eKtab
EN ع
القواعد المؤسسة للسعادة والنجاح - كن سيد قرارك
Read free sample

القواعد المؤسسة للسعادة والنجاح - كن سيد قرارك

by جيمس آلان

Page 1

من الحكمة معرفة ما يأتي أولاً، وما ينفذ بداية. إن البدء بأي شيء من المنتصف أو النهاية يعني تحويله إلى فوضى. فالرياضي الذي يبدأ بقطع شريط النهاية لن يتلقى الجائزة؛ إذ يجب عليه أن يبدأ بمواجهة المبتدئين، ويأخذ الوضعية الصحيحة للسباق، وحتى عندها فإن انطلاقة جيدة هي أمر مهم إن كان سيفوز. لا يبدأ التلاميذ تعلمهم بمادة الجبر والأدب، وإنما بالعد ومعرفة حروف الأبجدية. وكذلك الأمر في الحياة، فرجال الأعمال الذين يبدؤون من القاع يحققون أكثر النجاحات ديمومة، ورجال الدين الذين يبلغون أعلى قمم المعرفة والحكمة الروحية هم أولئك الذين انحنوا ليخدموا مريضاً، وعملوا في المهام الأكثر توضعة ولم يحتقروا التجارب العامة للإنسانية، أو يتجاهلوا الدروس التي يمكن تعلمها من هذه التجارب.

إن أولى الأشياء لحياة ذات معنى، ومن ثم لحياة سعيدة وناجحة بحق، هي المبادئ الحقة. وبدون مبادئ صحيحة نبدأ بها، ستكون هنالك ممارسات خاطئة يُقتدى بها، وحياة فاشلة وبائسة يختتم بها. إن كل التنوع اللانهائي للحسابات التي تُجدول وتصنف تجارة وعلوم العالم، تتولد من الأرقام العشرة، وكل مئات ألوف الكتب التي تؤلف أدب العالم، وتخلد أفكاره ومواهبه، قد صيغت بالأحرف الستة والعشرين . لا يمكن لأعظم علماء الفلك تجاهل الأرقام العشرة البسيطة، ولا يمكن لأكثر العباقرة تعمقاً في التفكير أن يستغني عن الأحرف الستة والعشرين البسيطة. إن أساسيات كل الأشياء قليلة وبسيطة، ومع ذلك فبدونها لا وجود لمعرفة ولا إنجاز. إن الأساسيات - المبادئ الأساسية - في الحياة، أو العيش الحقيقي، هي أيضاً قليلة وبسيطة، وتعلمها بعمق، ودراسة كيفية تطبيقها على كل تفاصيل الحياة، يعني تجنب الفوضى، وتوفير أساس حقيقي للبناء المنظم لشخصية لا تُقهر ونجاح دائم، والنجاح في فهم واستيعاب تلك المبادئ في تشعباتها التي لا حصر لها في متاهة السلوك الإنساني يعني أن تصبح سيداً للحياة.

Page 2

أولى مبادئ الحياة هي مبادئ التصرف (السلوك - التدبير - الإدارة) التي يسهل تسميتها. فككلمات مجردة هي موجودة على شفاه كل إنسان، ولكن كمصادر ثابتة للفعل، معترف بها دون لبس أو تسوية، فإن القليل قد تعلموها. وفي كلامي المختصر عليها سوف أتناول خمسة فقط من هذه المبادئ. وهذه الخمسة هي من بين أكثر المبادئ الأساسية للحياة بساطة، ولكنها أيضاً الأقرب إلى الحياة اليومية، لكونها تمس الحرفي ورجل الأعمال ورب العائلة والإنسان في كل مواقعه. فلا يمكن التخلي عن أحدها من دون دفع ثمن باهظ، والإنسان الذي يهذب نفسه ويطورها باستخدام تطبيقات هذه المبادئ سيرتقي متجاوزاً العديد من المشاكل والإخفاقات في الحياة، وسيبلغ ينابيع الفكر وسواقيه التي تتدفق بشكل متناغم نحو أقاليم النجاح الدائم.

إن أول هذه المبادئ هو:

الالتزام : أعلم أنها كلمة قد تم تكرارها لدرجة الابتذال، ولكنها تحتوي على جوهرة نادرة لمن يبتغيها بالتطبيق المجتهد. يعني مبدأُ الالتزام الإخلاصَ الصارم من قبل الإنسان تجاه عمله، صرامة تمنعه من التدخل في شؤون الآخرين. إن الإنسان الذي يواظب على إعطاء التعليمات المجانية للآخرين، حول كيفية إدارتهم لشؤونهم، هو ذلك الإنسان الأكثر سوءاً في إدارة شؤونه الخاصة. يعني الالتزام أيضاً الانتباه المُركز للأمور التي يقوم بها الإنسان، أي التركيز الذكي للعقل على العمل الواجب القيام به. الأمر الذي يتضمن كل ما قصدته كلمات: الإحاطة والدقة والفعالية.

تتباين تفاصيل الالتزام ما بين الأفراد، وينبغي على كل إنسان أن يعرف واجباته أكثر من معرفته بواجبات جيرانه، وأكثر من معرفة جيرانه بواجباته هو، ولكن، ومع أن تفاصيل العمل تختلف من مهنة لأخرى، فإن المبدأ يبقى هو نفسه.

Page 3

ترى من ذلك الإنسان الذي أتقن متطلبات الالتزام كلها؟

الأمانة : هي المبدأ الثاني. وهي تعني عدم خداع الآخر أو تحميله ما لا يطيق، وهو ما يتضمن الانتفاء الكلي لكل الحيل والكذب والغش، سواء باستخدام الكلمات أو المظهر أو إشارات التودد. إنها تتضمن الإخلاص، أي أن تقول ما تعنيه حقاً، وأن تعني ما تقوله فعلاً. إنها تحتقر سياسات التصاغر والتملق المصقول. إنها تبني السمعة الحسنة، والسمعة الحسنة تشيد أعمالاً جيدة، تترافق فيها البهجة المتألقة مع النجاح المادي الطيب.

ترى من ذلك الإنسان الذي قاس مدى علو قامة الأمانة؟

الاقتصاد : هو المبدأ الثالث. فصيانة الموارد المالية للفرد هي الممر الأوحد الذي يقود تجاه الفسحات الأكثر رحابة للاقتصاد الحقيقي. إنها تعني أيضاً الاقتصاد في قدرات المرء البدنية ومصادره الذهنية. إنها تتطلب صيانة الطاقة بتجنب الإنهاك الناجم عن الانغماس في الملذات والعادات الحسية، وهذا المبدأ يضمن لمن يتبعه القوة والتحمل واليقظة والقدرة على الإنجاز. إنها تهب طاقة عظيمة للفرد الذي يتقنها جيداً.

ترى من ذاك الذي أدرك القوة الأسمى للاقتصاد؟

السخاء : يتبع الاقتصاد، فهو ليس مناقضاً له. والإنسان المقتصد فقط يمكن له أن يكون كريماً. فالمبذر، سواء بالمال أو النشاط الحيوي أو الطاقة الذهنية، يُضيع الكثير على ملذاته البائسة بما لا يُبقي شيئاً كي يهبه للآخرين. إن منح النقود هو أدنى أجزاء السخاء، فهناك منح الأفكار، والعمل، والتعاطف، ومنح المودة، وأن تكون كريماً تجاه النمامين والخصوم. إنه مبدأ مولد للنبلاء، وهو مبدأ بعيد التأثير والنفوذ. وهو مبدأ يجلب الأصدقاء المحبين والرفاق المخلصين، وهو مبدأ عدو للوحدة واليأس.

تُرى من ذاك الذي قاس اتساع السخاء؟

التحكم بالنفس : آخر هذه المبادئ الخمسة، وأكثرها أهمية، وإهماله هو سبب البؤس الواسع، والإخفاقات التي لا حصر لها، وعشرات آلاف الخرائب المادية والبدنية والذهنية. دلني على رجل أعمال يفقد أعصابه مع زبون بسبب بعض المسائل التافهة، وسأريك رجلاً - له توجه عقلي كهذا - محكوماً بالفشل. لو مارس كل الناس، حتى ولو المراحل الابتدائية للتحكم بالنفس والغضب، ونارها المستنزفة والمدمرة، فسيصبح الغضب غير معروفٍ. إن دروس الصبر والصفاء ودماثة الأخلاق واللطف والتحمل، والتي يشملها مبدأ التحكم بالنفس، يتم تعلمها تدريجياً من قبل الناس، ومع ذلك فحتى يتم تعلمها بحق، فإن شخصية الإنسان تظل مذبذبة وغير مستقرة.

أين ذلك الإنسان الذي أتقن التحكم بنفسه؟ أينما كان هذا الإنسان فإنه سيد بالفعل.

المبادئ الخمسة هي ممارسات خمس، وهي دروب خمسة وارفة يجب تحقيقها، ومصادر خمسة للمعرفة. إنه قول جميل وقاعدة ممتازة تلك التي تقول: "الممارسة تصنع الكمال"، ومن يسعى لإيجاد حكمته الخاصة المستمدة من الحكمة المتأصلة في هذه المبادئ، ينبغي عليه ألا يبقيها مجرد كلمات على شفاهه، يجب أن تُشيد هذه المبادئ داخل قلبه. ولمعرفتها وتلقي ما يمكنه جلبها وحدها، يجب على الإنسان ممارستها، وتطبيقها في أفعاله.

Page 4

من المبادئ الخمسة الصحيحة السابقة - وعندما يتم فهمها وممارستها بحق - ستنبثق أساليب سليمة. تتجلى المبادئ الصحيحة في الأفعال المنسجمة، والنظام بالنسبة إلى الحياة هو كالقانون بالنسبة إلى الكون. في كل أنحاء الكون تجد التنظيم المتناغم للأجزاء، وهذا التناسق والانسجام هو ما يتكشف عنه الكون، في تمايزه عن الفوضى.

ومن ثم ففي الحياة الإنسانية، الفرق ما بين حياة حقيقية وأخرى زائفة، ما بين حياة فعالة وذات هدف وأخرى بلا هدف وواهنة، هو فرق في النظام. فالحياة الزائفة هي خليط مفكك ومشوش من الأفكار والانفعالات والتصرفات، فيما الحياة الحقة هي توافق ذو نظام ما بين جميع أجزائها. إنه الفارق كله ما بين كومة كبيرة من سقط المتاع وما بين آلة فعالة تعمل بانسيابية. إن قطعة من آلة موضوعة ضمن ترتيب تشغيل مضبوط لا تعد مفيدة فقط، ولكنها شيء مثير للإعجاب والافتتان، ولكن عندما تكون أجزاؤها كلها غير مترابطة بعضها مع بعض، وتستعصي على إعادة التوافق فيما بينها، فستنعدم فائدتها وجاذبيتها، وسيرمى بها في كومة الخردة. ومثلها تماماً حياة تم ضبطها بشكل ممتاز في جميع أجزائها لتحقيق أعلى درجات الفاعلية، فهي ليست فقط فعالة، ولكنها أمر ممتاز وجميل، فيما حياة مرتبكة ومتناقضة ومتنافرة هي عرض محزن للطاقة المهدورة.

إن كان للحياة أن تعاش بحق، فيجب أن يدخلها النظام، ويضبط كل تفصيل فيها، تماماً كما يدخل النظام ويضبط كل تفاصيل الكون المدهش الذي نشكل جزءاً منه. إن أحد الاختلافات المميزة ما بين الرجل الحكيم والأحمق هو أن الرجل الحكيم يعطي انتباهاً كبيراً لأصغر الأشياء، فيما يتغاضى عنها الأحمق، أو يتجاهلها كلية. تكمن الحكمة في المحافظة على الأشياء بارتباطاتها الصحيحة، في الإبقاء على كل الأمور، صغيرها كما كبيرها، في مكانها وزمانها المناسبين. وانتهاك النظام يعني إنتاج الفوضى والتنافر، وما التعاسة إلا لقب آخر للتنافر.

Page 5

يعلم رجل الأعمال الجيد أن النظام يشكل ثلث النجاح، وأن الفوضى تعني الفشل. يعرف الرجل الحكيم أن العيش المنضبط المنظم هو ثلث السعادة، وأن الرخاوة تعني البؤس. وهل الأحمق إلا شخص يفكر بلا اهتمام، ويتصرف بتسرع، ويحيا بلا ضوابط؟ وهل الحكيم إلا شخص يفكر بروية، ويتصرف بهدوء، ويحيا بانسجام؟.

لا ينتهي النظام الحقيقي عند الترتيب الممنهج للأشياء المادية والعلاقات الخارجية للحياة، فما هذه إلا البداية، إنه يدخل في تنظيم العقل وضبط الانفعالات، حذف الكلمات أو اختيارها في أثناء التكلم، والترتيب المنطقي للأفكار، وانتقاء التصرفات الصحيحة.

لتحقيق حياة سليمة وناجحة وحلوة من خلال اتباع أساليب سليمة، يجب على الإنسان أن يبدأ، لا بإهمال الأشياء الصغيرة للحياة اليومية، ولكن بتركيز الاهتمام الدائم عليها. ومن هنا تأتي أهمية ساعة شروق الشمس، وأهمية انتظام حضورها، وكذلك أيضاً أهمية وقت الأُوي إلى الفراش للراحة، وعدد الساعات المخصصة للنوم.

Page 6

وفي الفارق ما بين انتظام وجبات الطعام وعدم انتظامها، والاهتمام بما يتم تناوله وعدم الاهتمام به، يوجد الفارق كله ما بين هضم جيد وآخر سيئ (مع كل ما ينطبق عليه الأمر)، وما بين مزاج عقلي انفعالي نزق أو مريح، مع كل ما يلحقها من العواقب الجيدة أو السيئة، لكون الارتباط بأوقات الطعام وأساليبه هي شؤون ذات أهمية في كلا المجالين النفسي والبيولوجي.

إن التقسيم العادل للساعات ما بين العمل واللعب، وليس الخلط بينهما، والإعداد المنظم لكل تفاصيل شؤون الإنسان، وأوقات الخلوة، والأوقات المخصصة لكل من الأفكار الصامتة والأفعال النشطة، لأجل تناول الطعام ولأجل الصوم، كل هذه الأمور يجب أن يكون لها مكان عادل في حياة ذلك الذي يتمثل نشاطه اليومي في التقدم مع الحد الأدنى من الاحتكاك، ذلك الذي يسعى لاستخلاص أقصى فائدة، وتأثير، ومتعة من الحياة.

وما كل ما سبق إلا مجرد بداية للنظام الشامل الذي يعتنق كامل الحياة والوجود. وعندما يتخلل هذا النظام السلس والتماسك المنطقي، الكلمات والأفعال، والأفكار والرغبات، فإن الحكمة ستنبثق من الحماقة، ومن الهشاشة ستأتي ذروة القوة. وعندما يقوم الإنسان بتنظيم عقله بدقة بالغة لتحقيق انسجام عملي جميل ما بين كل أجزائه، فإنه يصل عندها إلى قمة الحكمة، والفاعلية، والسعادة.

Page 7

ولكن هذه هي الخاتمة، ومن يرغب بالوصول إليها عليه أن يبدأ من البداية. عليه أن يرتب ويعالج بشكل منطقي سلس أصغر تفاصيل حياته، متقدماً خطوة تلو خطوة نحو الإنجاز النهائي. حيث كل خطوة سوف تعطي مكيالها المحدد من القوة والسعادة.

وخلاصة، يُنتج النظام تلك السلاسة التي تتخلل القوة والفاعلية، وما الانضباط إلا تطبيق للنظام على العقل. وهو ينتج تلك السكينة التي تمضي مع القدرة والسعادة. يعمل النظام بواسطة القانون، والانضباطُ هو العيش وفقاً للقانون. ولكن العمل والعيش ليسا منفصلين، فما هما إلا وجهان للشخصية، وللحياة ذاتها.

لذلك، كن منظماً في عملك، ودقيقاً في كلامك، ومنطقياً في تفكيرك. وما بين هذه الأمور وبين القذارة والإهمال، وعدم الدقة، والاضطراب، هو كالفارق ما بين النجاح والفشل، وبين الموسيقا والنشاز، والسعادة والبؤس.

إن تبني أساليب سليمة في العمل، والتصرف، والتفكير، أو - بكلمة واحدة - في العيش، هو أكثر القواعد ثباتاً وأمناً، لصحة ونجاح وسكينة عقل ثابتة ومستقرة. فيما سوف يُكتشف أن قواعد الأساليب الباطلة غير ثابتة، وتنتج الخوف والقلق والاضطراب حتى لو بدا عليها أنها ناجحة، وعندما يأتي وقت الفشل، فسيكون باهظاً بحق.

Page 8

من اتباع المبادئ والأساليب الصحيحة تأتي الأفعال الأصيلة؛ فالإنسان الذي يكافح لحيازة المبادئ الحقة والعمل وفقاً لأساليب سليمة سيدرك بسرعة بأنه لا يمكن التغافل عن التفاصيل الجزئية للسلوك، وأن تلك التفاصيل هي بالفعل مميزة أو مبدعة بشكل أساسي، تبعاً لطبيعتها، وهي لذلك، ذات شأن واعتبار عميق وأهمية شاملة. وهذا الإدراك والمعرفة لطبيعة الأفعال الناجحة وقوتها سوف يفتح ويُنمي تدريجياً في داخل ذلك الإنسان - كرؤية مضافة - إلهاماً جديداً. وبحيازته لهذه الإلهامات سيصبح تطوره أكثر سرعة، وسبيله في الحياة أكثر يقيناً، وأيامه أكثر طمأنينة وسلاماً، وفي كل شؤونه سيمضي في الطرقات الصحيحة المباشرة، غير متأثر ولا مضطرب نتيجة للقوى الخارجية التي تعمل من حوله وعلى مقربة منه.

ولا يعني ذلك عدم اكتراثه برفاهية أولئك الذين من حوله وسعادتهم، بل المقصود شيء آخر تماماً، فذلك يعني عدم اكتراثه بآرائهم، وتجاهلهم له، وانفعالاتهم غير المضبوطة.

وبالأفعال الأصيلة فقد قُصد فعلاً التصرف بشكل صالح مع الآخرين، والمُحِقُّ في أفعاله يعرف أن التصرفات عندما يُقاس مدى صحتها فإن ذلك يتم تبعاً لمدى سعادة من حوله، وسوف يقوم بهذه التصرفات حتى لو حدثت مناسبة ونصحه فيها أحد أقاربه أو ناشده بأن يتصرف بشكل مختلف.

Page 9

يمكن بسهولة تمييز الأفعال الأصيلة من الزائفة من قبل كل الذين يتمنون أن يميزوا بينهما عسى أن يتجنبوا الأفعال الزائفة منها، ويتبنوا الأصيلة. وكما في عالم المادة حيث نميز الأشياء بأشكالها وألوانها وأحجامها... إلخ، فنختار تلك الأشياء التي نحتاجها، ونهمل تلك التي لا تفيدنا، فكذلك الأمر في العالم الروحي للأعمال، إذ يمكننا التمييز ما بين الأعمال السيئة والأعمال الجيدة من خلال طبيعتها، وهدفها، وتأثيرها، ويمكننا اختيار الصالح منها وإقرارها، وتجاهل الأعمال السيئة.

إن الأفعال السيئة أو الباطلة هي تلك التي تنبثق من تركيز المرء على سعادته هو فقط، وتجاهل سعادة الآخرين، والتي تظهر في الاضطرابات غير الطبيعية للعقل، وفي الرغبات المحرمة، أو تلك التي تدعو إلى تمويهها لتجنب تعقيدات غير مرغوب بها.

إن الأفعال الصالحة أو الأصيلة هي تلك الأفعال التي تنبع من وضع الآخرين في الاعتبار، والتي تبدو في سبب رصين وفكر منسجم قائم على مبادئ أخلاقية أو إنه لن يورط فاعله في عواقب مشينة إن ظهرت هذه الأفعال للعلن.

Page 10

إن صاحب الفعل الأصيل يتجنب تلك التصرفات الخاصة بالمتعة والإشباع الذاتي والتي بطبيعتها تجلب الإزعاج أو الألم أو المعاناة للآخرين، بغض النظر عن كون تلك التصرفات قد تبدو تافهة. وسوف يبدأ باستبعاد هذه التصرفات، وسيكسب معرفة بالإيثار والصلاح عند أول تضحية له بالأثرة والباطل، وسيتعلم ألا يتحدث أو يتصرف وهو غاضب، أو حاسد، أو ساخط، ولكنه سيدرس كيف يمكنه أن يتحكم بعقله، وسيعيده إلى حالة الهدوء قبل أن يقوم بتصرف ما، والأهم من كل ذلك، أنه سوف يتجنب - كتجنبه لشرب سم قاتل - أفعال الخداع، والمراوغة، والغش لأجل تحقيق مصلحة أو فائدة خاصة، والتي سوف تؤدي عاجلاً أم آجلاً، إلى فضيحة القائم بها وخزيه.

إذا هم المرء بالقيام بأمر يحتاج إلى كتمه - ولن يدافع عنه بشكل شرعي وصريح إن تمت ملاحظته من قبل شاهد ما - فعليه أن يعلم من ذلك بأنه تصرف خاطئ وأن يتركه فوراً دون أي تفكير فيه ولو للحظة أخرى.