Page 1
شُكر
كتبت المئات من المقالات قبل أن أبدأ بكتابة هذا الكتاب، وكان ظني يوحي إليَّ دائما بسهولة هذا العمل، لكن الانخراط في التجربة أجبرني على الاعتراف بأن كتابة الكتاب أصعب بكثير من كتابة المقال، وأصعب ما في ذلك هو الاضطرار للحفاظ على (سرية) العمل لفترات طويلة، ففي المقال أنت تكتب وتنشر وتحصل على الردود والتعليقات - والانتقادات - الفورية على انتاجك الفكري·لكن طبيعة العمل في الكتاب، تحتاج إلى سنوات من البحث والإعداد والتوثيق الذي لا تتمكن من إظهاره للجماهير، وبالتالي لا تحصل على ما اعتدت عليه من ردود وتعليقات وانتقادات فورية تستفز خلاياك النائمة، وتشعل حماستك الضامرة، وهذا ما يعرض الكاتب - دائماً - إلى نوبات اليأس والكسل، التي تمكنت بالفعل من وأد الكثير من الأعمال الكتابية قبل ولادتها·
ولذلك، لا أجد غضاضة في الاعتراف بأني أيضاً كنت أصاب بالكسل والملل واليأس خلال السنوات الأربع التي قضيتها في كتابة هذا الكتاب، ولم أكن لأتمكن من نفض النعاس من عيني لولا تشجيع الأصدقاء، وإلحاح الأحبة عليَّ بمواصلة العمل حتى النهاية كي يتمكنوا من رؤيته، والاستمتاع بقراءته، وهذا ما يجعلني أخصص هذه الصفحات لـ شكرهم بالأصالة عن نفسي، وبالنيابة عن (الكتاب) الذي لم يكن ليكون بين أيديكم في هذه اللحظة، وبهذه الجودة، لولا دعمهم، سواء كان هذا الدعم مادياً أو معنوياً، صادقاً أو مجاملة، مقصوداً أو مصادفة، بطلب مني أو مبادرةً·
وبذلك، وبالرغم من انفراد اسم (محمد اليوسفي) على غلاف هذا الكتاب، فإن هناك العشرات من الأسماء التي تستحق مشاركته، وأخص بالذكر الأستاذ الفنان محمد شرف، الذي تطوع لتصميم أغلفة الكتاب الثلاثة، وكل من الأستاذ خالد ربيعي والأستاذ ابراهيم مطر، اللذين قاما بالتصحيح اللغوي للكتاب، ولا أنسى هنا العاملين بالمؤسسة العربية للدراسات والنشر، وعلى رأسهم الأستاذ ماهر الكيالي، على التصدي لطباعة ونشر الكتاب·
أيضاً كل الشكر لوالدي الدكتور عبدالله اليوسفي، الذي حصلت منه على أرشيف كامل من الوثائق المتعلقة بفترة الثمانينيات، والأستاذة ديمة الغنيم، التي لم تبخل على الكتاب بمصادر فترة الستينيات، والأستاذ الكبير حمزة عليان، الذي قدم للكتاب مصادر فترة التسعينيات، واشترك في ذلك الأستاذ محمد الحسيني، والأستاذ عمر مسوح، والأستاذ مشعل بوحمد، والأستاذ عبدالله الصايغ، والأساتذة الأصدقاء عبدالرحمن المناعي، وصقر الغيلاني، وهاني الجزاف، وعدنان البصير، وعماد العلي، وعبدالله جراغ، وخالد الجاسم، وباسل بو رضا·
بالإضافة إلى الأستاذة إلهام العمر، والأستاذة زينب معرفي، والأستاذة خلود العازمي· وكل الشكر لمن قدم لي المشورة والنصائح الثمينة؛ الدكتور فيصل الصفي والدكتور حسين جراق، والأستاذ الروائي عبدالوهاب الحمادي، والأستاذ الكاتب حسن رمضان، وأقاربي الأستاذ أحمد الموسوي، والأستاذ ياسر أبل، والأستاذة الصديقة شروق مظفر، والأستاذة الروائية ميس العثمان، والأستاذ محمد زوربا·
وقد كان لهذا الكتاب الحظ في الحصول على دعم أصدقاء لم يقرؤوه، لكنهم آمنوا به وبي فدعموه، الأستاذة الصديقة أماني البداح، والأستاذة نوف الهاجري، والأستاذة بيبي الناصر، والأستاذة حنان العوضي، والأصدقاء الأساتذة عامر الهلال، وعبدالعزيز العتيقي، ومشعل الغانم، وحسين أسد·
ولا يفوتني هنا أن أشكر كل من قصّرت في حقه بسبب انشغالي بكتابة الكتاب، وعلى رأسهم عائلتي الصغيرة والكبيرة وزملائي في العمل· وأخيراً وليس آخراً، أتقدم بالشكر (مقدماً) لكل من سيقرأ الكتاب، ويتكلف على نفسه التواصل معي لإبداء الملاحظات التصحيحية، والانتقادات المنطقية، التي ستنعكس إيجاباً على الطبعات القادمة إن شاء لي الله ذلك·
Page 2
مدخل
لم يكن يشعر بالوقت يمر من حوله، والسنوات تتراكض بجانبه، تطرق نوافذه دون أن ينتبه لها، فقد أشغل نفسه بالأحداث المتزاحمة، وتطوراتها المتسارعة، فهذا احتقان داخلي، وذاك صراع إقليمي، وآخر هناك إسلامي، ومؤتمر هنا قومي، فيعقبه انهيار عالمي، كلها تشغله، ولا تنشغل به، فقد جنّد نفسه للتفاعل معها، وهي لم تستأذنه، هكذا مرت حياته، بين فعل هنا، ورد فعل هناك، حتى نسيَ نفسه، ولم يعد يعرفها، بل إنه لم يهتم بالاقتراب منها، فهو لا يرى نفسه، ولا يشعر بقيمتها، بعيداً عن مرآة الأحداث المتزاحمة، وتطوراتها المتسارعة···مع مرور الأيام، والرضوخ لعوامل السن، أصبح يتلقى ضربات الزمن، يستقبلها من حيث لا يعلم، فيرتفع ضغط دمه حيناً، ويتكاثف سُكّره أحيانا، فيشترك قلبه بالحفلة ويضطرب، تعب من تخاذل أعضائه، بعد أن أتعبها بملاحقة الأحداث، وصار أسيراً للأمراض المتزاحمة، وتطوراتها المتسارعة، يهدأ رأسه، فتشتعل معدته، يستقر ظهره، فتتشنج رقبته، أخباره سيئة، ولا يبتسم حظه، فلم يعد أمامه سوى زيارة الطبيب···
احتار فيه الطبيب، واحتار هو مع الطبيب، فقائمة العقاقير طالت، ومواعيد جرعاتها ازدحمت، فهذا أنسولين للسكر، وذاك ديوفان لضغط الدم، وبعدها أسبرين للقلب، إضافة إلى مدرات البول المزعجة، فهو لم يعد قادراً على النوم بسبب حاجته المستمرة لزيارة بيت الراحة، ولهذا قرر التوقف عن تعاطي الدواء، حتى حل به البلاء···
مر الأسبوع الأول بهدوء، لكن الهدوء لم يتغلب على الأسبوع الثاني، فضاق صدره في الليل، واختنقت أنفاسه، تسارعت حركة قفصه الصدري في البحث عن جزيئات الأوكسجين، هب قلبه مزمجراً، يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، تسارعت دقات قلبه، الذي اجتهد للسيطرة على الأوضاع، يضخ الدم هنا وهناك، بلا جدوى، تصاعد ضغط دمه، وتجاوزت ضربات قلبه المئة وستين ضربة··· في الدقيقة···
أخذ وعيه بالاعتدال، وأصبح من الصعب إبقاؤه على وعيه، فسقط مغشياً عليه، وجاءت الإسعاف لنقله، وفي الإنعاش أهبطوا جسده، فهبط معه قلبه، دخل عليه الأطباء، تربكهم ربكة قلبه، ما بال هذا الرجل، وما بال جنون ضغطه، يداعب السقف ويتجاوزه، تارة 200، وتارة 250، أما النبض، فيتأرجح بين مئة وخمسين مرة، ومئة وستين مرة، تزاحمت الأحداث على الطبيب، وتسارعت تطوراتها، فلم يفحص صاحبنا، ولم يسأل عن تاريخ مرضه، فلم يرَ قائمة الدواء، ومواعيد جرعاتها المتزاحمة، فأصبح أمامه حل واحد للسيطرة على دمه، وسط الأحداث المتسارعة···
طلب له الأندرال، ليضع حداً لضغطه، حاول قلبه المقاومة، وكافح ليستمر في أداء مهامه، إلا أن العِقار انتصر، فانسحب القلب من المواجهة، وهبط الضغط إلى السبعين، ومنها إلى عشرين، ثم ارتفعت الراية البيضاء، واستوت القراءة على الشاشات، خطوط مستقيمة لا تتوقف، تعلن عن نهاية المعركة، وسط تزاحم الأطباء، ودوران الأحداث المتسارعة···
تشبه حالة الكويت حال هذا المريض، فمنذ النشأة وهي تنهك نفسها بالأحداث المتزاحمة، وتطوراتها المتسارعة، حتى تكالبت عليها الأمراض المزمنة، ومع كل مرض يأتي الدواء، ومع كل دواء تأتي أعراض جانبية، يضرب كل منها الآخر، صراع إقليمي، وانقسام داخلي، فضياع حكومي، وانفلات أمني، أصبحت البلد حلبة، يضرب كل من فيها من فيها، وعند اللجوء إلى الطبيب، يسارع بوصف المزيد من الدواء، دون أن يفحص، دون أن يُشخِّص، دون أن يقرأ تاريخ المريض، متى نشأ، وكيف ترعرع، وما هي التجارب التي مرّ بها، وما هي الأدوية التي حاول أن يعالج نفسه بها، بماذا استفاد، وبماذا زاد سوء أحواله سوءًا···
هذا الكتاب، ببساطة، هو الملف الطبي للكويت، سيجد فيه الطبيب كل ما يتعلق فيها، متى نشأت، وكيف ترعرعت، وما هي العوامل التي ساهمت في ازدهارها، ثم العناصر التي داومت على تهديدها، سواء جاءت من الخارج، أو كان من الداخل انتشارها، منذ أن كانت قرية، وأصبحت مدينة، فحولتها الأقدار إلى دولة، تحديات كل مرحلة، ومميزاتها أيضاً···
معرفة هذا التاريخ، وقراءة هذا الملف، ستوفر على الطبيب إعادة اكتشاف العجلة، وإعادة وصف الأدوية الفاشلة، فهنا ستقرأ عن المرض، وستعرف من أين بدأ، وكيف تفاقم، حتى وصل إلى ما وصل إليه اليوم، وبهذا يتسنى لك فحص الأسباب قبل النتائج، الجذور قبل الفروع، ليكون تشخيصك أكثر دقة، وعلاجك أكثر فاعلية···
أما ما يميز الكتاب عن غيره من الكتب - المختصة في تاريخ الكويت السياسي - فهو الآتي:
1- تتخصص أغلب كتب التاريخ بمعالجة فترات أو أحداث محددة، أما هذا الكتاب (بأجزائه الثلاثة) فيغطي تاريخ الكويت السياسي منذ وصول العتوب (آل صباح) إلى (القرين) في العام 1701م إلى نهاية العام 2012م، وهي فترة لم يغطها كتاب آخر.
2- يتميز الكتاب بتناول الأحداث بالتسلسل الزمني لحدوثها بدلاً من التسلسل الموضوعي الذي تتبناه الكتب الأخرى، وهذا ما سيسهل على القارئ فحص الأحداث وفق منظومة الفعل ورد الفعل، أيضاً يساهم هذا الأسلوب في تقليل عملية تكرار الأحداث، فنتجاوز بذلك إصابة القارئ بالملل.
3- إمكانية قراءة الكتاب كاملاً، أو قراءة كل فصل على حدة، فالفصول ترتبط تاريخياً، إلا أن كل فصل يعالج مرحلة مستقلة عن المراحل الأخرى.
4- يركز الكتاب على الحدث دون إلحاقه بتعليقات الكاتب وتحليلاته، حتى لا يفسد على القارئ متعة التحليل والاستنتاج الذاتي·
5- رغم اختصاص الكتاب في تاريخ الكويت السياسي، فإنه يركز أيضاً على الأحداث العالمية والإقليمية ذات الانعكاسات المحلية، وبذلك سيطلع القارئ على الأبعاد المحلية للحدث الإقليمي، والأبعاد الإقليمية للحدث المحلي·
6- استخدام المصادر الحديثة التي لم تكن متوافرة - بسهولة - للكُتاب في السابق، كالمقابلات التلفزيونية والوثائق البريطانية ووثائق الويكيليكس ومواقع الإنترنت·
7- الميل - قدر الإمكان - نحو نقل الحدث بلسان شهوده ومعاصريه في وقت وقوعه، حتى يتمكن القارئ من معايشة الحدث بكل أبعاده وتفاصيله للزيادة في الفهم، والكمال في الإحاطة.
8- التركيز على البُعد السياسي للحدث، دون إهمال الأبعاد الأخرى المؤثرة على الحالة السياسية بطريق غير مباشر.
9- عدم الاعتماد على الروايات الشفهية والحرص على المصادر المكتوبة والمُوثَّقة فقط·
وقد تسببت النقطة الأخيرة في امتناعي عن ذكر الكثير من الروايات المتداولة بشكل شفهي (دون توثيق) حرصاً على مصداقية المعلومة، أيضاً تسبب ذلك في عدم الاستناد على المقابلات الشخصية كمصدر للمعلومة، مع الإقرار بأن هذا (قد) يُعتبر أحد نقاط الضعف في الكتاب، وعند الحديث عن نقاط الضعف، فمن الممكن الإشارة إلى الملل الذي (قد) يصيب القارئ من جراء قراءة الخطابات الرسمية المطولة الموجودة في متن النص، وقد حاولت قدر الإمكان اختصارها وذكر الفقرات المهمة فيها، مع استبعاد العبارات الإنشائية المزخرفة·
Page 3
وتأتي أهمية بعض الخطابات الرسمية كالخطابات الأميرية وغيرها من أن أصحابها لم يكتبوا مذكراتهم أو يعلقوا على الأحداث وأسباب مواقفهم منها، فلم يعد أمامنا سوى الخطابات الرسمية التي يمكن أن نستخلص منها وجهة نظر هذا الطرف أو ذاك حول الحدث·
وقد حرصت على عدم ذكر أي معلومة في الكتاب دون ذكر مصدرها، مع التشديد على أن وجود (مصدر) لا يعني بالضرورة صحة المعلومة، ولذلك حرصت على التأكد من بعض المعلومات من أكثر من مصدر، وحرصت أيضاً على الإشارة إلى ضعف المصدر أو وضع ملاحظة عليه عند الحاجة، أما أهم الملاحظات على المصادر فهي الآتي:
1- يعتمد الكتاب على التاريخ الميلادي بشكل أساسي، ويذكر التاريخ الهجري عند الحاجة فقط·
2- في حال وجود أكثر من طبعة للمصدر، وعدم ذكر رقم الطبعة في الهامش، فعلى القارئ أن يعلم تلقائياً بأن النسخة المستخدمة هي الطبعة الأولى، وفي حال استخدام الطبعات الأخرى سيتم ذكر ذلك في الهامش.
3- تم تعديل بعض الاقتباسات وإعادة ترتيبها حتى تكون أكثر وضوحاً وانسجاماً مع السياق العام للحدث، (بطبيعة الحال تم ذلك بالحد الأدنى ودون التأثير على المعنى العام للاقتباس).
4- أغلب الصور المرفقة بالنص ترتبط مباشرة بالحدث المصاحب، لكن ذلك لا ينطبق عليها كلها، فبعض الصور لم تؤخذ في وقت وقوع الحدث، لكنها تخدم المعنى، وقد خضعت نسبة كبيرة منها للمعالجة من حيث التوضيح وإعادة الترتيب·
وأعترف هنا بأنني ترددت كثيراً في ذكر بعض الأحداث والمعلومات والأسماء، لمعرفتي المسبقة بما سأتعرض له من متاعب وانتقاد نتيجة ذكرها، إلا أنني تحيزت دائماً إلى (حق) القارئ في معرفة المعلومة المتكاملة، دون تهذيب أو تشذيب، وبذلك انتصرت رغبتي في إشباع شغف القارئ على مخافتي من التعرض للنقد والمتاعب، أقول ذلك مع التأكيد والتشديد على أني لم أقصد بأي شكل من الأشكال الإساءة إلى أي شخص أو فئة أو عائلة تم ذكرها في الكتاب، وأنا على استعداد تام لتقبل النقد وتغيير أي معلومة غير صحيحة - في الطبعات المقبلة - حال تأكدي من عدم صحتها، وسأكون سعيداً بوضع هامش توضيحي حول أي معلومة وردت في الكتاب من وجهة نظر واحدة، وتم إقناعي بوجود وجهة نظر أخرى تستحق الذكر حول نفس المعلومة·
أقوم بذلك لأني أسعى دائماً للكمال، ولرغبتي الدائمة في أن يكون عملي بلا عيوب أو نواقص، فليس سهلاً على الإنسان صرف جل وقته، وكنز صحته، والتضحية بعلاقاته، وأوقات راحته، من أجل شيء لا يستحق أن يمثله، ويعبر عن فكره، ولولا ثقتي بالأثر (الإيجابي) الذي سيتركه هذا العمل على المحصلة المعرفية للقارئ لما تكلفت القيام به وقضيت أربع سنوات من حياتي في تجهيزه·
وعند الحديث عن القارئ، يأتي سؤال مهم وهو لمن هذا الكتاب؟
إجابتي عن السؤال هي أن هذا الكتاب للجميع، إلا أن أهميته ستزداد عند الفئات التالية:
1- كل شخص لديه اهتمام بالتاريخ، وتاريخ الكويت خصوصاً.
2- كل شخص لديه اهتمام بالسياسة، والسياسة في الكويت خصوصاً.
3- كل شخص لديه اهتمام بالكويت، وتاريخها السياسي خصوصاً، وهو يصلح لأن يكون مرجعاً سياسياً تاريخياً لطلبة الجامعات والمدارس وأعضاء السلطة التشريعية والتنفيذية على حد سواء، ولا سيما الطامحين لخوض غمار المجال السياسي، أيضاً سيكون للكتاب أهمية كبرى عند الأشقاء الخليجيين والعرب المهتمين بالشأن السياسي والتاريخي، وبخاصة المتحمسين لنقل تجربة الديموقراطية الكويتية إلى ديارهم·
وفي الختام، أتمنى أن أكون قد وُفقت في إثراء المكتبة الكويتية بهذا العمل، ونجحت من خلاله برد جزء - بسيط - من الجميل الذي أدين به للكويت، وطني الحبيب الذي أتمنى له العزة والتقدم والازدهار·
محمد اليوسفي، 2013
وقد حرصت على عدم ذكر أي معلومة في الكتاب دون ذكر مصدرها، مع التشديد على أن وجود (مصدر) لا يعني بالضرورة صحة المعلومة، ولذلك حرصت على التأكد من بعض المعلومات من أكثر من مصدر، وحرصت أيضاً على الإشارة إلى ضعف المصدر أو وضع ملاحظة عليه عند الحاجة، أما أهم الملاحظات على المصادر فهي الآتي:
1- يعتمد الكتاب على التاريخ الميلادي بشكل أساسي، ويذكر التاريخ الهجري عند الحاجة فقط·
2- في حال وجود أكثر من طبعة للمصدر، وعدم ذكر رقم الطبعة في الهامش، فعلى القارئ أن يعلم تلقائياً بأن النسخة المستخدمة هي الطبعة الأولى، وفي حال استخدام الطبعات الأخرى سيتم ذكر ذلك في الهامش.
3- تم تعديل بعض الاقتباسات وإعادة ترتيبها حتى تكون أكثر وضوحاً وانسجاماً مع السياق العام للحدث، (بطبيعة الحال تم ذلك بالحد الأدنى ودون التأثير على المعنى العام للاقتباس).
4- أغلب الصور المرفقة بالنص ترتبط مباشرة بالحدث المصاحب، لكن ذلك لا ينطبق عليها كلها، فبعض الصور لم تؤخذ في وقت وقوع الحدث، لكنها تخدم المعنى، وقد خضعت نسبة كبيرة منها للمعالجة من حيث التوضيح وإعادة الترتيب·
وأعترف هنا بأنني ترددت كثيراً في ذكر بعض الأحداث والمعلومات والأسماء، لمعرفتي المسبقة بما سأتعرض له من متاعب وانتقاد نتيجة ذكرها، إلا أنني تحيزت دائماً إلى (حق) القارئ في معرفة المعلومة المتكاملة، دون تهذيب أو تشذيب، وبذلك انتصرت رغبتي في إشباع شغف القارئ على مخافتي من التعرض للنقد والمتاعب، أقول ذلك مع التأكيد والتشديد على أني لم أقصد بأي شكل من الأشكال الإساءة إلى أي شخص أو فئة أو عائلة تم ذكرها في الكتاب، وأنا على استعداد تام لتقبل النقد وتغيير أي معلومة غير صحيحة - في الطبعات المقبلة - حال تأكدي من عدم صحتها، وسأكون سعيداً بوضع هامش توضيحي حول أي معلومة وردت في الكتاب من وجهة نظر واحدة، وتم إقناعي بوجود وجهة نظر أخرى تستحق الذكر حول نفس المعلومة·
أقوم بذلك لأني أسعى دائماً للكمال، ولرغبتي الدائمة في أن يكون عملي بلا عيوب أو نواقص، فليس سهلاً على الإنسان صرف جل وقته، وكنز صحته، والتضحية بعلاقاته، وأوقات راحته، من أجل شيء لا يستحق أن يمثله، ويعبر عن فكره، ولولا ثقتي بالأثر (الإيجابي) الذي سيتركه هذا العمل على المحصلة المعرفية للقارئ لما تكلفت القيام به وقضيت أربع سنوات من حياتي في تجهيزه·
وعند الحديث عن القارئ، يأتي سؤال مهم وهو لمن هذا الكتاب؟
إجابتي عن السؤال هي أن هذا الكتاب للجميع، إلا أن أهميته ستزداد عند الفئات التالية:
1- كل شخص لديه اهتمام بالتاريخ، وتاريخ الكويت خصوصاً.
2- كل شخص لديه اهتمام بالسياسة، والسياسة في الكويت خصوصاً.
3- كل شخص لديه اهتمام بالكويت، وتاريخها السياسي خصوصاً، وهو يصلح لأن يكون مرجعاً سياسياً تاريخياً لطلبة الجامعات والمدارس وأعضاء السلطة التشريعية والتنفيذية على حد سواء، ولا سيما الطامحين لخوض غمار المجال السياسي، أيضاً سيكون للكتاب أهمية كبرى عند الأشقاء الخليجيين والعرب المهتمين بالشأن السياسي والتاريخي، وبخاصة المتحمسين لنقل تجربة الديموقراطية الكويتية إلى ديارهم·
وفي الختام، أتمنى أن أكون قد وُفقت في إثراء المكتبة الكويتية بهذا العمل، ونجحت من خلاله برد جزء - بسيط - من الجميل الذي أدين به للكويت، وطني الحبيب الذي أتمنى له العزة والتقدم والازدهار·
محمد اليوسفي، 2013
Page 4
مقدمة
الكويتمن التحرير إلى الاختلال
هذا الكتاب هو الجزء الثالث من سلسلة مكونة من ثلاثة أجزاء تتناول في مجموعها تاريخ الكويت السياسي منذ النشأة حتى نهاية العام 2012، ويتحدث هذا الجزء عن الفترة الممتدة من تحرير الكويت (من الاحتلال العراقي) في السادس والعشرين من فبراير 1991 إلى انتخابات مجلس الأمة (حسب نظام الصوت الواحد) في الأول من ديسمبر 2012، وينقسم الكتاب إلى ثلاثة فصول - وملحق - يتناول كل منها مرحلة تاريخية تختلف عن الأخرى، فالفصل الأول يبدأ مع تخلص الكويت من الاحتلال العراقي وعودة سُلطة (آل صباح) لاستئناف حكمها بعد انقطاع دام سبعة أشهر، وبذلك يمكن اطلاق اسم (الدولة الثانية) على كويت ما بعد الاحتلال·
ويعالج الفصل الأول بصمات الاحتلال على مختلف شرائح الشعب الكويتي الذي انقسم إلى (صامدون) بقيوا في الكويت لمواجهة الاحتلال بقسوته، و(لاجئون) خرجوا من الكويت لمواجهة التشرد بقسوته أيضاً، وبين قسوة الاحتلال وقسوة التشرد كان اللقاء·
ثم ينتقل الفصل لتسليط الضوء على الاستحقاقات المفروضة على حكومة كويت ما بعد التحرير، سواء جاءت من الداخل أو الخارج، بما فيها الاستحقاقات المتوقعة اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية نظير قيادتها لعملية التحرير، وكيف تسببت هذه الاستحقاقات في نشوء الخلاف بين أقطاب السلطة·
ويستمر الفصل في سرد الأحداث السياسية بداية بعودة العمل بدستور 1962 وعودة مجلس الأمة في العام 1992، ويشمل أيضاً تغطية أهم أحداث مجالس 1996 و1999 و2003، بما في ذلك طغيان الصبغة الدينية المتطرفة على النائب الكويتي وانعكاس هذا التطرف على عمل المجلس بشقيه الرقابي والتشريعي·
أما الإثارة فتأتي في العام 2001 بتعرض الولايات المتحدة الأمريكية لهجمات إرهابية نفذها تنظيم (القاعدة) الذي يقوده المواطن السعودي أسامة بن لادن، وبذلك تعلن الحكومة الأمريكية (الحرب على الإرهاب) أو (الحرب على التطرف الإسلامي)، لتقع الكويت بين سندان المتطرفين دينياً من مواطنيها ومطرقة الضغط الأمريكي، وفي هذا المجال يغطي الفصل الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق·
وينتهي الفصل الأول بذكر تبعات تقهقر الحالة الصحية لأمير البلاد الشيخ جابر الأحمد ورئيس حكومته وولي عهده الشيخ سعد العبدالله، مما أدى إلى انتقال الإدارة (الفعلية) للبلاد إلى وزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد، الذي اضطر للدفع نحو فصل ولاية العهد عن رئاسة الوزراء في العام 2003، لكن ذلك لم يحصن البلاد من مواجهة (أزمة حكم) عند وفاة سمو الأمير الشيخ جابر الأحمد في بداية العام 2006، والتي تبدأ معها أحداث الفصل الثاني·
ويذكر الفصل الثاني تفاصيل (أزمة الحكم) بكل ما فيها من تفاصيل أدت في النهاية إلى تصويت مجلس الأمة على نقل صلاحيات (تنحية) سمو الأمير الشيخ سعد العبدالله الصباح إلى مجلس الوزراء، وكيف ساهم ذلك في بروز الخلافات العميقة بين أقطاب الأسرة الحاكمة، حيث انعكست تبعات هذه الخلافات على الساحة السياسية بشكل عام، وعلى أعضاء مجلس الأمة بشكل خاص·
وينتقل الفصل بعد ذلك لنقل تفاصيل دخول (شباب المدونات الإلكترونية) على الساحة السياسية ودورهم المؤثر في استسلام الحكومة للمطالب الشعبية بتقليص الدوائر الانتخابية من 25 إلى 5 دوائر، وتزامن ذلك مع حصول المرأة على حق الترشح والانتخاب وصدور قانون المطبوعات الجديد الذي فتح الأبواب أمام دخول وسائل الإعلام الخاصة للمشهد السياسي·
أيضا يتناول الفصل ارتفاع وتيرة التناحرات الداخلية بين أطياف الشعب الكويتي سواء جاءت في القالب المذهبي بين الشيعة والسُنة، أو القالب الاجتماعي بين أبناء القبائل والعوائل، أو القالب الاقتصادي بين طبقة الموظفين والتُجار·
أما الحدث الأبرز في هذا الفصل، فهو نجاح مجلس الأمة الكويتي برفع سقف الرقابة العامة من خلال استجواب رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد الأحمد الصباح، رغم انتمائه إلى ذرية الشيخ مبارك الصباح المؤهلة للحكم، وبطبيعة الحال لم تمر هذه العملية مرور الكرام، فقد تسببت تبعاتها المتراكمة في الصدام المباشر بين السلطة والمعارضة في ديسمبر 2010 في ما يسمى بأحداث (ديوان الحربش)، الذي تنتهي معه أحداث الفصل الثاني من الكتاب·
ويبدأ الفصل الثالث - والأخير - بالانتقال نحو الأحداث الإقليمية، فيسلط الضوء على ثورات الشعوب العربية فيما يعرف باسم (الربيع العربي)، وكيف انعكست هذه الثورات على الشارع الكويتي بشقيه الحكومي والشعبي، وكيف تسبب اختلاف مواقف كل منهما في التصادم بين الطرفين·
ويركز هذا الفصل بشكل كبير على صراعات أقطاب الأسرة الحاكمة واستخدامهم لمجلس الأمة ووسائل الإعلام كـ(حلبة) لهذا الصراع، وما صاحب ذلك من انحدار شديد في لغة الحوار أصبحت معه الكويت المثال الأسوأ للممارسة (الديموقراطية)، وقد يعاتبني البعض على نقل ما جاء على لسان هؤلاء من عبارات نابية وكلمات بذيئة مما سيقلل من القيمة (الأدبية) لهذا الكتاب، ورغم تقبلي لهذا العتاب فإنني اخترت أن أنقل الحدث بكل أبعاده الإيجابية والسلبية إلى القارئ، حتى تكتمل عنده الصورة، ويتفهم بشكل أعمق ما هي (الأفعال) التي سببت (ردود الأفعال)
وفي الجزء الأخير من الفصل ننتقل إلى تفاصيل أزمة - أو فضيحة - (الإيداعات المليونية) وتسببها المباشر في استقالة رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد الصباح، وما تلا ذلك من حل لمجلس الأمة وانتخاب مجلس آخر تم (إبطاله) بعد خمسة أشهر بسبب خطأ إجرائي، وتدخل الأمير قبل انتخاب المجلس المقبل لتعديل النظام الانتخابي من خلال تقليص عدد الأصوات التي يحق للناخب الإدلاء بها من أربعة إلى صوت واحد، وهذا ما اعتبرته المعارضة (انقلاباً) على الدستور لا يمكن مواجهته إلا بالدعوة لمقاطعة الانتخابات المقبلة·
بهذه الأحداث نختتم الكتاب، مع ارفاق الفصل الثالث بملحق مختصر حول أهم الأحداث المحلية والإقليمية للعام 2013·
Page 5
الفصل الأول
بداية جديدة
(كنت أود أن أقول أكثر مما قلت··· لكن سامحوني إذا كنت قصرت معكم)(الشيخ جابر الأحمد الصباح،
افتتاح دور الانعقاد لمجلس الأمة، 19 أكتوبر 2002)
(الجيش العراقي هُزم· وقد حققنا أهدافنا العسكرية· الكويت عادت من جديد إلى الكويتيين ليحددوا مصيرهم بأيديهم· العلم الكويتي يرفرف من جديد في سماء عاصمة أُمة حُرة وذات سيادة، والعلم الأمريكي يرفرف من جديد فوق سفارتنا)
لخصت هذه الكلمات رسالة الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى شعبه مساء السابع والعشرين من فبراير 1991، أما الشعب الكويتي الذي بشره الرئيس بوش باستعادة قدرته على تحديد المصير بيديه فمن الممكن تقسيمه في تلك اللحظة إلى أربع فئات رئيسية هي:
الصامدون:
تم إطلاق هذه التسمية على الكويتيين الذين رفضوا الخروج من الكويت وصمدوا في مواجهة الاحتلال، وبالرغم من قلة عددهم بالمقارنة مع من خرج من الكويت فإنهم الأكثر تأثيراً وتأثُراُ، حيث إنهم تعاملوا مع الاحتلال وجهاً لوجه، يوماً بيوم، يتعرضون للإهانة والتعذيب، سلب المال حيناً، وسلب الحرية أحياناً· أيضاً واجه هؤلاء مخاطر الحرب بسبب وجودهم على خط النار، مما ولّد لديهم شعوراً بالفخر والاعتزاز عند المفاضلة بينهم وبين الفئات الأخرى·
اللاجئون:
وقع الغزو العراقي في فترة العطلة الصيفية، فكان جزء كبير من الكويتيين يقضي إجازته السنوية خارج البلاد، ومما زاد الوضع سوءاً اضطرار أعداد كبيرة منهم للخروج من البلاد في الأسابيع الأولى من الغزو تحاشياً للتعامل مع جنود الاحتلال وتحمل ما قد ينتج عنه من مخاطر، وخصوصاً أن المخابرات العراقية كانت تبحث عن العسكريين رغبة في تجنيدهم لحساب العراق كما حصل مع أفراد (حكومة الكويت المؤقتة)
خاضت هذه الفئة تجربة مختلفة عن تلك التي خاضها الصامدون، فالخروج من الكويت عبر الطرق الرسمية - أو الرملية - لم يكن بالأمر الهيِّن، وخصوصاً أن أغلبهم خرج بلا وِجهة محددة أو مصير معلوم، وقد لجأ الجزء الأكبر منهم إلى دول مجلس التعاون الخليجي التي قامت حكوماتها وشعوبها بمجهودات جبارة لاستقبال الكويتيين والتخفيف عن غربتهم وضياع وطنهم، أيضاً ساهمت الحكومة الكويتية في المنفى بالتكفل بحاجات هؤلاء وتكاليف معيشتهم، إلا أن كل ذلك لم ينجح في تحصينهم من الوقوع في فخ ثقافة اللجوء والتشرد·
يتعرض الجيل الأول من اللاجئين عادة إلى العديد من المؤثرات المتناقضة، فيجد نفسه منحصراً بين مطرقة الاندماج مع المجتمع الجديد وسندان الحفاظ على هويته الأصلية وخصوصيتها، أيضاً يجد اللاجئ نفسه في حاجة دائمة لمساعدات مستضيفيه، لكن هذه الحاجة تأتي مصحوبة بشعور دفين بالذُل والمهانة، خصوصاً لمن لم يعتد على ذلك من قبل·
من الطبيعي أن تنعكس هذه التناقضات على شخصية اللاجئ الكويتي ونفسيته، فنجده يبالغ في التطبع بأطباع المجتمعات الخليجية عامة، والمجتمع السعودي خاصة، حتى يرضي غرور الاندماج لديه ولديهم، أيضاً برزت إلى السطح عادة المفاخرة بالانتماء للأصول السعودية وكأنها تتفوق على غيرها من الأصول، المثير هنا أن هذه المفاخرة انعكست كوسيلة مُعايرة للكويتيين ذوي الأصول العراقية، والغريب هنا أن هذه النزعة للمفاخرة بالأصول وإحياء الانتماء إليها جاءت مصحوبة بنزعة تقديسية أخرى للهوية الكويتية، فبرزت أيضاً عادة المفاخرة بكل ظاهرة (كويتية) دون اهتمام حقيقي بآثارها الإيجابية والسلبية·
مما لا شك فيه أن تعرض الكويت للغزو المفاجئ ومن ثم التحرير خلال فترة قصيرة نسبياً تركت آثارها في نفوس الكويتيين جميعاً، وكان أهم هذه الآثار فقدان الشعور بالأمن اتجاه الدولة والشك في قدرتها على الاستمرار، فتحوّل هاجس بناء الوطن إلى هاجس التأمين المادي للمستقبل في حال تكرار فقدان هذا الوطن، وهذا ما جعل تغليب المصلحة الخاصة على العامة سِمة من سِمات الفرد الكويتي بعد التحرير·
السُلطة:
ليس من الممكن إنكار ما قامت به السلطة - وعلى رأسها الشيخ سعد العبدالله الصباح - من جهود جبارة خلال فترة الاحتلال لرعاية المواطنين الكويتيين في الداخل والخارج أولاً، ولتحرير الكويت ثانياً، إلا أن هذه الجهود لم تنجح في (تنسية) الشعب فشل السُلطة الذريع في توقع الغزو العراقي والاستعداد لمواجهته، هذا ما دفعها لتبني سياسة تجاهلية اتجاه الغزو العراقي وما شهده من أحداث وتفاصيل، أدّت هذه السياسة إلى اختلاط حابل الإيجابيات بنابل السلبيات، فذهبت ذكرى الصمود وبطولات الشهداء طي النسيان·
على الجانب الآخر، كانت السُلطة في مواجهة العديد من التحديات الكُبرى، أهمها قضية الأسرى وإطفاء حرائق النفط وكسب ثقة المجتمع الدولي فيها، خصوصاً مع تطلعات دول وشعوب قوات التحالف لكويت المستقبل التي ضحوا بأبنائهم من أجلها، بهذا تساوت الاستحقاقات الخارجية على السُلطة بالداخلية منها·
المعارضة السياسية:
لعبت المعارضة السياسية دوراً مهماً أثناء فترة الاحتلال، وبغض النظر عن بعض المناوشات المتفرقة إلا أنها دعمت السُلطة من خلال المشاركة في مؤتمر جدة، لكنها في الوقت نفسه لم تفصل الغزو العراقي وتبعاته عن المرحلة السابقة التي شهدت صدامات عنيفة مع السُلطة في ما يُسمى بحركة (دواوين الإثنين)، هذا ما جعلها تُصر على تحميل السُلطة المسؤولية الكاملة لفشل الدولة في مواجهة الغزو العراقي، وتُنادي بمحاسبة المسؤولين عنه وإبعادهم عن سُدة القرار، وقد ساهمت أحداث اليوم التالي (للتحرير) في تعزيز هذا الموقف·
ففي الثامن والعشرين من فبراير 1991، طرق شخص مجهول باب منزل النائب السابق حمد الجوعان ففتح له الباب ليُعاجله المجهول بطلقات نارية طرحته أرضاً، فاعتقد ذاك بنجاح المهمة والخلاص من الجوعان الذي لم يكن قد مات فعلاً·
بعد حوالي الأربعين دقيقة من محاولة الاغتيال، كان الدكتور أحمد الخطيب يشرب الشاي في شقته في لندن فرنَّ جرس الهاتف ليأتيه صوت مجهول من الكويت قائلاً: (خلصنا من الجوعان، الدور دورك!)، لم يتخذ الجوعان أي إجراء قانوني حول الموضوع رغم إصابته بالشلل، وقد قرعت هذه الحادثة ناقوس الخطر لبقية رموز المعارضة خوفاً من اتجاه السُلطة - أو المقربين منها - إلى استغلال فوضى ما بعد التحرير لتصفيتهم الواحد تلو الآخر·
عاد الشيخ سعد العبدالله الصباح حاكماً عُرفياً للكويت في الرابع من مارس 1991، وفي الرابع عشر من الشهر نفسه استقبلت الكويت أميرها الشيخ جابر الأحمد الصباح بعد 225 يوماً من الغياب، لم يكن من السهل على القيادة إعادة الأمور إلى نصابها بالسرعة المطلوبة، فكان عليها مواجهة الانفلات الأمني في الداخل، واستحقاقات دول التحالف في الخارج، وكان أول هذه الاستحقاقات رد الجميل لجمهورية مصر العربية والجمهورية السورية مقابل معاقبة العراق والأردن وفلسطين، فتم الاستغناء عن عشرات الآلاف من العاملين المنتمين إلى هذه الجنسيات واستبدالهم بموظفين من مصر وسوريا والبحرين، أيضاً قامت الكويت بزيادة نسبة القروض المخصصة لمصر وسوريا ثم قامت بالتنازل عنها في العام 4991·
أما استحقاقات الدول الكبرى فجاءت على شكل اتفاقيات دفاعية بين الكويت وكل من الولايات المتحدة الأمريكية في 1991، والمملكة المتحدة في 1992، وفرنسا وروسيا في 1993، ومن ثم جمهورية الصين الشعبية في 1995، شملت هذه الاتفاقات عقود تسليح وتدريب والقيام بمناورات عسكرية مع تمييز الولايات المتحدة عن الأخريات بتخصيص قاعدة عسكرية للجيش الأمريكي في الكويت، لم يقتصر التميز الأمريكي على الجانب العسكري فقط، لكنه امتد إلى الجانب السياسي وأصبحت الكويت خاصة، وبقية دول الخليج عامة تسير في مدارات السياسة الخارجية الأمريكية بعد أن كانت تصنف نفسها ضمن مجموعة دول (عدم الانحياز)، ورغم انسياقها العام خلف السياسة الأمريكية، تمكنت الحكومة الكويتية من التملص من تلبية الطلب الأمريكي بالاعتراف بدولة إسرائيل، لكنها عوّضت ذلك بإنهاء مقاطعة الشركات الأمريكية التي تتعامل مع إسرائيل·
Page 6
تعاملت الكويت بحساسية شديدة مع الدول العربية التي وقفت بجانب العراق وأطلقت عليها اسم (دول الضد)، انتقلت هذه الحساسية إلى أجهزة الدولة فشهدت مرحلة ما بعد التحرير العديد من الانتهاكات القانونية والإنسانية ضد مواطني هذه الدول، مما أساء إلى سمعة الكويت بالخارج وعرّضها لانتقادات لاذعة في المحافل الدولية·
صدر مرسوم التشكيل الوزاري الأول - بعد التحرير - في العشرين من أبريل 1991، وضمت هذه التشكيلة 20 وزيراً لم يكن من بينهم وزير الخارجية السابق الشيخ صباح الأحمد الصباح، وفي السابع والعشرين من مايو تم تمديد الحكم العرفي لثلاثين يوماً، وفي التاسع من يوليو افتتح سمو الأمير دور الانعقاد الثاني للمجلس الوطني، حيث أعيد انتخاب السيد عبدالعزيز المساعيد رئيساً له، وقد أثارت هذه الخطوة استياء قوى المعارضة التي اعتبرتها إشارة في الاتجاه المعاكس لما كانت تتوقعه في هذه المرحلة الجديدة·
شهدت تلك المرحلة ولادة جديدة لقوى المعارضة التي حاولت إعادة تشكيل نفسها بما يتناسب مع كويت ما بعد الاحتلال، فقد ساهمت مواقف أغلب الأحزاب السياسية العربية في نفور الشعب الكويتي منها ومن أسمائها وشعاراتها، فأصبح لزاماً على التجمعات المحلية البحث عن أسماء جديدة تبتعد فيها عن ارتباطاتها الإقليمية، فأصبح (المنبر الديموقراطي) البيت الجديد للقوى القومية اليسارية، و(الحركة الدستورية الإسلامية (حدس)) العنوان الجديد للإخوان المسلمين، أما الشيعة فأطلقوا على تجمعهم اسم (الائتلاف الإسلامي الوطني)، وعادت الجماعة السلفية باسم (التجمع الإسلامي الشعبي)، اتفقت هذه القوى على (رؤية مستقبلية لبناء الكويت) أعلنت عنها في بيان صدر في الحادي والثلاثين من مارس 1991، وكان يرتكز على أربعة محاور رئيسية:
1- المشاركة الشعبية وتوطيد الممارسات الدستورية من خلال التمسك التام بالدستور ومذكرته التفسيرية وتحديد موعد جديد لانتخابات مجلس الأمة، كما أنها طالبت بالمساواة وتطبيق القانون وعودة حرية التعبير والصحافة والأنشطة السياسية.
2- إصلاح الإدارة التنفيذية في البلاد·
3- استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية في كل أعمالها الإدارية والمالية وتيسير سبل التقاضي.
4- الهوية الوطنية وتنمية القوى البشرية من خلال (الإعداد التربوي والتعليمي والتثقيفي وفق المبادئ الإسلامية وحسب الحقوق والواجبات الدستورية)، أيضا طالبت الوثيقة بمعالجة التركيبة السكانية·
لم يتدخلوا نصرة للحق ودفاعاً عن المظلوم
كانت الصبغة الدينية والسلفية واضحة الأثر على الخطاب السياسي الكويتي في مرحلة ما بعد التحرير، فقد ساهم الموقف الإيجابي والحاسم لكبار شيوخ السلفية في المملكة العربية السعودية من مسألة الاستعانة بالقوات الأجنبية لتحرير الكويت في ترجيح كفة هذا التيار على غيره من التيارات الدينية الأخرى كالإخوان المسلمين الذين تعاملوا بسلبية مع هذه المسألة، أيضاً ساهم تواجد أعداد كبيرة من الكويتيين في المملكة العربية السعودية أثناء الاحتلال في تأثرهم بهذا الفكر، أضف إلى ذلك الجنوح العام إلى اعتبار الاحتلال (عقابا) من الله نتيجة ابتعاد الشعب الكويتي وحكامه عنه مما جعل العودة للتمسك بالدين - والتطرف فيه - شكلا من أشكال التوبة عن هذه الخطيئة، تجسدت هذه النظرة الدينية للأحداث في افتتاحية العدد الأول من مجلة (الحقيقة) التابعة لجمعية إحياء التراث الإسلامي - يونيو 1991 - التي كتبت فيها:
(إن الولاء للمسلم والبراء من الكافر قضية أساسية تمثل لب الدين الإسلامي وهي قضية لا ترتبط بظروف محدودة ولا بمصالح معينة)
(في كثير من مراحل التاريخ حدثت مشاكل وخلافات بين المسلمين ودخل الكفار طرفاً فيها ينصرون طائفة على أخرى، بل ان الناظر إلى تاريخ الجزيرة العربية في القرن العشرين يرى بريطانيا والدول الغربية قد تدخلوا عشرات المرات لنصرة إمارة أو دويلة على أخرى فهل يعني ذلك أن نلغي مفهوم الوحدة الخليجية أو العربية أو الإسلامية؟!!!)
(لا شك أننا يجب أن نشكر من ساندنا ووقف معنا في محنتنا فلا يشكر الله من لا يشكر الناس ولكن ذلك يجب ألا ينسينا بأن أمريكا والدول الغربية كان لها مصالح كثيرة للتدخل في أزمة الخليج وأنهم لم يتدخلوا نصرة للحق ودفاعاً عن المظلوم كما يحلو للبعض أن يتغنى بذلك)
(الدول الغربية تعتبر نصرها على العراق نصراً لشعوبها ولمصالحها بل إن قائد القوات البريطانية في حرب الخليج قد صرح بعد انتهاء الحرب بقوله: الآن أستطيع أن أقول لكم اقرعوا أجراس الكنائس بشارة بالنصر· لذلك يجب أن لا يلتبس على المسلم العاقل)·
استجابت القيادة السياسية لهذه الصبغة الدينية بتأسيس (اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية) وإلحاقها بالديوان الأميري في الثاني من ديسمبر 1991 ونصت المادة الثانية من مرسوم اللجنة على الآتي:
(تتولى اللجنة وضع خطة لتهيئة الأجواء لاستكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية مع مراعاة واقع البلاد ومصالحها ولها في سبيل ذلك دراسة القوانين السارية في مختلف المجالات واقتراح ما تراه بشأنها لضمان توافقها مع أحكام الشريعة الإسلامية)·
صدر مرسوم التشكيل الوزاري الأول - بعد التحرير - في العشرين من أبريل 1991، وضمت هذه التشكيلة 20 وزيراً لم يكن من بينهم وزير الخارجية السابق الشيخ صباح الأحمد الصباح، وفي السابع والعشرين من مايو تم تمديد الحكم العرفي لثلاثين يوماً، وفي التاسع من يوليو افتتح سمو الأمير دور الانعقاد الثاني للمجلس الوطني، حيث أعيد انتخاب السيد عبدالعزيز المساعيد رئيساً له، وقد أثارت هذه الخطوة استياء قوى المعارضة التي اعتبرتها إشارة في الاتجاه المعاكس لما كانت تتوقعه في هذه المرحلة الجديدة·
شهدت تلك المرحلة ولادة جديدة لقوى المعارضة التي حاولت إعادة تشكيل نفسها بما يتناسب مع كويت ما بعد الاحتلال، فقد ساهمت مواقف أغلب الأحزاب السياسية العربية في نفور الشعب الكويتي منها ومن أسمائها وشعاراتها، فأصبح لزاماً على التجمعات المحلية البحث عن أسماء جديدة تبتعد فيها عن ارتباطاتها الإقليمية، فأصبح (المنبر الديموقراطي) البيت الجديد للقوى القومية اليسارية، و(الحركة الدستورية الإسلامية (حدس)) العنوان الجديد للإخوان المسلمين، أما الشيعة فأطلقوا على تجمعهم اسم (الائتلاف الإسلامي الوطني)، وعادت الجماعة السلفية باسم (التجمع الإسلامي الشعبي)، اتفقت هذه القوى على (رؤية مستقبلية لبناء الكويت) أعلنت عنها في بيان صدر في الحادي والثلاثين من مارس 1991، وكان يرتكز على أربعة محاور رئيسية:
1- المشاركة الشعبية وتوطيد الممارسات الدستورية من خلال التمسك التام بالدستور ومذكرته التفسيرية وتحديد موعد جديد لانتخابات مجلس الأمة، كما أنها طالبت بالمساواة وتطبيق القانون وعودة حرية التعبير والصحافة والأنشطة السياسية.
2- إصلاح الإدارة التنفيذية في البلاد·
3- استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية في كل أعمالها الإدارية والمالية وتيسير سبل التقاضي.
4- الهوية الوطنية وتنمية القوى البشرية من خلال (الإعداد التربوي والتعليمي والتثقيفي وفق المبادئ الإسلامية وحسب الحقوق والواجبات الدستورية)، أيضا طالبت الوثيقة بمعالجة التركيبة السكانية·
لم يتدخلوا نصرة للحق ودفاعاً عن المظلوم
كانت الصبغة الدينية والسلفية واضحة الأثر على الخطاب السياسي الكويتي في مرحلة ما بعد التحرير، فقد ساهم الموقف الإيجابي والحاسم لكبار شيوخ السلفية في المملكة العربية السعودية من مسألة الاستعانة بالقوات الأجنبية لتحرير الكويت في ترجيح كفة هذا التيار على غيره من التيارات الدينية الأخرى كالإخوان المسلمين الذين تعاملوا بسلبية مع هذه المسألة، أيضاً ساهم تواجد أعداد كبيرة من الكويتيين في المملكة العربية السعودية أثناء الاحتلال في تأثرهم بهذا الفكر، أضف إلى ذلك الجنوح العام إلى اعتبار الاحتلال (عقابا) من الله نتيجة ابتعاد الشعب الكويتي وحكامه عنه مما جعل العودة للتمسك بالدين - والتطرف فيه - شكلا من أشكال التوبة عن هذه الخطيئة، تجسدت هذه النظرة الدينية للأحداث في افتتاحية العدد الأول من مجلة (الحقيقة) التابعة لجمعية إحياء التراث الإسلامي - يونيو 1991 - التي كتبت فيها:
(إن الولاء للمسلم والبراء من الكافر قضية أساسية تمثل لب الدين الإسلامي وهي قضية لا ترتبط بظروف محدودة ولا بمصالح معينة)
(في كثير من مراحل التاريخ حدثت مشاكل وخلافات بين المسلمين ودخل الكفار طرفاً فيها ينصرون طائفة على أخرى، بل ان الناظر إلى تاريخ الجزيرة العربية في القرن العشرين يرى بريطانيا والدول الغربية قد تدخلوا عشرات المرات لنصرة إمارة أو دويلة على أخرى فهل يعني ذلك أن نلغي مفهوم الوحدة الخليجية أو العربية أو الإسلامية؟!!!)
(لا شك أننا يجب أن نشكر من ساندنا ووقف معنا في محنتنا فلا يشكر الله من لا يشكر الناس ولكن ذلك يجب ألا ينسينا بأن أمريكا والدول الغربية كان لها مصالح كثيرة للتدخل في أزمة الخليج وأنهم لم يتدخلوا نصرة للحق ودفاعاً عن المظلوم كما يحلو للبعض أن يتغنى بذلك)
(الدول الغربية تعتبر نصرها على العراق نصراً لشعوبها ولمصالحها بل إن قائد القوات البريطانية في حرب الخليج قد صرح بعد انتهاء الحرب بقوله: الآن أستطيع أن أقول لكم اقرعوا أجراس الكنائس بشارة بالنصر· لذلك يجب أن لا يلتبس على المسلم العاقل)·
استجابت القيادة السياسية لهذه الصبغة الدينية بتأسيس (اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية) وإلحاقها بالديوان الأميري في الثاني من ديسمبر 1991 ونصت المادة الثانية من مرسوم اللجنة على الآتي:
(تتولى اللجنة وضع خطة لتهيئة الأجواء لاستكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية مع مراعاة واقع البلاد ومصالحها ولها في سبيل ذلك دراسة القوانين السارية في مختلف المجالات واقتراح ما تراه بشأنها لضمان توافقها مع أحكام الشريعة الإسلامية)·
Page 7
ما هي الدروس التي تعلمناها؟
على الجانب الآخر، نجحت الكويت في السادس من نوفمبر 1991 في إطفاء آخر آبار النفط المشتعلة، وفي الثاني عشر من ديسمبر حصلت الكويت للمرة الأولى في تاريخها على قرض مُركب بقيمة 5.5 مليارات دولار لمساعدتها في إعادة بناء ما دمره الاحتلال·أما أبرز الأحداث العالمية لتلك الفترة فكان تفكك الاتحاد السوفييتي بعد سلسلة من الأحداث الداخلية المثيرة، حيث دب النزاع بين جمهوريات تطالب بالاستقلال، وسُلطة مركزية انقسمت على نفسها بين فريق يتقبل هذه المطالب وفريق آخر يرفضها جملة وتفصيلا، وفي نهاية الأمر نجحت الجمهوريات بالاستقلال وقدم الرئيس غورباتشوف استقالته في الخامس والعشرين من ديسمبر 1991، ليصبح بعد ذلك بوريس يلتسن رئيساً لجمهورية روسيا الاتحادية، وفي الأول من فبراير 1992، أعلن الرئيسان الأمريكي والروسي النهاية الرسمية للحرب الباردة لتتفرغ الإدارة الروسية لمعالجة أوضاعها الداخلية غير المستقرة، وتتفرغ الولايات المتحدة لفرض هيمنتها على عالم أصبحت هي قطبه الأوحد·
في الكويت، وفي الثالث عشر من يوليو 1992، تعرضت القيادة السياسية للهجوم والانتقاد من طرف غير متوقع، فقد أصدر عدد من شباب أسرة الصباح وثيقة يعلنون من خلالها عدم رضاهم عن الأسلوب الذي تُدار به الدولة للأسباب التالية:
(كلنا أمل بأن نكون قد استفدنا من تجارب الماضي، وأن نتعاضد سوياً في بناء الدولة الثانية أكثر نضجاً وإنتاجاً وأداءً، وسوف نكون عند حسن ظن العالم الدولي والإنساني الذي ضحى لأجلنا، لكننا وبكل أسف لا نرى مجالاً لهذه الآمال ضمن الطريق الذي يسير فيه نمط التفرد بالسلطة وتحميلنا كأبناء النظام تبعية ذلك·
لقد حاول نفر من أبناء عمنا وإخواننا الاجتهاد ولم شمل الأسرة في إطار منظم دونما نتيجة··· فهل يُعقل أن لا يتشاور أبناء النظام في مصيرهم وأمتهم وأن لا يجتمعوا ليبحثوا ذلك في مثل ما مررنا به من تجربة؟ وما هي الدروس التي تعلمناها، وكيف لنا أن ندافع عن قرار أو رأي لأفراد السلطة نحن لم نُستَشَر فيه، بل ولم نعرف عنه شيئاً من قبل؟ وهل للحكم فلسفة أو رؤية جديدة وواضحة بعد هذه المحنة؟ وهل علينا دائما أن نضع النظام درعاً واقياً وساتراً لأخطاء الحكومة بدلاً من أن تكون هي الدرع الذي يقيه؟
إننا كشريحة من أبناء النظام الحاكم مؤمنون بأن التفرد بالسلطة ومركزيتها هما الخطوة الأولى من الطريق المعاكس لمسيرة جدنا الكبير جابر رحمه الله··· ونحن مُطالبون أكثر من أي وقت مضى في إصلاح هذا المسار، وتقديم المشورة والنصح والضغط بما يحقق ذلك وضمن الأعراف والمفاهيم الدستورية والقانونية للدولة وفي إطار حقوقنا كمواطنين فيها هدفنا صيانة شرعية الحكم وهيبته والحفاظ عليه بالترفع عن الصغائر، والعدالة، والحيادية، والتطور، والرعاية، ونحن متفقون على:
أولاً: نبذ أي تمييز طائفي، أو عائلي، أو مذهبي، وإن الكويت كلّ واحد فيه المواطنين سواسية كما حدد الدستور ونظمت القوانين·
ثانياً: إننا نرفض التصنيف الفئوي للمجتمع بتمييز الكويتيين إلى درجتين وندعو إلى توحيد الحقوق والواجبات للجميع·
ثالثاً: إننا نؤمن بأن الدستور الذي اتفق عليه أهل الكويت قد أنصف الحاكم والمحكوم ولا بد من التمسك به والحفاظ عليه عقداً يجسد الشرعية والعدالة·
رابعاً: إننا نعيش في عالم متغير متطور، الإنسان محوره والمعاني الإنسانية والحضارية منهجه، ومن ثم فإن الحرية والديمقراطية مسألة تتطلب التواؤم والتلاؤم معها بعقل أكثر انفتاحاً، وبمنهج أكثر انضباطاً وحيادية·
خامساً: إننا متفقون على أن توسعة القاعدة الشعبية وتعزيزها هدف من أهداف الحكم الأساسية وهي لا تأتي بغير تشجيع مبدأ الانتخاب وتعميمه·
سادساً: إن الاتجاه الديمقراطي العالمي المعاصر يتطلب تهيئة واعية لمجتمع واعٍ لحقوقه وواجباته الدستورية وهذا يتطلب وعياً كاملاً لأبناء النظام - بالدرجة الأولى - وكافة الشعب بالدستور والقوانين المتعلقة بالحريات والحقوق والواجبات، وضرورة أن يأخذ الإعلام الرسمي دوراً أكبر في تحقيق ذلك·
سابعاً: ضرورة العمل على بناء دولة المؤسسات التي يحكمها نظام وبناء مؤسسي لا يتغير بتغيير الأفراد·
ثامناً: إن القانون وعدالته وحزمه صمام الأمان للمجتمع، ويجب أن يطبق القانون على الجميع ودونما تمييز أو مفاضلة، ونحن مطالبون أكثر من غيرنا بالتمسك فيه·
تاسعاً: إننا نطالب بالحفاظ على مدخرات الدولة وصيانتها وتطويرها، ونرفض ما تتعرض له احتياطياتنا من هدر ونزف مع بداية الدولة وندعو إلى ضبط ذلك، فالحفاظ على المال العام جزء لا يتجزأ من الحفاظ على الحكم نفسه·
Page 8
عاشراً: إبعاد الحكم عن أي نزاعات أو صراعات سياسية أو انتخابية أو عائلية، بل العمل على نبذ الصراعات التي ترتقي إلى البعد العائلي أو الطائفي أو القبلي والابتعاد الكامل عن أي ساحة انتخابية نأياً بالحكم عن أي شائبة، كما أننا لا نرى مبرراً لذلك ولم يكن الحكم مستهدفاً من أحدٍ قط·
أحد عشر: إننا مؤمنون بضرورة تشاور أبناء النظام مع القائمين على السلطة فيه ومشاركتهم الرأي في المسائل العامة والمهمة من خلال اجتماعات دورية ومنظمة·
ثاني عشر: إننا مؤمنون أن هناك احتياجات مختلفة للأسرة يتطلب بعضها المال وتحسين الوضع الاقتصادي، ولذلك ندعو لإنشاء صندوق معين من المال ليقوم بالأدوار المختلفة لمصلحة الأسرة والمجتمع·
من الموقعّين:
ناصر صباح الأحمد، جابر مبارك الحمد، مبارك جابر الأحمد، علي فهد السالم، سالم عبدالله الأحمد، خالد فهد المالك، عبدالله فهد المالك، سالم صباح الناصر، أحمد فهد الأحمد، محمد السلمان، عبدالله محمد الجابر)·
عودة الحياة البرلمانية
كشفت هذه الوثيقة عمق الأزمة التي تعاني منها الأسرة الحاكمة، فهي تتحدث عن تفرد في الحكم، وتهميش لشباب الأسرة، بالإضافة إلى هدر في المال، وتخصيص صندوق لتحسين الوضع المالي لبعض أفراد الأسرة، أيضاً طالبت الوثيقة بعودة العمل بالدستور وتشجيع المشاركة الشعبية·
لم ترد القيادة السياسية - رسمياً - على الوثيقة، وشهدت الأسابيع التالية حل المجلس الوطني تمهيداً لعقد انتخابات مجلس الأمة الأولى منذ حله عام 1986، عُقدت هذه الانتخابات في الخامس من أكتوبر 1992، وجاءت النتائج في صالح كتلة المعارضة السابقة المشاركة في حركة (دواوين الإثنين) بالإضافة إلى التيارات الإسلامية، وفور إعلان نتيجة الانتخاب أعلن أربعة أعضاء رغبتهم في الترشح لرئاسة المجلس وهم: أحمد السعدون من حركة دواوين الإثنين (الكتلة النيابية)، جاسم الصقر ممثل التجار، مبارك الدويلة ممثل الإخوان المسلمين، ويوسف العدساني مستقلاً·
حاولت الكتلة النيابية تدارك الوضع فقامت باقناع جاسم الصقر ويوسف العدساني بالانسحاب لمصلحة السعدون الذي أصبح رمزاً لحركة دواوين الإثنين ومجلس 1985 المنحل، قَبِلَ الاثنان بذلك إلا أن مبارك الدويلة أصرّ على الاستمرار في الترشح، فعقد النواب انتخابات مُسبقةللرئاسة تفوق فيها السعدون على الدويلة بفارق أربعة أصوات فأصبح رئيساً للمجلس·
على الجانب الآخر شهد التشكيل الحكومي بعض الاضطراب، فقد اعتذر ولي العهد الشيخ سعد العبدالله عن رئاسة الحكومة بسبب الانتقادات الشديدة الموجهة إليه وإعلان عدد من النواب عن رغبتهم بفصل رئاسة الوزراء عن ولاية العهد، وشكّل النواب وفداً لمقابلة سمو الأميرلتوضيح هذه الرغبة بالإضافة إلى طلبهم المشاركة بالوزارة بستة وزراء، لكن الديوان الأميري أعلن - في حركة استباقية - عن تعيين الشيخ سعد رئيساً للوزراء قبل انعقاد الاجتماع، فتم الإعلان عن التشكيل الوزاري الجديد في السابع عشر من أكتوبر 1992، وقد شهد عودة الشيخ صباح الأحمد إلى منصبه السابق وزيراً للخارجية ونائباً أول لرئيس الوزراء، أيضاً ضمت التشكيلة الحكومية ستة وزراء من مجلس الأمة لتمثيل مختلف التيارات السياسية·
حاولت الكتلة النيابية مع بداية عمل المجلس تشكيل (لجنة تحقيق) لمحاسبة المتسببين بوقوع الكويت فريسة سهلة أمام الغزو العراقي، إلا أن الحكومة نجحت في تحويل لجنة التحقيق إلى (لجنة تقصي حقائق) مما أضعف من قدرتها على المحاسبة فلم تنجح في محاسبةأحد،أيضاً كشف المجلس عن تعديات مالية ضخمة على المال العام اتُّهمَ فيها بعض المتنفذين من أبناء الأسرة الحاكمة والقيادات الحكومية كقضية (استثمار إسبانيا وقضية ناقلات النفط وقضية سنغافورة ومجموعة من القضايا في الداخل)، وقد تسبب غياب الرقابة المالية بالإضافةإلى السياسات الانفاقية للحكومة في تعرض ميزانية الدولة لعجوزات بلغت 16 مليار دينار استمرت حتى العام 1994، وهذا ما دفع المجلس لإصدار قانون حماية المال العام في يناير 1993.
وفي الرابع والعشرين من فبراير 1993، تقدم مجموعة من أعضاء الكتلة السلفية بقانون تأسيس (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) على غرار الهيئة الناشطة في المملكة العربية السعودية، إلا أنهم فشلوا في تمرير هذا القانون، لكن هذا لم يمنعهم من الاستمرار في(أسلمة القوانين) من خلال تقديم عريضة إلى سمو الأمير تطالبه بالموافقة على (اقتراح برغبة) يهدف إلى تغيير المادة الثانية من الدستور من (الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع) إلى (الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع)، وقد نجحوا في جمع تواقيع 39 نائباً على هذه العريضة، إلا أن سمو الأمير لم يوافق عليها·
أحد عشر: إننا مؤمنون بضرورة تشاور أبناء النظام مع القائمين على السلطة فيه ومشاركتهم الرأي في المسائل العامة والمهمة من خلال اجتماعات دورية ومنظمة·
ثاني عشر: إننا مؤمنون أن هناك احتياجات مختلفة للأسرة يتطلب بعضها المال وتحسين الوضع الاقتصادي، ولذلك ندعو لإنشاء صندوق معين من المال ليقوم بالأدوار المختلفة لمصلحة الأسرة والمجتمع·
من الموقعّين:
ناصر صباح الأحمد، جابر مبارك الحمد، مبارك جابر الأحمد، علي فهد السالم، سالم عبدالله الأحمد، خالد فهد المالك، عبدالله فهد المالك، سالم صباح الناصر، أحمد فهد الأحمد، محمد السلمان، عبدالله محمد الجابر)·
عودة الحياة البرلمانية
كشفت هذه الوثيقة عمق الأزمة التي تعاني منها الأسرة الحاكمة، فهي تتحدث عن تفرد في الحكم، وتهميش لشباب الأسرة، بالإضافة إلى هدر في المال، وتخصيص صندوق لتحسين الوضع المالي لبعض أفراد الأسرة، أيضاً طالبت الوثيقة بعودة العمل بالدستور وتشجيع المشاركة الشعبية·
لم ترد القيادة السياسية - رسمياً - على الوثيقة، وشهدت الأسابيع التالية حل المجلس الوطني تمهيداً لعقد انتخابات مجلس الأمة الأولى منذ حله عام 1986، عُقدت هذه الانتخابات في الخامس من أكتوبر 1992، وجاءت النتائج في صالح كتلة المعارضة السابقة المشاركة في حركة (دواوين الإثنين) بالإضافة إلى التيارات الإسلامية، وفور إعلان نتيجة الانتخاب أعلن أربعة أعضاء رغبتهم في الترشح لرئاسة المجلس وهم: أحمد السعدون من حركة دواوين الإثنين (الكتلة النيابية)، جاسم الصقر ممثل التجار، مبارك الدويلة ممثل الإخوان المسلمين، ويوسف العدساني مستقلاً·
حاولت الكتلة النيابية تدارك الوضع فقامت باقناع جاسم الصقر ويوسف العدساني بالانسحاب لمصلحة السعدون الذي أصبح رمزاً لحركة دواوين الإثنين ومجلس 1985 المنحل، قَبِلَ الاثنان بذلك إلا أن مبارك الدويلة أصرّ على الاستمرار في الترشح، فعقد النواب انتخابات مُسبقةللرئاسة تفوق فيها السعدون على الدويلة بفارق أربعة أصوات فأصبح رئيساً للمجلس·
على الجانب الآخر شهد التشكيل الحكومي بعض الاضطراب، فقد اعتذر ولي العهد الشيخ سعد العبدالله عن رئاسة الحكومة بسبب الانتقادات الشديدة الموجهة إليه وإعلان عدد من النواب عن رغبتهم بفصل رئاسة الوزراء عن ولاية العهد، وشكّل النواب وفداً لمقابلة سمو الأميرلتوضيح هذه الرغبة بالإضافة إلى طلبهم المشاركة بالوزارة بستة وزراء، لكن الديوان الأميري أعلن - في حركة استباقية - عن تعيين الشيخ سعد رئيساً للوزراء قبل انعقاد الاجتماع، فتم الإعلان عن التشكيل الوزاري الجديد في السابع عشر من أكتوبر 1992، وقد شهد عودة الشيخ صباح الأحمد إلى منصبه السابق وزيراً للخارجية ونائباً أول لرئيس الوزراء، أيضاً ضمت التشكيلة الحكومية ستة وزراء من مجلس الأمة لتمثيل مختلف التيارات السياسية·
حاولت الكتلة النيابية مع بداية عمل المجلس تشكيل (لجنة تحقيق) لمحاسبة المتسببين بوقوع الكويت فريسة سهلة أمام الغزو العراقي، إلا أن الحكومة نجحت في تحويل لجنة التحقيق إلى (لجنة تقصي حقائق) مما أضعف من قدرتها على المحاسبة فلم تنجح في محاسبةأحد،أيضاً كشف المجلس عن تعديات مالية ضخمة على المال العام اتُّهمَ فيها بعض المتنفذين من أبناء الأسرة الحاكمة والقيادات الحكومية كقضية (استثمار إسبانيا وقضية ناقلات النفط وقضية سنغافورة ومجموعة من القضايا في الداخل)، وقد تسبب غياب الرقابة المالية بالإضافةإلى السياسات الانفاقية للحكومة في تعرض ميزانية الدولة لعجوزات بلغت 16 مليار دينار استمرت حتى العام 1994، وهذا ما دفع المجلس لإصدار قانون حماية المال العام في يناير 1993.
وفي الرابع والعشرين من فبراير 1993، تقدم مجموعة من أعضاء الكتلة السلفية بقانون تأسيس (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) على غرار الهيئة الناشطة في المملكة العربية السعودية، إلا أنهم فشلوا في تمرير هذا القانون، لكن هذا لم يمنعهم من الاستمرار في(أسلمة القوانين) من خلال تقديم عريضة إلى سمو الأمير تطالبه بالموافقة على (اقتراح برغبة) يهدف إلى تغيير المادة الثانية من الدستور من (الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع) إلى (الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع)، وقد نجحوا في جمع تواقيع 39 نائباً على هذه العريضة، إلا أن سمو الأمير لم يوافق عليها·
Page 9
نقلق على مستقبلنا لكننا لا نخاف
ترك تفكك الاتحاد السوفييتي وانشغاله بأزماته الداخلية فراغاً كبيراً في عالم شكلّت (الحرب الباردة) ملامحه على مدى الـ45 عاماً الماضية، دفع هذا الفراغ نشاط الاتحاد الأوربي في البروز كقطب عالمي منافس للولايات المتحدة، وبدأ الأوربيون بتفعيل اتفاقات تزيل الحواجز التجارية بين دولهم في نوفمبر 1993، أما الولايات المتحدة، فكانت تفرض هيمنتها على منطقة الشرق الأوسط وأصبحت عملية السلام بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل هدفها القادم، وبسبب أهمية الدور الأردني في هذه العملية، طالبت الحكومة الأمريكية دول الخليج والكويت بدعم السلطة الفلسطينية والمملكة الأردنية الهاشمية مالياً وسياسياً·تسبب هذا الطلب في تفاقم الخلافات داخل الحكومة الكويتية، فرئيس الوزراء الشيخ سعد العبدالله يرفض التعامل مع (دول الضد) رفضاً قاطعاً، أما وزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد فكان أكثر استعداداً للتعامل معها حرصاً على عدم عزل الكويت عن محيطها العربي أولاً، وردّ الجميل الأمريكي ثانياً، هذا ما جعله يعلن عن القواعد والمنطلقات التي تشترطها الكويت لإعادة علاقاتها مع الدول التي وقفت ضدها أثناء الاحتلال، وكان أهم هذه الشروط قيام حكومات هذه الدول بإدانة الغزو العراقي ورفضه، ورغم استبعاد السلطة الفلسطينية والأردن من هذه (المبادرة)، فإن الكويت قبلت الطلب الأمريكي بتقديم دعمها المالي لعملية السلام·
أتت هذه العملية بثمارها في الرابع من مايو 1994 حينما وقع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين أول اتفاقية تعطي للفلسطينيين حقهم في الحكم الذاتي، أيضاً نجحت الولايات المتحدة في شهر أكتوبر من نفس العام برعاية اتفاق السلام بينالأردن وإسرائيل، وقد شهد هذا العام زيارة وزير الخارجية الكويتي لكل من تونس والجزائر وموريتانيا والمغرب في خطوة جريئة نحو عودة علاقات الكويت بدول الضد·
وبينما كانت الكويت تتجه نحو إعادة علاقاتها بالدول الغربية والعربية، كان العراق يعيش في عُزلة خانقة بسبب العقوبات المفروضة عليه، لكن ذلك لم يُغير السلوك العدائي للقيادة العراقية، فـ استمر العراق في تحرشاته الحدودية بالكويت ولم يتعاون جدياً لحل قضية الأسرى والمفقودين الكويتيين والكشف عن أسلحة الدمار الشامل مما كان سينعكس على تقرير مبعوث الأمم المتحدة رالف إيكيوس، قامت القيادة العراقية بخطوة استباقية لهذا التقرير بحشد قواتها على الحدود الكويتية في السادس من أكتوبر 1994، وفي اليوم نفسه أعلن الناطق الرسمي باسم الحكومة العراقية (أن القيادة العراقية تبحث في اتخاذ موقف (جديد) يتيح للعراق التخلص من الحظر المفروض عليه)، ثم اتهم إيكيوس بأنه (يُبيّت نوايا مغرضة إزاء العراق بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية) و(أنه رغم موقف الأمم المتحدة، ورغم انعدام الثقة في التعامل مع رئيس اللجنة الخاصة (إيكيوس) وانعدام الثقة أساساً في بعض أعضاء مجلس الأمن نتيجة التجربة المريرة معهم فإننا سننتظر حتى العاشر من تشرين الأول أكتوبر الحالي، وبعدها سوف يتحمل كل ذي موقف مسؤولية موقفه)·
واجهت الكويت هذه التهديدات بجدية على عكس ما تم في السابق، فمنذ الساعات الأولى قامت الحكومة بالاجتماع مع مجلس الأمة وإجراء الاتصالات الدولية والعربية من أجل رص الصفوف استعداداً لأي عمل متهور يقدم عليه الجانب العراقي، وفي الثامن من أكتوبر ألقى رئيس الوزراء الشيخ سعد العبدالله بيانا تفصيليا للرد على التهديدات العراقية وتوضيح استعدادات الحكومة الكويتية لمواجهتها جاء فيه:
(كل من اطلع وتمعن في قراءة هذا البيان يجد أن من صاغ البيان أو وافق على إعداده يعرف أنه جاء مغالطاً للحقيقة والواقع وفيه الكثير من التجني على الكويت وعلى شعبها الصغير، جاء البيان ليتهم جهات دولية ويتهم الكويت بشكل خاص وبعض دول المنطقة بأنها - كما ورد في البيان - هي السبب في استمرار الحصار الاقتصادي على العراق والسبب في تجويع العراقيين، والكل يعرف أن هناك أسباباً كثيرة كان بإمكان رئيس النظام العراقي قبل أن يصدر هذا البيان أن يصارح الشعب العراقي بها وأن يقول للجميع إن السبب هو السلطة العراقية التي مازالت تتعنت وترفض تنفيذ جميع قرارات مجلس الأمن الدولي)
(هذا قدرنا وهذه مسؤوليتنا وسوف ندفع الثمن مهما يكن للدفاع عن كويتنا الحبيبة، فمنذ أن اطلعت الحكومة على فحوى البيان العراقي أسرعت إلى العمل في الميدان السياسي والعسكري، واتصلنا بكبار المسؤولين في الدول الشقيقة والصديقة وأطلعناهم على فحوى البيان العراقي وما تضمنه من نوايا تُشكل خطراً على الكويت أولا ودول المنطقة ثانيا، وأطلعنا أيضا رئيس مجلس الأمن على البيان الخطير حيث تفهم ما ورد فيه من عبارات تبرز النوايا العراقية العدوانية)
(إذا كان هناك من يقول الآن في العراق، إن الحصار الاقتصادي هو سبب موت الكثير من العراقيين فأنا هنا أطرح هذا السؤال ليصل إلى مسامع رئيس النظام العراقي ليقول لنا اسم مواطن عراقي مات نتيجة المجاعة·
ولكن في الوقت نفسه يقول للعالم كم عراقياً مات في سجون بغداد نتيجة للتعذيب والجوع والقتل الجماعي، ليقل لنا رئيس النظام العراقي كم مواطنا عراقيا بريئا صفي في شوارع بغداد، وفي خارج بغداد أيضا·
العالم يعرف: هل صحيح ما يدعيه رئيس النظام العراقي من أن المجاعة سببت الموت لكثير من العراقيين؟
نحن نعلم أن المستودعات العراقية مليئة بالمواد الغذائية ونعرف نحن والعالم أيضا أن المستودعات العراقية مليئة بالأدوية ولكن من أجل سبب ما في ذهن رئيس النظام العراقي يريد أن يُفهم العراقيين أن السبب في موتكم وموت أطفالكم هو الكويت بالدرجة الأولى وأمريكا بالدرجة الثانية)
(نحن نقلق على مستقبلنا ومستقبل بلدنا ومستقبل أولادنا وأحفادنا لكننا لا نخاف· هذا هو قدرنا ونحن مستعدون لأن نموت من أجل الكويت وإذا كان العراق يعتقد أنه بتحريك قواته هنا أو هناك يستطيع أن يولد الخوف والرعب عند الكويتيين فهذا اعتقاد خاطئ من أساسه)·
وصلت القوات الأمريكية والبريطانية في اليوم التالي فتراجع العراق عن تهديداته وقرر سحب قواته في العاشر من أكتوبر 1994، وفي الخامس عشر من الشهر نفسه أصدر مجلس الأمن الدولي قراره 949 بإدانة الحشد العراقي على الحدود الكويتية وطلب عدم تكرار ذلك فيالمستقبل مع التشديد على وجوب تعاون العراق مع لجان الأمم المتحدة، وفي العاشر من نوفمبر، أعلن المجلس الوطني العراقي اعترافه الكامل بسيادة الكويت وسلامتها الإقليمية واستقلالها السياسي وتأييده لقرار مجلس الأمن الدولي 833 لسنة 1993 المتعلق بترسيم الحدودالكويتية العراقية·
Page 10
خلافات واختلافات
مع بداية العام 1995، قدم العضو السلفي مفرج نهار المطيري استجواباً لوزير التربية والتعليم العالي الدكتور أحمد الربعي في الثامن من فبراير، ورغم تعلق الاستجواب ببعض القضايا الفنية كشروط الابتعاث للدراسة في الخارج ومخالفات سكن أساتذة جامعة الكويت، إلا أن حالةالصراع السياسي بين التيار الليبرالي والتيار الديني ألقت بظلالها على المسألة الفنية، وقد تمكن الوزير من تجاوز التصويت على طرح الثقة بصعوبة بعد حصوله على 17 صوتاً رافضاً لطرح الثقة مقابل 21 صوتاً مؤيداً لها مع امتناع 4 أعضاء عن التصويت·على الجانب الآخر، شهد العام 1995 العديد من الأحداث الإقليمية والعالمية المهمة، ففي الرابع عشر من يونيو قام الجنرال العراقي تركي الدليمي بالتمرد على الرئيس العراقي صدام حسين الذي تمكن من القضاء عليه في نفس الليلة· وفي السابع والعشرين من يوليو قاد ولي العهد القطري الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني انقلاباً أبيض على والده الموجود خارج البلاد، فأصبح الشيخ حمد أميراً لقطر وتحصل على الاعتراف الدولي والخليجي تدريجياً· وفي الثامن من أغسطس أعلنت المملكة الأردنية الهاشمية عن استقبالها لـ صِهري الرئيس العراقي وابنتيه الذين أعلنوا انشقاقهم عنه، وطالبوا باللجوء السياسي في الأردن مقابل تقديم معلومات مهمة حول أسلحة الدمار الشامل العراقية· وفي الرابع والعشرين من سبتمبر وقَّع رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات اتفاقية (حق توسعة الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة)، إلا أن هذه الاتفاقية أثارت حفيظة المتشددين الإسرائيليين فقام أحدهم باغتيال رابين في الرابع من نوفمبر 1995·
لم تكن الساحة الكويتية بعيدة عن الأحداث المثيرة، فمع نهاية العام 1995 احتدمت الخلافات مجدداً بين الشيخ سعد العبدالله والشيخ صباح الأحمد بسبب قضية عودة العلاقات مع الأردن، مما اضطر الشيخ صباح لتقديم استقالته من الحكومة، إلا أنه تراجع عنها في اليوم التالي نتيجةتدخل سمو الأمير ورغبة منه في الحفاظ على استقرار الأسرة، لكن هذا الاستقرار لم يدم طويلاً، فقد دبّت الخلافات حول نفس الموضوع مجدداً بين الشيخين أثناء حضور الشيخ صباح مؤتمر القاهرة في يونيو 1996، وهذا ما دفعه لمغادرة المؤتمر والتوجه إلى المغرب فيإجازة خاصة، فما كان من الشيخ سعد إلا إرسال وزير الإعلام الشيخ سعود الناصر الصباح إلى القاهرة في إشارة واضحة إلى امتلاكه البديل الناجح في حال استقالة الشيخ صباح·
وقد شهد العام 1996 حدثاً مفصلياً آخر هو تحقيق التيار الديني انتصاره الساحق على التيار الليبرالي في معركة (قانون منع الاختلاط)، فمع نهاية العام 1995 تقدم عدد من النواب باقتراح قانون (منع الاختلاط بين الجنسين في جامعة الكويت والهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب والمدارس الخاصة) إيماناً منهم بأن (منع الاختلاط وقاية للمجتمع من الجريمة وحماية محققة للأعراض والعفاف، ويمثل حائلاً بين الرجل والمرأة)، حيث إن (من دواعي الفطنة دفع البلاء قبل أن يستشري، ولاسيما إذا تركزت بؤرته في مرحلة المراهقة بين الشباب الذي يتلقى العلم في ظروف محوطة بتأثيرات تنتابه مرة من الإغراءات الحسية التي تستهوي لبه وتفقده القدرة على المقاومة)، حاول التيار الليبرالي مقاومة هذا القانون لكن بلا فائدة، فقد تم التصويت عليه بموافقة 32 عضواً وامتناع 12 في الثامن والعشرين من مايو 1996·