Page 1
يشير الله تعالى إلى عظمة القرآن وتحديه للبشر وهيمنته المطلقة على كل شيء في الكون المنظور، باعتباره كتاب الله الخاتم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، باعتباره الكون المقروء، ليرينا آياته الكبرى في الآفاق وفي أنفسنا، ويهدي الإنسان للتي هي أقوم، في آيات عديدة منها: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. .. وقوله تعالى: وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين .
وخلاصة التحدي في هذه الآيات الكريمة، أن الإنسان سيكون عاجزاً على مدى الدهر، أن يأتي بمثل هذا القرآن، وانه في الوقت نفسه سيجد فيه معيناً لا ينضب من الكنوز والمعجزات والعلوم، ويجد فيه من العلم والهدى ما لا يجده في أي كتاب آخر، مما يحتّم عليه أن يؤمن به ويسلّم بهديه القويم وبمصدره الإلهي وبتمامه وكماله المعجز، مقارنةً مع ما يحيطه من كتب وتعاليم، وُجدتْ خلال عصور حضارة الإنسان عبر تاريخه الطويل، مهما كانت مسمياتها ومصادرها. وهذه الحقيقة هي بالضبط، ما أكدها علماء الغرب ومفكروه في عصر النهضة وما بعده، كما سنلمسه جلياً في هذا البحث المتواضع، من خلال قصص إسلامهم وإعجابهم وانبهارهم بمعجزة القرآن الخالدة.
إن هذا القرآن - كما سنلمس من خلال تلك القصص الواقعية المختارة، وكما جاء في هدي الكتاب والسنة - هو كتاب الله المعجز ورسالته الخاتمة للناس أجمعين.. وهو كتاب فريد يتحدى الإنسان في كل شئ، في لغته وعقيدته وشريعته وبيانه وعلومه وأسراره، التي لا تنتهي وكنوزه التي لا تنفد، ما وُجد الإنسان على ظهر هذه الأرض، وما دام الصراع قائماً بين الحق والباطل، بين النور والظلمات، بين الإيمان والشرك، إلى يوم الدين، يوم الفصل بين الخلق، ذلك يوم الحساب.
ولذلك فهو كتابٌ قائمٌ وحده، يتحدى غرور الإنسان الضال والتائه، ويتحدى الشيطان وحزبه، وكل من يجحد النور والإيمان والحق والعدل، الذي جاء به هذا الكتاب العزيز، ليعم نوره الأرض ويسود السلام في أرجائها، تماماً كما ساد ذلك النور أول مرة، حين كانت حضارة القرآن تحكم الأرض في قرون الخيرية الأولى، وما بعدها من العصور الزاهرة وحتى عهد قريب. ولا يضير كتاب الله الخالد تقاعس المتقاعسين ونكوص الناكصين وجهل الجاهلين، فحين يتلكأ المسلمون في أداء واجبهم تجاه نشر النور الذي نزل به القرآن، ويتقاعسون عن الدور المنشود الذي كلفهم به الله سبحانه، لخلافة الأرض وأعمارها بالخير والإيمان والفضيلة، فان الله قد تعهد بهذا القرآن العظيم، بالحفظ والقداسة والمضي في سبيل التبشير بالرسالة الخاتمة وهداية النفوس الحائرة، إلى الهدف الذي أراده الله من وجودها على الأرض. وشرفها بذلك النور الذي أودعه الأرض المباركة، حين تلألأ من على جبال فاران في مكة في قلب جزيرة العرب حيث غار حراء، أول بقعة زكية مباركة، شهدت نزول كتاب الله المنير، وهو يدعو الإنسان أن يقرأ ويتأمل ويتدبر في هذا الكون الفسيح، ليتجه بروحه وقلبه حيث خالقه الكريم.. ويدعوه بلمسة ربانية حانية أن اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. وهكذا أراد الله سبحانه بمشيئته النافذة أن يقوم القرآن وحده، حين يعجز الإنسان أو يقصّر في أداء الأمانة، وفي دوره خليفة في هذه الأرض لأعمارها وبنائها كما يريد الله سبحانه، لكيلا ييأس المؤمنون ولا يتجبر الطغاة والغافلون، بعد أن تفتنهم الدنيا بما فيها من بهارج ومباهج وأموال وبنين وفنون وعلوم. قال تعالى: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً . انه كتاب معجز لا ريب فيه ولا شك في الحق الذي جاء به، وان عليه لطلاوة وبه لحلاوة، وانه ليعلو ولا يُعلى عليه، وان أعلاه لمثمر وأسفله لمغدق.. وانه لا يُخلق من كثرة الرد، تلك هي سمات القرآن العظيم، التي يحس بدفئها وإشراقها كل من لامست قلبه آياته ومعجزاته، في الشرق والغرب على السواء.
Page 2
يؤكد الله في عليائه أن الله يدافع عن الذين آمنوا، وإن أول ما يدافع به الله عن الذين آمنوا هو بإنزاله القرآن الكريم رحمة ونور للناس أجمعين. وإن أول من يدافع عنهم من الناس، هو خير الناس وأشرفهم وأزكاهم، انه النبي الخاتم والرحمة المهداة محمد بن عبد الله الذي أُنْزل على قلبه هذا الكتاب المعجز، فلا غرابة أن يدافع القرآن العظيم عن النبي الكريم، يدافع عن شخصه وسيرته ورسالته، وعن صدقه وأثره في الحياة منذ عصره المجيد، حين بعثه الله سبحانه بالحنيفية السمحاء، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. يدافع عن الحكمة وجوامع الكلم والأحاديث الشريفة التي تحدث بها، وكل ما جاء به من الهدي الشريف. ولا غرابة في أن يجعل الله تعالى ذلك الدفاع المشرف، عن النبي وعن كتابه وعن دينه الخاتم، على لسان أبرز العلماء والمفكرين وأكبر القادة والمنظرين في العالم الغربي في العصر الحديث، ليكون ذلك الدفاع أوقع في القلب والنفس، وأبلغ في الفكر والعقل، وأعظم في الروح والوجدان، فالفضل دائماً هو ما شهد به الآخر خصماً أو حكماً، فكيف إن كان على لسان عباقرة الغرب وقادتهم وفلاسفتهم، من العلماء المنصفين الباحثين عن الحق والحقيقة، وكيف إن كان هذا الدفاع والإنصاف لدين الله، هو ثمرة سنين طويلة وجهود حثيثة، من البحث والتنقيب والمقارنة والسياحة في الأرض، حتى رزقهم الله الهداية والإيمان والخضوع لدين الله وكتابه العزيز، وهكذا كانت شهادة هؤلاء مهمة وحاسمة ومعبرة، فهم علية قومهم في الغرب وأصحاب اللب.. قال تعالى: {وشهد شاهد من أهلها..} فأسلموا إلى بارئهم، وأصبحوا بعد هذه النقلة الإيمانية والتوجه بإخلاص لبارئهم، جنوداً أوفياءً في كتيبة الإيمان والتوحيد. تتصل جذورها بكتائب التوحيد الأولى التي قادها الأنبياء والمرسلون، منذ عصر آدم ، حتى غدت سلسلة مترابطة ومتداخلة من الأجيال والأمم، تعمل في بريد الدعوة إلى الله وفي سوح الدعوة الفسيحة، منذ أن خُلق الإنسان وشهد فجر حضارته على الأرض، مروراً بعصور الأنبياء، حتى عصر الرسالة الخاتمة، الرسالة التي ختم الله سبحانه بها الوحي والرسالة، وتكفل بحفظها من التغيير والتحريف والضياع، قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} .
لقد حوا هذا الكتاب الموسوم (القرآن يقوم وحده) شهادات منصفة وقصص واقعية ومعبرة، عن نخبة خيّرة من علماء الغرب وملوكهم وأمرائهم وكتّابهم وفلاسفتهم، وهم يعلنون إسلامهم وإيمانهم بالدين الحنيف، ويعترفون بكتابه الفريد، ومعجزته الخالدة، القرآن الكريم، ويقرّون مطمئنين بأنه كتاب الله المعجز، ويثبتون إعجازه من خلال النصوص والآيات والسور التي نقلتهم من الكفر إلى الإيمان، ومن الشك والحيرة والضلال إلى السكينة واليقين والنور المبين، بفضل القرآن وتأثيره العظيم في فكرهم وعقولهم ونفوسهم، حتى انكشف لهم نور الهداية، وباتوا هم أنفسهم على رأس كتائب الدعوة لذلك النور العلوي، يدعون الناس إلى صراط الله المستقيم وينصرون كتابه الحكيم ونبيه الكريم، لينالوا الخير والفضل في الدنيا والآخرة.
Page 3
وهكذا يثبت هؤلاء الأخيار من صفوة المجتمع الغربي، أن هذا القرآن مأدبة الله ومائدته التي غذّت أرواحهم وعقولهم، فأصبح لسان حالهم يقول: أيها الناس هلموا إلى كتاب الله، فأقبلوا على مأدبته ما استطعتم. إن هذا القرآن حبل الله والنور المبين والشفاء النافع. انه عصمة لمن يتمسك به ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فيثبت، ولا يعوج فيقوم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرد، اتلوه فان الله يأجركم على تلاوته في كل حرف عشر حسنات. إن هذا القرآن كتاب الله الخالد، فيه خبر من قبلكم ونبأ من بعدكم وحكم ما بينكم، من تركه من الطغاة قصمه الله، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هو القول الفصل ليس بالهزل. كما قال تعالى: ﴿ إنه لقول فصل وما هو بالهزل﴾.. وورد في الأحاديث المأثورة عن النبي وأصحابه في فضل كتاب الله العزيز.
ولعل أفضل ما نقدمه في هذا الكتاب وندعو إليه القارئ العزيز، للإقبال على مأدبة الله سبحانه، أن يقرأ في صفحاته، تلك القصص الفريدة التي عبّرت عن حال أصحابها المتسامي اللطيف الشفاف، وشدة ايمانهم وإعجابهم بالكتاب الذي هداهم نحو النور، فأنار حياتهم التي أظلمتها تراكمات حضارة الغرب المادية والجاهلية، مهما ادعت الرقي والتقدم والغطرسة والطغيان، لكي نعيش مع هؤلاء المهتدين المؤمنين، ليرى بأم عينيه، تلك القلوب التي أبصرت النور، ويشهد دور القرآن العظيم وهو يقوم وحده بهداية الناس إلى سواء السبيل، رغم تقصيرنا وهجرنا للقرآن وتعاليمه ولدوره في الحياة.. قال تعالى:
{وقال الرسول يا ربِّ إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً}
نسأله تعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، انه نعم المولى ونعم الوكيل.
علاء الدين شمس الدين المدرس
غرة محرم الحرام 1430
Page 4
قصة إسلام الكاتب والصحفي الألماني هنريك برودر:1-
حين أعلن الكاتب الألماني والصحافي الثقافي الشهير هنريك م برودر (61 عاما) الذي تميز بنقده الجارح للإسلام والمسلمين، وبخاصة في عام 2007، إسلامه بشكل مفاجىء وقال مطلقا صيحته الكبيرة :” هيا اسمعوني فقد أسلمت.” وهو الذي كان يطعن في دين المسلين، كان إعلانه هذا صدمة للألمان والأوربيين عموماً.
وقد جاء إعلان إسلامه هذا نتيجة صراع داخلي مرير مع نفسه لسنين طويلة. وفي مقابلة مع إمام مسجد رضا في نيوكولن في ألمانيا، قال برودر بأنه ارتاح أخيرا للتخلص من كبت الحقيقة التي كانت تعصف بجوارحه. وقال معقبا على سؤال حول تخليه عن دينه المسيحي بأنه لم يدع دينا وإنما عاد إلى إسلامه، الذي هو دين الفطرة التي يولد عليها كل إنسان.
هذا وقد صار يدعى بعد أن أدى الشهادة أمام شاهدين بـ (محمد هنريك برودر)، وقال معقبا على ذلك بافتخار: ” أنا الآن عضو في أمة تعدادها مليار وثلاثمائة مليون إنسان في العالم معرضين للإهانة باستمرار، وتنجم عنهم ردود أفعال على تلك الإهانات، وأنا سعيد بالعودة إلى بيتي الذي ولدت فيه.”
قوبل إسلام هذا الكاتب بترحاب كبير من المسلمين، الذين كانوا يجدون فيه متهجما كبيرا على عقائدهم وتصرفاتهم، وإذا به ينقلب إلى رافض لتلك الجوائز الأدبية التي تمنح “للمدافعين عن العقلية المعادية للسامية لدى اليهود أنفسهم” على حد قوله، أي أن اليهود هم الذين يعادون السامية الحقيقية (أو الحنيفية) وما كان عليه الأنبياء والمرسلون من توحيد وأخلاق ونور هداية.
واستقبل الكثيرون من مثقفي الألمان إعلانه الإسلام بمرارة بعد حربه الطويلة على الإسلام، واعتبر بعضهم هذا بمثابة صدمة للألمان الذين كانوا يقرؤون بلهفة ما ينشره بغزارة
هنريك برودر عمره 61 سنة، الصحفي اليهودي المخضرم في مجلة دير شبيجل الألمانية ذو الشعبية الكبيرة، صاحب أكثر الكتب مبيعاً في ألمانيا عام 2007 بعنوان " هاي.. أوروبا تستسلم " وحاصل على جائزة الكتاب الألماني للعام. إن هنريك برودر كاتب اشتهر بهجومه الشديد على الإسلام، وكان يحذر دائماً من خطر الإسلام على أوروبا. ومن أقوال هنريك برودر: لا أريد لأوروبا أن تستسلم للمسلمين، عندما يقول وزير العدل الألماني أنه من الممكن أن تكون الشريعة هي أساس القوانين.. فعلى أوروبا السلام. وقوله: الإسلام أيديولوجية أصبحت أكثر وأكثر مرتبطة بالعداء للحياة العصرية الغربية، وقوله: أنصح الأوربيين الشباب بالهجرة، فأوروبا الآن لن تظل كذلك لأكثر من عشرين عاما قادمة.. أوروبا تتحول للإسلام الديموجرافي. وقوله: نحن نمارس بشكل غريب نوع من الاسترضاء، رداً على أفعال الأصوليين الإسلاميين. إن هنريك برودر هذا العدو اللدود للإسلام والمسلمين والمدافع عن أوربا العصية على الإسلام، في نهاية فبراير 2008م، أصبح مسلماً وأصبح اسمه محمد هنريك برودر، وليس ذكر تلك القصة لإسلام هذا الرجل الإعلامي المعروف هو من باب الابتهاج بإسلامه، بقدر ما هي للتعرف على أسباب تحول هذا كاتب بهذه الخلفية والفكر والتراث الكبير، وبعد هذا العمر الذي وصل إلى أعتاب العقد السابع، إلى دين، كان يهاجمه وينتقده طوال مسيرة حياته.
يقول محمد برودر: لقد جاء إعلان إسلامي هذا نتيجة صراع داخلي مرير مع نفسي لسنين طويلة، فأنا لم أدع ديني ولكني عدت لديني وهو الإسلام دين الفطرة، أنا الآن أفختر بأني عضو في أمة تعدادها مليار وثلاثمائة مليون إنسان في العالم معرضين للإهانة بشكل دائم، وتنجم عنهم ردود أفعال على تلك الإهانات، وأنا سعيد بالعودة إلى بيتي الذي ولدت فيه، لقد شاهدت العلاقات بين المسلمين وخصوصا من الناحية الجنسية، والطهارة والعفة والتواصل الاجتماعي الذي تفتقده أوربا، وكانت دافعاً كبيراً لي لكي أتحول إلى الإسلام دين رب العالمين، كما أن سياسة الكيل بمكيالين المتبعة في ألمانيا العلمانية، ليست بالأهمية بالنسبة لي. ويعدد الإعلامي الألماني محمد هنريك برودر أسباباً كثيرة لإعلان إسلامه الذي فاجأ الألمان والأوربيين، في حديثه الحصري مع فيلت أون لاين أو العالم أونلاين تحت عنوان: صدمة الأسبوع ..
هنريك برودر يتحول للإسلام.
Page 5
2- قصة إسلام عالم البحار الفرنسي جاك كوستو
جاك كوستو عالم البحار والمحيطات الفرنسي الشهير، ولد سنة 1910 وشهد مآسي الحربين العظميين اللتين شهدتهما أوربا في عز جبروتها وطغيانها وغطرستها وعدوانها على الحق والعدل والسلام، حين تلبسها الشيطان بروح الاستعباد والاستعمار ولا يزال.. حيث انتقلت تلك اللوثة عبر المحيط الأطلسي لتتزعمها أمريكا الحالية بفكرها اليميني الأصولي المتطرف الحالي..
لقد عمل هذا العالم في مجال علم البحار والمحيطات والأحياء البحرية والتقنيات الاستكشافية والتصويرية لهذا العالم الذي كان مجهولا، ثم أصبح واضحاً مشهودا تحت الشمس بفضل هذا العالم الجسور. ولقد استغرقت رحلة (كوستو) مع البحر ستين عاماً، ولم تكن مجرد مغامرة استكشاف. فعمل في حقول العلم والمعرفة هذه حقبة طويلة من عمره المديد، وقد بدأ برحلاته البحرية الاستكشافية في سفينته الشهيرة كالبسو، التي جال بها بحار العالم ومحيطاته في رحلات مكوكية لمدة 46 سنة، بعد شرائه السفينة وتجهيزها بالأجهزة والمختبرات المتخصصة في سنة 1950م، واستمر في نشاطه العلمي البحري حتى وفاته سنة 1997م. وقد وضع جاك مع زميله المهندس (إيميل غاغنان) في العام 1943 تصميم (رئة الماءAqualung ( أو اسطوانة الهواء المضغوط التي يستخدمها الغواصون اليوم، والتي مثلت فتحاً معرفياً مكن المستكشفين أخيراً من البقاء تحت الماء، من دون الاعتماد على مخزون الرئتين. فكان اكتشافه هذا من القفزات العلمية التي غيرت آليات الإبحار والغوص واستكشاف مكنون ذلك العالم المجهول، وساهم في أعمال علمية عديدة تخص عالم البحار والمحيطات واستكشافاته، منها المساهمة في اختراع كاميرا حديثة متطورة تصور تحت ماء البحر بعمق 350 مترا ثم 500 مترا، وقام بإنتاج العديد من الأفلام الوثائقية العلمية، أشهرها برنامج عالم البحار والعالم الصامت، ولم يتوقف عن عمله البحثي العلمي رغم تجاوزه سن 86 سنة، ولم توقفه إلا بارجة صدمت سفينته كالبسو وأغرقتها في أواخر عمره، فمرض بعدها بأشهر وأصيب بنوبة قلبية أودت بحياته.. لكنه كان قد شرع مع ابنه ومساعديه في إنشاء سفينته الثانية الأكثر تطورا، فيما يخص أبحاث عالم البحار، وهي كالبسو 2 التي دخلت عالم البحار، وورثت كالبسو الأولى في عالم الأبحاث العلمية والمختبرات المتخصصة والمتجولة في عالم البحار، ونظرا لجهود جاك كوستو العلمية ولأهمية سفينته كالبسو باعتبارها جزءاً مهماً من تراث هذا العالم الفذ ومن التراث العلمي وأحد أسباب الاستكشافات المهمة والحديثة لعالم البحار الصامت، الذي استنطقه رجل العلم والإيمان والمخاطرة من أجل التقدم البشري، فقد تم انتشال سفينته من قاع البحار، التي أحبها وأحب عالمها الرحب المليء بالألغاز والمخلوقات العجيبة والظواهر والآيات الفريدة، تلك الآيات التي تشهد بعظمة الخالق، بديع السماوات والأرض وخالق الأنهار والبحار والمحيطات وما فيها ذلكم الله رب العالمين.
Page 6
لقد ترجم هذا العالم الفذ مقولة أن (القرآن يقوم وحده) أجمل ترجمة، حين وقف على منصة المؤتمر العلمي البحري العالمي في أكاديمية العلوم بمدينة باريس، وأمام حشد كبير من العلماء والباحثين من دول العالم كافة في سنة 1977م، وهو في قمة مجده وتألقه وشهرته التي امتدت في الآفاق، حتى شملت كافة الأصقاع والأقطار في سبعينيات القرن الماضي. لقد حضر هذا المؤتمر أكثر من خمسة آلاف عالم في العلوم التطبيقية وفي علوم الأحياء وعلوم البحار، فوقف جاك كوستو ليعلنها كلمة مدوية هائلة، ستبقى خالدة في سماء الزمن، شاهدة على عمق إيمان وشجاعة هذا الرجل العظيم، ليملأ بها آذاناً وعقولاً طالما جحدت الحق والنور في القرون التي خلت، ولا زالت تحجب النور الإلهي ورسالة السماء، بحجة التفوق العلمي وسيادة الرجل الأبيض ونهاية التاريخ وتوقفه المفترض في محطة الأمركة والعولمة الحالية. لقد قالها كلمة ثقيلة تملأ الميزان، بجرأة وشجاعة فائقة ونادرة: أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله
قالها بلسان عربي مبين وتمتم بها بلسانه المؤمن عبر المايكروفون، ولم يفهمها أكثر الحاضرين، لأنها كانت باللغة التي اختارها جاك لتكون لغته المقدسة لغة القرآن.. ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه، والذي كان السبب الأول في هدايته وإعلانه ذلك الإعلان الخطير الذي أغاظ به نفوساً مسودّة حاقدة متكبرة على خالقها ومبدعها ومنبع سعادتها وسكينتها الله جل جلاله، الرحمن الرحيم لينقذها من الصراع والحروب والفتن، ويأخذ بيدها إلى شاطئ السلام والأمن الحقيقي.. الأمن مع النفس وخالقها، والكون ومبدعه، بسفينة القرآن ورسالته الخاتمة، لكن جحود الإنسان كان على الدوام السبب وراء الكفر والطغيان. ذلك لأن الإنسان يسقط في هاوية الكفر - كما يؤكد القرآن - حين يكون ظلوما جهولا.
وما أن ترجم المترجم الشهادة إلى اللغة الفرنسية حتى ضج الحاضرون وبهتوا وقالوا متسائلين .. لماذا يا جاك؟ يا عالم أوربا وسبب فخرها وعزها وتألقها؟ لماذا تريد أن تهب كل ذلك الفخر والعز إلى الإسلام وتتجه صوب الشرق الذي طالما أغاضنا منذ فجر التاريخ إلى اليوم؟.. ونسوا أن أوربا كانت ولا تزال عالة على الشرق وتراثه وفكره وحضارته، وهي مهما كبرت وعظمت في أعين أهلها، فهي ثمرة الشرق ونتاجه، وهي تجسد غروب شمس الشرق، كما قال أحد مفكريها معرفاً الغرب ممثلاً بأوربا وحضارتها، فالنور جاء من الشرق حين أشرقت منه حضارة الأنبياء، ولا يضيره وهو يغرب في الغرب، بعد أن تشبعت به الدنيا، وأصبح التوحيد والحضارة والتقنية، مفاهيم ونعم وهبات من الله المنعم الوهاب.. نِعَمْ ولدت في الشرق المؤمن حين أشرقت الأرض بنور ربها، ببركة رسالة الأنبياء وهم يفِدون على الأرض تتْرى خلال العصور الأولى من حضارة الإنسان، حتى ختم الله كتائب الإيمان برسالة القرآن الخاتمة.
Page 7
نعم لقد أسلم (جاك كوستو) عالم البحار الفرنسي الشهير .وهو صاحب الدراسات الرائدة في هذا الميدان الحيوي من العلوم. لقد أسلم (جاك كوستو) أشهر وأبرز عالم بحار في القرن العشرين .العالم جاك-إيف كوستو - Jacques-Yves Cousteau) وهو يكاد يكون الفرد المسئول بالكلية عن تعريف ملايين البشر بالجزء الحيوي من العالم المغمور تحت الماء. لم يشأ جاك كوستو المسلم والعالم العبقري الفرنسي أن يترك الفرصة تمر دون أن يستثمرها.. فرصة وجود هذا العدد الكبير من العلماء الغربيين، ويدعو بدعوة الإسلام (دينه الجديد) الذي فرح به أيما فرح.. تماما كما فعل عمر بن الخطاب مع أهل مكة حال إسلامه في دار الأرقم، ومؤمن آل فرعون في نصح قومه الفاسقين الضالين.
قال لهم جاك: لقد أسلمت لأني جبت البحار والمحيطات استكشف هذا العالم المجهول والعجيب فوجدت آيات الله الباهرة في هذا العالم الذي أبدعه الخالق سبحانه، ثم وجدت في القرآن ما يؤكد هذه الآيات والمكتشفات التي لا يعلمها إلا الله، والتي كشف العلم الحديث عن بعضها الآن، فكيف لرجل مثل محمد أن يعرف تلك الآيات ويذكرها في كتابه، إن كان قولكم في القرآن صحيحا!..
لقد أيقنت أن الله.. الله وحده، هو الذي أوحى لمحمد بتلك الآيات والحقائق العلمية العظيمة والكثيرة المنتشرة في ثنايا القرآن.. لقد رأيت تلك الآيات الباهرة في هذه البحار، التي درستها لسنوات طويلة من حياتي، ثم وجدت القرآن الكريم قد تحدث عنها وذكرها قبل 14 قرنا.ً فسأله الحاضرون: مثل ماذا؟!.. فقال لهم: من تلك الحقائق العلمية التي جاء ذكرها في القرآن والتي أبهرتني: أنني اكتشفت وجود برزخ وحاجز بين البحرين حين يلتقيان في نقاط التماس، في كل بحار العالم ومحيطاته، وهو عبارة عن بحر ثالث يختلف عن البحرين الملتقيين، فمثلا في مضيق جبل طارق ملتقى البحر المتوسط بالمحيط الأطلسي وفي مضيق باب المندب ملتقى البحر الأحمر بالبحر العربي والمحيط الهندي، وجدت وشاهدت ذلك البرزخ والفاصل والحاجز بين البحرين شاهدته بنفسي وصورته وتفحصته وتجولت في أطرافه وأعماقه، انه بحر آخر متفرد ومنفصل عن البحرين ببيئته وجوه ومائه وملوحته وأسماكه وحيواناته ونباتاته البحرية، وفي حرارته وضغطه وصفاته الفيزياوية والكيمياوية الأخرى، لا يشبه أياً من البحرين وعالمهما المختلف عنه. إن هذا البحر الذي أشار إليه القرآن بوضوح، له خصائصه التي يتفرد بها عن البحرين، وهذا التفرد -الذي قدّره الله سبحانه- في كل شيء، في الملوحة والكثافة وفي الأسماك وفي درجة الحرارة، بل الأمواج والأسماك لا تدخل هذا الفاصل أبداً. وكان من المتوقع أن نجد اختلاط البحرين وامتزاجهما وتشابههما، حسب نظرية الأواني المستطرقة المعروفة، ولكنا وجدنا الحقيقة غير ذلك.. فمن علم محمد تلك الحقيقة العلمية الحديثة التي تعرفنا عليها واكتشفناها اليوم.. انه الله.. الله سبحانه. لقد أرشدني أحد البحارة العرب من اليمن، وأنا أبحر في باب المندب إلى نص في القرآن يشير إلى تلك الحقائق العلمية المذهلة، ومنها الآيات التالية: قال تعالى: {مرج البحرين يلتقيان. بينهما برزخ لا يبغيان.}
Page 8
قوله تعالى: {أمّن جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون}
كما إني وجدت خلال رحلاتي البحرية الكثيرة، أن قيعان البحار الكبيرة والمحيطات تخرج منها النيران والحرائق العظيمة.. وفي القرآن إشارات مهمة تؤكد هذه الحقيقة العلمية، منها قوله تعالى: {والطور. وكتاب مسطور. في رق منشور. والبيت المعمور. والسقف المرفوع. والبحر المسجور}
إنها آية عجيبة ورهيبة..(البحر المسجور) أي: البحر يشتعل نيراناً..
نعم لقد اكتشفت إن كل المحيطات والبحار الكبرى تخرج من قيعانها النيران، وقد صورنا هذه الظاهرة .. نعم صورناها ودرسناها.. ويؤكد القرآن على حقيقة علمية مشابهة تؤكد أن البحار ستُسْجَر وتُفجّر وتحترق يوم القيامة حين ينتهي عمر العالم بأمر الله، بسبب تلك النيران المخزونة في قاع البحار وطاقتها الهائلة. قال تعالى: {وإذا البحار سجّرت}
إن هذه اللفتات العلمية تدل دلالة واضحة وصادقة وقاطعة لا لبس فيها، أن الله سبحانه هو الذي أنزل على محمد هذه الآيات وهذا القرآن العظيم. ألم أقل لكم إن هذا القرآن من الله وليس من عند محمد. وإلا فمن أخبر محمداً بأن هناك حواجز وفواصل مائية بين البحار والمحيطات ؟.. إنه الله.. إنه الله سبحانه. خيّم الصمت والسكون على الحضور جميعاً، وهم في ذهول ودهشة مما يسمعون. ثم قام بعرض هذه الظواهر العلمية على الشاشة المتلفزة وشرحها شرحاً مفصلاً وعميقاً. أن هذا القرآن يقوم وحده، وهو نسيج فريد ليس له نظير في كل مجالات العلم والمعرفة. وهو كنز من العلم والنور لا ينضب، يدعو ويهدي وحده، ويشرح صدور وقلوب الباحثين إلى الحق والحقيقة وحده. قال تعالى:{إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا}
وبالرغم من أن (كوستو( قد توفي عام 1997 إثر أزمة قلبية إلا أن تراثه لا يزال حياً ومحركاً للكثير من الجهود العالمية. لقد واجه جاك كوستو بعد إسلامه معارضة شديدة ومضايقات عديدة ربما أثرت على مشروعه العلمي وعلى نشاطه المتنوع لكن ذلك العداء الغربي للإسلام والعقدة المستحكمة التي جعلت من الغرب يشعر بالرعب (الإسلاموفوبيا) من نور القرآن ورسالة الإسلام رغم تخلف أهله لم تثنه وتمنعه من الاستمرار والمثابرة في عمله والحصول على جوائز علمية عديدة ومناصب علمية متقدمة ..فكانت الجوائز والمكافئات تتسابق لتنال شرف الانتساب إلى هذا العالم الفذ الذي قصّر العرب معه في خدمة علمه والامتنان لموقفه وخدمته لكتاب الله العزيز ونسوه وتشاغلوا عنه خلال العقود الماضية. رغم وقفته الشجاعة عبر رحلته العلمية والإيمانية بعد إسلامه في سنة 1977 في باريس.. فكافأته دولته فرنسا في عهد الرئيس ديغول وكافئه الرئيس الأمريكي كارتر ثم الرئيس ريغان على اكتشافاته العلمية وخدماته الجليلة للعلم والحضارة الإنسانية.. وليس أمامنا نحن العرب اليوم إلا أن نبتهل إلى الله بالدعوة الصادقة له بأن ينال جنات الخلد مع الأنبياء والصديقين والشهداء.. وأن نحيي ذكراه ودوره العلمي ونعيد استحضار برامجه ومشاريعه وأفلامه الوثائقية الشهيرة التي فاقت كل نتاج وثائقي وكانت بلا منازع لمدة قاربت نصف قرن. فكانت أفلامه العلمية تضاهي اكتشافاته العلمية في عالم البحار وقد أدهشت العالم في السبعينيات والثمانينيات حتى طواها النسيان اليوم.. فهل نهب لنشرها وإعادة إخراجها وتوثيقها ودراستها عبر منابر الجامعات والمساجد والفضائيات وعبر الانترنت والمؤسسات الإعلامية الأخرى؟.. انه تراث علمي وإسلامي جدير أن يعتني به ضمن منظومة الإعجاز العلمي وأسلمة العلوم، ولكي نجازي إحسانه بإحسان، نحن أصحاب الرسالة ورفاق الدرب والإيمان، ونشاركه الأجر والجزاء والهدى والنور.. رحم الله أبا محمد جاك كوستو على صنيعه وشجاعته، فقد كان رمزا إنسانياً للجمع بين العلم والمخاطرة في أبحاثة ورحلاته البحرية، ورمزا للهداية إلى نور القرآن والدعوة لهديه، حتى سار على نهجه من بني جلدته كثيرون، منهم الطبيب والباحث موريس بوكاي والفيلسوف المفكر الدكتور روجيه غارودي وغيرهم كثير في أوربا والعالم.
Page 9
.
وقفات مع جاك كوستو وإنجازاته العلمية والاستكشافية
عُين جاك كوستو بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية رئيساً لبرنامج دراسة المحيطات (Oceanography) الفرنسي. وفي عام 1950 اشترى سفينة (الكاليبسو) التي اقترنت شهرته بها لتكون بمثابة مركز أبحاثه البحرية خلال الستة والأربعين عاماً التالية. وقد عمد (كوستو) لإنتاج عدد من الأفلام الوثائقية والكتب من أجل تمويل رحلاته ولنشر الوعي ببيئة الأعماق في بادرة غير مسبوقة وقتها حققت نجاحاً مدوياً. بل أن فيلمه الوثائقي الأول (العالم الصامت) The Silent World فاز بالجائزة الأولى في مهرجان (كان) لعام 1956. وهو إنجاز لم يلامسه مُنتَج وثائقي آخر حتى جاء (مايكل مور) بفيلمه (فهرنهايت 9/11 ) بعد ثمان وأربعين سنة.
تقاعد (كوستو) من البحرية الفرنسية ليتفرغ لمشاريع أبحاثه. حيث عُين عام 1957 مديراً لمتحف موناكو للمحيطات. وأسس مجموعة لأبحاث الأعماق بطولون. بالإضافة لرئاسته لبرنامج (Conshelf) الخاص بتجارب إقامة البشر لمدد طويلة بمستعمرات مقامة في أعماق البحار. كما أن جهوده الرائدة في تطوير الآليات لم تتوقف. ففي العام 1963 طور كاميرا للتصوير تحت الماء اشترت شركة (Nikon) حقوقها لاحقاً لتنتجها تحت اسم (Nikonos). كما عمل (كوستو) على بناء الغواصة SP-350 التي تتسع لشخصين وتعمل تحت عمق يصل لـ 350 متراً بقاع المحيط. ليحقق عام 1965 إنجازاً بالوصول بنسخة مطورة منها لعمق 500 متر. وقد دشن (كوستو) عام 1980 نموذجاً آخر لغواصة أعماق نفاثة تتسع لراكب واحد أسماها TURBOSAIL . وفي عام 1968م طُلب إلى (كوستو) الاشتراك في سلسلة برامج تليفزيونية لتعريف الجمهور بعالم البحار الخفي. وهكذا كان برنامج (عالم الأعماق) Undersea World الذي قدم للجمهور العادي صورة لعالم أبحاث المحيطات طيلة ثماني سنوات. وليحتل مكانة راسخة، حتى عند المشاهدين العرب، كأحد أهم معالم التثقيف التلفازي. وقد جعل البرنامج من (كوستو) نجماً عالميا، كما جعل من الاهتمام بالبيئة البحرية هماً شعبيا، مما حدا به لتأسيس جمعية غير ربحية باسمه لحماية الحياة البحرية يفوق عدد أعضائها اليوم الثلاثمائة ألف.
يعد (كوستو) اليوم رمزاً لتضافر روحي بين العلم والمغامرة لأجل البيئة. وهو قد حصل على تكريم الأكاديمية الفرنسية وعلى (وسام الحرية) الأميركي مرتين من قبل الرئيسين (كارتر) و (ريغان( كما حصل على جائزة الأمم المتحدة الدولية للبيئة وعُين مستشاراً لديها ولدى البنك الدولي
Page 10
3- قصة إسلام الأمريكي د. جريميا.. وأثر لغة القرآن
إن أمة الإسلام هي أمة الأنبياء والمرسلين على مدار التاريخ، وهي خير أمة أخرجت للناس، لأنها صاحبة الرسالة المقدسة، والأمة الهادية إلى سواء السبيل، وان لسانها هو اللسان العربي المبين، وعقيدتها هي عقيدة التوحيد والإخلاص لله رب العالمين.. قال تعالى:ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالِمِين وقال: كنتم خير أمة أخرجت للناس..ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون .
ويؤكد المؤرخون الأوربيون أن الشخصية العربية كانت على الدوام تتميز بصفات الفروسية، من كرم ونبل وشجاعة وذكاء ومهارة في ركوب البحر والتجارة.
يقول المؤرخ ول ديورانت ويصف فضل الفينيقيين (العرب): لقد أقاموا لهم حاميات في نقط منيعة على ساحل البحر المتوسط، أقاموها في قادس، وقرطاجنة، ومرسليا، ومالطة، وصقلية، وسردينيا، وقورسقة، بل وفي انكلترا البعيدة. واحتلوا قبرص، وميلوس، ورودس، ونقلوا الفنون والعلوم، من مصر، وكريت، والشرق الأدنى، ونشروها في اليونان، وايطاليا، وأسبانيا، وفي أفريقيا، وربطوا الشرق بالغرب بشبكة من الروابط التجارية والثقافية، وشرعوا ينتشلون أوربا من براثن الهمجية .
ويقول عالم المصريات ق.م. المستشرق بريستد Breasted:
إن المجموعات النازحة بلغاتها العروبية لمصر من جزيرة العرب قبل الألف السادسة ق.م. هي التي ساهمت في تحقيق وحدة الملكية التي جاءت باسم برعوي الذي صار فيما بعد فرعون.
ويقول المستشرق الفرنسي رينان: إن هذه اللغة التي لم يعرف مصدرها، تتقدم لنا- بصورة مفاجئة- كلغة متقنه، وفي كلمة واحدة لغة كاملة، ومنذ هذا التاريخ- أي تاريخ مجئ الإسلام- وحتى يومنا هذا، لم يلحق بها أي تحوير مهم، إنها لغة لا تعرف الطفولة ولا الشيخوخة.. ولا أدري هل يوجد مثل لغوي آخر بالعالم شبيه بهذه اللغة، خالية من أوضاع الهجر ومن توسل أو تلمس متردد. إن هناك علاقة دلالية لاسم عرب مع دعوات الأنبياء والرسل، وقد ورد لفظ (عرب) في التوراة أيضاَ، في كلمات: عربوث، عربة. ويقول رينان: إن اللغة العربية موجودة في كل مكان بأفريقيا، فبفضل العربية وجدت حضارات عديدة في أفريقيا وكذلك بعض الآداب العربية.