍ سلوكيةٍ واجتماعيةٍ ونفسيةٍ مميزةٍ لأي مجتمعٍ تصبح مهمةً شاقةً ومعقدةً، وإنجازًا يتشارك أكثر من جيلٍ واحدٍ في وضع قواعــــده، ولذلك فإنه لا يتمكن من صياغة هذه الثقافة إلا الأمم والمجتمعات التي تستجمع من تراثها التاريخي ومن تطورها العلمي والمعرفي ومن استقرارها السياسي ما يعطيها الشحنة الدافعة لبناء هذه الممارسة المرموقة، وهذه السِّمة السلوكية الخاصة·

ومع أن المجتمع الأمريكي، كنموذجٍ للتعددية الاجتماعية، يتألف من خليطٍ متنوعٍ من الأعراق والأصول والإثنيات والجنسيات والمشارب الثقافية، ومع توارد هذه المتناقضات والمتضادات من كياناتٍ سياسيةٍ مختلفةٍ في مدىً زمنيٍّ قصيرٍ نسبيّاً، إلا أن المجتمع الأمريكي نجح باقتدارٍ في فرض إيقاعه الثقافي والاجتماعي والنفسي على مزيجه البشري، ليشكّل- وإلى حدٍّ بعيدٍ- نسيجًا متجانسًا له الثقافة السلوكية واللُّحمة الاجتماعية والنفسية المتميزة نفسها، ومجتمعًا متجانسًا له الهوية الحضارية نفسها، وأمةً متجانسةً لها الرؤى والتطلعات المصيرية نفسها، ونجح بواسطة هذا النسيج المتماسك في احتلال مساحةٍ مرموقةٍ على الخريطة الهيكلية للحضارة البشرية؛ وعلى هذا النسق الاجتماعي، ولأنه يوجد تشابهٌ كبيرٌ في العديد من معطيات المجتمع الأمريكي، إلا أن المسافة بين مجتمعٍ كالمجتمع الخليجي وبين تكوين ثقافةٍ سلوكيةٍ ولُحمةٍ اجتماعيةٍ ونفسيةٍ مميزةٍ له ظلت إلى الآن بعيدة المنال، رغم أكوام الحبال والأسلاك والخيوط التي استهلكها في محاولة صناعة نسيجٍ خاصٍّ به، بل إن المجتمع الخليجي بات أقرب إلى فشل أفراده أو سكانه الأصليين في المحافظة على خصوصيتهم الثقافية والاجتماعية والنفسية، حتى باتوا اليوم على مرمى حجرٍ من فقْد معالم هويتهم وتراثهم وذاكرتهم التاريخية، وهم يصارعون موجات الجنسيات والثقافات والنفسيات والعقليات التي جيء بها، ليس من كل بقعةٍ على سطح الكوكب، بل من الأحياء الخلفية ومدن الصفيح في تلك البقاع في أغلب الأحيان، وممن لا تربط ثقافاتهم أو هوياتهم أو تواريخهم أي وشائج للقربى بثقافة المجتمع الخليجي أو بهويته أو بتاريخه؛ ومع أن التواصل مع ثقافات العالم كان وما يزال مطلبًا حضاريّاً، إلا أن تواصل المجتمع الخليجي مع تلك الثقافات كان عبثي الطابع، لأن الثقافة الخليجية مثّلت الحلقة الأضعف في سلسلة ذلك التواصل، ولأن التواصل تم استدعاؤه أو استيراده إلى المجتمع بالوسائل الاصطناعية أو بالأساليب التجارية، ولم يأت نتيجة تفاعلٍ طبيعيٍّ؛ وهكذا أسهم هذا الخليط أو كاد في ذوبان كل الصفات الوراثية للمجتمع الخليجي وتلاشيها، إلى المدى الذي يجعله لم ولن ينجح في بلورة ثقافةٍ سلوكيةٍ ونفسيةٍ مميزةٍ له، في ما لو كان ذلك طموحًا يعمل من أجله، بل وإلى المدى الذي يجعله لن ينجح في أي لحظةٍ من لحظات المستقبل الغامض في مجرد الخروج من هذه المعمعة الإثنية والسياسية إلا بنتائج وخيمةٍ من انتشار الجريمة والتفكك الاجتماعي وربما الصراع السياسي، وسيجد المجتمع الخليجي نفسه عاجزًا عن تحمّل ولو جزءٍ من التكلفة اللازمة لمراقبة هذا الخطر والسيطرة عليه، لدرجة أن مداخيله وموارده في ذلك الوقت ستفشل في تغطية العبء المالي لحماية مكتسباته الكونكريتية، أو أن فاتورته قد لا تُبقي شيئًا يُذكَر للحد الأدنى من مستلزمات الصراع مع الشركاء المستجلَبين، أو من تسميهم المؤسسات الرسمية بالعمالة المهاجرة، ولو من أجل فرصة البقاء، والبقاء فقط، في أحرج فترةٍ من فترات تاريخه.

Page 4

2.1 مشاركة العيش ومشاركة الهمّ

تعتبر إيحاءات الأرض للإنسان لغة تفاهمٍ وتجاذبٍ، لأنها هي التي تؤطر علاقة الإنسان بالأرض وبالحياة؛ ولكن الوطن يظل أكبر وأوسع من الحدود الجغرافية التي يتحرك عليها الإنسان، فالوطن الحقيقي هو الذي يعيش في ضمائر أبنائه وفي كيميائهم الوجدانية قبل أن تعيش أجسادهم ومشاعرهم على ترابه، فهو ميراث الرجال الذين سقوا ترابه بعرقهم ودمائهم وقصائدهم، وهو جذور ذاكرتهم ورؤاهم وأصالتهم وهويتهم وثقافتهم السلوكية والنفسية المميزة، وهو الأمانة والمسؤولية التي تتناقلها الأجيال؛ وبعدما قبِل معظم الخليجيين أن يكون وطنهم فندقًا أو محطة مرورٍ لعابري السبيل من كل بقاع الدنيا، بات عليهم أن يتقبلوا كيف يتحوّل هذا الوطن- أمام أعينهم- إلى سلة قمامةٍ ليستقبل نفايات أولئك العابرين والدائسين على ترابه، من مشكلاتهم وأزماتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأن يتقبلوا كيف يتحوّل وطنهم إلى مناخٍ لهويات أولئك العابرين وثقافاتهم ونفسياتهم وعقلياتهم التي سلبت الوطن وجوده، قبل أن تسلب الأرض وجودها، حتى لم يتبقّ لدى الخليجيين اليوم من رصيد الوجود سوى هويةٍ باهتة الملامح والألوان والبصمات، تائهةٍ أو مشتتةٍ وسط أطيافٍ من التراثات والثقافات والنفسيات والتواريخ التي لم تنجح في أن تفرز مزيجًا متجانسًا له رونقه الخاص، بل أفرزت خليطًا متنافرًا لم يتمكن من التخلص من عنصرية الصفات الخاصة بكل هويةٍ لعشرات الشعوب والهويات المستجلَبة بكامل الرغبة والإرادة إلى حد الإصرار والترصّد، والتي تتشارك التنافس والمزاحمة على فرصة الوجود على مساحة الأرض، كما تتشارك التصارع على لقمة العيش، ولكنها لم تتشارك في يومٍ من الأيام لا الهموم ولا الأحلام ولا المصير الواحد·

هذه النتيجة المستقبلية الشاحبة، هي ترتيبٌ منطقيٌّ وواقعيٌّ على ممارساتٍ تشريعيةٍ وإداريةٍ وتخطيطيةٍ وتنظيميةٍ مرتبكةٍ وعشوائيةٍ اصطنعها الماضي القريب الذي واجه هذه التجربة لأول مرةٍ في تاريخه بلا أدنى خبرةٍ أو درايةٍ، وما زال الحاضر يشهدها ويغص بمرارتها، لأنها ممارساتٌ لا تدرك أن هناك فرقًا شاسعًا بين من يذهب إلى سوق المصوغات والمجوهرات وبين من يذهب إلى سوق الأدوات المستعملة والنفايات، وأن من يحتاج إلى الحصول على شيءٍ مما يباع في أيٍّ منهما، فإنه يجب عليه أن يبحث عنه في مكانه الصحيح؛ وبهذا التحديد المسبق والمخطط، فإن من يذهب إلى أحد المكانين ولو بطريق الخطأ، فإنه لن يجد إلا أحد الصنفين معروضًا فيه؛ وبإسقاط المثال على الواقع، فإن المجتمعات التي تحتاج إلى سد النقص الأساسي لديها في الخبرات العبقرية والكفاءات العالية والعقول المبدعة في مجالات الهندسة والطب والاختراع والصناعة والإدارة والمهن العالية المهارة، فعليها أن تذهب إلى أسواق العمل والبيئات التي تتوافر فيها مثل هذه النوعية الفائقة الجودة من الموارد البشرية، لتنتقي منها أفضل الكفاءات بأفضل ممارسات الانتقاء والاختيار، ولكي تغطي بها الحد الأدنى من احتياجاتها؛ أما سوق العمل الخليجية التي احتاجت -وما تزال- إلى سد النقص الأساسي لديها في عمال البناء والخدم والفراشين وسائقي السيارات والباعة والمهن الواطئة المهارة، والقليل النادر من الكفاءات العالية، فكانت تذهب إلى أسواق العمل والبيئات التي تتوافر فيها النوعيات المتدنية أو العديمة الجودة من الموارد البشرية، لتلتقط من الغث والسمين مما تقع عليه اليد أو مما هو مُلقىً على قارعة الطريق؛ ومن تلك المصادر البائسة، كانت سوق العمل الخليجية تستجلب الجيوش المجيّشة التي تغطي ما يزيد عدديّاً على حاجتها الفعلية، وربما بعدة أضعافٍ، ولتهيئ لها البنية التحتية التي اقتُطعت نفقاتها من حاجات الوطن ومن شحم الشتاء لأجياله القادمة، دون تشريعٍ وتنظيمٍ يحاصر هذه الممارسات العشوائية واللامسؤولة، ودون منهجيةٍ تُوازن بين ضرورات بناء المجتمع وحمايته من المخاطر السياسية والاقتصادية المستقبلية التي قد تجرها هذه الممارسات، ودون ضميرٍ فرديٍّ أو مؤسسيٍّ يقظٍ يتحمّل المسؤولية التاريخية، ويتصدى قبل فوات الأوان للمأزق الثقافي والاجتماعي والحضاري الذي ستتورط فيه الأجيال القادمة بإدارة مجتمعٍ أو بركانٍ متنافرٍ ومتخلخل الأجزاء.

Page 5

3.1 حقوق مَن لا حقوق له

كمثالٍ على الطين الذين ازداد ابتلالاً، ظهور ما يسمى بدوائر حقوق الإنسان التي تولّت بعض أجهزة الشرطة والأمن خطيئة تأسيسها واحتضانها، فهي مثالٌ آخر على ضبابية التصورات واختلاط المفاهيم في استيعاب مسألة حماية تلك الحقوق وطريقة نَيلها؛ لأن حراسة الحقوق وحمايتها في المجتمع هي مهمة التشريعات والقوانين ومؤسسات العدالة، ولأن مَن يجب أن تُحمى حقوقه هو الإنسان المغبون أو المسلوب الحق، أو المتعسَّف في منحه الحق الذي أعطته إياه قوانين الدولة وأعراف المجتمع ومبادئ الإنسانية، أيّاً كان الانتماء السياسي أو الإثني أو الديني لهذا الإنسان؛ أما أجهزة الشرطة والأمن فمسؤوليتها المعتادة هي حماية أمن المجتمع وصيانته من الجرائم قبل وقوعها، أو مطاردة المجرمين والخارجين على العدالة والقانون والقبض عليهم بعد وقوع الجريمة، لا أن تلعب هذه الأجهزة دور المحاكم الخاصة، وتقضي بين الأطراف المتنازعة لدرجة التعسف في الاختصاص الإداري؛ وإلى الحد الذي يجعل ردهات هذه الدوائر تشهد تجاوزاتٍ أخرى في استخدام السلطة لدرجة إصدار الأحكام الباتّة وغير القابلة للنقض بما تراه من وجهة نظر موظفيها العسكريين، لا بما يراه القانون أو العرف، أو باللجوء إلى ليّ ذراع النصوص القانونية من أجل سلْب الحق من طرفٍ وإعطائه ظلمًا لطرفٍ آخر؛ وفي كثيرٍ من تلك القضايا، كان يؤتى بالمواطن على أنه هو المتهم، وكان يعامل باستعلائيةٍ وفوقيةٍ من الأجنبي أو المستقدَم، ولا سيما من بعض الجنسيات التي تحظى بمعاملةٍ تفضيليةٍ خاصةٍ·

ومع أن قوانين الأرض- منذ حمورابي حتى القوانين التي وضعتها الثورة الصناعية- مبنيةٌ كلها بلا استثناءٍ على قاعدة: أن البيّنة على من ادعى، واليمين على من أنكر، إلا أن دوائر حقوق الإنسان المذكورة آنفًا ابتكرت لها قاعدةً صارخة الشذوذ، ترى أن: البينة على المتهم أو المدعَى عليه، وأن المدعِي لا شيء عليه إلا التفنن في كيل التهم الكاذبة وتضليل العدالة؛ وهكذا، كان الحق غالبًا ما يُسلَب من المواطن تعسفًا ليُعطى للطرف الآخر زورًا، لا إحقاقًا للحق وإنفاذًا للقانون، بل إرضاءً لمنظمة هيومن رايتس ووتش وأشباهها، حتى أصبح المواطن الخليجي يشعر وكأنه ليس إنسانًا له حقوقٌ كما لبقية البشر، أو كأن القوانين التي احتُكِم إليها تَعتَبر صاحب هذه الأرض ومالكها الشرعي مواطنًا من الدرجة الثالثة أو الرابعة، أو أنه القاطن الوحيد على هذه الأرض الذي يمكن اعتباره عالةً أو منتهي الصلاحية للاستخدام لمجرد إلصاق تهمة الانتماء إلى هذا المجتمع به؛ كما ينطق بذلك لسان حال المواطنين الذين أحالتهم مؤسساتهم إلى التقاعد إجبارًا وهم ما يزالون في مقتبل العمر، وبعدما اكتسبوا من وظائفهم من الخبرة المهنية والكفاءة الميدانية، بما يغْني عن استقدام المزيد من كَتَبة الحسابات وموظفي الاستقبال ومندوبي العلاقات العامة والمرشدين السياحيين وعمال الموانئ وتوظيفهم كخبراء ومستشارين ورؤساء تنفيذيين وجهابذة·

Page 6

4.1 مأزق المأزق

متأخرًا جدًّا، يبدو أن المجتمع الإماراتي- كمثالٍ على غيره من المجتمعات الخليجية- بدأ يستشعر شيئًا من انعكاسات هذا المأزق على وجوده، ولكنه ظل استشعارًا غير مكتمل التأثير أو غير مكتمل الألم؛ ولهذا فإن محاولات الحلول جاءت فقيرةً وترقيعيةً وضعيفة الفاعلية في مواجهة زخمٍ جارفٍ ومتشعب التداعيات للظاهرة وتفاعلاتها المستقبلية؛ فبرنامجٌ كبرنامج وطني أنا، أنا وطني، هو محاولةٌ توعويةٌ لاستنهاض الحس الوطني، ولكنها جاءت محاولةً مفلسةً ويائسةً، فالبرنامج مفلسٌ من أي عمقٍ منهجيٍّ، بنشاطه المسطح الذي اكتفى بتكثيف الانتشار الإعلامي على طريقة الإعلانات التجارية، ويائسٌ بعجزه عن الخروج من إطار الصورة المركّبة له بتَصنُّعٍ مفرطٍ في المبالغة والبهرجة، والممهورة كلها بإبهام البرنامج الباهت الرامز إلى الاستسلام للواقع، متناسيًا أن مجتمعه يعاني نزيفًا خطيرًا في ثقافته وفي قيمه وفي تاريخه؛ كما أن هذا البرنامج مفلسٌ من أي عمقٍ فكريٍّ أو تأثيرٍ وجدانيٍّ بتركيزه على أوساط المواطنين وحدهم، وكأن المبدأ الذي بُني عليه هو أن يتقبل المواطن الآخر، ويهضم ثقافة الآخر ويتقمص هوية الآخر، بل وأن يحاكيها باعتبارها جزءًا من ثقافته وهويته، لا أن يتقبل الآخر المواطن وأن يحترم ثقافته وهويته، وكأن المواطن ليست له جذورٌ مغروسةٌ في تراب هذا الوطن، أو أن ثقافته وهويته لا قيمة لهما، ولعل هذا هو الوجه الخفي والشرير لهذا البرنامج الدعائي المضمون؛ ومع ذلك، فإن برنامج وطني أنا، أنا وطني اتكاليٌّ وساذجٌ، لأنه يعتمد على افتراض النوايا الحسنة على غرار تشغيل جهازٍ أوتوماتيكيٍّ أو غسالة الملابس، ثم الإخلاد إلى النوم وترك الجهاز ليؤدي وظيفته المطلوبة وحده كما هو معتادٌ؛ بينما يفترض أن تكون للبرنامج المذكور منهجياتٌ وآلياتٌ وأدواتٌ تفعيليةٌ، وأن يخضع للرقابة وقياس الأداء للتأكد من فاعلية البرنامج وصلاحيته أولاً، ولتحليل النتائج التي ترصدها تلك الآليات والأدوات ثانيًا، وأن تكون له نتائج محفزةٌ تصل إلى مستوى منح الجنسية الإماراتية لكل من يتمكن من تشرّب الثقافة والهوية الإماراتية لدرجة الالتزام والشعور بالانتماء الوجداني والأخلاقي، ولمن يقدر على حمل هموم هذا الوطن الصغير في مساحته ليكون كبيرًا في تطلعاته المستقبلية ومنجزاته، ولمن يصلُح أن يساهم في صياغة ثقافةٍ سلوكيةٍ ونفسيةٍ مميزةٍ له·

المحاولة الثانية: كانت في تجربة التجنيس، ورغم أنها ممارسةٌ متعارفٌ عليها دوليّاً، وتكاد كل دول العالم أن تمارسها بما فيها الدول ذات التضخم السكاني، حيث تمارَس إجراءات منح الجنسية وفق الشروط الخاصة التي تضعها كل دولةٍ لطالب جنسيتها؛ إلا أن التجربة الخليجية شابها الكثير من الارتجال التنظيمي، ومن الخوف غير المبرر من التداعيات والتأثيرات الاجتماعية والثقافية والحقوق السياسية المترتبة لأولئك المجنسين، ومن عدم النضج الفكري والاجتماعي؛ ومن هنا فقدت التجربة فاعليتها وميكانيكيتها وتأثيراتها الإيجابية:

أولاً، لأن التجربة لم توضع ضمن إطارٍ تخطيطيِّ منهجيٍّ، ولذلك افتقدت إلى السياسة السكانية الواضحة المعالم، وافتقدت إلى صياغة النموذج التجنيسي المتوافق مع الظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية للمجتمع الخليجي، وافتقدت إلى وضوح الأهداف المتوافقة مع المصالح الاستراتيجية للمجتمع، وافتقدت إلى تحديدٍ واضحٍ ومقبولٍ للتحديات التي استدعت لجوء المجتمع إلى مثل هذا الحل، وافتقدت إلى آليات التطبيق الدقيقة والفعالة؛ وهذا ما أدى بالتالي إلى أن تأتي معظم التشريعات الخليجية المنظِّمة للعملية التجنيسية لتعكس ذلك الواقع الارتجالي المتخوف؛

وثانيًا، لأن الشروط والإجراءات الإدارية التي استُخدمت في عملية الحصول على جنسية أي دولةٍ من الدول الخليجية هي شروطٌ وإجراءاتٌ تعجيزيةٌ، ومع ذلك فهي غير عمليةٍ، وغير فعالةٍ، ولا تؤدي إلى انتقاء أفضل العناصر وترشيحها للذوبان في الهوية الخليجية، وما تزال ميكانيكية التقديم والتقويم والاختيار للعملية التجنيسية تعتمد في إجراءاتها على الفراسة والتقدير الشخصي لموظفي السلطات التنفيذية، وليس إلى الشروط والاعتبارات الموضوعية·

وثالثًا، لأن الذين استفادوا من هذا الحق، ممن تنطبق عليهم الشروط القانونية الحالية، هم قلةٌ عدديةٌ لا تؤثر في إعادة التوازن إلى الوضع السكاني المختل؛ أما الغالبية العظمى للحاصلين على الجنسية الخليجية، ممن حصلوا عليها بقراراتٍ استثنائيةٍ، فقد كانوا ممن لا تنطبق عليهم كل الشروط القانونية، كمواطني دول الجوار واللاعبين الرياضيين وأصحاب بعض المهن التي لا ينتفع منها المجتمع بشيءٍ، وبذلك كانوا من غير المناسبين للتجنيس من الناحية النوعيّة·

ولذلك، فإن تجربة التجنيس الخليجية ما تزال تحتاج إلى مراجعةٍ شجاعةٍ ومدروسةٍ لفتح الباب أمام الكفاءات العالية والضمائر المخلصة والقيم المضافة، بعدما وصل التهتك في النسيج الاجتماعي الخليجي إلى خطوطه الحمراء، وإن كان بدرجةٍ متفاوتةٍ، حيث يعتبر النموذج الإماراتي أكثرها انفتاحًا وتأثرًا، بينما يعتبر النموذج العماني أقلها انفتاحًا وأقلها تأثرًا؛ ومع ذلك، فإن هذه المجتمعات التقليدية لم تعد تحتمل المزيد من مرارة الاندماج العشوائي والعبثي في صفوفها، إلا أن يمتلك المندمج القدرة على الوفاء بتكاليف هذا الاندماج، بالتضحية من أجل وصوله إلى طموحات مجتمعه الجديد، وبالتضحية من أجل حماية مكتسباته؛ كما أن هذه المجتمعات لا تحتمل التواصل مع العناصر المجنَّسة والمندمجة حديثًا والاحتكاك بها إلا أن يتقيد المتواصل بالحد الأدنى من متطلبات هذا التواصل من احترام هوية المجتمع وثقافته، وإلى التوقف الأخلاقي عند الخطوط الفاصلة بين ما هو أصيلٌ ودائمٌ وضروريٌّ، وبين ما هو طارئٌ ومؤقتٌ وغير ضروريٍّ، أما بغير ذلك، فإن ذلك يعني أن تلغي هذه المجتمعات وجودها وخصوصيتها بعد عدة عقودٍ قادمةٍ·

بهذا التهميش المتعمَّد أو غير المتعمَّد، وتحت غبار الضجيج والتهريج الإعلامي الذي يحاول أن يواري ذلك التهميش باختصار الهوية الخليجية والتراث الخليجي في الأزياء، وفي صورة صقرٍ أو نخلةٍ أو جملٍ أو دلّة قهوةٍ، يصبح المواطن الخليجي اليوم على مشارف كارثةٍ نفسيةٍ وثقافيةٍ واجتماعيةٍ، وهو ينزوي إلى مستوطناتٍ أو كيبوتزات على حوافّ المناطق الحضرية فرارًا ببقايا خصوصيته وعاداته وتقاليده؛ وما لم تكن قيمة هذا المواطن على المعادلة السياسية توشك أن تهوي إلى الصفر، فإنه قد أصبح قاب قوسين أو أدنى من أن يتحول إلى عالةٍ على صندوق المعاشات والضمان الاجتماعي، أو أن ينخرط إلى الجيوش البشرية المتدنية المهارة أو العديمة الجودة التي جيء بها من أسواق النفايات والمواد المستعملة؛ أما أمنيات وتهيؤات وأحلام إيجاد تركيبةٍ سكانيةٍ واجتماعيةٍ تعمل كنسيجٍ واحدٍ، وتحمل الخصائص والملامح نفسها للهوية نفسها وللثقافة نفسها وللتراث نفسه، بمعنى أن تكون تركيبةً لها صفة الانحياز الإثني والديني والسياسي والثقافي لصالح الإرث الخليجي، ولها صفة التوازن الاقتصادي والإنتاجي (العمري) والمهاري (الكفاءة العلمية والعملية)، وتكون هوية الوطن وثقافته وثوابته العقيدية والتاريخية ومصالحه الخاصة هي مصدر كل التصورات التي تنبني عليها، فلن تتأتى والمجتمع يغوص في خطيئة تشجيع المرأة على العمل، ثم التضييق عليها في مسائل مسؤولياتها التربوية والأسرية، ولن تتأتى والمجتمع يحارب التعددية في الزواج، ولن تتأتى والمجتمع يشغِّل الأطفال من غير المتعلمين وحملة الشهادات الإعدادية والثانوية، ثم يفتح باب الهجرة أمام العمالة الأجنبية على أوسع مصاريعه، ولن تتأتى والمجتمع يوجّه اهتمامه إلى بعض الرقصات والفولكلور والفنون والأدوات المنزلية التقليدية وإضفاء قدسية التراث عليها، فيما يترك الإنسان وعقيدته الحياتية وتاريخه وأخلاقياته ونتاجه الفكري والأدبي وانتماءه الحضاري لتتحول كل هذه الأشياء إلى مجرد ذكرياتٍ من الماضي، وتتلاشى آثارها بين أقدام العمالة الآتية من وراء البحار، وتذوب ذاكرتها بين ضجيج مئات الثقافات والألوان والملامح والأصوات·(2)

Page 7

2· قيمة الإنسان الخليجيفي معادلة التنمية

(الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الإنسان والطبقة السياسية أو المذهبية التي يتبعها والطبقة الاقتصادية التي يصنف تحتها، لا ينبغي أن يكون لها أدنى تأثير على مجهودات المجتمع في أثناء صياغة برنامج الاهتمام بالإنسان)

المستنقعات البشرية

أطلقت ألمانيا على عام 2008 عام الرياضيات، لأن الرياضيات تعني لشعبٍ متقدمٍ علميّاً وتقنيّاً وحضاريّاً كالشعب الألماني الشيء الكثير، فقد تفتَّق هذا الحقل من حقول العلم والمعرفة عن حلولٍ ومنجزاتٍ ومخترعاتٍ لا يمكن تخيّل الحياة المعاصرة بدونها، بل إن الرياضيات أسفرت قبل كل شيءٍ عن إطلاق مدارك العقل البشري في فضاءات الإبداع ومداءات الخيال، حتى إنه لم يعد هناك فرعٌ من فروع المعرفة إلا والرياضيات أداةٌ من أدواته الكمية للقياس والتحليل والتنبؤ واستنتاج النظريات والأسس والقواعد العلمية، وبذلك فإنه لم يعد هنالك منتَجٌ من المنتجات الصناعية بدءًا من الهاتف النقال وانتهاء بالمشاريع الهندسية العملاقة إلا والرياضيات نقطة بدايتها التكوينية.

Page 8

1.2 متلازمة الاهتمام بالإنسان

الملاحظ في هذه الاحتفالية المتميزة أنها جاءت بلا ألعابٍ ناريةٍ ملوثةٍ للبيئة، وبلا صراخٍ إعلاميٍ متشنجٍ، بل انسابت في هدوءٍ كما ينساب نهر الراين الوقور، وكما يتأمل ذلك النهرَ عشاقُه والباحثون عن المتعة في مشاهدة الطبيعة وجمالها الخارق؛ كذلك احتفل بالرياضيات عشراتُ الآلاف من العقول والأدمغة الألمانية التي أصبحت الرياضيات جزءًا لا يتجزأ من تكوينها الجيني، وعشرات الآلاف من الباحثين عن متعة الابتكار في حميمية اللقاء بين رهبة الجلوس الصامت في محرابٍ من محاريب المعرفة والذكاء، وبين مغامرة ارتحال العقل والفكر في عوالمها؛ ولكن هذه المناسبة المميزة لا تتوقف عند كونها احتفالاً بالرياضيات، لأن الاحتفال مجرد مظهرٍ رمزيٍّ من مظاهر التعبير عن الإنجاز، أما جوهر الاحتفال فهو الاحتفاء بالإنسان المتفكر بحكمةٍ وإبداعٍ، والمدرك بوعيٍ ويقظةٍ، والمتحرك بإيجابيةٍ وتميُّزٍ، فأي قيمةٍ تمثلها الرياضيات أو غير الرياضيات من حقول المعرفة إذا لم تتحول من مجرد حقائق ونظرياتٍ ورموزٍ على الورق، إلى نتاجاتٍ وإلى محركاتٍ حقيقيةٍ من محركات الحضارة، مما لا يتأتى إلا بحركة الإنسان وتأثيره؛ أما إذا سقط الإنسان من حسابات الاهتمام، فإن تلك البيئة البشرية ستجد نفسها عند مفترق طريقٍ مخادعٍ، وإذا لم تبادر إلى مراجعة حساباتها، فإنها ستصبح غثائية الفاعلية، وستتبعثر حركتها في اتجاهين لا طائل من وراء كليهما، لأنها ستقع تحت تأثير إشكاليتين متلازمتين: الاهتمام بغير الإنسان، أو الإنسان بغير اهتمام·

في المجتمعات المتخلفة، أبرع من يلتقط صور انزلاقات البيئة البشرية إلى منحدر الاهتمام بغير الإنسان، ويعيد بثها مع سبق الإصرار والترصد هي وسائل الإعلام، والإعلام المتلفز منها على وجه التحديد، من خلال المساحة الموضوعية والزمنية التي تمنحها تلك الوسائل للإنسان في بيئتها الانتقائية؛ فهذه الوسائل، عندما تتعرض لإبراز جوانب التطور والتنمية، فإنها تتفنن في إلقاء الأضواء وتركيز البؤر على الجوانب المادية من الأبنية والطرق والجسور والسدود، وإبراز حتى الآثار والأشجار، في تعبيرٍ صارخٍ عن هيمنة الكونكريت والجمادات، بينما لا يكاد العقل البشري أن يُرى بالعين المجردة في إطار هذه الصورة المأخوذة من علوٍّ شاهقٍ، ما يجعل الإنسان متضائلاً وهامشيّاً ومتدني القيمة بالمقارنة بما حوله؛ بل إن شاشة هذا الإعلام ذي العين الواحدة تكاد تخلو تمامًا من رصد حركة الإنسان وهو يتعلم ويُعلّم، أو وهو يزرع ويصنع، أو وهو يخطط ويبني، أو على الأقل وهو يرسم ويلعب؛ في مفارقةٍ مثيرةٍ للغرابة، يتحيز فيها الإنسان الذي يقف وراء تلك الشاشة إلى تلك الأنصاب الإسمنتية ويتفاخر بها، بينما يتجاهل بني جنسه تمامًا، فلا يفتخر بعقولهم ولا يُعجَب بإبداعاتهم ولا يهتم باهتماماتهم·

أما أقدر من يصور انزلاقات البيئة البشرية إلى منحدر الإنسان بغير اهتمامٍ، وبمهارةٍ تُحسد عليها، فهي الصحافة، حيث الصورة والكلمة احتكارٌ يصل إلى درجة القداسة للسياسيين وكبار المسؤولين والرياضيين (نسبة إلى الألعاب الرياضية وليس إلى الرياضيات) والفنانين وفئةٍ مختارةٍ من المثقفين، مع أن هؤلاء لا يمثلون الصورة الكاملة للإنسان ولا للقيم ولا للإنجازات، بقدر ما يمثلون شريحةً ضئيلةً من الشرائح التي تمثل البقع الداكنة في إطار الحركة اليومية الشمولية للمجتمع، وهذا أيضًا بغض النظر عن العائد الحضاري الذي يجنيه المجتمع من وراء تلك الحركة التي غالبًا ما تكون عبثيةً أو هدامةً؛ أما عقل الإنسان ومشاعره ومشاركته، بغض النظر عن كونه سياسيّاً أو اقتصاديّاً أو عسكريّاً أو تربويّاً أو أديبًا أو عالمًا في الرياضيات أو حتى مصممًا للأزياء، فمما لا يقع في دائرة اهتمام هذه النافذة الإعلامية الخطيرة، والمفارقة هنا تكمن في توظيف هذا المنبر المتلفع بقميص الرأي الحر، لممارسةٍ مكشوفةٍ ومبيّتةٍ في مجال التعتيم الفكري والتمييز الطبقي·

إلا أن هذه البيئة البشرية، وأيّاً ما كان الخيار الذي وقعت تحت تأثيره وإيحاءاته وتفاعلاته من الانسياق وراء هذين الخيارين أو أحدهما، فإنها ستجد نفسها مجبرةً على دفع الثمن بالتحول التلقائي والفوري إلى مستنقعٍ من البشر الذين يتحركون في بيئةٍ راكدةٍ كأي كائناتٍ حيةٍ، لا يستمدون قيمتهم إلا من قيمة الأشياء التي يستحوذون عليها، أو التي يتحركون على مقربةٍ منها؛ وبهذا العداء الصامت للإنسان في تلك البيئة الجاحدة، فإن قيمة الإنسان في معادلة التطور الحضاري- باعتباره أهم ركائزها ككيانٍ وكتأثيرٍ وكتفاعلٍ إنتاجيٍّ- ستكون ما تزال أقرب ما تكون إلى الصفر، يقول الدكتور عبدالكريم بكار: السبب الأساسي في ضعف الأفراد لا يعود إلى تواضع المواهب والقدرات، وإنما يعود إلى ضعف الإرادات واضطراب الرؤية للذات والمحيط، أما الشعوب والمؤسسات والهيئات، فإن مشكلاتها لا تكمن في شح الموارد والإمكانات، وإنما في سوء إدارتها والفساد الذي ينخر في عظامها(3)·

Page 9

2.2 مكونات الإنسان

ولأن الحضارة أو التمدن هي نتاجٌ للجهد البشري الأخلاقي والمعرفي والثقافي البنائي، فإن المجتمع الأكثر تحضرًا يكون هو الأكثر اهتمامًا بالإنسان، لا باعتباره كائنًا يستمد أفضليته من بشريته وحدها، ولكن باعتباره قائدًا لعملية التحول الحضاري ومحركًا لها، وباعتبار مجموعة مكوناته القيمية التي تشكل في مجموعها شخصية هذا الكائن البشري وحدود قدراته وتفاعلاته وتأثيراته، والتي تمثل طبيعتها ونوعيتها وتقديرها معيار قابليته للعطاء وللمشاركة الحياتية وللبناء الحضاري؛ ورغم أن الأديان والتيارات والمذاهب الفكرية لها آراؤها واتجاهاتها في ماهية هذه المكونات وفي ترتيب أولوياتها، إلا أن الإسلام يعتبر أفضل من وصَّف هذه المكونات وأفرد لكل منها خصوصيتها ووزنها الاعتباري، ورتب لها أولوياتها وأكد احترامها وحمايتها وصيانتها؛ وفي هذه المنظومة المتناسقة والمتكاملة:

يمثل مكوّن النفس الذي يتألَّف من: الجسد والعاطفة والروح، محرك الإمكانية الانفعالية والحركية، ولهذا كان حفظ النفس ومكوناتها والاعتناء بها بتهذيب إمكانياتها وسيلةً لتصحيح أسلوبها في التفاعل مع بقية المكونات الحياتية، ولاستجلاء قدراتها واستثمار الأسلوب المهاري للنفس من أجل إعطاء بقية مكونات الإنسان الدافع المعنوي أو المادي للعمل الإنتاجي؛

أما مكوّن العقل الذي يتألَّف من: المعرفة والحكمة والسلوك، فيمثل محرك الإمكانية التفكيرية، ولهذا كان حفظ العقل ومكوناته والاعتناء به باكتساب الأدوات والقدرات التفكيرية والمعرفية وتطويرها وتهذيبها وسيلةً لتفعيل التأثير القيَمي، واستثمار الأسلوب السوي للعقل والسلوك في التجاوب التغييري والبنائي؛

وأما مكوّن الدين الذي يتألَّف من: العقائد والعبادات والأخلاق، فيمثل محرك الدافع والمحدد التفاعلي والتأثيري، ولهذا كان حفظ الدين والاعتناء به وسيلةً لتهذيب بقية المكونات الإنسانية من أجل بلورة التصورات والمفاهيم واستثمار تأثيراتها وانعكاساتها على الأسلوب الإيجابي للدين في التفكير؛

وأما مكوّن المال الذي يتألَّف من: الممتلكات من الأصول الرأسمالية والموهبة المهنية والحقوق، فيمثل محرك القدرة، ولهذا كان حفظ المال والاعتناء به من خلال تطوير أساليب التعامل به وتداوله واستثماره في سبيل زيادة فرص الوفرة وسيلة للمحافظة على الموارد المجتمعية وتنمية قدراته، كما أن تهذيب السلوك وتقويمه وسيلةً من أجل تنظيم المعاملات وحماية الحقوق؛

وأما مكون العِرض الذي يتألَّف من: الشرف والمكانة الاجتماعية والسمعة الحسنة فيمثل محرك الارتباط، ولهذا كان حفظ العرض والاعتناء به وسيلةً لاستثمار قوة الروابط والعلائق الاجتماعية وصيانتها كأسلوبٍ لإبقاء النسيج الاجتماعي متلاحمًا ومتماسكًا وصلبًا؛

وبهذا نجد أن كل تلك المكونات الإنسانية تصب في روافد البناء الاجتماعي والتمدن الحضري للمجتمع البشري، ولهذا أيضًا جاء المنهج الإلهي أو التعاليم الدينية أو حتى المذاهب والتيارات الفكرية كلٌّ بمبادئه الخاصة ووفق منظوره الخاص لتصنيفاته وأولوياته من أجل أن يصوغ تلك المكونات، ومن أجل أن يهذبها وأن يضعها تحت اختبار الالتزام والاحترام والإنتاج والتناسب.

Page 10

3.2 القاسم المشترك في الحراك الحضاري

وانطلاقًا من القيمة التي تمثلها عناصر التوفيرات الأساسية في بناء الإنسان من خلال الاعتناء باهتماماته وحاجاته ومهاراته، نبع اهتمام المجتمع المتمدن أو المتحضر بقيمة الإنسان نفسه، باعتباره يمثل قيمة العمل، بكل أشكاله ووظائفه، فهو مصدر الجهد الذهني والفكري والابتكاري والتنظيمي والعضلي، وكلما كان الإنسان ملتزمًا ومؤهلاً ومبادرًا ومبدعًا ومنتجًا ومشاركًا، ارتفعت قيمته في الحراك الحضاري، بغض النظر عن الجانب الشخصي في الحياة الاجتماعية لذلك الإنسان، إلا بمقدار ما يؤثر سلبًا على وتيرة أدائه الاجتماعي والإنتاجي؛ كما نبع اهتمام المجتمع المتمدن أو المتحضر بقيمة العلم والمعرفة والتقنية والمعلومات، فبدون هذه الأدوات والقواعد النظرية وتزاوجها مع التطبيقات العملية والميدانية لا تُكتسب الدراية أو القدرة على ابتكار الاستخدامات أو الوسائل أو أدوات الإنتاج أو المنتجات التي تمثل في مجموعها القوة التقنية والاقتصادية والإنتاجية للمجتمع؛ ومن هنا أيضًا نبع اهتمام المجتمع المتمدن أو المتحضر بقيمة المال، باعتباره القوة القادرة على توفير الموارد الضرورية للعملية الإنتاجية، والعنصر المنشط للتفاعل بينها وبين العمل والعلم والدراية، ومن ذلك المزيج يتكون الوقود المحرك لآلة الإنتاج، ومعها يتحرك المجتمع مبتعدًا عن نموذج المجتمع الهمجي أو المتخلف، ليقترب مسافةً أكبر إلى نموذج المجتمع المتحضر أو المتقدم؛ وحتى تستكمل الحركة الحضارية للمجتمع عناصرها، نبع اهتمام المجتمع المتمدن أو المتحضر بقيمة الوقت أو الزمن، فهذا العنصر الشديد الندرة، تتفنن المجتمعات المتخلفة في إهداره وإتلافه وعدم إعطائه الحد الأدنى من الإحساس بالقيمة، وتعجز عن استغلاله واستثماره بإيجابيةٍ أكبر، في الوقت الذي يزداد فيه ميْل المجتمع المتحضر أو المتقدم إلى إدراك هذه القيمة، واستغلال كل ثانيةٍ من عمر الزمن لتعظيم الإنتاجية ومضاعفة العائد الاستثماري، مع المهارة العالية في تخصيص الزمن وإدارته ليستوعب إشباع حاجات الإنسان الأساسية بدون التفريط في أي شريحةٍ منها، وبدون التداخل بين الوقت الإنتاجي والوقت الاجتماعي والوقت المعرفي والوقت الشخصي وهكذا؛ ولعل حضور الإنسان كقاسمٍ مشتركٍ في اهتمامات المجتمع جميعها واضحٌ تمامًا، لأنه هو العنصر الوحيد القادر على منح الأشياء قيمةً مضافةً من خلال توليف بقية عناصر الإنتاج، وأن تلك العناصر تفقد قيمتها عندما يتحول هذا الإنسان إلى الحالة الغثائية، وهي الحالة التي تحدث عندما تتغلب اعتبارات الكم أو طبيعة العلاقة في هذا المجتمع على اعتبارات الكيف أو طبيعة المهمة، ومن هنا ينشأ الفارق الذي يدفع المجتمع المتخلف إلى البحث عن الأشخاص الذين يعرفهم من المقربين ليستعين بهم في شغل الوظائف أو في إنتاج الخدمات المجتمعية، أما المجتمع المتقدم فإن الدافع عنده في البحث عن الأشخاص المناسبين هو: ماذا يعرفون، أو ماذا يجيدون·

من المبادئ التي تقوم عليها التربية الحديثة، هناك مبدأٌ يطلق عليه استثمار الفوارق الفردية، والاهتمام بالإنسان هو جوهر استثمار تلك الفوارق، لأن الاهتمام برنامجٌ استثماريٌّ شاملٌ يحتوي على عمليات البناء المنهجي والرعاية وإتاحة الفرصة (منح الثقة) والتحفيز وتقدير الإنتاج والإنجاز، وكلها عملياتٌ تستلزم التركيز على الجانب المتميز في شخصية الفرد في مختلف مراحله العمرية، لا أن يخضع الأفراد بمجموعهم لبرنامجٍ واحدٍ وكأنهم فئران تجارب، أو أن يلتبس الأمر بالاعتقاد بأن عملية البناء المعرفي والنفسي- التي لا تزيد في الدول المتخلفة على عملية توفير الحد الأدنى من المعطيات التعليمية، أو بالقراءة والكتابة حصريّاً- هي ذاتها عملية الاهتمام، لأن البناء المعرفي والنفسي مسؤوليةٌ يتحمل الإنسان نفسه أكثر من 60% من أعبائها، أما الاهتمام بالإنسان فمسؤوليةٌ تتحملها الأُسر والمؤسسات والبيئة والمجتمع الذي ينتمي إليه ذلك الإنسان بنسبة 100%، استنادًا إلى القاعدة المستمدة من الحديث الشريف المشهور: كلكم رَاعٍ، وَكُلُّكم مسؤولٌ عَن رَعِيَّتِهِ،·· ]صحيح البخاري، الحديث رقم [853·

من بين عناصر معادلة التسابق الحضاري، يظل الإنسان هو صاحب القيمة الأعلى وبؤرة النشاط البنائي والحضاري بلا منازعٍ، ولكنه لا يستمد قيمته مِن: إلى مَن ينتمي؟، ولا مِن: كم يملك؟، بل مِن: ماذا يعرف؟، أو ماذا يتقن؟، ومن ثَمّ، فإنه لا ينبغي أن يكون للطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الإنسان أو للطبقة السياسية أو المذهبية التي يواليها أو للطبقة الاقتصادية التي يصنف تحتها، أدنى تأثيرٍ على جهود المجتمع في أثناء صياغة برنامج الاهتمام بالإنسان؛ وطالما ظلت تلك الجهود محكومةً أو مقيدةً بتقاليد التفاضل الطبقي، فهذا إيذانٌ بتوقف حركة الزمن، وتفويت فرصة استثمار التمايز الفردي، وامتهان مكانة العلم والمعرفة بحصرها في كونهما مجموعة موادٍ دراسيةٍ يتعلمها النشء الجديد، حيث يجري تعذيبه وإشقاؤه بالامتحانات والاختبارات إما ليرسب أو لينجح بأي طريقةٍ، وليحصل بذلك على الوثيقة التي تؤهله للعمل والعيش، والعودة بعد ذلك إلى وتيرة إحالة الوقت والطاقة والمال إلى لا شيءٍ؛ وبهذا، فإن مثل هذه البيئة البشرية لا تستحق أن تسمى مجتمعًا أو أمةً، بل إنها أقرب إلى كونها مستنقعًا بشريّاً يموج سطحه بالحركة الغثائية كحركة الحشرات، بينما قاعه الكئيب يستعد في بطءٍ شديدٍ لاستقبال دورة انتهاء وجوده·(4)