eKtab
EN ع
الخيميائي أسرار نيكولاس فلاميل
Read free sample

الخيميائي أسرار نيكولاس فلاميل

by مايكل سكوت

Page 1

كتاب " الخيميائي أسرار نيكولاس فلاميل " الاكثر مبيعا والمترجم لاكثر من ٣٠ لغة ، تأليف : مايكل سكوت ، والذي صدر عن : دار كتاب أديل “هذه رواية خيالية. وجميع ما تحويه من أحداث وحوارات وشخصيات — باستثناء بعض الشخصيات التاريخية والعامة الشهيرة — من نسج خيال الكاتب ولا تمت إلى الواقع بِصِلَة. وفي حالة ظهور شخصيات من الواقع أو شخصيات عامة، فإن جميع المواقف والشخصيات والحوارات المتعلقة بتلك الشخصيات تعد محض خيال ولا يُقصد بها تجسيد شخصيات حقيقية أو الحيد عن الطبيعية الخيالية البحتة للعمل. ومن النواحي الأخرى كافة، فإن أي تشابه بين ما يرد في هذا العمل وبين أي شخصيات قضت نحبها أو ما زالت على قيد الحياة هو من قبيل المصادفة.”

"حسنًا، أجيبيني: ما الذي يدعو شخصًا ما إلى ارتداء معطفٍ في سان فرانسيسكو في منتصف فصل الصيف؟" ضغطت صوفي نيومان بأناملها على سماعات البلوتوث في أذنيها إذ تحدثت.

على الجانب الآخر من القارة، سألتها إيل — صديقتها العارفة بشؤون الموضة — ببداهة: "ما نوع المعطف؟"

بعد أن مسحت يدها في قطعة القماش المثبتة على مئزرها، خرجت صوفي من خلف طاولة دفع الحساب في المقهى الخاوي على عروشه الذي تعمل به، وتحركت باتجاه النافذة لتنظر إلى رجالٍ يترجلون من سيارة في الجانب الآخر من الشارع. وردت على السؤال البديهي: "معاطف سوداء ثقيلة من الصوف. بل تخيلي أنهم يرتدون قفازات وقبعات سوداء. ونظارات شمسية." وأردفت وهي تضغط بأنفها على الزجاج. "بالنسبة لهذه المدينة، هذا أمرٌ غريب جدًا" .

"ربما كانوا من متعهدي الموتى،" هكذا اقترحت إيل وفي نبرة صوتها قرقعة وتقتطع عبر الهاتف الخلويّ. تناهى إلى مسامع صوفي صوت عالٍ وكئيب في الخلفية؛ ربما صوت مقطوعة لاكريموسا أو أمورفيس. لم تكن إيل قد تجاوزت بالكامل طور المزاج الموسيقي الجنائزي.

"ربما"، هكذا ردت صوفي، وبدا عليها عدم الاقتناع. كانت تتحدث عبر الهاتف إلى صديقتها حين وقعت عينيها قُبيل لحظات معدودة على السيارة غير التقليدية: كانت سيارةً طويلة وفارهة، وبدا وكأنها تنتمي إلى عصر الأفلام الأبيض والأسود. حين مرت السيارة من أمام النافذة، عكست النوافذ المعتمة ضوء الشمس، ولبرهة أضاءت المقهى بشعاعٍ ذهبي دافئ كاد يعشي بصر صوفي. وإذ أغمضت عينيها وفتحتهما حتى تبرأ من أثر النقاط السوداء التي تراقصت أمام عينيها، شاهدت السيارة وهي تستدير أسفل التل وتعود أدراجها ببطء. ودون سابق إنذار، توقفت السيارة على جانب الطريق أمام متجر الكتب المعروف باسم "المكتبة الصغيرة" قبالة المقهى.

وسط هذا المشهد، كانت إيل لا تزال على الخط، وجال بخاطرها اقتراح درامي بشأن أصحاب المعاطف السوداء: "ربما كانوا من المافيا، والدي يعرف رجلاً من رجال المافيا. ولكن سيارته من طراز بريوس".

قالت صوفي وهي تعيد النظر إلى السيارة والرجلين ضخمي الجثة الواقفين في الطريق متدثرين بالمعاطف الثقيلة والقفازات والقبعات وعيونهما مُستترة خلف نظارات شمسية كبيرة: "هذه السيارة ليست طراز بريوس بلا شك".

استدركت إيل: "لعلهم يشعرون بالبرد وحسب. ألا يصبح الجو باردًا في سان فرانسيسكو؟"

ألقت صوفي نيومان نظرةً سريعةً على الساعة ومقياس الحرارة المُعَلَّقَيْن على الجدار وراء طاولة دفع الحساب خلفها، وقالت: "الساعة الآن الثانية والربع هنا… ودرجة الحرارة 27مئوية." واستدركت قائلة: "صدقيني، إنهما لا يشعران بالبرد. لا بد أنهما سيهلكان من شدة الحر." ثم قطعت حديثها قائلة: "انتظري، شيءٌ ما يحدث".

Page 2

فُتِحَ الباب الخلفي للسيارة وترجل منه رجلٌ ثالث ربما أضخم من الاثنين الآخرَيْن. ولامست أشعة الشمس للحظة وجهه وهو يغلق باب السيارة، واستطاعت صوفي أن تلمح خلال هذه اللحظة وجهًا شاحبًا أبيض البشرة بياضًا يميل إلى اللون الرمادي، عليه أمارات المرض. عَدَّلَت صوفي الصوت في سماعات الأذن. وقالت لإيل: "حسنًا. عليك أن تشاهدي بأم عينك الشخص الذي ترجل توًا من السيارة. رجل ضخم له بشرةٌ رمادية. أكرر، بشرة رمادية. ربما يفسر ذلك الأمر؛ لعلهم جميعًا يعانون من مرض جلديّ ما."

ردت إيل: "شاهدت فيلمًا وثائقيًا على قناة ناشيونال جيوجرافيك عن أشخاص لا يمكنهم التعرض لأشعة الشمس …" كانت إيل تتكلم غير أن صوفي لم تعد تنصت لها بعد.

Page 3

فقد ترجل شخصٌ رابع من السيارة.

كان ضئيل البنيان حسن الهندام إلى حدٍ كبير، يرتدي حُلَّة أنيقة من ثلاث قطع لها لونٌ رماديٌ داكن تبدو عتيقة الطراز إلى حدٍ ما. ولاحظت صوفي أنَّ الحلَّة ليست مُفَصَّلةً خصيصًا لأجله. كان شعره الرمادي الفاتح معقوصًا من الخلف على هيئة ذيل حصان، وله وجهٌ نحيلٌ طويل ولحية مُهذَبة مثلثة الشكل يغلب عليها السواد وأصابها بعض الشيب وغطت فمه وذقنه. ابتعد الرجل عن السيارة ووقف تحت المظلة المخطَّطة التي تغطي أرفف الكتب الموجودة خارج المتجر. وحين التقط كتابًا يزدان غلافٌه بألوانٍ زاهيةٍ وأخذ يقلبه بين يديه، لاحظت صوفي أنه كان يرتدي قفازًا رماديًا. ولمع زرٌ لؤلؤي اللون حول معصمه تحت ضوء الشمس.

Page 4

قالت صوفي مخاطبةً إيل عبر سماعات هاتفها: "إنهم يهمون بدخول متجر الكتب."

على الفور سألتها إيل: "أما زال جوش يعمل هناك؟" تجاهلت صوفي نبرة الاهتمام المفاجئ التي اصطبغ به صوت صديقتها.

فقد كان إعجاب صديقتها المقربة بتوأمها أمرًا بالغ الغرابة بالنسبة لها. أجابت: "أجل. سأتصل به لأعرف ما يجري. سأعاود الاتصال بكِ على الفور." انهت صوفي المُكالمة ونزعت سماعتي الأذن وفركت أذنيها المُتهيجتيْن بينما حَدَّقَت ذاهلةً في الرجل الضئيل البنيان. كان هناك شيء ما يشوبه …شيءٌ غريب. حدثت نفسها أنه ربما كان مصمم أزياء أو منتج أفلام أو ربما كان مؤلفًا. فقد لاحظت أن بعض المؤلفين يطيب لها ارتداء حلل عجيبة. قررت أن تنتظر لدقائق معدودة حتى يدلف إلى المتجر، وبعدها ستتصل بتوأمها لتعرف ما يجري.

Page 5

كانت صوفي تهم بالالتفات عن النافذة حين استدار الرجل ذو الشعر الرمادي فجأة وبدا وكأنه يحدق فيها مباشرةً. وبينما وقف تحت المظلة ووجهه مُستتر تحت الظل، بدا لوهلة وكأن عينيه تلمعان.

كانت صوفي موقنة تمامًا بأنه من المستحيل أن يراها الرجل الضئيل البنيان. فقد كانت تقف في الجانب المقابل من الشارع خلف لوحٍ زجاجي تنعكس عليه أشعة الشمس اللامعة وقت الظهيرة. لا شك أنها ستكون خفية في الظلمة وراء الزجاج.

Page 6

ورغم ذلك …

ورغم ذلك، ففي اللحظة التي التقت فيها عيناهما، سرت في جسد صوفي قشعريرة وشعرت بنفحة من الهواء البارد تلفح رقبتها من الخلف. هزت كتفيها وحركت رأسها قليلاً يمنةً ويُسرة، وخصلات شعرها الأشقر الطويل تنسدل على وجنتيها. لم يدم التواصل بالعينين بينهما إلا ثانيةً، بعدها أشاح الرجل الضئيل ببصره. لكن الانطباع الذي رسخ في ذهنها هو أنه نظر إليها مباشرةً.

وقبل أن يدلف الرمادي البشرة ورفاقه الثلاثة بملابسهم الثقيلة أكثر من اللازم إلى متجر الكتب بلحظة، استقر رأي صوفي على أنه لا يروق لها.

✧ ✧ ✧

Page 7

نعناع.

وبيض فاسد.

"يا للقرف!". وقف جوش نيومان وسط قبو المتجر وتنفس بعُمق. ما مصدر تلك الروائح الكريهة؟ نظر حوله إلى الأرفف المُتخمة بالكتب عاليًا وصولاً إلى السقف وتساءل عما إذا كان شيء قد زحف خلفها ونَفَقَ. ما الذي يمكن أن يُفسِّر تلك الرائحة النتنة؟ دائمًا ما انبعثت من القبو الصغير الضيق رائحة جافة وعتيقة وعَجَّ هواؤه بروائح لفافات الورق الجافة، مختلطةً بالعبق الغني لأغلفة الكتب الجلدية القديمة وبيوت العناكب المُغبرة. أحبَّ جوش هذه الرائحة ولطالما اعتقد أنها دافئة ومريحة، كروائح القرفة والتوابل التي ارتبطت في ذهنه بأعياد الميلاد.

Page 8

نعناع.

ولمَّا كانت الرائحة قوية وحادة، فقد اخترقت أجواء القبو القريب. كانت تلك رائحة معجون الأسنان الجديد أو الشاي بالأعشاب بأنواعه المختلفة الذي تقدمه أخته لرواد المقهى في الجهة المقابلة من الشارع. طغت الرائحة على روائح الجلد والأوراق الأقوى، وكانت شديدة جدًا حتى أنه شعر بوخزٍ في جيوبه الأنفية؛ بل وشعر وكأنه على وشك أن يعطس في أية لحظة. انتزع سماعات جهاز الآيبود من أذنيه بسرعة: لم يكن العطس أثناء ارتداء السماعات فكرةً سديدةً، حيث يُحْدِث قرقعة في الأذنيْن.

بيض.

Page 9

كريهة ومنتنة – مَيَّزَ جوش رائحة البيض الفاسد الكبريتية. فقد حجبت رائحة النعناع النفَّاذَة …وكانت مقززة. كان بوسعه أن يشعر بالرائحة النتنة تغطي لسانه وشفتيه، وبدأ يشعر بحكَّة في جمجمته كما لو أن شيئًا يزحف فيها. مرر جوش أنامله على شعره الأشقر الكثيف وسرت في جسده قشعريرة. لا بد أن البالوعات انسدت.

بعد أن ترك سماعات الآيبود تتدلى على كتفيه، طفق جوش يفحص قائمة الكتب الموجودة بين يديه، ثم نظر إلى الأرفف مرةً أخرى: الأعمال الكاملة لتشارلز ديكينز، سبعة وعشرون مجلدًا، بغلاف جلديّ أحمر. حسنًا، أين يمكنه أن يجد هذا الكتاب الآن؟

Page 10

كان جوش قد التحق بالعمل في المكتبة منذ ما يقرب من شهرين، وحتى هذه اللحظة لم تكن لديه أدنى فكرة عن مكان محتوياتها. لم يكن ثمة نظام لأرشفة الكتب …أو بالأحرى، كان هناك نظامٌ ولكنه لم يكن معروفًا إلا لنيك وبيري فليمنج مالكا متجر الكتب. كان بوسع نيك أو زوجته أن يصلا إلى أي كتاب سواء داخل المتجر أو في القبو في غضون دقائق وحسب.

هَبَّت نفحة من رائحة النعناع تبعتها مباشرةً رائحة بيض فاسد فاحتلت المكان مجددًا. وسعل جوش وأحسَّ بأن عينيه مغرورقتان. كان هذا مستحيلاً! بعد أن دَسَّ قائمة الكتب في جيب من جيوب سرواله الجينز والسماعات في جيب الآخر، شق جوش طريقه عبر أكوام الكتب والصناديق متجهًا إلى الدرج. لم يكن بوسعه أن يبقى دقيقةً أخرى مع هذه الرائحة. فَرَكَ عينيه اللتين كان يشعر بوخز شديد فيهما حينها براحتي يديه. ودفع نفسه إلى الدور العلوي مستعينًا بدرابزين الدرج. كان بحاجة إلى نسمة من الهواء العليل وإلا استفرغ. ولكن، ولبالغ الدهشة، كلما ازداد قربًا من أعلى الدرج، زادت الرائحة قوة.