eKtab
EN ع
القرآن وقيمته عند الله
Read free sample

القرآن وقيمته عند الله

by د. الحاج سليمان فاروق

Page 1

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً ، وهو الذي أنزل التوراة والأنجيل من قبل هدى للناس وآثر عليهما القرآن ووقره توقيراً ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين ، سيدنا ومولانا محمد * .
إنه قد شاء القدر أن ينزل القرآن العظيم على لغته ولسانه * .
( وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ )
(الشعراء:192-195).
وبعد
فقد رأينا ـ هذا العام الموافق 2010م ـ أن نضع القرآن الكريم ـ كتاب الله العظيم ـ موضع حديـثـنـا ومحاضرتـنـا ، نتحدث عـن ما للقرآن العظيم من مكانة عالية وقيمة غالية .
وبدلاً من أن يحترم الناس هذا الكتاب ويهتموا به ويُقبلوا عليه فإنهم يعرضون عنه إعراضاً صريحا ويهجرونه هجراً قبيحاً .
ولقد اشتد بهم هذا الهجران وقت تهديد بعض الكنائس في أمريكا بحرق نسخ من القرآن الكريم .
أجل : كيف يمكن القضاء على القرآن الكريم إنه كلام الله المحفوظ بعلمه وقوته ، بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم .
ومن أجل هذا وذاك أيها القارئ قمنا بجمع هذه المحاضرة وبنشرها للناس عسى أن يحترموا هذا القرآن الكريم ويتمسكوا به فإن لهم فيه هداية ورشداً .
الدكتور
الحاج سليمان فاروق

Page 2

القرآن يمهَّد الطريق

إن حاجة الناس إلى كتاب الله تعالى تفوق حاجتهم إلى ما يقيم صلبهم من طعام وشراب وما يحفظ جسدهم من ملبس ومسكن ، لأن النفس الإنسانية إذا لم تجد ما يمهّد لها الطريق إلى الله مزقتها الأهواء والشهوات ، وأورثتها الخلل والاضطراب والحيرة والفزع وباتت على شفا جرف هار يوشك أن ينهار بها في مهاوى الهلكة والخسران .
إنه قد كان الناس في جاهلية جهلاء ، وضلال عن الطريق السوي ، فبعث الله سيدنا رسول الله * إثر الأنبياء السابقين ، بهذا القرآن العظيم الشأن ، لينقذ الناس من طريق الويلات إلى سبيل السعادات
أما وقد أشار المصطفى * إلى جلالة هذا القرآن ومكانته حين يدلل الأمة الإسلامية على طريق النجاة والتخلص من الهلكة ثم يبيَّن أن القرآن العظيم هو الحل الوحيد لجميع المشاكل التي تعانيها البشرية جمعاء .
عن الحارث الأعور : =مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت على (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه ، فقلت : يا أمير المؤمنين الا ترى أن الناس قد خاضوا في الأحاديث ، قال : أو قد فعلوها ؟ قلت : نعم ، قال : أما إني قد سمعت رسول الله * يقول :=الا إنها ستكون فتنة ، فقلت : فما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال : كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله, وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا تشبع منه العلماء ، ولا يخلق عن كـثـرة الـرد ، ولا تنقضي عجائبه هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فأمنا به ، من قال به صدق ومن عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ومن تمسك يـه هـدي الـي صـراط مستقيم+. رواه الـحـاكـم عـن عـبـد الله ابن مسعود .
إنه وعلى ضوء التمهيد القرآني حسب ما بينه رسول الله * ، سوف ينكشف للقارئ ـ بعد قراءته المتأنية ـ مناهج هذا البحث وهى على ثلاثة أقسام :
الأول : في هذا القسم يرى القارئ كيف اتخذ القرآن مكانته وقيمته عند الله سبحانه .
الثاني : يُرى فيه الاهتمام البالغ بالقرآن الكريم عند المسلمين الذين آمنوا بالله ربا وبالإسلام دينا وبسيدنا محمد نبيا ورسولا وبالقرآن دليلا وإماما .
الثالث : يرى القارئ في هذا القسم هؤلاء الذين قصمهم الله جل جلاله حين تركوا القرآن من جبار .
والله نسأل أن يوفقنا ويهدينا سواء السبيل .

القرآن يعرَّف نفسه بنفسه

القرآن الكريم كتاب جمع الله تعالى فيه كل شيء ، وما أنزل الله تعالى كتاباً فيه مكرمة أو منقبة أو فضيلة إلا وسجلها في هذا الكتاب . قال تعالى : ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ۚ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ )(الأنعام:38) .
وفي الواقع إن معرفة مقامة أو قيمة هذا الكتاب صعب للغاية ولا يمكن لأيّ إنسان مهما أوتي من علوم ومعارف أن يقف على حقيقة معرفة القرآن فضلاً عن قيمته ومكانته فإنما حاول علماء الإسلام أن يقربوا للناس معـنـى هـذا الكتـاب ، يقـول : محمـد ابن عبد الله دراز رحمه الله تعالى : =إن تعريف القرآن تعريفاً تحديديا فلا سبيل لذلك(1).
يقول علماء اللغة : أن لفظ القرآن في الأصل مصدر من قرأ . يُقال قرأ قراءة وقرآنا . ومنه قوله تعالى : )إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ )(القيامة:17-19).
يقول الزرقاني في كتابه : (مناهل العرفان) : أما لفظ القرآن فهو في اللغة مصدر مرادف للقراءة ثم نقل من هذا المعنى المصدري وجعل اسماً للكلام المعجز المنزل على النبي * . من باب إطلاق المصدر على مفعوله .
القرآن : كما يقول علماء أصول الفقه : هو كلام الله تعالى المعجز المنزل على سيدنا محمد * باللفظ العربي المكتوب في المصاحف ، المتعبَّد بتلاوته ، المنقول إلينا بالتواتر المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس .
وبتعبير أدق : القرآن الكريم هو الذي عجزت الإنس والجن عن الإتيان بمثل أقصر سورة من سوره (2) .
والقرآن العظيم لا تصح الصلاة إلا بتلاوة شيء منه ، كما أن مجرد تلاوته عبادة يُثاب عليه المسلم .
والقرآن هو ما ينقله جمع عظيم عن جمع غفير يؤمن في العادة تواطؤهم على الكذب .
وقد علمت ـ الآن أيها القارئ كيف تعددت آراء العلماء في تعريف القرآن الكريم ، وذلك بسبب تعدد الرَّوايا التي ينظر العلماء منها إلى القرآن .
ونحن لا نذهب بك بعيداً في تعريف العلماء عن القرآن خوفاً من الخروج عن عنوان البحث : =القرآن وقيمته عند الله+ ولعل عظمة هذا الكتاب أو قيمته تتجلى في أسماء سمى الله تعالى بها هذا الكتاب فيزداد الناس معرفة بقيمة هذا القرآن العظيم ومكانته عند الله سبحانه .

Page 3

أسماء القرآن

يقول مجد الدين الفيروزآبادي في كتابه (3) : =اعلم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى أو كماله في أمر من الأمور ، أما ترى أن كثرة أسماء الأسد دلت على كمال قوته ، وكثرة أسماء القيامة دلت على كمال شدتها وصعوبتها ، وكذلك كثرة أسماء الله تعالى دلت على كمال جلال عظمته ، وكثرة أسماء النبي * دلت على علو رتبته وسمو درجته وكذلك كثرة أسماء القرآن دلت على شرفه وفضيلته+.
ولقد ذكر العلماء عدة أسماء وأوصاف سمى الله تعالى بها القرآن ، وعبر بها عنه وها هي على ثلاثة أقسام

القسم الأول

أسماء أشار الله تعالى بها إلى ذات الكتاب وحقيقته وهي :

1- الكتاب : قال تعالى : ( الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ )(يوسف:1).
2- القرآن : قال تعالى : ( إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا)(الإسراء:9).
3- كلام الله : قال تعالى : ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ) (التوبة:6).
4- الروح : قال تعالى : ( وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )(الشورى:52).
5- التنزيل : قال تعالى : (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ)(الشعراء:192).
6- الأمر : قال تعالى : ( ذَٰلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ ۚ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ) (الطلاق:5) .
7- القول : قال تعالى : ( وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)(القصص:51).
8- الوحي : قال تعالى : ( قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ ) (الأنبياء:45).

 

Page 4

القسم الثاني

أسماء تشير إلى صفات القرآن الذاتية وهي :

1- الكريم : قال تعالى : ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ) (الواقعة:77).
2- المجيد : قال تعالى : ( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ) (البروج:21-22) .
3- العزيز : قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ) (فصلت:41).
4- الحكيم والعلي : قال تعالى : ( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (الزخرف:4).
5- الصدق : قال تعالى : ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ((الزمر:33).
6- الحق : قال تعالى : ( إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ( (آل عمران:62).
7- المبارك : قال تعالى : ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (ص:29).
8- العجب : قال تعالى : ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ) (الجن:1).
9- العلم : قال تعالى : ( وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ) (البقرة:120) .

Page 5

القسم الثالث

والأسماء هنا تشير إلى صفات القرآن التأثيرية التي تشير إلى علاقة القرآن بالناس . وهي :

1- الهدى : قال تعالى : ( ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ )(البقرة:2).
2- الرحمة : قال تعالى : ( هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ ) (لقمان:3).
3- الذكر : قال تعالى : (وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ ۚ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُون( (الأنبياء:50).
4- الموعظة : قال تعالى: ( هَٰذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ) (آل عمران:138).
5- الشفاء : قال تعالى : ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ((الإسراء:82).
6- التذكرة : قال تعالى : ( كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ) (المدثر:54) .
7- المبين : قال تعالى : ( الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ)(يوسف:1).
8- البلاغ : قال :( إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ)(الأنبياء:106) .
9- البشير والنذير : قال تعالى: ( بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ) (فصلت:4) .
10- البصائر : قال تعالى : (هَٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (الجاثية:20) .
11- النور : قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ((النساء:174).
12- الفرقان : قال تعالى: ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ) (الفرقان:1).
وهناك أيضاً أسماء ثلاثة من أسماء القرآن الكريم ، قصر العلماء الحديث عليها لأن القرآن اشتهر بها وهي :
1- القرآن .
2- الكتاب .
3- الفرقان .
1- والقرآن : ورد في ثلاثة وأربعين موضعا . منها قوله تـعـالـى : ( وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ) (النمل:6).
2- أما لفظ الكتاب ولقد ورد في ثلاثمائة وتسعة عشر موضعاً في سياقات مختلفة منها قوله تعالى : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ۜ ) (الكهف:1) ، وقوله تعالى : ( وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ) (الأنعام:92).
3- أما لفظ الفرقان قد ورد في القرآن في ستة مواضع :
قال تعالى : ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ) (آل عمران:3-4).
وقوله تعالى : )تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ) (الفرقان:1) .
وحاصل القول هنا أن هذه الأسماء الثلاثة هي الأسماء التي اشتهر بها القرآن الكريم إلا أن القرآن والكتاب هما الأشهر من الأسماء الباقية .
وقد ذكر الشيخ عبد الله دراز ـ رحمه الله ـ أن في تسمية القرآن بهذين الإسمين : القرآن والكتاب حكمة إلهية ، فقال : =روعى في تسميته (قرآنا) كونه متلوا بالألسن ، كما روعى في تسميته (كتابا) كونه مدونا بالأقلام ، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه ، وفي ذلك إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين ، الصدور والسطور ، فلا ثقة بحفظ حافظ حتى يوافق حفظه الرسم المجمع عليه ولا ثقة بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو ثابت عند حفاظ الأسانيد+.
وبهذه العناية المزدوجة الصدر والسطر ـ بقى القرآن الكريم محفوظاً في حرز حريز وركن مكين تحقيقاً لقوله تعالى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر:9).

Page 6

من تأثير علموا مكانة القرآن

لا شك أن القرآن كتاب هداية فصل الله فيه كل ما يحتاجه الإنسان مما تستقيم به حياته ، ( إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ) (الإسراء:9) .
يقول الإمام الشافعي عن هداية القرآن : =ليس تنزل بأحد في الدنيا نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى+.
والقرآن ـ كما قال العلماء ـ كتاب لا يشتمل على هداية البشرية فحسب وإنما فيه أسرار وقوي يلجأ البعض إلى استخدامها عند الضرورة .
وعلى هذا فسروا قوله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) (الرعد:31).
أما كون القرآن الكريم هداية تقود البشرية إلى الغاية التي أنزل من أجلها هذا الكتاب, نرى الأمر فيه واضحاً والأمثلة على ذلك عديدة جلية مثل الضحي ، نختار ـ في هذا المقام ـ مثالاً واحداً فيما قاله الحاكم الفرنسي في الجزائر بمناسبة مرور مائة عام على احتلالها .
يقول الحاكم : =يجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم حتى ننتصر عليهم ، وقد أشار هذا المعنى حادثة طريفة جرت في فرنسا ، وهو أن فرنسا من أجل القضاء على القرآن الكريم في نفوس شباب الجزائر قامت بتجربة عملية ، قامت بانتفاء عشر فتيات مسلمات جزائريات ، ادخلتهن الحكومة الفرنسية في المدارس الفرنسية وألبستهن الثياب الفرنسية فأصبحن كالفرنسيات تماماً ، وبعد أحد عشر عاماً من الجهود هيأت لهن حفلة تخرج رائعة دعى إليها الوزراء والمفكرون والصحفيون . . ولما ابتدأت الحفلة ، فوجئ الجميع بالفتيات الجزائريات يدخلن بلباسهن الإسلامي الجزائري ، فثارت ثائرة الصحف الفرنسية وتساءلت ، ماذا فعلت فرنسا في الجزائر إذن بعد مرور مائة وثمانية وعشرين عاماً ؟؟ فأجاب لاكوست وزير المستعمرات الفرنسي . . =وماذا أصنع إذا كان القرآن أقوى من فرنسا+؟

القرآن يؤثَّر

قلنا سابقاً أن نفرا من العلماء استعملوا هذا القرآن العظيم الشأن لقضاء مآربهم وحوائجهم قائلين أن هذا الكتاب اشتمل على أكثر من الهداية والرشاد بل فيه أسرار وقوي واستدلوا على ذلك ببعض أحاديث النبي * .
جاء في الحديث أنه وقعت هذه القصة المشهورة للصحابي الجليل : أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ، لما بـعـثـه النبي * في سرية فاستضافوا قوما ولم يضيفوهم ولدغ سيد القوم لدغته حية فقالوا : من يرقى ؟ كانوا لوما ، ما أكرموا الضيوف وهم الصحابة فلدغ سيدهم الكافر سيد القبيلة فجاءوا يقولون . من يرقى ؟ ثم قالوا ، لعل هؤلاء الركب المسلمين الذين نزلوا بجانبنا وما أضفناهم لعلهم عندهم راقى فجاءوا إلى السرية فقالوا هل فيكم من راق ، فقالوا : نعم ولكن لا نرقى لكم إلا بشيء من الغنم اشترطوا شرطاً على هـؤلاء البـخـلاء قـالـوا ما نرقى سيدكم ورئيس قبيلتكم إلا مقابل قطيع من الغنم فقالوا نعطيكم فاقتطعوا لهم من الغنم وعينوها ثم ذهب أحدهم وهو الراوي أبو سعيد رضي الله عنه ، ذهب يقرأ عليه الفاتحة فقرأها ثلاثا أو سبعا فقام هذا اللديغ كأنما نشط من عقال يمشي ما به بأس ولا كأن شيئاً لدغه فانتفع اللديغ بقراءة الفاتحة ، ولذلك النبي * قال لأبي سعيد بعد ما رجعوا إليه يستفتونه عن الغنم الذي آخذوه فأباحه لهم وأخبر أنه حلال لهم قال لأبـي سعـيـد وما يدريك أنها رقية كيف عرفت أنها رقية من الذي أخبرك ؟ تعجب من علم هذا الصحابي وأقره على أن الفاتحة يرقى بها . أخرجه الامام مسلم .

Page 7

تأثير قرآني آخر :

وهاك تأثيرا تستدل به على عظمة هذا الكتاب مرويا عن مولانا الشيخ المرحوم آدم عبد الله الإلوري : =. . . يحكي من أن سلطانا كافرا من سلاطين نيجيريا الأقدمين ، وكان يؤمن بقدرة السحرة والكهنة على كل شيء ، وجاء علماء الإسلام وقالوا : إن القدرة لله جميعا فأراد هذا السلطان أن يعلم أي الحزبين أصدق قيلا وأقوى سبيلا+.
فجمع السحرة والعلماء في قصره ذات يوم لامتحانهم واختبارهم ووعد الفائزين خيرا وأوعد الخائبين شرا .
امتحنهم في أمرين أولهما إدراك ما في الغيب وثانيهما إنزال المطر في الحال ، طلب إنجاز كل ذلك يوما تلو يوم آخر في الموعد المحدد لكل دين ليظهر المحق والمبطل ، وفي أول يوم طلب إليهم إنزال المطر وحدّد لكل من الكهنة والسحرة ساعات ، ومن العلماء الدعاة ساعات معدودة في ذلك اليوم .
فتقدم السحرة وتلوا عزائمهم وحركوا حبالهم ونفثوا فيها وجمعوا حطبا سحريا وأضرموا فيها نارا وتصاعد الحريق والبخار إلى السماء ثم انتظروا أن تمطر السماء ساعات ولم تمطر حتى قنطوا .
فجاء دور العلماء وطلبوا من السلطان أن يمهلهم حتى يرجعوا من مصلاهم فقال لهم : افعلواما تشاؤون ، فقام العلماء وتوجهوا إلى المصلى لصلاة الاستسقاء وصلوها ودعوا هناك ثم رجعوا وقد قلبوا ملابسهم وتوجهوا إلى دار السلطان وهم ينشدون .
وقولنا الإسلام لا نهدمنه ولا تخذنا ياربنا اليوم والغدا
وما كادوا يفعلون حتى أمطرت السماء عليهم مدراراً سحابة اليوم حتى الليل ، قال السلطان : هذا اليوم لكم وبقي الغد .
وفي اليوم التالي خبأ السلطان بقرة بيضاء في غرفة مظلمة وأغلق عليها الأبواب والنوافذ ، ثم أحضر الفريقين وقال لهما أيكم يخبرني بما في هذه الغرفة ما هو ؟ ما لونه ؟
فتقدم رئيس الكهنة فقال : إن فيها حيوانا ذا قرنين طويلين وذنبا طويلا ولونا أبيض . ثم أقبل على العلماء وسألهم ما تقولون أنتم ؟ فتحير العلماء فيما يقولون ولما استيئسوا خلصوا نجيا وسألوا من يعرف الخط في الرمل من العلماء أن يضرب خطه ففعل ووجد مثل ما قال الكهنة وأرادوا أن يخالفوا المشركين .
ثم بحثوا ونظروا إلى أن اتفقوا على أن يقولوا إن في الغرفة حيوانا أسود ميتا ، فضحك السلطان هزوا فأوجس العلماء في أنفسهم خيفة من الأمر فطلبوا من السلطان أن يمهلهم ساعة فأجابهم فقاموا يسألون الله يصلون ويقرأون القرآن ويدعون ولما أتموا أعادوا الضرب في الخط فكان الجواب كالأول ولكن أوضح من الأول حيث قالوا إن في الغرفة بقرة سوداء ميتة ، ومن ثم أمر السلطان بفتح الغرفة وإحضار ما فيها ففتحوا فإذا بها بقرة سوداء ميتة كما قال العلماء . وقد أكرمهم الله بموت البقرة وتغيّر لونها من البياض إلى السواد . ومن هنا صدق السلطان العلماء ، فأسلم وجهه لله (4)+.
انظر أيها القارئ هذا التأثير القرآني وكيف تتجلى قيمته في الناس بعد قصة لديغ الثعبان وصاحب السلطان المتأثران بهذا الكتاب العظيم .
إلا أن هذا كله ـ في نظر مجموعة من العلماء ـ لا يكفي دليلاً على عظمة القرآن الكريم ومكانته ، لأنه لا يُرجى بعد وقوع التأثير القرآني إلا أحد أمرين اثنين .
الأول : إما أن يدخل الإيمان في قلب المتأثر بالقرآن فيتسبب هذا الإيمان دخوله إلى رحمة الله سبحانه .
الثاني : وإما الكفران بهذا الكتاب فيجني هذا الكفر لصاحبه النقمة والعذاب الشديد ، والقرآن أكرم وأعظم قيمة من أن يكون أداة للتعذيب أو التخريب . قال تعالى : ( مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا )(النساء:147).
واقرأ معي الحديث النبوي الشريف : جاء في الحديث الصحيح الذي رواه لنا عبد الله بن عطاء عن جدته أم عطاء مولاة الزبير قالت : سمعت الزبير بن العوام يقول : قالت قريش للنبي * : تزعم أنك نبي يوحى إليك ، وإن سليمان سخر له الريح ، وأن موسى سخر له البحر وأن عيسى كان يحيى الموتى فادع الله تعالى أن يسير عنا الجبال ويفجر الأرض أنهارا فنتخذها محارث ومزارع ونأكل . والا فادع أن يحيى موتانا فنكلمهم ويكلمونا ، وإلا فادع الله تعالى أن يصير هذه الصخرة التي تحتك ذهبا فننحت منها ، وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف فإنك تزعم أنك كهيئتهم ، فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي فلما سرى عنه قال : =والذي نفسي بيده ، لقد أعطاني ما سألتم ، ولو شئت فكان ، ولكنه خيّرني بين أن تدخلوا في باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لانفسكم ، فتضلوا عن باب الرحمة فاخترت باب الرحمة .
فالقرآن إذن أبعد من أن يكون كتاب تأثير فقط وانما هناك مهمات أخر ينبغي أن ينشغل بها الانسان قبل فوات الأوان ، قال تعالي : ( إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ) (الإسراء:9) .

Page 8

ثناءات وتأملات

لنر هنا كيف كان العلماء يثنون على كـتـاب الله ، وإن كـانـوا لا يثنون عليه كما أثنى الله تعالى على قرآنه الكريم . إنهم نظروا إلى كتاب الله نظرة تأمل وإجلال وتقديس ، وتدبروا آياته ومعانيه تحقيقاً لقوله سبحانه : )أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِاخْتِلَافًا كَثِيرًا ) (النساء:82) .
هذا هو الإمام سيد قطب في استحضار عظمة القرآن وتبسيط الثناء عليه وقال : =إن في القرآن كنوزا ضخمة من الهدى والمعرفة وللحركة والتوجيه ، والإيمان هو مفتاح هذه الكنوز ، ولن تفتح كنوز القرآن إلا بمفتاح الإيمان ، والذين آمنوا حق الإيمان حققوا الخوارق بهذا القرآن ، فأما حين أصبح القرآن كتابا يترنم المترنمون بآياته ، فتصل إلى الآذان ، ولا تتعداها إلى القلوب ، فإنه لم يصنع شيئاً ولم ينتفع به أحد ، . لقد ظل كنزا بلا مفتاح+.
ولقد رأينا ـ هنا ـ الدكتور مصطفى السباعي حين يعيب بالمسلمين الذين لا يعرفون قيمة قرآنهم الذي أنزل فيهم وقال : =القرآن في أيدي المسلمين كالسلاح في أيدي الجاهلين . . سلاح معطل لا يستعملونه للدفاع ولا للهجوم ولا للـهـدم ولا للبناء ولا للأخذ ولا للعطاء وهو صالح لذلك كله وأكثر لو كانوا يعلمون+.
ولله در الشاعر العظيم ـ قيل إنه ـ صاحب بردة المديح الإمام البوصيري رحمه الله في آبيات أثنى بها على الـقـرآن الـكـريـم . لا شك أن الأبيات جميلة رائعة تثبت علوقائلها ومستواه في التأمل والتدبر في آيات الله القرآنية ، وها هي :
الله أكبر إن دين محمد
وكتابه أقوى وأقوم قيلا
فهو السراج عندما ذكروا هدى
آياته لا تذكروا إنجيلا
لا تذكروا كتب الاوائل عنده
عرف الهدى لما تجلى دليلا
قرن الثواب بذكره وسماعه
فيمن مضى لم تلق عنه بديلا
وهو الكتاب في عزه وثناءه
هَـــــــدْى النــبـــي فـــاق الـــقــــرون الأولــــــى
لا تعدلوا عن نهجه وضياءه
طلع الصباح فأطفى القنديلا
لعلك أيها القارئ المحترم تلاحظ معي فـيـمـا يلي : تقديساً أو تقديراً أعطته امرأة مسلمة هذا القرآن العظيم وذلك حين فرضت على نفسها أن لا تكلم أحدا منذ أربعين عاماً إلا بالقرآن .

Page 9

المرآة المتكلمة بالقرآن

إنه قد ذكر ابن عباس في كتابه (5):=أن الإمام عبد الله بن المبارك خرج ذات مرة للحج إلى بيت الله الحرام وزيارة قبر نبيه ـ * ـ يقول عبدالله بن المبارك : وبينما أنا أسير في بعض الطريق إذا بي أرى سواد فتميزته فإذا بها امرأة عجوز عليها درع من صوف أسود وخمار من صوف فاقتربت منها فلما اقتربت منها قلت لها :
● السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
- فقالت : =سلام قولا من رب رحيم
● فقلت : يرحمك الله يا أمة الله ماذا تصنعين في هذا المكان ؟
- فقالت : =ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.
● قال : فعلمت من كلامها أنها ضلت الطريق .
● فقلت لها : فإلى أين تريدين . . إلى أين الذهاب إلى أين المسير ؟
- فقالت : =سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.
● قال : فعلمت من كلامها أنها قد قضت الحج وتريد أن تزور بيت الله المقدس .
● فقلت لها : منذ كم وأنتِ في هذا المكان ؟
- فقالت : =ثلاث ليال سويا.
● فقلت لها : أنا لا أرى معك طعاما ولا شرابا فـمـن أيـن تأكلين ؟ .
- فقالت : =هو الذي يطعمنى ويسقين+.
● فقلت لها : فبماذا تتوضئين إذا جاءك الصلاة ؟
- قالت : =فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا+.
● فقلت لها : أن معي بعض الطعام والشراب فهل أعطيكِ منه ؟
- فقالت : =ثم أتموا الصيام إلى الليل
فعلمتُ أنها صائمة .
● فقلت لها : لماذا لا تكلميني مثلما أكلمك ؟
- فقالت : =ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد+.
● فقلت لها : هل لي أن احملك على ناقتي هذه ؟
- فقالت : =وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم
● قال : فانحنت الناقة . . انحنت ناقتي لتركب عليها فلما انحنت الناقة . . .
- قالت : =قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم.
● قال : فغضضت بصري . .
فلما ركبت .

Page 10

- قالت : =سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون+.
● قال : فسرت بها قليلاً . .
● فقلت لها : يا أمة الله هل أنتِ متزوجة ؟
- فقالت : =يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم+.
● قال : فسكت ولم اتحدث معها حتى أدركنا القافلة .
● فقلت لها : هذه هي القافلة فمن لك فيها ؟ هل لك فيها أحد وأناديه ؟
- فقالت : =المال والبنون زينة الحياة الدنيا+.
● قال : فعلمت من كلامها أن لها أولاد في القافلة .
● فقلت : لها : وما شأنهم؟ ماذا عملهم؟ ماذا يفعلون في القافلة ؟ أهم مسافرون ؟
- فقالت : =وعلامات وبالنجم هم يهتدون+.
● قال : فعلمت أنهم أدلاء الركب قال فتحركت بها إلى العمارات والقباب التي يجلس بها المسافرون .
● فقلت لها : نحن أمام هذه العمارات فمن لك فيها؟ فمن أنادي؟
- فقالت : =واتخذ الله إبراهيم خليلا+ . . =وكلم الله موسى تكليما+ =يا يحيى خذ الكتاب بقوة+.
● قال : فناديت : يا إبراهيم يا موسى يا يحيى ، قال : فأقبل ثلاثة من الشباب كأنهم الأقمار قال : فلما جلسوا بين يدي أمهم .
- قالت : =فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فلياتكم برزق منه+.
تريد أن تضيف عبدالله بن المبارك قال : فذهب أحدهم فجاءنا بطعام وشراب فوضعه أمامي .
فقالت لنا العجوز : =كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية+
● فقلت : طعامكم وشرابكم حرام عليّ حتى تخبروني ما شأن أمكم هذه ؟ ما قصتها ؟
- فقالوا : أن أمنا هذه منذ أربعين سنة وهي لا تتكلم إلا بالقرآن مخافة أن تزل لسانها فيسخط عليها الرحمَن .
● فقلت : =ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم+.
إننا في هذه القصة ـ أيها القارئ ـ لمسنا فيها ذكاء تتحلى به هذه المرأة الكريمة بل نراها تتزيّن بمهارة لا تفارقها لحظة واحدة أثناء مقابلتها بعبد الله بن المبارك =وفي مثل هذه المهارة يقول المصطفى الكريم * : =الماهرون بالقرآن مع السفرة الكرام البررة+.
وأما ما يقال في فعل هذه المرأة الكريمة أنه عبث ولم يكن في حُسن الفعال . فإننا سوف لا نوافق ذلك حتى يأتينا سلطان مبين أو برهان متين .