eKtab
EN ع
الكل رابح
Read free sample

الكل رابح

by غازي تشابمان

Page 1

مقدِّمة

منذ ما يتجاوز الثلاثين عامًا والأزواج يدخلون إلى مكتبي التماسًا للعون. وهم يأتون بدون استثناءٍ تقريبًا بسبب نزاعاتٍ لم تُحَلّ. كان جدلهم قد طال حتَّى أصبح كلٌّ منهما يعرف ما سيقوله الآخر ويتكهَّن بما سيقدِّمه من حُجَج، غير أنَّ الحلَّ استعصى عليهما. وها إنَّهم الآن يلتمسون المساعدة من قِبَل أُناسٍ محترفين. من ناحيةٍ أخرى، غالبًا ما كنتُ أشعر بأنَّهم ينظرون إليَّ كقاضٍ أكثر منِّي مرشدًا، آملين في سِرِّهم أنْ أُعلنَ أنَّ الشريك مذنبٌ بتهمة عدم التفكير المنطقيِّ وبطلب أمورٍ غير معقولة.

ولأنِّي مرشدٌ ولستُ بقاضٍ، فقد بدأتُ المَهمَّة الشاقَّة في الإصغاء إلى شكاواهما. إذ يُعيدا على مسامعي خطبهما المستهلَكة وكلٌّ منهما واثقٌ بأنِّي سأَرى صوابَ موقفِه وعقلانيَّتَه. ومع أنِّي أُصغي بعنايةٍ واهتمام وأقومُ بتسجيل الملاحظات، فإنَّ اهتمامي بما هو منطقيٌّ وعقلانيٌّ ليس بقدر اهتمامي بالعلاقات. لطالما أدركتُ أنَّ كلًّا منهما يريد في أعماقه ما هو أكثر من إيجاد حلولٍ للخلافات. إنَّ ما يتوقان إليه حقًّا في أعماق قلبيهما هو علاقةٌ أفضل. وتوجد خلف شعور الإحباط الذي ولَّدته النـزاعات القائمة، رغبةٌ في التوافق والانسجام.

إنَّ ما يرعى علاقات المحبَّة هو التفاهم وليس كَسْبَ المجادلات. وهكذا بدأتُ في طَرْحِ سؤالٍ مثل، ‘‘كيف تشعرين عندما تخرج هذه الألفاظ من فمه؟’’ أو ‘‘ما الذي تشعرُ به في أعماقك حين تسمعها وهي تبدي تلك الملاحظة؟’’ إنِّي أصغي، وأُدوِّن الملاحظات، وأطرح المزيد من الأسئلة سعيًا لاكتشاف المشاعر الكامنة وراء النـزاعات. لن يكون حلُّ نـزاعٍ ما ناجحًا أبدًا، ما لم نفهم أوَّلًا المشاعر التي تكمن وراءه.

كذلك أطرح أسئلةً على الأزواج تتعلَّق بالقيم: ما سبب الأهمِّيَّة البالغة التي تعلِّقها على هذا الأمر؟ في غالب الأحيان، تكشف الإجابة عن هذا السؤال القِيَم التي خَلقتْ خلافًا في البداية. إنْ لم أعرف قِيَمَهما ولم أفهمها، فلن أفهم أبدًا سبب الاستياء الكبير لكلٍّ منهما في ما يتعلَّق بالقضايا المطروحة. وكَوْني مرشدًا، فإنِّي أفعل لهؤلاء الأزواج ما لم يتعلَّموا قطُّ أن يفعلوه لأنفسهم: أنِّي أسعى إلى أن أفهمهم. والفهم يعزِّز حلَّ النزاع والانسجام.

عندما أجريتُ البحث الخاصَّ بكتابي فصول الزواج الأربعة (The Four Seasons of Marriage)، التقيتُ بمئات الأزواج الذين أقرُّوا بأنَّ زواجهم هو زواج ‘‘شتاء’’؛ إذ إنَّه يتَّسم بالغضب، وخيبة الأمل، والشعور بالوَحدة، والسلبيَّة، وثبوط الهمَّة، والإحباط، وفقدان الأمل. كانت علاقاتهم متحفِّظةً باردة تسودها القسوةُ والمرارة. لقد شعروا بأنَّهم وحيدون وقد طُعنوا في ظهورهم. إنَّهم يربضون تحت قبابِهم آملين في حلول فصل الربيع، ولكنَّ الربيع لم يأتِ أبدًا بالنسبة إلى الكثيرين.[1]

Page 2

إنَّ معظم هؤلاء الأزواج قد بدأوا زواجهم في فصل الربيع. كانت لديهم تصوُّراتٌ عظيمة لحياةٍ سعيدةٍ يمضيانها معًا. وقد عقدوا العزمَ على أن يمنح كلٌّ منهما شريكه أقصى درجات السعادة. تصوَّروا أنَّ الحياة ستكون جميلة. ولكنَّ بعض هؤلاء الأزواج قدِ انتقل مباشرةً من الربيع إلى الشتاء، مُتخطِّيًا الصيف والخريف كلَيهما.

وتمكَّن آخرون من النظر إلى الوراء، إلى فصلٍ في زواجهم قد مضى، حين كانَتِ الأزهار متفتِّحةً زاهية، وكانَتِ الشمس مشرقة، والآن عليهم أن يُقرُّوا بأنَّ الأزهار قد ماتت منذ زمنٍ طويل.

ما الذي جعل هؤلاء الأزواج ينتقلون من تطلُّعاتِ وآمالِ الربيع إلى قسوةِ الشتاء في علاقتهم الزوجيَّة؟ تتضمَّن العمليَّة- بدون استثناء تقريبًا- نزاعاتٍ لم تُحَلّ. تطفو الاختلافات على السطح، ويسبِّب بعضها الشقاق. لم يتلقَّ الأزواج تدريبًا على كيفيَّة حلِّ النـزاعات، ولهذا ينتهي كلُّ طرفٍ إلى محاولة إقناع الطرف الآخر بصلاحيَّة وجهة نظره من خلال مناقشاتٍ تُستخدم فيها عباراتٌ متأنِّيةٌ ومنتقاة. وعندما لا تُفلح المناقشات في الإقناع، يُعيدان تكرار تلك العبارات بلهجةٍ أحدّ، ويلوم كلٌّ منهما الآخر على عدم عقلانيَّته والتزامه بالمنطق السديد. وفي النهاية، بعد أن يكون الجدال قد أنهكهما، يبتعد كلٌّ منهما عنِ الآخر، وتنشر برودة الشتاء أجنحتها على الزواج.

يواجه الأزواج المصاعب في فصول الزواج الأربعة كلِّها. وأولئك الذين يتعلَّمون أن يحلُّوا نزاعاتهم، يكون ربيعُ وصيفُ زواجهما أطول. أمَّا الذين يخفقون في حلِّ خلافاتهم، فإنَّهم سيَنْساقون لا محالة إلى زواجِ خريفٍ أو شتاء. إنَّ هذه النـزاعات العالقة تخلق شعورًا باليأس بالنسبة إلى العديد من الأزواج. فهم لا يرَون أمامهم سوى خِيارين: أن يُبقوا على زواجٍ يكونون فيه بائسين، أو يفسخوا زواجهم آملين في وجدان شخصٍ في مكانٍ ما في المستقبل يكونون معه في حالٍ ‘‘أكثر انسجامًا’’. إنَّ الذين يختارون الخيار الأخير، يفشلون في إدراك أنَّه ما من زواجٍ يخلو من خلافات.

إنِّي أعتقد أنَّ هناك خِيارًا ثالثًا: الأزواج الذين يتعلَّمون كيفيَّة حلِّ نزاعاتهم دون مجادلة، يحوِّلون برودة الشتاء إلى آمالِ ووعودِ الربيع. مهما كان فصل زواجك- سواءٌ أَربيعًا كان أم صيفًا أم خريفًا أم شتاءً- فإنِّي أعتقد أنَّ علاقتك ستصبح أقوى وأمتن إنِ استطعتَ أن تتعلَّم فنَّ حلِّ الخلافات بطريقةٍ إيجابيَّة.

إنَّ هدفي من كتابة هذا الكتاب المختصر هو مساعدتك على تعلُّم كيفيَّة فَهْم الشريك بحيث تستطيع أن تحلَّ الخلافات لا أن تكسب (أو تخسر) جدالًا ما فحسب. حين تكون الرابح في مجادلةٍ ما، فهذا يعني أنَّ الشريك هو الخاسر. وكلُّنا يعلَمُ أنَّ الحياة مع شخصٍ خاسرٍ ليست بممتعة. عندما تحلَّان خلافًا ما، فإنَّكما تكونان كزوجَين رابحَين كلَيكما، وتصبح صداقتكما أقوى. تُبنى الزيجات الناجحة على علاقة الصداقة لا على كَسْبِ المجادلات.

وضعتُ هذا الكتاب لأجل الأزواج الذين لن يلتمسوا أبدًا خِدمات شخصٍ محترفٍ يقدِّم المشورة، غير أنَّهم يرغبون بشدَّةٍ أن يتعلَّموا كيفيَّة حلِّ الخلافات. لقدِ اخترتُ أن أستخدم في كتابتي لغةَ الحياة اليوميَّة لا المصطلحات الفنيَّة المُغرِقة في تِقنيتها، كما لم أستخدم مفاهيمَ لاهوتيَّةً رفيعة. إنَّ ما أرغب فيه هو أن يعمل هذا الكتاب على تعزيز نوعيَّة زواجك، وذلك بتعليمك كيفيَّة حلِّ النـزاعات دون جدال.

Page 3

1 - ما مساوئ الجدال؟

فَلْننطلقْ من البداية. ثَمَّة احتمالٌ بأنْ تكون قد وقعتَ في حبِّ شريكك في مرحلة المواعدة قبل العلاقة الرسميَّة. فكان يعجبك ما تراه، كما كنتَ تستمتع بقضاء الوقت مع الشريك. وقد كان بإمكانكما أن تتحدَّثا لساعات، وكان الشريك إذ ذاك أروعَ إنسانٍ يمكن تصوُّره. باختصار، فقد كنت متيَّمًا. قد تكون مرحلة التودُّد والمغازلة قد دامت مدَّةً طويلةً أو قصيرة، ولكنَّ مشاعرك الإيجابيَّة قادتك إلى مذبح الزواج حيث التعهُّد بمحبَّة الشريك واحترامه‘‘في السرَّاء والضرَّاء؛ في المرض والصحَّة، طالما أنتما على قيد الحياة’’. إنَّ العهود التي قطعتُماها لبعضكما كانت وعودًا هائلة، لكن في ذلك الوقت كنتما تنويان الالتزام بها. لقد كنتما عالقَين في تيَّار الحبِّ، وكان كلُّ شيءٍ يبدو سهلًا إلى حدٍّ كبير بالنسبة إليكما. مع أنَّك أدركتَ أنَّ ثَمَّة اختلافات بينك وبين الشريك؛ فإنَّك لم تعتقد قطُّ أنَّ نقاط الاختلاف تلك ستصبح في أحد الأيَّام عامل شقاق.

لسوء الحظ، فإنَّ متوسط مدَّة إحساس المحبِّين بالسعادة والغبطة هو سنتان.(2) ومن ثَمَّ نعود إلى عالم الواقع حيث تصبح نقاط الاختلاف النظريَّة حقيقةً واقعة. إنَّنا ننظر إلى بعض هذه الاختلافات حاسبين إيَّاها أمورًا مفيدة. يحبُّ آلان أن يطهو؛ بينما لا تحبُّ نانسي ذلك، فهي تحبُّ تنظيف المائدة وغسل الأطباق؛ ولا يحبُّ آلان القيام بهذه الأعمال. إنَّ هذه الاختلافات تؤدِّي إلى اختبار وقت طعامٍ يسوده التآلف والانسجام. يعمل آلان ونانسي معًا كفريق، يستخدم كلُّ واحدٍ منهما خبرته لفائدة الآخر. وهما يختبران بهجة التآلف والانسجام، وقد يعبِّران عنها بعبارات مثل: ‘‘لقد خُلِق كلٌّ منَّا للآخر’’،‘‘نحن متلائمان تمامًا’’، ‘‘لا يمكن أن تكون الحياة أفضل ممَّا هي عليه’’، و‘‘إنِّي سعيد جدًّا لأنِّي تزوَّجت بك’’. حين يُنظَر إلى الاختلافات كمكاسبَ وأمورٍ مفيدة؛ وحين يعمل الزوجان معًا بتناغم وانسجام، تغدو الحياة حينئذٍ جميلة.

قد تصبح اختلافاتٌ أخرى عاملَ شقاق. فمثلًا، يحبُّ بوب الرياضة ويُمضي كلَّ ليلة إثنين في مشاهدة مباريات كرة القدم الأميركيَّة. تقول جيل: ‘‘لعبة كرة القدم جيِّدة بالنسبة إلى اللاعبين الذين يكسبون ملايين الدولارات من سَحْق بعضهم البعض بأجسادهم، ولكن، ما الذي يجعل الناس يبدِّدون حياتهم في مشاهدة أشخاصٍ آخرين وهم يلعبون لعبةً سخيفةً كهذه؟’’ من المؤكَّد أنَّ الرجل الذي تزوَّجتُه هو أذكى من ذلك.

Page 4

يقول بوب: ‘‘إنَّها طريقتي في الاسترخاء ليس إلَّا’’.

فتجيب جيل: ‘‘إنَّها طريقتك في تبديد حياتك’’.

‘‘لا بدَّ أنَّ مسًّا قد أصابكِ. كلُّ رجلٍ في العالم يشاهد مباراة ليلة الاثنين في كرة القدم’’.

‘‘الفاشلون فقط’’.

‘‘اسمعي، إنِّي أعمل خمسة أيَّامٍ في الأسبوع. فامنحيني فرصةً لأشاهدَ كرة القدم في ليالي الاثنين’’.

‘‘أنت تعمل بالتأكيد. وكذلك أنا. ولكن ماذا بالنسبة إلينا نحن كِلينا؟ لماذا لا نستطيع أن نمضيَ ليلةً معًا؟ إنَّها كرة القدم، والبايسبول، وكرة السلَّة، وسباقات السيَّارات. وإن لم يكن هناك شيءٌ ما آخر يجري، فإنَّك تشاهد مباريات المصارعة الغبيَّة. ليس هناك أيُّ وقتٍ لأجلنا’’. شرعتْ جيل في البكاء وغادرَتِ الغرفة. وأغلق بوب التلفاز وبدأت إذ ذاك المعركة الحقيقيَّة. أفسحت مباراة ليلة الاثنين في كرة القدم المكان لمباراة ملاكمة لفظيَّة. وقبل أن تنتهيَ الأمسيَّة، سيتبادل بوب وجيل الحُجَج حتَّى يَبلغوا حالةً من التعاسة القصوى.

Page 5

ما الذي أنجزتْه أمسيَّةٌ من الجدل والمماحكة؟ قد يقول البعض: ‘‘لا شيء’’، ولكنَّ هذا الجواب ليس إلَّا جوابًا ساذجًا. لقد حقَّق الجدال أمرًا مهمًّا. فمن جهة، خلق فجوةً عاطفيَّة أكبرَ بين الزوجَين اللذين صار كلٌّ منهما الآن ينظر إلى الآخر كعدوٍّ لا صديق. كذلك يشعر كلٌّ منهما بأنَّ الآخر غير عقلانيٍّ بل وغير منطقيٍّ البتَّة. وعلاوة على ذلك، فقد ثارت في نفسَيهما مشاعر الألم والغضب والحقد، واندفعتْ أسئلةٌ مُقلِقةٌ إلى ذهنَيهما:

‘‘ما الذي يدور في ذهنه؟’’

‘‘ما مشكلتها؟’’

‘‘لا أستطيع أن أصدِّق الأشياء التي قالتها’’.

‘‘كيف يمكنه أن يكون قاسيًا إلى هذا الحدّ؟’’

‘‘ما الذي جرى لحبِّنا؟’’

‘‘هل تزوَّجْتُ، يا تُرى، الشخص غير المناسب؟’’

قد ينتهيان حتَّى إلى النوم في تلك الليلة في غرفتَين منفصلتَين، أو إلى الاستلقاء على السرير نفسه ككتلة ساكنة قاسية وهما يستعيدان في ذهنَيهما تفاصيل ما قد دار بينهما من جدلٍ ونقاش. ومع أنَّ الجدال قد حقَّق أمورًا كثيرة، فإنَّه منجزاتِه جميعها كانت مدمِّرة.

Page 6

ربَّما كان الأمر الإيجابيُّ الوحيد الذي نتج عن هذا الجدال هو تعرُّف بوب وجيل على نقطة خلافٍ في زواجهما. لقدِ اكتشف كرهها الشديد لمتابعته مباريات ليلة الاثنين، واكتشفت هي أنَّه يجد متعةً كبرى في مشاهدة تلك المباريات في ليالي الاثنين. ولكن نظرًا إلى أنَّ الجدال لم يأتِ بحلٍّ للخلاف، فإنَّه أصبح يقف الآن كحاجزٍ عاطفيٍّ بينهما سيؤثِّر في أسلوب تعاملهما مع علاقتهما. والآن، سيشاهد بوب التلفاز كلَّ ليلةِ إثنين وهو واعٍ ومدركٌ كَوْنه يُثير استياء زوجته، كما ستقول جيل لنفسها وفي كلِّ ليلة إثنين: ‘‘إنَّه يحبُّ كرة القدم أكثر ممَّا يحبني. أيَّ نوعٍ من الأزواج هو؟’’

سنعود لاحقًا إلى بوب وجيل، ولكن أوَّلًا، فَلْأوضِحْ لكم ما أعنيه بكلمة يجادل أو يحاجج. إنَّها عبارةٌ معروفةٌ بشكلٍ أفضل في الميدان القانونيّ، حيث يقدِّم المحامون حُجَجهم وبراهينهم ليُبيِّنوا إمَّا أنَّ المُدَّعى عليه مذنبٌ أو غير مذنب. إنَّ هذه الحجج هي إفاداتٌ يُدلي بها المحامون بناءً على أدلَّةٍ قانونيَّة. وتهدف هذه الحُجَج إلى الاحتكام إلى حسِّ المنطق والعقل لدى هيئة المُحَلَّفين. إنَّ المعنى الذي يتضمَّنه هذا واضح: أنَّ أيَّ شخصٍ عاقلٍ سيتَّفق مع حجَّتي. قد يخاطب محامٍ ما أحيانًا عواطف هيئة المحَلَّفين من خلال عَرْضِ نواحٍ من القضيَّة تهدف إلى تحفيز اعتناق حُجَج الدفاع.

إنَّ الجدلَ وتقديمَ الحجج جائزان تمامًا في قاعة المحكمة. في الواقع، لا يمكن النظر في الدعاوى دون حُجَجٍ يتقدَّم بها الطرفان. يقدِّم محامِيا الطرفَين المتنازعَين بيِّناتهما وتفسيرهما لهذه البيِّنات، ساعِينَ إلى إقناع هيئة المحلَّفين بأنَّ موقفهم من القضيَّة هو الموقف الصحيح. كما يمكن أن يتعرَّض الشهود لاستجوابٍ دقيق، وأن يُعترَض على الأدلَّة المقدَّمة. بُنِيَ النظام القضائيُّ على افتراضِ احتمالِ تمكُّننا من اكتشاف الحقيقة في ما يتعلَّق بالذنب والبراءة من خلال الحجَّة المقدَّمة والردِّ عليها.

ومع أنَّنا نعلم أنَّ مبدأ العدالة لا يتحقَّق دائمًا في قاعة المحكمة، فإنَّ القضيَّة تُحلُّ على الأقلّ. ويُطلَق سبيل المُدَّعى عليهم ممَّن نالوا حُكمًا بالبراءة.

قد يكون على المدَّعى عليهم الذين ثَبتتْ إدانتهم دَفْعَ غرامةٍ للمتضرِّر، وقد يوضعون تحت المراقبة، أو قد يُسجنون تِبعًا لخطورة القضيَّة، ويمكن أن تُستأنف القضيَّة في إحدى المحاكم العليا. وفي كِلتَيِ الحالتين يُقدَّم المزيد من الحُجج لدى كلِّ محكمةٍ من محاكم الاستئناف، إلى أن يصدرَ الحكم النهائيّ. في كلِّ قضيِّةٍ من القضايا، يربح شخصٌ ويخسر آخر. وقد نسمع أحيانًا أحد المحامين يُصدر تصريحًا كأنْ يقول مثلًا: ‘‘مع أنِّي أعتقدُ أنَّ حُجَجنا كانت جيِّدة، فَيَبدو أنَّ هيئة المحلَّفين لم تقتنع بها’’. أو قد يقول المحامي الرابح: ‘‘لقد كسبنا قضيَّتنا. كانت الحُجَج قويَّة، وأعتقد أنَّ هيئة المحلَّفين قد عرفتْ أين هي الحقيقة’’.

Page 7

عندما تقرِّر مجادلةَ شريكك ومحاججته، فإنَّك تكون قدِ اخترتَ استخدام نظامٍ قضائيٍّ لإقناع الشريك بصواب موقفك. للأسف، إنَّ ما يعمل على نحوٍ جيِّدٍ ومناسب في ساحة القانون، يعمل على نحو سيِّئ جدًّا في العلاقة الزوجيَّة نظرًا إلى عدم وجود قاضٍ ليقرِّر ما إذا كنتَ أنت أو زوجتك ‘‘قد تجاوزتُما ما هو مسموحٌ به’’. سرعان ما تصبح المجادلات مثقَلةً بالانفعال، وقد ينتهي بكما الأمر إلى الصياح والصراخ، أو البكاء؛ وتتدفَّق من فم كلٍّ منكما عباراتٌ تغتال شخصيَّة أحد الطرفَين طبيعته؛ وتشكِّك في دوافعه؛ وتُدين سلوكه واصفةً إيَّاه بأنَّه سلوك خالٍ من المحبَّة واللطف والانضباط.

عندما تدخل في جدال، يكون هدفك هو نفسه كما سيكون في قاعة المحكمة: أنَّك تريد كَسْبَ القضيَّة. كما تريد أن تُبرَّأ ساحتُك وأن تَثْبُتَ التُّهَمُ على شريكك. إنَّ هذه هي خطورة الضرر الكبير في ما يتعلَّق بالجدال. إنَّه يؤدِّي في نهاية المطاف إلى إحدى ثلاث نتائج: (1) أنت تربح ويخسر الطرف الآخر؛ (2) أنت تخسر ويربح الطرف الآخر؛ (3) تتجادلان إلى أن تصلا إلى مرحلة التعادل. عندما ينتهي جدلٌ ما بالتعادل، فإنَّ الزوجَين يكونان خاسِرَين. فما من أحدٍ منهما قدِ اقتنع بحُجَج الآخر، فيَمضي كِلا الطرفَين بمشاعر من قبيل خيبة الأمل، والإحباط، والألم، والغضب، والمرارة، وغالبًا ما يشعران باليأس من زواجهما.

ليست أيَّة واحدة من تلك النتائج جيِّدة. قد يشعر الرابح للحظاتٍ أو لبضعة أيَّامٍ بالارتياح، ولكنَّ العيش مع الخاسر سيصبح في النهاية أمرًا غير محتمَل. سيَنسحب الخاسر من أيِّ جدالٍ كما يبتعد الكلب الذي جُلِد بالسوط ليلعق جراحه. إنَّها ليست صورةً جميلة، ولكنَّها خبرةٌ شائعة. في الواقع، إنَّها شائعة حتَّى إنَّ لدينا مقولةً بشأنها: ‘‘إنَّه قابعٌ في بيت الكلب’’[3]. إنَّ وجود أحد الزوجَين في بيت الكلب يعني أنَّه تسبَّب في استياء الآخر وعليه أن يعيش بعيدًا إلى أن يستطيع أن يجدَ مرَّةً أخرى حظوة لدى الشريك. عندما لا تجدُ الخلافاتُ حل؛ وعندما ينصرف الزوجان وعبارات التعنيف والإدانة اللاذعة تطنُّ في آذانِهما، فإنَّهما سيبتعدان عاطفيًّا عن بعضهما البعض ويأملان بقدوم أيَّامٍ أفضل. إن لم يأتِ يومٌ أفضل في موعده، فقد يسعيان في النهاية إلى العثور على‘‘شريكٍ أفضل’’، أو يُسلِمان زواجهما إلى فصل شتاءٍ بارد.

إنَّ أيَّ انتصارٍ يُحرَز من خلال الجدال سيكون انتصارًا قصيرَ الأجل. وسيعود الخاسر في نهاية المطاف بحجَّةٍ جديدة (أو حجَّة قديمة أُعيدَ تجديدها) في مسعى لإقناع الشريك مجدَّدًا. غير أنَّ الحجَّة التي أُعيد تجديدها ستنتهي أيضًا بإصدار حكمٍ بالربح أوِ الخسارة أوِ التعادل. وهكذا ترَونَ أنَّ المجادلاتِ لا تحلُّ شيئًا أبدًا؛ بل إنَّها بالأحرى تكشف عنِ الخلافات. وعندما يَظهَر خلافٌ ما، يجب على الزوجَين أن يجدا طريقةً لحلِّه بوقارٍ واحترامٍ للشخص الآخر. إنِّي أعتقد أنَّ هناك آلاف الأزواج الذين يودُّون تعلُّم كيفيَّة حلِّ الخلافات دون مجادلة. إنَّ هذا هو هدف كتابنا ما بين يدَيك.

وَضْعُ المبادئ موضعَ التطبيق

1. عدِّد ثلاثة مواضيع تجادلتما بشأنها أنت وشريكُك في السنة الماضية.

2. ما الذي تجده أكثر إيلامًا في ما يتعلَّق بالجدال؟

3. ما الذي حققَّه الجدال في زواجك؟

4. على مقياس من 1-10، إلى أيِّ حدٍّ أنت مستعدٌّ لإيجاد طريقةٍ أفضل لحلِّ الخلافات؟

Page 8

2 -ما سبب الأهمِّيَّة القصوى لحلِّ النـزاعات؟

تنشأ الخلافات أوِ النـزاعات من تفرُّد كلٍّ منَّا. لا يكمن الاختلاف بين الذكور والإناث فقط، بل إنَّ كلَّ فردٍ، سواءٌ أَذكرًا أم أنثى، هو متفرِّد بذاته. إنَّ جزءًا من تفرُّدنا مبنيٌّ على أساسٍ جينيّ. ويسَعُنا ملاحظةُ هذه الاختلافات في الجينات أكثر ممَّا نلاحظها في السمات الجسديَّة المميِّزة. إذ ليس ثَمَّةَ بصمتان متماثلتان تمامًا، كما أنَّ كلَّ شخصٍ يحوز تقاسيمَ وجهٍ فريدة. إنَّ هذا هو ما يسمح لنا نموذجيًّا بالتعرَّف بعضنا ببعض. أمَّا الاختلافات الأخرى فغير جسديَّة. وهي تقع أحيانًا في خانة ما يُسمَّى عادةً بالاختلافات في الشخصيَّة. على الرُّغم من أنَّك لا تستطيع أن تلاحظ هذه الفروقات بمجرَّد النظر إلى أحد الأشخاص، فإنَّها مع ذلك حقيقيَّةٌ تمامًا. عندما نستخدم كلمتَي ‘‘منطوٍ ومنفتح’’، فإنَّنا نَصِفُ اختلافًا في الشخصيَّة. وتظهر أوجه الاختلاف فيما بيننا في أسلوب أدائنا للمَهامِّ الضروريَّة في الحياة اليوميَّة، مثل تحميل جلَّاية الصحون، أو عصر أنبوب معجون الأسنان، أو تعليق لفافة ورق الحمَّام. كما أنَّنا نحوز أفكارًا مختلفةً في ما يتعلَّق بأسلوب تربية الأولاد، و طريقة قيادة السيَّارة، وكيفيَّة قضاء أوقات الفراغ، وآلاف من مجالات الحياة الأخرى. تنشأ نـزاعاتنا نتيجةً لهذه الاختلافات، ولكنِّي لا أعرف أحدًا يرغب في مَحْوِ هذه الاختلافات التي فينا بحيث يجعلنا جميعًا أشخاصًا مُستَنسَخين.

إنَّ إيجاد حلٍّ للخلافات لا يكون من خلال السعي إلى تحرير أنفسنا من أوجه اختلافنا، بل يكون بتعلُّم كيفيَّة جَعْل هذه الاختلافات مصدرَ قوَّةٍ لا مصدرَ خلاف. إنَّ هدف الزواج الناجح هو أن يتعلَّم الزوجان كيف يعملان معًا كفريق، مستخدمين أوجه الاختلاف بينهما لكي يجعلا الحياة أفضل لِكِلَيهما. وحلُّ الخلافات هو أحد الأساليب التي نعمل بواسطتها على تطوير عمل الفريق هذا. إنَّنا أحيانًا لا ندرك حتَّى ماهيَّة هذه الخلافات إلى أن ينشأ خلافٌ ما.

عندما أستخدم كلمة نزاعٍ أو خلاف، فإنِّي لا أكون بصدد الحديث بشأن اختلاف بسيطٍ في الرأي مثل أن يكون الأزرق هو لونها المفضَّل، والأصفر هو لونه المفضَّل. إنَّ هذا ليس خلافًا؛ إنَّه اختلافُ رأيٍ أو أفضليَّة. النـزاعات هي الخلافات التي تثير مشاعرَ قويَّةً لدى الزوجَين، ويؤثِّر خلاف الرأي بينهما في سلوكهما متسبِّبًا بالتنافر في علاقتهما. الآن، إن كان تفضيلُ الزوجة للَّون الأزرق، وتفضيل الزوج للَّون الأصفر يُطبَّق على طلاء الحمَّام، فقد يؤدِّي تمسُّكهما بأفضليَّاتهما إلى إثارة خلافٍ سيحاول فيه كلُّ واحدٍ منهما إقناع الآخر بطلاء الحمَّام بلونٍ معيَّن. يمكن أن يثور الخلاف في أيِّ مجالٍ من مجالات الحياة: قيادة السيَّارة، الطعام، النقود، الجنس، أهل الزوجة أوِ الزوج، الأمور الروحيَّة، أوقات الفراغ، تربية الأولاد، وهذا بعضٌ من كثير. ليسَتِ الخلافات بالضرورة أمرًا سيِّئًا– وهي أمرٌ لا مفرَّ منه في كلِّ زواج. والسبب البسيط الذي يجعل من المستحيل أن تكون متزوِّجًا دون وجود خلافاتٍ في زواجك هو أنَّك متزوِّج من شخصٍ- شخصٍ متفرِّد بخواصَّ لا يشاركه فيها أحدٌ آخر. إنَّنا لانهدف في الزواج إلى التخلُّص من الخلافات الزوجيَّة؛ بل إنَّ هدفنا بالأحرى هو حلُّ هذه الخلافات، وبالتالي تعلُّم كيفيَّة العمل بتآلف وانسجام، كعضوَين في فريق واحدٍ يتطلَّعان إلى تحقيق أهدافٍ مشتركة.

Page 9

حين ذكرتُ الخلاف حول لون طلاء الحمَّام، استعدْتُ في ذهني قصَّة زوجَين قدَّمتُ إليهما المشورة منذ سنواتٍ عدَّة. كان قد مضى على زواج جيري وآيريس عامان، وكانا يَرَيان أنَّهما في ربيع علاقتهما الزوجيَّة؛ وهكذا كانَتِ الحال إلى أن قرَّرا إعادة طلاء شقَّتهما الصغيرة. اتَّفقا حينها بسرعةٍ وسهولة على لون كلِّ غرفةٍ من غرف الشقَّة، إلى أن وصلا إلى الحمَّام. فقد أراد هو اللون الأزرق، بينما أرادَتْ هي اللون الأخضر. وقد فاجأهما أن يجدا نفسَيهما وهما يتجادلان بانفعالٍ حول أمرٍ أدرك كِلاهما أنَّه كان في النهاية تافهًا فعلًا.

ورغم ذلك، تشبَّث كلٌّ منهما بقوَّةٍ برأيه، حتى اتَّفقا بعد بضع جولاتٍ من الجدل على طلب المشورة.

قالت آيريس ‘‘إنَّنا في الواقع نشعر بالخجل من وجودنا هنا. ومع أنَّ الأمر أشبه بمسألةٍ تافهة، فإنَّه أصبح سببًا كبيرًا للشقاق في زواجنا. ونحن لا نريد أن ينتهيَ الأمر بنا إلى المشاجرة حول لون طلاء الحمَّام’’.

قال جيري وهو يرفع كتفه باعتذار: ‘‘إنِّي واثقٌ بأنَّك لم تستقبل أبدًا زوجَين جاءا لمقابلتك بخصوص اللَّون الذي يجب أن يطليا به الحمَّام’’.

ابتسمتُ وقلت له: ‘‘حسنًا، فَلْنطرَحِ المسألةَ على طاولة البحث ونناقشها’’. التفتُّ نحو آيريس وقلت لها: ‘‘إنِّي متأكِّدٌ بأنَّك قد شرحتِ لجيري جميع الأسباب التي دَعَتْكِ إلى اختيار اللَّون الأخضر لطلاء الحمَّام. إذًا، لماذا لا تُطلعيني أنا أيضًا على هذه الأسباب؟’’ قرأَتْ آيريس قائمتها ورحتُ أسجِّل الملاحظات. وعندما انتهتْ قلتُ لها: ‘‘إنَّ أسبابكِ منطقيَّة جدًّا. يمكنني أن أفهم السبب الذي يدعوكِ إلى الشعور على هذا النحو’’. فبدا عليها الارتياح.

وبعد ذلك التفتُّ إلى جيري وقلت: ‘‘إنِّي واثقٌ بأنَّ لديك أسبابًا وجيهةً تدعوكَ إلى اختيار اللَّون الأزرق للحمَّام. إذًا، لماذا لا تُطلعني على تلك الأسباب؟’’ وعندما أطلَعَني جيري على أسبابه، كرَّرتُ ردِّي أيضًا: ‘‘إنَّ ما تقوله منطقيٌّ جدًّا. يمكنني أن أفهم سبب رغبتكَ في أن يكون حمَّامكَ أزرق اللون’’. بدا الارتياح على جيري لاتِّفاقي معه في الرأي، ولكنَّ الحَيْرة بدَتْ على وجه آيريس. قالت: ‘‘ولكنَّك اتَّفقتَ في الرأي معنا كلَينا، وذلك لا يحلُّ خلافنا’’.

أجبتها قائلًا: ‘‘أنتِ على حقّ، ولكنِّي لا أعتقد أنَّ أحدًا منكما يبحث في الواقع عن حلّ. أنتما ما تزالان في مرحلة الجدال ولم تنتقلا بعد إلى مرحلة الحلّ’’.

قالت آيريس: ‘‘ما الذي تعنيه بهذا؟’’

فقلت متسائلًا: ‘‘ما الذي شعرتِ به حين أقرَرْتُ بصحَّة أسبابكِ التي تدعم طلاء الحمَّام باللَّون الأخضر؟’’

فقالت: ‘‘لقد شعرتُ بأنَّك كنتَ تحترم أفكاري’’.

Page 10

نظرت إلى جيري وسألته: ‘‘كيف كان شعوركَ حين أكَّدتُ لكَ أنَّ أفكاركَ منطقيَّةٌ وقلتُ لكَ إنَّه يمكنني أن أتفهَّم سببَ رغبتك في أن يكون الحمَّام أزرق اللون؟’’

ردَّ قائلًا: ‘‘لقد شعرتُ وكأنَّك كنتَ تُصغي لما أقول، وكأنَّ ما أقوله عنى شيئًا بالنسبة إليك’’.

فقلت لهما: ‘‘إنَّ ما فعلتُه لكلٍّ منكما هو الأمر الذي لم يفعله بعدُ أحدكما للآخر. لقد قدَّم كلٌّ منكما حُجَجَه دفاعًا عن موقفه، ولكنَّه لم يُقرَّ بصحَّة أفكار الشخص الآخر’’. التفتُّ مرَّةً أخرى نحو جيري وسألته: ‘‘أَيمكنكَ أن تقول بصدقٍ لآيريس ما قلتُه أنا لها؟ إنَّ ما تقولينه منطقيٌّ جدًّا. إنِّي أستطيع أن أتفهَّم سبب رغبتكِ بطلاء الحمَّام باللون الأخضر. إنِّي أعتقد بأنَّ أفكارها منطقيَّةٌ جدًّا. أَتوافقُني الرأي؟’’

فردَّ قائلًا: ‘‘نعم، ولكنِّي أفضِّل أفكاري’’.

‘‘إنَّ هذا أمرٌ يمكن فَهمُه، ولكن، أَأنتَ مستعدٌّ للموافقة على أفكارها بقولك شيئًا مماثلًا لِما قلتُه أنا لها توًّا؟’’

‘‘ أتعني الآن؟’’

‘‘نعم، يبدو أنَّ الآن هو الوقت المناسب’’.

نظر جيري إلى آيريس وقال: ‘‘إنَّ ما تقولينه منطقيٌّ بالنسبة إليَّ. يمكنني أن أفهم سببَ رغبتِكِ في حمَّام أخضر اللَّون. وبالإضافة إلى ذلك، فإنِّي أحبُّكِ’’، قال مضيفًا وهو يبتسم. فابتسمتُ أنا وآيريس كذلك.

وقلتُ: ‘‘حسنًا، تلك بدايةٌ جيِّدة. والآن يا آيريس، أَيمكنكِ بصدقٍ أن تقولي تلك العبارات لجيري؟’’

فأومأتْ برأسها إيجابًا ودارت لِتَقفَ قُبالةَ جيري. ‘‘إنَّ ما تقولُه منطقيٌّ أيضًا، وأنا أستطيع أن أفهم سبب رغبتكَ في الحصول على حمَّامٍ أزرق اللون. وأنا أيضًا أحبُّك’’.

قلتُ لهما: ‘‘أعتقد الآن بأنَّكما مستعدَّان للبحث عن حلٍّ للمسألة، فأنتما لم تعودا عدوَّين؛ إنَّكما صديقان يحاولان إيجاد حلٍّ لمشكلة.والآن، ما الخيارات المطروحة؟’’

فاقترح جيري قائلًا: ‘‘يمكن أن نطلِيَه باللَّون الأخضر’’.

وقالت آيريس: ‘‘أو باللَّون الأزرق، أو يمكننا خَلْط الأزرق والأخضر معًا ونجعل لونه أزرق مُخضرًّا’’.

أضفتُ قائلًا: ‘‘يمكنني التفكير في احتمالٍ آخر، بإمكانكما أن تطليا بعض الجدران باللَّون الأزرق والبعض الآخر باللَّون الأخضر’’.