Page 1
الحداثة البعدية
على هامش النصمطـاع صفـدي
لا تطمح هذه الكلمة حتى أن تكون مقدمة. لأن أية مقدمة إنما تنصب فخاً لذاتها لتغدو جزءاً مما تقدمه؛ في حين أنها تدَّعي اختيار العتبة دون ولوج البيت. لذلك نعتبر هذه الكتابة جزءاً من هامش على كتابة فوكو. فلا هي ذات طموح لتشرح أو تدَّعي التفسير والتأويل، ولا هي تعليق أو تأويل. إذ إنَّ كل شرح أو تأويل إنما هو شروع في دخول نص مختلف، مطالب بأن يكون موازياً أو محاكياً للنص الأصلي. لذلك لا يتبقى إلّا اختيار موقع الهامش لقولٍ مجزوءٍ عن الاختلاف الذي يمكن أن يطرأ على كتاب (الكلمات والأشياء) عندما يتم نقله من سياق المشروع الثقافي الغربي الذي نبَت فيه وكتب عنه وفيه، إلى مشروع قراءة عربية.
من هذا الهامش وحده نفتح هلالين خاصين بالقراءة العربية. ذلك أن فوكو وهو منهمك حقاً بتركيز ثورة جديدة في قراءة المشروع الثقافي الغربي، لم يكن يهمه كون هذا الكتاب (الكمات والأشياء) سيكون أخطر وثيقة لدلالة الأركيولوجيا الغربية. وهي دون أن تتوجه إلّا إلى ذاتها، لعلّها كانت في الوقت ذاته تخاطب الطرف الآخر الذي أتمّ بناء الأركيولوجيا الغربية على أساس التعارض معه دوماً، والتغلب عليه أبداً. ثمة قراءة إذن للآخر في وثيقة فوكو عن أركيولوجيا العقل الغربي وألعابه الخاصة بينه وبين نفسه. لكنها الألعاب التي كانت تتقاذف الآخرين كالكرات بين الأقدام.
وثيقة فوكو هذه إنما هي أعمق ما يكشف لعبة العقل الغربي في معجزة اللامتناهي، وفي معجزة ولادة المتناهي، والآخر، المستبعد والمنفي والمقصي؛ وقد انخرط في اللعبة دون أن يدري؛ حان له الآن أن يستيقظ على ماضي الضحية المستمرة التي كانها دوماً، آملاً أن يسهم بدوره في تحطيم اللعبة ذاتها، والخروج حقاً إلى ساحة ما، خارج الاستقطاب.
بقدر ما كان الفكر الهيدغري في نهاية رحلة العمر، يستشعر خطر انهيار المشروع الثقافي الغربي من داخله، وبفعل تغلّب جانب إرادة القوى فيه، على جانب القوة القووية، على النفحة الديونزيوسية، فإنه كان يرى في انفجار المشروع خلال ذروة التكنولوجيا، استعادة لمفهوم النهاية الكارثية الدينية، المتجلية في الدمار النووي ـ سواء كان بالحرب، أم بتسمم البيئة؛ على أن هذه الكارثة هي التي ربَّما تطرح البدء من جديد، تضع الكائن على طريق مختلف نحو الكينونة.
لكن حتى لو لم تحدث مثل هذه النهاية الكارثية التي سيطرت أشباحها على العقول الواعية أواسطَ هذا القرن، فإن فكرة انتهاء المشروع الثقافي الغربي التي خالطت أفكار أجيال متتابعة من الفلاسفة والكتّاب الغربيين منذ أواخر القرن الماضي، ومع منعطف الحربين العالميتين الأولى والثانية، كانت تتلامح على خلفية أخرى لاتتعلق بالخوف من كوارث الحروب، وصولاً إلى الكارثة النووية الشاملة فقط، بل كان الخوف الحقيقي من كون أن تاريخ الأفكار أو وعود عصر الأنوار قد انتهى، ودخل الغرب في عصر ما بعد التاريخ. ذلك أن المشروع الثقافي الغربي كان يزيِّن إرادة القوة بإطار من الأفكار/القيم. وكان مفهوم، شعار: الإنسانوية، هو مجمع هذه الأفكار/القيم. وكانت العقلانية الديكارتية ثم الكانطية وصولاً إلى الهيغلية، تَعِدُ شعوبَ المشروع الثقافي الغربي بتحقيق التطابق الكامل بين العقل والعالم في مستقبل قريب. غير أن ما حدث هو وقوع هذا الانشقاق والانشطار الكبير بين وعود الأنوار التي زالت لحساب نتائج أخرى مغايرة. وفلسفة الحداثة اعتباراً من نيتشه، هي التي تعلن أنه لم يكن ثمة انشطار منذ الأساس، فإن ذلك التنوير الغربي، لم يحدث تنويراً كاملاً، إنما نَقَلَ سلطة اللامتناهي من حامل إلٓهي مفارق، إلى حامل إنساني محايث. فصار على الإنسان ذاته أن يحقق إرادة القوة حتى بدون ذلك التجميل الديونزيوسي الذي رافقه خلال عصور الليبرالية الأولى.
إن سيادة التكنولوجيا جعلت حتى العلوم الإنسانية تعكس هيكلية النظام الأخلاقي الذي استبطن الميتافيزيقا التقليدية؛ بحيث غدت العلوم الإنسانية هي الوريثة اللاشرعية الحديثة للأخلاق الميتافيزيقية التي هزمتها عدمية نيتشه، لكنها عادت إلى الانبعاث مجدداً خلال ما يُسمى بالمناهج الوضعية في العلوم الإنسانية التي حاولت أن تثبت أنه بالإمكان الاستغناء عن الأنظمة الفكرية السابقة، لمصلحة نمو المعارف الجزئية والمكتسبة من معاينة الوقائع.
هنا يتدخل دور جديد لأركيولوجيا فوكو. فتكشف أن الخطاب المعرفي الذي تستند إليه ليس المنهجيات المعلن عنها داخل هذه العلوم، ولكنه المؤسس لدينامية البحث والسؤال عندها، إنما هو استمرار للميتافيزيقا التقليدية ذاتها، التي لم يغير عصرَُ الأنوار من أنظمتها المعرفية شيئاً، بقدر ما أضفى عليها تسميات مستحدثة من قاموس: الإنسان والإنسانوية. فإن علم الإناسة ـ الأنتروبولوجيا ـ بشكل خاص، الذي يدور حول موضوع دراسة الإنسان بالذات كان يتحرك بموجب نظام معرفي ضمني يشكل خلفية الرؤية عنده لظواهره، ويحدد طرق العقلنة، والبرهنة، بحيث يبدو جلياً أن مقياس معرفة الظاهرة ليس هو الظاهرة نفسها، ليس هو ظهورها المحض، وإنما هذا الظهور مؤولاً بطريقة مختلفة تتناسب وذلك الخطاب الضمني الكامن وراء فعالية العقلنة الموضوعية. وهنا ليس هو التأويل بالمعنى الذي تقصَّدته الفلسفة التأويلية من دلتاي إلى غادامير، بل إنه من نوع تلك الافتراضات الأولية التي تسبق البحث ومعطى البحث. فهي ليست ذاتية الباحث بمعنى شخصيته المفردة، بقدر ما هي الذاتية الخاضعة لسلطة نظام الأنظمة المعرفية الكامن والمؤسس للمشروع الثقافي الغربي. فالأنتروبولوجيا كانت هي مثال الأنسنة المصدرة من هذا المشروع نحو الآخر، المرسلة من المركز والمركزية إلى المحيط، إلى الهامش. هنا يلعب الاختلاف دوراً معيارياً وليس معرفياً فحسب. كان خطاب المركز الموجه نحو الهامش، يقول إنه هو: المركز، والآخر هو الهامش. فالانطلاقة من مجرد تعيين هندسة الشكل أو العلاقة بين الذات والآخر، تضع حداً لقيام أي حوار بينهما. فالمركز الذي حدد موقعه كمركز فرض على الآخر أن يكون بلا مركز، لأنه ليس للدائرة سوى مركز واحد. وما التعين خارج المركز إلا التورط في المساحة اللامتعينة كمحيط يمكن أن يتسع إلى ما لانهاية. فالمتعين الوحيد هو المركز. وبالتالي يغدو متعيناً بلا حدود مقابل لا حدود المحيط حوله الذي ليس هو محيطاً فعلاً، وإنما هامش. لأنّ كل ما ليس مركزياً إنما هو طرف آخر، هامشٌ وهامشيٌّ.
العقلنة الإنسانوية ـ نسبة إلى العلوم الإنسانوية ـ إنما تتبع هذه الخارطة الهندسية، وتؤكد أولوية شكل العلاقة على العلاقة ذاتها. فالأنتروبولوجي الغربي حين يدرس الإنسان الآخر، ليس ذلك من أجل أن يكتشفه في اختلافه الحقيقي، في مغايرته الخام، في انزياحه الخاص، وإنما يدرسه ليؤكد فيه كل ما يثبت ويعيد إنتاج مركزيته، مقابل إعادة إنتاج هامشية الآخر. ليس عند هذا الآخر ما يمكن أن يشكل مادة أي اكتشاف. وهو ليس مبعثراً وبدائياً وغريباً ومتخلفاً ومرتهناً لطقوسه وعاداته الغرائبية هكذا، إلّا لأن ثمة إنساناً واحداً هو الإنسان (بالحرف الكبير) والآخر هو المختلف. اختلافه هذا يخرجه من خانة الإنسان. ومنطقة اختلافه لا تدخل في جغرافية اللامفكَّر، إذ إنَّ المفكَّر قد تجاوزه تماماً، فارقه منذ أن شرع في تأسيس تاريخه. الآخر المختلف الغرائبي الذي لا يزال له ثمة وجود هناك، إنما هو نصب من أنصاب ما قبل التاريخ.. التاريخ الغربي طبعاً، الذي لا يحق لأحدٍ أن يكون له تاريخ بهذا المعنى إلّا للغربي وحده.
Page 2
فالأنتروبولوجيا هي علم الإنسان الغربي بالنسبة إلى ذاته أولاً. وعندما يدرس الآخر، فهو يعيد إنتاج نفسه عبر إخضاع الآخر لمنهجيات العلوم الإنسانية التي تعتبر المحصلة التركيبية العليا والأخيرة لتلك الميتافيزيقا الإنسانوية ذاتها التي تقود المشروع الثقافي الغربي.
غير أن ذلك لا يعني تقييماً سلبياً لتلك المنهجيات. بل كل ما هنالك أنه ينبغي وضع المنهجيات النابعة من العلوم الإنسانية الحديثة داخل إطار السياق المعرفي الذي ولدت منه. وهو ذلك السياق الذي لا يزال يتمسك بلانهائية الإنسان من جهة، ويكون الإنسان الغربي وحده، هو المرشح الوحيد ليحقق التطابق بين مشروعه الثقافي وهذا المفهوم. في حين أن القطائع الأبستمولوجية الكبرى قد تحققت في أنظمة معرفية علمية رئيسة، كالعلوم الطبيعية والاقتصاد والبيولوجيا والفقه اللغوي، وتجسّدت فيها تحولات إبستيمية رئيسة، أسقطت آليات الارتجاع من الشيء إلى تمثيله الذهني، واستطاعت أن تفرض، إلى حد بعيد، استقلالية الشيء، وبالتالي تناهي العلاقة معه التي يعقدها الفكر معه، فإن نسيجاً متكاملاً من ميتافيزيقا اللاتناهي لا يزال يقود أبنية الأفكار الشمولية ذات العقائد الكليانية في مجال التمثيلات التاريخية والإنسانوية.
بمعنى أن ثمة تفاوتاً هائلاً بين ما يحدث من قطائع على صعيد كل ما هو محايث وعيني، في مجالات المادة الطبيعية (العلوم الصحيحة) والمادة الحية (علوم البيولوجيا) والثروات الاجتماعية (العلوم الاقتصادية) بحيث يُعاد إدماج المعيار المعرفي في الشيء نفسه ويتم بذلك إبراز تناهيه على أنه حقيقته، وليس مجرد تمثيل عنه؛ نقول هنا أن هناك تفاوتاً هائلاً بين ما يحدث من قطائع حقيقية في هذه الميادين المعرفية الأساسية وبين استمرارية بنية اللامتناهي في الخطاب الضمني العقلاني الذي يسود المشروع الثقافي الغربي من حيث هو أيديولوجيا شمولية كبرى وضمنية، وتقود أساسية المنطوق الحضاري، وتنعكس في مجالات العلوم الإنسانية ومنظوماتها الفكروية والأيديولوجية المقنعة. وتحدّد هكذا مرجعيات رئيسيةً في مجمل العقائديات والسلوكيات؛ أي بكلمة واحدة يقع التفاوت والانقطاع، وليس «القطيعة»، بين جاهزيات المشروع الثقافي الغربي وبين أخلاقيته، بين الممارسات المعرفية وإنتاجاتها الهائلة على الصعد العلمية المباشرة، وبين العقلانية المتحكمة في المفاصل المعرفية الرئيسة للمشروع الثقافي الغربي. فالمشروع ذاته لايزال خاضعاً لعقلانية الخطاب اللامتناهي، لا يزال ميتافيزيقياً كلاسيّاً، وأما إنتاجاته، فقد أضحت من نوع الإنتاجات المضادة، التي تراكم كل يوم حصائل لامتناهية من عينيات المتناهي ومعارفه التفصيلية اللامحدودة. فبقي علم ـ الإنسان في ذاته علماً لامتناهياً، متعلقاً بذلك الطموح الذي خدعت الأنوار نفسها به عندما اعتقدت أنها تُماهي بين الإنسان واللاهوت بإلغاء اسم اللاهوت وحده، وإدماج دلالته الأصلية كلها تحت اسم الكائن الآخر الذي بشرت بميلاده، في حين أنها سجنته خلف قناع حديدي جديد، ووضعت عنوان الحداثة، فوق جبهته.
* * *
لقد خدم هذا الانقطاع بين نظام الأنظمة المعرفية القائم على إيديولوجيا اللامتناهي، وبين حصائل العلوم التي اشتغلت على المتناهي، واستطاعت أن تحصد ذلك التغيير الشامل والهائل في نظر المدنية الغربية الحديثة بكليتها، خدم هذا الانقطاع، بنتائجه الأخيرة، في بناء هذا التركيب المعقد المدعو بالمشروع الثقافي الغربي. ذلك أن الانقطاع بين خطاب اللاتناهي المسيطر على مستوى القيم والمعايير والعقائد في المشروع الثقافي الغربي، والمنعكس بصورة مباشرة في منهجيات العلوم الإنسانية، وبين ممارسة المتناهي في مستوى احتياز المعارف التفصيلية الدقيقة في مختلف مجالات التشخيص المادي وما يشبهه، من طبيعي وحيوي واجتماعي، هذا الانقطاع المتكون من تجاور نظامين معرفيين متناقضين، داخل مشروع ثقافي واحد، لايكاد يطيح وحدة هذا المشروع، بالرغم من كل هذا التاريخ المعاصر للحداثة وصولاً إلى لحظة الحداثة البعدية الراهنة، وما تخللته من ثورات معرفية كبرى، تحسست هذا الانقطاع، وصولاً إلى نيتشه وهيدغر وفوكو؛ فإن فوكو بشكل خاص، هو الذي خرج من تحت وطأة المعاناة شبه الشعرية التراجيدية عند نيتشه، والفلسفة الكينونية، عند هيدغر، إلى مرحلة إنشاء المنهج القادر على إبراز التمفصلات الخطابية وتعدديات أشكالها وآلياتها في المستويات التاريخية والأنتروبولوجية والإبستمولوجية. إنه منهج الأركيولوجيا ـ الجينالوجيا أو الجينالوجيا ـ الأركيولوجيا. وهو المنهج الذي لا يكتفي بالوصف أو التحليل، لكن مهمته هي أن يبرز، أن يكشف التمفصلات الخطابية، لا أن يحكم ولا أن يؤول. وهو منهج يرفض صفة العلم أو العلمية، لأنه يترك ذاته حراً لتأتي ممارستُه حرةً كذلك. فهو يخترق حدود التصنيفات كلها، ويكشف فيها عن كل ما يمكن أن يؤلف وثيقة أو مشروع وثيقة، لاستنباط النشاط الخطابي لكلٍ من إرادة المعرفة مضاعفة بإرادة القوة.
إن وحدة المشروع الثقافي الغربي إنما تقوم على استمرارية هذا الانقطاع بين ميتافيزيقا اللاتناهي وبين الممارسات الخطابية المتناهية التي تظل تعكس أحوال التماهي والرفض، التداخل والتخارج مع الأصل الميتافيزيقي للمشروع ذاته، القائم على مزاوجةٍ ناشطة دوماً بين إرادَتْي القوة والمعرفة، وهما تعبِّران عن فكر اللامتناهي في حال الممارسة.
ولا شك إذا كان ثمة من تأريخ مادي لمولد الحداثة البعدية، سيكون هو لحظة الكشف عن هذا المشروع الثقافي الغربي في أوج تعارضه ووحدته الكيانية معاً، بين ميتافيزيقيته وأركيولوجيته، بين منهج للتمثيل وللتشميل، وآخر للتخصيص، بين سلطة لامتناهية لفكر اللامتناهي ومعاييره وعقائده، وبين ما لا يسمّى باسم عام للمتناهي، هذا الشيء الذي لا يمكن القول عنه إلّا بخاصية واحدة، وهي أنه: المختلف. فما أن يوصف المتناهي حتى يندرج فيما يفر منه، ويقضي عليه. ولقد عبَّر عن هذا الوضع الاستحالي الدرامي تحوّل الفلسفة إلى استيعاب الفن، استعادة الفلسفة لخصوصية التأدية الفنية؛ ليس ذلك لأن الفلسفة تحس بالعجز أمام المتناهي، لكن لأن الفلسفة في ذاتها قد افتقدت تناهيها الخاص تحت تأثير خضوعها المديد القديم لخطاب العقلنة اللامتناهية التي جعلتها، لكثرة استعمالها، تعتقد أنها، أي الفلسفة، هي وهذه العقلنة حقيقة واحدة، بحيث إنها إذا ما حاولت الخروج عنها تحس كما لو أنها تفارق كينونتها الخاصة.
حين تغادر الفلسفة كلَّ ما أَلِفتْه من جاهزيات البرهنة الميتافيزيقية، فإنها لن تجد نفسها في العراء. لكن الوقوف خارج دائرة إرادة القوة التي كانت تدفع المشروع الثقافي الغربي إلى تدمير كل ما يعارضه، سواء كان داخل جغرافيته الفلسفية أو الإنسانية، أو خارج هذه الدائرة؛ هذا الوقوف إنما يتطلب بدون شك إعادة اكتشاف العالم من وجهة نظر مغايرة تماماً لكل ما ألفته خطابات محكومة من طرفَيْها بإرادتَيْ القوة والمعرفة معاً.
غير أن ذلك لا يعني تقييماً سلبياً لتلك المنهجيات. بل كل ما هنالك أنه ينبغي وضع المنهجيات النابعة من العلوم الإنسانية الحديثة داخل إطار السياق المعرفي الذي ولدت منه. وهو ذلك السياق الذي لا يزال يتمسك بلانهائية الإنسان من جهة، ويكون الإنسان الغربي وحده، هو المرشح الوحيد ليحقق التطابق بين مشروعه الثقافي وهذا المفهوم. في حين أن القطائع الأبستمولوجية الكبرى قد تحققت في أنظمة معرفية علمية رئيسة، كالعلوم الطبيعية والاقتصاد والبيولوجيا والفقه اللغوي، وتجسّدت فيها تحولات إبستيمية رئيسة، أسقطت آليات الارتجاع من الشيء إلى تمثيله الذهني، واستطاعت أن تفرض، إلى حد بعيد، استقلالية الشيء، وبالتالي تناهي العلاقة معه التي يعقدها الفكر معه، فإن نسيجاً متكاملاً من ميتافيزيقا اللاتناهي لا يزال يقود أبنية الأفكار الشمولية ذات العقائد الكليانية في مجال التمثيلات التاريخية والإنسانوية.
بمعنى أن ثمة تفاوتاً هائلاً بين ما يحدث من قطائع على صعيد كل ما هو محايث وعيني، في مجالات المادة الطبيعية (العلوم الصحيحة) والمادة الحية (علوم البيولوجيا) والثروات الاجتماعية (العلوم الاقتصادية) بحيث يُعاد إدماج المعيار المعرفي في الشيء نفسه ويتم بذلك إبراز تناهيه على أنه حقيقته، وليس مجرد تمثيل عنه؛ نقول هنا أن هناك تفاوتاً هائلاً بين ما يحدث من قطائع حقيقية في هذه الميادين المعرفية الأساسية وبين استمرارية بنية اللامتناهي في الخطاب الضمني العقلاني الذي يسود المشروع الثقافي الغربي من حيث هو أيديولوجيا شمولية كبرى وضمنية، وتقود أساسية المنطوق الحضاري، وتنعكس في مجالات العلوم الإنسانية ومنظوماتها الفكروية والأيديولوجية المقنعة. وتحدّد هكذا مرجعيات رئيسيةً في مجمل العقائديات والسلوكيات؛ أي بكلمة واحدة يقع التفاوت والانقطاع، وليس «القطيعة»، بين جاهزيات المشروع الثقافي الغربي وبين أخلاقيته، بين الممارسات المعرفية وإنتاجاتها الهائلة على الصعد العلمية المباشرة، وبين العقلانية المتحكمة في المفاصل المعرفية الرئيسة للمشروع الثقافي الغربي. فالمشروع ذاته لايزال خاضعاً لعقلانية الخطاب اللامتناهي، لا يزال ميتافيزيقياً كلاسيّاً، وأما إنتاجاته، فقد أضحت من نوع الإنتاجات المضادة، التي تراكم كل يوم حصائل لامتناهية من عينيات المتناهي ومعارفه التفصيلية اللامحدودة. فبقي علم ـ الإنسان في ذاته علماً لامتناهياً، متعلقاً بذلك الطموح الذي خدعت الأنوار نفسها به عندما اعتقدت أنها تُماهي بين الإنسان واللاهوت بإلغاء اسم اللاهوت وحده، وإدماج دلالته الأصلية كلها تحت اسم الكائن الآخر الذي بشرت بميلاده، في حين أنها سجنته خلف قناع حديدي جديد، ووضعت عنوان الحداثة، فوق جبهته.
* * *
لقد خدم هذا الانقطاع بين نظام الأنظمة المعرفية القائم على إيديولوجيا اللامتناهي، وبين حصائل العلوم التي اشتغلت على المتناهي، واستطاعت أن تحصد ذلك التغيير الشامل والهائل في نظر المدنية الغربية الحديثة بكليتها، خدم هذا الانقطاع، بنتائجه الأخيرة، في بناء هذا التركيب المعقد المدعو بالمشروع الثقافي الغربي. ذلك أن الانقطاع بين خطاب اللاتناهي المسيطر على مستوى القيم والمعايير والعقائد في المشروع الثقافي الغربي، والمنعكس بصورة مباشرة في منهجيات العلوم الإنسانية، وبين ممارسة المتناهي في مستوى احتياز المعارف التفصيلية الدقيقة في مختلف مجالات التشخيص المادي وما يشبهه، من طبيعي وحيوي واجتماعي، هذا الانقطاع المتكون من تجاور نظامين معرفيين متناقضين، داخل مشروع ثقافي واحد، لايكاد يطيح وحدة هذا المشروع، بالرغم من كل هذا التاريخ المعاصر للحداثة وصولاً إلى لحظة الحداثة البعدية الراهنة، وما تخللته من ثورات معرفية كبرى، تحسست هذا الانقطاع، وصولاً إلى نيتشه وهيدغر وفوكو؛ فإن فوكو بشكل خاص، هو الذي خرج من تحت وطأة المعاناة شبه الشعرية التراجيدية عند نيتشه، والفلسفة الكينونية، عند هيدغر، إلى مرحلة إنشاء المنهج القادر على إبراز التمفصلات الخطابية وتعدديات أشكالها وآلياتها في المستويات التاريخية والأنتروبولوجية والإبستمولوجية. إنه منهج الأركيولوجيا ـ الجينالوجيا أو الجينالوجيا ـ الأركيولوجيا. وهو المنهج الذي لا يكتفي بالوصف أو التحليل، لكن مهمته هي أن يبرز، أن يكشف التمفصلات الخطابية، لا أن يحكم ولا أن يؤول. وهو منهج يرفض صفة العلم أو العلمية، لأنه يترك ذاته حراً لتأتي ممارستُه حرةً كذلك. فهو يخترق حدود التصنيفات كلها، ويكشف فيها عن كل ما يمكن أن يؤلف وثيقة أو مشروع وثيقة، لاستنباط النشاط الخطابي لكلٍ من إرادة المعرفة مضاعفة بإرادة القوة.
إن وحدة المشروع الثقافي الغربي إنما تقوم على استمرارية هذا الانقطاع بين ميتافيزيقا اللاتناهي وبين الممارسات الخطابية المتناهية التي تظل تعكس أحوال التماهي والرفض، التداخل والتخارج مع الأصل الميتافيزيقي للمشروع ذاته، القائم على مزاوجةٍ ناشطة دوماً بين إرادَتْي القوة والمعرفة، وهما تعبِّران عن فكر اللامتناهي في حال الممارسة.
ولا شك إذا كان ثمة من تأريخ مادي لمولد الحداثة البعدية، سيكون هو لحظة الكشف عن هذا المشروع الثقافي الغربي في أوج تعارضه ووحدته الكيانية معاً، بين ميتافيزيقيته وأركيولوجيته، بين منهج للتمثيل وللتشميل، وآخر للتخصيص، بين سلطة لامتناهية لفكر اللامتناهي ومعاييره وعقائده، وبين ما لا يسمّى باسم عام للمتناهي، هذا الشيء الذي لا يمكن القول عنه إلّا بخاصية واحدة، وهي أنه: المختلف. فما أن يوصف المتناهي حتى يندرج فيما يفر منه، ويقضي عليه. ولقد عبَّر عن هذا الوضع الاستحالي الدرامي تحوّل الفلسفة إلى استيعاب الفن، استعادة الفلسفة لخصوصية التأدية الفنية؛ ليس ذلك لأن الفلسفة تحس بالعجز أمام المتناهي، لكن لأن الفلسفة في ذاتها قد افتقدت تناهيها الخاص تحت تأثير خضوعها المديد القديم لخطاب العقلنة اللامتناهية التي جعلتها، لكثرة استعمالها، تعتقد أنها، أي الفلسفة، هي وهذه العقلنة حقيقة واحدة، بحيث إنها إذا ما حاولت الخروج عنها تحس كما لو أنها تفارق كينونتها الخاصة.
حين تغادر الفلسفة كلَّ ما أَلِفتْه من جاهزيات البرهنة الميتافيزيقية، فإنها لن تجد نفسها في العراء. لكن الوقوف خارج دائرة إرادة القوة التي كانت تدفع المشروع الثقافي الغربي إلى تدمير كل ما يعارضه، سواء كان داخل جغرافيته الفلسفية أو الإنسانية، أو خارج هذه الدائرة؛ هذا الوقوف إنما يتطلب بدون شك إعادة اكتشاف العالم من وجهة نظر مغايرة تماماً لكل ما ألفته خطابات محكومة من طرفَيْها بإرادتَيْ القوة والمعرفة معاً.
Page 3
تلك هي العتبة الملتبسة التي يقف عليها فكر الحداثة البعدية. وكل ما يمكن القول عن هذه العتبة في المرحلة الراهنة من تطور البحث هو أن ثمة مناخاً خارجانياً يحيط بالتفكير الفلسفي الذي يحوم حول دائرة المفاهيم المستجدَّة للحداثة البعدية، وأنه آخذ بالخروج عن قوالبه، وهو يتحسس سُبْلَ التهوية. وإذا كان لا بُدَّ من تقدير سريع لدور فوكو هنا، فهو أنه جاوز العتبة. أخرج الفكر الحداثوي البعدي من إطار الثورة الأولى: نيتشه، ومن مشروع بتذكير نسيان الكينونة: هيدغر، إلى ممارسة موضوعانية وعيانية لما يمكن أن تعنيه الحداثة البعدية عندما تغدو أركيولوجيا ـ جينالوجيا، أو بالعكس. أي إن فوكو حوّل فكر الحداثة البعدية إلى منهجـية مضادة لذاتها تماماً. على أن يفهم هنا موقع التضاد باعتبار أن الأركيولوجيا وإن سلكت مسلك المنهج إلَّا أنها تنكر على ذاتها كل المواصفات التقليدية التي تضفى عادةً على المنهج وتوصف به آلياته. إنه منهج أبرز ـ لم يصف ولم يحلل ولم يؤول ـ آليات التمفصل الخطابي لتشابكيات إرادتَيْ القوة والمعرفة عبر كل ما يصح وثيقة ودعامةَ من كتابات وسلوكيات، كل ما يمكن أن يعتبر بمثابة الأنصاب القائمة في/والشاهدة على تقاطع الكلمات والأشياء.
ومن المهم هنا التشديد على صفة الإبراز في ممارسة الجينالوجيا ـ الأركيولوجيا، لفصلها عن أفعال التحليل والتأويل التي ألفتها المنهجيات الفلسفية، والعقلانية بصفة عامة، ومنها الرياضية والطبيعية، لأن الإبراز يعني عدم مبارحة ساحة الممارسة الأركيولوجية والإتيان بكل ما تحويه حفرياتُها دون إضافة فوقية أو جانبية. فالفلسفة إذن تختلف أركيولوجياً مع/وعن ذاتها. وتدخل الكتابة الفلسفية نفسها في منعطف الخارجانية، أي إنها تغدو على مسافة من كل عاداتها الكتابية السابقة. وبصورة ما تغدو هذه الكتابة شفافيةً. أي أنها قادرة دوماً على تشفيف أدواتها التي تستخدمها هي ذاتها في تشفيف موضوعاتها. فأنْ تكون الكتابة شافّة عن نفسها فيما تكتبه عن سواها فذلك سيؤدي حتماً إلى شق الحواجز واختراقها أمام النص المختلف.
ذلك ما يجعل كتابة المتناهي متناهية في ذاتها. إنها نوع من كتابة المفرد بفردانيته. وهذا بالطبع يتطلب ليس التغيير على صعيد السرد الفلسفي أو مناهج البرهنة فحسب، ولكنه يستلزم تزييح اللغة نفسها. فهنا لا بد أن يجري انتزاع الكلمات من كل أثوابها المعتادة، ووضعها ثانية في العراء خارج قوالبها، وحرمان الملفوظ من مُتَّكَئِه الدلالي. إذ جرى النص المألوف على جرف الملفوظات دوماً في تيارات دلالاتها المألوفة، بحيث لا تفقد هذه الملفوظات مفرداتها الكلامية، بل حتى الصوتية نفسها. ذلك أن الدلالة المألوفة في النص التقليدي إنما تذهب بكل ماديّة الملفوظ، يفقد تصويته ـ أصواته، ويكسرُ التصويتَ الآخر الآتي من لهجة الدلالة نفسها ونبراتها الموظفة كلياً، سلفاً، في خدمة السلطة الدلالية.
لكن كل ذلك لا يعني أبداً الدخول في نص الجينالوجيا ـ الأركيولوجيا دون أن يكون هذا الدخول نفسه تورطاً، له ذات طبيعة موضوعه، أي تورطاً جينالوجياً أركيولوجياً في آنٍ واحد. فمن أجل كشف إرادة القوة العاملة على استبعاد كل ما يخالفها، على كبت التناهي وتسليط الصيغ المؤسسية وجَمْعَنَة كل ما لا يقبل الجمعنة، وإقامة أماكن لحصر وحصار الاختلاف والمغايرة وتوحيده بنماذج الشذوذ والانحراف، والمرض والجنون والإدانة الخلفية ـ القانونية؛ إن كل تلك الفعالية لإرادة القوة قد اكتست بالخطابات المعرفية والعلموية وتقنَّعت وراء أشكال التنظيمات والإلزامات والتراتبيات التي تسود كل قطاع من حياة الفرد والجماعة. غير أن هذه الإرادة في القوة ليس لها مراكز محددة. وهي ليست كلها داخلة في إطار الرفض أو القبول. لا يمكن القول إن تضافر القوة والمعرفة يتركز في طبقة أو سلطة معينة. فإن انبثات هذا التضافر في مختلف الفعاليات الاجتماعية، يبعثر كل تمثيل أو منهج يريد مركزتها في بؤر محددة الانتشار، لا يأخذ اتجاهاً عمودياً من أعلى إلى أسفل، طبقياً مثلاً؛ ولا من جهة إلى أخرى أفقياً. فإنه بالأحرى موزع ومنبثّ ومتشابك بحيث لا يمكن أخذه على حين غفلة وهو متلبّس في حيز معين. ولا شك أن السلطات المباشرة المتجسدة في العلاقات السياسية والقانونية وسواها قد تقدم عينات مضخمة عن تجسيدات محددة لإرادة القوة التي قد لا تحتاج حتى إلى الخطابات الأيديولوجية أو التبريرية لتقنع ممارساتها العملية بها. لكن ذلك لا يشكل سوى وجوهٍ وحالات من تجسيد ونمذجة السلطة، في حين أن النسيج الثقافي والحقوقي والاقتصادي والاجتماعي الفردي بشكل عام، إنما يقوم على خيوط متشابكة ومتناسلة بعضها من بعض، لا تمثل حقاً إرادتَيْ القوة والمعرفة، بقدر ما تتموضع ترميزاتٌ عنهما خلال هذا النسيج، عن تشابكهما معاً وتنافرهما، وليس تعاضدهما دوماً؛ وبالتالي إن التحفير الأركيولوجي لا يستطيع أن يحدد مساحات نشاطاته مقدماً إلّا فيما يكون التحفير مُبْرِزاً لأسراره، وليس مؤوِّلاً لها ولا مؤدلجاً. فالتحفير لا يجد الشيء قبل أن يعثر عليه. وهو بالتالي ليس مضطراً أبداً لحمل اكتشافات الآخرين ودفنها في الأرض، ثم محاولة الحفر عنها واستخراجها، وكأنها مكتشفات جديدة. كما أنه ليس للتحفير أدوات متميزة عن أخرى إلَّا بالقدر الذي يمكن أن تؤدي إلى كشف المطمور، وقراءة الآلية التي يتم بها تمفصل الانكشاف والانطمار وترميزات كل هذه الآليات في خطابات القول والفعل والتنظيم التي تشتغل عليها. فالحيز التحفيري ليس جغرافياً وليس جهوياً، ولكنه مبعثر المراكز والانتشارات والانبثاثات بحيث يدفع كل لحظة إلى تغيير استراتيجية التحفير بالقدر الذي تتغير فيه التكتيكات، واستخداماتها التقنوية والفكروية نفسها.
* * *
والحقيقة إذا كنا نريد أن نرى في الجينالوجيا ـ الأركيولوجيا منهجاً للحداثة البعدية، بكل هذه التمييزات التي تفرقه عمّا ألفناه من خصائص المنهج الكلاسية، فإنه يمكننا أن نلحظ أهمية البعد الجهوي المزدوج الذي يمكن أن يتضمنه. فهو من حيث كونه جينالوجيا فإنه لا يهمل عامل الزمن بل يلتقيه عبر فعالية التكوين. إذ إنَّ استعادة تاريخ الإبستيمية إنما يجعلنا نقف على نمطها الخاص في التكوين. وفي الوقت ذاته فإن المنهج من حيث إنه أركيولوجيا يستكشف الطبقة الحفرية التي تقوم عليها هذه الإبستيمية في موضعها. فالعمق الزمني الذي يوفره تفكيك تاريخ التكوين يناظره ويتكامل معه عمق الحفرية في تربتها الخاصة. فهذا العمق الآخر المكاني يضمن للإبستيمية انظهار محايثتها الملتحمة كحيز من داخل/ومع شبكة ذاتها الراهنة المؤلفة من تضافر وتنافر إرادَتيْ القوة والمعرفة في لحظة تاريخية معطاة. فالعمق التحفيري سواء اتجه إلى عمق التكوين التاريخي للإبستيمية، أو إلى شبكية الحيز الموضعي والانتشاري لموقع الإبستيمية من بقية الأنساق المعرفية في هذه الشبكية، إنما يفرض نظامه الخاص. فهو المنوط به وحده أن يقع: مع الشيء. لا قبله ولا تحته. ذلك أن أهم ما حققته القطيعات المعرفية الكبرى بعد انتهاء العصر الكلاسي والانعطاف الجذري نحو الحداثة البعدية الذي انطلق من القرن التاسع عشر ـ ولا يزال يتلمس طريقه وتكامل أهدافه حتى أيامنا هذه ـ هو أن حركة الفكر لم تعد تمضي من تصورات أو تمثيلات الأشياء إلى الأشياء ثم لتعود وتستقر في الذهن، بل إن هذه الحركة غدت انزياحاً مادياً، بمعنى أنه يحدث انتقال من التمثيل إلى الشيء للاستقرار فيه، في الشيء، وليس لمغادرته فيما بعد والالتجاء من جديد إلى تمثيله في الذهن [أو العقل بمعنى Raison، كما عند كانط]. وهذا بالتالي ما يحقق خارجانية الفكر، إذ يبقى عند موضوعاته، لا يبارحها، لا يخترع من عنده أية أنظمة لها، تحاول استيعابها وإغراقها في المنظومات ذات الطبيعة التصنيفية والتراتبية، مهما كانت الأشكال والمراتب، والنماذج والتفريعات، التي تبنيها هذه الطبيعةُ، مشتقةً كلها من مبدأ الانسجام والتماسك الداخلي، والتشميل الكلياني لمختلف العناصر.
ومن المهم هنا التشديد على صفة الإبراز في ممارسة الجينالوجيا ـ الأركيولوجيا، لفصلها عن أفعال التحليل والتأويل التي ألفتها المنهجيات الفلسفية، والعقلانية بصفة عامة، ومنها الرياضية والطبيعية، لأن الإبراز يعني عدم مبارحة ساحة الممارسة الأركيولوجية والإتيان بكل ما تحويه حفرياتُها دون إضافة فوقية أو جانبية. فالفلسفة إذن تختلف أركيولوجياً مع/وعن ذاتها. وتدخل الكتابة الفلسفية نفسها في منعطف الخارجانية، أي إنها تغدو على مسافة من كل عاداتها الكتابية السابقة. وبصورة ما تغدو هذه الكتابة شفافيةً. أي أنها قادرة دوماً على تشفيف أدواتها التي تستخدمها هي ذاتها في تشفيف موضوعاتها. فأنْ تكون الكتابة شافّة عن نفسها فيما تكتبه عن سواها فذلك سيؤدي حتماً إلى شق الحواجز واختراقها أمام النص المختلف.
ذلك ما يجعل كتابة المتناهي متناهية في ذاتها. إنها نوع من كتابة المفرد بفردانيته. وهذا بالطبع يتطلب ليس التغيير على صعيد السرد الفلسفي أو مناهج البرهنة فحسب، ولكنه يستلزم تزييح اللغة نفسها. فهنا لا بد أن يجري انتزاع الكلمات من كل أثوابها المعتادة، ووضعها ثانية في العراء خارج قوالبها، وحرمان الملفوظ من مُتَّكَئِه الدلالي. إذ جرى النص المألوف على جرف الملفوظات دوماً في تيارات دلالاتها المألوفة، بحيث لا تفقد هذه الملفوظات مفرداتها الكلامية، بل حتى الصوتية نفسها. ذلك أن الدلالة المألوفة في النص التقليدي إنما تذهب بكل ماديّة الملفوظ، يفقد تصويته ـ أصواته، ويكسرُ التصويتَ الآخر الآتي من لهجة الدلالة نفسها ونبراتها الموظفة كلياً، سلفاً، في خدمة السلطة الدلالية.
لكن كل ذلك لا يعني أبداً الدخول في نص الجينالوجيا ـ الأركيولوجيا دون أن يكون هذا الدخول نفسه تورطاً، له ذات طبيعة موضوعه، أي تورطاً جينالوجياً أركيولوجياً في آنٍ واحد. فمن أجل كشف إرادة القوة العاملة على استبعاد كل ما يخالفها، على كبت التناهي وتسليط الصيغ المؤسسية وجَمْعَنَة كل ما لا يقبل الجمعنة، وإقامة أماكن لحصر وحصار الاختلاف والمغايرة وتوحيده بنماذج الشذوذ والانحراف، والمرض والجنون والإدانة الخلفية ـ القانونية؛ إن كل تلك الفعالية لإرادة القوة قد اكتست بالخطابات المعرفية والعلموية وتقنَّعت وراء أشكال التنظيمات والإلزامات والتراتبيات التي تسود كل قطاع من حياة الفرد والجماعة. غير أن هذه الإرادة في القوة ليس لها مراكز محددة. وهي ليست كلها داخلة في إطار الرفض أو القبول. لا يمكن القول إن تضافر القوة والمعرفة يتركز في طبقة أو سلطة معينة. فإن انبثات هذا التضافر في مختلف الفعاليات الاجتماعية، يبعثر كل تمثيل أو منهج يريد مركزتها في بؤر محددة الانتشار، لا يأخذ اتجاهاً عمودياً من أعلى إلى أسفل، طبقياً مثلاً؛ ولا من جهة إلى أخرى أفقياً. فإنه بالأحرى موزع ومنبثّ ومتشابك بحيث لا يمكن أخذه على حين غفلة وهو متلبّس في حيز معين. ولا شك أن السلطات المباشرة المتجسدة في العلاقات السياسية والقانونية وسواها قد تقدم عينات مضخمة عن تجسيدات محددة لإرادة القوة التي قد لا تحتاج حتى إلى الخطابات الأيديولوجية أو التبريرية لتقنع ممارساتها العملية بها. لكن ذلك لا يشكل سوى وجوهٍ وحالات من تجسيد ونمذجة السلطة، في حين أن النسيج الثقافي والحقوقي والاقتصادي والاجتماعي الفردي بشكل عام، إنما يقوم على خيوط متشابكة ومتناسلة بعضها من بعض، لا تمثل حقاً إرادتَيْ القوة والمعرفة، بقدر ما تتموضع ترميزاتٌ عنهما خلال هذا النسيج، عن تشابكهما معاً وتنافرهما، وليس تعاضدهما دوماً؛ وبالتالي إن التحفير الأركيولوجي لا يستطيع أن يحدد مساحات نشاطاته مقدماً إلّا فيما يكون التحفير مُبْرِزاً لأسراره، وليس مؤوِّلاً لها ولا مؤدلجاً. فالتحفير لا يجد الشيء قبل أن يعثر عليه. وهو بالتالي ليس مضطراً أبداً لحمل اكتشافات الآخرين ودفنها في الأرض، ثم محاولة الحفر عنها واستخراجها، وكأنها مكتشفات جديدة. كما أنه ليس للتحفير أدوات متميزة عن أخرى إلَّا بالقدر الذي يمكن أن تؤدي إلى كشف المطمور، وقراءة الآلية التي يتم بها تمفصل الانكشاف والانطمار وترميزات كل هذه الآليات في خطابات القول والفعل والتنظيم التي تشتغل عليها. فالحيز التحفيري ليس جغرافياً وليس جهوياً، ولكنه مبعثر المراكز والانتشارات والانبثاثات بحيث يدفع كل لحظة إلى تغيير استراتيجية التحفير بالقدر الذي تتغير فيه التكتيكات، واستخداماتها التقنوية والفكروية نفسها.
* * *
والحقيقة إذا كنا نريد أن نرى في الجينالوجيا ـ الأركيولوجيا منهجاً للحداثة البعدية، بكل هذه التمييزات التي تفرقه عمّا ألفناه من خصائص المنهج الكلاسية، فإنه يمكننا أن نلحظ أهمية البعد الجهوي المزدوج الذي يمكن أن يتضمنه. فهو من حيث كونه جينالوجيا فإنه لا يهمل عامل الزمن بل يلتقيه عبر فعالية التكوين. إذ إنَّ استعادة تاريخ الإبستيمية إنما يجعلنا نقف على نمطها الخاص في التكوين. وفي الوقت ذاته فإن المنهج من حيث إنه أركيولوجيا يستكشف الطبقة الحفرية التي تقوم عليها هذه الإبستيمية في موضعها. فالعمق الزمني الذي يوفره تفكيك تاريخ التكوين يناظره ويتكامل معه عمق الحفرية في تربتها الخاصة. فهذا العمق الآخر المكاني يضمن للإبستيمية انظهار محايثتها الملتحمة كحيز من داخل/ومع شبكة ذاتها الراهنة المؤلفة من تضافر وتنافر إرادَتيْ القوة والمعرفة في لحظة تاريخية معطاة. فالعمق التحفيري سواء اتجه إلى عمق التكوين التاريخي للإبستيمية، أو إلى شبكية الحيز الموضعي والانتشاري لموقع الإبستيمية من بقية الأنساق المعرفية في هذه الشبكية، إنما يفرض نظامه الخاص. فهو المنوط به وحده أن يقع: مع الشيء. لا قبله ولا تحته. ذلك أن أهم ما حققته القطيعات المعرفية الكبرى بعد انتهاء العصر الكلاسي والانعطاف الجذري نحو الحداثة البعدية الذي انطلق من القرن التاسع عشر ـ ولا يزال يتلمس طريقه وتكامل أهدافه حتى أيامنا هذه ـ هو أن حركة الفكر لم تعد تمضي من تصورات أو تمثيلات الأشياء إلى الأشياء ثم لتعود وتستقر في الذهن، بل إن هذه الحركة غدت انزياحاً مادياً، بمعنى أنه يحدث انتقال من التمثيل إلى الشيء للاستقرار فيه، في الشيء، وليس لمغادرته فيما بعد والالتجاء من جديد إلى تمثيله في الذهن [أو العقل بمعنى Raison، كما عند كانط]. وهذا بالتالي ما يحقق خارجانية الفكر، إذ يبقى عند موضوعاته، لا يبارحها، لا يخترع من عنده أية أنظمة لها، تحاول استيعابها وإغراقها في المنظومات ذات الطبيعة التصنيفية والتراتبية، مهما كانت الأشكال والمراتب، والنماذج والتفريعات، التي تبنيها هذه الطبيعةُ، مشتقةً كلها من مبدأ الانسجام والتماسك الداخلي، والتشميل الكلياني لمختلف العناصر.
Page 4
إن نظام التمثيل يترك مكانه لاستعادة الأشياء حضورها المباشر، بدلاً من غيابها وراء الفعالية الذهنية بكل مراتبها المعرفية؛ من مجرد الإحساس فالإدراك فالتمثيل أو التصور فالمفهوم. بمعنى أن المفهوم ليس هو أعلى درجة في الفهم، بل إنه كان تتويجاً لتاريخ التجريد. لأن كل جاهزية معرفية لا بُدَّ أن تعتمد عملة المفاهيم كمفردات لأقوالها وخطاباتها، فإن المفهوم في ذاته ليس هو ما تقع عليه قطيعة الحداثة البعدية. أي ليس هو المطلوب إلغاؤه. بقدر ما يكون مطلوباً حقاً استعادته مجرداً هو ذاته من فعالية التمثيل. فإن فوكو لم يحدثنا حقاً عن هذه الاستعادة، أو عما ينتظرنا من تفعيل حداثوي حقيقي عندما يتم بناء المفهوم بغير ذلك الطريق الوحيد الذي كان يحتكر إيصاله، وهو التمثيل. ذلك أن فوكو بالرغم من كل ما بذله من أجل إبراز التمفصل الجديد الذي تحققه عودة الأشياء كممثلة عن ذاتها، بدلاً من التمثيلات الصورية التي تمحو وتنسينا ما تمثله حقاً، إلا أنه لم يُشغل نفسه بما يكفي في عقلنة العقلانية الجديدة التي تنشئها جينالوجيا ـ أركيولوجيا المفهمة في الأشياء، بدون المفاهيم ـ ما فوق ـ الأشياء. هو ذاته لم يتحدث عن مصطلح الحداثة البعدية. ترك تسمية المصطلح لسواه. لكنه وضعنا على العتبة، تحت عنوان كبير، اسمه خارجانية الفكر. تلك الحركة «المنطقية» ـ الشديدة الغرابة لامتلائها بالتناقض والتعارض ـ لجعل التمثيل يقعد عند ـ ما يمثله ولا يبارحه. لا يبارحه أبداً في شتى العمليات المعرفية. كأنما المطلوب هو حقاً شَيْأنة الفكر، وليس أبداً فَكْرَنَة الشيء. وهل هذا ممكن ونحن نتحدث من داخل الخطاب المعرفي ذاته، من داخل الخطاب العقلي، وليس العقلاني أو العقلانوي.
* * *
فوكو لم يتوقف عند هذه الإشكالية، بل اندفع في تطبيق منهجيته دون حاجة إلى تنظيرها مستقلةً عن تفعيلها داخل ما تحققه وتفعله في أرض المعرفة، وداخل تراثها ذاته. جعل برهنته أو تنظيره لمنهجيته يحوز علي جدواه المنطقية من جدوى النتائج العملية التي يحصلها، ولا شك فإن إنتاجية هذه المنهجية قد أعطت هذا البناء الفلسفي المتكامل الذي خلّفه فوكو. وكأنه أعطى أورغانون أرسطو للقرن العشرين، بعد (نقد العقل) الكانطي. لكن ما قدمه فوكو عبر بنائه الفلسفي الكبير ليس مذهباً يحوز تماسكه العقلاني مما فيه من طاقة برهانية، كما المذاهب الأخرى المعروفة. بل كل ما فعله هو أنه كما قال دوماً، وكما حاول أن يخصص الجينالوجيا ـ الأركيولوجيا بتميزها المنهجي الفرداني، هو أنه حاول الكشف عن تمفصلات الكلمات والأشياء. بمعنى أنه ترك الحفرية تقدم ما عندها. وهنا فكل إبستيمية، كل قطيعة معرفية، تبرز في حيزها حاملةً معها نظامها المعرفي الخاص، أو بالأحرى كيانها الخطابي الخاص بها. وهو عندما عرض علينا خصوصاً في كتابه العمدة (الكلمات والأشياء) التاريخ الفعلي للكيفية التي ظهرت فيها هذه الإبستيميات، فإنما كان يريد أن يقول إنَّ هذا الظهور وحده هو الذي يحمل برهانه على ما يقدمه ويبرزه. إنه لم يُمفهم الإبستيمية، بل حاول أن يجعلها تقول قولها، سواء جاء بما يمكن أن نتوقعه منها، أو بما يفاجىء حقاً. جعل الإبستيمية تسمّي ذاتها.
فما حدث لتاريخ المعرفة الحديث منذ القرن الماضي لا يمكن لأي مذهب فلسفي أن يفترضه أو يخترعه، خصوصاً إذا كان الهدف هو في اكتشاف المايحدث حقاً، لا ما نتصوّر أو نتمثّل ـ أنه ـ يحدث. وقد كان تقصي فوكو لمفاصل هذا المايحدث، هو بمثابة ما لا تأويل له، ولا حتى شرح أو تفسير، ولا فرضيةُ عمل، بل كان تماماً ما تعنيه الأركيولوجيا عندما تقوم بالحفر على الشيء، و ـ تبرزه من تحت الردم. ومهما يمكن القول إن الإبراز يعني هو ذاته طريقة معينة في المفهمة، إذ لا يمكن أن تنقل الشيء إلى ما يمثله من الكلمات والدلالات إلَّا وهو في حالٍ من التغير، من المفارقة لذاته والالتحاق بهذا الشيء الآخر الذي يدَّعي التعبير عنه. أي بكلمة واحدة كل خطاب عن الشيء مهما حاول أن يبقي على بعض من الخارجانية التي له، فإنه سيظل خطاباً ـ عن ـ الشيء، وليس خطاب ← الشيء.
فالحل الأركيولوجي كمنهج هو الحل والإشكالية في الآن ذاته: حين تابع فوكو استكشاف القطائع الإبستيمية الكبرى في مجال الأنظمة المعرفية التي اختارها في حقول علمية ثلاثة؛ هي الحياة واللغة والاقتصاد، إنما كان يريد أن يثبت وجود هذه القطائع بالذات، أو حدوثها بالفعل، ولم يكن لديه أي مؤونة برهانية، سوى ما يمكن أن تقدمه هذه القطائع عن ذاتها. وبالتالي يكون بذلك قد أبطل تفسير هذا الحدوث بالذات بأنظمة كليانية خارجة عنه. فحين حدث الانزياح في البيولوجيا من البحث في/وحول ما تعنيه الحياة إلى ما يقدمه الحي عن عضويته وكيانه، وحين انزاح كذلك البحث في الاقتصاد عمّا تعنيه الثروات إلى حركة هذه الثروات ومفاعيلها وظروفها، وحين صار البحث في فقه اللغة ليس عن اللغة وأصلها بالذات، ولكن عن العبارة وما تقدمه في تحولاتها عن ذاتها، لا بما تمثله عن لغة فكرية من التمثيلات والتصورات القائمة في ذهن الناطق، أو الكاتب، فإن هذه القطائع التي حدثت كذلك في لحظة تزامن تاريخي فيما بينها، إنما كانت تأتي بالمايحدث فيها ولها، سواء كان ثمة أركيولوجي هناك ينتظر الكشف عنها، وينتظرها في النصف الثاني من القرن العشرين أو لم يكن على الإطلاق.
ومن وجهة النظر هذه يمكن أن تدَّعي الأركيولوجيا أنها فلسفة وضعية، من حيث إنّها لا تفسر الواقع وإنما تقوله، حتى أنها لا تعيد قوله، ولا تعيد إنتاجه، حسب كل ذلك المصطلح التي اشتغلت عليه البنيوية الماركسية أواسط القرن الحالي. بل إن الأركيولوجيا تظل أمينةً دوماً لما تعنيه الوثيقة. إنها قارئة وثائق. وأما السؤال عمّا أحدث هذه الوثائق، فليس لدى الأركيولوجيا إلّا جواب واحد، وهو: وثائق أخرى. فلا مهرب من الوثيقة، من الحفيرة، من النُّصُب. لأن مفارقة ذلك يعني الانكفاء مجدداً إلى أنظمة التمثيلات التي غرقت فيها حداثة الأنوار وثقافة القرنين السابع عشر والثامن عشر، أي ما كان يمثل نشأة الشخصية المتميزة للمشروع الثقافي الغربي.
تهدف الأركيولوجيا إلى اختراق التاريخ الرسمي لهذا المشروع، من أجل إعادة الاتصال مع التاريخ الحقيقي، مع ما قبل ذلك التاريخ الرسمي، قبل الجسد والخطيئة قبل (السقوط) وتاريخ ضواحي وريف ذلك التاريخ الرسمي الذي كتب وحده، واسْتُبعد كل ما عداه. ضواحي هذا التاريخ المستبعدة، وثناياه المنطوية على ذاتها، والممنوع نشرها دوماً، تعثرات ذلك التاريخ، انقطاعاته، وتبعثراته حوله، وحتى داخل شبكياته المتراصة، والمحبوكة جيداً، هو الحيز المجهول للأركيولوجيا، والوطن المنسي للجينالوجيا النيتشوية ما قبل فوكو. إنها الوطن الذي نُفِي إليه التاريخُ الحقيقي تحت وطأة السيطرة المطلقة لميتافيزيقا اللامتناهي بشطريها: اللاهوتي، ثم الإنسانوي. فالأركيولوجيا تحفر إذن ما تحت التاريخ، ما تحت الأُسس المقررة، تخترق كل القوالب التي صُبَّت فيها الأحداثُ المختارة، ونُظِّمت أنساقُها حسب التراتبيات المتيافيزيقية المعدَّة والمقررة قبلياً. فالتاريخ إذن منفي من تاريخه (الميتافيزيقي). والإنسان مغادر دوماً لكل الصيغ الإنسانوية التى حُشر بها، وتم التعامل مع عقله وخبراته ومزاياه ونواقصه من خلالها دوماً. حتى كاد كل خروج عنها يُوصم بالجنون أو المرض أو الخطيئة والجريمة. فالتاريخ هو الأكثر في المستبعد منه، والأقل في المقبول منه. بل إن المقبول، الذي غدا هو مبدأ العقلنة هو المعقول وحده. إنما هو الشاهد على غياب الأصل. إنما هو القناع الذي يذكر بالوجه الحقيقي.
* * *
فوكو لم يتوقف عند هذه الإشكالية، بل اندفع في تطبيق منهجيته دون حاجة إلى تنظيرها مستقلةً عن تفعيلها داخل ما تحققه وتفعله في أرض المعرفة، وداخل تراثها ذاته. جعل برهنته أو تنظيره لمنهجيته يحوز علي جدواه المنطقية من جدوى النتائج العملية التي يحصلها، ولا شك فإن إنتاجية هذه المنهجية قد أعطت هذا البناء الفلسفي المتكامل الذي خلّفه فوكو. وكأنه أعطى أورغانون أرسطو للقرن العشرين، بعد (نقد العقل) الكانطي. لكن ما قدمه فوكو عبر بنائه الفلسفي الكبير ليس مذهباً يحوز تماسكه العقلاني مما فيه من طاقة برهانية، كما المذاهب الأخرى المعروفة. بل كل ما فعله هو أنه كما قال دوماً، وكما حاول أن يخصص الجينالوجيا ـ الأركيولوجيا بتميزها المنهجي الفرداني، هو أنه حاول الكشف عن تمفصلات الكلمات والأشياء. بمعنى أنه ترك الحفرية تقدم ما عندها. وهنا فكل إبستيمية، كل قطيعة معرفية، تبرز في حيزها حاملةً معها نظامها المعرفي الخاص، أو بالأحرى كيانها الخطابي الخاص بها. وهو عندما عرض علينا خصوصاً في كتابه العمدة (الكلمات والأشياء) التاريخ الفعلي للكيفية التي ظهرت فيها هذه الإبستيميات، فإنما كان يريد أن يقول إنَّ هذا الظهور وحده هو الذي يحمل برهانه على ما يقدمه ويبرزه. إنه لم يُمفهم الإبستيمية، بل حاول أن يجعلها تقول قولها، سواء جاء بما يمكن أن نتوقعه منها، أو بما يفاجىء حقاً. جعل الإبستيمية تسمّي ذاتها.
فما حدث لتاريخ المعرفة الحديث منذ القرن الماضي لا يمكن لأي مذهب فلسفي أن يفترضه أو يخترعه، خصوصاً إذا كان الهدف هو في اكتشاف المايحدث حقاً، لا ما نتصوّر أو نتمثّل ـ أنه ـ يحدث. وقد كان تقصي فوكو لمفاصل هذا المايحدث، هو بمثابة ما لا تأويل له، ولا حتى شرح أو تفسير، ولا فرضيةُ عمل، بل كان تماماً ما تعنيه الأركيولوجيا عندما تقوم بالحفر على الشيء، و ـ تبرزه من تحت الردم. ومهما يمكن القول إن الإبراز يعني هو ذاته طريقة معينة في المفهمة، إذ لا يمكن أن تنقل الشيء إلى ما يمثله من الكلمات والدلالات إلَّا وهو في حالٍ من التغير، من المفارقة لذاته والالتحاق بهذا الشيء الآخر الذي يدَّعي التعبير عنه. أي بكلمة واحدة كل خطاب عن الشيء مهما حاول أن يبقي على بعض من الخارجانية التي له، فإنه سيظل خطاباً ـ عن ـ الشيء، وليس خطاب ← الشيء.
فالحل الأركيولوجي كمنهج هو الحل والإشكالية في الآن ذاته: حين تابع فوكو استكشاف القطائع الإبستيمية الكبرى في مجال الأنظمة المعرفية التي اختارها في حقول علمية ثلاثة؛ هي الحياة واللغة والاقتصاد، إنما كان يريد أن يثبت وجود هذه القطائع بالذات، أو حدوثها بالفعل، ولم يكن لديه أي مؤونة برهانية، سوى ما يمكن أن تقدمه هذه القطائع عن ذاتها. وبالتالي يكون بذلك قد أبطل تفسير هذا الحدوث بالذات بأنظمة كليانية خارجة عنه. فحين حدث الانزياح في البيولوجيا من البحث في/وحول ما تعنيه الحياة إلى ما يقدمه الحي عن عضويته وكيانه، وحين انزاح كذلك البحث في الاقتصاد عمّا تعنيه الثروات إلى حركة هذه الثروات ومفاعيلها وظروفها، وحين صار البحث في فقه اللغة ليس عن اللغة وأصلها بالذات، ولكن عن العبارة وما تقدمه في تحولاتها عن ذاتها، لا بما تمثله عن لغة فكرية من التمثيلات والتصورات القائمة في ذهن الناطق، أو الكاتب، فإن هذه القطائع التي حدثت كذلك في لحظة تزامن تاريخي فيما بينها، إنما كانت تأتي بالمايحدث فيها ولها، سواء كان ثمة أركيولوجي هناك ينتظر الكشف عنها، وينتظرها في النصف الثاني من القرن العشرين أو لم يكن على الإطلاق.
ومن وجهة النظر هذه يمكن أن تدَّعي الأركيولوجيا أنها فلسفة وضعية، من حيث إنّها لا تفسر الواقع وإنما تقوله، حتى أنها لا تعيد قوله، ولا تعيد إنتاجه، حسب كل ذلك المصطلح التي اشتغلت عليه البنيوية الماركسية أواسط القرن الحالي. بل إن الأركيولوجيا تظل أمينةً دوماً لما تعنيه الوثيقة. إنها قارئة وثائق. وأما السؤال عمّا أحدث هذه الوثائق، فليس لدى الأركيولوجيا إلّا جواب واحد، وهو: وثائق أخرى. فلا مهرب من الوثيقة، من الحفيرة، من النُّصُب. لأن مفارقة ذلك يعني الانكفاء مجدداً إلى أنظمة التمثيلات التي غرقت فيها حداثة الأنوار وثقافة القرنين السابع عشر والثامن عشر، أي ما كان يمثل نشأة الشخصية المتميزة للمشروع الثقافي الغربي.
تهدف الأركيولوجيا إلى اختراق التاريخ الرسمي لهذا المشروع، من أجل إعادة الاتصال مع التاريخ الحقيقي، مع ما قبل ذلك التاريخ الرسمي، قبل الجسد والخطيئة قبل (السقوط) وتاريخ ضواحي وريف ذلك التاريخ الرسمي الذي كتب وحده، واسْتُبعد كل ما عداه. ضواحي هذا التاريخ المستبعدة، وثناياه المنطوية على ذاتها، والممنوع نشرها دوماً، تعثرات ذلك التاريخ، انقطاعاته، وتبعثراته حوله، وحتى داخل شبكياته المتراصة، والمحبوكة جيداً، هو الحيز المجهول للأركيولوجيا، والوطن المنسي للجينالوجيا النيتشوية ما قبل فوكو. إنها الوطن الذي نُفِي إليه التاريخُ الحقيقي تحت وطأة السيطرة المطلقة لميتافيزيقا اللامتناهي بشطريها: اللاهوتي، ثم الإنسانوي. فالأركيولوجيا تحفر إذن ما تحت التاريخ، ما تحت الأُسس المقررة، تخترق كل القوالب التي صُبَّت فيها الأحداثُ المختارة، ونُظِّمت أنساقُها حسب التراتبيات المتيافيزيقية المعدَّة والمقررة قبلياً. فالتاريخ إذن منفي من تاريخه (الميتافيزيقي). والإنسان مغادر دوماً لكل الصيغ الإنسانوية التى حُشر بها، وتم التعامل مع عقله وخبراته ومزاياه ونواقصه من خلالها دوماً. حتى كاد كل خروج عنها يُوصم بالجنون أو المرض أو الخطيئة والجريمة. فالتاريخ هو الأكثر في المستبعد منه، والأقل في المقبول منه. بل إن المقبول، الذي غدا هو مبدأ العقلنة هو المعقول وحده. إنما هو الشاهد على غياب الأصل. إنما هو القناع الذي يذكر بالوجه الحقيقي.
Page 5
كما استطاع المشروع الثقافي الغربي أن يثبت في وعي طبقاته الحاكمة، عقائدياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً، أن عقلانيته الممارسة فعلياً هي العقل، كذلك غرس في وعيها أن تاريخه المتداول هو تاريخها الحقيقي وحده، كما هو تاريخ الإنسانية التي تمثلها إنسانوية هذا المشروع وحدها من دون سواها.
لقد كان «الجنون» إذن هو في ابتكار الكلام الجديد الذي يخترق اللغة القائمة، الذي يكسر لعبة الدال والمدلول التي يقوم عليها فقه اللغة التقليدي، من أجل التماس مع الدال وحده. وهذا يعني انزياحاً خارج اللغة بما هي بناء مغلق أساساً، ومحكم الأصول والفروع، وفارض سلفاً ومقدماً أن يأتي كلُّ كلام مرتجعاً إلى قواعدها وضوابطها. في حين أن الكلام مهما كان عادياً وعفوياً، إنما لا يقع داخل الدائرة اللغوية، بل هو يظل هائماً على أطرافها. إنه يشكل نوعاً من الثرثرة قد ينطلق من الثأثأة والهمهمة ومجرد التصويت، وصولاً إلى كلام الخطيب والمسؤول والموظف الكبير، حتى المتعامل العادي بالصيغ اللفظية اليومية. ذلك أن تلك اللغة تنقلب كلها إلى المصطلح. والمصطلح يمنع الكلام خارجه، أو على الأقل يقف له بالمرصاد. أما عندما يوغل الكلام في كلامه الخاص، فإنه قد يوصف عندئذٍ بالجنون. لأن مثل هذا الكلام لا يمكنه أن يترجم ذاته إلى المصطلح الشائع. فالكلام الذي يقوله كائن متناه لا يجد سبيله إلى المصطلح إلّا عندما يلغي تناهيه ويقبل الاندماج في الثرثرة العامة. وبالتالي ليس هناك تاريخ للفرد، وإن كان هناك تاريخ للشخص. حتى الأدب ذاته، فقد كان إبان العصر الكلاسي يحاول أن يقول كلامه الخاص شرط أن يأتي هذا الكلام قابلاً لأن يحل ترميزه الخاص، كما يحلّ ترميز اللغة الذي يقع هو في مجال سياقها العام. لكن القطيعة في الأدب حدثت عندما غدا النص يَقْدر على قول كلامه بما يُحِمِّلُ في كلامه الخاص، من ترميزه، ومبدأ حل هذا الترميز، دونما حاجة إلى إعادة تأويل كلام النص بحسب اللغة. وهنا يتحقق مبدأ تحييد اللغة باعتبارها ترميزاً شمولياً لامتناهياً، وتعكس لاتناهي الميتافيزيقا التي تصوغها، تكتبها، تعبر عنها؛ وتتمُّ بذلك إعادتها من الحالة الاصطلاحية السائدة بسلطاتها المطلقة، إلى الحالة القاموسية الخاصة. عند ذلك يمكن الحديث عن تاريخ للنص بصرف النظر عن ولائه للغة. ويغدو هو في حد ذاته كلامه الخاص.
* * *
إن ظهور التاريخ المبعثر اقترن كذلك بانبجاس النص فوق سلطة الفقه اللغوي. وغدت أقبية التاريخ وهوامشه، ضواحيه ومناقيه، هي وثائقه المضَيَّعة الموجودة. صار يمكن للفرد، كما للنص، كما للهامش، كما لخلفية المسرح، أن تحتل كل المسرح. يُفرج عن الكواليس والأعتدة وأدوات الزينة والديكور والإخراج، حين تُشفّف جدرانُ المسرح. وتغدو كل الجدران الثلاثة القائمة، مفتوحة على الجمهور كالجدار الرابع. تصير كلها رابعاً.
كتابةُ هذا التاريخ الآخر ما بعد القطيعة مع مصطلحه المكتوب، لها انتظارها، كما للنص المبدع الأدبي له انتظاره. إنها الكتابة التي تنتظر تحقق الحفيرة، واكتشاف الوثيقة، حتى تأتي هي كتابة الوثيقة، وليس كتابة ـ عنها. هذه المباشرة لا تعني أن الوضعية انتصرت، بل بالأحرى حدث تجاوز للمثالية وللوضعية في وقت واحد. لأن الإشكالية لم تعد استقطاباً لمحور على حساب الآخر. فإن الما ـ يحدث هو الذي يقود حركة المعرفة، لأنه هو في الأصل المايوجد. والأركيولوجيا ليست آلية حيادية، ليست ممارسة من جانب يقع على جانب آخر. من الفكر على الواقع، لكنها هي مما ـ يحدث عنه، إنها ممارسة المايحدث عندما يتاح للمتناهي فيه أن يظهر كما هو. عندما يكون المتناهي هو وثيقة كينونته، يُنتزع من نسيج اللغة، ويُحمل على الكلام، أن يقول كلامه. وعند ذلك تغدو كتابة التاريخ أشبه بالنص الأدبي، ليس من الناحية الإبداعية كمضمون، ولكن من حيث تشكلها، إذ إنَّ هذا التشكل سيتحقق في النص. لكن النص الأدبي لن يطرح إشكالية أصله، أو مدى تطابقه وتناسله مع النسيج اللغوي القائم، وإنما هو يتمسك بكلامه الخاص، كركيزة أخيرة للمايحدث به وبواسطته. في حين أن كتابة النص التاريخي محتاجة إلى وثيقة الحفيرة. لا تأخذ شرعيتها المعرفية على الأقل إلّا من كونها هي كتابة هذه الوثيقة بالذات. تؤكد تناهيها بتناهي هذه الوثيقة. لكن التاريخ ليس هو التأريخ، وليس كل ما يكتب باسمه. إنه الحياة؛ ومعرفة الحياة والاتصال بها إنما تتطلب قيام كائن حي يخاطب كائناً حيّاً. فالحياة هنا تغادر مدونتها التصنيفية التي كانت تعتمدها البيولوجيا الكلاسية من أجل أن تضم كل حي في نظام تمثيل ذهني كامل يعتمد شبكيات الأجناس والأنواع والأفراد، أي يطبق، بكلمة أخرى، صفحةً جديدة من المنطق الصوري الأرسطي المعهود. بل إن الخروج من تمثيل شامل للحياة كان في ذاته قطيعة كبرى شكلت مدخلاً إلى نشأة علم الحياة (البيولوجيا) حسب تعريفه الحديث. ولكن التاريخ بالمقابل لم يحدث هذه القطيعة بين مفهومه التمثيلي الكلياني وبين مولد كائناته الحية الجديدة من تحت الركام العقلاني الأيديولوجي. وبقيت السلطة للتفسيرات الكليانية التي تعتمد تمثيلات اتصالية تقطع الطريق أمام مفاجأة التاريخ، وتحشر كينونته الحيوية في أثواب فضفاضة من المذهبيات ذات الادعاء العقلانوي، التأويلي أو التفسيري، في الشمولية واللاتناهي والإطلاق اللامحدود. وغني عن البيان أن مثل تلك الحداثة إنما تبنت ما كانت ثارت عليه في التيولوجيا وجذورها في الميتافيزيقا الأفلاطونية. فحملت على التاريخ ذاته ما كانت عجزت تلكما التيولوجيا والميتافيزيقا عن تحقيقه في مجال أدلجة الكينونة الإنسانية؛ واخترعت لهذه الكينونة مثالاً إنسانوياً جديداً جعلته سجيناً لفكرة معينة عن التقدم والتكامل الدائبين المطلقين، بحيث تتمركز هذه الفكرة أخيراً في نموذج معين عن الثقافة والحضارة، ولا يكون في النهاية ذلك النموذج إلّا المشروع الثقافي الغربي التقليدي إياه؛ إلا أنه في عصر الحداثة الكلاسية غدا رهن التحقيق العملي على الأرض بدل أن يكون مؤجلاً إلى عالم آخر، ومرفوعاً إلى السماء، كما كانت حاله في عصور ما قبل النهضة.
فالاتصالية نزعة سياسية في الأصل. لذلك اعتمدت إيديولوجيا الشمولية، ورفض الفردانية، بمعنى التحقق الكياني للمتناهي سواء كان كائناً أو نصاً أو خطاباً معرفياً محدداً.
لقد كان «الجنون» إذن هو في ابتكار الكلام الجديد الذي يخترق اللغة القائمة، الذي يكسر لعبة الدال والمدلول التي يقوم عليها فقه اللغة التقليدي، من أجل التماس مع الدال وحده. وهذا يعني انزياحاً خارج اللغة بما هي بناء مغلق أساساً، ومحكم الأصول والفروع، وفارض سلفاً ومقدماً أن يأتي كلُّ كلام مرتجعاً إلى قواعدها وضوابطها. في حين أن الكلام مهما كان عادياً وعفوياً، إنما لا يقع داخل الدائرة اللغوية، بل هو يظل هائماً على أطرافها. إنه يشكل نوعاً من الثرثرة قد ينطلق من الثأثأة والهمهمة ومجرد التصويت، وصولاً إلى كلام الخطيب والمسؤول والموظف الكبير، حتى المتعامل العادي بالصيغ اللفظية اليومية. ذلك أن تلك اللغة تنقلب كلها إلى المصطلح. والمصطلح يمنع الكلام خارجه، أو على الأقل يقف له بالمرصاد. أما عندما يوغل الكلام في كلامه الخاص، فإنه قد يوصف عندئذٍ بالجنون. لأن مثل هذا الكلام لا يمكنه أن يترجم ذاته إلى المصطلح الشائع. فالكلام الذي يقوله كائن متناه لا يجد سبيله إلى المصطلح إلّا عندما يلغي تناهيه ويقبل الاندماج في الثرثرة العامة. وبالتالي ليس هناك تاريخ للفرد، وإن كان هناك تاريخ للشخص. حتى الأدب ذاته، فقد كان إبان العصر الكلاسي يحاول أن يقول كلامه الخاص شرط أن يأتي هذا الكلام قابلاً لأن يحل ترميزه الخاص، كما يحلّ ترميز اللغة الذي يقع هو في مجال سياقها العام. لكن القطيعة في الأدب حدثت عندما غدا النص يَقْدر على قول كلامه بما يُحِمِّلُ في كلامه الخاص، من ترميزه، ومبدأ حل هذا الترميز، دونما حاجة إلى إعادة تأويل كلام النص بحسب اللغة. وهنا يتحقق مبدأ تحييد اللغة باعتبارها ترميزاً شمولياً لامتناهياً، وتعكس لاتناهي الميتافيزيقا التي تصوغها، تكتبها، تعبر عنها؛ وتتمُّ بذلك إعادتها من الحالة الاصطلاحية السائدة بسلطاتها المطلقة، إلى الحالة القاموسية الخاصة. عند ذلك يمكن الحديث عن تاريخ للنص بصرف النظر عن ولائه للغة. ويغدو هو في حد ذاته كلامه الخاص.
* * *
إن ظهور التاريخ المبعثر اقترن كذلك بانبجاس النص فوق سلطة الفقه اللغوي. وغدت أقبية التاريخ وهوامشه، ضواحيه ومناقيه، هي وثائقه المضَيَّعة الموجودة. صار يمكن للفرد، كما للنص، كما للهامش، كما لخلفية المسرح، أن تحتل كل المسرح. يُفرج عن الكواليس والأعتدة وأدوات الزينة والديكور والإخراج، حين تُشفّف جدرانُ المسرح. وتغدو كل الجدران الثلاثة القائمة، مفتوحة على الجمهور كالجدار الرابع. تصير كلها رابعاً.
كتابةُ هذا التاريخ الآخر ما بعد القطيعة مع مصطلحه المكتوب، لها انتظارها، كما للنص المبدع الأدبي له انتظاره. إنها الكتابة التي تنتظر تحقق الحفيرة، واكتشاف الوثيقة، حتى تأتي هي كتابة الوثيقة، وليس كتابة ـ عنها. هذه المباشرة لا تعني أن الوضعية انتصرت، بل بالأحرى حدث تجاوز للمثالية وللوضعية في وقت واحد. لأن الإشكالية لم تعد استقطاباً لمحور على حساب الآخر. فإن الما ـ يحدث هو الذي يقود حركة المعرفة، لأنه هو في الأصل المايوجد. والأركيولوجيا ليست آلية حيادية، ليست ممارسة من جانب يقع على جانب آخر. من الفكر على الواقع، لكنها هي مما ـ يحدث عنه، إنها ممارسة المايحدث عندما يتاح للمتناهي فيه أن يظهر كما هو. عندما يكون المتناهي هو وثيقة كينونته، يُنتزع من نسيج اللغة، ويُحمل على الكلام، أن يقول كلامه. وعند ذلك تغدو كتابة التاريخ أشبه بالنص الأدبي، ليس من الناحية الإبداعية كمضمون، ولكن من حيث تشكلها، إذ إنَّ هذا التشكل سيتحقق في النص. لكن النص الأدبي لن يطرح إشكالية أصله، أو مدى تطابقه وتناسله مع النسيج اللغوي القائم، وإنما هو يتمسك بكلامه الخاص، كركيزة أخيرة للمايحدث به وبواسطته. في حين أن كتابة النص التاريخي محتاجة إلى وثيقة الحفيرة. لا تأخذ شرعيتها المعرفية على الأقل إلّا من كونها هي كتابة هذه الوثيقة بالذات. تؤكد تناهيها بتناهي هذه الوثيقة. لكن التاريخ ليس هو التأريخ، وليس كل ما يكتب باسمه. إنه الحياة؛ ومعرفة الحياة والاتصال بها إنما تتطلب قيام كائن حي يخاطب كائناً حيّاً. فالحياة هنا تغادر مدونتها التصنيفية التي كانت تعتمدها البيولوجيا الكلاسية من أجل أن تضم كل حي في نظام تمثيل ذهني كامل يعتمد شبكيات الأجناس والأنواع والأفراد، أي يطبق، بكلمة أخرى، صفحةً جديدة من المنطق الصوري الأرسطي المعهود. بل إن الخروج من تمثيل شامل للحياة كان في ذاته قطيعة كبرى شكلت مدخلاً إلى نشأة علم الحياة (البيولوجيا) حسب تعريفه الحديث. ولكن التاريخ بالمقابل لم يحدث هذه القطيعة بين مفهومه التمثيلي الكلياني وبين مولد كائناته الحية الجديدة من تحت الركام العقلاني الأيديولوجي. وبقيت السلطة للتفسيرات الكليانية التي تعتمد تمثيلات اتصالية تقطع الطريق أمام مفاجأة التاريخ، وتحشر كينونته الحيوية في أثواب فضفاضة من المذهبيات ذات الادعاء العقلانوي، التأويلي أو التفسيري، في الشمولية واللاتناهي والإطلاق اللامحدود. وغني عن البيان أن مثل تلك الحداثة إنما تبنت ما كانت ثارت عليه في التيولوجيا وجذورها في الميتافيزيقا الأفلاطونية. فحملت على التاريخ ذاته ما كانت عجزت تلكما التيولوجيا والميتافيزيقا عن تحقيقه في مجال أدلجة الكينونة الإنسانية؛ واخترعت لهذه الكينونة مثالاً إنسانوياً جديداً جعلته سجيناً لفكرة معينة عن التقدم والتكامل الدائبين المطلقين، بحيث تتمركز هذه الفكرة أخيراً في نموذج معين عن الثقافة والحضارة، ولا يكون في النهاية ذلك النموذج إلّا المشروع الثقافي الغربي التقليدي إياه؛ إلا أنه في عصر الحداثة الكلاسية غدا رهن التحقيق العملي على الأرض بدل أن يكون مؤجلاً إلى عالم آخر، ومرفوعاً إلى السماء، كما كانت حاله في عصور ما قبل النهضة.
فالاتصالية نزعة سياسية في الأصل. لذلك اعتمدت إيديولوجيا الشمولية، ورفض الفردانية، بمعنى التحقق الكياني للمتناهي سواء كان كائناً أو نصاً أو خطاباً معرفياً محدداً.
Page 6
أما إبستيمية فوكو الخاصة، خطابه الخاص الذي قاله عبر الكشف عن الخطابات الأخرى المشكلة لبُنَى التاريخ المعرفي، فهي هذا المايحدث بالذات. أي دفع الحجر عن التناهي، الذي مُنع حتى الآن من دخول حيّز العلوم الإنسانية. فالمايحدث، التناهي، يتحقق ويحدث عبر تمفصلات العالم المحيط بالذات، في حين تظل الذات متشبثة بكل شعائر ورموز سلطتها المطلقة الخاصة. وإذ يعلن فوكو موت الإنسان، لا يكرر إعلان نيتشه موت الإلٓه فحسب، ولكنه يتابع موت الإلٓه القديم في الإنسان الجديد، الحداثوي، صنع عصر الأنوار. وإن إعلان فوكو هذا هو الذي فاجأ القوم، عصف بمملكة المثقفين المتحدثين دوماً باسم التاريخ الكلياني، والإنسان المطلق. وكان توقيت الموت الثاني للإلٓه في المجتمع الغربي يقترن ولا شك بانهيار تاريخ سياسي أيديولوجي اقتصادي شامل مضت عليه ثلاثة أو أربعة قرون متوالية.
لقد جاء هذا الفكر التوثيقي لأول مرة بالخطاب المختلف عمّا كان عليه كل من الإنسان والتاريخ والعقل. كأنما انهيارُ التاريخ السياسي ـ بمعنى الوقائع اليومية المحلية والعالمية ـ للغرب الأوروبي قد يسبق، ربما انهيار نظام الأنظمة المعرفية السائد، والمسيطر على الفكري واليومي الغربي. ولم يكن أحد يمتلك الجرأة على اختراق الأنظمة المعرفية إلى نظامها الواحد الكلي الذي يحكمها وينتجها باستمرار. بل كان ثمة هروب دائم من نظام معرفي إلى آخر داخل الخطاب الواحد. ولم يكن اختراق هذا الخطاب ممكناً حقاً، حتى بالنسبة إلى فيلسوف من حجم فوكو، لو لم يُحدث التاريخ السياسي ـ هذا اليومي المباشر، قطيعتَه الكبرى مع كل مرتكزات ماضيه.
فإن لحظة ولادة الفكر الفوكوني كتبت الإبستيمية الأخرى المؤجلة باستمرار إلى ما بعد انهيار الصيغة التمركزية للمشروع الثقافي الغربي، أو بالأحرى إلى ما بعد عصور الاستعمارات بشتى أشكالها، وخصوصاً منها العسكري والسياسي والاقتصادي. لكن تجربة هذا المشروع الثقافي الغربي لم تعد تعني ذات صاحبها فقط، ولا هي تعلن فحسب قصة علاقته الرهيبة الغنية بمركب القوة والمعرفة، تضافرِهما وتنافرِهما، ومراحل سيطرة الواحد على الآخر أو لكليهما معاً؛ بل إن هذا المشروع غدا دوماً، وهكذا كان، يشكل النتوء المتقدم ذا الكثافة البالغة أقصاها لقصة العقل مع الكينونة، بصرف النظر عن التقطيع الجغرافي والتاريخي لكل البشر.
فالمايحدث الغربي داخل مشروعه الثقافي هو بشكل ما المايحدث للعقل عندما ينخرط حقاً في الممارسة المحتومة للعبة القوة والمعرفة. والذين كانوا خارج المشروع الثقافي الغربي إنما انخرطوا، طوعاً أو قسراً، في هوامش المشروع، من حيث إنّهم كانوا فيه أبطالاً وضحايا كذلك. من حيث كانوا الآخرين دوماً. وكانت الذات (الغرب) محتاجة إليهم كينونياً كيما تكون هي كذلك أصلاً، ثم تصير تابعاً للعبة الأصل والفرع، أو الواحد والآخر، فيما بعد.
* * *
هنا تعنينا قراءة فوكو بالعربية. وخطابه المتميز عن موت إنسان مشروعه الثقافي الغربي، يعني كذلك مَنْ كان يلعب دور البطولة لمن كان اسمه: الآخر. وفي حين يتوجه خطاب فوكو إلى أهله، مبشراً بانتهاء سلطة الإنسانوية من أجل الاعتراف بالإنساني المتناهي، وسلطة الذات من أجل ولادة الفرد، فإن الآخر تتاح له من جديد أن يكتشف بطولة الضحية التي كان يمثلها دون أن يدري، وكيف أن عليه الآن أن يواجه اكتشاف تناهيه الخاص خارج خطاب البطولة كله بشقيه: المضحَّى له، والمضحَّى به، ودوريهما المتبادلين دوماً، تزامنياً وتعاقبياً، داخل وحدة هذا الخطاب ذاته ووحدانيته كذلك.
لا تطلعنا قراءة فوكو عربياً على سر برموثيوس، على سر النار الغربية، على القصة الغامضة، والذاتية جداً للعبة العقل الغربي وإنشائه لثقافته، على تلك التمفصلات السرية (الباطنية جداً) لتشكل أيقونة القوة والمعرفة. لا يضعنا كتاب (الكلمات والأشياء) في موقع من يعذبه جهله، أو يسعده بتجاهل جهله فحسب؛ لا يأسرنا مرة ثانية ويقذفنا داخل قفص المعجزة الغربية من جديد، لِنُصْلَى بخطاياها فقط دون أن يكون لنا أقل حظ في مُتَعِها وجنانها. بل يكتب فوكو كتابةَ ذات الواحد ـ Le Même، التي كتبها كبار مشرعي اللوغوس الإنساني، والناطقين باسمه. إنه وهو يحكي قصة خِدَعِ اللوغوس لذاته بذاته قد يحفِّز الآخر، المَقْصي والمبعد، على الجرأة في التصدي لإحدى هذه الخدع الكبرى أو الصغرى، لا يهمّ، من تلك التي يمارسها عبر لعبة التلذذ بعذاب الذات وتعذيبها ـ للآخر ـ في آنٍ.
يطرح (الكلمات والأشياء) جاهزية القطيعة ما بين أركيولوجيا الإنسان الإنسانوي، والإنسان اليومي: هذا ← الإنسان. يخلع عنه (أل) التعريف. ويقذفه هكذا عارياً في المكان لا يمتلك إلا جسده فقط. يدعوه لأول مرة أن يكون مغامرتَه الخاصة، قصةَ اسمه الذي لا يعني أحداً سواه. يَبْطل تخويفُ الفرد الغربي من الآخر، بإبطال تخويفه من ذاته الكليانية الشمولية. والآخر ـ العربي مثلاً ـ الذي هل يتعلم أمثولة (الكلمات والأشياء) لعلّه يُسقط عن ذاته كذلك أسطورة كلماته وأشيائه، ويمسك بلعبة لوغوسه الخاص.
يبقى أن نقول إنَّ صدمة النص الفوكوني للقارىء العربي ستأتي مختلفة من دون شك عن الصدمة المستمرة التي لا يزال يمارسها على القارىء الغربي نفسه، على الرغم من إلفته الطويلة مع الكتابة المختلفة التي شرع في نسجها وإعطائها فوكو وجيله وتياره المتشعب الذي نشأ معه، ولا يزال آتياً بعده. والصدمة ليست في صعوبة الشكل، ولا طريقة الأداء أو انحناءات العبارة الطويلة، وتعرّجاتها الداخلية، فحسب، ولكنها هي فيما يريد أن يقوله هذا الشكل بالذات. لأن أسلوب إعطاء الشكل أراد أن ينوب نهائياً عن تقديم ما كان يُسمى تقليدياً بالمضمون. فهو يريد جعل العمق جزءاً لا يتجزأ من السطح. ولذلك لم يذهب النص الفوكوني إلّا إلى علاقات التمفصل بين الملفوظات أو العبارات. لم يهتم بمنطق إحالات الأفكار بعضها على بعض، ولا بالحفر فيما تعنيه الفكرة في الذات، بل كان باحثاً عن أماكن تموضعها وتبعثرها واتجاهات علاقاتها المفاجئة في كل ناحية. كان يكتب عن الإبستيميات المتقطعة والمتفاصلة بأسلوب هذا التقاطع والتفاصل كذلك. لهذا لا يقدم النص إلى قارئه مفتاحاً واحداً، وإنما يضطره أمام كل التواء أو ثنية فيه، إلى شحذ مفتاح مختلف. فالبرهنة خارج المذهبيات والمنطقيات المعتادة، والسرد الفلسفي خارج موضوعاته التقليدية، وأسماء مراجعه ومرجعياته الكبيرة، يكتب تاريخاً للفكر خارج كل تأريخياته المتوارثة.
لقد جاء هذا الفكر التوثيقي لأول مرة بالخطاب المختلف عمّا كان عليه كل من الإنسان والتاريخ والعقل. كأنما انهيارُ التاريخ السياسي ـ بمعنى الوقائع اليومية المحلية والعالمية ـ للغرب الأوروبي قد يسبق، ربما انهيار نظام الأنظمة المعرفية السائد، والمسيطر على الفكري واليومي الغربي. ولم يكن أحد يمتلك الجرأة على اختراق الأنظمة المعرفية إلى نظامها الواحد الكلي الذي يحكمها وينتجها باستمرار. بل كان ثمة هروب دائم من نظام معرفي إلى آخر داخل الخطاب الواحد. ولم يكن اختراق هذا الخطاب ممكناً حقاً، حتى بالنسبة إلى فيلسوف من حجم فوكو، لو لم يُحدث التاريخ السياسي ـ هذا اليومي المباشر، قطيعتَه الكبرى مع كل مرتكزات ماضيه.
فإن لحظة ولادة الفكر الفوكوني كتبت الإبستيمية الأخرى المؤجلة باستمرار إلى ما بعد انهيار الصيغة التمركزية للمشروع الثقافي الغربي، أو بالأحرى إلى ما بعد عصور الاستعمارات بشتى أشكالها، وخصوصاً منها العسكري والسياسي والاقتصادي. لكن تجربة هذا المشروع الثقافي الغربي لم تعد تعني ذات صاحبها فقط، ولا هي تعلن فحسب قصة علاقته الرهيبة الغنية بمركب القوة والمعرفة، تضافرِهما وتنافرِهما، ومراحل سيطرة الواحد على الآخر أو لكليهما معاً؛ بل إن هذا المشروع غدا دوماً، وهكذا كان، يشكل النتوء المتقدم ذا الكثافة البالغة أقصاها لقصة العقل مع الكينونة، بصرف النظر عن التقطيع الجغرافي والتاريخي لكل البشر.
فالمايحدث الغربي داخل مشروعه الثقافي هو بشكل ما المايحدث للعقل عندما ينخرط حقاً في الممارسة المحتومة للعبة القوة والمعرفة. والذين كانوا خارج المشروع الثقافي الغربي إنما انخرطوا، طوعاً أو قسراً، في هوامش المشروع، من حيث إنّهم كانوا فيه أبطالاً وضحايا كذلك. من حيث كانوا الآخرين دوماً. وكانت الذات (الغرب) محتاجة إليهم كينونياً كيما تكون هي كذلك أصلاً، ثم تصير تابعاً للعبة الأصل والفرع، أو الواحد والآخر، فيما بعد.
* * *
هنا تعنينا قراءة فوكو بالعربية. وخطابه المتميز عن موت إنسان مشروعه الثقافي الغربي، يعني كذلك مَنْ كان يلعب دور البطولة لمن كان اسمه: الآخر. وفي حين يتوجه خطاب فوكو إلى أهله، مبشراً بانتهاء سلطة الإنسانوية من أجل الاعتراف بالإنساني المتناهي، وسلطة الذات من أجل ولادة الفرد، فإن الآخر تتاح له من جديد أن يكتشف بطولة الضحية التي كان يمثلها دون أن يدري، وكيف أن عليه الآن أن يواجه اكتشاف تناهيه الخاص خارج خطاب البطولة كله بشقيه: المضحَّى له، والمضحَّى به، ودوريهما المتبادلين دوماً، تزامنياً وتعاقبياً، داخل وحدة هذا الخطاب ذاته ووحدانيته كذلك.
لا تطلعنا قراءة فوكو عربياً على سر برموثيوس، على سر النار الغربية، على القصة الغامضة، والذاتية جداً للعبة العقل الغربي وإنشائه لثقافته، على تلك التمفصلات السرية (الباطنية جداً) لتشكل أيقونة القوة والمعرفة. لا يضعنا كتاب (الكلمات والأشياء) في موقع من يعذبه جهله، أو يسعده بتجاهل جهله فحسب؛ لا يأسرنا مرة ثانية ويقذفنا داخل قفص المعجزة الغربية من جديد، لِنُصْلَى بخطاياها فقط دون أن يكون لنا أقل حظ في مُتَعِها وجنانها. بل يكتب فوكو كتابةَ ذات الواحد ـ Le Même، التي كتبها كبار مشرعي اللوغوس الإنساني، والناطقين باسمه. إنه وهو يحكي قصة خِدَعِ اللوغوس لذاته بذاته قد يحفِّز الآخر، المَقْصي والمبعد، على الجرأة في التصدي لإحدى هذه الخدع الكبرى أو الصغرى، لا يهمّ، من تلك التي يمارسها عبر لعبة التلذذ بعذاب الذات وتعذيبها ـ للآخر ـ في آنٍ.
يطرح (الكلمات والأشياء) جاهزية القطيعة ما بين أركيولوجيا الإنسان الإنسانوي، والإنسان اليومي: هذا ← الإنسان. يخلع عنه (أل) التعريف. ويقذفه هكذا عارياً في المكان لا يمتلك إلا جسده فقط. يدعوه لأول مرة أن يكون مغامرتَه الخاصة، قصةَ اسمه الذي لا يعني أحداً سواه. يَبْطل تخويفُ الفرد الغربي من الآخر، بإبطال تخويفه من ذاته الكليانية الشمولية. والآخر ـ العربي مثلاً ـ الذي هل يتعلم أمثولة (الكلمات والأشياء) لعلّه يُسقط عن ذاته كذلك أسطورة كلماته وأشيائه، ويمسك بلعبة لوغوسه الخاص.
يبقى أن نقول إنَّ صدمة النص الفوكوني للقارىء العربي ستأتي مختلفة من دون شك عن الصدمة المستمرة التي لا يزال يمارسها على القارىء الغربي نفسه، على الرغم من إلفته الطويلة مع الكتابة المختلفة التي شرع في نسجها وإعطائها فوكو وجيله وتياره المتشعب الذي نشأ معه، ولا يزال آتياً بعده. والصدمة ليست في صعوبة الشكل، ولا طريقة الأداء أو انحناءات العبارة الطويلة، وتعرّجاتها الداخلية، فحسب، ولكنها هي فيما يريد أن يقوله هذا الشكل بالذات. لأن أسلوب إعطاء الشكل أراد أن ينوب نهائياً عن تقديم ما كان يُسمى تقليدياً بالمضمون. فهو يريد جعل العمق جزءاً لا يتجزأ من السطح. ولذلك لم يذهب النص الفوكوني إلّا إلى علاقات التمفصل بين الملفوظات أو العبارات. لم يهتم بمنطق إحالات الأفكار بعضها على بعض، ولا بالحفر فيما تعنيه الفكرة في الذات، بل كان باحثاً عن أماكن تموضعها وتبعثرها واتجاهات علاقاتها المفاجئة في كل ناحية. كان يكتب عن الإبستيميات المتقطعة والمتفاصلة بأسلوب هذا التقاطع والتفاصل كذلك. لهذا لا يقدم النص إلى قارئه مفتاحاً واحداً، وإنما يضطره أمام كل التواء أو ثنية فيه، إلى شحذ مفتاح مختلف. فالبرهنة خارج المذهبيات والمنطقيات المعتادة، والسرد الفلسفي خارج موضوعاته التقليدية، وأسماء مراجعه ومرجعياته الكبيرة، يكتب تاريخاً للفكر خارج كل تأريخياته المتوارثة.
Page 7
يضرب فوكو مثلاً في محاولة تحقيقه لمجازفة خروج العقل نفسه من تحت سلطان إنتاجاته وإعادة رؤيته للماحَدَث الفكري بعين المايحدث الكينوني. وبالتالي يقفز النص الفوكوني فوق كل عادات القراءة المعهودة. يجرد قارئه من أسلحته وأدواته المكدسة في أساليب غزوه وتشريحه لدلالات المكتوب. ويحاول النص الفوكوني أن يقدم كينونته كما لو كانت هي ثمرة الفكر المتناهي بالذات الذي يبشر فيه فيلسوف (الكلمات والأشياء). هي الثمرة، وهي كذلك المدخل إلى قراءة ذات الواحد. أو هذا المتناهي عينه الذي يدعونا إلى ملاقاة كل كائن في حدود فردانيته الخاصة.
كانما هذه الأركيولوجيا قد تحقق عبر (الكلمات والأشياء) ما كان يطمح إليه كل المنعطف الفلسفي الكبير الذي اكتشفه فوكو ووقف على تمفصله الفريد، من حيث إنها أعطت للفلسفة، ربما لأول مرة في هذا العصر، وثيقتَها الفعلية، حفرياتِها في أرض التاريخ، في المايحدث حقاً. كيف أن نظاماً معرفياً ما.. (الإبستيمية) لا يفسر نظاماً معرفياً آخر، ولكنه يتمفصل معه. كيف أن القطائع المعرفية التي كانت تحدث في الحيز البيولوجي (الحيوي)، والحيز الاقتصادي، والحيز اللغوي، لا ينتج بعضها البعض الآخر، ولا يكون أحدها أصلاً للآخرين أو مرجعاً لهما. ولكنها تتموضع في حيزاتها، تتلامس حدودها، تتمفصل فيما بينها. ويكون لكل منها تناهيها الخاص.
وإذا كان الحيِّزان، الحيوي والاقتصادي، قد حققا كل منهما قطيعته الخاصة مع ماضيه المرتكز على مفهوم الماهية الصورية، فإن اللغة أخذت طريقها كذلك إلى تجاوز التمثيل، كونها الوسيط المحايد بين الشيء ودلالاته الذهنية، صار للكلمة كذلك فرديتها وواقعتها الخاصة. لكن العلوم الإنسانية، أو بالأحرى ذلك النظام المعرفي الشامل لرؤية الواقعة الإنسانية تأخرت قطيعتها، وقطيعته، إذ لا يزال يعتمد منطق اللامتناهي لتقييم المتناهي، وانتشاله من حفيرته، وتجريده من حدوده، وإغراقه في بؤرة الذاتية المتمركزة حول ماهيتها المتصورة.
ومن هنا ينبغي أن تفهم ثورة الأركيولوجيا من حيث إنها عندما تعلن زوال الإنسان أو قرب زواله، إنما تقصد تلك القطيعةَ المنتظرة التي ستحلّ في نظام الأنظمة المعرفية الذي اعتادت العلوم الإنسانية أن تجعله كبطانة تغلف به منهجياتها ذات الانتماءات المعلنة للوضعيات والتجريبيات، في حين أنها هي التي كانت في واقع التقييم والممارسة تلغي الإنسان، الكائن والواقعة التاريخية واليومية، تمنع كثرته وتعدده، واختلافاته، لمصلحة هيمنة الرؤية الوحيدة لماهية لامتناهية واحدة لإنسان، هو في التحليل الأخير، ليس سوى نتاج أيديولوجي محض لاستراتيجية حضارية سياسية طبعت المشروع الثقافي الغربي، خصوصاً منذ عصر الأنوار، وسيادة نموذج وحيد من العقلانية، كان من مهمته احتكار العقل واختلافه المطرد.
ولا شك أن هذه الاستراتيجية الحضارية السياسية هي التي تواجه نهايتها مع إشراف عصر الحداثة الأول على اختتام وعوده واستنفادها حتى الآخر. وتمهد بذلك لانبثاق عهد الحداثة البعدية، La Post modernité، حيث التحديث لم يعد يكتفي بتغيير صورة العالم وحيّزاته المختلفة، بل غدا الإنسان موضوعاً هو ذاته للتحديث وليس مجرد أداة له، كما كان طوالَ عصور النهضة الغربية السابقة. فلا بد أن يأتي التحديث الآخر مختلفاً. واختلافه يبرز إلى أي حد كان التحديث السابق معتلاً من الداخل، ومستثمراً لمصلحة إرادة القوة على حساب إرادة المعرفة. فالعلاقة بين الإرادتين لم تكن طوال الحداثة السابقة تضافرية، لم تكن تمفصلية، بل استقوائية، ووحيدة الجانب، للأقوى الذي يسخِّر الجانب الآخر الأضعف. فالعلاقة الاستقطابية ↔ الاستتباعية بين المعرفة والقوة كانت تمنع انبثاقة القوة القووية التي يمكن أن تنشأ عندما ينقضي هذا النموذج من العلاقة، لتولد على أنقاضه العلاقة التمفصلية التضافرية، التي تسمح للمعرفة والقوة معاً أن تبرح كل منهما موقع الأقوى وحده بدون الآخر، من غير أن نلغيه أو نستخدمه.
لا يأتي كتاب (الكلمات والأشياء) ليبشر بعصر الحداثة البعدية فحسب بل المصحّحة كذلك. لكن كان هو أول تحققاتها التطبيقية. إنه جاء ليفتتح كتابة المتناهي: «إن تناهياً بدون لاتناه، إنما يعني بدون شك أنه تناهٍ ما كان لينتهي أبداً. وهو دوماً في حال تأخر بالنسبة إلى ذاته، متبقياً له أيضاً بعض ما يُفَكّر فيه. في اللحظة ذاتها التي فيها يفكر، ومتبقياً له دوماً في الوقت ليفكر من جديد في ما كان فكر فيه». ـ فوكو.
مطـاع صفـدي
1988
باريس
كانما هذه الأركيولوجيا قد تحقق عبر (الكلمات والأشياء) ما كان يطمح إليه كل المنعطف الفلسفي الكبير الذي اكتشفه فوكو ووقف على تمفصله الفريد، من حيث إنها أعطت للفلسفة، ربما لأول مرة في هذا العصر، وثيقتَها الفعلية، حفرياتِها في أرض التاريخ، في المايحدث حقاً. كيف أن نظاماً معرفياً ما.. (الإبستيمية) لا يفسر نظاماً معرفياً آخر، ولكنه يتمفصل معه. كيف أن القطائع المعرفية التي كانت تحدث في الحيز البيولوجي (الحيوي)، والحيز الاقتصادي، والحيز اللغوي، لا ينتج بعضها البعض الآخر، ولا يكون أحدها أصلاً للآخرين أو مرجعاً لهما. ولكنها تتموضع في حيزاتها، تتلامس حدودها، تتمفصل فيما بينها. ويكون لكل منها تناهيها الخاص.
وإذا كان الحيِّزان، الحيوي والاقتصادي، قد حققا كل منهما قطيعته الخاصة مع ماضيه المرتكز على مفهوم الماهية الصورية، فإن اللغة أخذت طريقها كذلك إلى تجاوز التمثيل، كونها الوسيط المحايد بين الشيء ودلالاته الذهنية، صار للكلمة كذلك فرديتها وواقعتها الخاصة. لكن العلوم الإنسانية، أو بالأحرى ذلك النظام المعرفي الشامل لرؤية الواقعة الإنسانية تأخرت قطيعتها، وقطيعته، إذ لا يزال يعتمد منطق اللامتناهي لتقييم المتناهي، وانتشاله من حفيرته، وتجريده من حدوده، وإغراقه في بؤرة الذاتية المتمركزة حول ماهيتها المتصورة.
ومن هنا ينبغي أن تفهم ثورة الأركيولوجيا من حيث إنها عندما تعلن زوال الإنسان أو قرب زواله، إنما تقصد تلك القطيعةَ المنتظرة التي ستحلّ في نظام الأنظمة المعرفية الذي اعتادت العلوم الإنسانية أن تجعله كبطانة تغلف به منهجياتها ذات الانتماءات المعلنة للوضعيات والتجريبيات، في حين أنها هي التي كانت في واقع التقييم والممارسة تلغي الإنسان، الكائن والواقعة التاريخية واليومية، تمنع كثرته وتعدده، واختلافاته، لمصلحة هيمنة الرؤية الوحيدة لماهية لامتناهية واحدة لإنسان، هو في التحليل الأخير، ليس سوى نتاج أيديولوجي محض لاستراتيجية حضارية سياسية طبعت المشروع الثقافي الغربي، خصوصاً منذ عصر الأنوار، وسيادة نموذج وحيد من العقلانية، كان من مهمته احتكار العقل واختلافه المطرد.
ولا شك أن هذه الاستراتيجية الحضارية السياسية هي التي تواجه نهايتها مع إشراف عصر الحداثة الأول على اختتام وعوده واستنفادها حتى الآخر. وتمهد بذلك لانبثاق عهد الحداثة البعدية، La Post modernité، حيث التحديث لم يعد يكتفي بتغيير صورة العالم وحيّزاته المختلفة، بل غدا الإنسان موضوعاً هو ذاته للتحديث وليس مجرد أداة له، كما كان طوالَ عصور النهضة الغربية السابقة. فلا بد أن يأتي التحديث الآخر مختلفاً. واختلافه يبرز إلى أي حد كان التحديث السابق معتلاً من الداخل، ومستثمراً لمصلحة إرادة القوة على حساب إرادة المعرفة. فالعلاقة بين الإرادتين لم تكن طوال الحداثة السابقة تضافرية، لم تكن تمفصلية، بل استقوائية، ووحيدة الجانب، للأقوى الذي يسخِّر الجانب الآخر الأضعف. فالعلاقة الاستقطابية ↔ الاستتباعية بين المعرفة والقوة كانت تمنع انبثاقة القوة القووية التي يمكن أن تنشأ عندما ينقضي هذا النموذج من العلاقة، لتولد على أنقاضه العلاقة التمفصلية التضافرية، التي تسمح للمعرفة والقوة معاً أن تبرح كل منهما موقع الأقوى وحده بدون الآخر، من غير أن نلغيه أو نستخدمه.
لا يأتي كتاب (الكلمات والأشياء) ليبشر بعصر الحداثة البعدية فحسب بل المصحّحة كذلك. لكن كان هو أول تحققاتها التطبيقية. إنه جاء ليفتتح كتابة المتناهي: «إن تناهياً بدون لاتناه، إنما يعني بدون شك أنه تناهٍ ما كان لينتهي أبداً. وهو دوماً في حال تأخر بالنسبة إلى ذاته، متبقياً له أيضاً بعض ما يُفَكّر فيه. في اللحظة ذاتها التي فيها يفكر، ومتبقياً له دوماً في الوقت ليفكر من جديد في ما كان فكر فيه». ـ فوكو.
مطـاع صفـدي
1988
باريس
Page 8
مقدمة
ترجمة: بدر الدين عرودكيمراجعة: جـورج زيـنـاتـي
لهذا الكتاب مكان ولادة في نص لِـ (بورخيس Borges). في الضحكة التي تهزّ لدى قراءته كلّ عادات الفكر ـ فكرنا: الفكر الذي له عمرنا وجغرافيتنا ـ، مزعزعة كلّ السطوح المنظمة والخطط التي تعقّل لنا التدفق الغزير للكائنات، وتجعل ممارستنا القديمة ـ لـ الذات: même، ولـ الآخر: Autre، ترتعش وتقلق لمدة طويلة. يستشهد هذا النص «بموسوعة صينية معينة» كُتب فيها أن الحيوانات تنقسم إلى: (أ) يملكها الأمبراطور، (ب) محنّطة، (ج) داجنة، (د) خنازير رضيعة، (هـ) جنّيات البحر، (و) خرافية، (ز) كلاب طليقة، (ح) ما يدخل في هذا التصنيف، (ط) التي تهيج كالمجانين، (ي) حيوانات لا تحصى، (ك) مرسومة بريشة دقيقة من وبر الجمل، (ل) إلى آخره، (م) التي كسرت الجرّة تواً، (ن) التي تبدو من بعيد كالذباب. ونحن تحت تأثير انبهارنا أمام مثل هذا التقسيم نصل بقفزة واحدة ـ بفضل المدافع عن هذا التقسيم البادي لنا كسحر غرائبي لفكر آخر ـ إلى الحد الأخير لفكرنا: الاستحالة العارية المطلقة لأن نفكر هكذا.
ما هو إذن ما يستحيل تفكيره؟ وأي استحالة نعني؟ من الممكن أن نعطي لكل واحد من هذه العناوين الفريدة معنىً دقيقاً ومَضموناً يمكن تعيينه، بعضها ينطوي على كائنات خيالية ـ الحيوانات الخُرافية وجنّيات البحر ـ إلّا أنَّ الموسوعة الصينية، إذ تُفرد لها مكاناً خاصاً بها على وجه التدقيق، فإنما تحدّد قدراتها على العدوى؛ إنها تميز بعناية الحيوانات الحقيقية (التي تهيج كالمجانين، أو التي كسرت الجرّة)، وتلك التي لا مكان لها إلّا في الخيال. فالخلط الخطير مستبعد، والشعارات والحكايات قد احتلّت مكانها، فليست هناك حيوانات برمائية صعبة التمثيل، ولا أجنحة ذات براثن، ولا قذارة حرشفية الجلد، ولا أي واحد من هذه الوجوه الشيطانية المتعدّدة الأشكال، ولا أي نسمة من لهب. والتشويه هنا لا يغيّر أي جسد حقيقي، ولا يعدّل في شيء كتاب الحيوان الخيالي، كما أنه لا يختبىء في أعماق أية سلطة غريبة. بل إنه لن يكون حاضراً في أي مكان في هذا التصنيف لو لم يكن يندسّ في كل المكان الخاوي، في كل البياض الحادث بين فرجتين، والذي يفصل الكائنات بعضها عن بعض. فليست الحيوانات «الخُرَافية» هي المستحيلة، إذ قد أشير إليها على أنها كذلك، وإنما المسافة الضيّقة التي وُضعت بموجبها إلى جانب الكلاب الطليقة أو الحيوانات التي تبدو من بعيد كالذباب. إن ما هو خارق لكلّ مخيلة، لكل فكر ممكن، هو ببساطة المجموعة الألف بائية (أ، ب، ج، د) التي تربط بكل الفئات الأخرى كل واحدة من هذه الفئات.
كذلك لسنا إزاء غرابة لقاءات مستهجنة. ونحن نعلم ما في مقاربة الحدود القصوى: أو حتى في المجاورة المفاجئة لأشياء لا علاقة بينها من تشويش وإرباك؛ فالتعداد الذي يصدمها بعضها ببعض يملك وحده قدرة سحرية: «لم أعد صائماً قط، يقول أوستين، في كل هذا اليوم، ستكون في مأمن من لعابي: الصل (أفعى صغيرة)، والقهيقران (من العظاء)، والأحياء اللاهوائية، والأميبات والنحليات والعنكبوتيات والنجميّات والمتألقات (حشرات غشائية الأجنحة)، ولفافات الورق (خنافس)، والوزغيات (فصيلة من العظاء)، والبواسير وغيرها من الأحياء الدقيقة والحشرات اللافقارية. لكن كل هذه الديدان والأفاعي، كل هذه الكائنات العفنة واللزجة تعج، شأن مقاطع الكلمات التي تسمّيها؛ في لعاب أوستين: هناك تجد جميعها مكانها المشترك، كما هو الأمر مع طاولة العمليات التي عليها مظلّة أو آلة خياطة؛ وإذا كانت غرابة لقائها تسطع، فإنما تسطع على خلفية من حرف العطف (الواو)، ومن حرفيْ الجر (في وعلى)، التي تضمِّن صلابتها ووضوحها إمكانيةُ المقاربة. لقد كان حقاً من غير المحتمل أن تأتي البواسير والعناكب والأميبا، ذات يوم، لتختلط تحت أسنان أوستين، إلّا أنه بعد كل شيء، في هذا الفم المضيف الشّره، كان هناك ما تسكن فيه وتجد قصرَ تعايشها.
إن الفظاعة التي يجعلها بورخيس تطوف عبر تعداده تقوم على العكس من ذلك، في أن المكان المشترك للقاءات هو نفسه قد أصابه الخراب. إنَّ ما هو مستحيل ليس تجاور الأشياء وإنما الموقع نفسه الذي يمكن لها أن تتجاور فيه. فالحيوانات: «(ط) التي تهيج كالمجانين، (ي) الحيوانات التي لا تحصى، (ك) والمرسومة بريشة دقيقة من وبر الجمل» ـ أين يمكن لها أن تلتقي أصلاً، إلا في الصوت غير المادي الذي يلفظ تعدادها، إلّا على الصفحة التي تدوّن هذا الصوت؟ وأين يسعها أن تتحاذى إنْ لم يكنْ في لامكان اللغة؟ بيد أن هذا اللامكان بنشره لها، لا يفتح أبداً سوى مكان لا يخطر ببال. فالفئة المركزية من الحيوانات و«الداخلة في هذا التصنيف» تشير بما يكفي بالإسناد الظاهر لمفارقات معروفة، أننا لن نتوصّل أبداً لتحديد علاقة محتوٍ بحاوٍ ثابتةٍ بين كل واحدة من هذه المجموعات، والمجموعة التي تجمعها كلها: إذا كانت كل الحيوانات الموزعة تدخل بلا استثناء في إحدى خانات التوزيع، فهل كل الحيوانات الأخرى ليست في هذه الخانة؟ وهذه بدورها، في أيّ مكان تقيم؟ إن العبث يدمّر حرف العطف «و» في التعداد حين يصيب بالاستحالة حرف الجر «إلى» حيث تتوزع الأشياء الوارد تعدادها. إن بورخيس لا يضيف أي شكل على أطلس المستحيل، كما أنه لا يعمل على تدفق برق اللقاء الشعري في أي مكان، وإنما يتلافى، فقط، أكثر الضرورات كتماناً ولكن أشدها إنجاحاً، ويلغي المكان، الأرض الخرساء، حيث يسع الكائنات أن تتحاذى. اختفاء مقنع أو بالأحرى مشار إليه بسخرية بالمجموعة الألفبائية لأبجديتنا التي يفترض بها أن تقوم بدور الخط الموجِّه (الوحيد المرئي) لتعدادات موسوعة صينية. إن ما أَنتزع بكلمة: هو «طاولة» العمليات الشهيرة، وبإعطائي روسيل Roussel جزءاً زهيداً مما هو متوجّب له دوماً، فإنني استخدم كلمة «طاولة» هذه بمعنيين متراكبَيْن: طاولة نيكلية، مطاطية، مغلَّفة بالبياض، متلألئة تحت الشمس الزجاجية التي تلتهم الظلال؛ ـ هناك حيث تلتقي للحظة، وربما للأبد، الشمسية آلة الخياطة، ولوحة تسمح للفكر بأن يقيم بين الكائنات تنظيماً، توزيعاً طبقياً، تجمعياً اسمياً يشار به إلى ما تتشابه به وما تختلف فيه، ـ هناك حيث تتقاطع، منذ عمق الأزمنة، اللغةُ مع المكان.
Page 9
لقد جعلني نص بورخيس هذا أضحك طويلاً، ولكن ليس دون ضيق مؤكد من الصعب التغلّب عليه. ربما لأن في أثره ولدت ريبة أن هناك فوضى أسوأ من فوضى ما هو غير لائق ومقاربة ما لا يتناسب، وربما كانت الفوضى التي تجعل مقاطع عدد كبير من الأنساق الممكنة تتلألأ في البُعد الذي دون قانون أو هندسة، بعد الخليط؛ ويجب أن تفهم هذه الكلمة في أقرب معانيها إلى المعنى الأصلي لجذرها الذي اشتقّت منه: فالأشياء فيه «مطروحة» و«موضوعة»، و«موزّعة» في مواقع هي من الاختلاف بحيث إنَّ من المستحيل أن نجد لها مكان استقبال، وأن نحدّد تحت هذه وتلك مكاناً مشتركاً. على أن اليوتوبيات تعزّينا: ذلك أنه إذا كانت لا تملك مكاناً حقيقياً، فإنها تزدهر مع ذلك في مكان خارق وصقيل، وتفتح مدناً ذات جادات فسيحة، وحدائق حافلة بالزرع، وبلداناً سهلة حتى لو كان دخولها وهمياً. فاليوتوبيا المتغايرة (Hérérotopies) تقلق دون شك لأنها تلغم اللغة سراً. لأنها تمنع من تسمية هذا وذاك، لأنها تحطم الأسماء العامة أو تشبكها بعضها ببعض، لأنها تدمر سلفاً «النحو»، وليس فقط النحو الذي يبني الجُمل ـ وإنما ذلك الأقل بروزاً ـ والذي «يربط معاً» (جنباً إلى جنب وفي مواجهة بعضها بعضاً) الكلمات والأشياء. ولهذا فإن اليوتوبيات تسمح بالخُرافات وبالخطب: إنها في الخط المستقيم للغة، في البعد الأصلي للقصة (fabula)؛ إن اليوتوبيات المتغايرة (كما نجد منها غالباً لدى بورخيس) تجفّف الحديث، وتوقف الكلمات عند حدودها، وترفض منذ جذورها، كلَّ إمكانية للنحو، إنها تطلق الأساطير وتطبع بالعقم غنائية الجُمل.
يبدو أن بعض معقودي اللسان لا يتوصلون بطريقة متماسكة إلى تصنيف ربطات خيوط الصوف المتعددة الألوان التي تقدم لهم على سطح طاولة، كما لو أن هذا المستطيل الموحد لا يمكنه أن يستخدم كسطح متجانس ومحايد حيث تأتي الأشياء لتُظهر في آنٍ واحد النظام المستمرَّ لهوياتها أو اختلافاتها، والحقل الدلالي لتسمياتها؛ إنهم يشكِّلون في هذا السطح الموحَّد ـ حيث من الطبيعي أن تتوزع الأشياء وتتسمّى ـ كثرة من الحقول الصغيرة المحبحبة والمجزأة حيث تلصق متشابهات، لا اسم لها، الأشياء في جزر صغيرة متقطعة. ففي زاوية، يضعون الربطات ذات الألوان الفاتحة، وفي زاوية أخرى الربطات الحمراء، وفي مكان آخر يضعون الربطات البادية أنها أكثر صوفاً من غيرها، وفي مكان آخر أيضاً الربطات الأطول أو تلك التي تميل إلى اللون البنفسجي، أو تلك التي عقدت على شكل كرة. ولكن ما تكاد هذه التجمعات تعمل حتى تنفرط من جديد لأن ساحة الهوية التي ترتكز عليها، مهما كانت ضيقة، أشدّ اتساعاً من أن لا تكون غير مستقرة، وحتى اللانهاية، يجمع المريض ويفصل، يراكم المتشابهات المختلفة، ويدمر أشدّها وضوحاً، ويبعثر الهويات، ويركِّب المعايير المختلفة، ويُهيج، ثم يعيد الكرة، ويقلق، ويصل أخيراً إلى حافة الغمّ.
إن الإزعاج الذي يُضحك عند قراءة بورخيس مردّه بدون شك إلى الضيق العميق لأولئك الذين دمّرت لغتهم: الذين أضاعوا «مشترك» المكان والاسم. توبيا، أفازيا(*)، ومع ذلك فإنَّ نصر بورخيس، يتجه في اتجاه آخر. هذا الالتواء في التصنيف الذي يمنعنا من تفكيره، وتلك اللوحة بلا اتساع متماسك، يعطيهما بورخيس كوطن أسطوري منطقة محدّدة، يشكل اسمها وحدهُ، بالنسبة إلى الغرب، احتياطياً كبيراً من اليوتوبيات. أوَليست الصين في حلمنا ـ على وجه الدقة ـ الموقع المتميز للمكان؟ في نظر نسقنا الخيالي، والثقافة الصينية هي أشد الثقافات تدقيقاً في التفاصيل، وأكثرها تراتبية، وأشدها صمماً إزاء أحداث الزمان وأكثرها ارتباطاً بمجريات الامتداد المحضة، كما أننا نفكر فيها كما نفكر في حضارة الأقنية والسدود المقامة تحت وجه السماء الأبدي، ونراها منتشرة ومجمدة على مساحة قارة محاطة بالأسوار. إن كتابتها نفسها لا تبيِّن في خطوط أفقية طيران الصوت الهارب، إنها ترسم في أعمدة الصورة الجامدة للأشياء نفسها والتي لا يزال بإمكاننا التعرف عليها؛ حتى أن الموسوعة الصينية التي يذكرها بورخيس، والتصنيف الذي تقترحه يؤديان إلى فكر بلا مكان، وإلى كلمات ومقولات بلا نار ولا مكان، وإنما تعتمد في الأساس على مكان مهيب، حافل بالأشكال المعقدة، وبالدروب المتشابكة، وبالمواقع الغريبة، وبمعابر سرية، وباتصالات غير متوقعة. وبذا، فقد يكون هناك، على الطرف الأقصى الآخر من الأرض التي نسكنها، ثقافةٌ مكرّسة بأجمعها لتنظيم الامتداد، لكنها لا توزّع توالد الكائنات في أي من الأمكنة التي يسعنا فيها أن نسمّي ونتكلّم ونفكّر.
عندما نقيم ترتيباً رزيناً، عندما نقول إنَّ القطة والكلب يتشابهان أقل من تشابه كلبَيْن سلوقيّينْ: حتى ولو كان هذا وذَاك داجنين أو محنّطين، حتى لو كان كلاهما يركضان كالمجانين، وحتى لو كسرا الجرّة تواً، فما هي الأرضية التي نستطيع انطلاقاً منها إقامة التصنيف بتعيين كامل؟. وعلى أي «طاولة»، ووفق أي مجال للهويات، للمتشابهات، والقياسات اعتدنا أن نوزع كل هذه الأشياء المختلفة والمتشابهة؟. وما هو هذا التماسك ـ الذي نرى جيداً، على الفور، أنه غير معيّن بتسلسل قبلي ضروري وليس بمفروض من قِبل مضامين نحسّها على الفور؟ إذ ليس المقصود ربط النتائج، وإنما مقاربة وعزل وتحليل وضبط وإدماج مضامين عينية، لا شيء أشدّ تحييراً، ولا شيء أشدّ إخلاصاً وأفضل تكييفاً، ولا شيء يطلب منّا بإلحاح أشد أن نستسلم لتكاثر الكيفيات والأشكال. ومع ذلك فإن نظرة غير مسلّحة يمكنها أن تقارب بين عدة أشكال متشابهة وأن نميّز منها أشكالاً أخرى بسبب هذا الاختلاف أو ذاك: فالواقع أنه ليس ثمة، حتى بالنسبة إلى أشد التجارب سذاجة، أيّ تشابه أو أي تمييز لا يكون نتيجة عملية محدودة وتطبيقاً لمعيار مسبق. إن «نسقاً للعناصر» ـ أي تعريفاً للأجزاء التي يمكن أن تظهر عبر التشابهات والاختلافات، وأنماط التنوع التي تؤثر في هذه الأجزاء، وأخيراً العتبة التي سيكون ما فوقها يمثل الاختلاف وما تحتها يمثل التشابه ـ لا غنى عنه حتى لإقامة النظام الأبسط. إن النظام، هو في آنٍ واحد ما يتبدّى في الأشياء بوصفه قانونها الداخلي، والشبكة السرية التي ينظر من خلالها ؛ بمعنىً ما ـ بعض هذه الأشياء البعض الآخر، وما لا يوجد إلّا عبر شبكة نظرةٍ، أو انتباه أو لغة، وفي الخانات البيضاء من هذه المربّعات فقط يظهر النظام في العمق كأمر كان هناك أصلاً، منتصراً بصمت لحظة الإعلان عنه.
إن القوانين الأصولية لثقافة ما ـ القوانين التي تنظم لغتها ومجالات إدراكها، ومبادلاتها، وتقنياتها، وقيمها، ومراتب ممارساتها ـ تثبت منذ البداية، لكل إنسان، النظمَ التجريبية التي سيواجهها، والتي سيجد نفسه فيها. وفي الحد الأقصى الآخر من الفكر تفسَّر النظريات العلمية أو تأويلات الفلاسفة لماذا يوجد النظام بشكل عام وإلى أي قانون عام يخضع، وأي مبدأ يستطيع أن يحيط به، ولأي سبب يقوم هذا النظام بالذات وليس أي نظام آخر. بيد أن بين هاتَيْن المنطقتين المتباعدتَيْن يسود مجال لا يقل أصولية ـ بسبب دور الوسيط الذي يقوم به ـ وهو أشد التباساً وغموضاً، وأقلّ سهولة بدون شك على التحليل. تبدأ ثقافة معينة بالابتعاد، دون أن تدري، عن أنظمتها التجريبية التي كانت قد رسمتها لها قوانينها الأولى، مقيمة أول مسافة بينها وبين هذه الأنظمة جاعلة إياها تضيع شفافيتها الأصلية. ولا تعود تسمح لها بأن تعبرها بشكل سلبي، وتتخلّص من سلطاتها المباشرة واللامرئية، وتتحرّر بما فيه الكفاية لترى أن هذه النظم ربما لم تكن النظم الوحيدة الممكنة ولا الأفضل؛ وهكذا تجد نفسها أمام واقع فجّ، وهو أنَّه تحت نظمها العفوية أشياءٌ قابلة للتنظيم في ذاتها، تنتمي إلى نظام صامت معيّن، وبإيجاز إن هناك نظاماً، كما لو أن الثقافة إذ تتحرّر في جزء منها من شبكاتها اللغوية والإدراكية والعملية، تطبق على هذه الشبكات شبكة ثانية تحيّدها، وتقوم، إذ تضاعفها، بإظهارها واستبعادها في الوقت نفسه، وتجد نفسها في الوقت نفسه أمام الوجود الخام للنظام. وباسم هذا النظام نجد أن قوانين اللغة والإدراك والممارسة قد أصبحت موضع نقد وتحوّلت جزئياً إلى قوانين غير صالحة. وعلى خلفية هذا النظام، المعتبر أرضية إيجابية، إنما تنبني النظريات العامة في تنسيق الأشياء والتأويلات التي تستدعيها. وهكذا بين النظرة المقننة أصلاً والمعرفة التفكرية، هناك منطقة وسطى تحرّر النظام في كيانه نفسه: هناك إنما يظهر، حسب الثقافات وعصورها، كنظام مستمر ومتدرّج أو مقطع وبلا استمرارية، مرتبط بالمكان أو مؤلف في كل لحظة باندفاعة الزمن، منتسب إلى لوحة متغيّرات أو محدّد بمنظومات منفصلة من ضروب التماسك، مركب من المتشابهات التي تتتالى بالتدريج أو تتجاوب في مرايا، منظَّم حول اختلافات متزايدة، إلخ. حتى أن هذه المنطقة «الوسطى»، بمقدار ما تظهر صيغ كيان النظام، تستطيع أن تعتبر نفسها الأشد أصولية: سابقة على الكلمات، والإدراكات، والحركات التي يفترض فيها أن تعبّر عنها بدقة أو بطريقة جيدة (ولهذا فإن تجربة النظام هذه في وجودها الكتلوي والأول، تلعب دوماً دوراً نقدياً)، هذه المنطقة هي أشد صلابة، وأكثر قدماً، وأقل مدعاة للشك، ودوماً أشدّ «حقيقة» من النظريات التي تحاول إعطاءها شكلاً ظاهراً، وتطبيقاً جامعاً أو أساساً فلسفياً. وهكذا ففي كل ثقافة، بين استخدام ما يمكننا تسميته القوانين الناظمة والتأملات في النظام، هناك التجربة العارية للنظام وصِيَغ وجوده.
يبدو أن بعض معقودي اللسان لا يتوصلون بطريقة متماسكة إلى تصنيف ربطات خيوط الصوف المتعددة الألوان التي تقدم لهم على سطح طاولة، كما لو أن هذا المستطيل الموحد لا يمكنه أن يستخدم كسطح متجانس ومحايد حيث تأتي الأشياء لتُظهر في آنٍ واحد النظام المستمرَّ لهوياتها أو اختلافاتها، والحقل الدلالي لتسمياتها؛ إنهم يشكِّلون في هذا السطح الموحَّد ـ حيث من الطبيعي أن تتوزع الأشياء وتتسمّى ـ كثرة من الحقول الصغيرة المحبحبة والمجزأة حيث تلصق متشابهات، لا اسم لها، الأشياء في جزر صغيرة متقطعة. ففي زاوية، يضعون الربطات ذات الألوان الفاتحة، وفي زاوية أخرى الربطات الحمراء، وفي مكان آخر يضعون الربطات البادية أنها أكثر صوفاً من غيرها، وفي مكان آخر أيضاً الربطات الأطول أو تلك التي تميل إلى اللون البنفسجي، أو تلك التي عقدت على شكل كرة. ولكن ما تكاد هذه التجمعات تعمل حتى تنفرط من جديد لأن ساحة الهوية التي ترتكز عليها، مهما كانت ضيقة، أشدّ اتساعاً من أن لا تكون غير مستقرة، وحتى اللانهاية، يجمع المريض ويفصل، يراكم المتشابهات المختلفة، ويدمر أشدّها وضوحاً، ويبعثر الهويات، ويركِّب المعايير المختلفة، ويُهيج، ثم يعيد الكرة، ويقلق، ويصل أخيراً إلى حافة الغمّ.
إن الإزعاج الذي يُضحك عند قراءة بورخيس مردّه بدون شك إلى الضيق العميق لأولئك الذين دمّرت لغتهم: الذين أضاعوا «مشترك» المكان والاسم. توبيا، أفازيا(*)، ومع ذلك فإنَّ نصر بورخيس، يتجه في اتجاه آخر. هذا الالتواء في التصنيف الذي يمنعنا من تفكيره، وتلك اللوحة بلا اتساع متماسك، يعطيهما بورخيس كوطن أسطوري منطقة محدّدة، يشكل اسمها وحدهُ، بالنسبة إلى الغرب، احتياطياً كبيراً من اليوتوبيات. أوَليست الصين في حلمنا ـ على وجه الدقة ـ الموقع المتميز للمكان؟ في نظر نسقنا الخيالي، والثقافة الصينية هي أشد الثقافات تدقيقاً في التفاصيل، وأكثرها تراتبية، وأشدها صمماً إزاء أحداث الزمان وأكثرها ارتباطاً بمجريات الامتداد المحضة، كما أننا نفكر فيها كما نفكر في حضارة الأقنية والسدود المقامة تحت وجه السماء الأبدي، ونراها منتشرة ومجمدة على مساحة قارة محاطة بالأسوار. إن كتابتها نفسها لا تبيِّن في خطوط أفقية طيران الصوت الهارب، إنها ترسم في أعمدة الصورة الجامدة للأشياء نفسها والتي لا يزال بإمكاننا التعرف عليها؛ حتى أن الموسوعة الصينية التي يذكرها بورخيس، والتصنيف الذي تقترحه يؤديان إلى فكر بلا مكان، وإلى كلمات ومقولات بلا نار ولا مكان، وإنما تعتمد في الأساس على مكان مهيب، حافل بالأشكال المعقدة، وبالدروب المتشابكة، وبالمواقع الغريبة، وبمعابر سرية، وباتصالات غير متوقعة. وبذا، فقد يكون هناك، على الطرف الأقصى الآخر من الأرض التي نسكنها، ثقافةٌ مكرّسة بأجمعها لتنظيم الامتداد، لكنها لا توزّع توالد الكائنات في أي من الأمكنة التي يسعنا فيها أن نسمّي ونتكلّم ونفكّر.
عندما نقيم ترتيباً رزيناً، عندما نقول إنَّ القطة والكلب يتشابهان أقل من تشابه كلبَيْن سلوقيّينْ: حتى ولو كان هذا وذَاك داجنين أو محنّطين، حتى لو كان كلاهما يركضان كالمجانين، وحتى لو كسرا الجرّة تواً، فما هي الأرضية التي نستطيع انطلاقاً منها إقامة التصنيف بتعيين كامل؟. وعلى أي «طاولة»، ووفق أي مجال للهويات، للمتشابهات، والقياسات اعتدنا أن نوزع كل هذه الأشياء المختلفة والمتشابهة؟. وما هو هذا التماسك ـ الذي نرى جيداً، على الفور، أنه غير معيّن بتسلسل قبلي ضروري وليس بمفروض من قِبل مضامين نحسّها على الفور؟ إذ ليس المقصود ربط النتائج، وإنما مقاربة وعزل وتحليل وضبط وإدماج مضامين عينية، لا شيء أشدّ تحييراً، ولا شيء أشدّ إخلاصاً وأفضل تكييفاً، ولا شيء يطلب منّا بإلحاح أشد أن نستسلم لتكاثر الكيفيات والأشكال. ومع ذلك فإن نظرة غير مسلّحة يمكنها أن تقارب بين عدة أشكال متشابهة وأن نميّز منها أشكالاً أخرى بسبب هذا الاختلاف أو ذاك: فالواقع أنه ليس ثمة، حتى بالنسبة إلى أشد التجارب سذاجة، أيّ تشابه أو أي تمييز لا يكون نتيجة عملية محدودة وتطبيقاً لمعيار مسبق. إن «نسقاً للعناصر» ـ أي تعريفاً للأجزاء التي يمكن أن تظهر عبر التشابهات والاختلافات، وأنماط التنوع التي تؤثر في هذه الأجزاء، وأخيراً العتبة التي سيكون ما فوقها يمثل الاختلاف وما تحتها يمثل التشابه ـ لا غنى عنه حتى لإقامة النظام الأبسط. إن النظام، هو في آنٍ واحد ما يتبدّى في الأشياء بوصفه قانونها الداخلي، والشبكة السرية التي ينظر من خلالها ؛ بمعنىً ما ـ بعض هذه الأشياء البعض الآخر، وما لا يوجد إلّا عبر شبكة نظرةٍ، أو انتباه أو لغة، وفي الخانات البيضاء من هذه المربّعات فقط يظهر النظام في العمق كأمر كان هناك أصلاً، منتصراً بصمت لحظة الإعلان عنه.
إن القوانين الأصولية لثقافة ما ـ القوانين التي تنظم لغتها ومجالات إدراكها، ومبادلاتها، وتقنياتها، وقيمها، ومراتب ممارساتها ـ تثبت منذ البداية، لكل إنسان، النظمَ التجريبية التي سيواجهها، والتي سيجد نفسه فيها. وفي الحد الأقصى الآخر من الفكر تفسَّر النظريات العلمية أو تأويلات الفلاسفة لماذا يوجد النظام بشكل عام وإلى أي قانون عام يخضع، وأي مبدأ يستطيع أن يحيط به، ولأي سبب يقوم هذا النظام بالذات وليس أي نظام آخر. بيد أن بين هاتَيْن المنطقتين المتباعدتَيْن يسود مجال لا يقل أصولية ـ بسبب دور الوسيط الذي يقوم به ـ وهو أشد التباساً وغموضاً، وأقلّ سهولة بدون شك على التحليل. تبدأ ثقافة معينة بالابتعاد، دون أن تدري، عن أنظمتها التجريبية التي كانت قد رسمتها لها قوانينها الأولى، مقيمة أول مسافة بينها وبين هذه الأنظمة جاعلة إياها تضيع شفافيتها الأصلية. ولا تعود تسمح لها بأن تعبرها بشكل سلبي، وتتخلّص من سلطاتها المباشرة واللامرئية، وتتحرّر بما فيه الكفاية لترى أن هذه النظم ربما لم تكن النظم الوحيدة الممكنة ولا الأفضل؛ وهكذا تجد نفسها أمام واقع فجّ، وهو أنَّه تحت نظمها العفوية أشياءٌ قابلة للتنظيم في ذاتها، تنتمي إلى نظام صامت معيّن، وبإيجاز إن هناك نظاماً، كما لو أن الثقافة إذ تتحرّر في جزء منها من شبكاتها اللغوية والإدراكية والعملية، تطبق على هذه الشبكات شبكة ثانية تحيّدها، وتقوم، إذ تضاعفها، بإظهارها واستبعادها في الوقت نفسه، وتجد نفسها في الوقت نفسه أمام الوجود الخام للنظام. وباسم هذا النظام نجد أن قوانين اللغة والإدراك والممارسة قد أصبحت موضع نقد وتحوّلت جزئياً إلى قوانين غير صالحة. وعلى خلفية هذا النظام، المعتبر أرضية إيجابية، إنما تنبني النظريات العامة في تنسيق الأشياء والتأويلات التي تستدعيها. وهكذا بين النظرة المقننة أصلاً والمعرفة التفكرية، هناك منطقة وسطى تحرّر النظام في كيانه نفسه: هناك إنما يظهر، حسب الثقافات وعصورها، كنظام مستمر ومتدرّج أو مقطع وبلا استمرارية، مرتبط بالمكان أو مؤلف في كل لحظة باندفاعة الزمن، منتسب إلى لوحة متغيّرات أو محدّد بمنظومات منفصلة من ضروب التماسك، مركب من المتشابهات التي تتتالى بالتدريج أو تتجاوب في مرايا، منظَّم حول اختلافات متزايدة، إلخ. حتى أن هذه المنطقة «الوسطى»، بمقدار ما تظهر صيغ كيان النظام، تستطيع أن تعتبر نفسها الأشد أصولية: سابقة على الكلمات، والإدراكات، والحركات التي يفترض فيها أن تعبّر عنها بدقة أو بطريقة جيدة (ولهذا فإن تجربة النظام هذه في وجودها الكتلوي والأول، تلعب دوماً دوراً نقدياً)، هذه المنطقة هي أشد صلابة، وأكثر قدماً، وأقل مدعاة للشك، ودوماً أشدّ «حقيقة» من النظريات التي تحاول إعطاءها شكلاً ظاهراً، وتطبيقاً جامعاً أو أساساً فلسفياً. وهكذا ففي كل ثقافة، بين استخدام ما يمكننا تسميته القوانين الناظمة والتأملات في النظام، هناك التجربة العارية للنظام وصِيَغ وجوده.
Page 10
في هذه الدراسة إنما نريد تحليل هذه التجربة. فالمقصود هو تبيان ما استطاعت أن تصيرَه، منذ القرن السادس عشر، وسط ثقافة كثقافتنا: فبأية طريقة، بصعودها، كما لو كان عكس التيار، [وتلك] اللغة كما كانت متكلمة، والكائنات الطبيعية كما كانت مدركة ومجمّعة، والمبادلات [التجارية] كما كانت ممارسة، قد أظهرت ثقافتنا أن ثمة نظاماً وأن التبادلات مدينة بقوانينها والكائنات الحية بانضباطها، والكلمات بتسلسلها وقيمها التمثيلية لصيغ هذا النظام، وأي صيغ من نظام قد عُرفت وطرحت وربطت مع المكان والزمان لكي تشكل القاعدة الإيجابية للمعارف كما هي منتشرة في النحو وفي فقه اللغة، في التاريخ الطبيعي وفي علم الأحياء، وفي دراسة الثروات وفي الاقتصاد السياسي. وكما نرى فإن مثل هذا التحليل لا ينتمي إلى تاريخ الأفكار أو تاريخ العلوم، وإنما هو بالأحرى دراسة تجهد في العثور على المنطلق الذي كانت منه المعارف والنظريات ممكنة، وحسب أي مدى من النظام تكونت المعرفة، وعلى خلفية أية قبلية تاريخية وفي عنصر أي وضعية تمكّنت أفكار من الظهور، وعلوم من التكون وتجارب من الانعكاس في الفلسفات، وعقلانيات من التشكّل وربما كي تنفرط بعد ذلك وتتلاشى. لن يكون الموضوع إذن موضوع معارف موصوفة في تقدمها نحو موضوعية يستطيع علمنا اليوم أخيراً أن يتعرف إلى نفسه فيها. إن ما نريد تبيانه هو الحقل المعرفي، الإبستيمية épistémè حيث المعارف ـ منظوراً إليها خارج أي معيار يستند إلى قيمتها العقلية أو إلى صورها الموضوعية ـ تغرز وضعيتها وتظهر هكذا تاريخاً ليس تاريخَ كمالها المتزايد وإنما بالأحرى تاريخَ شروط إمكانيتها؛ ففي هذا العرض، ما يجب أن يظهر، إنما هو في داخل مدى المعرفة، التشكّلات التي ولدت الصور المختلفة للمعرفة التجريبية. وبدلاً من تاريخ بالمعنى التقليدي للكلمة، فإن ما نعنيه هو «أركيولوجيا archeologie»(**).
لكن هذا الاستقصاء الأركيولوجي قد بيَّن انقطاعين كبيرين في إبستيمية الثقافة الغربية: الانقطاع الذي دشن العصر الكلاسيكي (نحو منتصف القرن السابع عشر) وذلك الذي طبع في بداية القرن التاسع عشر عتبة حداثتنا. والنظام الذي نفكر على أساسه لا يملك صيغة الوجود نفسها التي يتملكها نظام الكلاسيكيين. وعبثاً كنا نملك الانطباع عن حركة شبه مستمرة للعقلانية الأوروبية منذ عصر النهضة وحتى أيامنا، وعبثاً فكّرنا أن تصنيف لينيه Linné، بعد تعديله، يستطيع بشكل عام الاستمرار في امتلاك نوع من الصلاحية، وأن نظرية القيمة لدى كوندياك Condillac نجدها في قسم منها في هامشية (marginalisme) القرن التاسع عشر، وأن كينز Keynes قد شعر تماماً بقرابة تحليلاته من تحليلات كانتيون Cantillon، وأن موضوع «قواعد النحو العامة» (كما نجدها لدى مؤلفي بوررويال أو لدى بوزيه Bouzée) ليسَ شديدَ البعِد عن ألسنيَّاتنا الراهنة. فشبه الاستمرارية هذه على صعيد الأفكار والموضوعات ليست دون شك سوى تأثير في السطح، أما على الصعيد الأركيولوجي، فإننا نرى أن نسق الوضعيّات قد تغيّر بطريقة كثيفة عند منعطف القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر. لا لأن العقل قد حقّق تقدّماً، وإنما لأن صيغة وجود الأشياء، والنظام الذي، إذ يوزعها يُقدّمها للمعرفة، كانت قد تغيّرت بشكل عميق. فإذا كان التاريخ الطبيعي لـ تورنفور Tournefor ولينيه Linnéوبوفون Buffon على علاقة مع شيء آخر غير نفسه، فليس مع علم الأحياء أو التشريح المقارن لـ كوڤييه Cuvier أو مع تطورية داروين، وإنما مع «قواعد النحو العامة»لـ بوزيه، ومع تحليل النقد والثروة كما نجده لدى لو Low وڤيرون دي فوربونيهVéron de Fortbonnais أو لدى تورغو Turgot. إن المعارف قد تتوصل إلى أن تتوالد بعضها من بعض، والأفكار إلى أن تتحول وأن يؤثر بعضها في بعضها الآخر (لكن كيف؟ حتى الآن لم يقل لنا المؤرخون ذلك)؛ شيء مؤكد على كل حال: هو أن الأركيولوجيا، إذ تتجه إلى مدى المعرفة العام، إلى تشكلاتها وإلى صيغة وجود الأشياء التي تظهر فيها، إنما تحدّد أنساق التزامن، وكذلك سلسلة التحولات الضرورية والكافية لعصر، عتبة، وضعية جديدة.
هكذا استطاع التحليل أن يبيّن التماسك الذي وجد على مدى العصر الكلاسيكي بين نظرية التمثيل ونظريات اللغة والنظم الطبيعية والثروة والقيمة. هذا التشكل هو الذي تغيّر كلياً بدءاً من القرن التاسع عشر؛ فنظرية التمثيل اختفت كأساس عام لكل النظم الممكنة، كما أن اللغة بوصفها لوحة عفوية وإحاطة أولية للأشياء، محطة لا غنى عنها بين التمثيل والكائنات، تمحي بدورها، وتدخل تاريخانية عميقة إلى قلب الأشياء فتعزلها وتحددها في تماسكها الخاص، وتفرض عليها أشكالاً من النظم التي تحتويها ضمناً استمرارية الزمن؛ وتحليل المبادلات والنقد يتخلى عن مكانه لدراسة الإنتاج، وتحليل الجهاز يتغلب على البحث عن السمات التصنيفية، خصوصاً وأن اللغة تفقد مكانتها المتميزة وتغدو بدورها وجهاً متماسكاً للتاريخ مع كثافة ماضيها. إلا أنه بمقدار ما كانت الأشياء تلتفّ على نفسها غير طالبة سوى أن تصبح مبدأ معقوليتها ومتخلية عن مجال التمثيل، فإنّ الإنسان بدوره يدخل، وللمرة الأولى، في ميدان المعرفة الغربية. وبشكل غريب فالإنسان ـ الذي تعتبر معرفته في نظر العيون الساذجة أقدم بحث منذ سقراط ـ ليس دون أي شك شيئاً أكثر من مجرد تمزّق ما في نظام الأشياء، وتشكلاً، على كل حال، رَسَمَهُ الوضع الجديد الذي أخذه أخيراً في المعرفة. ومن هنا ولدت كل أوهام الإنسانيات الجديدة، وكل سهولات «الأنتروبولوجيا» المفهومة على أنها تأمل عام، نصف وضعي ونصف فلسفي، في الإنسان. ومع ذلك فإن من المشجع ومن المطمئن بعمق التفكير بأن الإنسان ليس سوى ابتكار قريب، ووجهه لا يزيد عمره على قرنين، ثنية بسيطة في معرفتنا، وأنه سيختفي ما أن تجد هذه المعرفة صورة جديدة.
من الملاحظ أن هذا البحث يستجيب إلى حد ما، كصدى، لمشروع كتابة تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، فهو يملك في الزمن المفاصلَ نفسها، آخذاً انطلاقه من نهاية عصر النهضة، وواجداً هو أيضاً، على منعطف القرن التاسع عشر، عتبةَ الحداثة التي لم نخرج منها بعد. ففي حين أننا نسأل في تاريخ الجنون الطريقةَ التي تستطيع بها ثقافة ما أن تطرح في شكل كثيف وعام الاختلاف الذي يحدها، فإن المقصود هنا أن نلاحظ الطريقة التي نتقبل فيها تقارب الأشياء التي تضع هي لوحة قرابتها والنظام الذي يجب بمقتضاه قراءتها. إن الهدف إجمالاً وضعُ تاريخ التشابه: بأية شروط استطاع الفكر الكلاسيكي أن يعقل، بين الأشياء. علاقاتٍ متشابهة ـ تعادل ـ أو تؤسس وتبرز الكلمات والتصنيفات والمبادلات؟ وانطلاقاً من أي قبلية تاريخية كان من الممكن تحديد الرقعة الكبرى للهويات المتمايزة التي تقوم على خلفية مشوّشة، غير محدّدة، لا وجه لها وكأنها لامبالية بالاختلافات؟. إن تاريخ الجنون قد يكون تاريخ الآخر ـ تاريخ ما هو ـ بالنسبة إلى ثقافة ما، في آنٍ واحد داخلي ودخيل، أي ما يتوجّب استبعاده (لا لتجنّب خطره الداخلي) ولكن بسجنه (للحدِّ من آخريته)، أما تاريخ نظام الأشياء فسيكون تاريخ الذات ـ تاريخ ما هو بالنسبة إلى ثقافة ما في آنٍ واحد مبعثر ومتقارب، أي ما يتوجب تمييزه بعلامات وتلقّيه في هويات.
وإذا فكرنا أن المرض هو في آنٍ واحد الفوضى وغير الخطير في الجسم البشري وحتى قلب الحياة، وكذلك ظاهرة طبيعية لها ضوابطها وأشباهها وأنماطها ـ فإننا نرى أي مكانة يمكن أن تملكها أركيولوجيا النظرة الطبية. فمن التجربة ـ الحدّ عن «الآخر» إلى الأشكال المقومة للمعرفة الطبية، ومن هذه إلى نظام الأشياء وإلى فكر الذات، فإن ما يتقدم للتحليل الأركيولوجي إنما هو كل المعرفة الكلاسيكية أو بالأحرى هذه العتبة التي تفصلنا عن الفكر الكلاسيكي وتؤلف حداثتنا. وعلى هذه العتبة ظهر، للمرة الأولى، هذا الشكل الغريب من المعرفة الذي نطلق عليه اسم الإنسان، والذي فتح مجالاً خاصاً للعلوم الإنسانية. وإذ نحاول أن نُخرج إلى النور هذا التباين العميق في المستويات داخل الثقافة الغربية، فإنما نعيد انقطاعاتها، وعدم استقرارها، وتصدّعاتها إلى أرضيتنا الصامتة والساكنة بسذاجة، هذه الأرضية التي تقلق من جديد تحت وقع خطواتنا.
لكن هذا الاستقصاء الأركيولوجي قد بيَّن انقطاعين كبيرين في إبستيمية الثقافة الغربية: الانقطاع الذي دشن العصر الكلاسيكي (نحو منتصف القرن السابع عشر) وذلك الذي طبع في بداية القرن التاسع عشر عتبة حداثتنا. والنظام الذي نفكر على أساسه لا يملك صيغة الوجود نفسها التي يتملكها نظام الكلاسيكيين. وعبثاً كنا نملك الانطباع عن حركة شبه مستمرة للعقلانية الأوروبية منذ عصر النهضة وحتى أيامنا، وعبثاً فكّرنا أن تصنيف لينيه Linné، بعد تعديله، يستطيع بشكل عام الاستمرار في امتلاك نوع من الصلاحية، وأن نظرية القيمة لدى كوندياك Condillac نجدها في قسم منها في هامشية (marginalisme) القرن التاسع عشر، وأن كينز Keynes قد شعر تماماً بقرابة تحليلاته من تحليلات كانتيون Cantillon، وأن موضوع «قواعد النحو العامة» (كما نجدها لدى مؤلفي بوررويال أو لدى بوزيه Bouzée) ليسَ شديدَ البعِد عن ألسنيَّاتنا الراهنة. فشبه الاستمرارية هذه على صعيد الأفكار والموضوعات ليست دون شك سوى تأثير في السطح، أما على الصعيد الأركيولوجي، فإننا نرى أن نسق الوضعيّات قد تغيّر بطريقة كثيفة عند منعطف القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر. لا لأن العقل قد حقّق تقدّماً، وإنما لأن صيغة وجود الأشياء، والنظام الذي، إذ يوزعها يُقدّمها للمعرفة، كانت قد تغيّرت بشكل عميق. فإذا كان التاريخ الطبيعي لـ تورنفور Tournefor ولينيه Linnéوبوفون Buffon على علاقة مع شيء آخر غير نفسه، فليس مع علم الأحياء أو التشريح المقارن لـ كوڤييه Cuvier أو مع تطورية داروين، وإنما مع «قواعد النحو العامة»لـ بوزيه، ومع تحليل النقد والثروة كما نجده لدى لو Low وڤيرون دي فوربونيهVéron de Fortbonnais أو لدى تورغو Turgot. إن المعارف قد تتوصل إلى أن تتوالد بعضها من بعض، والأفكار إلى أن تتحول وأن يؤثر بعضها في بعضها الآخر (لكن كيف؟ حتى الآن لم يقل لنا المؤرخون ذلك)؛ شيء مؤكد على كل حال: هو أن الأركيولوجيا، إذ تتجه إلى مدى المعرفة العام، إلى تشكلاتها وإلى صيغة وجود الأشياء التي تظهر فيها، إنما تحدّد أنساق التزامن، وكذلك سلسلة التحولات الضرورية والكافية لعصر، عتبة، وضعية جديدة.
هكذا استطاع التحليل أن يبيّن التماسك الذي وجد على مدى العصر الكلاسيكي بين نظرية التمثيل ونظريات اللغة والنظم الطبيعية والثروة والقيمة. هذا التشكل هو الذي تغيّر كلياً بدءاً من القرن التاسع عشر؛ فنظرية التمثيل اختفت كأساس عام لكل النظم الممكنة، كما أن اللغة بوصفها لوحة عفوية وإحاطة أولية للأشياء، محطة لا غنى عنها بين التمثيل والكائنات، تمحي بدورها، وتدخل تاريخانية عميقة إلى قلب الأشياء فتعزلها وتحددها في تماسكها الخاص، وتفرض عليها أشكالاً من النظم التي تحتويها ضمناً استمرارية الزمن؛ وتحليل المبادلات والنقد يتخلى عن مكانه لدراسة الإنتاج، وتحليل الجهاز يتغلب على البحث عن السمات التصنيفية، خصوصاً وأن اللغة تفقد مكانتها المتميزة وتغدو بدورها وجهاً متماسكاً للتاريخ مع كثافة ماضيها. إلا أنه بمقدار ما كانت الأشياء تلتفّ على نفسها غير طالبة سوى أن تصبح مبدأ معقوليتها ومتخلية عن مجال التمثيل، فإنّ الإنسان بدوره يدخل، وللمرة الأولى، في ميدان المعرفة الغربية. وبشكل غريب فالإنسان ـ الذي تعتبر معرفته في نظر العيون الساذجة أقدم بحث منذ سقراط ـ ليس دون أي شك شيئاً أكثر من مجرد تمزّق ما في نظام الأشياء، وتشكلاً، على كل حال، رَسَمَهُ الوضع الجديد الذي أخذه أخيراً في المعرفة. ومن هنا ولدت كل أوهام الإنسانيات الجديدة، وكل سهولات «الأنتروبولوجيا» المفهومة على أنها تأمل عام، نصف وضعي ونصف فلسفي، في الإنسان. ومع ذلك فإن من المشجع ومن المطمئن بعمق التفكير بأن الإنسان ليس سوى ابتكار قريب، ووجهه لا يزيد عمره على قرنين، ثنية بسيطة في معرفتنا، وأنه سيختفي ما أن تجد هذه المعرفة صورة جديدة.
من الملاحظ أن هذا البحث يستجيب إلى حد ما، كصدى، لمشروع كتابة تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، فهو يملك في الزمن المفاصلَ نفسها، آخذاً انطلاقه من نهاية عصر النهضة، وواجداً هو أيضاً، على منعطف القرن التاسع عشر، عتبةَ الحداثة التي لم نخرج منها بعد. ففي حين أننا نسأل في تاريخ الجنون الطريقةَ التي تستطيع بها ثقافة ما أن تطرح في شكل كثيف وعام الاختلاف الذي يحدها، فإن المقصود هنا أن نلاحظ الطريقة التي نتقبل فيها تقارب الأشياء التي تضع هي لوحة قرابتها والنظام الذي يجب بمقتضاه قراءتها. إن الهدف إجمالاً وضعُ تاريخ التشابه: بأية شروط استطاع الفكر الكلاسيكي أن يعقل، بين الأشياء. علاقاتٍ متشابهة ـ تعادل ـ أو تؤسس وتبرز الكلمات والتصنيفات والمبادلات؟ وانطلاقاً من أي قبلية تاريخية كان من الممكن تحديد الرقعة الكبرى للهويات المتمايزة التي تقوم على خلفية مشوّشة، غير محدّدة، لا وجه لها وكأنها لامبالية بالاختلافات؟. إن تاريخ الجنون قد يكون تاريخ الآخر ـ تاريخ ما هو ـ بالنسبة إلى ثقافة ما، في آنٍ واحد داخلي ودخيل، أي ما يتوجّب استبعاده (لا لتجنّب خطره الداخلي) ولكن بسجنه (للحدِّ من آخريته)، أما تاريخ نظام الأشياء فسيكون تاريخ الذات ـ تاريخ ما هو بالنسبة إلى ثقافة ما في آنٍ واحد مبعثر ومتقارب، أي ما يتوجب تمييزه بعلامات وتلقّيه في هويات.
وإذا فكرنا أن المرض هو في آنٍ واحد الفوضى وغير الخطير في الجسم البشري وحتى قلب الحياة، وكذلك ظاهرة طبيعية لها ضوابطها وأشباهها وأنماطها ـ فإننا نرى أي مكانة يمكن أن تملكها أركيولوجيا النظرة الطبية. فمن التجربة ـ الحدّ عن «الآخر» إلى الأشكال المقومة للمعرفة الطبية، ومن هذه إلى نظام الأشياء وإلى فكر الذات، فإن ما يتقدم للتحليل الأركيولوجي إنما هو كل المعرفة الكلاسيكية أو بالأحرى هذه العتبة التي تفصلنا عن الفكر الكلاسيكي وتؤلف حداثتنا. وعلى هذه العتبة ظهر، للمرة الأولى، هذا الشكل الغريب من المعرفة الذي نطلق عليه اسم الإنسان، والذي فتح مجالاً خاصاً للعلوم الإنسانية. وإذ نحاول أن نُخرج إلى النور هذا التباين العميق في المستويات داخل الثقافة الغربية، فإنما نعيد انقطاعاتها، وعدم استقرارها، وتصدّعاتها إلى أرضيتنا الصامتة والساكنة بسذاجة، هذه الأرضية التي تقلق من جديد تحت وقع خطواتنا.