Page 1
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئآت أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، عليه وعلى جميع أنبياء الله ورسله أفضل الصلاة والسلام.
أما بعد:-
- فإن الخطاب الإلهي في أهل الكتاب ينبغي فهمه فهماً صحيحاً، وفي إطار القواعد والضوابط الأ صولية التي من خلالها يضبط مفهوم خطاب الشارع الحكيم في أهل الكتاب، وفي غيرهم، ولقد جرى في هذا البحث دراسة هذه القضية وتم التوصل إلى نتائج وحقائق ظهر من خلالها حقيقة هذا النوع من الخطاب، وأنه ليس خطاباً يخرج أهل الكتاب مطلقاً من دائرة الإ يمان، بل خطاب عام مخصوص ، أوعام أر يد به الخصوص، أومطلق يقيد، أوخاص يحمل على خصوصه،كما سنرى ذلك من خلال الأ مثلة التي أورد نا ها في البحث ، فأ هل الكتاب أمة مكلفة بما أنزل الله عليها في كتابها من الدين والشرعة العام أو الخاص، والقرآن الكريم جاء مصد قاً للكتاب المنزل قبله ومبيناً لما جاء فيه من الأحكام، بنص صريح آي القرآن الكريم.
• إن القول أن أهل الكتاب ليسوا على شيءٍ من الدين والشريعة مطلقاً في كل زمان ومكان؛ غير صحيح, فإننا نجدهم في هذا الزمان مثلاً: مؤمنون بالله تعالى, ويقيمون في حياتهم العامة كثيراً مما جاء في كتابهم المقدس, من أصول الدين وكليات الشريعة, فهم عموما في مجال الحدود والعقوبات, يقيمون بعضاً منها ولو كانت في قادتهم ورؤسائهم, حيث يؤدب ويعزر أو يستتاب أو يعزل, فقد وجدناهم يقيمون الحدود والعقوبات العامة أو الخاصة حين ثبوتها في فرد، أو جماعة، أو دولة وحكومة, وجدناهم يحاسبون قيادات في أعلى منصب وظيفي في الدولة، كرئيس الدولة، أو الحكومة, بل وصلت المعاقبة في أحيان كثيرة إلى عزل الرئيس واستبداله بغيره, كما وجدناهم أمناء على كثيرمن الحقوق الشخصية الخاصة والعامة, ومؤدون للودائع إلى أهلها, ووجدناهم يتصفون بالعدل في القول والمعاملة, وكثيراً من أحكام وتكاليف الشريعة العامة ثابتة في حياتهم العامة, وقائمون بها, عند النظر بتجرد وحيادية وإنصاف وعدل في قول الحق وأداء الشهادة, وحسبهم أن كثيراً من العلوم والمعارف النافعة المحققة لمصالح عامة الناس ظهرت من قبلهم، وانتفع بها العالم كله، حتى غدت بلدان أهل الكتاب هي الملاذ الآمن التي يفر إليها كثير من العلماء والمفكرين النابهين, بل حتى ملاذاً آمناً لكثير ممن يحدثون في بلدانهم الفساد والإفساد مطلقاً, والغلو والتطرف الديني, وجدناهم حقاً محترمون معظمون لحقوق الخلق, ساعون بعلم وفهم وقدرة أهلية تامة للقيام بجلب وحفظ ورعاية مصالحهم العامة, وجدناهم أهل نجدة وغيرة عندما تنتهك حرمة أسباب مصالحهم العامة أو الخاصة، ينتصرون للضعيف ويغيثون الملهوف ويرحمون العاجز والمحروم, ويأخذون بيد كل من طلب عونهم ونجدتهم, لا يغدرون إلا إن كان عقاباً لغادر بهم، أهل حلم وأناة وعفو وصفح وكرم وشهامة, وحفظ للأسرار العامة والخاصة, مسارعون إلى كل خير ومصلحة ومنفعة، جادون في حياتهم كلها لا يعرفون الهزل وتضييع الفرص والأوقات الثمينة, لجلب وحفظ المصالح والمنافع, يحترمون ويعظمون الأوقات وأداء الحقوق، والواجبات، والأعمال، والتكاليف، والوظائف المحددة فيها على الوجه الأتم, حياتهم العملية كلها منظمة, ليس فيها العبث، والسفه، والجهل, متمكنون من تسخير وإيجاد المنافع في كثير من أعيانهم وآنيتها وأوعيتها, يحترمون المهن وأسبابها، ولا يعيبون شيئاً من ذلك فيه مصلحة ومنفعة متحققة, يحبون النظافة والتجمل, والصحة العامة, ويتحققون بأصل التوقي وسد أسباب ذرائع الفساد عموماً، والتحرز من الوقوع في أسباب المهالك والأذية والفساد عامة وخاصة, وما أشبه ذلك، يتنافسون في كل علم جديد ومعرفة واكتشاف علمي نافع، ويبادرون إلى تكميل بعضهم بعضاً دون بخس، وإفساد، ومكر، وكيد، وحقد، وحسد, ونحو ذلك، يعملون بما يقولون, ويصدقون بما يعدون به.
• وخلاصة القول فيهم: أنهم قائمون بأسباب جلب وحفظ ورعاية مصالحهم, ومتحققون بخصائص وصفات العباد الصالحون لوراثة وعمارة الأرض, كما بينا مفهوم ذلك؛ ولذلك فإنهم الأمة الظاهرة, القوية والمتوحدة الكثيرة, الباقية حتى تقوم الساعة, وغيرهم في نقص مستمر في كل شيء.
• ونظراً لعدم أهليتنا حالياً لفهم ومعرفة أجزاء وجزئيآت القضية من جميع وجوهها؛ فحسبنا أن نبين ما هو بالإمكان بيانه فقط، وهو بيان القدر المشترك الذي يجمع بين جميع المؤمنين بالله تعالى ويوحد بينهم ويؤّلف بين قلوبهم, ويجلب لهم جميعاً المصالح العامة الضرورية العاجلة والآجلة, فهذا الأمر هو الذي نقصد من بحثنا في هذه القضية الوصول إليه قطعاً, لا الوصول إلى دمج عامة الناس في شرعة واحدة مخصوصة بكل أصولها، وأجزائها، وجزئيآتها, فذلك خارج قدرتنا وأهليتنا بيقين، وهو غير مراد لله رب العالمين، حتماً.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئآت أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، عليه وعلى جميع أنبياء الله ورسله أفضل الصلاة والسلام.
أما بعد:-
- فإن الخطاب الإلهي في أهل الكتاب ينبغي فهمه فهماً صحيحاً، وفي إطار القواعد والضوابط الأ صولية التي من خلالها يضبط مفهوم خطاب الشارع الحكيم في أهل الكتاب، وفي غيرهم، ولقد جرى في هذا البحث دراسة هذه القضية وتم التوصل إلى نتائج وحقائق ظهر من خلالها حقيقة هذا النوع من الخطاب، وأنه ليس خطاباً يخرج أهل الكتاب مطلقاً من دائرة الإ يمان، بل خطاب عام مخصوص ، أوعام أر يد به الخصوص، أومطلق يقيد، أوخاص يحمل على خصوصه،كما سنرى ذلك من خلال الأ مثلة التي أورد نا ها في البحث ، فأ هل الكتاب أمة مكلفة بما أنزل الله عليها في كتابها من الدين والشرعة العام أو الخاص، والقرآن الكريم جاء مصد قاً للكتاب المنزل قبله ومبيناً لما جاء فيه من الأحكام، بنص صريح آي القرآن الكريم.
• إن القول أن أهل الكتاب ليسوا على شيءٍ من الدين والشريعة مطلقاً في كل زمان ومكان؛ غير صحيح, فإننا نجدهم في هذا الزمان مثلاً: مؤمنون بالله تعالى, ويقيمون في حياتهم العامة كثيراً مما جاء في كتابهم المقدس, من أصول الدين وكليات الشريعة, فهم عموما في مجال الحدود والعقوبات, يقيمون بعضاً منها ولو كانت في قادتهم ورؤسائهم, حيث يؤدب ويعزر أو يستتاب أو يعزل, فقد وجدناهم يقيمون الحدود والعقوبات العامة أو الخاصة حين ثبوتها في فرد، أو جماعة، أو دولة وحكومة, وجدناهم يحاسبون قيادات في أعلى منصب وظيفي في الدولة، كرئيس الدولة، أو الحكومة, بل وصلت المعاقبة في أحيان كثيرة إلى عزل الرئيس واستبداله بغيره, كما وجدناهم أمناء على كثيرمن الحقوق الشخصية الخاصة والعامة, ومؤدون للودائع إلى أهلها, ووجدناهم يتصفون بالعدل في القول والمعاملة, وكثيراً من أحكام وتكاليف الشريعة العامة ثابتة في حياتهم العامة, وقائمون بها, عند النظر بتجرد وحيادية وإنصاف وعدل في قول الحق وأداء الشهادة, وحسبهم أن كثيراً من العلوم والمعارف النافعة المحققة لمصالح عامة الناس ظهرت من قبلهم، وانتفع بها العالم كله، حتى غدت بلدان أهل الكتاب هي الملاذ الآمن التي يفر إليها كثير من العلماء والمفكرين النابهين, بل حتى ملاذاً آمناً لكثير ممن يحدثون في بلدانهم الفساد والإفساد مطلقاً, والغلو والتطرف الديني, وجدناهم حقاً محترمون معظمون لحقوق الخلق, ساعون بعلم وفهم وقدرة أهلية تامة للقيام بجلب وحفظ ورعاية مصالحهم العامة, وجدناهم أهل نجدة وغيرة عندما تنتهك حرمة أسباب مصالحهم العامة أو الخاصة، ينتصرون للضعيف ويغيثون الملهوف ويرحمون العاجز والمحروم, ويأخذون بيد كل من طلب عونهم ونجدتهم, لا يغدرون إلا إن كان عقاباً لغادر بهم، أهل حلم وأناة وعفو وصفح وكرم وشهامة, وحفظ للأسرار العامة والخاصة, مسارعون إلى كل خير ومصلحة ومنفعة، جادون في حياتهم كلها لا يعرفون الهزل وتضييع الفرص والأوقات الثمينة, لجلب وحفظ المصالح والمنافع, يحترمون ويعظمون الأوقات وأداء الحقوق، والواجبات، والأعمال، والتكاليف، والوظائف المحددة فيها على الوجه الأتم, حياتهم العملية كلها منظمة, ليس فيها العبث، والسفه، والجهل, متمكنون من تسخير وإيجاد المنافع في كثير من أعيانهم وآنيتها وأوعيتها, يحترمون المهن وأسبابها، ولا يعيبون شيئاً من ذلك فيه مصلحة ومنفعة متحققة, يحبون النظافة والتجمل, والصحة العامة, ويتحققون بأصل التوقي وسد أسباب ذرائع الفساد عموماً، والتحرز من الوقوع في أسباب المهالك والأذية والفساد عامة وخاصة, وما أشبه ذلك، يتنافسون في كل علم جديد ومعرفة واكتشاف علمي نافع، ويبادرون إلى تكميل بعضهم بعضاً دون بخس، وإفساد، ومكر، وكيد، وحقد، وحسد, ونحو ذلك، يعملون بما يقولون, ويصدقون بما يعدون به.
• وخلاصة القول فيهم: أنهم قائمون بأسباب جلب وحفظ ورعاية مصالحهم, ومتحققون بخصائص وصفات العباد الصالحون لوراثة وعمارة الأرض, كما بينا مفهوم ذلك؛ ولذلك فإنهم الأمة الظاهرة, القوية والمتوحدة الكثيرة, الباقية حتى تقوم الساعة, وغيرهم في نقص مستمر في كل شيء.
• ونظراً لعدم أهليتنا حالياً لفهم ومعرفة أجزاء وجزئيآت القضية من جميع وجوهها؛ فحسبنا أن نبين ما هو بالإمكان بيانه فقط، وهو بيان القدر المشترك الذي يجمع بين جميع المؤمنين بالله تعالى ويوحد بينهم ويؤّلف بين قلوبهم, ويجلب لهم جميعاً المصالح العامة الضرورية العاجلة والآجلة, فهذا الأمر هو الذي نقصد من بحثنا في هذه القضية الوصول إليه قطعاً, لا الوصول إلى دمج عامة الناس في شرعة واحدة مخصوصة بكل أصولها، وأجزائها، وجزئيآتها, فذلك خارج قدرتنا وأهليتنا بيقين، وهو غير مراد لله رب العالمين، حتماً.
Page 2
• وإن جميع الأصول المشتركة مفهومها كلي وليس كل, أي يدخل في مفهومها كثير من الأجزاء ومالا يتناهى من الجزئيآت, وذلك مثل: أصل التوحيد, فهو دال بمعناه الكل على إثبات وجود خالق واحد, متصف بجميع صفات الكمال, فهذا المفهوم العام الكل, لا يلزم وجوده في الخارج في جميع الناس والجان وفي جميع الأزمنة والبقاع كماهية متصورة, بل إن إثبات وجودها كحقيقة متصورة قائمة موجودة متحققة في العقول والقلوب, مفهومها ومدلولها عام كلي, أي أنه يصح إثباتها وإيجادها وإيجابها في كل فرد وقوم وأمة بأدلة وبراهين ووسائل وأسباب غير محددة ومتناهية, أو مطردة على صفة واحدة وماهية واحدة ووزان واحد, فذلك أمر مستحيل قطعاً.
• ومثل أصل مشروعية وإثبات وجود أصل عين ماهية الحدود والعقوبات الشرعية, فهو دال على معنى عام كل هو معنى الاسم الشرعي الموضوع له اللفظ والمستعمل من صاحب الشرع فيه، وهو: الحد، أو مثلاً: الصدق, أو العدل, أو الحق, أو الحكم, أو الفتوى, أو الشهادة, وما أشبه ذلك, فمدلول مسمى الاسم الشرعي مفهومه كل غير قابل للتعدد والإشتراك, لأنه اسم علم معرفة متطابق لفظه ومعناه, غير دال على الترادف والإشتراك والإحتمال على مسمى آخر قطعاً, وأما دلالته على معناه وعلى المراد بالحكم به, فهو يدل على معنى عام كلي مشترك يحكم به على ما لا يتناهى من الأفراد, فهو من حيث أجزاء ماهيته يشمل أفراداً كثيرة متناهية محددة الأجزاء, كحد القصاص, وكحد الشرب, وكحد القطع, وكحد الردة, وغيرها، وهو من حيث الجزئيآت التي تتعلق بأحكام الوضع, وأحكام التكليف الخمسة, تختلف من شخص إلى شخص، ومن قوم إلى قوم, بحسب اختلاف ظروف أحوالهم, وأزمنتهم، وأماكنهم، ومتعلقات إجراء وإيقاع تلك الأحكام فيهم.
• وأيضاً من حيث أجزاء الماهية الكل, يجوز أن تختلف ماهية الأجزاء كلها أو بعضها, مثل أصل الصوم, معناه الإمساك في اللغة, وفي الشرع إمساك مخصوص, فمدلوله العام كل في مسمى واحد, ودلالته على المعنى المراد عام كلي, يصح أن يراد به الإمساك عن الكلام, أو الإمساك عن الطعام, أو الإمساك عن إتيان الزوجات, وما أشبه ذلك, ثم يدخل في معنى كل جزء من هذه الأجزاء عمومات كثيرة, لا يلزم اتفاقها, فمثلاً: الصيام بمعنى الإمساك عن الطعام, قد يكون مشروعاً في أجزاء محددة من الزمان ويختلف في أجزاء زمانه من شريعة إلى أخرى, ويختلف في أسباب وشروط مشروعيته وأجزائه كذلك من شريعة إلى أخرى، ونحو ذلك, وهكذا يفهم كل ما ثبت في الشريعة كأصل عام كلي, لا يجوز أن يدل الاسم على مسميات مختلفة, ومتعددة ومشتركة, ومحتملة, ويجوز أن يكون المعنى المراد الحكم به على المخاطبين به, مختلفاً متنوعاً, متعدداً وغير متناهي, وينطبق معنى الاسم الكل إذا وقع وتحقق في الخارج ببعض أفراده وليس كلها, فأداء الصلاة على هيئة وكيفية مشروعة, قياماً, أو جلوساً, أو اضطجاعاً, أو إشارة وإيماءً حسب القدرة الممكنة, يصح به فعل الأداء, رغم اختلاف جزئيآت فعل الأداء ويصدق في تلك الجزئية التي وقع بها فعل الأداء اسم الصلاة, ومثل أداء الزكاة, إما مناولة مباشرة أو بطريقة أخرى, إرسالاً, أو بإعطاء المال المستحق إلى صاحبه عيناً أخرى غير عين المال الذي وجب فيه الزكاة, أو إعطائه منفعة المال وليس عينه وذاته, أو التقديم أو التأجيل وقت الأداء, كل ذلك جزئيآت, يصح إيقاع أداء الأصل المشروع به, ويصدق مسمى اسم الزكاة في كل ذلك, متى وقع الأداء بأي جزئية منها.
• إذًا؛ اسم الشيء الكل, يحصل الإختلاف والتعدد والإشتراك في الحكم بمعناه على الأفراد المخاطبين، المحكوم فيهم بذلك المعنى العام للاسم وللحكم, وأيضاً بمعناه الذي قصده الشارع من استعمال ذلك اللفظ, فالمعنى المراد به, كلي أو كلية, وليس كل.
• قد نستدل بالآية الواحدة في أكثر من موضع، نظراً لتعدد أوجه الإستدلال بها، ولذلك تكرر ذكر كثير من الآيات القرآنية في مواضع كثيرة مختلفة من هذا البحث؛ لذلك المقصد.
• ومثل أصل مشروعية وإثبات وجود أصل عين ماهية الحدود والعقوبات الشرعية, فهو دال على معنى عام كل هو معنى الاسم الشرعي الموضوع له اللفظ والمستعمل من صاحب الشرع فيه، وهو: الحد، أو مثلاً: الصدق, أو العدل, أو الحق, أو الحكم, أو الفتوى, أو الشهادة, وما أشبه ذلك, فمدلول مسمى الاسم الشرعي مفهومه كل غير قابل للتعدد والإشتراك, لأنه اسم علم معرفة متطابق لفظه ومعناه, غير دال على الترادف والإشتراك والإحتمال على مسمى آخر قطعاً, وأما دلالته على معناه وعلى المراد بالحكم به, فهو يدل على معنى عام كلي مشترك يحكم به على ما لا يتناهى من الأفراد, فهو من حيث أجزاء ماهيته يشمل أفراداً كثيرة متناهية محددة الأجزاء, كحد القصاص, وكحد الشرب, وكحد القطع, وكحد الردة, وغيرها، وهو من حيث الجزئيآت التي تتعلق بأحكام الوضع, وأحكام التكليف الخمسة, تختلف من شخص إلى شخص، ومن قوم إلى قوم, بحسب اختلاف ظروف أحوالهم, وأزمنتهم، وأماكنهم، ومتعلقات إجراء وإيقاع تلك الأحكام فيهم.
• وأيضاً من حيث أجزاء الماهية الكل, يجوز أن تختلف ماهية الأجزاء كلها أو بعضها, مثل أصل الصوم, معناه الإمساك في اللغة, وفي الشرع إمساك مخصوص, فمدلوله العام كل في مسمى واحد, ودلالته على المعنى المراد عام كلي, يصح أن يراد به الإمساك عن الكلام, أو الإمساك عن الطعام, أو الإمساك عن إتيان الزوجات, وما أشبه ذلك, ثم يدخل في معنى كل جزء من هذه الأجزاء عمومات كثيرة, لا يلزم اتفاقها, فمثلاً: الصيام بمعنى الإمساك عن الطعام, قد يكون مشروعاً في أجزاء محددة من الزمان ويختلف في أجزاء زمانه من شريعة إلى أخرى, ويختلف في أسباب وشروط مشروعيته وأجزائه كذلك من شريعة إلى أخرى، ونحو ذلك, وهكذا يفهم كل ما ثبت في الشريعة كأصل عام كلي, لا يجوز أن يدل الاسم على مسميات مختلفة, ومتعددة ومشتركة, ومحتملة, ويجوز أن يكون المعنى المراد الحكم به على المخاطبين به, مختلفاً متنوعاً, متعدداً وغير متناهي, وينطبق معنى الاسم الكل إذا وقع وتحقق في الخارج ببعض أفراده وليس كلها, فأداء الصلاة على هيئة وكيفية مشروعة, قياماً, أو جلوساً, أو اضطجاعاً, أو إشارة وإيماءً حسب القدرة الممكنة, يصح به فعل الأداء, رغم اختلاف جزئيآت فعل الأداء ويصدق في تلك الجزئية التي وقع بها فعل الأداء اسم الصلاة, ومثل أداء الزكاة, إما مناولة مباشرة أو بطريقة أخرى, إرسالاً, أو بإعطاء المال المستحق إلى صاحبه عيناً أخرى غير عين المال الذي وجب فيه الزكاة, أو إعطائه منفعة المال وليس عينه وذاته, أو التقديم أو التأجيل وقت الأداء, كل ذلك جزئيآت, يصح إيقاع أداء الأصل المشروع به, ويصدق مسمى اسم الزكاة في كل ذلك, متى وقع الأداء بأي جزئية منها.
• إذًا؛ اسم الشيء الكل, يحصل الإختلاف والتعدد والإشتراك في الحكم بمعناه على الأفراد المخاطبين، المحكوم فيهم بذلك المعنى العام للاسم وللحكم, وأيضاً بمعناه الذي قصده الشارع من استعمال ذلك اللفظ, فالمعنى المراد به, كلي أو كلية, وليس كل.
• قد نستدل بالآية الواحدة في أكثر من موضع، نظراً لتعدد أوجه الإستدلال بها، ولذلك تكرر ذكر كثير من الآيات القرآنية في مواضع كثيرة مختلفة من هذا البحث؛ لذلك المقصد.
Page 3
الفصل الأول
بيان ماهية التفضيل بين أنبياء الله تعالى و رسله، عليهم الصلاة والسلام:
1. بيان معنى الأمة في خطاب القرآن الكريم:
1. قال الله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ * وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ(1.
2. وقـال تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(2.
3. وقال تعالى: (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ(3.
4. وقال تعالى: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ(4.
5. وقال تعالى: (وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ(5.
6. وقال تعالى: (وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(6.
7. وقال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله م
8. َمرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(7.
9. وقال تعالى: (وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ(8.
10. وقال تعالى: (وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ(9.
11. وقال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىصِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(10.
12. وقال تعالى: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ(11.
13. وقال تعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ(12.
14. وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ(13.
15. وقال تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(14.
بيان ماهية التفضيل بين أنبياء الله تعالى و رسله، عليهم الصلاة والسلام:
1. بيان معنى الأمة في خطاب القرآن الكريم:
1. قال الله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ * وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ(1.
2. وقـال تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(2.
3. وقال تعالى: (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ(3.
4. وقال تعالى: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ(4.
5. وقال تعالى: (وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ(5.
6. وقال تعالى: (وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(6.
7. وقال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله م
8. َمرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(7.
9. وقال تعالى: (وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ(8.
10. وقال تعالى: (وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ(9.
11. وقال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىصِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(10.
12. وقال تعالى: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ(11.
13. وقال تعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ(12.
14. وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ(13.
15. وقال تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(14.
Page 4
دلالة الآيات السابقة على بعض معانيها:
- معنى كلمة أمة:
- كل جماعة يجمعهم أمر ما، إما دين واحد, أو زمان واحد, أو مكان واحد, سواءٌ كان ذلك الأمر الذي يجمعهم ويوحدهم تسخيراً أو اختياراً, وجمعها أمم, قال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً(, أي صنفاً واحداً وعلى طريقة واحدة في الضلال والكفر, وكذلك في الهداية والإيمان، وقوله: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ(, أي جماعة يتخيرون العلم والعمل الصالح يكونون أسوة لغيرهم, وقوله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(15, أي قائماً مقام جماعة وأمة في عبادة الله تعالى16.
1) تفيد الآية الأولى صراحة أن أهل الكتاب أمة واحدة عابدة لله تعالى، منذ أرسل الله إليهم رسله وأنزل كتابه وشرع لهم شريعته, وأنهم تقطعوا أمرهم الواحد, ودينهم وشرعتهم الواحدة, وقيادتهم الربانية الواحدة إلى أحزاب متشاكسة مختلفة متباينة, فمن عمل منهم الصالحات بحسب ما أنزل الله عليهم من كتاب؛ تقبل الله منه عمله, وكتب له عمله وسعيه الصالح عنده ليجازيه على أعماله الصالحات يوم القيامة.
2) وأفادة الآية الثانية صراحة أن كل أمة وجدت في الأرض منذ آدم، ونوح، وإبراهيم، وغيرهم حتى محمد عليهم الصلاة والسلام أجمعين, قد خصها الله بأن بعث فيها رسولاً من أنفسها ليدلهم على الحق ويبشرهم بما وعدهم الله في الدنيا والآخرة من السعادة والفوز العظيم, والأمن والحفظ والعصمة العامة, وأنه لا يقضى ويحكم على أي أمة يوم القيامة إلا حين يؤتى برسولهم الذي أرسله الله فيهم في دار التكليف، وذلك مثل اليهود لا يقضى بينهم حتى يؤتى برسولهم موسى عليه الصلاة والسلام وبقية الرسل بعده, ومثل النصارى لا يقضى بينهم حتى يأتيهم روح الله عيسى عليه وعلى سائر رسل الله الصلاة والسلام, وكذلك أمة محمد عليه الصلاة والسلام لا يقضى بينهم إلا عند مجيء رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام, فالرسل كافة هم الشهود المعدّلون عند ربهم، المعصومون من الجهل، والكذب, والنسيان, وتدل جميع الآيات على أن لكل رسول أمة وقوماً خصهم ربهم بإرسال رسول إليهم من بينهم وبلغتهم الخاصة بهم قطعاً, فهي أمم موجودة قائمة بالكتاب والشرعة التي خص الله رسولهم بها إلى يوم الدين يوم الحساب, وفصل القضاء بين جميع الأمم.
3) وتفيد الآية الثالثة أن الله حدّدّ لكل أمة أجلاً تموت فيه, ثم يرسل الله تعالى بعد وفاة تلك الأمة رسولاً آخر إلى أمة أخرى، هم الجيل الذي يولد وينشأ عقب وفاة الأمة التي قبلها، وما أشبه ذلك.
4) وأفادة الآية الرابعة أن الله خلق الناس جماعة واحدة مؤتلفة حتى أرسل رسله فيهم فوقع الإختلاف، لأسباب كثيرة إما دينية، أولغوية, أو اجتماعية, أو ثقافية, أو حضارية, أو أُسرية وعشائرية, ونحو ذلك.
5) وتدل الآية الخامسة أنه كان من قوم موسى عليه الصلاة والسلام أمة وجماعة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر, ولا تزال هذه الجماعة قائمة مستمرة، لأن ذلك الخطاب أفاد أنها جماعة موجودة قائمة بذلك التكليف الحق العام في سائر الأزمنة، وبعض الأمكنة، والبقاع إلى قيام الساعة, فهم جماعة تقل أو تكثر متصفة بصفة العلم, والفقه, والحكمة, والعدل, وحفظ الدين الذي جاء به رسولهم موسى عليه الصلاة والسلام حتى المنتهى.
6) والآية السابقة دلت بصريح العبارة أن الحق سبحانه وتعالى جعل لكل رسول وأمته, شرعة ومنهاجاً خاصاً به وبقومه إلى نهاية الأزمنة، ولوكان أهل الكتاب مطالبون بشرعة الرسول الخاتم بكلياتها وجزئياتها؛ لماشرع لكل أمة شرعة وجعل لها منهاجاً خاصاً، وميزاناً خاصاً، ولأخبر أنهم مطالبون بتلك الشريعة كاملة طلباً صريحاً لا خفاء فيه ولاحتمال.
7) وأفادة الآية الثامنة أن ما وقع في الأرض من إرسال الرسل في أمة مخصوصة جرى بإرادة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، للبلوى بذلك, والآية التاسعة أكدت وجود أمم كثيرة مختلفة في بعض المُنَّزّل على الرسل كما قد تبين في مواضع أخرى, لأن الله أراد ذلك ليبتلي عباده بما أنزل عليهم من الكتاب والشرعة والمنهاج, كما أن الآية التاسعة دلّت بصريح العبارة أن هناك من الأمم السابقة من اختلفوا في الكتاب وبغى بعضهم على الآخرين بأنواع البغي والعدوان؛ القولي، والمادي، والجسدي, وأن الله تعالى قد هدى من آمن منهم بالله تعالى وبالكتاب المنزل وبالنبي المرسل إليهم, هَدَاهم للحق والعمل الصالح، بموجب ومقتضى المُنَّزّل إليهم وليس المُنَّزّل إلى غيرهم قطعاً، إلا فيما هو من قبيل العام، وليس المُنَّزّل على كل منهم خاصاً بهم, فإن من أهل الكتاب أمة على الحق والصراط المستقيم إلى يوم الدين.
8) وأفادة الآية الحادية عشرة, أن كل الرسل أرسلوا إلى قوم وأمة محددة معلومة، وأن كل من كان من أممهم مؤمناً بالله تعالى قائماً بالحق ثابتاً على الدين والشريعة يعدّون جميعاً أمة واحدة، فالجميع يلتقون عند دين وشرعة واحدة, ثم أخبر سبحانه أن تلك الأمة الواحدة المؤمنة بالله تعالى وقع فيها الإختلاف والإفتراق المذموم، وقد بيّنا بتفصيل ماهية هذا التحزّب والتقطيع للدين الحق المنزل على جميع رسله في مبحث مستقل.
9) وتفيد الآية الثانية عشرة, صراحة أن كل أمة جعل الله لها منسكاً خاصاً بها لأداء العبادات والشعائر التعبدية, مثل أمة محمد عليه الصلاة والسلام جعل لها منسكاً خاصاً بها هو مكة المكرمة, وجعل لبني إسرائيل منسكاً خاصاً بهم, هو بيت المقدس, وبيت لحم ، وما أشبه ذلك.
10) وأفادة الآية الثالثة عشرة صراحة, أنه سبحانه وتعالى قد جعل من هذه الأمة المحمدية شهودا،ً وهم العلماء الربانيون الوارثون لعلم رسولهم محمد عليه الصلاة والسلام، المؤهلون لأداء الشهادة.
11) كما أفادة الآية الرابعة عشرة صراحة وجوب أن يكون في هذه الأمة المحمدية جماعة تنفر لتتعلم العلم وتتخصص في فقه الدين والشريعة, والدعوة والنذارة والبيان, نيابة عن الرسول الخاتم محمد عليه الصلاة والسلام بعد وفاته حتى نهاية الأمر، بقيام الساعة.
• مفهوم الآية: (قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ * كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(17.
- تفيد هذه الآيات بصريح اللفظ ودلالة التطابق على عموم مفهوم الدين الذي أنزله الله تعالى على جميع الرسل, وخاصة محمد عليه الصلاة والسلام, ثم من قبله, إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب, والأسباط وهم اثني عشر من بني إسرائيل، وموسى، وعيسى, وكل نبي نزل الوحي عليه من ربه, عليهم الصلاة والسلام أجمعين, فكل ما أوحي به إلى أولئك الرسل والنبيين عموماً, وثبت وجوده في زمان ومكان مخصوص؛ فهو دين يدخل في مفهوم عموم اسم الدين الحق العام في جميع المكلفين قطعاً, إلا ما جاء الوحي بنسخه، أو تخصيصه، أو تقييده, فيكون مخاطباً به خصوص أعيان مكلفين محددين.
- ويدل على أن معنى الآية الإستسلام لله تعالى مطلقاً، واتباع عموم ملة إبراهيم عليه السلام، هذه الآية:
- (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً (النساء125.
- معنى كلمة أمة:
- كل جماعة يجمعهم أمر ما، إما دين واحد, أو زمان واحد, أو مكان واحد, سواءٌ كان ذلك الأمر الذي يجمعهم ويوحدهم تسخيراً أو اختياراً, وجمعها أمم, قال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً(, أي صنفاً واحداً وعلى طريقة واحدة في الضلال والكفر, وكذلك في الهداية والإيمان، وقوله: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ(, أي جماعة يتخيرون العلم والعمل الصالح يكونون أسوة لغيرهم, وقوله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(15, أي قائماً مقام جماعة وأمة في عبادة الله تعالى16.
1) تفيد الآية الأولى صراحة أن أهل الكتاب أمة واحدة عابدة لله تعالى، منذ أرسل الله إليهم رسله وأنزل كتابه وشرع لهم شريعته, وأنهم تقطعوا أمرهم الواحد, ودينهم وشرعتهم الواحدة, وقيادتهم الربانية الواحدة إلى أحزاب متشاكسة مختلفة متباينة, فمن عمل منهم الصالحات بحسب ما أنزل الله عليهم من كتاب؛ تقبل الله منه عمله, وكتب له عمله وسعيه الصالح عنده ليجازيه على أعماله الصالحات يوم القيامة.
2) وأفادة الآية الثانية صراحة أن كل أمة وجدت في الأرض منذ آدم، ونوح، وإبراهيم، وغيرهم حتى محمد عليهم الصلاة والسلام أجمعين, قد خصها الله بأن بعث فيها رسولاً من أنفسها ليدلهم على الحق ويبشرهم بما وعدهم الله في الدنيا والآخرة من السعادة والفوز العظيم, والأمن والحفظ والعصمة العامة, وأنه لا يقضى ويحكم على أي أمة يوم القيامة إلا حين يؤتى برسولهم الذي أرسله الله فيهم في دار التكليف، وذلك مثل اليهود لا يقضى بينهم حتى يؤتى برسولهم موسى عليه الصلاة والسلام وبقية الرسل بعده, ومثل النصارى لا يقضى بينهم حتى يأتيهم روح الله عيسى عليه وعلى سائر رسل الله الصلاة والسلام, وكذلك أمة محمد عليه الصلاة والسلام لا يقضى بينهم إلا عند مجيء رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام, فالرسل كافة هم الشهود المعدّلون عند ربهم، المعصومون من الجهل، والكذب, والنسيان, وتدل جميع الآيات على أن لكل رسول أمة وقوماً خصهم ربهم بإرسال رسول إليهم من بينهم وبلغتهم الخاصة بهم قطعاً, فهي أمم موجودة قائمة بالكتاب والشرعة التي خص الله رسولهم بها إلى يوم الدين يوم الحساب, وفصل القضاء بين جميع الأمم.
3) وتفيد الآية الثالثة أن الله حدّدّ لكل أمة أجلاً تموت فيه, ثم يرسل الله تعالى بعد وفاة تلك الأمة رسولاً آخر إلى أمة أخرى، هم الجيل الذي يولد وينشأ عقب وفاة الأمة التي قبلها، وما أشبه ذلك.
4) وأفادة الآية الرابعة أن الله خلق الناس جماعة واحدة مؤتلفة حتى أرسل رسله فيهم فوقع الإختلاف، لأسباب كثيرة إما دينية، أولغوية, أو اجتماعية, أو ثقافية, أو حضارية, أو أُسرية وعشائرية, ونحو ذلك.
5) وتدل الآية الخامسة أنه كان من قوم موسى عليه الصلاة والسلام أمة وجماعة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر, ولا تزال هذه الجماعة قائمة مستمرة، لأن ذلك الخطاب أفاد أنها جماعة موجودة قائمة بذلك التكليف الحق العام في سائر الأزمنة، وبعض الأمكنة، والبقاع إلى قيام الساعة, فهم جماعة تقل أو تكثر متصفة بصفة العلم, والفقه, والحكمة, والعدل, وحفظ الدين الذي جاء به رسولهم موسى عليه الصلاة والسلام حتى المنتهى.
6) والآية السابقة دلت بصريح العبارة أن الحق سبحانه وتعالى جعل لكل رسول وأمته, شرعة ومنهاجاً خاصاً به وبقومه إلى نهاية الأزمنة، ولوكان أهل الكتاب مطالبون بشرعة الرسول الخاتم بكلياتها وجزئياتها؛ لماشرع لكل أمة شرعة وجعل لها منهاجاً خاصاً، وميزاناً خاصاً، ولأخبر أنهم مطالبون بتلك الشريعة كاملة طلباً صريحاً لا خفاء فيه ولاحتمال.
7) وأفادة الآية الثامنة أن ما وقع في الأرض من إرسال الرسل في أمة مخصوصة جرى بإرادة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، للبلوى بذلك, والآية التاسعة أكدت وجود أمم كثيرة مختلفة في بعض المُنَّزّل على الرسل كما قد تبين في مواضع أخرى, لأن الله أراد ذلك ليبتلي عباده بما أنزل عليهم من الكتاب والشرعة والمنهاج, كما أن الآية التاسعة دلّت بصريح العبارة أن هناك من الأمم السابقة من اختلفوا في الكتاب وبغى بعضهم على الآخرين بأنواع البغي والعدوان؛ القولي، والمادي، والجسدي, وأن الله تعالى قد هدى من آمن منهم بالله تعالى وبالكتاب المنزل وبالنبي المرسل إليهم, هَدَاهم للحق والعمل الصالح، بموجب ومقتضى المُنَّزّل إليهم وليس المُنَّزّل إلى غيرهم قطعاً، إلا فيما هو من قبيل العام، وليس المُنَّزّل على كل منهم خاصاً بهم, فإن من أهل الكتاب أمة على الحق والصراط المستقيم إلى يوم الدين.
8) وأفادة الآية الحادية عشرة, أن كل الرسل أرسلوا إلى قوم وأمة محددة معلومة، وأن كل من كان من أممهم مؤمناً بالله تعالى قائماً بالحق ثابتاً على الدين والشريعة يعدّون جميعاً أمة واحدة، فالجميع يلتقون عند دين وشرعة واحدة, ثم أخبر سبحانه أن تلك الأمة الواحدة المؤمنة بالله تعالى وقع فيها الإختلاف والإفتراق المذموم، وقد بيّنا بتفصيل ماهية هذا التحزّب والتقطيع للدين الحق المنزل على جميع رسله في مبحث مستقل.
9) وتفيد الآية الثانية عشرة, صراحة أن كل أمة جعل الله لها منسكاً خاصاً بها لأداء العبادات والشعائر التعبدية, مثل أمة محمد عليه الصلاة والسلام جعل لها منسكاً خاصاً بها هو مكة المكرمة, وجعل لبني إسرائيل منسكاً خاصاً بهم, هو بيت المقدس, وبيت لحم ، وما أشبه ذلك.
10) وأفادة الآية الثالثة عشرة صراحة, أنه سبحانه وتعالى قد جعل من هذه الأمة المحمدية شهودا،ً وهم العلماء الربانيون الوارثون لعلم رسولهم محمد عليه الصلاة والسلام، المؤهلون لأداء الشهادة.
11) كما أفادة الآية الرابعة عشرة صراحة وجوب أن يكون في هذه الأمة المحمدية جماعة تنفر لتتعلم العلم وتتخصص في فقه الدين والشريعة, والدعوة والنذارة والبيان, نيابة عن الرسول الخاتم محمد عليه الصلاة والسلام بعد وفاته حتى نهاية الأمر، بقيام الساعة.
• مفهوم الآية: (قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ * كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(17.
- تفيد هذه الآيات بصريح اللفظ ودلالة التطابق على عموم مفهوم الدين الذي أنزله الله تعالى على جميع الرسل, وخاصة محمد عليه الصلاة والسلام, ثم من قبله, إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب, والأسباط وهم اثني عشر من بني إسرائيل، وموسى، وعيسى, وكل نبي نزل الوحي عليه من ربه, عليهم الصلاة والسلام أجمعين, فكل ما أوحي به إلى أولئك الرسل والنبيين عموماً, وثبت وجوده في زمان ومكان مخصوص؛ فهو دين يدخل في مفهوم عموم اسم الدين الحق العام في جميع المكلفين قطعاً, إلا ما جاء الوحي بنسخه، أو تخصيصه، أو تقييده, فيكون مخاطباً به خصوص أعيان مكلفين محددين.
- ويدل على أن معنى الآية الإستسلام لله تعالى مطلقاً، واتباع عموم ملة إبراهيم عليه السلام، هذه الآية:
- (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً (النساء125.
Page 5
- كما تفيد الآية بالنص الصريح على عموم النهي الدال على التحريم, عن التفريق بين أولئك الرسل والنبيين, أي النهي عن التفريق فيما أنزل عليهم من وحي وكتاب مطلقاً, والقول بتفضيل بعض ما نزل على البعض الآخر, أو القبول بالبعض ورفض وإنكار البعض، أو التصديق بما أنزل على البعض وإنكار ما أنزل على الآخرين, وما أشبه ذلك مما يدل عليه معنى كلمة: (التفريق)، لأن التفريق بين الرسل وما أنزل عليهم, تفريق لماهية أصل الدين الحق الكل، الذي لا يصح فيه التقطيع، أو التجزئة، والتبعيض, أو البخس والتنقيص والتعييب, فكل ذلك سبب للتفرق والإختلاف بين الناس المكلفين بعبادة الله رب العالمين, والتوحد والإجتماع، وعدم التفرق والإختلاف، والمشاقة لله أو لرسله أجمعين.
- وتدل الآية بمفهوم المخالفة ودلالة الإلتزام, على وجوب فهم دين الله تعالى كله، فهماً يحقق ويجلب للناس الأخوّة العامة, والوحدة العامة الكلية, ويدرء عنهم مفسدة التفرق والإختلاف الديني، والظلم والبغي والعدوان, أو الشرك بالإله المعبود الواحد الأحد الفرد الصمد، لا شريك له في ربوبيته، ولا في ألوهيته سبحانه وتعالى.
- كما تدل الآية كذلك أن جميع الرسل والأنبياء يدخلون في عموم مفهوم اسم الإسلام, ويحكم عليهم كلهم بمعنى ذلك الاسم العام، الإسلام قطعاً, بدليل قوله تعالى على لسان المخاطب بالآية محمد عليه الصلاة والسلام ومن معه من عموم إخوانه الرسل والنبيين, (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(, فهو ضمير, يدل على الجمع مطلقاً, فالآ ية تقرر أن كل رسل الله وأنبيائه مسلمون, فهو اسم وصف لقب مشتق يحكم به لكل رسول ونبي أوحى الله إليه في زمانه وجيله ومكانه, من آدم و حتى رسوله الخاتم محمد عليه الصلاة والسلام.
- والأسماء المشتقة تدل على معانٍ وأحكام يصلح أن يعلل بها أحكامها، وأن تكون أسبابا يترتب عن إضافتها إلى من قام بها مسبباتها ومعانيها المدلول عليها باللفظ, فإذا قيل: فلان مسلم؛ فإنه يدل بمعناه على ثبوت وصف ولقب الإسلام بعين وشخص فلان من الناس، ونحو ذلك, فهي قطعاً ليست أسماء جامدة, وضعت لتدل على أشخاصها وأعيانها وأوصافها المحددة, بل أسماء معللة بمعانيها الدالة عليها بتلك الألفاظ الموضوعة لها من جهة أصحاب الوضع ، وصاحب الشرع.
- وتدل الآية أيضاً صراحة أن من ابتغى وقصد التدين بغير دين الإسلام, فإن الله لن يقبل منه تديّنه وعمله وسعيه والتقرب به إليه سبحانه وتعالى, لأن غير دين الإسلام, لا يسمى بالدين, ولا يدخل أصلاً في عموم مسمى الإسلام, بل لا يطلق عليه اسم الإسلام, وإنما يكون داخلاً في الهوى والشرك والضلال, لعدم صحة نسبته إلى الله تعالى, أما ما صح نسبته وإضافته إلى الله تعالى؛ فهو داخل في عموم مفهوم اسم الدين والإسلام العام الكلي, فالذي لا يقبل عند الله تعالى هو ما ليس ديناً ولا أصل له, بل هو باطل وفاسد, كما تدل الآية بدلالة التضمن الجزئية, أن ماهية المنزل على رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام, يدخل في عموم مفهوم الدين والإسلام، ويطلق عليه كله اسم الإسلام, ويصح التدين به والتعبد والتقرب به إلى الله تعالى, وهذا المفهوم جاء مصرحاً به في آيات أخرى سيأتي شرحها وبيانها ولا تدل على حصر الدين والإسلام، فيما أنزل على رسوله الخاتم محمد عليه الصلاة والسلام فقط, ومن فهم غير هذا فقد جانب الصواب يقيناً، فسياق الآية نفسها ينفي قصد ذلك المعنى: (قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(18, فكل ما جاء عن الله تعالى إلى جميع أولئك الرسل وغيرهم وجميع النبيين حقاً وصدقاً ويعمه اسم جنس الإسلام قطعاً, والمتدين المتعبد به يسمى مسلماً, ومنهم من تعبّد وتدّين بما جاء به رسوله محمد الخاتم عليه الصلاة والسلام عاماً وخاصاً، أصلياً وتبعياً.
- والآيات كلها سيقت لتقرير حقيقة وحدة الدين ووحدة المنزل من لديه, ووحدة الغاية والمقصد والهدف من إنزاله قطعاً, ثم وحدت المصالح والمنافع وعمومها وطردها في كل الناس المكلفين المتحققين القائمين به, فكل مؤمن مسلم عامل مؤدٍ لما كلف به, فقد قام بفعل أسباب جلب وحفظ ورعاية مصالحه العاجلة والآجلة, ودرأ عن نفسه أسباب المفاسد العاجلة والآجلة.
- أمر الله تعالى رسوله الخاتم محمد عليه الصلاة والسلام أن يتبع ملّة رسوله إبراهيم عليه الصلاة والسلام: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(19.
- والملّة: اسم يدل على الدين والشرعة، المنزلة على رسولهم, وعلى القوم المكلفين بها، وعلى الزمان، والمكان الواقع فيه نزول ذلك الدين, والذي تحقق في واقع الناس المخاطبين بالقيام بها وأدائها تلك الفترة المحددة من الزمان.
- ولو كان الدين والشرعة المنزلة على إبراهيم عليه الصلاة والسلام مختلفاً في أصوله وكلياته، ومقاصده وأهدافه, ما أمر الله رسوله محمداً عليه الصلاة والسلام بإتباع دين وشرعة ومنهاج ذلك الرسول، الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام, فدّل بيقين أن أصل الدين عند الله واحد غير مختلف البتة، في كلياته العامة الأصلية ، وأصوله الإيمانية، الدينية.
- بيان مفهوم الآية: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ * فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(20.
- وتدل الآية بمفهوم المخالفة ودلالة الإلتزام, على وجوب فهم دين الله تعالى كله، فهماً يحقق ويجلب للناس الأخوّة العامة, والوحدة العامة الكلية, ويدرء عنهم مفسدة التفرق والإختلاف الديني، والظلم والبغي والعدوان, أو الشرك بالإله المعبود الواحد الأحد الفرد الصمد، لا شريك له في ربوبيته، ولا في ألوهيته سبحانه وتعالى.
- كما تدل الآية كذلك أن جميع الرسل والأنبياء يدخلون في عموم مفهوم اسم الإسلام, ويحكم عليهم كلهم بمعنى ذلك الاسم العام، الإسلام قطعاً, بدليل قوله تعالى على لسان المخاطب بالآية محمد عليه الصلاة والسلام ومن معه من عموم إخوانه الرسل والنبيين, (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(, فهو ضمير, يدل على الجمع مطلقاً, فالآ ية تقرر أن كل رسل الله وأنبيائه مسلمون, فهو اسم وصف لقب مشتق يحكم به لكل رسول ونبي أوحى الله إليه في زمانه وجيله ومكانه, من آدم و حتى رسوله الخاتم محمد عليه الصلاة والسلام.
- والأسماء المشتقة تدل على معانٍ وأحكام يصلح أن يعلل بها أحكامها، وأن تكون أسبابا يترتب عن إضافتها إلى من قام بها مسبباتها ومعانيها المدلول عليها باللفظ, فإذا قيل: فلان مسلم؛ فإنه يدل بمعناه على ثبوت وصف ولقب الإسلام بعين وشخص فلان من الناس، ونحو ذلك, فهي قطعاً ليست أسماء جامدة, وضعت لتدل على أشخاصها وأعيانها وأوصافها المحددة, بل أسماء معللة بمعانيها الدالة عليها بتلك الألفاظ الموضوعة لها من جهة أصحاب الوضع ، وصاحب الشرع.
- وتدل الآية أيضاً صراحة أن من ابتغى وقصد التدين بغير دين الإسلام, فإن الله لن يقبل منه تديّنه وعمله وسعيه والتقرب به إليه سبحانه وتعالى, لأن غير دين الإسلام, لا يسمى بالدين, ولا يدخل أصلاً في عموم مسمى الإسلام, بل لا يطلق عليه اسم الإسلام, وإنما يكون داخلاً في الهوى والشرك والضلال, لعدم صحة نسبته إلى الله تعالى, أما ما صح نسبته وإضافته إلى الله تعالى؛ فهو داخل في عموم مفهوم اسم الدين والإسلام العام الكلي, فالذي لا يقبل عند الله تعالى هو ما ليس ديناً ولا أصل له, بل هو باطل وفاسد, كما تدل الآية بدلالة التضمن الجزئية, أن ماهية المنزل على رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام, يدخل في عموم مفهوم الدين والإسلام، ويطلق عليه كله اسم الإسلام, ويصح التدين به والتعبد والتقرب به إلى الله تعالى, وهذا المفهوم جاء مصرحاً به في آيات أخرى سيأتي شرحها وبيانها ولا تدل على حصر الدين والإسلام، فيما أنزل على رسوله الخاتم محمد عليه الصلاة والسلام فقط, ومن فهم غير هذا فقد جانب الصواب يقيناً، فسياق الآية نفسها ينفي قصد ذلك المعنى: (قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(18, فكل ما جاء عن الله تعالى إلى جميع أولئك الرسل وغيرهم وجميع النبيين حقاً وصدقاً ويعمه اسم جنس الإسلام قطعاً, والمتدين المتعبد به يسمى مسلماً, ومنهم من تعبّد وتدّين بما جاء به رسوله محمد الخاتم عليه الصلاة والسلام عاماً وخاصاً، أصلياً وتبعياً.
- والآيات كلها سيقت لتقرير حقيقة وحدة الدين ووحدة المنزل من لديه, ووحدة الغاية والمقصد والهدف من إنزاله قطعاً, ثم وحدت المصالح والمنافع وعمومها وطردها في كل الناس المكلفين المتحققين القائمين به, فكل مؤمن مسلم عامل مؤدٍ لما كلف به, فقد قام بفعل أسباب جلب وحفظ ورعاية مصالحه العاجلة والآجلة, ودرأ عن نفسه أسباب المفاسد العاجلة والآجلة.
- أمر الله تعالى رسوله الخاتم محمد عليه الصلاة والسلام أن يتبع ملّة رسوله إبراهيم عليه الصلاة والسلام: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(19.
- والملّة: اسم يدل على الدين والشرعة، المنزلة على رسولهم, وعلى القوم المكلفين بها، وعلى الزمان، والمكان الواقع فيه نزول ذلك الدين, والذي تحقق في واقع الناس المخاطبين بالقيام بها وأدائها تلك الفترة المحددة من الزمان.
- ولو كان الدين والشرعة المنزلة على إبراهيم عليه الصلاة والسلام مختلفاً في أصوله وكلياته، ومقاصده وأهدافه, ما أمر الله رسوله محمداً عليه الصلاة والسلام بإتباع دين وشرعة ومنهاج ذلك الرسول، الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام, فدّل بيقين أن أصل الدين عند الله واحد غير مختلف البتة، في كلياته العامة الأصلية ، وأصوله الإيمانية، الدينية.
- بيان مفهوم الآية: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ * فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(20.
Page 6
• دلالة الآيات على معانيها:
1) تدل الآية صراحة أن الدين الذي شرعه الحق سبحانه وتعالى ووصى به أنبياءه ورسله, وهم نوح, ثم رسوله الخاتم محمد, ومن قبله الخليل إبراهيم, ثم رسوله موسى، وعيسى صلى الله وسلم على رسله أجمعين؛ دين واحد غير مختلف في ماهيته التصورية الكلية الذهنية الكتابية في الأوراق والألواح، فكل ذلك وصايا ربانية وتعليمات وإرشادات للعباد، في جميع الأزمنة، والبقاع، والمتعلقات, فلا يجوز أبداً الإختلاف والتفرق في فهم ما دلّت عليه وأرشدت إليه, وحكمت وقضت به البتة، إذ هي وصايا وأحكام وتكاليف عامة في جميع المكلفين، لا يختلف مفهومها ومعناها من قوم إلى قوم؛ مهما اختلفت ألسنتهم وفهومهم وثقافاتهم, وتنوعت واختلفت أزمنتهم، وتباعدت أماكنهم حتى منتهى الزمان، لأن القصد من ذلك المنزل التعريف بالإله المعبود, وبالدور التكليفي العام للعباد في دار الإبتلاء والعمل, وكيفية قيام الناس بجلب وحفظ ورعاية مصالح أبدانهم، وعقولهم، وأعراضهم، ودينهم، وأموالهم, أو برعاية مصالح الدنيا والآخرة عموماً.
2) كما تفيد الآية صراحة عموم النهي عن التفرق والإختلاف في دين الله الواحد الكل، الذي لا يصح أبداً أن يقطع وأن يجزئ ويُبعّض ويقسم كونه كلاً، ومدلوله كل, ويدل معناه على أمور ومعانٍ كلية تشترك كلها في ذلك المفهوم ؛ الدين الكل, ويسمى كل فرد وجزءٍ منها ديناً, فمثلاً يطلق على الإيمان بالله ديناً, وعلى الإيمان بملائكته, أو كتبه, أو رسله وما أشبه ذلك ديناً، فجميع تلك الأسماء أجزاء تدخل في أصل ماهية اسم الدين العام الكلي قطعاً, ويطلق على كل فرد منها دين وإيمان, لأن كل فرد منها كلية عامة, يدخل فيها مفردات وجزئيآت غير متناهية لكثرتها وتعددها وتنوعها, كما تدل هذه الآية بمفهوم الموافقة أن ماهية أصل الدين واحد غير متعدد ولا مختلف قطعاً, لأن النهي عن التفرق في الدين بيان لحقيقة ذلك الذي لا يقبل في أصل وجوده الذهني العقدي القلبي؛ الإختلاف فيه عند التحقق به عملياً والقيام به تكليفاً في واقع حياة المخاطبين به كافة، وأدائه في جميع أجزاء زمان أدائه، فالنهي هنا يقتضي الأمر بضده, وهو وجوب وحدة الدين مصدراً، والعمل به كدين واحد للكل هو وسيلة وسبب لتوحيد الخالق والإله المعبود، وعدم إشراك غيره في عبادته وتوحيده, أو جعله سبباً للتفرق، بل سبباً للتوحد والدخول في جميع أسباب الوحدة الإنسانية لكافة بني الإنسان, ويدل بمفهم المخالفة, أن كل دين أضافه الناس إلى الله تعالى ويكون سبباً للإختلاف والتفرق الديني ؛ فإنه ليس من الدين الحق في شيء، بل هو دين فاسد باطل ليس له أصل صحيح، ويجب تركه والتبرؤ منه وبيان بطلانه وفساده للناس, فهو خطاب يدل بدلالة الإلتزام أن كل ما أضيف ونسب إلى دين الله تعالى رواية وسماعاً أو فهماً واستنباطاً, وهو يؤدي إلى التفرق في الدين والإختلاف بين العباد ؛ فليس من الدين في شيء، بل يضاده ويعارض دين الحق المنزل من عنده على جميع أنبيائه ورسله، منذ نوح عليه الصلاة والسلام وحتى محمد عليه الصلاة والسلام, ويجب بيان وتقرير فساده وبطلانه بكل دليل، وبرهان، وحجة.
- ولما كان مفهوم اسم الدين عند إطلاقه يدل على مسمى عام يشمل التكاليف الإيمانية العقدية والتكاليف الشرعية العملية العامة, فيكون اسماً للدين وللإسلام, إذا صح إطلاق اسم الدين ليدل على مفهوم أعمّ من اسم الإسلام, فيكون الأخص داخل في مفهوم مسمى الأعم, من باب دخول الجزء في الكل ودلالة الكل على الجزء, كما يصح أن يطلق اسم الإسلام الدال على مفهوم أخص من الدين, كون الدين اسم وضع لمسمى الإيمان العقدي القلبي، ولمسمى الأعمال والتكاليف الشرعية العملية والحكمية, ويكون اسم الإسلام دال على اسم الإيمان، كدلالة الجزء على الكل بعكس الأول، كما تبيّن، فيدخل الكل في الجزء، كما يصح أن يكون اسم الإسلام أعمّ، واسم الإيمان أخص، باعتبار أن التكاليف العملية تعتبر من ملزومات ومقتضيات التكاليف الإيمانية القلبية الدينية؛ فلا يصح إطلاق اسم الملزوم دون أن يكون وجود لازمه ثابت وجوده ومتحقق, فاللازم هو اسم الإيمان، والملزوم هو اسم الإسلام, فإطلاق اسم الملزوم يتضمن قطعاً اسم اللازم، كما أن إطلاق اسم اللازم لا يوجب وجوده وجوب لوازمه, فقد يوجد الإيمان ولا يوجد ملزومه الإسلام, فليتأمل هذا الضابط الذي يفرق به بين الإسمين، ووجود الإتفاق والإفتراق بينهما, فالإسلام اسم وضع ليدل على معنى الإستسلام, أي استسلام المكلف في جوارحه الظاهرة لربه سبحانه وتعالى، أما اسم الإيمان فوضع لمعنى الإعتقاد والتصديق القلبي, فهذا هو الفرق بين مفهوم ماهية كل منهما, وبذلك تحقق التمييز والفصل بين مدلول الإسمين.
3) كما تدل الآية صراحة أن الله تعالى هو الذي يختار ويصطفي لحمل دينه وفهمه والتحقق به من شاء وأراد، وليس ذلك الأمر في متناول قدرة العباد, فهو أمر خص به نفسه دون سائر خلقه, وأن تلك القضية هي التي سببت للمشركين به الإستكبار والإعراض، والجحود، والعناد, والتكذيب، والإيذاء لرسل الله تعالى, وجميع أوليائه العارفين المجتبين له تعالى، وذلك لما ينشأ من الإصطفاء والإجتباء من الرئاسة والشرف والفضل والمزيّة الدينية, ولما كان المشركون غير متحققين بالإيمان بالله تعالى وغير مسلمين ومستسلمين له, وموحدين إياه, وإنما مختلفين متفرقين، كل فريق منهم له حزب وجماعة وطائفة تراد وتقصد بالدين, لتحصيل مصالح الرئاسة الدينية، بتلك الوسائل والأسباب, أو الأنداد والأصنام عموماً, أياً كانت ماهيتها؛ فإن كل مشرك بالله تعالى يكبر عنده ويعظم أمر الدين الواحد، الذي يبتلي به عباده حين يصطفي ويجتبي ويهدي من بين عباده من يشاء من ذوي اللب, ويجعله في موقع الإمامة والهداية والنذارة العامة في قوم مخصوصين، وفي زمان ومكان معلوم، فيكون ذلك سبب وعلّة استكبارهم على رسله الله وأنبيائه، وأوليائه.
4) كما تدل الآية صراحة أن افتراق الناس إنما يحدث بعد أن يوجد ويثبت لديهم ماهية الدين الحق, ويعلمون بيقين ذلك, ويظهر الله لهم آياته وبيناته من خلال من اصطفاه واجتباه من رسله, أو أنبيائه, أو أوليائه العلماء الراسخين في علم وراثة الكتاب والنبوة عموماً, فإذا تحقق كل ذلك؛ اختلف الناس وتفرقوا ؛ لتلك الأسباب, والتي ترجع كلها إلى مزيّة وشرف الرئاسة الدينية، التي جعلها الله تعالى في البعض منهم، وبحسب اختياره هو وليس اختيارهم هم أنفسهم قطعاً, لذلك يقول سبحانه وتعالى مقرراً ما في نفوسهم: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ(21, فمصالح أبدانهم, مقسومة بينهم, أما مصالح دينهم وعقولهم وقلوبهم, فيوفق لها من شاء, ويهدي إليه وإلى معرفته من أراد منهم, فهي ليست مثل مصالح المعاش ومنافع الأبدان, يتساوى الجميع في تحصيلها, لأن الدين وسيلة للتعريف به, والقرب منه، والوصول إليه، ومجاورته، ونيل محبته ورضوانه, وهذه مزايا يخص بها من شاء منهم, وأن سبب التفرق والمعارضة هو البغي وتجاوز الحق وعدم القبول والرضا والتسليم لاختيار الله وقسمته فيهم معايشهم, وإدخال من هو أهل منهم لنيل كرامة دينه وهدايته وولايته, وأن أسباب التفرق والإختلاف والتحزب مطلقاً, في جميع الملل والأمم والأزمنة والبقاع, راجع إلى تلك القضية وإلى الأسباب التي تنشأ بعد ذلك عنها قطعاً, فكل من كان صاحب شهوة في الرئاسة الدينية وهوى فاسد, جعل لنفسه سبباً ليحصل به ويحقق لنفسه ما يتطلع إليه بشهوته, ويميل إليه بهواه, فهذا السامري آذاه ما شاهده من رئاسة رسول الله موسى عليه الصلاة والسلام, فصنع لنفسه عجلاً له خوار, دعا الناس لعبادته وجعله إلهاً كإله موسى عليه الصلاة والسلام, كون ذلك العجل هو الذي أوجده وصنعه وكوّنه، كما في الآية، وكذلك الطاغية فرعون نصب نفسه إلهاً، وقارون اتخذ ماله وكنوزه وسيلة لتألهه، وكذلك هو حال كل صاحب شهوة في الرئاسة الدينية, يصنع وينشئ لنفسه من الأسباب والموجودات عموماً, ما تكون وسيلة لتعظيمه وطاعته ومتابعته وموالاته في كل ما يتعلق بقضية الدين والتدين، أو في بعض متعلقاته فقط, وأن كل ما حدث من وجود جماعات وفرق وطوائف دينية في كل الأمم والأزمنة حتى اليوم كان القصد منها نيل صاحبها ومؤسسها وأميرها الرئاسة الدينية, وتحصيل ما يتصل بها وينشأ عنها من مزايا وألقاب وحب وولاء وسمع وطاعة، وترويج ومدح وثناء، وقيام بجلب مصالح بدنه, لأن مصالح الدين غير مرادة وغير مقصودة قطعاً، ولهذا سماهم الله مشركين لذلك السبب والقصد الفاسد الباطل، وعواقبه في هدم الدين ومرجه على الناس، وصدهم عن سبيل الله المستقيم, حينما اتخذوا الدين وسيلة لتأليه نفوسهم، كي يحققوا به إشباع شهواتهم وأهوائهم، وليس التقرب به إلى ربهم والتعرف عليه, ونيل القرب منه، والزلفى لديه، والدلالة عليه, وإنما الدلالة على نفوسهم بالدين المزيف الفاسد الباطل، بغياً وعدواناً على حق الله تعالى في التفضيل، والتشريف، والتكريم، والهداية، والإجتباء, ظناً منهم أن الدين مثل منافع المعاش يجب تقسيمه بينهم بحسب مقام وحال ومكانة كل منهم، فصاروا بذلك بغاة مفسدين ومشركين لتدينهم الفاسد الباطل، الغير مناسب ومستقيم بيقين, فهو عمل ضد حق الله في الإرادة والإختيار والإجتباء لمن شاء منهم أن يجعله له ولياً، ومحبوباً، ومراداً، ومطلوباً، ومقرباً، عنده, وتدخل في أخص خصائص ألوهيته وربوبيته، قطعاً.
5) قال تعالى: (وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ(22.
1) تدل الآية صراحة أن الدين الذي شرعه الحق سبحانه وتعالى ووصى به أنبياءه ورسله, وهم نوح, ثم رسوله الخاتم محمد, ومن قبله الخليل إبراهيم, ثم رسوله موسى، وعيسى صلى الله وسلم على رسله أجمعين؛ دين واحد غير مختلف في ماهيته التصورية الكلية الذهنية الكتابية في الأوراق والألواح، فكل ذلك وصايا ربانية وتعليمات وإرشادات للعباد، في جميع الأزمنة، والبقاع، والمتعلقات, فلا يجوز أبداً الإختلاف والتفرق في فهم ما دلّت عليه وأرشدت إليه, وحكمت وقضت به البتة، إذ هي وصايا وأحكام وتكاليف عامة في جميع المكلفين، لا يختلف مفهومها ومعناها من قوم إلى قوم؛ مهما اختلفت ألسنتهم وفهومهم وثقافاتهم, وتنوعت واختلفت أزمنتهم، وتباعدت أماكنهم حتى منتهى الزمان، لأن القصد من ذلك المنزل التعريف بالإله المعبود, وبالدور التكليفي العام للعباد في دار الإبتلاء والعمل, وكيفية قيام الناس بجلب وحفظ ورعاية مصالح أبدانهم، وعقولهم، وأعراضهم، ودينهم، وأموالهم, أو برعاية مصالح الدنيا والآخرة عموماً.
2) كما تفيد الآية صراحة عموم النهي عن التفرق والإختلاف في دين الله الواحد الكل، الذي لا يصح أبداً أن يقطع وأن يجزئ ويُبعّض ويقسم كونه كلاً، ومدلوله كل, ويدل معناه على أمور ومعانٍ كلية تشترك كلها في ذلك المفهوم ؛ الدين الكل, ويسمى كل فرد وجزءٍ منها ديناً, فمثلاً يطلق على الإيمان بالله ديناً, وعلى الإيمان بملائكته, أو كتبه, أو رسله وما أشبه ذلك ديناً، فجميع تلك الأسماء أجزاء تدخل في أصل ماهية اسم الدين العام الكلي قطعاً, ويطلق على كل فرد منها دين وإيمان, لأن كل فرد منها كلية عامة, يدخل فيها مفردات وجزئيآت غير متناهية لكثرتها وتعددها وتنوعها, كما تدل هذه الآية بمفهوم الموافقة أن ماهية أصل الدين واحد غير متعدد ولا مختلف قطعاً, لأن النهي عن التفرق في الدين بيان لحقيقة ذلك الذي لا يقبل في أصل وجوده الذهني العقدي القلبي؛ الإختلاف فيه عند التحقق به عملياً والقيام به تكليفاً في واقع حياة المخاطبين به كافة، وأدائه في جميع أجزاء زمان أدائه، فالنهي هنا يقتضي الأمر بضده, وهو وجوب وحدة الدين مصدراً، والعمل به كدين واحد للكل هو وسيلة وسبب لتوحيد الخالق والإله المعبود، وعدم إشراك غيره في عبادته وتوحيده, أو جعله سبباً للتفرق، بل سبباً للتوحد والدخول في جميع أسباب الوحدة الإنسانية لكافة بني الإنسان, ويدل بمفهم المخالفة, أن كل دين أضافه الناس إلى الله تعالى ويكون سبباً للإختلاف والتفرق الديني ؛ فإنه ليس من الدين الحق في شيء، بل هو دين فاسد باطل ليس له أصل صحيح، ويجب تركه والتبرؤ منه وبيان بطلانه وفساده للناس, فهو خطاب يدل بدلالة الإلتزام أن كل ما أضيف ونسب إلى دين الله تعالى رواية وسماعاً أو فهماً واستنباطاً, وهو يؤدي إلى التفرق في الدين والإختلاف بين العباد ؛ فليس من الدين في شيء، بل يضاده ويعارض دين الحق المنزل من عنده على جميع أنبيائه ورسله، منذ نوح عليه الصلاة والسلام وحتى محمد عليه الصلاة والسلام, ويجب بيان وتقرير فساده وبطلانه بكل دليل، وبرهان، وحجة.
- ولما كان مفهوم اسم الدين عند إطلاقه يدل على مسمى عام يشمل التكاليف الإيمانية العقدية والتكاليف الشرعية العملية العامة, فيكون اسماً للدين وللإسلام, إذا صح إطلاق اسم الدين ليدل على مفهوم أعمّ من اسم الإسلام, فيكون الأخص داخل في مفهوم مسمى الأعم, من باب دخول الجزء في الكل ودلالة الكل على الجزء, كما يصح أن يطلق اسم الإسلام الدال على مفهوم أخص من الدين, كون الدين اسم وضع لمسمى الإيمان العقدي القلبي، ولمسمى الأعمال والتكاليف الشرعية العملية والحكمية, ويكون اسم الإسلام دال على اسم الإيمان، كدلالة الجزء على الكل بعكس الأول، كما تبيّن، فيدخل الكل في الجزء، كما يصح أن يكون اسم الإسلام أعمّ، واسم الإيمان أخص، باعتبار أن التكاليف العملية تعتبر من ملزومات ومقتضيات التكاليف الإيمانية القلبية الدينية؛ فلا يصح إطلاق اسم الملزوم دون أن يكون وجود لازمه ثابت وجوده ومتحقق, فاللازم هو اسم الإيمان، والملزوم هو اسم الإسلام, فإطلاق اسم الملزوم يتضمن قطعاً اسم اللازم، كما أن إطلاق اسم اللازم لا يوجب وجوده وجوب لوازمه, فقد يوجد الإيمان ولا يوجد ملزومه الإسلام, فليتأمل هذا الضابط الذي يفرق به بين الإسمين، ووجود الإتفاق والإفتراق بينهما, فالإسلام اسم وضع ليدل على معنى الإستسلام, أي استسلام المكلف في جوارحه الظاهرة لربه سبحانه وتعالى، أما اسم الإيمان فوضع لمعنى الإعتقاد والتصديق القلبي, فهذا هو الفرق بين مفهوم ماهية كل منهما, وبذلك تحقق التمييز والفصل بين مدلول الإسمين.
3) كما تدل الآية صراحة أن الله تعالى هو الذي يختار ويصطفي لحمل دينه وفهمه والتحقق به من شاء وأراد، وليس ذلك الأمر في متناول قدرة العباد, فهو أمر خص به نفسه دون سائر خلقه, وأن تلك القضية هي التي سببت للمشركين به الإستكبار والإعراض، والجحود، والعناد, والتكذيب، والإيذاء لرسل الله تعالى, وجميع أوليائه العارفين المجتبين له تعالى، وذلك لما ينشأ من الإصطفاء والإجتباء من الرئاسة والشرف والفضل والمزيّة الدينية, ولما كان المشركون غير متحققين بالإيمان بالله تعالى وغير مسلمين ومستسلمين له, وموحدين إياه, وإنما مختلفين متفرقين، كل فريق منهم له حزب وجماعة وطائفة تراد وتقصد بالدين, لتحصيل مصالح الرئاسة الدينية، بتلك الوسائل والأسباب, أو الأنداد والأصنام عموماً, أياً كانت ماهيتها؛ فإن كل مشرك بالله تعالى يكبر عنده ويعظم أمر الدين الواحد، الذي يبتلي به عباده حين يصطفي ويجتبي ويهدي من بين عباده من يشاء من ذوي اللب, ويجعله في موقع الإمامة والهداية والنذارة العامة في قوم مخصوصين، وفي زمان ومكان معلوم، فيكون ذلك سبب وعلّة استكبارهم على رسله الله وأنبيائه، وأوليائه.
4) كما تدل الآية صراحة أن افتراق الناس إنما يحدث بعد أن يوجد ويثبت لديهم ماهية الدين الحق, ويعلمون بيقين ذلك, ويظهر الله لهم آياته وبيناته من خلال من اصطفاه واجتباه من رسله, أو أنبيائه, أو أوليائه العلماء الراسخين في علم وراثة الكتاب والنبوة عموماً, فإذا تحقق كل ذلك؛ اختلف الناس وتفرقوا ؛ لتلك الأسباب, والتي ترجع كلها إلى مزيّة وشرف الرئاسة الدينية، التي جعلها الله تعالى في البعض منهم، وبحسب اختياره هو وليس اختيارهم هم أنفسهم قطعاً, لذلك يقول سبحانه وتعالى مقرراً ما في نفوسهم: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ(21, فمصالح أبدانهم, مقسومة بينهم, أما مصالح دينهم وعقولهم وقلوبهم, فيوفق لها من شاء, ويهدي إليه وإلى معرفته من أراد منهم, فهي ليست مثل مصالح المعاش ومنافع الأبدان, يتساوى الجميع في تحصيلها, لأن الدين وسيلة للتعريف به, والقرب منه، والوصول إليه، ومجاورته، ونيل محبته ورضوانه, وهذه مزايا يخص بها من شاء منهم, وأن سبب التفرق والمعارضة هو البغي وتجاوز الحق وعدم القبول والرضا والتسليم لاختيار الله وقسمته فيهم معايشهم, وإدخال من هو أهل منهم لنيل كرامة دينه وهدايته وولايته, وأن أسباب التفرق والإختلاف والتحزب مطلقاً, في جميع الملل والأمم والأزمنة والبقاع, راجع إلى تلك القضية وإلى الأسباب التي تنشأ بعد ذلك عنها قطعاً, فكل من كان صاحب شهوة في الرئاسة الدينية وهوى فاسد, جعل لنفسه سبباً ليحصل به ويحقق لنفسه ما يتطلع إليه بشهوته, ويميل إليه بهواه, فهذا السامري آذاه ما شاهده من رئاسة رسول الله موسى عليه الصلاة والسلام, فصنع لنفسه عجلاً له خوار, دعا الناس لعبادته وجعله إلهاً كإله موسى عليه الصلاة والسلام, كون ذلك العجل هو الذي أوجده وصنعه وكوّنه، كما في الآية، وكذلك الطاغية فرعون نصب نفسه إلهاً، وقارون اتخذ ماله وكنوزه وسيلة لتألهه، وكذلك هو حال كل صاحب شهوة في الرئاسة الدينية, يصنع وينشئ لنفسه من الأسباب والموجودات عموماً, ما تكون وسيلة لتعظيمه وطاعته ومتابعته وموالاته في كل ما يتعلق بقضية الدين والتدين، أو في بعض متعلقاته فقط, وأن كل ما حدث من وجود جماعات وفرق وطوائف دينية في كل الأمم والأزمنة حتى اليوم كان القصد منها نيل صاحبها ومؤسسها وأميرها الرئاسة الدينية, وتحصيل ما يتصل بها وينشأ عنها من مزايا وألقاب وحب وولاء وسمع وطاعة، وترويج ومدح وثناء، وقيام بجلب مصالح بدنه, لأن مصالح الدين غير مرادة وغير مقصودة قطعاً، ولهذا سماهم الله مشركين لذلك السبب والقصد الفاسد الباطل، وعواقبه في هدم الدين ومرجه على الناس، وصدهم عن سبيل الله المستقيم, حينما اتخذوا الدين وسيلة لتأليه نفوسهم، كي يحققوا به إشباع شهواتهم وأهوائهم، وليس التقرب به إلى ربهم والتعرف عليه, ونيل القرب منه، والزلفى لديه، والدلالة عليه, وإنما الدلالة على نفوسهم بالدين المزيف الفاسد الباطل، بغياً وعدواناً على حق الله تعالى في التفضيل، والتشريف، والتكريم، والهداية، والإجتباء, ظناً منهم أن الدين مثل منافع المعاش يجب تقسيمه بينهم بحسب مقام وحال ومكانة كل منهم، فصاروا بذلك بغاة مفسدين ومشركين لتدينهم الفاسد الباطل، الغير مناسب ومستقيم بيقين, فهو عمل ضد حق الله في الإرادة والإختيار والإجتباء لمن شاء منهم أن يجعله له ولياً، ومحبوباً، ومراداً، ومطلوباً، ومقرباً، عنده, وتدخل في أخص خصائص ألوهيته وربوبيته، قطعاً.
5) قال تعالى: (وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ(22.
Page 7
- فيه تقرير لبعض مقاصد بعثة وإرسال عيسى عليه الصلاة والسلام، إلى بني إسرائيل أتباع أخيه موسى عليه الصلاة والسلام، وهو ما صرّح به في الآية, والبيان لبعض ما أشكل عليهم فهمه من خطاب الله الديني والشرعي النازل في التوراة, وقد قام عليه الصلاة والسلام ببيانه من حيث كونه ناسخاً ومنسوخاً, أو مجملاً ففسره, أو متشابها فأحكمه, أو عاماً فخصصه, أو مطلقاً فقيده، أو مجازاً لا حقيقة فأوضحه , وما أشبه ذلك, وكذلك كان من مقاصد بعثة ورسالة الخاتم محمد عليه الصلاة والسلام قطعاً, قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ(23, بيان بما وقع لأتباع موسى عليه الصلاة والسلام من اختلاف في ماهية أصل المنزل عليه, وفي فهمه وبيان معانيه وأحكامه، كما وقع الإختلاف في السنة النبوية المنسوبة إلى الرسول الخاتم محمد عليه الصلاة والسلام, ففيها الصحيح المتواتر، والصحيح الآحاد, والحسن, والضعيف, والموضوع المكذوب, كما وقع الإختلاف في فهمها ودلالتها على الأحكام, كما وقع الخلاف في فهم كثير من آي القرآن الكريم والإستدلال به على المعاني والأحكام, والصور والأمثال, فهي أمور وأحوال لابد أن يختلف الناس فيها عموماً, وذلك أن كلام الله وخطابه إلى عباده المنزل على رسله صلوات الله وسلامه عليهم, فيه الواضح البيّن، وفيه المجمل، والعام، والمطلق, والمجاز, والمثال, فيه الإنشاء والطلب، وفيه الخبر والقصص, فيه معاني يفهمها عامة جمهور المخاطبين، دون اجتهاد وبحث ومشقة, وفيه معاني لا يفهمها إلا خاصتهم العلماء الراسخون, وفيه معانٍ تخفى عن الكل، ليظل كلام الله فوق طاقة وقدرة الخلق أجمعين، فهو خطاب عام في جميع أتباع رسل الله عليهم الصلاة والسلام.
- بيان مفهوم قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(24.
- تدل الآية على عموم النهي عن موالاة خصوص نوع وأفراد وقوم وطائفة من اليهود والنصارى, وهم من ليسوا مؤمنين بالله تعالى, ولا بكتابه, ولا برسله, أي أنهم قوم غير منتمين حقيقة إلى تلك الأمة الإسرائيلية، ذات الوراثة للنبوة، والكتاب، والحكم, بل هم مشركون وخارجون عن قومهم وملتهم، كما يفهم من قوله تعالى: (لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(, فالظلم هنا بمعنى الشرك, وليس الظلم العملي الغير عقدي المفسد لماهية ركن الإيمان بالله تعالى, فكل مشرك بربه سواءٌ كان من أهل الكتاب المذكورين في الآية أو كان من أمة محمد عليه الصلاة والسلام وغيره, لا يصح موالاته على أساس الدين, أي متابعته ومناصرته لدينه الباطل, ولا يصح تعميم هذا الحكم في مطلق من يدخلون في مسمى اسم جنس اليهود, أو اسم جنس النصارى قطعاً, لأن مفهوم الاسم موضوع لجميع أفراد أتباع رسوله موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام, المؤمنين بالله تعالى في عموم الأزمنة، والبقاع, فعلياً أو حكمياً, فهو حكم شرعي تكليفي، يحمل في خصوص حال طائفة معلومة من بني إسرائيل, حكم الله عليها بالشرك والظلم, بعد أن أقام عليهم حجته, وهم على وجه التخصيص والتقييد أولئك القوم الذين بعث في زمانهم رسوله محمد عليه الصلاة والسلام, وبيّن لهم دين الله الحق, فأصروا على الشرك والكفر, مثل عامة قومه كفار مكة وقريش مطلقاً، ونحوهم.
- وهو حكم تعلق بسبب وعلة مخصوصة، هي وجود صفة الشرك, فإذا زالت وارتفعت تلك الصفة والعلة عن قوم مخصوصين ثبتت فيهم من قبل؛ فإن حكم النهي عن موالاتهم يرتفع ويسقط, ويكون في حكم المعدوم, لعدم وجود سببه وعلّته, وليس حكماً دينياً تعلق بوجود أعيان أشخاص قوم وأمة ما من الناس, بل هو حكم شرعي ديني تكليفي عام، يشمل كل أفراد اسم جنس المؤمنين الموحدين من كل ملّة وأمة وشعب وقرية ونحو ذلك ؛ يوجد الحكم بوجود سببه وعلّته مطلقاً, ويزول ويتغير الحكم بعدم وجود سببه وعلّته, فلا يصح أن يضاف مثلاً اسم وحكم الزنا إلى من لم يفعل ذلك الفعل قطعاً, فكذلك لا يصح إضافة اسم ولقب الشرك والظلم, إلى من لم يشرك بربه الواحد الأحد, أو إلى من فعل الشرك, ثم تاب وأصلح, فإنه يلزم موالاته ومحبته ومؤاخاته ونصرته, ونصحه وإرشاده وهدايته إلى مصالح دنياه، وآخرته, والتعامل معه على الأصل العام، وهو وجود ماهية الإيمان والتوحيد وجوداً فعلياً أو حكمياً, فهذه هي البراءة الأصلية الظاهرة في عموم أهل الكتاب قطعاً, لا خصوص أحوال أفراد منهم ومن غيرهم ثبت وتحقق فيهم صفة الشرك والكفر فيستثنوا من ذلك الأصل ويعاملوا معاملة تخصهم دون تعميم.
- فالنهي عن موالاة قوم مخصوصين من أهل الكتاب، يحمل على من كان خارجاً عن أصل الدين العام, وساع إلى إفساده, وإشاعة الشرك, والترويج له, وإدخال المؤمنين في أسباب الشرك والفتنة العامة في دينهم فقط, لأن من كان هذا حاله؛ فهو مفسد في الأرض محارب لله ورسله, ويحكم عليه بحكم المحاربين, كما هو مبين في موضعه.
- أن اسم النصارى أو اليهود اسم جنس علم، يدخل في مسماه كل فرد انتسب وانتمى إليهم في أي زمان ومكان, وإضافة حكم النهي عن موالاتهم عامة, بحسب تعلق مدلول الاسم العلم بكل أفراده, تعلق معرفة وبيان لماهية الشخص ذاته وعينه, كاسم أعيان الأشياء الدالة على الجموع, مثل مصر, ولندن, وباريس, وواشنطن, وإسرائيل, وفلسطين ، والسعودية, واليمن, ونحوها, وقد أطلق الشارع اسم الكل العام, وقصد به خصوص عين حال بعض منهم قطعاً, وهم غير المؤمنين بالله تعالى الذين خرجوا عن أصل جماعتهم, وقاموا بإفساد إيمان المؤمنين مطلقاً, فهؤلاء يتعين على كل مؤمن بغضهم ومعاداتهم، وليس موالاتهم ومحبتهم وعونهم ونصرتهم على إفساد الإيمان والمؤمنين، ثم إدخالهم في الشرك وظلم أنفسهم.
- ونصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة قاطعة الدلالة ومحكمة البيان في تقرير وإثبات وإيجاب عصمة كل مؤمن بالله تعالى, والحكم له بالجنة, ونجاته من النار مطلقاً, وقد بيّنا مفهوم بعض تلك النصوص في مواضع متفرقة من بحث التكفير، منها: الأحاديث العامة الواردة في حكم من قال: (لا إله إلا الله), وهي تكاد تكون متواترة المعنى عند الإستقراء لها, ومنها بيان الآيات القرآنية الواردة, في أهل الكتاب خاصة، وهي كثيرة تفوق الحصر، والتي تقرر فيها ماهية وحقيقة أهل الكتاب بأنهم مؤمنون مخاطبون مكلفون بما جاء في كتابهم مطلقاً, وبحسب أحكام الوضع الشرعية والدينية العامة ومتعلقاتها التي تخص كل فرد وقوم وأمة بحسبهم.
- وتدل الآية أيضاً على مفهوم خاص, وهو النهي عن الإنتقال من شريعة إلى أخرى, فمن كان على شريعة محمد عليه الصلاة والسلام بكلياتها وجزئيآتها, ينهى أن ينتقل إلى شرعة بني إسرائيل عموماً، فهم جميعاً لهم شريعة واحدة بنص الآية, وكل من كان عاملاً وتابعاً لشريعة رسوله قدر المستطاع، فهو مؤمن مسلم تجب محبته، وموالاته، ونصرته، وعصمة دمه، وعرضه وماله ووطنه، وقد بيّنا مفهوم قوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(25, وبيّنا الأصول العامة والكليات الشرعية التي يشترك فيها كل أتباع الرسل وخصوصاً الأمم الثلاث الكبرى.
- بيان مفهوم قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(24.
- تدل الآية على عموم النهي عن موالاة خصوص نوع وأفراد وقوم وطائفة من اليهود والنصارى, وهم من ليسوا مؤمنين بالله تعالى, ولا بكتابه, ولا برسله, أي أنهم قوم غير منتمين حقيقة إلى تلك الأمة الإسرائيلية، ذات الوراثة للنبوة، والكتاب، والحكم, بل هم مشركون وخارجون عن قومهم وملتهم، كما يفهم من قوله تعالى: (لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(, فالظلم هنا بمعنى الشرك, وليس الظلم العملي الغير عقدي المفسد لماهية ركن الإيمان بالله تعالى, فكل مشرك بربه سواءٌ كان من أهل الكتاب المذكورين في الآية أو كان من أمة محمد عليه الصلاة والسلام وغيره, لا يصح موالاته على أساس الدين, أي متابعته ومناصرته لدينه الباطل, ولا يصح تعميم هذا الحكم في مطلق من يدخلون في مسمى اسم جنس اليهود, أو اسم جنس النصارى قطعاً, لأن مفهوم الاسم موضوع لجميع أفراد أتباع رسوله موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام, المؤمنين بالله تعالى في عموم الأزمنة، والبقاع, فعلياً أو حكمياً, فهو حكم شرعي تكليفي، يحمل في خصوص حال طائفة معلومة من بني إسرائيل, حكم الله عليها بالشرك والظلم, بعد أن أقام عليهم حجته, وهم على وجه التخصيص والتقييد أولئك القوم الذين بعث في زمانهم رسوله محمد عليه الصلاة والسلام, وبيّن لهم دين الله الحق, فأصروا على الشرك والكفر, مثل عامة قومه كفار مكة وقريش مطلقاً، ونحوهم.
- وهو حكم تعلق بسبب وعلة مخصوصة، هي وجود صفة الشرك, فإذا زالت وارتفعت تلك الصفة والعلة عن قوم مخصوصين ثبتت فيهم من قبل؛ فإن حكم النهي عن موالاتهم يرتفع ويسقط, ويكون في حكم المعدوم, لعدم وجود سببه وعلّته, وليس حكماً دينياً تعلق بوجود أعيان أشخاص قوم وأمة ما من الناس, بل هو حكم شرعي ديني تكليفي عام، يشمل كل أفراد اسم جنس المؤمنين الموحدين من كل ملّة وأمة وشعب وقرية ونحو ذلك ؛ يوجد الحكم بوجود سببه وعلّته مطلقاً, ويزول ويتغير الحكم بعدم وجود سببه وعلّته, فلا يصح أن يضاف مثلاً اسم وحكم الزنا إلى من لم يفعل ذلك الفعل قطعاً, فكذلك لا يصح إضافة اسم ولقب الشرك والظلم, إلى من لم يشرك بربه الواحد الأحد, أو إلى من فعل الشرك, ثم تاب وأصلح, فإنه يلزم موالاته ومحبته ومؤاخاته ونصرته, ونصحه وإرشاده وهدايته إلى مصالح دنياه، وآخرته, والتعامل معه على الأصل العام، وهو وجود ماهية الإيمان والتوحيد وجوداً فعلياً أو حكمياً, فهذه هي البراءة الأصلية الظاهرة في عموم أهل الكتاب قطعاً, لا خصوص أحوال أفراد منهم ومن غيرهم ثبت وتحقق فيهم صفة الشرك والكفر فيستثنوا من ذلك الأصل ويعاملوا معاملة تخصهم دون تعميم.
- فالنهي عن موالاة قوم مخصوصين من أهل الكتاب، يحمل على من كان خارجاً عن أصل الدين العام, وساع إلى إفساده, وإشاعة الشرك, والترويج له, وإدخال المؤمنين في أسباب الشرك والفتنة العامة في دينهم فقط, لأن من كان هذا حاله؛ فهو مفسد في الأرض محارب لله ورسله, ويحكم عليه بحكم المحاربين, كما هو مبين في موضعه.
- أن اسم النصارى أو اليهود اسم جنس علم، يدخل في مسماه كل فرد انتسب وانتمى إليهم في أي زمان ومكان, وإضافة حكم النهي عن موالاتهم عامة, بحسب تعلق مدلول الاسم العلم بكل أفراده, تعلق معرفة وبيان لماهية الشخص ذاته وعينه, كاسم أعيان الأشياء الدالة على الجموع, مثل مصر, ولندن, وباريس, وواشنطن, وإسرائيل, وفلسطين ، والسعودية, واليمن, ونحوها, وقد أطلق الشارع اسم الكل العام, وقصد به خصوص عين حال بعض منهم قطعاً, وهم غير المؤمنين بالله تعالى الذين خرجوا عن أصل جماعتهم, وقاموا بإفساد إيمان المؤمنين مطلقاً, فهؤلاء يتعين على كل مؤمن بغضهم ومعاداتهم، وليس موالاتهم ومحبتهم وعونهم ونصرتهم على إفساد الإيمان والمؤمنين، ثم إدخالهم في الشرك وظلم أنفسهم.
- ونصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة قاطعة الدلالة ومحكمة البيان في تقرير وإثبات وإيجاب عصمة كل مؤمن بالله تعالى, والحكم له بالجنة, ونجاته من النار مطلقاً, وقد بيّنا مفهوم بعض تلك النصوص في مواضع متفرقة من بحث التكفير، منها: الأحاديث العامة الواردة في حكم من قال: (لا إله إلا الله), وهي تكاد تكون متواترة المعنى عند الإستقراء لها, ومنها بيان الآيات القرآنية الواردة, في أهل الكتاب خاصة، وهي كثيرة تفوق الحصر، والتي تقرر فيها ماهية وحقيقة أهل الكتاب بأنهم مؤمنون مخاطبون مكلفون بما جاء في كتابهم مطلقاً, وبحسب أحكام الوضع الشرعية والدينية العامة ومتعلقاتها التي تخص كل فرد وقوم وأمة بحسبهم.
- وتدل الآية أيضاً على مفهوم خاص, وهو النهي عن الإنتقال من شريعة إلى أخرى, فمن كان على شريعة محمد عليه الصلاة والسلام بكلياتها وجزئيآتها, ينهى أن ينتقل إلى شرعة بني إسرائيل عموماً، فهم جميعاً لهم شريعة واحدة بنص الآية, وكل من كان عاملاً وتابعاً لشريعة رسوله قدر المستطاع، فهو مؤمن مسلم تجب محبته، وموالاته، ونصرته، وعصمة دمه، وعرضه وماله ووطنه، وقد بيّنا مفهوم قوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(25, وبيّنا الأصول العامة والكليات الشرعية التي يشترك فيها كل أتباع الرسل وخصوصاً الأمم الثلاث الكبرى.
Page 8
- إن النهي عن فعل الموالأة معلّلّ, يتعين الإمتثال بالترك، في كل مؤمن خاف على إيمانه أن يفسد, إن والى خصوص عين حال أفراد غير مؤمنين بالله تعالى, حيث أنهم يروّجون للشبه التي تشكك المؤمن بربه ونحو ذلك, فمن غلب على ظنه أنه إن والاهم, وقع في أسباب الشك والإرتياب؛ وجب في حقه ترك الموالأة, ومن أَمِنَ على إيمانه عدم حصول الشك والريب إن هو والاهم لمصالح معتبرة مقصودة مطلوبة شرعاً؛ فلا يدخل في عموم النهي الديني قطعاً, بناءً على أن القاعدة العامة: [يقدم حفظ الدين على حفظ ما عداه من المصالح], إلا عند جلب مصالح الضرورات العامة فتتغير هذه القاعدة، ويصير حفظ النفوس مقدم, لأن النفوس هي موضع ومحل ووعاء خطاب الدين والشريعة، ويتعين حفظها, ليحفظ الدين ويتحقق وجوده وثبوته في واقع حياة المكلفين, وقد بينّا في بحث وفقرة مستقلة دلالة الخطاب القرآني في الجهاد والقتال، والحروب والملاحم، والذم، والتكفير، والتأثيم, والموالأة، والمعادأة, ونحو ذلك وأن جميع تلك الأخبار يدخل فيها النسخ والرفع, والإستبدال, وخاصة إذا تحقق دخول المرحلة الزمنية الأخيرة, مرحلة وجوب دخول كافة الناس في السلم, فيصير ذلك النوع من الخطاب منسوخاً حكماً، وباقٍ لفظاً ورسماً، ومنه الآية السابقة بيقين.
• قاعدة: عدم العلّة؛ علة لعدم المعلول, فعدم الإسكار علّة لعدم التحريم, وعدم الكفر علّة لعدم إهدار الدماء ورفع العصمة عن الدماء، والأعراض، والأموال, وعدم الإسلام علّة لعدم العصمة بالإسلام, وما أشبه ذلك26.
• قاعدة: إن ترتيب الحكم على الوصف؛ يقتضي أن يترتب عليه ذلك الوصف لذلك الحكم, نحو ارجموا الزاني, واقطعوا يد السارق، وما أشبه ذلك27.
• قاعدة: إذا اختلفت العوائد في الأمصار, والأعصار؛ وجب اختلاف الأحكام، فإن كل حكم مبني على عادة؛ إذا تغيرت العادة؛ تغير الحكم28.
- بيان مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب, فأجلى يهود خيبر)29.
• بيان دلالة الحديث: (لا يتوارث أهل ملتين)30.ذ
• ماتت يهوديه أو نصرانية في خلافة عمر فسئل عمن يرثها فقال: (يرثها أهل دينها)31.
• يدل الحديث صراحة أن رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام بعث بدين وشرعة فيها عموم وخصوص مع ما أنزل الله على أهل الكتاب من الدين والشرعة, وأن الله قضى أن تبقى جزيرة العرب, وهي أم القرى وما حولهاعلى دين وشرعة واحدة، هو المنزل على الرسول العربي الأمي محمد عليه الصلاة والسلام، كما قضى أن تكون بيت المقدس وما حولها أرض مباركة ومقدسة وسكن لأهل الكتاب، اليهود قطعاً حتى آخر الأزمنة, قال تعالى: ( فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا ً)، كما تقرر في مواضع متفرقة من البحث، ومن بحث أشراط الساعة.
• يدل قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يجتمع دينان), بصريح اللفظ ودلالة المطابقة, أن الدين عند الله تعالى ليس ديناً واحداً، بل أديان عدة؛ فهناك دين لليهود, ودين للنصارى, ودين للصابئة, ودين لمحمد عليه الصلاة والسلام خاتم المرسلين، كما يدل أن كل هذه الأديان, أديان صحيحة غالباً, بحسب تنزلها على رسل الله تعالى، ونفي الرسول عليه الصلاة والسلام اجتماع تلك الأديان كلها أو بعضها في جزيرة العرب, لا يدل على فسادها، وإنما يتوجه النهي في الحديث إلى عدم صلاحية بلاد جزيرة العرب بما فيها أم القرى, مكة المكرمة, لأن يكون فيها دينان فأكثر, كون وجود أكثر من دين إلهي في أرض وبلاد العرب الواحدة الغير متعددة، سبب للإختلاف والتفرق والإقتتال الديني, والتنازع في المناسك، والمقدسات, والأعمال والشعائر العبادية, كالحج والعمرة, والإتجاه في الصلوات, ونحو ذلك مما اختلف ماهيته عند أتباع موسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم، وجعله الشارع الحكيم خاصاً وليس عاماً، كما تبيّن في موضعه من هذا البحث.
• فقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يجتمع دينان), أي لا يصلح بحال من الأحوال اجتماع دينين فأكثر في بلاد العرب, وإنما يصلح أن يكون فيها دين واحد وأمة واحدة, كما دعا إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام ربهما، وهما يبنيان الكعبة المشرفة، أن يجعل من ذريتهما أمة مسلمة له تعالى, والأمة تعني الجماعة الواحدة, والدين والشرعة الواحدة الغير متعدد ة , ويدل بمفهوم الموافقة جواز أن يوجد أفراد يدينون بغير دين محمد عليه الصلاة والسلام في بلاد العرب, فالنهي إنما يعني أن يوجد دينان رسميّان وأمتان مختلفتان, متساويتان في قوتهما وسلطانهما، أما الوجود الفردي فلا يدخل في عموم النهي قطعاً, لأن ذلك لا يكون سبباً للإختلاف والتفرق والتنازع في القرار والولاء, والحكم والسلطة, وفي المناسك والشعائر التعبدية, وما أشبه ذلك, ويدل على هذا المفهوم إجلاء الرسول عليه الصلاة والسلام يهود خيبر من المدينة المنورة إلى الأرض المقدسة، لأن الشام أرض صالحة لأن يجتمع فيها أكثر من دين إلهي, فهي بلاد مقدسة كتبها الله تعالى لبني إسرائيل حتى المنتهى، كما كتب أم القرى ومن حولها بلاداً لأتباع رسوله الخاتم العربي محمد عليه الصلاة والسلام، حتى المنتهى، ويقاس عليه كل بلد كان دين أهله على أساس ملّة إلهية من الملل الثلاث، منذ بعثة رسل الله عليهم الصلاة والسلام فيهم حتى اليوم، فإجلاء يهود خيبر سببه أنهم كانوا قوّة فاعلة مؤثرة في القرار لا يمكن تجاوزهم قطعاً, وذلك سبب للإختلاف والتفرق الديني والإجتماعي, وسبب لا يمكن تجاوزه في إشراكهم في المجتمع والأمة الجديدة والدولة الوليدة، على أرض المدينة وعموم بلاد جزيرة العرب, فرد النبي عليه الصلاة والسلام الأشياء إلى أصولها، فالأصل أن السكن والمكان الصالح لليهود هي بلاد الأرض المقدسة وما حولها ،كما في الآيات القرآنية, كما أن الأرض المقدسة لأمته هي أم القرى وما حولها قطعاً, فإجلاء رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام يهود خيبر وغيرهم من المدينة المنورة وما حولها لم يكن سببه كفرهم بالله تعالى وبرسوله الخاتم محمد عليه الصلاة والسلام، وما أنزل الله إليه من الكتاب، وإنكار الدين والشرعة الذي عليه أهل الكتاب قطعاً, وإنما لدرء فتنة التنازع في القيادة الدينية مطلقاً كما سبق, ولو كان الهدف ذلك لما قال عليه الصلاة والسلام: (دينان)، لأن ذكر دين آخر غير دينه عليه الصلاة والسلام الخاص به وبأمته, يدل على الإشتراك في المعنى والوصف واللقب, فلليهود دينهم, وللنصارى دينهم الخاص بهم فقط، والعام لكل المؤمنين قطعاً, ولو كان دين غيره فاسداً, ما أطلق عليه اسم الدين, ولما صحّ أن يوصف دين أهل الكتاب بالدين, فإطلاق الاسم واللقب: (الدين) على بعض ما عند أهل الكتاب يقتضي إثبات معنى الاسم واللقب والوصف, وقد علم وفهم أنه عليه الصلاة والسلام بعث مصدقاً لما معهم من الدين والشرعة، ومبشراً، ومنذراً، وهادياً، ومعلماً، ومرشداً لمن ليس على دين إلهي، وكذلك كان بعض اليهود في المدينة كفاراً غير مؤمنين بالله تعالى.
• وإن عدم اجتماع دينين في بلاد العرب؛ علّة لعدم النهي عن وجود دين غير دين محمد عليه الصلاة والسلام في بلاد جزيرة العرب، في حالة عدم الإجتماع، وإنما أفراد فقط, يجوز أن يوجد في بلاد جزيرة العرب دين إلهي غير دين محمد عليه الصلاة والسلام, على مستوى أفراد وليس جماعة وأمة قوية، يكون وجودها سبباً للتنازع في الرئاسة، وللفساد الديني، والدنيوي، مطلقاً.
• قاعدة: عدم العلّة؛ علة لعدم المعلول, فعدم الإسكار علّة لعدم التحريم, وعدم الكفر علّة لعدم إهدار الدماء ورفع العصمة عن الدماء، والأعراض، والأموال, وعدم الإسلام علّة لعدم العصمة بالإسلام, وما أشبه ذلك26.
• قاعدة: إن ترتيب الحكم على الوصف؛ يقتضي أن يترتب عليه ذلك الوصف لذلك الحكم, نحو ارجموا الزاني, واقطعوا يد السارق، وما أشبه ذلك27.
• قاعدة: إذا اختلفت العوائد في الأمصار, والأعصار؛ وجب اختلاف الأحكام، فإن كل حكم مبني على عادة؛ إذا تغيرت العادة؛ تغير الحكم28.
- بيان مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب, فأجلى يهود خيبر)29.
• بيان دلالة الحديث: (لا يتوارث أهل ملتين)30.ذ
• ماتت يهوديه أو نصرانية في خلافة عمر فسئل عمن يرثها فقال: (يرثها أهل دينها)31.
• يدل الحديث صراحة أن رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام بعث بدين وشرعة فيها عموم وخصوص مع ما أنزل الله على أهل الكتاب من الدين والشرعة, وأن الله قضى أن تبقى جزيرة العرب, وهي أم القرى وما حولهاعلى دين وشرعة واحدة، هو المنزل على الرسول العربي الأمي محمد عليه الصلاة والسلام، كما قضى أن تكون بيت المقدس وما حولها أرض مباركة ومقدسة وسكن لأهل الكتاب، اليهود قطعاً حتى آخر الأزمنة, قال تعالى: ( فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا ً)، كما تقرر في مواضع متفرقة من البحث، ومن بحث أشراط الساعة.
• يدل قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يجتمع دينان), بصريح اللفظ ودلالة المطابقة, أن الدين عند الله تعالى ليس ديناً واحداً، بل أديان عدة؛ فهناك دين لليهود, ودين للنصارى, ودين للصابئة, ودين لمحمد عليه الصلاة والسلام خاتم المرسلين، كما يدل أن كل هذه الأديان, أديان صحيحة غالباً, بحسب تنزلها على رسل الله تعالى، ونفي الرسول عليه الصلاة والسلام اجتماع تلك الأديان كلها أو بعضها في جزيرة العرب, لا يدل على فسادها، وإنما يتوجه النهي في الحديث إلى عدم صلاحية بلاد جزيرة العرب بما فيها أم القرى, مكة المكرمة, لأن يكون فيها دينان فأكثر, كون وجود أكثر من دين إلهي في أرض وبلاد العرب الواحدة الغير متعددة، سبب للإختلاف والتفرق والإقتتال الديني, والتنازع في المناسك، والمقدسات, والأعمال والشعائر العبادية, كالحج والعمرة, والإتجاه في الصلوات, ونحو ذلك مما اختلف ماهيته عند أتباع موسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم، وجعله الشارع الحكيم خاصاً وليس عاماً، كما تبيّن في موضعه من هذا البحث.
• فقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يجتمع دينان), أي لا يصلح بحال من الأحوال اجتماع دينين فأكثر في بلاد العرب, وإنما يصلح أن يكون فيها دين واحد وأمة واحدة, كما دعا إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام ربهما، وهما يبنيان الكعبة المشرفة، أن يجعل من ذريتهما أمة مسلمة له تعالى, والأمة تعني الجماعة الواحدة, والدين والشرعة الواحدة الغير متعدد ة , ويدل بمفهوم الموافقة جواز أن يوجد أفراد يدينون بغير دين محمد عليه الصلاة والسلام في بلاد العرب, فالنهي إنما يعني أن يوجد دينان رسميّان وأمتان مختلفتان, متساويتان في قوتهما وسلطانهما، أما الوجود الفردي فلا يدخل في عموم النهي قطعاً, لأن ذلك لا يكون سبباً للإختلاف والتفرق والتنازع في القرار والولاء, والحكم والسلطة, وفي المناسك والشعائر التعبدية, وما أشبه ذلك, ويدل على هذا المفهوم إجلاء الرسول عليه الصلاة والسلام يهود خيبر من المدينة المنورة إلى الأرض المقدسة، لأن الشام أرض صالحة لأن يجتمع فيها أكثر من دين إلهي, فهي بلاد مقدسة كتبها الله تعالى لبني إسرائيل حتى المنتهى، كما كتب أم القرى ومن حولها بلاداً لأتباع رسوله الخاتم العربي محمد عليه الصلاة والسلام، حتى المنتهى، ويقاس عليه كل بلد كان دين أهله على أساس ملّة إلهية من الملل الثلاث، منذ بعثة رسل الله عليهم الصلاة والسلام فيهم حتى اليوم، فإجلاء يهود خيبر سببه أنهم كانوا قوّة فاعلة مؤثرة في القرار لا يمكن تجاوزهم قطعاً, وذلك سبب للإختلاف والتفرق الديني والإجتماعي, وسبب لا يمكن تجاوزه في إشراكهم في المجتمع والأمة الجديدة والدولة الوليدة، على أرض المدينة وعموم بلاد جزيرة العرب, فرد النبي عليه الصلاة والسلام الأشياء إلى أصولها، فالأصل أن السكن والمكان الصالح لليهود هي بلاد الأرض المقدسة وما حولها ،كما في الآيات القرآنية, كما أن الأرض المقدسة لأمته هي أم القرى وما حولها قطعاً, فإجلاء رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام يهود خيبر وغيرهم من المدينة المنورة وما حولها لم يكن سببه كفرهم بالله تعالى وبرسوله الخاتم محمد عليه الصلاة والسلام، وما أنزل الله إليه من الكتاب، وإنكار الدين والشرعة الذي عليه أهل الكتاب قطعاً, وإنما لدرء فتنة التنازع في القيادة الدينية مطلقاً كما سبق, ولو كان الهدف ذلك لما قال عليه الصلاة والسلام: (دينان)، لأن ذكر دين آخر غير دينه عليه الصلاة والسلام الخاص به وبأمته, يدل على الإشتراك في المعنى والوصف واللقب, فلليهود دينهم, وللنصارى دينهم الخاص بهم فقط، والعام لكل المؤمنين قطعاً, ولو كان دين غيره فاسداً, ما أطلق عليه اسم الدين, ولما صحّ أن يوصف دين أهل الكتاب بالدين, فإطلاق الاسم واللقب: (الدين) على بعض ما عند أهل الكتاب يقتضي إثبات معنى الاسم واللقب والوصف, وقد علم وفهم أنه عليه الصلاة والسلام بعث مصدقاً لما معهم من الدين والشرعة، ومبشراً، ومنذراً، وهادياً، ومعلماً، ومرشداً لمن ليس على دين إلهي، وكذلك كان بعض اليهود في المدينة كفاراً غير مؤمنين بالله تعالى.
• وإن عدم اجتماع دينين في بلاد العرب؛ علّة لعدم النهي عن وجود دين غير دين محمد عليه الصلاة والسلام في بلاد جزيرة العرب، في حالة عدم الإجتماع، وإنما أفراد فقط, يجوز أن يوجد في بلاد جزيرة العرب دين إلهي غير دين محمد عليه الصلاة والسلام, على مستوى أفراد وليس جماعة وأمة قوية، يكون وجودها سبباً للتنازع في الرئاسة، وللفساد الديني، والدنيوي، مطلقاً.
Page 9
• كما أن الحديث ليس فيه النهي عن التحالفات والموالآت ، التي تكون بين أتباع رسوله الخاتم محمد عليه الصلاة والسلام وبين أتباع رسله الكرام والتي تبرم لتحقيق مصالح مشتركة مطلقاً, كمصلحة منافع الأبدان عموماً, ومصالح الأمن والإستقرار مطلقاً, وما أشبه ذلك من أسباب منافع الأبدان ونحوها, لأن النهي في الحديث هو الإجتماع، فإذا زال الإجتماع فلا نهي, أي أن وجود أمتين ذات دينين مختلفين في الجزئيآت والفرعيات في جزيرة العرب، هو السبب والعلّة والوصف، الذي يترتب عن وجوده وجود حكم النهي, وبعدم وجوده عدم وجود حكم النهي, حسب القاعدة العامة السابقة, لأن الحق سبحانه وتعالى جعل جزيرة العرب بلاداً وأرضاً ومكاناً خاصاً بأمة محمد عليه الصلاة والسلام، كما جعل الأرض المقدسة بالشام بلاداً ومكاناً خاصاً بأمة بني إسرائيل، فلا يصلح أن تكون الرئاسة والزعامة الدينية والدنيوية في أرض جزيرة العرب لغير أمته عليه الصلاة والسلام, كما لا يصلح أن تكون الرئاسة والزعامة الدينية والدنيوية في الأرض المقدسة لغير بني إسرائيل حتى نهاية الأزمنة، بدليل الحديث السابق, وبدلالة الإلتزام العقلية، وغيره من الأدلة كما تبين في مواضعه, ويفيد الحديث: (لا يتوارث أهل ملّتين), بصريح العبارة عدم صحة التوارث بين أهل ملتين مطلقاً, لأن التوريث أو التوارث من قبيل الجزئيآت وليس الأصول العامة, وإن كان في القضية عموم وخصوص, فالحديث فيه بيان حقيقة قضية الإرث مبيّنة مفصلّّة في كل ملّة على حدة، منها ما هو عام مطرد فيها جميعاً, ومنها جزئيآت محل اختلاف، فيها العام، وفيها الخاص قطعاً ويستثنى من هذا العموم الزوجين.
• ولما كان قضيّة الإرث محل اختلاف؛ منع الشارع التوارث بين المختلفين في الملّة، لسبب اختلاف التقادير في الأنصباء, أو في الأسباب، والشروط، والموانع في الإرث، والتوريث مطلقاً, وأيضاً كي تكون أسباب مصالح ومنافع الأبدان مرتبطة بالشرعة الإلهية وبالأمة والجماعة، التي تنتسب إليها ولاءً وبراءً، فإن كل أمة ذات ملّة ربانية يكون من أسباب ألفتها ووحدتها وقوتها سبب الإرث وانتقال الأموال، إذ لا يصلح عقلاً وشرعاً وعرفاً أن يحصل انتقال الأموال والأملاك وعموم المنافع المالية، بين من هم مختلفين في انتماءاتهم الدينية, كاليهود والنصارى, أو اليهود والمسلمين أتباع رسوله الخاتم محمد عليه الصلاة والسلام، فمصالح الأبدان تبع لمصالح العقول والأرواح، والقلوب قطعاً، في المقاصد والمصالح الكلية العامة والضرورية الست.
• قاعدة: كل حكم شرعي لا بد له من سبب شرعي مخصوص به, كإباحة وطء المرأة؛ حكم لابد له من سبب يبيحه, وهو عقد الوطء مطلقاً، بأي نوع من أنواع عقود الوطء المعتبرة.
• قاعدة: قد ينصب الشارع خصوص عين الشيء سبباً, كالزوال ؛ سبباً لوجوب صلاة الظهر, ورؤية الهلال؛ سبباً لوجوب الصوم, والقتل العمد العدوان ؛ سبباً للقصاص, والقذف العمد العدوان ؛ سبباً لوجوب الجلد مئة جلدة, وإسقاط العدالة.
- مفهوم قول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً * مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَـدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً(32.
- هاتان الآيتان مما أشكل فهمهما على المفسرين, وبخاصة كبار علمائهم المحققين منهم, ومنهم أبو بكر بن العربي, والجصاص, فلم نجد لهم بيان يشفي العليل, ويروي الضامي, والتحقيق: أن هذه الآيات سيقت لبيان عدة معان من أهمها, ما يأتي:
1. أخبر الله تعالى رسوله محمد عليه الصلاة والسلام أنه مرسل من لديه بالحق, وأنه عزوجل قد ضمن وكفل بأن يجعل ما أنزله عليه من الدين, هو الحق الذي يظهر على كل دين أنزله على من قبله من الرسل, فهو الدين الآخر الذي يظهره الله, كي يظهر به أيضاً ما خفي من الدين المنـزل مطلقاً, ويبين قبله، ويفصل ما أجمل منه, أو أبهُم, بحيث لا تقوم الساعة إلا وقد صار ماهية الدين المنـزل على محمد عليه الصلاة والسلام ظاهراً لكافة الناس, أهل الشأن المؤهلين لسماعه وفهمه إجمالاً, أو تفصيلاً, وليس في الآية ما يدل على أن الظهور في دين محمد عليه الصلاة والسلام يقتضى عدم ظهور دين من سبقه, كون مفهوم الدين عام كلي, ويدل على معنى كل, كما هو مبين, كما لا يدل النص على أن الدين المنـزل على رسول الله الخاتم محمدعليه الصلاة والسلام, عندما يتحقق ما وعد الله به من إظهاره, يتلاشا ويزول ما سواه, أو يختفي, ونحو ذلك, فالظهور الذي صرح بمعناه في آيات أخرى إنما هو: البيان, والتخصيص, والتقييد, أو التفصيل, أو النسخ, وما شابه ذلك, باعتباره حديث عهد بالنـزول, وتوفر فيه أسباب الحفظ في أعلى مراتبها, بخلاف ما سبقه, فقد جرى حفظه في أدني أسباب الحفظ, وكاد ينعدم من الوجود أصل الخطاب بلغته الأصلية المنـزل بها على أقوامه المخصوصين.
2. كما يدل الخطاب صراحة أن الدين الخاتم إذا تحقق فيه صفة الظهور, ووقع وعد الله بإظهاره على سائر الأديان, سيوجد في الناس نوع مخصوص, هم الذين سيكرهون ظهور هذا الدين الخاتم, وأن من سواهم سيكونون في جملة عموم المؤمنين بالله, ورسله, وكتبه, ويدل الخطاب بمفهوم المخالفة, أن من عدا أولئك القوم المشركين, لن يكره ظهور هذا الدين, قطعاً, بل سيفرح ويسر بظهوره, لأن ظهوره على ما هو عليه مراد عند الله, في الواقع, إنما هو ظهور لمفهوم الدين الحق الثابت في عموم الكتب المنـزلة من عند الله، والتي حصل لها ما حصل من التحريف, والسهو, والنسيان, ونحو ذلك, فهو ظهور للدين الحق كماهية محددة معلومة عند منـزله سبحانه وتعالى, وإن وجد في الواقع ما يخالف في شيءٍ مما هو الحق المتصور عند الله, المحفوظ لديه في أم الكتاب, أو ما هو موجود في كتب أهل الكتاب فعلاً, إلا أنه صعبَ فْهمه كونه أنزل أول الأمر بلسان قوم مخصوصين, ولما طال الزمان وتغيرت الألسنة, واللهجات, والمناهج , وقع للناس الأتباع الإشكال في اختلاف لسانهم, ولهجاتهم, ومناهج فهمهم ومعارفهم, وما شابه ذلك, فكان المنـزل للرسول عليه الصلاة والسلام مظهر لمطلق المنـزل على الرسل قبله, الموصوف بالحق المبين, الذي أظهره الله با لإعجا ز والتحدي العام الشامل في سائر أفراد اسم جنس الإعجاز البياني, والعلمي, والدلالي, والإشاري, والموضوعي, ونحوه من أنواع أفراد مسمى المعجزة ،وتدل الآية صراحة أن الرسول محمد عليه الصلاة والسلام سيكون في قومه وأتباعه في زمن حياته رجالاً ونساءً, مؤمنين عابدين خاشعين, ليسوا من عامة قومه الذين هم ليس لهم دين سابق, بل ممن بعث إليهم الرسول عليه الصلاة والسلام وأظهر ما عند هم من الدين الحق, المنـزل على الرسل قبله, وهم بعض النصارى, وبعض اليهود, قطعاً, لأنه وصفهم بأنهم مذكورين في كتاب الله التوراة والإنجيل, بأوصاف محددة, هي التي وردت بنص الخطاب القرآني في هذه الآيات, وبدليل ما قرره فيهم بقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً(33, أي أولئك الأفراد المذكورين أول الخطاب, بأنهم سيكونون معه, ومن خيار أصحابه وإخوانه الرحماء, والأشداء على من بغي عليهم, وقد كان من هؤلاء عبد الله بن سلام, وغيره كثير, ممن تابع الرسول الخاتم محمد, واقتدى به, وأحبه, وآخاه, وناصره, وآواه, وهو معنى يشمل كل مؤمن بالله في الأرض, فعل نفس ما فعلوه, حتى قيام الساعة.
• ولما كان قضيّة الإرث محل اختلاف؛ منع الشارع التوارث بين المختلفين في الملّة، لسبب اختلاف التقادير في الأنصباء, أو في الأسباب، والشروط، والموانع في الإرث، والتوريث مطلقاً, وأيضاً كي تكون أسباب مصالح ومنافع الأبدان مرتبطة بالشرعة الإلهية وبالأمة والجماعة، التي تنتسب إليها ولاءً وبراءً، فإن كل أمة ذات ملّة ربانية يكون من أسباب ألفتها ووحدتها وقوتها سبب الإرث وانتقال الأموال، إذ لا يصلح عقلاً وشرعاً وعرفاً أن يحصل انتقال الأموال والأملاك وعموم المنافع المالية، بين من هم مختلفين في انتماءاتهم الدينية, كاليهود والنصارى, أو اليهود والمسلمين أتباع رسوله الخاتم محمد عليه الصلاة والسلام، فمصالح الأبدان تبع لمصالح العقول والأرواح، والقلوب قطعاً، في المقاصد والمصالح الكلية العامة والضرورية الست.
• قاعدة: كل حكم شرعي لا بد له من سبب شرعي مخصوص به, كإباحة وطء المرأة؛ حكم لابد له من سبب يبيحه, وهو عقد الوطء مطلقاً، بأي نوع من أنواع عقود الوطء المعتبرة.
• قاعدة: قد ينصب الشارع خصوص عين الشيء سبباً, كالزوال ؛ سبباً لوجوب صلاة الظهر, ورؤية الهلال؛ سبباً لوجوب الصوم, والقتل العمد العدوان ؛ سبباً للقصاص, والقذف العمد العدوان ؛ سبباً لوجوب الجلد مئة جلدة, وإسقاط العدالة.
- مفهوم قول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً * مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَـدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً(32.
- هاتان الآيتان مما أشكل فهمهما على المفسرين, وبخاصة كبار علمائهم المحققين منهم, ومنهم أبو بكر بن العربي, والجصاص, فلم نجد لهم بيان يشفي العليل, ويروي الضامي, والتحقيق: أن هذه الآيات سيقت لبيان عدة معان من أهمها, ما يأتي:
1. أخبر الله تعالى رسوله محمد عليه الصلاة والسلام أنه مرسل من لديه بالحق, وأنه عزوجل قد ضمن وكفل بأن يجعل ما أنزله عليه من الدين, هو الحق الذي يظهر على كل دين أنزله على من قبله من الرسل, فهو الدين الآخر الذي يظهره الله, كي يظهر به أيضاً ما خفي من الدين المنـزل مطلقاً, ويبين قبله، ويفصل ما أجمل منه, أو أبهُم, بحيث لا تقوم الساعة إلا وقد صار ماهية الدين المنـزل على محمد عليه الصلاة والسلام ظاهراً لكافة الناس, أهل الشأن المؤهلين لسماعه وفهمه إجمالاً, أو تفصيلاً, وليس في الآية ما يدل على أن الظهور في دين محمد عليه الصلاة والسلام يقتضى عدم ظهور دين من سبقه, كون مفهوم الدين عام كلي, ويدل على معنى كل, كما هو مبين, كما لا يدل النص على أن الدين المنـزل على رسول الله الخاتم محمدعليه الصلاة والسلام, عندما يتحقق ما وعد الله به من إظهاره, يتلاشا ويزول ما سواه, أو يختفي, ونحو ذلك, فالظهور الذي صرح بمعناه في آيات أخرى إنما هو: البيان, والتخصيص, والتقييد, أو التفصيل, أو النسخ, وما شابه ذلك, باعتباره حديث عهد بالنـزول, وتوفر فيه أسباب الحفظ في أعلى مراتبها, بخلاف ما سبقه, فقد جرى حفظه في أدني أسباب الحفظ, وكاد ينعدم من الوجود أصل الخطاب بلغته الأصلية المنـزل بها على أقوامه المخصوصين.
2. كما يدل الخطاب صراحة أن الدين الخاتم إذا تحقق فيه صفة الظهور, ووقع وعد الله بإظهاره على سائر الأديان, سيوجد في الناس نوع مخصوص, هم الذين سيكرهون ظهور هذا الدين الخاتم, وأن من سواهم سيكونون في جملة عموم المؤمنين بالله, ورسله, وكتبه, ويدل الخطاب بمفهوم المخالفة, أن من عدا أولئك القوم المشركين, لن يكره ظهور هذا الدين, قطعاً, بل سيفرح ويسر بظهوره, لأن ظهوره على ما هو عليه مراد عند الله, في الواقع, إنما هو ظهور لمفهوم الدين الحق الثابت في عموم الكتب المنـزلة من عند الله، والتي حصل لها ما حصل من التحريف, والسهو, والنسيان, ونحو ذلك, فهو ظهور للدين الحق كماهية محددة معلومة عند منـزله سبحانه وتعالى, وإن وجد في الواقع ما يخالف في شيءٍ مما هو الحق المتصور عند الله, المحفوظ لديه في أم الكتاب, أو ما هو موجود في كتب أهل الكتاب فعلاً, إلا أنه صعبَ فْهمه كونه أنزل أول الأمر بلسان قوم مخصوصين, ولما طال الزمان وتغيرت الألسنة, واللهجات, والمناهج , وقع للناس الأتباع الإشكال في اختلاف لسانهم, ولهجاتهم, ومناهج فهمهم ومعارفهم, وما شابه ذلك, فكان المنـزل للرسول عليه الصلاة والسلام مظهر لمطلق المنـزل على الرسل قبله, الموصوف بالحق المبين, الذي أظهره الله با لإعجا ز والتحدي العام الشامل في سائر أفراد اسم جنس الإعجاز البياني, والعلمي, والدلالي, والإشاري, والموضوعي, ونحوه من أنواع أفراد مسمى المعجزة ،وتدل الآية صراحة أن الرسول محمد عليه الصلاة والسلام سيكون في قومه وأتباعه في زمن حياته رجالاً ونساءً, مؤمنين عابدين خاشعين, ليسوا من عامة قومه الذين هم ليس لهم دين سابق, بل ممن بعث إليهم الرسول عليه الصلاة والسلام وأظهر ما عند هم من الدين الحق, المنـزل على الرسل قبله, وهم بعض النصارى, وبعض اليهود, قطعاً, لأنه وصفهم بأنهم مذكورين في كتاب الله التوراة والإنجيل, بأوصاف محددة, هي التي وردت بنص الخطاب القرآني في هذه الآيات, وبدليل ما قرره فيهم بقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً(33, أي أولئك الأفراد المذكورين أول الخطاب, بأنهم سيكونون معه, ومن خيار أصحابه وإخوانه الرحماء, والأشداء على من بغي عليهم, وقد كان من هؤلاء عبد الله بن سلام, وغيره كثير, ممن تابع الرسول الخاتم محمد, واقتدى به, وأحبه, وآخاه, وناصره, وآواه, وهو معنى يشمل كل مؤمن بالله في الأرض, فعل نفس ما فعلوه, حتى قيام الساعة.
Page 10
3. هل من كره الدين الحق في ذاته وعينه, كنص وخطاب مجرد عن التعلقات الإجتهادية البشرية؛ يكون مساوياً لمن كرهه نصاً, ولفظاً؟!! قطعاً ؟لا؛ فإن هناك فرق بين أصل الخطاب الديني الذي هو نفس كلام الله المنـزل على رسوله, دون زيادة أو إضافة, أو بيان متصل به, من كره مثل هذا الدين الذي هو نفس كلام الله المنـزل على رسول الله, دون زيادة أو إضافة, أو بيان متصل به, فمن كره مثل هذا الدين عن علم, وفهم, وقصد, وقدرة؛ فهو داخل في عموم المشركين, كما سبق, أما من كره الدين الذي هو أصلاً فهم وبيان البشر, لكلام الله تعالى, أخطئوا أو أصابوا, قطعاً؛ فهو مبتدع وضال, وقد يعذر إن كره ما اعتقده بياناً وفهماً بشرياً غير معصوم, لم يكن مضافاً للرسول المعصوم وثابتٌ عنه بالتواتر, فهذا المنكر متأول ومجتهد وليس مشركاً بالله رب العالمين, بل مؤمن موحد؛ كفر فقط بما اعتقده مناقضاً ومعارضاً لمراد الله في خطابه, ويوجد كثير من كلام البشر المضاف إلى كلام الله إضافة بيان ودلالة, وشرح, وتفسير, وتوضيح؛ باطل وفاسد, ولو ألبس ملابس مناهج أهل العلم التي تواضعوا عليها في فهم ومعرفة معنى خطاب الله تعالى مطلقاً, بل هو ليس من خطاب الله تعالى مطلقاً, وإنما هو خطاب يدخل في مفهوم الإجتهاد, بنوعيه: صواب, وخطأ, أو صحيح, وفاسد, أو حق, وباطل, أو علم, وجهل, ونحو ذلك, وهنا مرج الدين, وفهم أن كل ما أضيف إلى القرآن, وتعلق به من علوم, وفهوم بشرية غير معصومة, تدخل في ذات الخطاب وماهيته, وجزءٌ أصليٌ من أجزائه, وهذا جهل عظيم، وضلال مبين.
إذا سيق الكلام لمعنى، فلا يستدل به في غير ذلك المعنى34:
- ذكر هذه القاعدة علماء البيان، وخالفها بعض الفقهاء، حكا القاضي عبدالوهاب المالكي، في الملخص فقال: بوقف العموم على المقصود منه، وحكى عن متقدمي المالكية، وبعض الشافعية، في مسألة ورود العموم في مساق المدح والذم، هل يوجب تخصيصاً للعموم، فالقرافي ومن هو على نحو مذهبه يذهبون إلى التخصيص، وبعض الشافعية كذلك، نحو قوله عليه الصلاة والسلام: (فيما سقت السماء؛ العشر)، أوجب أبو حنيفة الزكاة في الخضروات، ورد عليه أن الكلام سيق لبيان الجزء الواجب، لا لبيان الواجب فيه35.
- والجزء الواجب في الحديث هو عشر ما سقي من السماء مطلقاً، سواءٌ كان قمحاً، أو شعيراً، أو براً، أو ما كان داخلاً في الطعميات المتقوتة، التي يصح قياس العلة فيها:
_ وهي الطعمية المتقوتة، أي التي يكون المطعوم للقوت الضروري، كالقمح وتوابعه، وكل ما يصلح أن يكون طعاماً معتاداً للناس، ويرزع في الأرض، ويسقى بماء المطر، أو بماء الآبار والأنهار، ونحو ذلك.
- هل الرسول عليه الصلاة والسلام, مطالب بإيصال خطابه مباشرة للكل؛ أم يقيد بحسب قدرته الخاصة؟
قال السمعاني في بيان قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنـزلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(36:
- التبليغ يكون بحسب الإمكان، لأن الله تعالى لا يأمر بما لا يحتمله طوق البشر، ومعلوم أنه لم يكن في وسع رسول الله عليه الصلاة والسلام, لقاء الناس كلهم، والمسير إليهم في بلدانهم، ولم يكن في عمره من المهلة والنفس، ما يمكنه من إيصال خطابه مباشرة بحسب ما ينـزل عليه بالوحي من ربه, بمختلف أنواع ما يوحى به من الوسائل إلى الأنبياء من ربهم، وإلى كافة المخاطبين في عصره وزمنه، وفي مختلف البقاع، والبلدان، ولم يكن بالإمكان حضور المخاطبين بدعوته ورسالته إليه عليه الصلاة والسلام, كي يسمعوا منه عليه الصلاة والسلام, مباشرة، فقد حمل خطابه إلى كل من تعذر عليهم السماع والتلقي المباشر منه عليه الصلاة والسلام, أصحابه الكرام من المهاجرين والأنصار، من كل قبيلة وبقعة وبلاد وإقليم بالسماع المباشر, أو بالواسطة منه عليه الصلاة والسلام، إلى الآخرين37.
يجوز أن يثبت الله في الصدور علوماً بصيغ مخصوصة لمعاني مخصوصة، فيبين سبحانه للعقلاء الصيغ ومعانيها الدالة عليها بالنطاق، والاقتضاء، والالتزام، والدليل على تجويز وقوعها اصطلاحاً، أنه لا يبعد أن يحرك الله تعالى رأس العقلاء لذلك، ويعلم بعضهم مرادبعض، ثم ينشئون بحسب اختيارهم صيغاً لفظية ومعنوية لتلك المعاني التي يريدونها في ضوء الصيغ الإلهية المثبتة في صدورهم38.
- ويدل عليه قول الله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(39، وقد ساق السمعاني الكلام السابق لبيان المعنى المفهوم من هذه الآية، واستدل بها على جواز وقوع ذلك.
لا يجوز النسخ في الأخبار الغيبية المستقبلية، قال السمعاني: لا يجوز النسخ فيما أخبر الله تعالى به من أخبار القرون الماضية والأمم السابقة، وكذلك ما أخبر به من الحوادث والكوائن المستقبلة، من خروج الدجال، وغير ذلك، والتحقيق أنه يجوز ذلك، وقد بينا ذلك في فقرة مستقلة
- بيان معنى هذه الآيات: (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ(40.
1. قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(41.
2. وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ(42.
3. وقال تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(43.
4. وقال تعالى: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ * أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ(44.
5. وقال تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(45.
6. وقال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ(46.
7. وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَـئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً(47.
8. وقال تعالى: (وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيّاً حَمِيداً(48.
9. وقال تعالى: (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً(49.
إذا سيق الكلام لمعنى، فلا يستدل به في غير ذلك المعنى34:
- ذكر هذه القاعدة علماء البيان، وخالفها بعض الفقهاء، حكا القاضي عبدالوهاب المالكي، في الملخص فقال: بوقف العموم على المقصود منه، وحكى عن متقدمي المالكية، وبعض الشافعية، في مسألة ورود العموم في مساق المدح والذم، هل يوجب تخصيصاً للعموم، فالقرافي ومن هو على نحو مذهبه يذهبون إلى التخصيص، وبعض الشافعية كذلك، نحو قوله عليه الصلاة والسلام: (فيما سقت السماء؛ العشر)، أوجب أبو حنيفة الزكاة في الخضروات، ورد عليه أن الكلام سيق لبيان الجزء الواجب، لا لبيان الواجب فيه35.
- والجزء الواجب في الحديث هو عشر ما سقي من السماء مطلقاً، سواءٌ كان قمحاً، أو شعيراً، أو براً، أو ما كان داخلاً في الطعميات المتقوتة، التي يصح قياس العلة فيها:
_ وهي الطعمية المتقوتة، أي التي يكون المطعوم للقوت الضروري، كالقمح وتوابعه، وكل ما يصلح أن يكون طعاماً معتاداً للناس، ويرزع في الأرض، ويسقى بماء المطر، أو بماء الآبار والأنهار، ونحو ذلك.
- هل الرسول عليه الصلاة والسلام, مطالب بإيصال خطابه مباشرة للكل؛ أم يقيد بحسب قدرته الخاصة؟
قال السمعاني في بيان قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنـزلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(36:
- التبليغ يكون بحسب الإمكان، لأن الله تعالى لا يأمر بما لا يحتمله طوق البشر، ومعلوم أنه لم يكن في وسع رسول الله عليه الصلاة والسلام, لقاء الناس كلهم، والمسير إليهم في بلدانهم، ولم يكن في عمره من المهلة والنفس، ما يمكنه من إيصال خطابه مباشرة بحسب ما ينـزل عليه بالوحي من ربه, بمختلف أنواع ما يوحى به من الوسائل إلى الأنبياء من ربهم، وإلى كافة المخاطبين في عصره وزمنه، وفي مختلف البقاع، والبلدان، ولم يكن بالإمكان حضور المخاطبين بدعوته ورسالته إليه عليه الصلاة والسلام, كي يسمعوا منه عليه الصلاة والسلام, مباشرة، فقد حمل خطابه إلى كل من تعذر عليهم السماع والتلقي المباشر منه عليه الصلاة والسلام, أصحابه الكرام من المهاجرين والأنصار، من كل قبيلة وبقعة وبلاد وإقليم بالسماع المباشر, أو بالواسطة منه عليه الصلاة والسلام، إلى الآخرين37.
يجوز أن يثبت الله في الصدور علوماً بصيغ مخصوصة لمعاني مخصوصة، فيبين سبحانه للعقلاء الصيغ ومعانيها الدالة عليها بالنطاق، والاقتضاء، والالتزام، والدليل على تجويز وقوعها اصطلاحاً، أنه لا يبعد أن يحرك الله تعالى رأس العقلاء لذلك، ويعلم بعضهم مرادبعض، ثم ينشئون بحسب اختيارهم صيغاً لفظية ومعنوية لتلك المعاني التي يريدونها في ضوء الصيغ الإلهية المثبتة في صدورهم38.
- ويدل عليه قول الله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(39، وقد ساق السمعاني الكلام السابق لبيان المعنى المفهوم من هذه الآية، واستدل بها على جواز وقوع ذلك.
لا يجوز النسخ في الأخبار الغيبية المستقبلية، قال السمعاني: لا يجوز النسخ فيما أخبر الله تعالى به من أخبار القرون الماضية والأمم السابقة، وكذلك ما أخبر به من الحوادث والكوائن المستقبلة، من خروج الدجال، وغير ذلك، والتحقيق أنه يجوز ذلك، وقد بينا ذلك في فقرة مستقلة
- بيان معنى هذه الآيات: (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ(40.
1. قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(41.
2. وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ(42.
3. وقال تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(43.
4. وقال تعالى: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ * أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ(44.
5. وقال تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(45.
6. وقال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ(46.
7. وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَـئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً(47.
8. وقال تعالى: (وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيّاً حَمِيداً(48.
9. وقال تعالى: (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً(49.