eKtab
EN ع
الكويت من النشأة إلى الإحتلال
Read free sample

الكويت من النشأة إلى الإحتلال

by محمد بن سليمان اليوسفي

Page 1

مدخل

لم يكن يشعر بالوقت يمر من حوله، والسنوات تتراكض بجانبه، تطرق نوافذه دون أن ينتبه لها، فقد أشغل نفسه بالأحداث المتزاحمة، وتطوراتها المتسارعة، فهذا احتقان داخلي، وذاك صراع إقليمي، وآخر هناك إسلامي، ومؤتمر هنا قومي، فيعقبه انهيار عالمي، كلها تشغله، ولا تنشغل به، فقد جنّد نفسه للتفاعل معها، وهي لم تستأذنه، هكذا مرت حياته، بين فعل هنا، ورد فعل هناك، حتى نسيَ نفسه، ولم يعد يعرفها، بل إنه لم يهتم بالاقتراب منها، فهو لا يرى نفسه، ولا يشعر بقيمتها، بعيداً عن مرآة الأحداث المتزاحمة، وتطوراتها المتسارعة···
مع مرور الأيام، والرضوخ لعوامل السن، أصبح يتلقى ضربات الزمن، يستقبلها من حيث لا يعلم، فيرتفع ضغط دمه حيناً، ويتكاثف سُكّره أحيانا، فيشترك قلبه بالحفلة ويضطرب، تعب من تخاذل أعضائه، بعد أن أتعبها بملاحقة الأحداث، وصار أسيراً للأمراض المتزاحمة، وتطوراتها المتسارعة، يهدأ رأسه، فتشتعل معدته، يستقر ظهره، فتتشنج رقبته، أخباره سيئة، ولا يبتسم حظه، فلم يعد أمامه سوى زيارة الطبيب···
احتار فيه الطبيب، واحتار هو مع الطبيب، فقائمة العقاقير طالت، ومواعيد جرعاتها ازدحمت، فهذا أنسولين للسكر، وذاك ديوفان لضغط الدم، وبعدها أسبرين للقلب، إضافة إلى مدرات البول المزعجة، فهو لم يعد قادراً على النوم بسبب حاجته المستمرة لزيارة بيت الراحة، ولهذا قرر التوقف عن تعاطي الدواء، حتى حل به البلاء···
مر الأسبوع الأول بهدوء، لكن الهدوء لم يتغلب على الأسبوع الثاني، فضاق صدره في الليل، واختنقت أنفاسه، تسارعت حركة قفصه الصدري في البحث عن جزيئات الأوكسجين، هب قلبه مزمجراً، يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، تسارعت دقات قلبه، الذي اجتهد للسيطرة على الأوضاع، يضخ الدم هنا وهناك، بلا جدوى، تصاعد ضغط دمه، وتجاوزت ضربات قلبه المئة وستين ضربة··· في الدقيقة···
أخذ وعيه بالاعتدال، وأصبح من الصعب إبقاؤه على وعيه، فسقط مغشياً عليه، وجاءت الإسعاف لنقله، وفي الإنعاش أهبطوا جسده، فهبط معه قلبه، دخل عليه الأطباء، تربكهم ربكة قلبه، ما بال هذا الرجل، وما بال جنون ضغطه، يداعب السقف ويتجاوزه، تارة 200، وتارة 250، أما النبض، فيتأرجح بين مئة وخمسين مرة، ومئة وستين مرة، تزاحمت الأحداث على الطبيب، وتسارعت تطوراتها، فلم يفحص صاحبنا، ولم يسأل عن تاريخ مرضه، فلم يرَ قائمة الدواء، ومواعيد جرعاتها المتزاحمة، فأصبح أمامه حل واحد للسيطرة على دمه، وسط الأحداث المتسارعة···
طلب له الأندرال، ليضع حداً لضغطه، حاول قلبه المقاومة، وكافح ليستمر في أداء مهامه، إلا أن العِقار انتصر، فانسحب القلب من المواجهة، وهبط الضغط إلى السبعين، ومنها إلى عشرين، ثم ارتفعت الراية البيضاء، واستوت القراءة على الشاشات، خطوط مستقيمة لا تتوقف، تعلن عن نهاية المعركة، وسط تزاحم الأطباء، ودوران الأحداث المتسارعة···
تشبه حالة الكويت حال هذا المريض، فمنذ النشأة وهي تنهك نفسها بالأحداث المتزاحمة، وتطوراتها المتسارعة، حتى تكالبت عليها الأمراض المزمنة، ومع كل مرض يأتي الدواء، ومع كل دواء تأتي أعراض جانبية، يضرب كل منها الآخر، صراع إقليمي، وانقسام داخلي، فضياع حكومي، وانفلات أمني، أصبحت البلد حلبة، يضرب كل من فيها من فيها، وعند اللجوء إلى الطبيب، يسارع بوصف المزيد من الدواء، دون أن يفحص، دون أن يُشخِّص، دون أن يقرأ تاريخ المريض، متى نشأ، وكيف ترعرع، وما هي التجارب التي مرّ بها، وما هي الأدوية التي حاول أن يعالج نفسه بها، بماذا استفاد، وبماذا زاد سوء أحواله سوءًا···
هذا الكتاب، ببساطة، هو الملف الطبي للكويت، سيجد فيه الطبيب كل ما يتعلق فيها، متى نشأت، وكيف ترعرعت، وما هي العوامل التي ساهمت في ازدهارها، ثم العناصر التي داومت على تهديدها، سواء جاءت من الخارج، أو كان من الداخل انتشارها، منذ أن كانت قرية، وأصبحت مدينة، فحولتها الأقدار إلى دولة، تحديات كل مرحلة، ومميزاتها أيضاً···
معرفة هذا التاريخ، وقراءة هذا الملف، ستوفر على الطبيب إعادة اكتشاف العجلة، وإعادة وصف الأدوية الفاشلة، فهنا ستقرأ عن المرض، وستعرف من أين بدأ، وكيف تفاقم، حتى وصل إلى ما وصل إليه اليوم، وبهذا يتسنى لك فحص الأسباب قبل النتائج، الجذور قبل الفروع، ليكون تشخيصك أكثر دقة، وعلاجك أكثر فاعلية···
أما ما يميز الكتاب عن غيره من الكتب - المختصة في تاريخ الكويت السياسي - فهو الآتي:
1- تتخصص أغلب كتب التاريخ بمعالجة فترات أو أحداث محددة، أما هذا الكتاب (بأجزائه الثلاثة) فيغطي تاريخ الكويت السياسي منذ وصول العتوب (آل صباح) إلى القرين في العام 1701م إلى نهاية العام 2012م، وهي فترة لم يغطها كتاب آخر·
2- يتميز الكتاب بتناول الأحداث بالتسلسل الزمني لحدوثها بدلاً من التسلسل الموضوعي الذي تتبناه الكتب الأخرى، وهذا ما سيسهل على القارئ فحص الأحداث وفق منظومة الفعل ورد الفعل، أيضاً يساهم هذا الأسلوب في تقليل عملية تكرار الأحداث، فنتجاوز بذلك إصابة القارئ بالملل·
3- إمكانية قراءة الكتاب كاملاً، أو قراءة كل فصل على حدة، فالفصول ترتبط تاريخياً، إلا أن كل فصل يعالج مرحلة مستقلة عن المراحل الأخرى·
4- يركز الكتاب على الحدث دون إلحاقه بتعليقات الكاتب وتحليلاته، حتى لا يفسد على القارئ متعة التحليل والاستنتاج الذاتي·
5- رغم اختصاص الكتاب في تاريخ الكويت السياسي، فإنه يركز أيضاً على الأحداث العالمية والإقليمية ذات الانعكاسات المحلية، وبذلك سيطلع القارئ على الأبعاد المحلية للحدث الإقليمي، والأبعاد الإقليمية للحدث المحلي·
Page 2
6- استخدام المصادر الحديثة التي لم تكن متوافرة - بسهولة - للكُتاب في السابق، كالمقابلات التلفزيونية والوثائق البريطانية ووثائق الويكيليكس ومواقع الإنترنــت·
7- الميل - قدر الإمكان - نحو نقل الحدث بلسان شهوده ومعاصريه في وقت وقوعه، حتى يتمكن القارئ من معايشة الحدث بكل أبعاده وتفاصيله للزيادة في الفهم، والكمال في الإحاطة·
8- التركيز على البُعد السياسي للحدث، دون إهمال الأبعاد الأخرى المؤثرة على الحالة السياسية بطريق غير مباشر·
9- عدم الاعتماد على الروايات الشفهية والحرص على المصادر المكتوبة والمُوثَّقة فقط·
وقد تسببت النقطة الأخيرة في امتناعي عن ذكر الكثير من الروايات المتداولة بشكل شفهي (دون توثيق) حرصاً على مصداقية المعلومة، أيضاً تسبب ذلك في عدم الاستناد إلى المقابلات الشخصية كمصدر للمعلومة، مع الإقرار بأن هذا قد يُعتبر إحدى نقاط الضعف في الكتاب، وعند الحديث عن نقاط الضعف، فمن الممكن الإشارة إلى الملل الذي قد يصيب القارئ من جراء قراءة الخطابات الرسمية المطولة الموجودة في متن النص، وقد حاولت قدر الإمكان اختصارها وذكر الفقرات المهمة فيها، مع استبعاد العبارات الإنشائية المزخرفة·
وتأتي أهمية بعض الخطابات الرسمية كالخطابات الأميرية وغيرها من أن أصحابها لم يكتبوا مذكراتهم أو يعلقوا على الأحداث وأسباب مواقفهم منها، فلم يعد أمامنا سوى الخطابات الرسمية التي يمكن أن نستخلص منها وجهة نظر هذا الطرف أو ذاك حول الحدث·
وقد حرصت على عدم ذكر أي معلومة في الكتاب دون ذكر مصدرها، مع التشديد على أن وجود مصدر لا يعني بالضرورة صحة المعلومة، ولذلك حرصت على التأكد من بعض المعلومات من أكثر من مصدر، وحرصت أيضاً على الإشارة إلى ضعف المصدر أو وضع ملاحظة عليه عند الحاجة، أما أهم الملاحظات على المصادر فهي الآتي:
1- يعتمد الكتاب على التاريخ الميلادي بشكل أساسي، ويذكر التاريخ الهجري عند الحاجة فقط·
2- في حال وجود أكثر من طبعة للمصدر، وعدم ذكر رقم الطبعة في الهامش، فعلى القارئ أن يعلم تلقائياً بأن النسخة المستخدمة هي الطبعة الأولى، وفي حال استخدام الطبعات الأخرى سيتم ذكر ذلك في الهامش·
3- تم تعديل بعض الاقتباسات وإعادة ترتيبها حتى تكون أكثر وضوحاً وانسجاماً مع السياق العام للحدث، (بطبيعة الحال تم ذلك بالحد الأدنى ودون التأثير على المعنى العام للاقتباس)·
4- أغلب الصور المرفقة بالنص ترتبط مباشرة بالحدث المصاحب، لكن ذلك لا ينطبق عليها كلها، فبعض الصور لم تؤخذ في وقت وقوع الحدث، لكنها تخدم المعنى، وقد خضعت نسبة كبيرة منها للمعالجة من حيث التوضيح وإعادة الترتيب·
وأعترف هنا بأنني ترددت كثيراً في ذكر بعض الأحداث والمعلومات والأسماء، لمعرفتي المسبقة بما سأتعرض له من متاعب وانتقاد نتيجة ذكرها، إلا أنني تحيزت دائماً إلى حق القارئ في معرفة المعلومة المتكاملة، دون تهذيب أو تشذيب، وبذلك انتصرت رغبتي في إشباع شغف القارئ على مخافتي من التعرض للنقد والمتاعب، أقول ذلك مع التأكيد والتشديد على أني لم أقصد بأي شكل من الأشكال الإساءة إلى أي شخص أو فئة أو عائلة تم ذكرها في الكتاب، وأنا على استعداد تام لتقبل النقد وتغيير أي معلومة غير صحيحة - في الطبعات المقبلة - حال تأكدي من عدم صحتها، وسأكون سعيداً بوضع هامش توضيحي حول أي معلومة وردت في الكتاب من وجهة نظر واحدة، وتم إقناعي بوجود وجهة نظر أخرى تستحق الذكر حول المعلومة نفسها·
أقوم بذلك لأني أسعى دائماً للكمال، ولرغبتي الدائمة في أن يكون عملي بلا عيوب أو نواقص، فليس سهلاً على الإنسان صرف جل وقته، وكنز صحته، والتضحية بعلاقاته، وأوقات راحته، من أجل شيء لا يستحق أن يمثله، ويعبر عن فكره، ولولا ثقتي بالأثر (الإيجابي) الذي سيتركه هذا العمل على المحصلة المعرفية للقارئ لما تكلفت القيام به وقضيت أربع سنوات من حياتي في تجهيزه·
وعند الحديث عن القارئ، يأتي سؤال مهم وهو لمن هذا الكتاب؟
إجابتي عن السؤال هي أن هذا الكتاب للجميع، إلا أن أهميته ستزداد عند الفئات التالية:
1- كل شخص لديه اهتمام بالتاريخ، وتاريخ الكويت خصوصاً·
2- كل شخص لديه اهتمام بالسياسة، والسياسة في الكويت خصوصاً·
3- كل شخص لديه اهتمام بالكويت، وتاريخها السياسي خصوصاً، وهو يصلح لأن يكون مرجعاً سياسياً تاريخياً لطلبة الجامعات والمدارس وأعضاء السلطة التشريعية والتنفيذية على حد سواء، ولا سيما الطامحين لخوض غمار المجال السياسي، أيضاً سيكون للكتاب أهمية كبرى عند الأشقاء الخليجيين والعرب المهتمين بالشأن السياسي والتاريخي، وبخاصة المتحمسين لنقل تجربة الديموقراطية الكويتية إلى ديارهم·
وفي الختام، أتمنى أن أكون قد وُفقت في إثراء المكتبة الكويتية بهذا العمل، ونجحت من خلاله برد جزء - بسيط - من الجميل الذي أدين به للكويت، وطني الحبيب الذي أتمنى له العزة والتقدم والازدهار·
محمد اليوسفي، 2013
Page 3

مقدمة

الكويت من النشأة إلى الاستقلال

هذا الكتاب هو الجزء الأول من سلسلة مكونة من ثلاثة أجزاء تتناول في مجموعها تاريخ الكويت السياسي منذ النشأة حتى نهاية العام 2012، ويتحدث هذا الجزء عن الفترة الممتدة من بداية وصول العتوب (آل صباح) إلى القرين (الكويت) في السنوات الأولى من القرن الثامن عشر إلى استقلال الكويت عن بريطانيا العظمى في العام 1961، وينقسم الكتاب إلى ستة فصول يتناول كل منها مرحلة تاريخية مختلفة عن الأخرى، فالفصل الأول يبدأ مع اكتشاف الرحالة البرتغالي فاسكو دي جاما للطريق البحري الواصل بين الهند وأوربا عبر رأس الرجاء الصالح في العام 1498، وكيف ساهمت التجارة المتبادلة بين أوربا والهند في سعي القوى الأوربية إلى إيجاد طرق أقصر مسافة وأقل خطراً لهذه التجارة، فجاءت أهمية الخليج الفارسي والموانئ الممتدة على شطآنه كبديل مثالي لاختصار الوقت والجهد·
وقد أدى هذا النشاط التجاري على سواحل الخليج إلى تأقلم سكان قُراه الشاطئية مع الأنشطة البحرية، فتكونت قوى بحرية إقليمية كان من بينها مجموعة العتوب التي كانت تسكن بندر ديلم المجاور لمدينة بو شهر، وبسبب المنافسة الشديدة بين العتوب وبقية القوى البحرية في الخليج اضطرت هذه المجموعة للهجرة من الإقليم الفارسي إلى الإقليم العثماني في البصرة، إلا أن الحكومة العثمانية رفضت إقامتهم في البصرة فانتقلوا منها جنوباً إلى منطقة أم قصر ومنها إلى القرين الخاضعة لنفوذ آل عريعر من بني خالد·
ويشرح الفصل الأول تطورات الأحداث وتفاعلاتها التي مكنت العتوب من حكم القرين وتطويرها تجارياً حتى أصبحت أحد أهم الموانئ التجارية في الخليج، وبهذا بزغ نجم آل صباح حكام القرين التي تغير اسمها تدريجيا إلى الكويت، وقد تمكنت هذه العائلة من المحافظة على استقلال الكويت إدارياً عن القوى الإقليمية الكبرى إلى أن جاء حكم الشيخ مبارك بن صباح الذي وقع مع الحكومة البريطانية معاهدة الحماية في العام 1899، والتي سنذكر تفاصيلها في الفصل الثاني من هذا الكتاب·
سيركز الفصل الثاني أيضا على الجانب العسكري والمدني من حكم الشيخ مبارك، وكيفية تعامل القوى العظمى معه، بالإضافة إلى تحالفاته وعداواته وأهم الأحداث الداخلية في عهده، أما الفصل الثالث فسيغطي فترة حكم الشيخين جابر وسالم ابني الشيخ مبارك، وتزامن هذه الفترة مع الحرب العالمية الأولى وتغير موازين القوى في المنطقة، فلم تعد الدولة العثمانية لاعباً رئيسياً فيها، وبزغ نجم حاكم نجد القوي عبدالعزيز بن سعود·
وفي الفصل الرابع سنتحدث عن الفترة الأولى من حكم الشيخ أحمد الجابر المبارك الصباح، وكيف قبل هذا الحاكم بتأسيس مجلس الشورى في العام 1921، وفيه يتضح النضوج الطبيعي للمجتمع الكويتي بسلبياته وإيجابياته، أيضا يغطي هذا الفصل أحداث مؤتمر العقير الذي فقدت فيه الكويت الجزء الأكبر من مساحتها·
وننتقل بعد ذلك إلى الفصل الخامس الذي يركز على أحداث الثلث الأخير من فترة حكم الشيخ أحمد الجابر، ونسهب فيه بالحديث عن تفاصيل أحداث تأسيس المجلس التشريعي الأول في الكويت، وكيف تفاعلت مختلف المجاميع والقوى مع هذا المجلس وأعماله، مع التركيز على تغير المواقف تدريجياً مع تغير الأحداث والمطالب، وانعكاسات هذه المرحلة على الأسرة الحاكمة وفئات الشعب المختلفة، وينتهي هذا الفصل بنجاح الكويت في اكتشاف النفط وتصديره، ومن ثم تبدل الحالة الاقتصادية للدولة الذي انعكس مباشرة على تغير موازين القوى الاجتماعية·
وفي الفصل السادس - والأخير - من هذا الكتاب سيكون الحديث عن الفترة الأولى من حكم الشيخ عبدالله السالم المبارك الصباح، وكيف تبدلت أحوال الكويت والكويتيين فيها بسبب الطفرة الاقتصادية، فأصبحت الكويت من أغنى دول العالم (نسبيا) وأصبح مواطنوها كذلك، وانتقل الكويتيون من الأعمال الحرفية الشاقة إلى الوظائف المكتبية المريحة، وتزامن ذلك مع نشاط حركة الهجرة إلى الكويت سواء أتت من البلاد العربية أو غيرها·
أيضا يعالج هذا الفصل أحداث ثورة الضباط الأحرار في مصر وانتشار الحركات الثورية على الأنظمة الملكية في المنطقة، وكيف تمكن الشيخ عبدالله السالم من مواجهة هذه الموجة بالتفاهم مع الحكومة البريطانية على الاستقلال أولاً، والإعلان عن تشكيل المجلس التأسيسي ولجنة الدستور ثانياً، وبذلك ينتهي الكتاب بكلمة الشيخ عبدالله السالم في افتتاح أولى جلسات المجلس التأسيسي التي قال فيها:
نفتتح الآن أعمال المجلس التأسيسي لدولة الكويت المستقلة، هذا المجلس الذي تقع على عاتقه مهمة وضع أساس الحكم في المستقبلعهد جديد للكويت التي ما عرفت منذ وجدت إلا الحرية والكرامة .
Page 4

الفصل الأول: العتوب

إننا جميعا من أهل الإسلام، وقد تركنا ديار الروافض
(العتوب، مخاطبين والي البصرة)
قبل اكتشاف الطائرات، وقبل انتشار القطارات، كان الاقتصاد العالمي يعتمد على قدرة القوى الكبرى في السيطرة على الأراضي الشاسعة وما فيها من ثروات، ثم قدرة هذه القوى على تنشيط حركة التجارة البينية من خلال تأمين طرق نقل وإيصال هذه الثروات - أو البضائع - من البائع إلى المشتري، وبطبيعة الحال كانت هذه العملية تشتمل على العديد من المخاطر والصعوبات الأمنية والفنية، فالطرق البرية وعرة ومليئة بقطاع الطرق، ولم تكن الطرق البحرية أقل خطراً بسبب العوامل الجوية وانتشار القرصنة، أيضاً كانت هذه البضائع معرضة للكسر والتلف بسبب سوء التخزين، وبالتالي فقدان جزء من قيمتها عند الوصول إلى الزبائن·
لذلك ارتبطت قوة الدول العظمى بعاملين أساسيين، هما ما تسيطر عليه من أراض وثروات، ومدى قدرتها على تأمين وصولها إلى الأسواق النهائية في الحالة والوقت المناسب، وهذا ما جعلها تسعى إلى نشر أساطيلها البحرية في البحار والمحيطات المختلفة حول العالم بغية السيطرة عليها وتأمين رواج تجارتها، فضلاً عن أن السيطرة على البحار بحد ذاتها كانت أحد مصادر الدخل الوفير لهذه القوى، وهذا ما دفع القوى الأوربية إلى دعم حملات الاستكشافات البحرية لإيجاد أقصر الطرق وأكثرها أماناً لنقل البضائع، فاكتشف الإسبان القارة الأمريكية، واكتشف البرتغال الطريق البحري إلى شبه القارة الهندية في العام 1498·
ومن شبه القارة الهندية، انطلقت الأساطيل البرتغالية للسيطرة على الطرق البحرية الرئيسية الواصلة بين الهند وأوربا، فكان أولها طريق رأس الرجاء الصالح العابر حول القارة الإفريقية وهو الأكثر بعدا والأطول مسافة، وثانيها طريق البحر الأحمر حيث المنافسة الشديدة مع الدولة العثمانية، وثالثها طريق الخليج الفارسي الأقصر من حيث المسافة، والأكثر أماناً بسبب انشغال القوات العثمانية في حروبها مع الدولة الصفوية، بعد نجاح الفرس في احتلال بغداد في العـــام 1508، وهذا ما فتح المجال أمام الأساطيل البرتغالية للسيطرة على الخليج وتأسيس الموانئ البحرية -والوكالات التجارية - في أهم المدن المطلة عليه·
وكانت القبائل العربية تسيطر على أغلب الموانئ الخليجية الواقعة على السواحل العربية والفارسية على حد سواء، أما الفرس فكانوا يسيطرون على المدن الفارسية الداخلية كشيراز وأصفهان، وكان الأمير أجود بن زامل الجبري يسيطر على الأحساء وما يحيط بها من قُرى ومُدن، وفي العام 1534 تمكن العثمانيون من استعادة البصرة وطرد الفرس منها، ثم زحفوا على الأحساء والقطيف في العام 1592، منهين بذلك حكم آل زامل فيها، لكن سيطرة الأتراك على هذه المناطق لم تكن محكمة، فسلمت أمورها إلى القبائل المحلية، وفي البصرة توترت علاقتهم بالأهالي فسلموها إلى العسكري الثري أفراسياب باشا - في العام 1612 - مقابل أربعين ألف غرش، وبعد وفاة أفراسياب حكم البصرة ابنه علي باشا الذي توفي في العام 1650، فحكم البصرة من بعده ابنه حسين باشا الذي قام باحتلال القطيف وأوعز إلى براك بن غرير بن عريعر - زعيم بني خالد -لاحتلال الأحساء في العام 1663، إلا أن براك استقل بنفسه وأكمل احتلاله الكامل للأحساء وما حولها من مناطق شاسعة في العام1669.
تزامنت هذه الأحداث مع نجاح التحالف البريطاني الهولندي في طرد الأساطيل البرتغالية من الخليج قرابة العام 1651، أما براك بن عريعر فأحكم قبضته على القطيف في العام 1671، وبذلك سيطر على الموانئ التابعة للمدينة، فازدهرت مملكته اقتصادياً وامتد نفوذه من البصرة شمالاً إلى قطر جنوباً، وفي العام 1682 توفي براك وانتقل الحكم من بعده إلى أخيه محمد بن غرير بن عريعر، الذي استمر بدوره في التوسع وشن الغارات هنا وهناك مما دعاه إلى إنشاء قلعة صغيرة في القرين شمال الأحساء لينطلق منها إلى البصرة، وقد توفي محمد في العام 1692، وانتقل الحكم إلى ابنه سعدون بن محمد بن غرير الذي اتسعت فتوحاته حتى وصلت إلىالصحراء الواقعة بين العراق وسوريا·
Page 5

العتوب

على الجانب الآخر من الخليج، كانت المجاميع العربية المقيمة في بر فارس تتنافس في ما بينها على مغاصات اللؤلؤ القريبة من البحرين، وكانت هذه المجاميع تنقسم إلى ثلاث طوائف رئيسية هي العتوب والخليفات، وتسكنان بالقرب من الديلم الواقعة في منتصف المسافة بين بوشهر ومدخل شط العرب، وطائفة الهولة، المكونة من سبع أو ثمان من القبائل وتسكن بندر كنغ القريبة من مدخل الخليج، وكان التنافس بين هذه المجاميع يشتد أحياناً فيجنح إلى العنف، وهذا ما حصل في صيف العام 1700،عندما هاجم عدد من العتوب سفينة تابعة للهولة وقتلوا ثلاثة من البحارة وسلبوا بعض الأموال واختفوا بعيداً، فرد عليهم الهولة في صيف العام التالي بهجوم بالقرب من مغاصات اللؤلؤ البحرينية، وارتكبوا مجازر وحشية بحق عرب العتوب حيث قضوا على ما يقارب 400 رجل منهم·
فُجع العتوب بهذه الكارثة، فعادوا إلى بندر الديلم وطلبوا مساعدة حلفائهم عرب الخليفات وتوجهوا إلى مغاصات اللؤلؤ وهاجموا جميع السفن التي اعترضت طريقهم، سواء كانت تلك السفن تابعة لقبائل عرب الهولة أو غيرهم ثم نزلوا إلى سواحل جزيرة البحرين وأحرقوا المزارع والقرى التي تقع خارج أسوار المدن الرئيسية، وعادوا إلى بلدهم الديلم، فـأغضبت هذه الأعمال والي البحرين الفارسي وأرسل يشتكي تعديات عرب الديلم (العتوب والخليفات) إلى الشاه حسين الصفوي في إيران، وفي المقابل أمر الشاه حسين بإرسال قوة برية تخرج من بلدة شيراز وتهاجم العتوب في بندر الديلم، ونتيجة لتحرك هذه القوة الفارسية هاجر العتوب إلى البصرة الواقعة تحت الحكم العثماني·
وفور وصول العتوب إلى البصرة، نزل رجالهم من المراكب وتوجهوا إلى مقر والي البصرة قائلين له: إننا جميعاً من أهل الإسلام، وقد تركنا ديار الروافض، ونحن داخلين عليكم وأنتم أعلم بحالنا رحب الوالي بهم، وسألهم عن عملهم الدائم، فأجابوا بأن عملهم هو نقل التجار والتجارة بين البصرة والموانئ الأخرى·
وفي اليوم التالي ذهب أحد رجالهم، ويدعى ماجد، إلى مقر الوالي قائلاً إنه لم يعين لهم مكاناً بعد، فهل سيبقون على هذه الحالة لبعض الوقت ؟ فرد الوالي بأنهم إذا سمح لهم أن يبقوا بالبصرة بصورة دائمة فعندئذ تعطى لهم أماكن، وفي الوقت نفسه، أرسل الوالي علي باشا كتابا إلى السلطان العثماني في الثالث والعشرين من ديسمبر 1701 كتب فيه:
يوجد على شواطئ العجم مكان اسمه البحرين، يقوم العجم في هذا المكان بالتعرض لأهله بأنواع الضغوطات والمعاملة السيئة، ويهتم العجم بهذا المكان اهتماماً كبيراً·
هناك أيضاً عشيرتان تتبعان لإدارة العجم وهما عشيرة العتوب وعشيرة الخليفات من أهل المذهب الشافعي والحنبلي ويسكنون في مكان قريب من بندر ديلم ويوجد أيضاً بندر اسمه كونك فيه سبع أو ثمان عشائر يطلق عليها اسم حوله كلهم عرب من أتباع المذهب الشافعي·
أوقع البعض فتنة بين البحرين وبين هذه العشائر الثلاث حصلت بسببها عداوة بينهم، ووقعت صدامات في عرض البحر قتل منهم ثلاث أشخاص غدراً، الأمر الذي جعل التجارة والمهاجرين يتخوفون من القدوم إلى البصرة·
أغلب السفن التي تتنقل بين هذه الموانئ في تلك المنطقة هي سفن هذه العشائر الثلاث· وبسبب العداوة يقومون بإطلاق النار على بعضهم البعض إذا تلاقوا في عرض البحر·
وفي أحد الأيام قامت عشيرة الهولة بمهاجمة عشيرة العتوب التي هي حليفة عشيرة الخليفات في البحرين، وعلى حين غرة قتلت 400 من رجالها واستولت على جميع أموالها· وهرب الناجون من العتوب إلى حلفائهم من الخليفات· ثم اتفق الاثنان العتوب والخليفات على أن ما حدث كان بسبب فتنة العجم الموجودين في البحرين وقالا:
لم يبق لنا أمان في البقاء في بلاد العجم بعد الذي حصل، فلنذهب إلى مدينة البصرة التابعة للدولة العلية، وبالفعل جاؤوا ودخلوا أراضي البصرة وعددهم ما يقارب 2000 بيت وهم الآن موجودون فيها· وقد جاء إليَّ أنا مأموركم في البصرة، بعض وجهائهم والتمسوا لأنفسهم طلب البقاء قائلين:
إننا من أهل السنة والجماعة تركنا بلاد الرافضيين، بلاد القزل باش ولجأنا إلى سلطان المسلمين للعيش في أراضيه وأنتم أعلم بما يصلح حالنا·
لم يخصص بعد لهم مكان معين للاستيطان والأفضل أن يبقوا هكذا للنظر إن كانوا سيبقون في البصرة بشكل دائم عندها يخصص لهم مكان للإقامة· يملك هؤلاء ما يقارب 150 سفينة في كل سفينة اثنين أو ثلاثة مدافع وعلى متن كل سفينة بين الثلاثين إلى أربعين مسلح بالبنادق عملهم هو نقل التجار والبضائع بين الموانئ في المنطقة· ومن أجل المصلحة واستمرار عملهم أرسلنا رجالنا إلى عشيرة الحولة للتوسط في الصلح بينهم وبين العتوب والخليفات لأن بقاء الحرب بينهم سوف يضر بالتجار الذاهبين والقادمين إلى البصرة فيما لو استوطنوا لدينا· وفي حال قدوم العشيرة المذكورة وبتحقيق الصلح فإن البحر والسواحل سوف يأمن من شرهم· وبعد عقد الصلح سوف يتبين إن كانت العتوب والخليفات سوف تستوطنان البصرة أم لا ولكن هذا غير معلوم·
إلا أن الوالي لم ينجح في إصلاح ذات البين بين الهولة والعتوب والخليفات، ولذلك قرر بعدم السماح لهم بدخول البصرة خشية استمرار النزاعات بينهم وتأثير ذلك سلباً على تجارة المدينة، لكنه سمح لهم بالبقاء في منطقة أم قصر الخارجة عن حدود سلطة الدولة العثمانية والتابعة لمملكة آل عريعر، فانتقلوا منها إلى القرين حيث اتفقوا على الصداقة وحسن الجوار مع حكام آل عريعر الذين ضمنوا لهم استقلالاً إدارياً وحكماً ذاتياً، على أن يدفعوا لأمير الأحساء ضريبة سنوية، ولم يكن في القرين آنذاك سوى بعض العوائل البسيطة ومجاميع من قبيلة العوازم التي يعمل غالبية أبنائها في صيد الأسماك·
Page 6
تمتع العتوب في ظل حماية آل عريعر بنسبة كبيرة من الحرية التجارية في الوقت الذي كانت فيه أوضاع المنطقة مضطربة بسبب التنافس الفارسي التركي من جهة، والهولندي البريطاني من جهة أخرى، وقد انقسم العتوب إلى ثلاثة فروع رئيسية هي فرع الصباح والخليفة والجلاهمة، واتفق زعماء هذه الفروع على أن يتولى صباح الرئاسة وشؤون الحكم وأن يتشاور معهم ويتولى خليفة شؤون المال والتجارة ويتولى جابر شؤون العمل في البحر وتقسم جميع الأرباح بينهم بالتساوي، إلا أن وفاة أمير الأحساء سعدون بن محمد أشعلت الخلافات بين آل عريعر فانقسمت العائلة بين أبنائه دجين ومنيع من جهة، وأخويه علي وسليمان من جهة أخرى، فحُسم الأمر لمصلحة أخيه علي بن محمد آل عريعر·
وفي العام 1736، توفي علي بن محمد وانتقل الحكم إلى أخيه سليمان، فقام هذا بفتح جبهة جديدة ضد الموحدين وزعيمهم محمد عبدالوهاب، حيث أمر سليمان بطرده من مسقط رأسه - العينية - بسبب حكمه بالرجم حتى الموت على امرأة زانية، وهذا ما جعل عبدالوهاب يتوجه إلى الدرعية ليتحالف هناك مع زعيمها محمد بن سعود الذي أصبح العدو اللدود للأحساء وآل عريعر بعد ذلك، جاء ذلك في الوقت الذي كانت فيه القرين -والتي أصبحت تُسمى بـالكويت- تزداد قوة وازدهاراً بسبب حصول العتوب على تسهيلات بالغوص في مغاصات البحرين بعد مساعدتهم للشيخ ناصر آل مذكور (حاكم بوشهر) في احتلالها عام 1751 تقريباً·
وفي العام 1752، توفي أمير الأحساء سليمان بن محمد، فارتخت قبضة الخوالد على الحكم وتمكن صباح بن جابر العتبي من الاستقلال فعلياً بالكويت والتخلص منأي وصاية أخرى، وتمكن صباح أيضاً من تعزيز علاقاته بالقبائل المحيطة بالكويت والقوى الكبرى كالوكالة التجارية الهولندية التي كانت تعتمد عليه في تأمين طريق بضائعها المتجهة إلى حلب في بلاد الشام، وبالرغم من أن الشيخ صباح اعتمد على الشورى بالحكم، فإن العام 1753 شهد رحيل فرع البنعلي عن الكويتوتأسيسهم لقرية فريحة في قطر، أما عن أسباب هذا الرحيل، فالمرجح أنهم أرادوا الاقتراب أكثر من مغاصات البحرين الغنية باللؤلؤ·
ومع بداية النصف الثاني من القرن الثامن عشر بدأت سُلطة آل عريعر بالتقهقر، وتخلــصت القبائــل التابعــة لهــا من التزاماتها، فشهدت الكويت والمناطق المحيطة بها بعــض الغــارات ممــا استوجــب بناء سور حول المدينة في العام 1760، وبعـــد عامـــين مــن بناء السور توفي حاكم الكويت الأول الشيخ صباح بن جابـــر، وتولــى الحكــم من بعـــده ابنـــه مبارك الـــذي حكم لسنــــة واحـــدة فانتقل الحكم منه إلى أخيه الأصغر الشيخ عبدالله بن صباح في العام 1763، وبعد فترة قصيرة من حكم عبدالله قرر الشيخ خليفة بن محمد ترك الكويت والرحيل إلى البحرين بصحبة التاجر الكبير الشيخ رزق الأسعد، إلا أنهم لم يتمكنوا من الإقامة فيها فتوجهوا إلى قطر لتأسيس قرية الزبارة حوالي العام 1766، ولحقهم بعد ذلك بفترة قصيرة أبناء فرع الجلاهمة، وبذلك أصبحت الكويت تحتالسيادة الكاملة لآل صباح والشيخ عبدالله·
ويتفق المؤرخون على أن هجرة آل خليفة من الكويت واستقرارهم في الزبارة لم تتسبب في العداء مع شيوخ الكويت، بل إن العلاقة اتخذت الشكل التكافلي من حيث التعاون وفتح الآفاق بشكل أكبر للتبادل التجاري والنقل البحري، وهذا ما ساهم في ازدهار الزبارة بشكل كبير وبروزها كقوة اقتصادية جديدة في الخليج، فلفتت أنظار القوى الأخرى كالقواسم في رأس الخيمة وسلطان عمان في مسقط، إلا أن تنافس القوتين أشغلهم عنها مؤقتاً، وعلى الجانب الآخر تربص الحكام العرب المتواجدين في بر فارس من هذه المدينة الجديدة، خصوصاً بعد أن قررت الوكالة التجارية الإنجليزية في بوشهر الانتقال إلى البصرة في العام 1770، مما تسبب بخسارة فادحة للحياة التجارية في بوشهر، وازدهار غير مسبوق في البصرة، فقرر حاكم إيران كريم خان زند الانتقام من البصرة·
وبالفعل، وجد كريم خان فرض والي بغداد الضرائب على حجاج كربلاء من الإيرانيين سببا وجيهاً لاحتلال البصرة، فوصلت إليها الجيوش الفارسية في السادس عشر من مارس 1775، وواصلت حصارها للمدينة حتى دخلتها في منتصف أبريل من العام 1776، وهذا ما أدى إلى انتقال الوكالة التجارية الإنجليزية من البصرة إلى الكويت(43) التي نجح حاكمها في تحصينها من التأثر بأحداث البصرة، وهذا ما جعل السلطات البريطانية تحرص على بقاء الكويت خارج دائرة النفوذ الفارسي·
وبذلك أصبحت الكويت أهم الموانئ التجارية في الخليج، واتسعت تجارتها وسطوتها في المنطقة، واكتملت سيطرة العتوب على الخط التجاري الممتد من الزبارة إلى الكويت، لكن هذا النجاح أكسبهم أيضاً عداوات الموانئ المنافسة، فبدأ حاكم بوشهر - والبحرين - بالتحرش بالعتوب في الزبارة، وبدأ حكام المحمرة من الكعوب بالتحرش بالعتوب في الكويت·
وفي العام 1779، توفي كريم خان زند مقتولاً واضطربت الأوضاع الداخلية في إيران فانتهى الاحتلال الإيراني للبصرة، وعادت الوكالة التجارية الإنجليزية - من الكويت - إليها، وقد أطلقت وفاة كريم خان يد حكام الخليج من العرب للتنافس بشراسة، فـدفع جميع زعماء سواحل الخليج إلى أن يجهزوا مراكب مسلحة يسيرها بحارة لا يعترفون بحكم أي قانون، ولا تخضع مراكبهم لأي سلطات، يعتمدون على النهب فحسب - من أجل معاشهم الذي كانوا يمارسونه دون تمييز، فاشتعلت الحروب بين القواسم وسلطان مسقط·
Page 7

إخوان مريم

ومع مطلع العام 1783، وجد الكويتيون أنفسهم يتمتعون بالقوة الكافية للتحلل من دفع الرسوم المفروضة عليهم من حكام بني كعب في المحمرة، فامتنعوا عن الدفع، ولمتنجح محاولات شيخ المحمرة بركات الكعبي في إجبارهم على الدفع، فلجأ إلى حيلة أخرى وهي طلب يد ابنة أمير الكويت عبدالله بن صباح لأحد أبنائه، إلا أن الشيخ عبدالله رفض هذا الطلب، فما كان من الكعبيين إلا تحريك أسطول سفنهم العملاقة اتجاه الكويت في مايو من العام 1783، فبادر الكويتيون لملاقاتهم في موقع قريب من جزيرة فيلكا اسمه الرقة، ومن حسن حظهم جاء الالتحام وقت جزر البحر فعلقت السفن الكعبية بالطين، وتمكن الكويتيون بسفنهم الصغيرة من التحرك السريع حول سفن الأعداء والانقضاض عليها الواحدة تلو الأخرى لقتل من فيها، وبذلك تكبد الكعوب خسارة كبيرة في الأرواح والممتلكات وفرت سفنهم المتبقية إلى المحمرة، وقد حاول الشيخ بركات الانتقام من هذه الهزيمة إلا أنه اغتيل في الحادي عشر من يونيو 1783 واغتيلت أطماعه معه·
على الجانب الآخر من الخليج، وجد عتوب الزبارة (آل خليفة) أنفسهم يتمتعون بالقوة الكافية للتحلل من دفع الرسوم المفروضة عليهم من الشيخ ناصر آل مذكور حاكم بوشهر والبحرين، خصوصاً بعد رحيل كريم خان الذي كان يدعمه من شيراز، فتسبب هذا الرفض باضطراب العلاقة بين الطرفين مما دفع عتوب الزبارة لمهاجمة البحرين وتخريب ما فيها بعد نهبها، ثم عادوا إلى الزبارة فلحقتهم قوات ناصر المذكور بقيادة ابن أخيه، وقام هؤلاء بمحاصرتهم إلا أن هذا الحصار لم ينفع في تغيير موقف العتوب، فنزلت القوات للزبارة لكنها فوجئت باستقبال العتوب لهم بقوات كبيرة على الأرض، ووصول امدادات من الكويت من البحر، فلم يعد أمامهم سوى الانسحاب بعد تلقي الخسارة على أرض المعركة، إلا أن العتوب لم يكتفوا بذلك، فجمعوا قواتهم وتوجهوا إلى البحرين وحاصروها حتى استسلم من فيها في التاسع والعشرين من يوليو 1783، وبذلك انتقل عتوب الزبارة للإقامة في البحرين، وأصبح الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة أميراً عليها·
وبعد الانتقال للبحرين توسعت تجارة عتوبها وعتوب الكويت بشكل كبير، فازدهرت مدنها وازداد عدد سفنها والموانئ التي تنقل إليها بضاعتها، وبهذا أصبحت في منافسة مباشرة مع قواسم رأس الخيمة وسلطان عمان في مسقط، أيضاً تسبب هذا التوسع في شعور عتوب الجلاهمة بالظلم لعدم حصولهم على ما يستحقونه من أرباح، فانشقوا عن البحرين وعادوا للاستقرار في خور حسان في قطر، ومنها بدؤوا بأعمال قطع الطريق والقرصنة، فأصبح زعيمهم رحمة بن جابر الجلاهمة من أشهر قراصنة الخليج· وفي العام 1793 دبت الخلافات بين موظفي الوكالة التجارية البريطانية في البصرة وبين موظفي الدولة العثمانية، فقرر الإنجليز نقل الوكالة -للمرة الثانية - إلى الكويت التي وصلوا إليها في مايو 1793.
Page 8

الموحدون الوهابيون

وشهدت تلك الأيام انتصارات كبيرة لتحالف الموحدين (ابن سعود وعبدالوهاب) على الخوالد في الأحساء والقطيف، فلجأ زيد بن عريعر إلى الكويت بعد طرده من الأحساء، وبذلك اقترب المد الوهابي من الكويت التي أصبحت هدفاً لغاراتهم القادمة، فجاءت الغارة الأولى في العام 1793 بقيادة القائد الوهابي إبراهيم بنعفيصان، وقد خرج أهل الكويت لملاقاته خارج أسوار المدينة، فتغلب عليهم بن عفيصان وقتل منهم ثلاثين رجلاً، وغنم منهم الكثير من الأسلحة والأموال، ووصف مؤرخ الوهابيين ابن غنام هذه الحادثة بالآتي:
غزا إبراهيم بن عفيصان بأهل الخرج والعارض وأهل سدير، فشمر ساعده للجد في السير حتى وصل إلى بلد الكويت بعد الهجوع فأناخ يهيئ ما معه من الجموع حتى فرغ من تلك المطالب ورتب الجيش والكمين، ثم بعد الأسفار غارت خيول المسلمين فخرج مقاتلة أهل البلد مجتمعين وناوشوا المسلمين القتال وعقدوا للحرب المجال، ثم بعد ذلك ظهر عليهم الكمين فولوا مدبرين وعمدوا إلى البلد مسرعين، وقتل المسلمون منهم نحو ثلاثين وأخذوا عليهم غنماً كثيرة وأسلحة ثمينة شهيرة ورجعوا إلى بلادهم فائزين للمال··· والأجر حائزين·
أما الغارة الثانية فجاءت في العام 1797، وبقيادة القائد الوهابي مناع أبي رجلين الذي تمكن من هزيمة الكويتيين أيضاً واغتنام ما تركوه من سلاح وأموال، ويصف ابن غنام هذه الغارة بالآتي:
غزا أبو رجلين من أهل الأحساء بغزو أميرهم أبو رجلين مناع، فلم يكن لهم دون الكويت اقتناع، ولا حيلولة ولا دفاع، فصبحوا تلك البلد بعد حث وإسراع، فأغار ذلك الجيش على أطراف البلاد، بعدما جعلوا لهم كميناً للجلاد، فأخذوا غنماً كثيرة وفزع أهل البلاد بجموع غزيرة، وعدة عظيمة شهيرة، فوقع بينهم قتال من بعيد والرمي يصيب فيهم ويحيد وكل من الفئتين ليس له على الثبات محيد، حتى طلع ذلك الكمين المعدود، فانهزم أهل البلد وكان لهم إليها ورود وما كان دون ذلك من صدود، فملك المسلمون أعقابهم، وكانت كؤوس الردى شرابهم وعجل الله تعالى عذابهم، فقتل منهم نيف وعشرون وأخذ ما معهم من سلاح وولى الباقي منهم منهزمين·
أما حال أهالي الكويت اتجاه هذه الغارات فيصفه أحد موظفي الوكالة البريطانية في الكويت قائلاً:
كان أشد الأوقات رعباً اما قبيل الفجر وإما قبيل الغروب، فعندها كان المعينون لحراسة الآبار يرتدون جرياً إلى المدينة، وهم يحملون النبأ المفزع من ظهور العدو· وعلى الفور تظهر النساء المحجبات على سطوح المنازل يولولن مرددات: يا ويلي، يا ويلي، تلك الصيحة التي تطلقها نساء العرب في حالي الفرح والفزع· وعلى الأثر يتجمع السكان في ظل شيخهم الجليل ليلاقوا عدوهم ،وظهر حقاً حوالي خمسمائة جندي من العدو على أفق الصحراء متوجهين إلى المدينة، وسرعان ما احتل الشيخ وأتباعه مواقعهم وأخذوا معهم مدفعا انتزعوه من إحدى سفن الشيخ وفي هذه الآلة المخيفة وضع كل الناس ثقتهم وأملهم في السلامة ولم تخذلنا تلك الآلة عند الضرورة القصوى·
ثم ظهر العدو مسلحاً برماح طويلة مخيفة -وقد امتطى جنده الجياد المطهمة ووضعوا شجاعة كثير من أهل القرين في امتحان عسير لأنه إذا عجز المدفع الصديق عن أداء دوره فقد تعرض أهل القرين للهجوم والتمزيق قبل أن يستطيعوا إصلاحه مرة أخرى· ولم يكن من المستبعد، وحالة المدفع على ما كانت عليه، أن ينشر الأذى على أصحابه دون أعدائه بسبب الانفجار· وصمم الشيخ الجليل شأنه شأن أي قائد ماهر على أن يستفيد من ذلك المدفع الصديق دون ابطاء، فلما اقترب منه المحاربون على مسافة نصف ميل، دوى المدفع وانطلقت القذيفة، وأثارت الغبار في فضاء الصحراء على مسافة بضع ياردات من العدو·
وبدلا من أن يقوم هذا العدو بالهجوم، بقي فيما يبدو دقائق اما بسبب الدهشة أو تبادل الرأي ثم مضى لطيته ولما عاد جيش القرين إلى المدينة تلقته النساء بالزغاريد وأناشيد النصر، وكان شيخ الكويت رجلا مهيبا قوي الشخصية يكن له أهل المدينة أبلغ مشاعر الإجلال، إذ كان لهم بمثابة أب لا حاكم· وكان الأتراك يحترمونه كما كان يوقره حتى العرب الخاضعون لسعود على الجانب الغربي من الخليج، فإنه - أي سعود - كان شديد الرغبة في أن يملي على شيخها شروطه، أو يستولي عليها· غير أن الوهابيين كانوا يعدون أسوار القرين منيعة، هذا مع أنها كانت مبنية من الطين، وكثيرا ما كانت في فصل المطر تتثلم وتتساقط·
Page 9
لم يتعمد الإنجليز - الذين عادوا إلى البصرة في العام 1795 - إظهار مساندتهم للكويت ضد ابن سعود، لأنهم كانوا بأمس الحاجة إليه في تأمين مرور البريد عبر الأراضي الواقعة تحت سيطرته، خصوصاً أنها - أي الأراضي - كانت تتوسع يوماً بعد يوم، فقد آمن القواسم بمبادئ المذهب الوهابي، واضطر عتوب البحرين والقطريين للخضوع إلى نفوذه بعد مساعدة الوهابيين لهم في طرد سلطان مسقط، أيضاً توسعت فتوحات الوهابيين لتشمل مكة والمدينة، ووصلت غاراتهم إلى المدن العراقية، ففوجئت مدينة كربلاء - المقدسة عند الشيعة - بهجوم ساحق من جانب الوهابيين الذين أوقعوا مجزرة رهيبة بالسكان العزل بعد أن تم لهم الاستيلاء على المدينة، وقد أثارت هذه الحادثة سخطاً عظيماً في إيران على باشا بغداد لافتقاره إلى اليقظة والحذر، فحاول الباشا الرد على الوهابيين بهجوم معاكس في العام 1802، إلا أنه فشل، فجاء الانتقام على يد رجل شيعي من العراق، انقض على الإمام عبدالعزيز بن سعود وقتله وهو يصلي في الدرعية في نوفمبر من العام 1803.
وبعد مقتل ابن سعود انتقل الحكم إلى ابنه سعود بن عبدالعزيز الذي واصل مسيرة والده وجده في الفتوحات والغزوات، فحاول فرض نفسه على الشيخ عبدالله بن صباح من خلال المطالبة بدفع الجزية، إلا أن الشيخ عبدالله رفض هذا الطلب، مما دعا سعود لتجهيز جيشه لغزو الكويت في يونيو عام 1808، لكن هذا الجيش فشل في مهمته فلجأ سعود إلى تحريض سلطان عمان والقواسم على غزو الكويت من البحر فلم يتحمس هؤلاء للفكرة، فكان للكويت أسطول قوي وليس من السهل القضاء عليه، في الوقت نفسه، أحكم سعود سيطرته على الأحساء وقطر والبحرين وعيّن عليها محمد بن معيقل الوهابي وكيلا عنه، ولم يسمح بعودة آل خليفة لحكم البحرين قبل أن يقبلوا بدفع الأتاوات للوهابيين في العام 1810.
وبذلك أصبح الشيخ عبدالله بن صباح الحاكم الوحيد - في الخليج - القادر على الصمود في وجه المد الوهابي والحفاظ على استقلالية بلده، وقد توفي في العام 1814 لينتقل الحكم من بعده إلى ابنه الشيخ جابر بن عبدالله بن صباح، الذي كان مقيما في البحرين لخلاف بينه وبين والده، فعاد إلى الكويت بعد الوفاة لتسلم مقاليد الحكم من الحاكم المؤقت الشيخ محمد بن سلمان بن صباح، وقد تزامنت وفاة الشيخ عبدالله مع وفاة الإمام سعود بن عبدالعزيز وانتقال الحكم إلى ابنه عبدالله بن سعود، لكن ظروف تسلُّم عبدالله للحكم اختلفت كلياً عن ظروف حكم والده، فقد تسببت سيطرة الوهابيين على الحجاز بما فيه من مقدسات إلى استفزاز الدولة العثمانية، فأوعزت إلى واليها في مصر - محمد علي باشا - لاستعادتها وطرد الوهابيين منها ومن باقي الجزيرة العربية، فشن محمد علي حملته العسكرية على الوهابيين وتمكن من استعادة مكة والمدينة، ثم انتقل إلى حصار الدرعية لستة أشهر، فأُجبر عبدالله بن سعود على الاستسلام في السادس عشر من نوفمبر 1818، فقبضوا عليه وأرسلوه إلى الآستانة،وطِيفَ به في شوارعها على مدى ثلاثة أيام متتالية، ثم أعدموه في ميدان مسجد آيا صوفيا وتم عرض جثته للجماهير، وبذلك تم القضاء على الدولة السعودية الأولى·
وهكذا أصبحت جيوش محمد علي باشا - بقيادة خورشيد باشا - على مقربة من الكويت، فحرص الشيخ جابر بن عبدالله على أن تكون علاقته بهم طيبة، فأعلن ولاءه للسلطان، ورفع العلم العثماني على قصره في العام 1829، ولم يتوان عن تلبية كل ما تطلبه السلطات العثمانية في حملاتها العسكرية القريبة من الكويت، فعاونهم على حصار الزبير والقضاء على تمردها في 1836، ووقف بجانبهم في غزوهم للمحمرة في العام 1837.
لكنه في الوقت نفسه لم يتخل عن عاداته العربية الأصيلة واستقلاله السياسي من أجل الأتراك، فبعد تمكن القوات التركية من إخماد تمرد الزبير، لجأ أحد شيوخها - من آل زهير - إلى الكويت، فحرص الشيخ جابر على استقباله وحمايته ورفض تسليمه للأتراك، وتكرر الموقف نفسه بعد احتلال الأتراك للمحمرة، حيث لجأ شيخها ثامر الكعبي للكويت، فاستقبله الشيخ جابر وأكرم وفادته، جرى هذا في الوقت الذي حرص فيه الأتراك على فرض سلطاتهم على جميع المدن الخاضعة لابن سعود سابقاً، فوقعوا معاهدة بهذا الشأن مع حاكم البحرين عبدالله بن أحمد في العام 1839، ولم يطلبوا من الشيخ جابر التوقيع عليها، لأنه لم يخضع يوماً لسلطات ابن سعود أوغيره·
Page 10

يدير الأمور بروح الأب

بطبيعة الحال، أزعج تنامي الدور التركي في الخليج السلطات البريطانية التي كانت تخشى على نفوذها من الاضمحلال أمام الأتراك، فأرسل المقيم الإنجليزي في الخليج الكابتن هنيل وفداً برئاسة مساعده الملازم ادمونز إلى الشيخ جابر في الثلاثين من أكتوبر 1839، إلا أن الشيخ تعامل معهم بجفاء ولم يقف ليحييه وقفة كاملة، بل حياهدون وقوف، وكان لا يزال ممسكا بغليونه ولا يزال يدخن ولم يتوقف عن ذلك· ثم لما سأله ادموندز عن عدم رد تحية السفينة، أنكر أن العادة جرت بذلك، ثم حاول ادموندز إقناعه بحمل الراية الإنكليزية فلم يقنع، وقال إن الحكومة العثمانية جارتنا وجل ما نحتاجه يأتينا من بلدها البصرة التي لها فيها الأمر والنهي·
فقالوا إن الكويتيين أيضاً محتاجون إلى الهند وسفنهم تصل إليها وهي من مستعمرات إنكلترا فأعطاهم أذناً صماً، وأخيراً استأذنوه في البناء في الكويت فلم يأذن لهم أيضاً، ثم قالوا: أتسمح للحكومة العثمانية في نزول بلدك والبناء فيها أم تمنعها كما منعتنا ؟
فقال: نمنعها من ذلك إذا كان فيه ضرر علينا وعلى بلدنا·
فحاولوه أن يعطيهم صكاً بهذا التقرير فما أجاب فرجعوا أدراجهم من حيث أتوا·
وقد أولت السلطات البريطانية اهتماماً خاصاً بالكويت لأنها البديل التجاري الأول للبصرة في حال نشوب خلاف بين موظفيها وموظفي الدولة العثمانية، حيث انتقلت وكالتها التجارية للمرة الأولى إلى الكويت في العام 1776، وانتقلت للمرة الثانية في 1793، أما انتقالها الثالث والأخير فجاء في العام 1821، إلا أنها استقرت هذهالمرة في جزيرة فيلكا التابعة للكويت لخمسة شهور وعادت من بعدها إلى البصرة·
وفي العام 1859، توفي الشيخ جابر، فحزن الكويتيون على رحيله لما كان يُعرف به من جود وكرم حتى أطلق عليه اسم جابر العيش، وانتقل الحكم من بعد إلى ابنه صباح بن جابر الذي وُصف بأنه بشوش قوي البنية عليه وقار الثمانين عاماً، خشن المظهر ولكنه طيب القلب، يدير الأمور بروح الأب تجاه أبنائه، لا يأنف من أن ينزل على حكم القاضي إذا خالفه فيما ذهب إليه، ومهما يكن من أمر فإن فرض العقوبات على السكان مسألة نادرة الحدوث، والواقع أنك لا تجد تدخلاً حكومياً في أي من أمور الناس، والحكومة لا تجد نفسها بحاجة لأن تتخذ مثل هذه المواقف من الأفراد
أما الشيخ صباح نفسه، فعلى الرغم من أنه في الثمانين من عمره، إلا أنه كان يتمتع بصوت جهوري، وحيوية دافقة، ولا أدل على ذلك من أن أصغر أبنائه كان في الخامسة من عمره، ويستفيض الكولونيل بيلي في الحديث عن صباح فيقول:
صباح كريم بطبعه، وشيمة الكرم هذه موروثة منذ أيام عبدالله الأول، الذي كان يتناول الطعام في المساء مع فقراء المدينة، ومع البدو النازلين خارج أسوارها ولقد كان صباح على جانب كبير من التواضع، فكان يجلس على حصير كان قد صنع بالبصرة، أما البيت فكان بسيطاً، بل خرباً، ورثه الشيخ صباح عن والده، ويذكر بيلي أن الشيخ صباح تحدث معه فقال:
عندما بلغ والدي المائة والعشرين من عمره، ناداني إليه، وقال: يا ولدي، إنك تعلم أنني سأفارق الحياة· انني أموت فقيراً دون أن أترك لك ثروة أو نقوداً، غير أنني كونت في حياتي صداقات حقيقية خالصة مع أناس عديدين· عليك أن تعتمد على هؤلاء·
انظر إلى الدول المختلفة من حولك في منطقة الخليج، تجد أنها قد تساقطت بسبب الظلم أو سوء الإدارة، ولكن إمارتي كانت دوماً تقوى وتتسع· تمسك بسياستي، ومع أنك بالصحراء ومع أنك محاط بقبائل كانت ذات يوم معادية، وهي ما زالت حتى يومنا هذا غير مستقرة أو متحضرة، فلسوف تتقدم مشيختك وتزدهر·
وبالفعل، تحققت نبوءة الشيخ جابر، فأصبحت الكويت أكثر مدن الخليج ازدهاراً، وأصبح ميناؤها الأكثر تفوقاً في تجارة الترانزيت، وكان لهذا انعكاس إيجابي على زيادة عدد سفنها التجارية واتساع ثروات تجارها مما جعلها مطمعاً لهجرات سكان البلاد المجاورة، فناهز عدد سكانها الـ22 ألف نسمة قرابة العام 1845، وقد ساهمت الأزمات السياسية والكوارث الطبيعية في المدن المجاورة في توافد الهجرات إلى الكويت بشكل منتظم، وهذا ما حصل قرابة العام 1868 جراء مجاعة أصابتبعض المدن الفارسية فشد سكانها الرحال إلى الكويت فيما سمي لاحقاً بسنة الهيلك، وكان من اللافت للنظر أن أهل الكويت - المهاجرين الأوائل - لم يُظهروا امتعاضاً من حركة الهجرة، فهم خير من يعرف أهمية العنصر البشري الجديد في العمل السِلمي والحربي على حد سواء، خصوصاً وأن سماءهم لا تمطر لبناً، وأرضهم لا تنبع عسلاً ليطمع فيها الغريب المهاجر·
وقد اعتمد سكان الكويت على البحر في مختلف نواحي الحياة، فمن صيده يأكلون، وفي أعماقه يغوصون، وعلى سطحه يتنقلون، فهم من البحر جاؤوا وإليه يرجعون، وكانت أهم نشاطاتهم المعيشية ترتبط بالأنشطة البحرية، وكانت النسبة الأكبر من القوة العاملة تعمل في البحر أو في الأنشطة المكملة للنشاط البحري كالنقل البحري والبري، صيد اللؤلؤ، صيد الأسماك، صناعة السفن، وغيرها من الأنشطة التي تنعكس بشكل واضح على ألقاب الأُسر الكويتية الحِرفية كـ النجار، القلاف، الأستاذ، البناي، القطان، الجرخي، الطواش، الوزان، الصايغ، العتال، المطوع، الحداد، الخياط، الخباز··· الخ·
ويصف بكنجهام الكويت في العام 1816 بقوله:
أهل الكويت معروفون بأنهم أكثر أهل الخليج حباً للحرية والإقدام، ولمدينة الكويت ميناء عظيما، وان غالبية سكانها من التجار الذين يعملون في ميداني التجارة المحلية والخارجية، ولا يقتصر عملهم على صنف معين في تجارتهم، بل هم يتاجرون في جميع ضروب التجارة السائدة أو الرائجة في الخليج دون استثناء، اما السفن الكويتية التي تعمل في نقل التجارة فيبلغ عددها نحو مائة، بين صغيرة وكبيرة·
ويشير ستوكويلر إلى أن مهارة البحارة الكويتيين تلفت النظر، حتى بالمقاييس الأوربية، وأنهم كانوا يتحلون بروح المرح التي كانت تتجلى حين يغنون أهازيج البحر ويدقون الطبل·