eKtab
EN ع
الخيانة - الغرب والدولة الإسلامية
Read free sample

الخيانة - الغرب والدولة الإسلامية

by عادل علوبة

Page 1

مقدمة

شدنى إلى اختيار "الخيانة" عنوانا لكتابى هذا عنوان سفر آخر لكاتب أمريكى الجنسية اسمه "جورود س ".

وعنوانه "الخيانة والنظام العالمى الجديد " عرض فيه كاتبه لحقيقة ما وصل إليه الحال فى أمريكا من سيطرة رأس المال فى صورة المؤسسات التجارية الكبرى والبنوك على مقدرات الشعوب وحياة الأفراد من خلال حكومات سرية إرهابية وفاشية تبرر أعمال القتل والتصفية والاعتقال لخصومها ومعارضيها فى غفلة من المواطنين الذين استبيحت أرواحهم وحرياتهم وأموالهم تحت غلاة الديموقراطية الزائفة والدعوة لنظام عالمى جديد قوامه القضاء على كيان الشعوب المستقلة وإخضاعها لسلطان هيئة دولية تتولى الإشراف التام على مقدرات كافة الشعوب بجيشها وبنكها وبرلمانها وقضائها وثقافتها وكافة المرافق الدولية الأخرى وويل لمن يقف فى سبيلها أو يعترض على قراراتها.

ويدعو الكاتب المشار إليه إلى صحوة المواطن الأمريكى والانتباه لما يحيق به من خطر حرمانه من حقوقه الطبيعية التى حباه بها خالقه أو دستور الولايات المتحدة الأمريكية كما رسمه صُنّاعهُ الأولون.

وإن كانت الخيانة التى عناها ذلك الكاتب الآخر هى رسالة للمواطنين الأمريكيين فإن الخيانة التى أتصدى لها فى كتابى هذا إنما هى رسالة لأبناء وطنى من المصريين وأشقائنا فى العروبة وإلاسلام أسبر فيها غور السياسة الغربية المسيحية المناهضة للإسلام والمسلمين قاطبة حتى أنهم اعتبروا الإسلام عدوهم بعد انحلال الشيوعية وبرعوا فى تشويه صورة الجهاد المقدس والمقاومة الشعبية البطولية ودمغوها بالإرهاب ؛ متناسين ما فعلته المقاومة الفرنسية الشرسة بزعامة الجنرال ديجول والتى استهدفت بالقتل والاغتيال الغزاة الألمان وكل من تعاون معهم حتى من الفرنسيين باعتبارهم خونة مارقين.

وسوف أعرض فيما يلى تباعا لوقائع الخيانة التى تعرضت لها دولة الإسلام بغية القضاء عليها على مر الزمان سواء أكانت من خلال حروب صليبية أو أغراض استعمارية أو تلويح بديموقراطية زائفة ،أو محاولات للتفرقة بين صفوف الأمة الواحدة ونشر بذور الفرقة والعداوة بين مواطنيها من خلال الديانة او تعدد الطبقات الاجتماعية أوجرائم الاستعمار والاستيطان الإجرامى وذلك من واقع صحيح السرد التاريخى ورجوعا الى مصادره الرسمية الثابتة من قرارات دولية أو واقع غير منكور..

 

Page 2

الفصل الأول

* عداء الغرب لدولة الإسلام

الإسلام لغةً هو الانقياد لأوامر الآمر ونواهيه دون اعتراض، لذلك فإن كل من آمن بالله وانقاد لآوامره ونواهيه فهو مسلم؛ يهوديا كان أو نصرانيا أومؤمنا برسالة النبى محمد؛ فجذور الإسلام ضاربة فى التاريخ ولم يكن الدين الذى بعث به النبى محمد المصطفى فكرا جديدا، لأن فكر الأنبياء السابقين عليه يدور كله حول الإيمان بإله واحد والقرآن الكريم يهش لأسماء الأنبياء جميعا ويؤكد أن أسرتهم الطاهرة يجتمع قوامها حول هذه الحقيقة ؛ الله حق وهو اله واحد وعلى الخلق أن تسلم وجوهها اليه؛ وفى سورة الأنعام ذكر الحق جهاد إبراهيم الخليل فى تعريف الناس بالله تبارك وتعالى اسمه، ثم ذكر أسماء سبعة عشر نبيا معه قاموا جميعاً بالدعوة الى الله....الإسلام إذن هو الانقياد لأوامر الله ونواهيه دون ما اعتراض أو تردد وهو صفة لكل مؤمن يهوديا كان فى الأصل أو نصرانيا وكل من آمن برسالة محمد ودخل تحت راية الاسلام وهو ما انتهى اليه المفكر المسلم " على عزت بيجوفتش" رئيس البوسنة والهرسك، فى كتابه(الإسلام بين الشرق والغرب ) والذى أكد فيه أن الدولة الإسلامية التى انتشرت وعمت ربوع الأرض لم تكن دولة دينية فحسب بل كانت تبشر بالدين وبشريعته الدنيوية وتعاليمه وتربيتة وصلة الإنسان بدنياه والحض على دراسة الكون وما حوله ، فهو دين ودنيا ، فمن ناحية يحدد الأركان الأساسية للدين والإيمان ومن ناحية أخرى يرشد الإنسان الى ما أحله الله له من مباهج الحياة وخيراتها لينعم بها شاكرا حامدا فلا رهبنة ولا عزوف عما أحله الله لعبده، ويستطرد الزعيم المسلم فيقول( لقد انشطرت وحدة الاسلام على يد أناس قصروا الإسلام على جانبه الدينى المجرد قأهدروا وحدته وهى خاصيته التى انفرد بها عن سائر الأديان ، لقد اختزلوا الإسلام الى دين مجرد أو صوفية؛ فتدهورت أحوال المسلمين ذلك لأن المسلمين عندما يضعف نشاطهم وعندما يهملون دورهم فى هذا العالم ويتوقفون عن التفاعل فيه تصبح الدولة الإسلامية كأى دولة أخرى ويصبح تأثير الجانب الدينى فى الإسلام كتأثير أى دين آخر وتصبح الدولة قوة متجردة لا تخدم إلا نفسها وتجر المجتمع نحو السلبية والتخلف..... ).

وترتيبا على هذا المنطق السديد فإن الكلام عن العلمانية فى الإسلام لغو وخطأ فاضح على أساس أن العلم بالدنيا وأسرارها والكون ومعجزاته وصلة الإسلام بباقى الأديان السماوية وشعوبها شطر أساسى فيه يقترن بالإيمان ولا يجوز الفصل بينهما كما فعل المسيحيون الذين ضاقوا بعسف الكنيسة وسيطرتها على حياتهم فى ظل نظام كهنوتى بغيض فاستبدلوا العلمانية بكهنوت الكنيسة وأوغلوا فى ذلك الاتجاه حتى وافقوا على تزاوج الذكور والإناث وسمحوا بعمليات الإجهاض وجرهم الى ذلك جماعة من الإصلاحيين المتطرفين من البروتستانت بزعامة " مارتن لوثر". أما الحضارة الإسلامية فقد اكتسبت قوتها وبريقها وسحرها لدى الغير عندما جمعت بين الدين والدنيا ، بين العبادات والعلم فى رسالة واحدة عالمية إنسانية تولت تنفيذها من خلال ولايات إسلامية متحدة، إبان ازدهار النهضة والحضارة الإسلامية جمعت فيها بين القيم الروحية والعلوم الكونية من فلك وطب وهندسة وحساب وفلسفة وقضاء ، وأنظمة للشورى والموازنات المالية، فاقت تلك التى ورثها العرب عن الإغريق والرومان وتقبلتها شعوب الأمم الأخرى حتى أن الثورة الفرنسية استلهمت منها مبادئ "الحرية والإخاء والمساواة" والتى تتغنى بها شعوب الدنيا الآن.

لما كنا مازلنا بصدد الحديث عن ظاهرة عداء الغرب للإسلام وأسبابه ، فإنه مما يثير الدهشة أن الرسالة التى بشر بها رسول الإسلام جاءت فى أعقاب الرسالتين السابقتين عليها اليهودية والمسيحية أى العهدين القديم والحديث وتتفق مع فحواهما وتؤمن بقدسيتهما وتعاليمهما الروحية مع استكمالهما من الناحية الدنيوية.

مما اقتنع به بعض المدنيين الأول فاعتنقوه منذ بدء خروجه من مهده فى يثرب ويشهد بذلك الكاتب المؤرخ جورج كيرك" مدرس التاريخ فى كل من جامعتى بيروت الأمريكية وجامعة هارفارد فى أمريكا فى مؤلفه عن " تاريخ موجز للشرق الأوسط" وانتهى فيه الى أن الإسلام تسلسل لتعاليم الدين اليهودى الأصلى والدين المسيحى وأضاف اليهما، مع الاعتراف فى القرآن بقداسة كل من موسى وعيسى وتمجيد للسيدة مريم فى صلب القرآن مع التأكيد على إنسانية الرسول محمد عليه السلام خلافا لما شاب الديانة المسيحية من تأليه لشخص عيسىوكذلك نفى التثليث الذائع من تعبير الله والابن والروح القدس الذى يتعارض مع دعوة الإسلام بان لا اله الا الله ومحمد رسول الله ".

ورغم هذا الانصاف لأصول الدين الإسلامى من بعض المسيحيين النابهين فإن العداء للدولة الإسلامية ودينها بدأ فى الدول المسيحية الغربية أسوة بما حدث من يهود يثرب المتعصبين الزاعمين أنهم شعب الله المختار أما باقى الشعوب فمن العامة ؛ واستشرى ذلك العداء إثر الغزو السلجوقى (التركى) لبلاد الغرب المسيحى بدأ بآسيا الصغرى ثم النمسا والمجر ،وهؤلاء السلاجقة من أصل أسيوى مغولى قساة القلوب ، إعتنقوا الإسلام وأوغلوا فيه بعد معايشتهم أهله فاشتد تعصبهم للإسلام وأعملوا سيوفهم فى رقاب أعدائهم مما أثار رعب الدول المسيحية وأمرائها الذين اعتنقوا المسيحية فى أواخر عهد الدولة الرومانية بعد أن جعلها الإمبراطور قسطنطين ديناً رسميا للدولة الرومانية ، وبإثارة من الكنيسة الغربية بدأ الإعداد للحروب الصليبية التى استهدفت أول ما استهدفت سواحل بلاد الشام وبيت المقدس وقضوا على سكانها الأصليين واستمر غزوهم واستيطانهم لتلك الأراضى قرابة قرنين من الزمان الى أن أجلاهم عنها القائد صلاح الدين الأيوبى كما جاء فى كتب التاريخ.

وجدير بالذكر أن الحروب الصليبية لم يكن الدافع لها الوازع الدينى وحده بل الرغبة لدى شباب تلك البلاد المسيحية الغربية الذين كانوا يعانون الفاقة آنذاك لندرة الموارد وعبئ الحروب بين أمراء الفرنجة ومن ثم تطلع هؤلاء الشباب للهجرة والإستيلاء على أملاك وأراض فى البلاد العربية والإفادة من عائدات التجارة الرائجة فيها.

على أنه وفى هذه الحقبة بالذات فإنه ازاء الفهم والتطبيق الجائر للرسالات السماوية الثلاث قويت سلطة الكنيسة الغربية واستولت على مقاليد الحكم وشئون الرعاية مما دعا نفر منهم الى العصيان تحت اسم البروتستانت ( المحتجون) بزعامة "مارتن لوثر" ونتيجة أيضا لما عانته الدولة الإسلامية من ظهور جماعة الخوارج والمعتزلة والمغالاة فى الفلسفة فى شئون الدين، فإنه لم يلبث أن ظهر بين المسيحيين فى الغرب من نادى بإبعاد الدين والكنيسة عن السياسة والحكم وبشروا بفكر ومذهب "العلمانية" أى غير الدينى، وهو المتبع حاليا فى مدارس الليسيه الفرنسية فى مصر وغيرها، كما اتبعته بعض التشريعات الشيوعية والرأسمالية بدعوى أن الدين حجر عثرة فى سبيل التقدم وهو أفيون الشعوب الذى يحول دون رقيها العلمى ويقعدها عن الابتكار والبحث فى التطور المادى للعالم كمرجع للكشف عن نشأة الخليقة.

وربما ساعد على الاتجا ه الى الفلسفة المادية فى الدول الغربية المسيحية إقتصار ديانتهم على الجانب الروحى المتزمت وحده أما فى الإسلام الذى يتناول قرآنه الناحيتين الدينية والدنيوية ويبدأ بالحض على العلم والتعلم والنظر الى ما خلق الله من نعم ليعمل على الإفادة منها واستغلالها فيما خلقت له وتطويعها لخدمته زرعا كانت أو حيوانا أو مادة أولية لأجل إعمار الكون، وإطالة النظر الى السماء وتحركات أجرامها وكواكبها وتعاقب الفصول وإلى المحيطات وما تحويه من ثروات وغذاء ؛ فإنه مما يثير العجب أن يدعو أحد ممن ينتمون الى هذا الدين الجامع الى الفكر العلمانى سبيلا للتقدم بعيدا عن القيم الروحية المكملة له فى حين أن الإسلام كرسالة سماوية متكاملة آمن بها من آمن بلغ أوج نهضته وأعلى مدارج التقدم والاستقرار الروحى والمادى وبرع فى علوم الفلك والطب والهندسة والملاحة واللغة والفلسفة مما أغرى الكثير من الدول المسيحية بمحاكاته واقتناء مؤلفاته.

Page 3

الفصل الثانى

*الحروب الصليبية ونزعة الاستعما

ر لدى الدول المسيحية الغربية:

قيل إن الحروب الصليبية تعدت السبعة أو أكثر قليلا ولكن الواقع أنها كانت كلها استمرارا لهدف محدد هو الانتقام لما أصابهم من الغزو العثمانى للأراضى البيزنطية والأوروبية وسيطرتها على الأماكن المسيحبة المقدسة فى فلسطين؛ وإن كان شعار المحاربين المسيحيين رمز الصليب فالحقيقة أن الدين وحده لم يكن الدافع لتلك الحروب حيث انضم لصفوف المحاربين الغزاة من لا يكترث بالأديان أصلا بل تحركه رغبة جامحة فى الانتقام والاستعمار، خاصة وأن عوامل الضعف بدأت تحل بالدولة الإسلامية آنذاك لتصارع الولاة واختلاف الفقهاء كالغزالى وإبن حنبل وإبن رشد ، ومن ثم بدأ الغزو الصليبى بجنوب إيطاليا واستخلاص جزيرة قبرص ومنها الى بلاد الشام التى تعددت فيها الفصائل والأديان من مارونية ودرزية وإسلامية ، وإذ استمر ودام الاستعمار الصليبى لبلاد الشام قرابة القرنين من الزمان فإن الدولة الإسلامية نجحت آخر الأمر فى إجلاء الصليبيين عن بلادها فى زمن الناصر صلاح الدين الأيوبى ومن بعده كل من الظاهر بيبرس، وقلاوون، من المماليك الذين أكملوا ما بدأه سلفهما.

لم يكن الخلف والعداء بين المسيحية الغربية والإسلام نزاعا دينيا كما يتوهم البعض فالإسلام ليس دينا قاصرا على الجانب الروحى وحده، ولا هو قاصراً على فئة معينة يخاطبها، بل هو رسالة للبشر كافة تدعوهم للإيمان بإله واحد وباليوم الآخر والاعتراف بكافة الرسل السابقين وأتباعهم من يهود ونصارى، كما تدعوهم فى الوقت ذاته وبإصرار الى العلم والعمل الجاد للكشف عن أسرار الكون، وإعماره لصالح البشر، وتهديهم الى الصراط المستقيم فى قواعد الحكم والمعاملات ومكارم الأخلاق لصالح الانسانية والاتسلن، الذى كرم الله خلقه وعلمه ما لم تعلم الملائكة الذين سجدوا له.

*الإسلام هو الحل:

مقولة أثارت جدلا وخلافا بين الناس لعدم فهم فحواها فمن قال أنها تعنى الإسلام بشطره الروحى فقط وأنها تؤدى الى التعصب وتكفير كل معترض عليها أو مجادل لها ، والحقيقة أن الإسلام بشطريه الدينى والدنيوى والذى يدعو الى الإيمان والتدين مقترنا بالعلم وتقصى الحقائق والتعارف مع كافة البشر والشعوب}وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا{ ليصبح حلا لكافة ما يعانيه العالم من أزمات وخلافات بين الأمم وحروب تنشب بسبب الفهم الخاطئ لجوهر الدين، وخاصة الرسالة المحمدية، فها هم المسيحيون يتخاصمون فيما بينهم وتتعدد فرقهم بين كاثوليك وبروتستانت وأرثوذكس وحتى المورمان فيلجأون الى خيار العلمانية للبعد عن الدين وإبعادا للكنيسة عن شئون الحكم وإذا ببعض المفكرين المسلمين ينحون نفس المنحى لخلط فى فهم شطرى الرسالة الإسلامية الجامعة التى غمرت العالم شرقا فى آسيا وغربا فى اتجاه الأطلنتى وشمالا حتى فنلندا بحضارتها العلمية والأدبية الى أن انشطرت وحدة الإسلام ووهنت دولته على أيدى نفر قصروا الإسلام على جانبه الدينى كما قال الباحث الإسلامى الرئيس على عزت بيجوفتش فى كتابه الذى أشرنا اليه فيما سلف.

وإذ عاصر ذلك الوهن فى جسد الدولة الإسلامية قيام الثورة الصناعية فى الغرب وما صاحبها من زيادة قواتها العسكرية التى أعدتها لتنفيذ مخططاتها الاستعمارية ضد الدولة العثمانية التى أطلقوا على سلطانها لقب" الرجل المريض" كما بدأ الاستعمار البريطانى وقرينه الفرنسى يرنو ببصره الى الأراضى فى مصر وسوريا والعراق وغيرها فى حرب صليبية جديدة تحمل فى طياتها بذور خطط الشرق الأوسط الجديد والعولمة والعلمانية والديموقراطية وأخيراً وليس آخرا غرس دولة صهيونية عنصرية إرهابية فوق أرض فلسطين.

فالإسلام إذن هو الحل وهو الصراط المستقيم الذى ذكر فى كتابه الكريم.

Page 4

الفصل الثالث

*الخيانة المسيحية الغربية

إبان الحرب العالمية الأولى:

إندلعت الحرب العالمية الأولى بين بريطانيا وفرنسا وحلفائهما من جهة والإمبراطورية العثمانية من جهة أخرى فى وقت كانت الدول العربية ترزح تحت نير الحكم العثمانى وفى ذلك الوقت لجأ الحلفاء الى شريف مكة يطلبون مساعدته فى حربهم ضد العثمانيين لقاء وعد جازم بمنحه الاستقلال لبلاده إذا ضمن لهم النصر فى الحرب، وبعد تردد قبل الشريف تقديم المساعدة أملاً فى الاستقلال الموعود وجند ولديه "فيصل وعبد الله" للقيام بحرب العصابات ضد المحور وتدمير خطوط السكك الحديدية التى يعتمد عليها العثمانيون كما عهد البريطانيون الى أحد ضباطهم الشبان "أنطونى ناتنج" والمشهور بلورانس العرب ليكون ضابطاً للإتصال مع الجنود العرب الذين أبلوا بلاء حسنا ، ولكن ما أن وضعت الحرب أوزارها وانتصر الحلفاء حتى بادرت بريطانيا وفرنسا بإبرام معاهدة بينهما باسم "سايكس بيكو" نكثوا فيها بوعد الاستقلال لشريف مكة بل وتقاسموا فيها تركة الدولة العثمانية باتفاقيات من فرض الحماية والانتدابات التى تأيدت باتفاقية عصبة الأمم آنذاك وسنأتى على ذكر فحواها فيما بعد.

ومما يضفى وصف الخيانة والغدر على سلوك الحلفاء فى ذلك العهد قصة أشار اليها "ونستون تشرشل" رئيس وزراء بريطانيا فى كتابه عام 1937 بعنوان

" الأحداث المعاصرة الكبرى" ومفادها أنه عندما أريد مكافأة "لورانس العرب " بمنحه أعلى وسام بريطانى ، رفض قبول ذلك الوسام لما يراه فى سلوك بريطانيا من خيانة لما وعدت به العرب من إستقلال لقاء مشاركتهم فى النصر.

* الخيانة الاستعمارية الكبرى فى تصريح بلفور عام 1917:

يرجع البعض قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين الى أعمال وكتابات الصحفى النمساوى "تيودور هرتزل" ومنشوراته عام1896حول علاج الشتات والظلم الذى حاق باليهود فى روسيا وأوروبا وضرورة منحهم قطراً يكون وطناً قومياً لهم ، وقد لاقت أفكاره قبولا وترحيبا لدى جماعات الطلبه اليهود فى جامعات أوروبا ,واجتمعت العناصر الثلاثة الصهيونية السياسية,والرغبة فى مأوى يحمى اليهود من عسف الحكومة الروسية،ومنشورات هرتزل فى تشكيل "الصهيونية السياسية" التى تخالف المبادئ الدينية اليهودية. ورغم مرور سبع سنوات على هذه الأفكار الصهيونية الداعية الى إنشاء مأوى لليهود فى مكان واحد لم تلق خلالها أذنا صاغية لدى أى من الدول الكبرى فإذا بالحكومة البريطانية تعرض مشروعها فى عام1903بإنشاء مقر يجتمع فيه شمل اليهود فيما كان يطلق عليه آنذاك مشروع شرق إفريقيا البريطانى وقد رحب هرتزل بالمشروع الذى أخذ اسم "مشروع أوغندا" ولكنه توفى قبل أن يتحقق شيء فى الموضوع فاجتمع المؤتمر الصهيونى عام 1905بأكثرية من يهود أوروبا الشرقية وأجمعوا على استعمار أرض فلسطين والأراضى المجاورة ولا شىء غير ذلك.

وباشتعال الحرب العالمية الأولى إنتقل مركز الحركة الصهيونية الصاعدة من القارة الأوروبية إلى بريطانيا وأمريكا حيث كان العون الأساسى للصهيونية كل من الدكتور حايم وايزمان اليهودى من مواليد روسيا، ومحاضر فى الكيمياء فى جامعة مانشسترفى بريطانيا، حيث نجح فى إقناع رئيس وزراء بريطانيا برسالة الصهيونية ؛والمحامى الأمريكى "لويس برانديز" الذى ساعد الرئيس وودرو ويلسون فى انتخابه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية وكوفئ على ذلك بتعيينه قاضيا بالمحكمة العليا،وشكلت لجنة بريطانية نزولا على طلب وايزمان أصدرت مطبوعا بعنوان

" لإعادة عظمة الأمة اليهودية فى رحاب المستعمرة البريطانية الجديدة فى فلسطين " وكان العضو الوحيد غير اليهودى فى تلك اللجنة هو الصحفى "هربرت سبدبوتام" فى صحيفة مانشستر جارديان الذى كتب عام 1915مقالا يدعو فيه إلى استمرار الاحتلال البريطانى لفلسطين من أجل الدفاع عن مصر، وقد أثار هذا المقال اهتمام وايزمان الذى طلب من كاتبه إعداد مذكرة لوزارة الخارجية البريطانية يقترح فيها وجود دولة يهودية فى فلسطين للدفاع عن مصر وقناة السويس.

وفى عام 1916اصبح اللورد بلفور وزيراً للخارجية البريطانية كما ظهر السير مارك سايكس ،الذى شارك فى عقد معاهدة "سايكس بيكو" وكلاهما من المناصرين للصهيونية، وإزاء ما حل بروسيا والحلفاء من عناء فى الحرب فقد أصبح لزاما على الولايات المتحدة أن تدلى بدلوها فى المجهود الحربى وأظهر الرئيس ويلسون انحيازا تاما للفكر والأهداف الصهيونية مما شجع يهود بريطانيا وأمريكا وأقرانهم فى كل من تركيا وألمانيا المنهزمتين على التقدم للحكومة البريطانية عام 1917بطلب الاعتراف بفلسطين وطناً قومياً لليهود ينعم بلاستقلال مع فتح باب الهجرة اليهودية إليه وإنشاء المؤسسة الأهلية لاستعمار فلسطين. وعلى إثر ذلك، وفى ضوء الدراسات التى تم إعدادها فى بضعة أشهر تم الاتفاق على تصريح بلفور المعروف بصيغته المبهمة قصداً لخداع العرب أصحاب الأرض المدافعين عنها، وإن كان التصريح يستعمل تعبير( إنشاء وطن قومى لليهود) فإن حقيقة المقصود هو السماح بإقامة دولة يهودية عنصرية على أنقاض فلسطين العربية الإسلامية.

Page 5

هكذا تتضح فداحة الخيانة التى ارتكبتها الدول الغربية الكبرى حيال فلسطين العربية وأهلها مسلمين كانوا أومسيحيين على حد سواء، كمرحلة من مراحل الحرب الصليبية الضارية الدينية المظهر، الاستعمارية المخبر.

ومما يزيد من فداحة الخيانة أنها ارتكبت فى وقت كان يهود الشرق ينعمون فيه بالأمن ورغد العيش فى كافة البلاد العربية كالعراق ومصر والشام واليمن والمغرب حيث عوملوا كمواطنين وتولوا مناصب وزارية وأخرى رفيعة كما مارسوا كافة الأنشطة التجارية والاقتصادية دون ما قيد أو شرط ودون حاجة لتصريح بلفور المضلل الذى أضرم النار فى منطقة السلام والأد يان ثم عجز عن إطفائها فأصبحت تهدد بحرب عالمية ثالثة يهلل لها الصهاينة من وراء الستار.

* أهداف الحروب الصليبية السياسية:

إن مؤامرات إثارة عوامل الفرقة بين المسلمين والأقباط فى مصر وبين النحل والأديان المختلفة فى لبنان وبين السنة والشيعة فى كافة الدول والإمارات العربية طبقا لسياسة بريطانيا الاستعمارية "فرق تسد" لم تعد خافية على أحد بل إن أصابعها ما زالت تعمل وتنشط حتى يومنا هذا، وإن كانت أقلية من أقباط المهجر فى أمريكا تطل برأسها فيما تروج له من تمييز ضد أقباط مصر على سبيل المثال لحمل منظمات الدفاع عن حقوق الانسان على إدانة الإسلام بالتعصب فإن ذلك الأمر ليس وليد اليوم بل يرجع الى مؤامرات بريطانية منذ عام 1911حين عقد بعض أقباط مصر مؤتمرا قبطيا فى بندر أسيوط وكان أبرز زعماء حركة انعقاد المؤتمر الأستاذ أخنوخ فانوس المحامى ومطران أسيوط وبشرى حنا بك ،يطالبون فيه بامتيازات خاصة كثيرة للأقباط ، وهذه الفكرة الخطيرة تصدى لها وعارضها بطرس غالى باشا نفسه فى حياته كما عارضها المسلمون وفريق من الأقباط ولكن السياسة الاستعمارية تغلبت وانعقد المؤتمر. وترتب على حركة المؤتمر القبطى قيام مؤتمر من المسلمين باسم "المؤتمر المصرى " كانت لجانه تجتمع فى منزل رئيسه مصطفى رياض باشا ناظر النظار آنذاك، وكان الغرض منه الرد على ما زعمه قادة المؤتمر القبطى وتهدئة الحال، فخمدت الفتنة وانتهى أمرها ونجت البلاد من شرها ولله الحمد.

على أن المناورات البريطانية والأمريكية ضد الدول الاسلامية استمر نشاطها الى يومنا هذا كما هو الحال فى العراق حيث احتضنت الولايات المتحدة لديها بعض المعارضين للرئيس الراحل صدام حسين وهيأتهم لتولى دفة الحكم فور غزوها للعراق الذى انقسم شمله الى أكراد وسنة وشيعة وأصبح بفعل الاستعمار فى حالة من التمزق والانقسام لم تشهدها البلاد من قبل. وهدف الاستعمار المسيحى الغربى فى جميع الحالات هو أن يحتمى به جزء من الشعب ضد الجزء الآخر فيستقر الوضع الاستعمارى على حساب المصلحة الوطنية المهدرة. كما تهنأ أمريكا وحلفاؤها بضمان أمن إسرائيل التى منحوها أرض فلسطين وما يجاورها كما خطط لذلك الصهاينة، بل زادوا على ذلك فتمكينها من حيازة السلاح النووى مهددا العرب بالويل والثبور اذا قاوموا فإذا فعلوا عدوهم ارهابيين مارقين على النظام الدولى الذى حددوا هم معاييره.

وها نحن الآن نرى الولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل تعملان جاهدتين على إثارة الدول العربية ضد دولة إسلامية كإيران إلهاءاً لهم عن خطر إسرائيل الصهيونية العنصرية التى اغتصبت أرضهم وتهددهم فى الصميم مما يذكرنا بما فعلته الولايات المتحدة من قبل من إثارة عوامل الخلف بين إيران والعراق وحث كل منهما على الاستمرار فى القتال ومد كل منهما بالسلاح سراً بغية إضعافهما توطئة لغزو العراق أولا ثم التفرغ لما تحيكه لإيران من تأليب قوى العالم ضد مشروعها الخاص بالطاقة النووية..

كما يذكرنا بما أقدمت عليه سفيرة الولايات المتحدة لدى العراق من تشجيع لصدام حسين على غزو الكويت كعامل على إشاعة الفرقة بين البلاد الاسلامية.. بل يذكرنا بموقف الولايات المتحدة من أفغانستان التى كانت لها سندا فى صد التوسع السوفييتى فأمدت مجاهديه بالسلام فإذا بها الآن تحتل أفغانستان وتصف حلفاءها الأولين بالإرهاب..

Page 6

الفصل الرابع

* توابع الحرب العالمية الأولى

وخطط الاستعمار الغربى حيال الشرق الأوسط:

إنعقد النصر للحلفاء ضد ألمانيا وقبلت هذه بشروط الهدنة وذلك بعد حرب ضروس أصابت كلا الطرفين المتحاربين بالدمار الذى ولد لدى الحلفاء وخاصة فرنسا نزعة الانتقام الشديد، فجاء صلح فرساى مجحفا لألمانيا خلافاً لما اتفق عليه قبل وقف القتال والوعود التى طرحها الرئيس الأمريكى ويلسون أساسا لنظام عالمى جديد يخلو من نزعة الحرب وينشر دوافع السلم بين الأمم مما ولد لدى الألمان شعورا بخيبة الأمل والمهانة أدى الى نشأة الحزب النازى الذى أعد ألمانيا للانتقام ومن ثم كانت الحرب العالمية الثانية.

فمن تلك الشروط القاسية التى تمسك بها الحلفاء الأربعة ، أمريكا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا ، محاكمة امبراطور المانيا ونزع أسلحتها البرية والحربية والجوية، وسلخ أقاليم الفحم والحديد التابعة لها لصالح فرنسا وباقى الشروط الجائرة الأخرى التى تولى شرحها تفصيلا الاقصادى البريطانى المرموق "جان ماينارد كينز" فى كتابه " الآثار الاقتصادية للسلام" طبعة 1919 والذى أوضح فيه مدى الظلم الذى حاق بألمانيا فى شروط الصلح والتعويضات التعجيزية التى فرضت عليها والتى تنبأ بعجز المانيا عن الوفاء بها.

ورغم كل الاعتراضات إنتهى الحلفاء من إعداد وثيقة الصلح واتفاقية عصبة الأمم التى تم التوقيع عليها بتاريخ28 يونيو 1919.

* إتفاقية عصبة الأمم 1919 وميثاق الأمم المتحدة 1945 :

تضمن صدر الاتفاقية بيانا لأغراضها، من تنمية التعاون الدولى لتحقيق الأمن والسلام الدولى والالتزام بقواعد العدل والعلاقات الطيبة بين الدول؛ طبقا لمفاهيم القانون الدولى واحترام كافة مواد الاتفاقية فى تعامل الدول الموقعة عليها فيما بينهم.

وحددت المادة 22 من الاتفاقية وضع المستعمرات والأراضى التى فقدت استقلالها نتيجة الحرب، وإمكان علاج ذلك بنظام الوصاية التى تعد شعوب تلك الدول للترقى مشيرة الى أن بعض الشعوب التى كانت تخضع فى الماضى لحكم الدولة العثمانية مؤهلة للاستقلال تحت إشراف الدول الوصية عليها والتى يترك لها تقدير مدى تأهيلها للانفراد بحكم نفسها.

ومن مراجعة كافة شروط الاتفاقية يمكن القول بأن هذه الاتفاقية هى اللبنة الأولى لسياسة العولمة التى يبشر بها المستعمر الغربى لإحكام سيطرته على العالم اذ تدعو لوضع قانون دولى، وتقنن حق الوصاية للدول العظمى على الدول النامية. ثم تلتها اتفاقية هيئة الأمم عام 1945 أكثر تعبيرا للمقصود من العولمة من اقتراح إنشاء بنك دولى ومحكمة دولية وبرلمان دولى وغير ذلك من المؤسسات الدولية التى تحجب عن الدول حقوقها القائمة وهويتها الخاصة بها وبشعوبها؛ لتصبح رهينة حكم قطب واحد فى نهاية الأمر.

ويرى البعض أن العولمة بدأ التفكير فيها فى الثمانينيات مرافقة لصعود ثورة الاتصالات التى كانت من مكوناتها الأساسية (السيد ياسين ) ولكنى أرى أنه من واقع نصوص اتفاقيتى غصبة الأمم وهيئة الأمم فإن فكرة العولمة صاحبت نهاية الحربين العالميتين الأولى والثانية وأن الغرض الحقيقى للعولمة هو تبرير أوضاع الاستعمار لصالح قطب واحد يدور العالم فى فلكه وهوما حذر منه كبار العلماء والمفكرين الاقتصاديين مثل (جون ماينارد كينز) و(هانز هايمان) إذ نبه الأخير فى كتابه بعنوان"خطة للسلام الدائم"عن تأييده أصلاً لمشروع البنك الدولى كأداة لحسن توزيع الثروة بين الأمم، ولكنه يتحفظ على ذلك بقوله" إن نظاما ماليا يقوم على بنك مركزى هام واحد"، أو تتولاه حكومة دولة كبرى واحدة يؤدى الى القضاء على التوازن الدولى ويكون سبباً مباشراً أو غير مباشر لاندلاع حرب دولية".

Page 7

فالعولمة بدأ الحديث عنها ومحاولة تنقيتها من شوائبها بالتحذير من تسلط دولة أو قطب أوحد على مصير العالم، والنصح بمراعاة الشرائع والتقاليد الخاصة بكل دولة.

ونعود للكلام عن اتفاقيتى عصبة الأمم وهيئة الأمم وأثرهما على أوضاع الدول العربية و الإسلامية، وهى المنطقة التى كانت تعرف باسم الشرق الأدنى فأصبحت تسمى الشرق الأوسط وهو الاسم الذى حرصت عليه بريطانيا بدعم من إسرائيل وعملتا على إقراره دولياً لخدمة مصالحهما الاستعمارية التوسعية والإعداد لضم إسرائيل التى تحدث عنها تصريح بلفور عام 1917 ،فنقول إنه بينما أنشئت عصبة الأمم بغرض القضاء على الحروب وإشاعة روح السلام بين الدول، فإنها أسفرت فى الواقع عن إشاعة روح البغضاء وولدت الرغبة فى الانتقام لدى الشعب الألمانى الذى كبلته نصوص الاتفاقية بقيود والتزامات فوق طاقته المالية والاقتصادية، مما أدى الى انهيار قيمة المارك الألمانى، ونزلت به الى الحضيض إضافة الى فقدانها لبعض أراضيها لصالح فرنسا والدول المتاخمة لها ؛لذلك فإنه لم يكد ينقضى على إبرام صلح فرساى واتفاقية عصبة الأمم ربع قرن من الزمان حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية عام1935ودامت لأكثر من أربع سنوات لاقى فيها كلا الجانبين المتحاربين أهوالاً جساماً حتى أن الولايات المتحدة استعملت خلالها القنبلة الذرية ضد اليابان مما حرض الكثير من الدول الأخرى أوروبية وآسيوية بعد الحرب إلى صناعة القنبلة الذرية كسلاح ردع ضد أى عدوان محتمل. وقد انتهت الحرب باستسلام كل من ألمانيا واليابان وأبرم صلح مقترن بميثاق جديد باسم ميثاق الأمم المتحدة فى 26 يونيو1945ودخل حيز التنفيذ فى 24 أكتوبر من نفس السنة وجاء فى ديباجته ما يأتى:

نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد عقدنا العزم:على أن ننقذ الأجيال القادمة من ويلات الحرب التى فى خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية أحزانا يعجز عنها الوصف، وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الانسانية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره، وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية ، وأن نبين الأحوال التى يمكن فى ظلها تحقيق العدالة واحترام الالتزامات "الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولى وأن ندفع بالرقى "الاجتماعى قدماً، وأن نرفع مستوى الحياة فى جو من الحرية أفسح.

ولم تكن أغراض هيئة الأمم تختلف كثيرا عن سابقتها من حيث الدعوة الى الالتزام بالتوقف عن الحرب والاتجاه الى أساليب السلام فى فض المنازعات بين الدول.

ولما كان ميزان القوى بعد الحرب العالمية الثانية قد اتجه الى الولايات المتحدة التى قادت الحلفاء الى النصر بقواتها وأموالها فإن ميثاق هيئة الأمم أفاض فى سرد المزايا التى سوف تعود على الشعوب والدول التى تنضم اليها، وكالعادة وعدت الوثيقة باحترام حقوق كافة الدول كبيرها وصغيرها، ومنع العدوان وإذ كررت الحديث عن البنك الدولى ومحكمة العدل الدولية فإنها حددت مؤسسات هيئة الأمم فى "جمعية عامة" تضم كافة الدول التى تنضم لعضويتها و"مجلس أمن" من الدول الخمس الكبرى التى ساهمت فى النصر وهى الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا كأعضاء دائمين ومن ستة أعضاء تنتخبهم الجمعية العامة كأعضاء غير دائمين. كما منح الأعضاء الدائمون حق الفيتو(الاعتراض ) على قرارات مجلس الأمن، وهو ما أتاح للولايات المتحدة تعطيل تنفيذ كثير من قرارات مجلس الأمن المنصفة للفلسطينيين والعرب كما يعرف العالم أجمع.

ولم يكن مصير هيئة الأمم إزاء هيمنة الولايات المتحدة عليها، بأفضل من عصبة الأمم فى شأن تحقيق الأمن والسلام بين الدول، بل تفاقمت الخلافات والأزمات الدولية نتيجة ظهور القطب الأوحد وأخذت الولايات المتحدة تدفع بهيئة الأمم إلى التخلى عن أداء واجباتها حيال من لا يخضع لسياسة أمريكا وأدى ذلك الى اندلاع الحرب فى آسيا و فى فيتنام وفى جنوب إفريقيا وزامببا وفلسطبن وغيرها.

ولعل إساءة تنفيذ أحكام الوصاية والانتداب التى كانت مقررة لصالح الدول النامية لانتشالها من التخلف والأمية ومساعدتها على التقدم نحو الاستقلال هو من أهم أسباب فشل هيئة الأمم فى حل المنازعات الدولية وفقدان ثقة الشعوب فى نوايا الولايات المتحدة نحو محاربة الاستعمار ومنح الشعوب حقها فى تقرير مصيرها ناهيك عن الدعوة التى تتزعمها الولايات المتحدة من أجل تحقيق أغراضها حيال العولمة ومشروعها الخاص بالشرق الأوسط الجديد دون اكتراث برغبات الشعوب وحاجتها فى الاحتفاظ بكيانها وهويتها وعقائدها ومقدساتها الموروثة وهو ما حذر المفكرون من مغبته إبان صلح فرساى مطالبين بعدم انفراد دولة واحدة بالسيطرة على العالم وضرورة احترام طبيعة كل شعب وإرادته وتقاليده.

الخيانة إذن التى يهمنا نحن العرب المسلمين الكشف عنها هى الخيانة الاستعمارية الصليبية المستمرة والمتفاقمة فى صور شتى منها محاولة القضاء على الهوية الروحية الاسلامية من خلال الدعوة والتبشير بمبادئ العلمانية أو ضم الشعوب العربية فى بوتقة واحدة من خلال مشروع العولمة من أجل ترسيخ دولة إسرائيل العنصرية الغاصبة، فى جسد البلاد المعتدى عليها تنفيذا لخطة ماكرة أعدها المحافظون الجدد فى الولايات المتحدة وجلهم من عتاولة الصهيونية السياسية التى نجحت فى تسيير دفة الحكم الأمريكى من وراء الستار.

Page 8

* العولمة

أحس الساسة والاقتصاديون الأوروبيون إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى وما خلفته من دمار شامل لاقتصاد بلادهم وتخريب فى أوضاعهم الاجتماعية ، أن الحاجة ماسة لإنشاء مؤسسات دولية تعمل على اشاعة روح التضامن بين الدول كافة كبيرها وصغيرها الغنى منها والفقير، وضمان توزيع الثروات الطبيعية بين الجميع، وتيسير الانتقال والاتصال بين الشعوب، والسعى فى نشر التعليم لدى الشعوب الفقيرة والنامية، ومهدوا لذلك عن طريق إنشاء (بنك مركزى دولى) و(محكمة عدل دولية) يتولى أولهما مشروعات الإعمار والتنمية وتتولى الثانية فض المنازعات بالطرق السلمية تجنباً لقيام حروب مستقبلا، وأشير الى ذلك صراحةً فى ميثاق عصبة الأمم كما أوضحنا فيما سلف؛ على أن تلك المبادئ السامية والمحايدة لم تؤت ثمارها على أرض الواقع حيث انحرفت عن مضمونها الدول الاستعمارية وخاصة فيما اتبعته من فرض عقوبات قاسية على ألمانيا وإهمال واجباتها حيال الدول المحتلة؛ تلك التى وضعت تحت الوصاية أو الانتداب حيث انحرفت الدول الاستعمارية عن حيدتها وعملت على استمرار احتلال الدول العربية الإسلامية فما خلصت من نير الاستعمار وما حصلت على الاستقلال بالمقاومة والجهاد الا فى الثلاثينيات من القرن العشرين بالنسبة للعراق، والأربعينيات للأردن وسوريا ولبنان، والخمسينيات لليبيا ،أما مصر فلم تنتزع اسستقلالها إلا عام 1956 بعد استعمار بريطانى دام سبعين عاما أو يزيد رغم رفع الحماية 1922 وحدث كل ذلك رغم إنشاء عصبة الأمم وهيئة الأمم وما تضمناه من وعود لتحقيق العدالة بين الدول فى مجال الحرية وتقرير المصير ويرجع ذلك الى استمرار الدول الاستعمارية الصليبية فى سياستها الرامية الى السيطرة على العالم تحت قيادة الولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل.

وكم حذر الساسة المحنكون والكتاب من ذلك الأسلوب الغاشم الذى وصفوه "غطرسة القوة"ومنهم وزير خارجية أمريكا السابق ". ويليام فولبرايت" فى كتابه الذى أشار فيه الى رغبة أمريكا فى الحلول محل هيئة الأمم كقطب أوحد بما تتمتع به من وفرة مالية عاونت بها أوروبا فى الخروج من أزمتها المالية بعد الحرب بمشروع مارشال وما تحقق لديها من قوة حربية ضاربة.

وقد هبت جماعة من كبار السياسيين بمناهضة سلوك الولايات المتحدة فى استعمالها لحق الفيتو فى أكثر من قضية دولية وخاصة فى شأن النزاع العربى الاسرائيلى وما تعده من مشروعها عن نظام دولى جديد رسمه لها مجموعة من المحافظين الجدد لديها ممن يطلق عليم وصف الصقور المنادين بالمواجهة والصراع سواء خلال فترة الحرب الباردة مع روسيا أو ضد العرب والمجاهدين الإسلاميين الذين يعتبرونهم الخطر الجديد بعد انحسار خطر الشيوعية.

ومن المناهضين للاتجاه الأمريكى السائد فى مخالفة ميثاق هيئةالأمم رئيسة وزراء بريطانيا. السابقة "مارجريت تاتشر" التى صرحت فى النادى الدولى للصحافة فى واشنطن بمعارضتها للنظام العالمى الجديد ودافعت عن حقوق الدول المستقلة محذرة من تحويل نظام الحكم فى بريطانيا لصالح مؤسسات أوروبية غير منتخبة كما هاجمت نقل القضاء البريطانى لمحكمة أوروبية، وانتقدت بمرارة الهجوم على السيادة الوطنية الذى تنامى لصالح النظام العالمى الجديد المقترح والذى تبنته الولايات المتحدة.

أما عن وقع نظرية العولمة والنظام العالمى الجديد لدى الدول العربية والاسلامية فالحق أن اقتران الأمر بالسيطرة الأمريكية التى لا تظهر تعاطفاً مع الإسلام أو العرب بل أظهرت انحيازاً تاماً لإسرائيل وأطلقت على المجاهدين وصف الإرهاب ظلما وما قاوموا الغزو الصليبى الصهيونى الا كما قاوم الجنرال ديجول ورجال المقاومة الفرنسيين الغزو الألمانى حين قتلوا الجنود الألمان ومن تعاون معهم من الفرنسيين باعتبارهم خونة مارقين، كل ذلك جعل من العرب فريقا أقرب الى فريق المناهضين للسيطرة الفردية وتنحية هيئة الأمم واللجوء الى حق الفيتوضد أى قرار يدين إسرائيل أو ينصف الفلسطينيين حتى أصبح العرب ينظرون الى الولايات المتحدة كخصم لدود لايصلح حكما فى نزاعهم مع إسرائيل.

إن المسلمين يؤيدون التعاون الدولى العادل ويؤمنون بحرية الانتقال والتجارة والعقيدة ، وهم الذين أنبأهم ربهم بأنهم خلقوا شعوباً وقبائل ليتعارفوا ولكنهم لا يتقاعسون عن الذود عن أرضهم وعرضهم ضد كل معتد غشوم.

إن العرب يؤيدون مبدأ انفراد كل دولة بكيانها وهويتها وعقائدها وأنه لا يجوز التنازل عن ذلك لجهات أو مؤسسات غربية أو شرقية كما أن لها تشريعاتها وقضاءها اللذين تأبى إخضاعهما لغير سلطانها وإنما تقبل التعاون مع المؤسسات الدولية فى شأن تعقب المجرمين فى الجرائم الدولية ومعاقبة المسئولين عنها.

وليس من سبيل الغلو فى القول بأن نُرجع أصل العولمة الى ظهور الرسالات السماوية التى حضت على التآخى بين الشعوب، والعدالة فى اقتسام المنافع والثروات بينها تحقيقا للصالح العام ودرءا للحروب المدمرة وما انتشار الاسلام وظهور الحضارة الاسلامية الا ترجمة واضحة لما نقول لأنها حضارة روحية علمية خلت من شوائب غطرسة القوة التى تحلت بها النعرة الأمريكية على نحو ما شهد به أحد كبار مسئوليها.

Page 9

* العلمانية

العلمانية ترجمة لكلمة " لاييك" الفرنسية وتعنى لا دينية. وهو ما يطلق على المدارس والمعاهد التى تخلو من التعاليم الدينية كمدارس الليسيه الفرنسية المنتشرة فى كافة البلاد ومنها مصر. وإن كانت الرغبة فى فصل الدين عن السياسة تروق للدول المسيحية الغربية التى لاقت من سيطرة الكنيسة ما لاقت خلال القرون الوسطى ، فإن العلمانية ليست من شيم المسلم ولا الإسلام حامل الرسالة الإلهية الأخيرة بشطريها الدينى والدنيوى، وليس بين المسلمين من يجحد ما آلت اليه الدولة الاسلامية فى أوج نهضتها من نهضة علمية أخلاقية عمت ربوع الدنيا فأخذت عنها الدول المسيحية الغربية خاصة علوم الطب والفلك والطبيعة والملاحة وأصول الحكم والديموقراطية الصحيحة..إن الإسلام وحكم المسلمين كان هداية فى أصول الحكم الرشيد والقضاء على العبودية والتمييز بين البشر ، والعدالة فى توزيع المال ،واحترام الأديان الأخرى حتى أن قرآنه خص السيدة مريم بأكمل الأوصاف وأعلى المراتب كما خص امرأة فرعون التى أغاثت وتبنت الرسول موسى بالذكر وحسن المآل...فلا محل للعلمانية بين المسلمين بل الواجب عليهم أن يتدارسوا أصول الدين الصحيحة ويعملوا بها فيما أمرت به أو نهت عنه ويصححوا مااعتراها من بدع لصقت بها فى أوقات ضعف الدولة الاسلامية لما تهافت الولاة على ملذات الدنيا دون اعتبار لليوم الآخر.

ولنا فى تاريخ العلمانبة التركية عبرة فرغم مرور قرن من الزمان أويزيد على حكم" أتاترك" المتبنى للنظام العلمانى بضراوة فإذا بنا اليوم نلمس الشعب التركى وقد غلبه حنينه لإسلامه من جديد.

الاسلام الصحيح سمو وارتقاء للروح والجسد، أما العلمانية وحدها فتوجه إلى المال والجاه ومتاع الدنيا مهما كانت اساليب الحصول عليه مما شجع على خلق الرأسمالية المادية البغيضة وما رافقها من فساد وجرائم واغتيال لحقوق الفقراء، فانتشرت الشركات الكبرى والمؤسسات العاملة فيما وراء البحار ومعها المصارف الدولية والصحافة العاملة لمصالحها فى مجال الترويج للاستهلاك بدلا من الادخار وصارت بعض الدول ذات الدخول المتواضعة عاجزة عن سد عوز مواطنيها الذين يتزايد نسلهم مما اضطرها الى الاقتراض وطلب المساعدات الخارجية وهى مدخل سلطان الدائن الأجنبى الذى تدفعه طبيعته العلمانية الى إخضاع المدين لسلطانه والخضوع لسياسته.وسوف أتطرق فيما بعد لتفاقم نفوذ الولايات المتحدة المانحة على الدول الاسلامية من خلال مشروعها عن الشرق الأوسط الجديد.

ولكن بقيت كلمة عن قبول بعض المسلمين لعقيدة العلمانية فنقول أوليس عجبا أنه فى الوقت الذى تناضل فيه إسرائيل لإثبات يهوديتها بأنها دولة يهودية عنصرية قاصرة على من يدين باليهودية لحما ودما وتصر على تسمية دولتها باليهودية وتنشط فى التنقيب عنن آثار اليهود تحت قبة المسجد الأقصى، نجد بيننا من يدعو الى العلمانية تخوفا من أن يكون الإسلام دين يقف عقبة فى سبيل التقدم مسايرا فى ذلك للتيار الصليبى الذى يترقب بنا النوازل ، أو جزعا من تنظيم الإخوان المسلمين وتفكيرهم السلفى الذى لا يمثل وحده الدين الإسلامى ويمكن بالمنطق الرشيد منازلتهم فيما يزعمون متى قضينا على الفساد وسياسة القهر التى تقوى من شأنهم، ولنكوَّن لهم قدوة من أنفسنا أولاً.ناهيك عن أن الدولة الاسلامية لم تنج فى مهدها من فرق وأحزاب معارضة كالخوارج والمعتزلة بل وبعض مدعى النبوة ولكن استمر الإسلام فى مسيرته قويا شامخاً بما فيه من مثل أخلاقية عليا وقواعد للحكم العادل الرشيد.

أوليس من الملفت للنظر أننا فى مصر نعدل مواد فى دستورنا ونمنع تكوين أحزاب سياسية إسلامية فى حين أن الحزب السياسى الذى يتولى الحكم فى ألمانيا الآن هو الحزب الديموقراطى المسيحى.

يقولون وينادون بالحوار بين الأديان فهل يجوز الحوار فى الرسالات الدينية الإلهية ، إن المطلوب هو شرح أصول الدين الاسلامى الصحيح فليهتدى بها من يشاء وليعرض عنها من يشاء فلسنا مبشرين أو مستعمرين وإنما هادين فلهم دينهم ولنا دين.

Page 10

الشرق الأوسط الجديد

فى 12 ديسمبر2002أعلن كولين باول وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك خطة حكومته لتنمية الشراكة فى الشرق الأوسط بهدف تحسين وضعه السياسى والاقتصادى والثقافى.

وفى 9 مايو2003 أكد الرئيس بوش فى خطاب له بجامعة جنوب كارولينا عزم بلاده على مد واقع التجارة الحرة بين الأردن وإسرائيل الى باقى بلاد الشرق الأوسط.

وحتى عام 1919 لم يكن تعبير" الشرق الأوسط" متفقا عليه سواء من الناحية السياسية أو الجغرافية حيث كانت المنطقة الممتدة من الصين شرقا حتى شاطئ المحيط الأطلنطى غربا مقسمة الى شرق أقصى وشرق أدنى ، ولكن بعد الحرب العالمية الثانية وفى ضوء نتائجها العسكرية والسياسية استقرت بريطانيا ومعها الولايات المتحدة على حصر منطقة الشرق الأوسط فى البلاد التى احتلها الحلفاء من إيران حتى ليبيا شاملة بلاد الشام وإسرائيل ومصر والى آخر ما وصلت اليه القوات البريطانية فى شمال إفريقيا ( برقة).

فمنطقة الشرق الأوسط التى عناها وزير خارجية الولايات المتحدة عام 2002ومن بعده الرئيس بوش عام2003 هى تلك التى تضم البلاد العربية مع إسرائيل ومن أجل تأكيد التطبيع الذى تنشده السياسة الأمريكية لصالح إسرائيل.

وهذه الخطة ما هى الا ترديد لمشروع امريكى سابق وضعه (آل جور) نائب الرئيس الأمريكى كلينتون ، باسم الكويز ( المناطق المؤهلة للتوريد) والذى يسمح بدخول البضائع والمنتجات العربية الى أمريكا دون قيود معفاة من الرسوم الجمركية اذا احتوت مكوناتها على إنتاج إسرئيلى بنسبة 17% ومشاركة إسرائيل فى الإشراف على تنفيذ الاتفاقية مع الدول العربية والولايات المتحدة .

ويتعين الانتباه بحذر إلى تلك الخطط الأمريكية الصهيونية ومعهما دول أوروبا الغربية والنظر اليها على أنها استئناف لمراحل الحروب الصليبية كما عناها الرئيس بوش فى أول خطاب له عقب تنصيبه والذى ادعى أنه زلة لسان ، فحقيقة الأمر أنها خطة رسمها أنصارجماعة المحافظين الجدد الأمريكيين من أجل تأسيس امبراطورية أمريكية كقطب واحد يسيطر على الكون كله ويستولى على آبار النفط سواء لدى ما سموه الشرق الأوسط أو إفريقيا بعد ذلك.

وإذا أردنا تركيز اهتمامنا على ما سوف تتعرض له مصر بالذات من جراء تلك الخطط الأمريكية الصهيونية فلنبدأ بالتعرف على الدولة المصرية أيام أسرة محمد على ؛ حين كانت ممتدة من بلاد الشام شمالا الى السودان وأوغندا حيث منابع النيل جنوبا ، والصحراء الغربية حتى برقة (سيريلنكا )غربا ، علاوة على بعض جزر البحر الأبيض المتوسط (صقلية) ثم كيف جار الاستعمار البريطانى والفرنسى والبلجيكى على هذه الدولة فسلخوا منها أوغندا للسيطرة على منابع النيل ثم جاءت حملة نابليون وتلاها الغزو البريطانى عام 1882 وكل ذلك بعد أن تآمروا على محمد على الذى بلغ من العمر عتياً فقضوا على أسطوله فى موقعة نفارين البحرية ثم خيروه بين التقوقع فى وادى النيل أوفقدان أسرته عرش مصر فاختار الأولى وخسرت مصر شامها وسودانها. وقد عنى الأمير عمر طوسون بشرح تلك المرحلة بتفصيل أوفى فى كتابه "جمهورية خط الاستواء".

وإن كان محمد على قد حرص على حكم الشام والسودان وأوغندا وتحقق له ذلك فلحرصه على حماية الأمن القومى لمصر التى طالما تعرضت للغزو من الشرق سواء أيام الهكسوس أو الفرس أو العثمانيين ومن شواطئ البحر الأبيض أيام الرومان والصليبيين ،فعنى بتأمين حدوده وبناء اسطول بحرى لصد العدوان.على أنه بعد معركة "نفارين" البحرية قويت لدى الدولتين الاستعماريتين بريطانيا وفرنسا نزعة السيطرة على مصر والسودان ومنطقة البحيرات فى أوغندا والاستيلاء على ما تزخر به بلاد إفريقيا من موارد طبيعية زراعية أو نفطية أومعدنية. إضافة الى الموقع الجغرافى المميز لمصر كمركز للإتصالات بين الدول.

فاستعمرت بريطانيا مصر والسودان وزامبيا بعد تغيير اسمها الى " روديسيا " نسبة الى "روديس" البريطانى الذى عين لحكم المستعمرة وتوطين البريطانيين الغزاة فيها بعد الاستيلاء على أرض الأهالى الأصليين ،كما امتد الاستعمار البريطانى وشركاؤه لجنوب إفريقيا واستوطنوها وحكموها حكماً عنصرياً باغياً وفى الحالتين ونتيجة للمقاومة الباسلة للشعبيين فى زامبيا وجنوب إفريقيا استردت تلك البلاد حريتها وسلطانها بعد إجلاء المستعمرين عنها.

ونتيجة لتطور العمليات الاستعمارية فى إفريقيا على النحو المشار اليه وإثر اختيار فلسطين بؤرة للغزو الصهيونى فى المنطقة وعلى حدود مصر الشرقية أصبح الأمن القومى لمصر مهدداً أشد التهديد خاصة مع السماح لإسرائيل بصناعة وحيازة السلاح الذرى فى ديمونة بمساعدة فرنسا مما ساعدها على الاستيلاء على سيناء المصرية مرتين ، الأولى خلال العدوان الثلاثى البريطانى الفرنسى الاسرائيلى سنة1956 والثانية فى حرب 1967ولم تسترد مصر أرض سيناء الا بعد حرب 1973 وما تم التوصل اليه من اتفاق فى صلح كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل وبمقتضاه وضعت قوات للأمم المتحدة على حدودها مع إسرائيل لضمان فك الاشتباك مستقبلا بين الدولتين.

ومما يجب أن يعيه المصريون جيداً أنه طالما بقيت إسرائيل متاخمة لحدود مصر الشرقية فإن أمن مصر القومى يكون مهددا خاصة وأن إسرائيل جهرت فى أكثر من محفل صهيونى عالمى عن أهدافها التوسعية لتصبح أكثر قدرة على إيواء أكبر عدد ممن يطلقون عليهم يهود الشتات. أضف الى ذلك الطبيعة العنصرية للدولة اليهودية وحيازتها للسلاح النووى الذرى بعيدا عن رقابة هيئة الأمم وخارج إتفاقية حظر السلاح النووى الدولية.

وإن كان الحفاظ على الأمن القومى متعذرا عن طريق الحرب الدفاعية أو المقاومة الشعبية المشروعة فهناك من الوسائل الوقائية الأخرى كقطع العلاقات السياسية مثلاً مع كل دولة تشكل أعمالها أو نواياهها تهديدا لأمن الوطن، ولنا فى سابقة قطع العلاقات السياسية مع الولايات الأمريكية نفسها عام 1967عندما ثبت تواطؤها مع إسرائيل فى عدوانها الخاطف علينا أسوة خاصة وأن إسرائيل الآن أصبحت أكثر تهديداً لأمن المنطقة العربية برمتها فلا هى تحترم شروط اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، ولا هى تنصاع لقرارات هيئة الأمم فى شأن حظر التسلح النووى ناهيك عن أسلوبها المراوغ فى شأن حل النزاع بينها وبين الفلسطينيين.