Page 1
الكرد والسياسة الخارجية الأميركية
يقدّم هذا الكتاب دراسة وتحليلاً مفصّلَين للعلاقات الأميركية – الكردية وتفاعلها مع السياسات المحلية والإقليمية والعالمية. وباستخدام القضية الكردية لتفحّص طبيعة التشابك بين القوى الدولية والكيانات التي لا تشكّل دولاً، تحلّل الكاتبة وجود علاقة تفاعلية أميركية مع كرد العراق.
واستناداً إلى أرشيفات حكومية ومقابلات مع شخصيات سياسية في كل من شمال العراق والولايات المتحدة تضع الكاتبة دراسة الحالة في سياق أشمل للعلاقات الدولية. ويركّز الإطار المفهومي على العلاقات المتبادلة بين اللاعبين (دول وسواها معاً) وبُنى من أنواع مادية وفكرية، فيما يشكّل المسح والتحليل المفصّلان للعلاقات الأميركية – الكردية، في تفاعلها مع السياسات المحلية والإقليمية والعالمية، الجوهر التجريبي للدراسة. وإذ تؤكد تشابك السياسات المحلية والخارجية كجزء من المجموعة نفسها من الديناميكيات، تشرح دراسة الحالة بروز العلاقة الأميركية التفاعلية والممأسسة مع كرد العراق، والتي شكّلت في الإطار الجغرافي لبلاد الرافدين، سياسة رسمية أميركية غير معلنة في شأن الكرد في فترة ما بعد صدّام.
وإذ يملأ فراغاً في الأدبيات المتعلقة بالعلاقات الأميركية – الكردية، إلى جانب الموضوع الأشمل للعلاقات الدولية، سيكون هذا الكتاب ذا أهمية كبرى للعاملين في مجال العلاقات الدولية والسياسة الشرق أوسطية والكردية.
حازت ماريانا خارونتاكي شهادة الدكتوراه من معهد الدراسات العربية والإسلامية في جامعة إكستر. وهي اليوم باحثة مستقلة تعمل في أثينا باليونان، وتتراوح اهتماماتها البحثية بين العلاقات الدولية وتحليل السياسة الخارجية، وبين العلاقات الدولية للشرق الأوسط الأكثر امتداداً وشمولاً.
يقدّم هذا الكتاب دراسة وتحليلاً مفصّلَين للعلاقات الأميركية – الكردية وتفاعلها مع السياسات المحلية والإقليمية والعالمية. وباستخدام القضية الكردية لتفحّص طبيعة التشابك بين القوى الدولية والكيانات التي لا تشكّل دولاً، تحلّل الكاتبة وجود علاقة تفاعلية أميركية مع كرد العراق.
واستناداً إلى أرشيفات حكومية ومقابلات مع شخصيات سياسية في كل من شمال العراق والولايات المتحدة تضع الكاتبة دراسة الحالة في سياق أشمل للعلاقات الدولية. ويركّز الإطار المفهومي على العلاقات المتبادلة بين اللاعبين (دول وسواها معاً) وبُنى من أنواع مادية وفكرية، فيما يشكّل المسح والتحليل المفصّلان للعلاقات الأميركية – الكردية، في تفاعلها مع السياسات المحلية والإقليمية والعالمية، الجوهر التجريبي للدراسة. وإذ تؤكد تشابك السياسات المحلية والخارجية كجزء من المجموعة نفسها من الديناميكيات، تشرح دراسة الحالة بروز العلاقة الأميركية التفاعلية والممأسسة مع كرد العراق، والتي شكّلت في الإطار الجغرافي لبلاد الرافدين، سياسة رسمية أميركية غير معلنة في شأن الكرد في فترة ما بعد صدّام.
وإذ يملأ فراغاً في الأدبيات المتعلقة بالعلاقات الأميركية – الكردية، إلى جانب الموضوع الأشمل للعلاقات الدولية، سيكون هذا الكتاب ذا أهمية كبرى للعاملين في مجال العلاقات الدولية والسياسة الشرق أوسطية والكردية.
حازت ماريانا خارونتاكي شهادة الدكتوراه من معهد الدراسات العربية والإسلامية في جامعة إكستر. وهي اليوم باحثة مستقلة تعمل في أثينا باليونان، وتتراوح اهتماماتها البحثية بين العلاقات الدولية وتحليل السياسة الخارجية، وبين العلاقات الدولية للشرق الأوسط الأكثر امتداداً وشمولاً.
Page 2
1 مقدمة
يتقصّى الكتاب دور الكرد في السياسة الخارجية الأميركية بين الحرب العالمية الثانية وحرب الخليج الثالثة (آذار 2003) وتداعياتها(5). وتتألف المسألة البحثية المركزية قيد التقصي من جزءين: هل كان للكرد تأثير على السياسة الخارجية الأميركية، وهل يوجد شيء اسمه علاقة بين السياسة الخارجية الأميركية والكرد في شكل تفاعل بين دولة ولاعب لا يشكّل دولة؟ إنني أقترح في هذا الخصوص، تفحّص ديناميكيات العلاقة بين السياسة الخارجية الأميركية والكرد من خلال الغوص في عدد من الأحداث بحثاً عن دليل على الطبيعة المتطورة لهذا الرابط.
بدأت أخيراً ومجدداً «القضية الكردية» التي تشمل أجزاء متفرقة كثيرة من كلٍّ مفترَض، إلى جانب المطالب بحقوق اجتماعية – سياسية ومدنية وثقافية وفق القانون الدولي، تشغل الاهتمام العالمي والأكاديمي: إنها عامل أساسي ذو تداعيات واسعة الانتشار بالنسبة إلى كل من التطورات الإقليمية والدولية. ولم يجتذب إلى الآن دور القضية الكردية، كرابط بين الكرد والسياسة الإقليمية والدولية، الاهتمام الأكاديمي المبرر من خلال أهميتها الواقعية، لكن التطورات الأخيرة في العراق، والشأن المستمر لحزب العمال الكردستاني، وعودة القضية الكردية إلى الظهور في سوريا أخيراً، ذكّرت العالم بأهمية الكرد في الشرق الأوسط منذ عشرينيات القرن العشرين.
وقليل من الأدبيات الحالية يعالج الدلالات التجريبية والنظرية لدراسة الحالة هذه؛ والاستثناء الوحيد هو المرجع الذي كتبه لقمان محو باسم The Kurdish Question in US Foreign Policy (2004)(6)، والذي، وفق الكاتب، لا يشكّل أي تحليل معيّن للموضوع بل يستهدف أن يقدّم إلى القارئ المادة اللازمة للتعمّق فيه أكثر فأكثر. ويعني هذا النقص في الاهتمام الأكاديمي، إلى جانب المقاربات السياسية للمسألة والتي لا تزال غير مناسبة، أن دراسة معمقة للرابط بين السياسة الخارجية الأميركية والكرد لا تزال لازمة. وعلى الرغم من أن الدراسات الكردية بدأت تزدهر أخيراً، تتسم الأدبيات الحالية بغياب مقاربة سياسية عابرة للتخصصات يمكن أن تضع الكرد في مركز أي تحليل. يضاف إلى ذلك الاهتمام غير المناسب من قبل المتخصصين في العلاقات الدولية إلى التفاعل بين الدول واللاعبين الذين «لا يشكّلون دولاً» والبارزين «حديثاً»، إلى السبب المفهومي لمعالجة دراسة الحالة المحددة هذه. وكان القسم الرئيسي من المراجع الأكاديمية عن الكرد وقضيتهم (المشار إليها أساساً منذ سبعينيات القرن العشرين)، إما مقتصراً على تحديد اجتماعي – سياسي للكرد وأنثروبولوجيا خاصة بهم، وإما مشيراً إلى القضية من ضمن تحليل لجوانب السياسة الإقليمية والمحلية في الشرق الأوسط.
ويهدف هذا الكتاب إلى تقديم استشراف مختلف للقضية الكردية، مع توجيه اهتمام خاص إلى دور الكرد باعتبارهم لاعباً «لا يشكّل دولة» في علاقاتهم الإقليمية والدولية، خصوصاً على صعيد الرابط مع الولايات المتحدة. وسأتقصى مقدار تأثيرهم في السياسات الإقليمية والدولية، وفي المقابل، المقدار الذي حوّلهم به تفاعلهم مع الولايات المتحدة إلى لاعب مهم تحديداً(7).
والبحث تطبيقي ومفهومي في آن. فمن الجهة التطبيقية، أستخدم مقاربة عابرة للتخصصات من أجل الغوص في الخلفيات التاريخية، وأنماط السلوك والتفاعل لكل من الكرد والولايات المتحدة، في محاولة لشرح هذه الأنماط بشيء من التفصيل أكبر في علاقتها بالسياق الإقليمي والدولي. ومن الناحية النظرية، يعرّف الفصل الثاني كيف يمكن فهم القضية الكردية، ويستطرد في ذلك، ويتفحّص الفصل السابع كيف يمكن لهذا التفاعل الأميركي – الكردي أن يُشرح في سياق تخصص العلاقات الدولية.
وعلى الرغم من غياب دراسات مطوّلة حول الموضوع كما أتصوره، يتعامل تحليلي مع أبرز المساهمات الأكاديمية الأخرى المتعلقة بقضايا ذات صلة بعناصر هذه الأطروحة. أما الهدف وضع فهو ليس نقد للأدبيات الموجودة لغرض النقد، بل تقصي مقدار الإضاءة الممكنة من قبل التأملات الواردة في الاتجاهات الكتابية المختلفة حول هذا البحث الخاص بي. وفي الوقت نفسه، واستناداً إلى التماسات من واقعيين علميين ونقديين لتعددية منهجية من خلال معايير كلية(8)، أحاول في الفصل السابع أن أجيب عن السؤالين التاليين:
ـ هل يتعامل الخطاب السائد حول العلاقات الدولية بالشكل المناسب مع الكرد بوصفهم لاعباً «لا يشكّل دولة»؟
ـ هل تشكّل القضية الكردية وارتباطها بالسياسة الخارجية الأميركية تحدياً نظرياً لتحليل العلاقات الدولية أو السياسة الخارجية تحديداً؟
ويجب أن تبيّن الإجابات المتحصلة من دراسة الحالة هذه، إذاً، ضرورة وضع مقاربة جديدة من عدمها.
يتقصّى الكتاب دور الكرد في السياسة الخارجية الأميركية بين الحرب العالمية الثانية وحرب الخليج الثالثة (آذار 2003) وتداعياتها(5). وتتألف المسألة البحثية المركزية قيد التقصي من جزءين: هل كان للكرد تأثير على السياسة الخارجية الأميركية، وهل يوجد شيء اسمه علاقة بين السياسة الخارجية الأميركية والكرد في شكل تفاعل بين دولة ولاعب لا يشكّل دولة؟ إنني أقترح في هذا الخصوص، تفحّص ديناميكيات العلاقة بين السياسة الخارجية الأميركية والكرد من خلال الغوص في عدد من الأحداث بحثاً عن دليل على الطبيعة المتطورة لهذا الرابط.
بدأت أخيراً ومجدداً «القضية الكردية» التي تشمل أجزاء متفرقة كثيرة من كلٍّ مفترَض، إلى جانب المطالب بحقوق اجتماعية – سياسية ومدنية وثقافية وفق القانون الدولي، تشغل الاهتمام العالمي والأكاديمي: إنها عامل أساسي ذو تداعيات واسعة الانتشار بالنسبة إلى كل من التطورات الإقليمية والدولية. ولم يجتذب إلى الآن دور القضية الكردية، كرابط بين الكرد والسياسة الإقليمية والدولية، الاهتمام الأكاديمي المبرر من خلال أهميتها الواقعية، لكن التطورات الأخيرة في العراق، والشأن المستمر لحزب العمال الكردستاني، وعودة القضية الكردية إلى الظهور في سوريا أخيراً، ذكّرت العالم بأهمية الكرد في الشرق الأوسط منذ عشرينيات القرن العشرين.
وقليل من الأدبيات الحالية يعالج الدلالات التجريبية والنظرية لدراسة الحالة هذه؛ والاستثناء الوحيد هو المرجع الذي كتبه لقمان محو باسم The Kurdish Question in US Foreign Policy (2004)(6)، والذي، وفق الكاتب، لا يشكّل أي تحليل معيّن للموضوع بل يستهدف أن يقدّم إلى القارئ المادة اللازمة للتعمّق فيه أكثر فأكثر. ويعني هذا النقص في الاهتمام الأكاديمي، إلى جانب المقاربات السياسية للمسألة والتي لا تزال غير مناسبة، أن دراسة معمقة للرابط بين السياسة الخارجية الأميركية والكرد لا تزال لازمة. وعلى الرغم من أن الدراسات الكردية بدأت تزدهر أخيراً، تتسم الأدبيات الحالية بغياب مقاربة سياسية عابرة للتخصصات يمكن أن تضع الكرد في مركز أي تحليل. يضاف إلى ذلك الاهتمام غير المناسب من قبل المتخصصين في العلاقات الدولية إلى التفاعل بين الدول واللاعبين الذين «لا يشكّلون دولاً» والبارزين «حديثاً»، إلى السبب المفهومي لمعالجة دراسة الحالة المحددة هذه. وكان القسم الرئيسي من المراجع الأكاديمية عن الكرد وقضيتهم (المشار إليها أساساً منذ سبعينيات القرن العشرين)، إما مقتصراً على تحديد اجتماعي – سياسي للكرد وأنثروبولوجيا خاصة بهم، وإما مشيراً إلى القضية من ضمن تحليل لجوانب السياسة الإقليمية والمحلية في الشرق الأوسط.
ويهدف هذا الكتاب إلى تقديم استشراف مختلف للقضية الكردية، مع توجيه اهتمام خاص إلى دور الكرد باعتبارهم لاعباً «لا يشكّل دولة» في علاقاتهم الإقليمية والدولية، خصوصاً على صعيد الرابط مع الولايات المتحدة. وسأتقصى مقدار تأثيرهم في السياسات الإقليمية والدولية، وفي المقابل، المقدار الذي حوّلهم به تفاعلهم مع الولايات المتحدة إلى لاعب مهم تحديداً(7).
والبحث تطبيقي ومفهومي في آن. فمن الجهة التطبيقية، أستخدم مقاربة عابرة للتخصصات من أجل الغوص في الخلفيات التاريخية، وأنماط السلوك والتفاعل لكل من الكرد والولايات المتحدة، في محاولة لشرح هذه الأنماط بشيء من التفصيل أكبر في علاقتها بالسياق الإقليمي والدولي. ومن الناحية النظرية، يعرّف الفصل الثاني كيف يمكن فهم القضية الكردية، ويستطرد في ذلك، ويتفحّص الفصل السابع كيف يمكن لهذا التفاعل الأميركي – الكردي أن يُشرح في سياق تخصص العلاقات الدولية.
وعلى الرغم من غياب دراسات مطوّلة حول الموضوع كما أتصوره، يتعامل تحليلي مع أبرز المساهمات الأكاديمية الأخرى المتعلقة بقضايا ذات صلة بعناصر هذه الأطروحة. أما الهدف وضع فهو ليس نقد للأدبيات الموجودة لغرض النقد، بل تقصي مقدار الإضاءة الممكنة من قبل التأملات الواردة في الاتجاهات الكتابية المختلفة حول هذا البحث الخاص بي. وفي الوقت نفسه، واستناداً إلى التماسات من واقعيين علميين ونقديين لتعددية منهجية من خلال معايير كلية(8)، أحاول في الفصل السابع أن أجيب عن السؤالين التاليين:
ـ هل يتعامل الخطاب السائد حول العلاقات الدولية بالشكل المناسب مع الكرد بوصفهم لاعباً «لا يشكّل دولة»؟
ـ هل تشكّل القضية الكردية وارتباطها بالسياسة الخارجية الأميركية تحدياً نظرياً لتحليل العلاقات الدولية أو السياسة الخارجية تحديداً؟
ويجب أن تبيّن الإجابات المتحصلة من دراسة الحالة هذه، إذاً، ضرورة وضع مقاربة جديدة من عدمها.
Page 3
2 المنهجية
بما أن موضوع البحث يتطلب معرفة بالقضايا الإقليمية والدولية والكردية، إلى جانب تاريخ السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، استخدِمت منهجيات كثيرة. فإلى جانب الأدبيات المراجَعة في الأقسام التالية، شمل بحثي التجريبي عملاً ميدانياً أجرِي في شمال العراق وواشنطن العاصمة. وعلى الرغم من محاولاتي للاتصال بمسؤولين وأكاديميين في سوريا وتركيا، تبيّن أن الأمر غير ممكن بسبب حساسية الموضوع بالنسبة إلى الأنظمة الإقليمية. وهكذا نتجت منهجيتي عن مجموعة من مثيلاتها. وبدءاً من فرضية تتساءل عن وجود شيء اسمه علاقة أميركية – كردية، حاولت أن أحدد الكرد المرتبطين بالولايات المتحدة، وإن كانت هذه الأخيرة لم تطوّر لغاية الآن أي سياسة كردية، بهدف كشف تداعيات هذه العلاقة البينية نظرياً وعملياً.
وبدءاً من الفصل الثاني، أدخلت «نماذج» صورية دلالية، كوسيلة لفهم القضية الكردية ودورها في السياسات الإقليمية والدولية، مقارنة باللاعبين الإقليميين والدوليين الذين يشكّلون دولاً ومن ضمن العلاقة معهم. ومن خلال رواية تاريخية، تقصيت الأحداث الأساسية التي وسمت العلاقة الأميركية–الكردية، وحاولت أن أشرح دلالاتها الإقليمية والدولية، والدوافع والمواقف الخاصة باللاعبين. ولهذا الهدف، استخدمت تحليل المحتوى، إلى جانب مقابلات، كانت أساساً شبه منظمة، مع مسؤولين أميركيين وكرد. وفي المقابلات، طرحت أسئلة معايرة وعامة وموجهة ومفتوحة شملت أساساً في الجانب الكردي قادة كرداً بارزين لعبوا دوراً في التفاعلات الأميركية – الكردية منذ سبعينيات القرن العشرين، وشخصيات مهمة مثل رئيس الوزراء والرئيس في منطقة كردستان ذات الحكم الذاتي، وممثل الحكومة الإقليمية لكردستان في الولايات المتحدة، وكرداً آخرين لهم تعاملات مع الحكومة الأميركية. وفي الجانب الأميركي، قابلت ممثلين أميركيين في الكونغرس، ومسؤولين في وزارة الخارجية (اختار ثلاثة منهم البقاء مجهولين لأسباب أمنية)، ومحللين في مؤسسات بحثية، وأعضاء في مجموعات ضغط.
وتطلب التحليل أيضاً تفسيراً للوقائع والأحداث الإقليمية والدولية ذات الصلة بمسألة البحث. وشملت مصادرها بيانات منشورة على الإنترنت، مثل تقارير الكونغرس ووكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي)، إلى جانب مستندات موجودة في مواقع إلكترونية رسمية أميركية، خصوصاً موقع وزارة الخارجية. وتبنّى الكتاب أيضاً مقاربة مقارَنة بالنظر في الوقت نفسه في حالة الكرد في إيران والعراق وسوريا وتركيا.
وتنجم قلة الأدبيات المتعلقة بموضوع البحث عن واقع أن القضية الكردية لا تزال في تغير مستمر. كذلك لم يفرَج عن مستندات أميركية رسمية ذات صلة بالموضوع قيد البحث إلا أخيراً، منذ العام 2005 تقريباً أو قبل ذلك بقليل، منذ العام 2003، وهذا عامل يجب أخذه في الحسبان. ولقد حاولت سد الفجوة بالإشارة إلى مجموعة من الكتابات الأكاديمية عن الكرد كأمة، والتاريخ الكردي، والوضع الحالي للكرد، إلى جانب كتابات أكاديمية عن السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، وجهاز السياسة الخارجية تحديداً، وعلاقات الولايات المتحدة والكرد ببلدان شرق أوسطية، ومراجع أخرى ذات صلة بالولايات المتحدة والكرد. لكن معظم معلوماتي الأولية استُلّت من المقابلات، والمصادر الإلكترونية الحكومية الأميركية، والسجلات والتقارير الخاصة بالكونغرس الأميركي.
ومن الجهة المفهومية وضعت مقاربتي التحليلية في داخل مجال العلاقات الدولية كمقاربة تجمع بعض التأملات الواقعية بجوانب البنائية، لكنها تضيف أيضاً شيئاً ناقصاً نسبياً في المزيج السائد، أي التركيز المحدد على دور اللاعبين الذين «لا يشكّلون دولاً». وبالنسبة إلى أنواع اللاعبين (دول، لاعبون «لا يشكّلون دولاً»، وأفراد، ومجموعات)، والنتائج المتشابكة للواسطة والبنية، والتأثير المجمّع للعوامل الفكرية والمادية، فقد يكون التصنيف الأكثر نفعاً هو «التعددي». ويعني هذا أن تحليلي يستند في الوقت نفسه إلى تخصصات، على الرغم من اعتبارها في الأغلب منفصلة، يمكن اعتبارها متشابكة جوهرياً ويجب ذلك، وهي العلاقات الدولية، والعلاقات الخارجية، والتحليل و«السياسة» (المحلية). وهذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها التطوير والشرح لصورة كلية باستخدام الديناميكيات التي تربط أنماط التفاعل والتأثير المتبادل بين اللاعبين الذين «لا يشكّلون دولة»، مثل الكرد، الموزعين كما هم بين كيانات كثيرة تشكّل دولاً، والدول الإقليمية المعنية، والقوى الخارجية مثل الولايات المتحدة، والطبيعة المتطورة للأنظمة الإقليمية والدولية.
بما أن موضوع البحث يتطلب معرفة بالقضايا الإقليمية والدولية والكردية، إلى جانب تاريخ السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، استخدِمت منهجيات كثيرة. فإلى جانب الأدبيات المراجَعة في الأقسام التالية، شمل بحثي التجريبي عملاً ميدانياً أجرِي في شمال العراق وواشنطن العاصمة. وعلى الرغم من محاولاتي للاتصال بمسؤولين وأكاديميين في سوريا وتركيا، تبيّن أن الأمر غير ممكن بسبب حساسية الموضوع بالنسبة إلى الأنظمة الإقليمية. وهكذا نتجت منهجيتي عن مجموعة من مثيلاتها. وبدءاً من فرضية تتساءل عن وجود شيء اسمه علاقة أميركية – كردية، حاولت أن أحدد الكرد المرتبطين بالولايات المتحدة، وإن كانت هذه الأخيرة لم تطوّر لغاية الآن أي سياسة كردية، بهدف كشف تداعيات هذه العلاقة البينية نظرياً وعملياً.
وبدءاً من الفصل الثاني، أدخلت «نماذج» صورية دلالية، كوسيلة لفهم القضية الكردية ودورها في السياسات الإقليمية والدولية، مقارنة باللاعبين الإقليميين والدوليين الذين يشكّلون دولاً ومن ضمن العلاقة معهم. ومن خلال رواية تاريخية، تقصيت الأحداث الأساسية التي وسمت العلاقة الأميركية–الكردية، وحاولت أن أشرح دلالاتها الإقليمية والدولية، والدوافع والمواقف الخاصة باللاعبين. ولهذا الهدف، استخدمت تحليل المحتوى، إلى جانب مقابلات، كانت أساساً شبه منظمة، مع مسؤولين أميركيين وكرد. وفي المقابلات، طرحت أسئلة معايرة وعامة وموجهة ومفتوحة شملت أساساً في الجانب الكردي قادة كرداً بارزين لعبوا دوراً في التفاعلات الأميركية – الكردية منذ سبعينيات القرن العشرين، وشخصيات مهمة مثل رئيس الوزراء والرئيس في منطقة كردستان ذات الحكم الذاتي، وممثل الحكومة الإقليمية لكردستان في الولايات المتحدة، وكرداً آخرين لهم تعاملات مع الحكومة الأميركية. وفي الجانب الأميركي، قابلت ممثلين أميركيين في الكونغرس، ومسؤولين في وزارة الخارجية (اختار ثلاثة منهم البقاء مجهولين لأسباب أمنية)، ومحللين في مؤسسات بحثية، وأعضاء في مجموعات ضغط.
وتطلب التحليل أيضاً تفسيراً للوقائع والأحداث الإقليمية والدولية ذات الصلة بمسألة البحث. وشملت مصادرها بيانات منشورة على الإنترنت، مثل تقارير الكونغرس ووكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي)، إلى جانب مستندات موجودة في مواقع إلكترونية رسمية أميركية، خصوصاً موقع وزارة الخارجية. وتبنّى الكتاب أيضاً مقاربة مقارَنة بالنظر في الوقت نفسه في حالة الكرد في إيران والعراق وسوريا وتركيا.
وتنجم قلة الأدبيات المتعلقة بموضوع البحث عن واقع أن القضية الكردية لا تزال في تغير مستمر. كذلك لم يفرَج عن مستندات أميركية رسمية ذات صلة بالموضوع قيد البحث إلا أخيراً، منذ العام 2005 تقريباً أو قبل ذلك بقليل، منذ العام 2003، وهذا عامل يجب أخذه في الحسبان. ولقد حاولت سد الفجوة بالإشارة إلى مجموعة من الكتابات الأكاديمية عن الكرد كأمة، والتاريخ الكردي، والوضع الحالي للكرد، إلى جانب كتابات أكاديمية عن السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، وجهاز السياسة الخارجية تحديداً، وعلاقات الولايات المتحدة والكرد ببلدان شرق أوسطية، ومراجع أخرى ذات صلة بالولايات المتحدة والكرد. لكن معظم معلوماتي الأولية استُلّت من المقابلات، والمصادر الإلكترونية الحكومية الأميركية، والسجلات والتقارير الخاصة بالكونغرس الأميركي.
ومن الجهة المفهومية وضعت مقاربتي التحليلية في داخل مجال العلاقات الدولية كمقاربة تجمع بعض التأملات الواقعية بجوانب البنائية، لكنها تضيف أيضاً شيئاً ناقصاً نسبياً في المزيج السائد، أي التركيز المحدد على دور اللاعبين الذين «لا يشكّلون دولاً». وبالنسبة إلى أنواع اللاعبين (دول، لاعبون «لا يشكّلون دولاً»، وأفراد، ومجموعات)، والنتائج المتشابكة للواسطة والبنية، والتأثير المجمّع للعوامل الفكرية والمادية، فقد يكون التصنيف الأكثر نفعاً هو «التعددي». ويعني هذا أن تحليلي يستند في الوقت نفسه إلى تخصصات، على الرغم من اعتبارها في الأغلب منفصلة، يمكن اعتبارها متشابكة جوهرياً ويجب ذلك، وهي العلاقات الدولية، والعلاقات الخارجية، والتحليل و«السياسة» (المحلية). وهذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها التطوير والشرح لصورة كلية باستخدام الديناميكيات التي تربط أنماط التفاعل والتأثير المتبادل بين اللاعبين الذين «لا يشكّلون دولة»، مثل الكرد، الموزعين كما هم بين كيانات كثيرة تشكّل دولاً، والدول الإقليمية المعنية، والقوى الخارجية مثل الولايات المتحدة، والطبيعة المتطورة للأنظمة الإقليمية والدولية.
Page 4
3 مراجعة الأدبيات عن الكرد والقضية الكردية واللاعبين ذوي الصلة
إن تعقيد القضية الكردية ظاهر أصلاً في المصطلحات المختلفة المستخدمة في الأدبيات، من «المسألة» إلى «المشكلة» أو «الحالة». ولا يقدّم أي تعريف واحد حلاً. ويشرح الفصل الثاني المعنى المزدوج للقضية الكردية باعتبارها «قضية» و«قضايا» في آن. كذلك يتم توضيح الصفات الكثيرة المعزوَّة لها، مثل «المسألة» أو «المشكلة» أو «الحالة» في القسم التالي.
برزت القضية الكردية كحالة حساسة منذ أيار 1916 (9)، أي بعد تفكيك الإمبراطورية العثمانية إلى دوائر نفوذ من قبل القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، وهم الفرنسيون والروس والبريطانيون، الذين تنافسوا على التحكم بالتركة العثمانية(10). وقسّمت اتفاقية سايكس – بيكو السرية للعام 1915 بين فرنسا وبريطانيا منطقة الشرق الأوسط إلى دوائر نفوذ لكل من الطرفين، وكما نصَّت على سيطرة إدارية. وأخذ الأمر شكلاً عملياً حين كلِّفت بريطانيا بالانتدابين على فلسطين والعراق(11) في مؤتمر سان ريمو في العام 1921. وبالنسبة إلى البريطانيين كان الكرد في تلك المرحلة أمة موجودة تحتاج إلى الاستقرار في أرضها الخاصة بها من ضمن الدولة العراقية الوليدة. لكن في المؤتمر الذي أعقب الحرب، تراجعت القوى العظمى في ما بعد عن قرارها الأولي بإعطاء الكرد دولة، خوفاً من التداعيات المحتملة لهكذا قرار على قابلية العراق للحياة كدولة (في ضوء موقع حقولها النفطية في الشمال) وعلى التوازن الإقليمي للقوى (استجابة لمطالب أتاتورك وحساباته حول أهمية الدولة التركية الوليدة)، وبسبب انقسام الكرد الذي أفضى في نهاية المطاف إلى تفرقهم وبروز أربع مجموعات في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى.
وهكذا أدّى تشكيل المصالح هذا في سياق خلق نظام شرق أوسطي جديد إلى أن أصبح الكرد موزعين في خمس دول. وإضافة إلى الاتحاد السوفياتي السابق، أصبحوا مشتتين في العراق وسوريا وتركيا وإيران. وخدمة لأغراض هذا الكتاب، كانت الدول الأخيرة في الواقع البلدان التي ستبرز فيها أربع قضايا كردية. لكن لدى كتابة هذه السطور، أعاد الأمل في «كردستان الكبرى» والذي يحتمَل أنه اتسع في بعض المناطق (بما أن الأدلة ملتبسة)(12) منذ تأسيس الحكومة الإقليمية لكردستان في شمال العراق (أيار 1992)، ضخ مقدار من الوحدة في الحركة الكردية، فأصبح ممكناً الآن القول بأننا نستطيع التكلم في الوقت نفسه عن قضية كردية بأبعاد مختلفة، يبررها الوضع المختلف للكرد في كل بلد يقيمون فيه.
ومنذ أربعينيات القرن العشرين، حوّل انتقال السيطرة الإقليمية من الأوروبيين إلى الولايات المتحدة، وتدويل(13) القضية الكردية، الكرد إلى لاعب إقليمي وازن. وشكّل تفاعل الكرد مع لاعبين إقليميين ودوليين التطورات الدولية، في شكل مباشر (كما مع قيام جمهورية مهاباد) وغير مباشر (فعدم مشاركة الكرد في حرب الاستقلال التي شنها مصطفى كمال (1922) كان يمكن أن تغير خريطة الشرق الأوسط). وكان دور الكرد في حرب الخليج الثالثة (آذار 2003) حاسماً في مستهل مرحلة ما بعد صدّام، فيما كان لدور حزب العمال الكردستاني وسياسات الأحزاب الكردية التركية في دعم السياسات الكردية المحلية لتركيا(14) تأثير كبير في تخفيف القيود على الكرد.
لذلك، وبغض النظر عن التعبيرات المختلفة حول الطموحات الكردية المتعلقة بتقرير المصير، تشكّلت القضية الكردية بالتزامن مع التوزّع الكردي بين أربع مناطق مختلفة في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وكذلك برفض القوى الإقليمية والأجنبية السماح للأمة الكردية باستخدام الأرض التي ادعت سكناها تاريخياً لتأسيس دولة كردية. وتمثّل عامل إضافي في تردد الكرد في التخلي عن مطالباتهم بتقرير المصير(15). ويبيّن الفصل الثاني أن إدامة القضية الكردية تفاقمت أكثر بالتدخل الإقليمي والخارجي في الدعوى الكردية، وأن إطلاق وصف «الحالة» على طموحات الكرد إلى خلق دولة خاصة بهم، ووضعهم الإشكالي، وسماتهم الثقافية والاجتماعية المميزة، وسلوكهم السياسي، أصبح ممكناً منذئذ.
وفي ضوء هذه «الحالة»، إذاً، طبيعي إدراج سلسلة «أسئلة» و«مشكلات» برزت في أعقاب انقسام الكرد بين دول عديدة. واليوم وفيما قد يمثّل الكرد الحالة المحددة الوحيدة للاعب «لا يشكّل دولة» يتّسم بهذه الدرجة من التنوع (بعيداً، على الأرجح، من الغجر)، يعرّف الجميع أنفسهم، على الرغم من ذلك، بأنهم «كرد». فالقضية الكردية «مسألة» للكرد الذين يبحثون عن إجابة عن السؤال المتعلق بما إن كانوا سيمنَحون دولة يوماً ما(16). لقد استخدمت القوى الخارجية والإقليمية، تاريخياً، «المسألة» نفسها للترويج لمصالحها الخاصة بها لكنها بقيت مترددة حول استعدادها لمحاولة الإجابة عن السؤال(17). ويعتبَر الكرد «مشكلة» حين تهدد أفعالهم الدول التي يعيشون فيها(18) ومصالح قوى إقليمية وخارجية؛ والقضية الكردية «مشكلة» أيضاً للكرد تحديداً كلما منعهم الاقتتال الداخلي من تحقيق أهدافهم الخاصة بهم المدفوعة بطموحاتهم القومية جداً(19). ومع ذلك، حتى، تبقى الأشكال المختلفة للمشكلات والأسئلة بالنسبة إلى الكرد في بلدان مختلفة و/أو في أوقات مختلفة جزءاً من القضية الكردية نفسها.
إن تعقيد القضية الكردية ظاهر أصلاً في المصطلحات المختلفة المستخدمة في الأدبيات، من «المسألة» إلى «المشكلة» أو «الحالة». ولا يقدّم أي تعريف واحد حلاً. ويشرح الفصل الثاني المعنى المزدوج للقضية الكردية باعتبارها «قضية» و«قضايا» في آن. كذلك يتم توضيح الصفات الكثيرة المعزوَّة لها، مثل «المسألة» أو «المشكلة» أو «الحالة» في القسم التالي.
برزت القضية الكردية كحالة حساسة منذ أيار 1916 (9)، أي بعد تفكيك الإمبراطورية العثمانية إلى دوائر نفوذ من قبل القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، وهم الفرنسيون والروس والبريطانيون، الذين تنافسوا على التحكم بالتركة العثمانية(10). وقسّمت اتفاقية سايكس – بيكو السرية للعام 1915 بين فرنسا وبريطانيا منطقة الشرق الأوسط إلى دوائر نفوذ لكل من الطرفين، وكما نصَّت على سيطرة إدارية. وأخذ الأمر شكلاً عملياً حين كلِّفت بريطانيا بالانتدابين على فلسطين والعراق(11) في مؤتمر سان ريمو في العام 1921. وبالنسبة إلى البريطانيين كان الكرد في تلك المرحلة أمة موجودة تحتاج إلى الاستقرار في أرضها الخاصة بها من ضمن الدولة العراقية الوليدة. لكن في المؤتمر الذي أعقب الحرب، تراجعت القوى العظمى في ما بعد عن قرارها الأولي بإعطاء الكرد دولة، خوفاً من التداعيات المحتملة لهكذا قرار على قابلية العراق للحياة كدولة (في ضوء موقع حقولها النفطية في الشمال) وعلى التوازن الإقليمي للقوى (استجابة لمطالب أتاتورك وحساباته حول أهمية الدولة التركية الوليدة)، وبسبب انقسام الكرد الذي أفضى في نهاية المطاف إلى تفرقهم وبروز أربع مجموعات في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى.
وهكذا أدّى تشكيل المصالح هذا في سياق خلق نظام شرق أوسطي جديد إلى أن أصبح الكرد موزعين في خمس دول. وإضافة إلى الاتحاد السوفياتي السابق، أصبحوا مشتتين في العراق وسوريا وتركيا وإيران. وخدمة لأغراض هذا الكتاب، كانت الدول الأخيرة في الواقع البلدان التي ستبرز فيها أربع قضايا كردية. لكن لدى كتابة هذه السطور، أعاد الأمل في «كردستان الكبرى» والذي يحتمَل أنه اتسع في بعض المناطق (بما أن الأدلة ملتبسة)(12) منذ تأسيس الحكومة الإقليمية لكردستان في شمال العراق (أيار 1992)، ضخ مقدار من الوحدة في الحركة الكردية، فأصبح ممكناً الآن القول بأننا نستطيع التكلم في الوقت نفسه عن قضية كردية بأبعاد مختلفة، يبررها الوضع المختلف للكرد في كل بلد يقيمون فيه.
ومنذ أربعينيات القرن العشرين، حوّل انتقال السيطرة الإقليمية من الأوروبيين إلى الولايات المتحدة، وتدويل(13) القضية الكردية، الكرد إلى لاعب إقليمي وازن. وشكّل تفاعل الكرد مع لاعبين إقليميين ودوليين التطورات الدولية، في شكل مباشر (كما مع قيام جمهورية مهاباد) وغير مباشر (فعدم مشاركة الكرد في حرب الاستقلال التي شنها مصطفى كمال (1922) كان يمكن أن تغير خريطة الشرق الأوسط). وكان دور الكرد في حرب الخليج الثالثة (آذار 2003) حاسماً في مستهل مرحلة ما بعد صدّام، فيما كان لدور حزب العمال الكردستاني وسياسات الأحزاب الكردية التركية في دعم السياسات الكردية المحلية لتركيا(14) تأثير كبير في تخفيف القيود على الكرد.
لذلك، وبغض النظر عن التعبيرات المختلفة حول الطموحات الكردية المتعلقة بتقرير المصير، تشكّلت القضية الكردية بالتزامن مع التوزّع الكردي بين أربع مناطق مختلفة في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وكذلك برفض القوى الإقليمية والأجنبية السماح للأمة الكردية باستخدام الأرض التي ادعت سكناها تاريخياً لتأسيس دولة كردية. وتمثّل عامل إضافي في تردد الكرد في التخلي عن مطالباتهم بتقرير المصير(15). ويبيّن الفصل الثاني أن إدامة القضية الكردية تفاقمت أكثر بالتدخل الإقليمي والخارجي في الدعوى الكردية، وأن إطلاق وصف «الحالة» على طموحات الكرد إلى خلق دولة خاصة بهم، ووضعهم الإشكالي، وسماتهم الثقافية والاجتماعية المميزة، وسلوكهم السياسي، أصبح ممكناً منذئذ.
وفي ضوء هذه «الحالة»، إذاً، طبيعي إدراج سلسلة «أسئلة» و«مشكلات» برزت في أعقاب انقسام الكرد بين دول عديدة. واليوم وفيما قد يمثّل الكرد الحالة المحددة الوحيدة للاعب «لا يشكّل دولة» يتّسم بهذه الدرجة من التنوع (بعيداً، على الأرجح، من الغجر)، يعرّف الجميع أنفسهم، على الرغم من ذلك، بأنهم «كرد». فالقضية الكردية «مسألة» للكرد الذين يبحثون عن إجابة عن السؤال المتعلق بما إن كانوا سيمنَحون دولة يوماً ما(16). لقد استخدمت القوى الخارجية والإقليمية، تاريخياً، «المسألة» نفسها للترويج لمصالحها الخاصة بها لكنها بقيت مترددة حول استعدادها لمحاولة الإجابة عن السؤال(17). ويعتبَر الكرد «مشكلة» حين تهدد أفعالهم الدول التي يعيشون فيها(18) ومصالح قوى إقليمية وخارجية؛ والقضية الكردية «مشكلة» أيضاً للكرد تحديداً كلما منعهم الاقتتال الداخلي من تحقيق أهدافهم الخاصة بهم المدفوعة بطموحاتهم القومية جداً(19). ومع ذلك، حتى، تبقى الأشكال المختلفة للمشكلات والأسئلة بالنسبة إلى الكرد في بلدان مختلفة و/أو في أوقات مختلفة جزءاً من القضية الكردية نفسها.
Page 5
وفي حالة إيران، يعتبر أولسون القضية الكردية «مسألة»، معتقداً أنَّ القوى الإقليمية تستخدم الكرد في مواجهة بعضهم بعضاً. لكن هذا الرأي ليس جديداً، فما من شيء اسمه «مسألة» محددة برز في إيران، بعيداً من القضية الكردية نفسها. واستمرت الحركة الكردية، بالنسبة إلى انقساماتها المتعددة، مهمشة من قبل الفسيفساء الثقافية المشتركة في الدولة والخاصة بالإثنيات الساعية إلى حقوق، وتحديد وضع المواطَنة على أساس الانتماء الإيراني ذي الأصول الفارسية، والحقوق الثقافية للكرد حتى ولو كانت محددة عملياً، في مقابل الجماعات الكردية الأخرى(20).
وفي حالة تركيا، يشار إلى القضية التركية باسم «المشكلة الجنوبية الشرقية» بسبب تخلف الجنوب الشرقي مقارنة بسائر الأطراف حيث تتركّز أغلبية الكرد(21). وثمة أيضاً «مشكلات» مثل «مشكلة حزب العمال الكردستاني»، وتشابك السياسات الكردية المحضة للدولة بنكران الحقوق الثقافية والإنسانية للكرد، و«المشكلة» المتمثلة بـ «عدم الاعتراف» بالكرد، وجهود الحكومة لدمجهم في الثقافة التركية بأي وسيلة(22). ووصلت القيادة التركية إلى نقطة الإعلان أنَّ لا شيء اسمه «المشكلة الكردية»(23)، لكن وفي الوقت نفسه تطرح الانقسامات الداخلية لأنقرة باعتبارها مشكلة وطنية داخلية، إلى جانب التنافس بين القيادتين السياسية والعسكرية، وكذلك تدخل الأخيرة في السياسة في شكل مباشر أو غير مباشر، ثنائيات تعيق عملية الدمقرطة الخاصة بتركيا(24).
وتتمثّل «مشكلة» أخرى في أن سياسات الدولة في شأن الكرد، بعد التجربة المدمرة لتقسيم الإمبراطورية العثمانية المتعددة الإثنية، تشكّلت من مخاوف التفكك الجغرافي. وهكذا تعتقد تركيا بأن أي تنازلات في الشأن الكردي في شكل حقوق ثقافية أو حقوق سياسية سيعزز المنظور القومي لتركيا ويجعل الكرد «مشكلة» لقيادتها(25). ويتعزز أكثر فأكثر اعتبار تركيا القضية الكردية «مشكلة» من خلال النشاطات المتطرفة لحزب العمال الكردستاني والاضطرابات التي حصلت بعد اعتقال زعيمه في كينيا (16 شباط 1999)(26). ووفق الدولة التركية، اعتبِرت القضية الكردية أيضاً بأنها «قضية عنف تشجعها قوى خارجية»(27).
وفي حالة سوريا، يتضمن الموقف الرسمي للحكومة ما يلي: «ليس ثمة ما يسمَّى مشكلة كردية في الجمهورية العربية السورية [...] ولا يشكّل الكرد مجموعة لأنهم موجودون في مختلف أرجاء البلد ويشكّلون جزءاً من نسيج المجتمع السوري»(28). وينبع هذا الموقف من الافتراض السوري بأن كرد سوريا هم أساساً مهاجرون من تركيا والعراق(29). وهذا الموقف هو ما يثير «مسألة» المواطنية الكردية والحقوق الاجتماعية، ويشرح أيضاً تحديد الكرد كصامتين أو منسيين أو أجانب(30). وأشارت البحوث في «مسألة كردية» في سوريا إلى تلاعب الدولة السورية بالكرد باعتبارهم «حصان طروادة» ضد تركيا(31). ويمكن القول إن سوريا استخدمت حزب العمال الكردستاني حتى نهاية تسعينيات القرن العشرين لزعزعة الدور السياسي لتركيا في المنطقة، وفي الوقت نفسه امتصاص أي توترات ناجمة عن القضية الكردية السورية. وتضيف سياسات الدولة، مثل حرمان الكرد من الحقوق المدنية، مشكلة أخرى إلى «المشكلات» التي يواجهها كرد سوريا(32).
وأخيراً، يبدو منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين أن القضية الكردية العراقية بدأت تسير قدماً. فحتى في ظل الاضطراب في العراق، يمثّل الاعتراف الواقعي بدلاً عن القانوني بالحكومة الإقليمية لكردستان، وتعرض وحدة المنطقة للخطر، «مشكلات» يجب حلها لتسوية القضية الكردية.
ومن خلال استخدام «نماذج» تخطيطية توضيحية، سيقدم الفصل الثاني رواية للوضع الكردي وعلاقة الكرد بالدول التي يقيمون فيها وبالولايات المتحدة. وكما أشير سابقاً، كان معظم المدى الواسع من الأدبيات المراجَعة ذا دلالة في هذا المجال. وخصِّصت كمية كبيرة للروايات التاريخية للأصول الكردية والسمات الاجتماعية والأوضاع، المنظَّمة في فصول وفق بلدان الإقامة مع بعض الإضافات من التحليل السياسي. وتعتبَر أعمال كهذه وصفية أساساً، وتتناول المشكلات الاجتماعية الكردية في البلدان التي يعيشون فيها. لكن في هذا السياق، يمكن تمييز الكتاب الأخير لنادر انتصار باعتباره ربما الكتاب الوحيد الذي يركّز على السياسة الكردية، ويضع الكرد في الطيف الإقليمي والعالمي الأوسع(33). وبعيداً من الإشارات إلى المتغيرات الدولية التي أثّرت في وضع الكرد، يبقى الكتاب موجهاً إلى السياسة المحلية والإقليمية. ويتبع انتصار رواية تاريخية جيدة جداً ومفصلة للواقع الكردي في إيران والعراق وتركيا، على الرغم من أن كرد سوريا غير مشمولين. وفي سياق السياسة الإقليمية بين الدول، يشكّل تقديمه للدوافع التي حفزت العلاقات السياسية بين الكرد والدول الإقليمية، وأثارت تدخلاً خارجياً في علاقات كهذه، محاولة ابتدائية لرؤية الأبعاد الإقليمية والدولية للقضية الكردية.
وتعتبَر كتب ديفيد ماكدويل(34)، وثلاثة أعمال لكريم يلدز(35)، وأعمال دنيز ناتالي(36)، ومارتن فان بروينسن(37)، وعبد الرحمن قاسملو(38)، ووديع جويدة(39)، مصادر يعتمَد عليها تقدّم معرفة وتحليلاً حاداً للقضية الكردية، في حين تركّز كتب أخرى حصرياً على حالة واحدة فقط أو تحديداً على جانب واحد للحالة. فكرد تركيا وإيران وسوريا والعراق لا يحلَّلون عادة كجزء من كل بل فردياً، ما يعيق فهم القضية الكردية الإجمالية. لكن حتى في هذه الحالات، يمكن للقارئ أن يطلع على التحليل المتعلق بكلٍ منها بشكل محدّد وواضح(40).
ويستخدم بعض الكتّاب القضية الكردية كأداة لشرح العلاقات بين القوى الشرق أوسطية. واشتهِر روبرت أولسون لكتابه عن علاقات تركيا بالبلدان المجاورة خلال تسعينيات القرن العشرين ولتركيزه على القضايا الكردية(41). وعولِجت القضية الكردية أيضاً من منظور قضائي/إنساني، وتعتبَر «تقارير حقوق الإنسان»، المستندة إلى بحث من قبل منظمات مثل «هيومن رايتس ووتش»، مثالاً على هذه المقاربة.
وفي حالة تركيا، يشار إلى القضية التركية باسم «المشكلة الجنوبية الشرقية» بسبب تخلف الجنوب الشرقي مقارنة بسائر الأطراف حيث تتركّز أغلبية الكرد(21). وثمة أيضاً «مشكلات» مثل «مشكلة حزب العمال الكردستاني»، وتشابك السياسات الكردية المحضة للدولة بنكران الحقوق الثقافية والإنسانية للكرد، و«المشكلة» المتمثلة بـ «عدم الاعتراف» بالكرد، وجهود الحكومة لدمجهم في الثقافة التركية بأي وسيلة(22). ووصلت القيادة التركية إلى نقطة الإعلان أنَّ لا شيء اسمه «المشكلة الكردية»(23)، لكن وفي الوقت نفسه تطرح الانقسامات الداخلية لأنقرة باعتبارها مشكلة وطنية داخلية، إلى جانب التنافس بين القيادتين السياسية والعسكرية، وكذلك تدخل الأخيرة في السياسة في شكل مباشر أو غير مباشر، ثنائيات تعيق عملية الدمقرطة الخاصة بتركيا(24).
وتتمثّل «مشكلة» أخرى في أن سياسات الدولة في شأن الكرد، بعد التجربة المدمرة لتقسيم الإمبراطورية العثمانية المتعددة الإثنية، تشكّلت من مخاوف التفكك الجغرافي. وهكذا تعتقد تركيا بأن أي تنازلات في الشأن الكردي في شكل حقوق ثقافية أو حقوق سياسية سيعزز المنظور القومي لتركيا ويجعل الكرد «مشكلة» لقيادتها(25). ويتعزز أكثر فأكثر اعتبار تركيا القضية الكردية «مشكلة» من خلال النشاطات المتطرفة لحزب العمال الكردستاني والاضطرابات التي حصلت بعد اعتقال زعيمه في كينيا (16 شباط 1999)(26). ووفق الدولة التركية، اعتبِرت القضية الكردية أيضاً بأنها «قضية عنف تشجعها قوى خارجية»(27).
وفي حالة سوريا، يتضمن الموقف الرسمي للحكومة ما يلي: «ليس ثمة ما يسمَّى مشكلة كردية في الجمهورية العربية السورية [...] ولا يشكّل الكرد مجموعة لأنهم موجودون في مختلف أرجاء البلد ويشكّلون جزءاً من نسيج المجتمع السوري»(28). وينبع هذا الموقف من الافتراض السوري بأن كرد سوريا هم أساساً مهاجرون من تركيا والعراق(29). وهذا الموقف هو ما يثير «مسألة» المواطنية الكردية والحقوق الاجتماعية، ويشرح أيضاً تحديد الكرد كصامتين أو منسيين أو أجانب(30). وأشارت البحوث في «مسألة كردية» في سوريا إلى تلاعب الدولة السورية بالكرد باعتبارهم «حصان طروادة» ضد تركيا(31). ويمكن القول إن سوريا استخدمت حزب العمال الكردستاني حتى نهاية تسعينيات القرن العشرين لزعزعة الدور السياسي لتركيا في المنطقة، وفي الوقت نفسه امتصاص أي توترات ناجمة عن القضية الكردية السورية. وتضيف سياسات الدولة، مثل حرمان الكرد من الحقوق المدنية، مشكلة أخرى إلى «المشكلات» التي يواجهها كرد سوريا(32).
وأخيراً، يبدو منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين أن القضية الكردية العراقية بدأت تسير قدماً. فحتى في ظل الاضطراب في العراق، يمثّل الاعتراف الواقعي بدلاً عن القانوني بالحكومة الإقليمية لكردستان، وتعرض وحدة المنطقة للخطر، «مشكلات» يجب حلها لتسوية القضية الكردية.
ومن خلال استخدام «نماذج» تخطيطية توضيحية، سيقدم الفصل الثاني رواية للوضع الكردي وعلاقة الكرد بالدول التي يقيمون فيها وبالولايات المتحدة. وكما أشير سابقاً، كان معظم المدى الواسع من الأدبيات المراجَعة ذا دلالة في هذا المجال. وخصِّصت كمية كبيرة للروايات التاريخية للأصول الكردية والسمات الاجتماعية والأوضاع، المنظَّمة في فصول وفق بلدان الإقامة مع بعض الإضافات من التحليل السياسي. وتعتبَر أعمال كهذه وصفية أساساً، وتتناول المشكلات الاجتماعية الكردية في البلدان التي يعيشون فيها. لكن في هذا السياق، يمكن تمييز الكتاب الأخير لنادر انتصار باعتباره ربما الكتاب الوحيد الذي يركّز على السياسة الكردية، ويضع الكرد في الطيف الإقليمي والعالمي الأوسع(33). وبعيداً من الإشارات إلى المتغيرات الدولية التي أثّرت في وضع الكرد، يبقى الكتاب موجهاً إلى السياسة المحلية والإقليمية. ويتبع انتصار رواية تاريخية جيدة جداً ومفصلة للواقع الكردي في إيران والعراق وتركيا، على الرغم من أن كرد سوريا غير مشمولين. وفي سياق السياسة الإقليمية بين الدول، يشكّل تقديمه للدوافع التي حفزت العلاقات السياسية بين الكرد والدول الإقليمية، وأثارت تدخلاً خارجياً في علاقات كهذه، محاولة ابتدائية لرؤية الأبعاد الإقليمية والدولية للقضية الكردية.
وتعتبَر كتب ديفيد ماكدويل(34)، وثلاثة أعمال لكريم يلدز(35)، وأعمال دنيز ناتالي(36)، ومارتن فان بروينسن(37)، وعبد الرحمن قاسملو(38)، ووديع جويدة(39)، مصادر يعتمَد عليها تقدّم معرفة وتحليلاً حاداً للقضية الكردية، في حين تركّز كتب أخرى حصرياً على حالة واحدة فقط أو تحديداً على جانب واحد للحالة. فكرد تركيا وإيران وسوريا والعراق لا يحلَّلون عادة كجزء من كل بل فردياً، ما يعيق فهم القضية الكردية الإجمالية. لكن حتى في هذه الحالات، يمكن للقارئ أن يطلع على التحليل المتعلق بكلٍ منها بشكل محدّد وواضح(40).
ويستخدم بعض الكتّاب القضية الكردية كأداة لشرح العلاقات بين القوى الشرق أوسطية. واشتهِر روبرت أولسون لكتابه عن علاقات تركيا بالبلدان المجاورة خلال تسعينيات القرن العشرين ولتركيزه على القضايا الكردية(41). وعولِجت القضية الكردية أيضاً من منظور قضائي/إنساني، وتعتبَر «تقارير حقوق الإنسان»، المستندة إلى بحث من قبل منظمات مثل «هيومن رايتس ووتش»، مثالاً على هذه المقاربة.
Page 6
وتتميز أعمال أكاديمية أخرى لمساهمتها إما على صعيد تنوع الأدوات المنهجية المستخدمة وتقديمها مواد أولية، وإما لأنها تستخدم طرقاً بديلة لمقاربة القضية الكردية. وفي المجموعتين الأوليين، يمكن للمرء تحديد عمل إدمون غريب(42) وغاريث ستانسفيلد(43) للمعلومات الأولية المستندة إلى مقابلات أجراها الكاتب الأول في العراق والثاني في المنطقة الكردية. ولبياناته الأولية، يقدّم كتاب سافاس كاليديريدس (1999) عن اعتقال عبد الله أوجلان رواية شاهد وكشوفاً(44). وينطبق الأمر نفسه على عمل أليزا ماركوس(45) الذي يعتبَر، على الرغم من نقاط ضعفه(46)، قيّماً للمقابلات التي أجراها الكاتب مع أعضاء سابقين في حزب العمال الكردستاني، فيما يعتبَر كتاب سامانثا باور(47) ربما أفضل دراسة تكشف موقع مجلس الشيوخ الأميركي إزاء الكرد في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن العشرين. وفي المجموعة الثالثة، تعتبَر التحليلات المتبعة في كتابات جيمس سيمنت(48) ونادر انتصار(49) ذات دلالة، ويصح ذلك أيضاً في كتب كريينبروك وسبيرل(50) وباركي وفولر(51).
وفي خصوص كرد تركيا، يبرز كتاب عمر تاسبينار عملاً ممتازاً(52)، فيما يعتبَر عمل لقمان محو ربما العمل الأول الذي يتعامل جدياً مع كرد لبنان(53). وعلى صعيد تأملاته الجديدة، قد يكون كتاب ميتين هيبر الكتاب الوحيد الذي يصف الموقف التركي الرسمي إزاء القضية الكردية التركية(54)، وعلى الرغم من أن مساهمة هاكان أوزوغلو أساساً مقاربة تاريخية، فهي أيضاً مفيدة جداً(55). ومن المطبوعات المميزة لمصادرها المفيدة عن السياسة الخارجية الأميركية عموماً وتلك المتعلقة بالشرق الأوسط خصوصاً، المطبوعات الخاصة بلاري إفرست(56) وآل تيشر(57). وفي خصوص فهم لمسائل السياسة الخارجية، مع تركيز على الولايات المتحدة، ثمة وفرة في الأعمال. وكانت كتابات جون دمبرل(58)، وغلين بي هاستيدت(59)، وكريستوفر كوكر(60)، وداكرتي وفالتزغراف(61)، وسميث وهادفيلد ودان(62)، ناهيك عن هنري كيسنجر، مفيدة خصوصاً في بحثي.
وكان العمل الوحيد عن السياسة الخارجية الأميركية والكرد تحديداً كتاب لمحو ونعمة. ووفق الكاتبين، يمثّل العمل في بساطة مصدراً عن الموضوع يستهدف توجيه الباحثين المستقبليين وهو مفيد فعلاً(63). ولم يكن من كتاب عن السياسة الخارجية الأميركية والكرد تحديداً. وفي خصوص الأدبيات الراهنة، يتركّز معظمها على الكرد وعلاقتهم بالقوى الخارجية والإقليمية، في مقابل نقص واضح لأي تحليل سياسي لتطور القضية الكردية نفسها، ما يقترح وجود دراسات أكاديمية قليلة جداً عن القضية الكردية ككل التي تكون أحياناً كثيرة جزءاً من كتابات عن مسائل في الشرق الأوسط الأوسع، وبذلك تطغى هذه المسائل على القضية. وفي ظاهرة لافتة كذلك، ما من معالجة نظرية لعلاقات الكرد بالدول الإقليمية أو الولايات المتحدة، أو لموقفهم في النظام الدولي ككل. كذلك وفيما كتِب كثير عن كرد تركيا والعراق، تتصف الأدبيات عن وضع الكرد في إيران وسوريا بأنها غير مناسبة خصوصاً(64).
ويشار إلى أن المرء يستطيع أن يلاحظ في بعض الأدبيات انحيازاً لمصلحة القضية الكردية أو ضدها. وهكذا وعلى الرغم من أن عمل غريب على مواد أرشيفية أولية لافت، تبدو موازنته بين المصادر متأثرة بالجانب العراقي(65). وفي هذا السياق، رفِضت دعاويه بأن صدام حسين، خلال «مفاوضات المانيفستو« في سبعينيات القرن العشرين، واستعداداً منه لحل القضية الكردية، «قدّم [إلى بارزاني] أوراقاً فارغة ليكتب عليها مطالبه، أشار إلى أنه لن يغادر إلى أن يوقّعها الطرفان»، وذلك من قبل محمود عثمان، الذي شارك من ضمن الوفد الكردي(66).
وهكذا يتضح أن هذا الكتاب محق في معالجة القضية الكردية من زاوية تركّز على تفاعلات الكرد مع القوى الإقليمية والدولية، مثل الولايات المتحدة، كجزء جوهري من القضية، وتتفحص أيضاً كيف ينهمك الكرد في التطورات الإقليمية والدولية، فيما تركّز في الوقت نفسه على التفاعلات بين الكرد.
وفي خصوص كرد تركيا، يبرز كتاب عمر تاسبينار عملاً ممتازاً(52)، فيما يعتبَر عمل لقمان محو ربما العمل الأول الذي يتعامل جدياً مع كرد لبنان(53). وعلى صعيد تأملاته الجديدة، قد يكون كتاب ميتين هيبر الكتاب الوحيد الذي يصف الموقف التركي الرسمي إزاء القضية الكردية التركية(54)، وعلى الرغم من أن مساهمة هاكان أوزوغلو أساساً مقاربة تاريخية، فهي أيضاً مفيدة جداً(55). ومن المطبوعات المميزة لمصادرها المفيدة عن السياسة الخارجية الأميركية عموماً وتلك المتعلقة بالشرق الأوسط خصوصاً، المطبوعات الخاصة بلاري إفرست(56) وآل تيشر(57). وفي خصوص فهم لمسائل السياسة الخارجية، مع تركيز على الولايات المتحدة، ثمة وفرة في الأعمال. وكانت كتابات جون دمبرل(58)، وغلين بي هاستيدت(59)، وكريستوفر كوكر(60)، وداكرتي وفالتزغراف(61)، وسميث وهادفيلد ودان(62)، ناهيك عن هنري كيسنجر، مفيدة خصوصاً في بحثي.
وكان العمل الوحيد عن السياسة الخارجية الأميركية والكرد تحديداً كتاب لمحو ونعمة. ووفق الكاتبين، يمثّل العمل في بساطة مصدراً عن الموضوع يستهدف توجيه الباحثين المستقبليين وهو مفيد فعلاً(63). ولم يكن من كتاب عن السياسة الخارجية الأميركية والكرد تحديداً. وفي خصوص الأدبيات الراهنة، يتركّز معظمها على الكرد وعلاقتهم بالقوى الخارجية والإقليمية، في مقابل نقص واضح لأي تحليل سياسي لتطور القضية الكردية نفسها، ما يقترح وجود دراسات أكاديمية قليلة جداً عن القضية الكردية ككل التي تكون أحياناً كثيرة جزءاً من كتابات عن مسائل في الشرق الأوسط الأوسع، وبذلك تطغى هذه المسائل على القضية. وفي ظاهرة لافتة كذلك، ما من معالجة نظرية لعلاقات الكرد بالدول الإقليمية أو الولايات المتحدة، أو لموقفهم في النظام الدولي ككل. كذلك وفيما كتِب كثير عن كرد تركيا والعراق، تتصف الأدبيات عن وضع الكرد في إيران وسوريا بأنها غير مناسبة خصوصاً(64).
ويشار إلى أن المرء يستطيع أن يلاحظ في بعض الأدبيات انحيازاً لمصلحة القضية الكردية أو ضدها. وهكذا وعلى الرغم من أن عمل غريب على مواد أرشيفية أولية لافت، تبدو موازنته بين المصادر متأثرة بالجانب العراقي(65). وفي هذا السياق، رفِضت دعاويه بأن صدام حسين، خلال «مفاوضات المانيفستو« في سبعينيات القرن العشرين، واستعداداً منه لحل القضية الكردية، «قدّم [إلى بارزاني] أوراقاً فارغة ليكتب عليها مطالبه، أشار إلى أنه لن يغادر إلى أن يوقّعها الطرفان»، وذلك من قبل محمود عثمان، الذي شارك من ضمن الوفد الكردي(66).
وهكذا يتضح أن هذا الكتاب محق في معالجة القضية الكردية من زاوية تركّز على تفاعلات الكرد مع القوى الإقليمية والدولية، مثل الولايات المتحدة، كجزء جوهري من القضية، وتتفحص أيضاً كيف ينهمك الكرد في التطورات الإقليمية والدولية، فيما تركّز في الوقت نفسه على التفاعلات بين الكرد.
Page 7
4 نقد للتعريفات الاصطلاحية في الأدبيات
لدى معالجة الاصطلاحات في الأدبيات المتعلقة بالكرد، وفي تقديم نقد مختصر لها، أقول بأن من المبرر الإشارة إليهم بأنهم لاعبون «لا يشكّلون دولة». ومن ضمن العلاقات الدولية، وبعيداً عن اللاعبين الذين يشكّلون دولاً، نرى أنَّ الوحدات الأساسية التي تفعل وتتفاعل هي عبارة عن أفراد يتحركون إما بشكل مستقل وإما على أساس جماعي من ضمن مجموعات. ويعمل هؤلاء اللاعبون أساساً خدمة لمصالحهم الخاصة بهم أو يمكن أن يشكّلوا أعضاء في مجموعات أكبر. وهكذا يعتبر فهمي للاعبين الذين لا يشكّلون دولاً كلاعبين غير منظمين في دولة، ويتسمون بوضع خاص بنواة غير متبلورة لدولة، ويشكّلون مجموعة من الأفراد من ذوي الأهداف المشتركة والقادرين على التفاعل في النظام الدولي. ولذلك يمكن لهويتهم أن تتغير؛ فهم يمكن أن يكونوا (أ) مستقلين، أو (2) منتمين إلى دولة (أو مجموعة دول)، أو (ج) منظمات غير حكومية، أو (د) فروعاً لمجموعات تحت مجموعة قائدة، أو (هـ) كياناً معترفاً به دولياً. ويمكنهم أن يكونوا لاعبين اقتصاديين أو دينيين أو اجتماعيين – سياسيين، يمارسون في الأحوال كلها نفوذاً سياسياً.
يمضي هذا الكتاب على أساس أن إطاراً مطلوباً «يجمع اللاعبين الذين يشكّلون دولاً بالذين لا يفعلون» لأن «العلاقات الدولية في القرن العشرين شكّلها وقادها لاعبون لا يشكّلون دولاً»، ولندرة المراجع الأكاديمية عن اللاعبين السياسيين الذين لا يشكّلون دولاً(67). وكان للعولمة، وقيام كثير من المنظمات غير الحكومية التي لا تشكّل دولاً وذات التوجه الاقتصادي منذ ثمانينيات القرن العشرين، وقيام لاعبين لا يشكّلون دولاً ذوي توجه قومي منذ ستينيات القرن العشرين، وقيام لاعبين جدد بعد أحداث 11 أيلول، ودور حزب العمال الكردستاني في تأسيس الحكومة الإقليمية لكردستان (أيار 1992)، تأثيرات في المجتمع الدولي، وهي تقترح حاجة إلى درس هؤلاء اللاعبين الذين لا يشكّلون دولاً ويفرضون أجندتهم الخاصة بهم في مجال السياسة الخارجية على العلاقات الدولية.
وثمة أيضاً ثلاثة أسباب للأهمية الحاسمة لحالة الكرد كلاعب لا يشكّل دولة بالنسبة إلى نظرية العلاقات الدولية. أولاً، وكما أشير سابقاً، ثمة مراجع أكاديمية قليلة عن قيام لاعبين لا يشكّلون دولاً كلاعبين نافذين في العلاقات الدولية المتفاعلة مع سلطة الدولة. وهكذا يحدَّد نقص الأدبيات الحالية في تغطية المجموعات الدينية والسياسية. وعلى هذه الأسس، يعالج الكتاب العلاقة بين هؤلاء اللاعبين والآخرين الذين لا يفعلون في محاولة لملء الفراغ الناجم عن فشل منظّري العلاقات الدولية المنضوين في التيار السائد في هذا المجال(68).
ويتركّز معظم الأدبيات حول اللاعبين الذين لا يشكّلون دولاً أساساً على المنظمات غير الحكومية، والمنظمات الدولية والمؤسسات الاقتصادية. وليس أرنولد ولفرز الأكاديمي الوحيد الذي اعتبر المؤسسات الاقتصادية والمنظمات الدولية اللاعبين الذين لا يشكّلون دولاً في العلاقات الدولية(69)، فيما يكرّس فيربيك وفان أفورد فصلاً كاملاً لتأثير اللاعبين الاقتصاديين في السياسة الدولية، كتأثير التمويل المشترك للمنظمات، مثلاً(70). وبالطريقة نفسها، يساوي بورشيل بين هذا النوع من اللاعبين و«المؤسسات العابرة للقوميات، ومجموعات الاستثمار، واللاعبين الاقتصاديين»(71)، فيما يعتبر بييلر مؤسسات كهذه «مؤسسات من القطاع الخاص تتخذ دور لاعبين»، تتوزع في دورها إلى مؤسسات عابرة للقوميات، وحركات اجتماعية متعددة الجنسية، ومنظمات غير حكومية (أو حركات اجتماعية عالمية)، ويمكن لهذه الكيانات أن تكون مرعية مجتمعياً، كما هي الحال في الأغلب في الغرب، أو مرعية من قبل دولة (أي المنظمات غير الحكومية المتلاعَب بها، والمنظمات غير الحكومية المنظمة حكومياً)(72). كذلك يشير آرتس ونورمان ورينالدا، إلى جانب مانسباش وفيرغسون ولامبرت، إلى كيفية تأثير مؤسسات اقتصادية مثل منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي، ومنظمات دولية مثل الأمم المتحدة، في النظام الدولي(73). ويؤمن هؤلاء الكتّاب في عمق بأهمية لاعبين كهؤلاء باعتبارهم ممثلين لمصالح الدولة(74).
ويناقش مانسباش وآخرون الانهماك الكبير للمؤسسات المتعددة الجنسية مثل «جنرال موتورز» في النزاعات العالمية، ويؤكدون أن العالم المعتمد على بعضه بعضاً اقتصادياً يتوسع(75). ويحدّد ستايلز أيضاً منظمات دولية مثل «أوكسفام» ومحلية مثل «بنك غرامين» كلاعبين لا يشكّلون دولاً(76). ويجب عدم استثناء النقابات المهنية، فهي كانت نافذة خصوصاً في عملية صنع القرار منذ 1945، ليس أقله في حالة الولايات المتحدة(77). فخلال الفترة التي أمضاها الملا مصطفى بارزاني في الولايات المتحدة، يقال إن السناتور كنيدي، رئيس الحركة العمالية، دفع وزارة الخارجية إلى منح الزعيم الكردي تأشيرة(78).
وينظر ويتاكر وبعض الكتّاب الآخرين إلى هؤلاء اللاعبين من زاوية أخرى غير اقتصادية(79). وهكذا تصنَّف مؤسسات البحوث باعتبارها منظمات لا تتوخى الربح(80)، وجيوش المرتزقة(81)، والشتات(82)، كذلك كلاعبين من النمط ذاته. ويناقش والتر المؤسسات العابرة للقوميات والمتمتعة بمجموعات ضغط كلاعبين لا يشكّلون دولاً منذ سبعينيات القرن العشرين(83)، ويبرز دالاكورا في معظم الأدبيات بالتركيز على الحركات الإسلامية باعتبارها أيضاً من ضمن اللاعبين العابرين للقوميات(84)، ويشرح تايلور دور المجموعات الإثنية العابرة للقوميات(85).
لدى معالجة الاصطلاحات في الأدبيات المتعلقة بالكرد، وفي تقديم نقد مختصر لها، أقول بأن من المبرر الإشارة إليهم بأنهم لاعبون «لا يشكّلون دولة». ومن ضمن العلاقات الدولية، وبعيداً عن اللاعبين الذين يشكّلون دولاً، نرى أنَّ الوحدات الأساسية التي تفعل وتتفاعل هي عبارة عن أفراد يتحركون إما بشكل مستقل وإما على أساس جماعي من ضمن مجموعات. ويعمل هؤلاء اللاعبون أساساً خدمة لمصالحهم الخاصة بهم أو يمكن أن يشكّلوا أعضاء في مجموعات أكبر. وهكذا يعتبر فهمي للاعبين الذين لا يشكّلون دولاً كلاعبين غير منظمين في دولة، ويتسمون بوضع خاص بنواة غير متبلورة لدولة، ويشكّلون مجموعة من الأفراد من ذوي الأهداف المشتركة والقادرين على التفاعل في النظام الدولي. ولذلك يمكن لهويتهم أن تتغير؛ فهم يمكن أن يكونوا (أ) مستقلين، أو (2) منتمين إلى دولة (أو مجموعة دول)، أو (ج) منظمات غير حكومية، أو (د) فروعاً لمجموعات تحت مجموعة قائدة، أو (هـ) كياناً معترفاً به دولياً. ويمكنهم أن يكونوا لاعبين اقتصاديين أو دينيين أو اجتماعيين – سياسيين، يمارسون في الأحوال كلها نفوذاً سياسياً.
يمضي هذا الكتاب على أساس أن إطاراً مطلوباً «يجمع اللاعبين الذين يشكّلون دولاً بالذين لا يفعلون» لأن «العلاقات الدولية في القرن العشرين شكّلها وقادها لاعبون لا يشكّلون دولاً»، ولندرة المراجع الأكاديمية عن اللاعبين السياسيين الذين لا يشكّلون دولاً(67). وكان للعولمة، وقيام كثير من المنظمات غير الحكومية التي لا تشكّل دولاً وذات التوجه الاقتصادي منذ ثمانينيات القرن العشرين، وقيام لاعبين لا يشكّلون دولاً ذوي توجه قومي منذ ستينيات القرن العشرين، وقيام لاعبين جدد بعد أحداث 11 أيلول، ودور حزب العمال الكردستاني في تأسيس الحكومة الإقليمية لكردستان (أيار 1992)، تأثيرات في المجتمع الدولي، وهي تقترح حاجة إلى درس هؤلاء اللاعبين الذين لا يشكّلون دولاً ويفرضون أجندتهم الخاصة بهم في مجال السياسة الخارجية على العلاقات الدولية.
وثمة أيضاً ثلاثة أسباب للأهمية الحاسمة لحالة الكرد كلاعب لا يشكّل دولة بالنسبة إلى نظرية العلاقات الدولية. أولاً، وكما أشير سابقاً، ثمة مراجع أكاديمية قليلة عن قيام لاعبين لا يشكّلون دولاً كلاعبين نافذين في العلاقات الدولية المتفاعلة مع سلطة الدولة. وهكذا يحدَّد نقص الأدبيات الحالية في تغطية المجموعات الدينية والسياسية. وعلى هذه الأسس، يعالج الكتاب العلاقة بين هؤلاء اللاعبين والآخرين الذين لا يفعلون في محاولة لملء الفراغ الناجم عن فشل منظّري العلاقات الدولية المنضوين في التيار السائد في هذا المجال(68).
ويتركّز معظم الأدبيات حول اللاعبين الذين لا يشكّلون دولاً أساساً على المنظمات غير الحكومية، والمنظمات الدولية والمؤسسات الاقتصادية. وليس أرنولد ولفرز الأكاديمي الوحيد الذي اعتبر المؤسسات الاقتصادية والمنظمات الدولية اللاعبين الذين لا يشكّلون دولاً في العلاقات الدولية(69)، فيما يكرّس فيربيك وفان أفورد فصلاً كاملاً لتأثير اللاعبين الاقتصاديين في السياسة الدولية، كتأثير التمويل المشترك للمنظمات، مثلاً(70). وبالطريقة نفسها، يساوي بورشيل بين هذا النوع من اللاعبين و«المؤسسات العابرة للقوميات، ومجموعات الاستثمار، واللاعبين الاقتصاديين»(71)، فيما يعتبر بييلر مؤسسات كهذه «مؤسسات من القطاع الخاص تتخذ دور لاعبين»، تتوزع في دورها إلى مؤسسات عابرة للقوميات، وحركات اجتماعية متعددة الجنسية، ومنظمات غير حكومية (أو حركات اجتماعية عالمية)، ويمكن لهذه الكيانات أن تكون مرعية مجتمعياً، كما هي الحال في الأغلب في الغرب، أو مرعية من قبل دولة (أي المنظمات غير الحكومية المتلاعَب بها، والمنظمات غير الحكومية المنظمة حكومياً)(72). كذلك يشير آرتس ونورمان ورينالدا، إلى جانب مانسباش وفيرغسون ولامبرت، إلى كيفية تأثير مؤسسات اقتصادية مثل منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي، ومنظمات دولية مثل الأمم المتحدة، في النظام الدولي(73). ويؤمن هؤلاء الكتّاب في عمق بأهمية لاعبين كهؤلاء باعتبارهم ممثلين لمصالح الدولة(74).
ويناقش مانسباش وآخرون الانهماك الكبير للمؤسسات المتعددة الجنسية مثل «جنرال موتورز» في النزاعات العالمية، ويؤكدون أن العالم المعتمد على بعضه بعضاً اقتصادياً يتوسع(75). ويحدّد ستايلز أيضاً منظمات دولية مثل «أوكسفام» ومحلية مثل «بنك غرامين» كلاعبين لا يشكّلون دولاً(76). ويجب عدم استثناء النقابات المهنية، فهي كانت نافذة خصوصاً في عملية صنع القرار منذ 1945، ليس أقله في حالة الولايات المتحدة(77). فخلال الفترة التي أمضاها الملا مصطفى بارزاني في الولايات المتحدة، يقال إن السناتور كنيدي، رئيس الحركة العمالية، دفع وزارة الخارجية إلى منح الزعيم الكردي تأشيرة(78).
وينظر ويتاكر وبعض الكتّاب الآخرين إلى هؤلاء اللاعبين من زاوية أخرى غير اقتصادية(79). وهكذا تصنَّف مؤسسات البحوث باعتبارها منظمات لا تتوخى الربح(80)، وجيوش المرتزقة(81)، والشتات(82)، كذلك كلاعبين من النمط ذاته. ويناقش والتر المؤسسات العابرة للقوميات والمتمتعة بمجموعات ضغط كلاعبين لا يشكّلون دولاً منذ سبعينيات القرن العشرين(83)، ويبرز دالاكورا في معظم الأدبيات بالتركيز على الحركات الإسلامية باعتبارها أيضاً من ضمن اللاعبين العابرين للقوميات(84)، ويشرح تايلور دور المجموعات الإثنية العابرة للقوميات(85).
Page 8
لكن حتى تعريف اللاعبين الذين لا يشكّلون دولاً يبدو إشكالياً. ففيما يعرّفهم تايلور ببساطة بأنهم «كيانات تختلف عن الأمم – الدول التي تتفاعل في النظام السياسي الدولي»، يفرض شروطاً على الرغم من ذلك: يمكن للاعبين الذين لا يشكّلون دولاً أن يكونوا إما أفراداً أو مجموعات يشكّلون أقل من دول وعابرين للقوميات، مثل المنظمات غير الحكومية، فيقيمون في دولتين أو أكثر، أو تلك المنظمة رسمياً مثل المنظمات الحكومية الدولية. كذلك يمكن أن يتراوحوا نوعاً من اقتصاديين (مثلاً، المؤسسات المتعددة الجنسية) وسياسيين (مثلاً، المنظمات السياسية) إلى أمنيين (المؤسسات الهادفة إلى أمن جماعي) أو ثقافيين وتقنيين (تربطهم روابط إثنية وقومية ودينية)، وتحصل عملياتهم على المستويين الإقليمي والفوق إقليمي(86). ويتّسم بالتعميم رأيه بأن الكرد «مقاتلون في سبيل الحرية والتحرر القومي» وهم «يعيشون في دولتين أو أكثر [و] أي من هذه الدول التي ليست تحت سيطرتهم»(87).
وفي الوقت نفسه، تفتقر إلى الواقعية إلى حد ما الإشارات إلى الكرد كحركة قومية ذات أهداف تتسم بالنسبية مقارنة بأهدافهم المتعلقة بـ «حكم ذاتي ودولة جديدة»، على الرغم من أن بعض المجموعات تستخدم وسائل عنيفة. كذلك تعتبَر ملاحظة الكاتب لواقع أن الكرد، كلاعبين سياسيين، لم يملكوا يوماً منظمة عابرة للقوميات، فرضية في ضوء التنوع بين الحركات الكردية، إلى جانب إستراتيجياتها ودعاويها المختلفة(88). ويميز كتاب تايلور طريقته في المساواة بين المجموعات الإثنية العابرة للقوميات بالمنظمات الإرهابية التي تتصرف بعنف فتضع بالتالي النظام الدولي في خطر.
ووفق جوسلين ووالاس، يعتبَر اللاعبون الذين لا يشكّلون دولاً «مستقلين ذاتياً عن سيطرة الحكومة المركزية، وينجمون عن المجتمع المدني أو اقتصاد السوق، ويعملون في شبكات عابرة للقوميات عبر حدود دولتين أو أكثر». وهم يؤثرون أيضاً في النتائج السياسية(89). في هذه الأثناء، يعرّف هاليداي هؤلاء اللاعبين بأنهم كيانات «لا تشكّل دولة» ومستقلة جزئياً عن الدول، لكن الدول تؤثّر فيها على الرغم من ذلك(90). وهكذا يمكن لهم أن يكونوا منظمات غير حكومية، وكنائس، وحركات اجتماعية، ومنظمات جرمية، ومجموعات الضغط التي تؤثر في السياسة الأميركية(91)، وهو يلحظ خمسة أنواع هي الآتية: المنظمات غير الحكومية، مثل «منظمة العفو الدولية»، ومجموعات الأعمال، والكيانات الدينية، إلى جانب المنظمات السياسية والجرمية(92). لكن اللاعبين الذين لا يشكّلون دولاً وصِفوا أيضاً بـ «لاعبين خاصين» في تفاعلهم مع الدولة(93). لكن كتّاباً آخرين يؤكدون اعتماد اللاعبين الذين لا يشكّلون دولاً على تمويل حكومي، يمكن أن يفضي إلى تحولهم جزءاً من الآلة البيروقراطية(94). وفي هذه الظروف، يجب تأطير هؤلاء وفق السياق الذي ينشأون منه، وأن يبقوا لذلك، وفي موازاة دراسة الحالة الخاضعة للتدقيق، خالين من أي تحيزات بديهية وفرضيات وتصنيفات عامة.
وإذ آخذ في الحسبان الوضع المختلف للكرد في العراق كدولة واقعية منذ تسعينيات القرن العشرين، أصنف الكرد كياناً لا يشكّل دولة، مفضلة ذلك على سمات مثل «من دون أرض» أو «من دون دولة» أو «وكلاء» أو «بيادق» أو «أقلية». ويعرّف فيليب تايلور اللاعبين الذين لا يشكّلون دولاً بأنهم «كيانات تختلف عن الأمم – الدول التي تتفاعل في النظام السياسي الدولي»، وهكذا تشير اتفاقية كوتونو بين الاتحاد الأوروبي وبلدان الجنوب النامي إلى اللاعبين هؤلاء بأنهم يشملون المجتمع المدني بكل تنوعه(95). لكن الكيانات التي لا تشكّل دولاً تعتبَر أنها كيانات «تنجم عن المجتمع المدني، وتعمل على مستوى عابر للأمم، وتؤثر في النتائج السياسية، وهي ذات استقلال ذاتي عن الحكومة المركزية»(96).
وعلى الرغم من أن الكرد يتمتعون باستقلال ذاتي جزئي، هم «إثنية» عابرة للقوميات تقيم في بلد أو أكثر وتعمل على المستويين الإقليمي والفوق إقليمي(97). ووفق تصنيف فيليب تايلور، يمكن للاعبين الذين لا يشكّلون دولاً أن يكونوا عابرين للقوميات ومنظمين رسمياً، فيما هم مميزون كلاعبين اقتصاديين أو سياسيين أو أمنيين أو ثقافيين – عقيديين. وهكذا ووفق الكاتب نفسه، يناسب الكرد الأنواع الأول والرابع والأخير(98). لكن شرحاً فضفاضاً أكثر لوضع اللادولة الخاص بالكرد قد يعتبرهم «لاعبين ليسوا دولاً لكنهم يؤثّرون في هذه الدول وسياساتها الخارجية»(99).
لقد رفع الكرد مطالبهم في شأن الدولة منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية، واعتبِرت هذه المطالب في شأن الحكم الذاتي في كيان جغرافي محدد مساوية للقضية الكردية، التي كان دورها مركزياً في التطورات الإقليمية. لكن تصنيف الكرد بأنهم «من دون أرض» أو «من دون دولة» غير مناسب لدى تفحص دلالات التعبير بشكل دقيق. فمن الواضح أنهم ليسوا «من دون أرض». إنهم يسكنون مناطق محددة، وهم، وباستثناء بعضهم في سوريا، يملكون إمكانية الوصول إلى أرض، إذا أخذنا في الحسبان استقرارهم في الجنوب الشرقي لتركيا، والشمال الشرقي لسوريا، والعراق، وغرب إيران. وهم ليسوا كذلك «من دون دولة»، فهم، كلٌّ على حدة، يملكون عموماً مواطَنة، وكذلك وباستثناء بعضهم في سوريا أيضاً، لا يشاركون في قضايا الشأن العام كمواطنين للدولة التي يقيمون فيها(100). لذلك على أي تصنيف يطبَّق على الكرد من ضمن فهم عام أن يأخذ تنوعهم في الحسبان.
وفي الوقت نفسه، تفتقر إلى الواقعية إلى حد ما الإشارات إلى الكرد كحركة قومية ذات أهداف تتسم بالنسبية مقارنة بأهدافهم المتعلقة بـ «حكم ذاتي ودولة جديدة»، على الرغم من أن بعض المجموعات تستخدم وسائل عنيفة. كذلك تعتبَر ملاحظة الكاتب لواقع أن الكرد، كلاعبين سياسيين، لم يملكوا يوماً منظمة عابرة للقوميات، فرضية في ضوء التنوع بين الحركات الكردية، إلى جانب إستراتيجياتها ودعاويها المختلفة(88). ويميز كتاب تايلور طريقته في المساواة بين المجموعات الإثنية العابرة للقوميات بالمنظمات الإرهابية التي تتصرف بعنف فتضع بالتالي النظام الدولي في خطر.
ووفق جوسلين ووالاس، يعتبَر اللاعبون الذين لا يشكّلون دولاً «مستقلين ذاتياً عن سيطرة الحكومة المركزية، وينجمون عن المجتمع المدني أو اقتصاد السوق، ويعملون في شبكات عابرة للقوميات عبر حدود دولتين أو أكثر». وهم يؤثرون أيضاً في النتائج السياسية(89). في هذه الأثناء، يعرّف هاليداي هؤلاء اللاعبين بأنهم كيانات «لا تشكّل دولة» ومستقلة جزئياً عن الدول، لكن الدول تؤثّر فيها على الرغم من ذلك(90). وهكذا يمكن لهم أن يكونوا منظمات غير حكومية، وكنائس، وحركات اجتماعية، ومنظمات جرمية، ومجموعات الضغط التي تؤثر في السياسة الأميركية(91)، وهو يلحظ خمسة أنواع هي الآتية: المنظمات غير الحكومية، مثل «منظمة العفو الدولية»، ومجموعات الأعمال، والكيانات الدينية، إلى جانب المنظمات السياسية والجرمية(92). لكن اللاعبين الذين لا يشكّلون دولاً وصِفوا أيضاً بـ «لاعبين خاصين» في تفاعلهم مع الدولة(93). لكن كتّاباً آخرين يؤكدون اعتماد اللاعبين الذين لا يشكّلون دولاً على تمويل حكومي، يمكن أن يفضي إلى تحولهم جزءاً من الآلة البيروقراطية(94). وفي هذه الظروف، يجب تأطير هؤلاء وفق السياق الذي ينشأون منه، وأن يبقوا لذلك، وفي موازاة دراسة الحالة الخاضعة للتدقيق، خالين من أي تحيزات بديهية وفرضيات وتصنيفات عامة.
وإذ آخذ في الحسبان الوضع المختلف للكرد في العراق كدولة واقعية منذ تسعينيات القرن العشرين، أصنف الكرد كياناً لا يشكّل دولة، مفضلة ذلك على سمات مثل «من دون أرض» أو «من دون دولة» أو «وكلاء» أو «بيادق» أو «أقلية». ويعرّف فيليب تايلور اللاعبين الذين لا يشكّلون دولاً بأنهم «كيانات تختلف عن الأمم – الدول التي تتفاعل في النظام السياسي الدولي»، وهكذا تشير اتفاقية كوتونو بين الاتحاد الأوروبي وبلدان الجنوب النامي إلى اللاعبين هؤلاء بأنهم يشملون المجتمع المدني بكل تنوعه(95). لكن الكيانات التي لا تشكّل دولاً تعتبَر أنها كيانات «تنجم عن المجتمع المدني، وتعمل على مستوى عابر للأمم، وتؤثر في النتائج السياسية، وهي ذات استقلال ذاتي عن الحكومة المركزية»(96).
وعلى الرغم من أن الكرد يتمتعون باستقلال ذاتي جزئي، هم «إثنية» عابرة للقوميات تقيم في بلد أو أكثر وتعمل على المستويين الإقليمي والفوق إقليمي(97). ووفق تصنيف فيليب تايلور، يمكن للاعبين الذين لا يشكّلون دولاً أن يكونوا عابرين للقوميات ومنظمين رسمياً، فيما هم مميزون كلاعبين اقتصاديين أو سياسيين أو أمنيين أو ثقافيين – عقيديين. وهكذا ووفق الكاتب نفسه، يناسب الكرد الأنواع الأول والرابع والأخير(98). لكن شرحاً فضفاضاً أكثر لوضع اللادولة الخاص بالكرد قد يعتبرهم «لاعبين ليسوا دولاً لكنهم يؤثّرون في هذه الدول وسياساتها الخارجية»(99).
لقد رفع الكرد مطالبهم في شأن الدولة منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية، واعتبِرت هذه المطالب في شأن الحكم الذاتي في كيان جغرافي محدد مساوية للقضية الكردية، التي كان دورها مركزياً في التطورات الإقليمية. لكن تصنيف الكرد بأنهم «من دون أرض» أو «من دون دولة» غير مناسب لدى تفحص دلالات التعبير بشكل دقيق. فمن الواضح أنهم ليسوا «من دون أرض». إنهم يسكنون مناطق محددة، وهم، وباستثناء بعضهم في سوريا، يملكون إمكانية الوصول إلى أرض، إذا أخذنا في الحسبان استقرارهم في الجنوب الشرقي لتركيا، والشمال الشرقي لسوريا، والعراق، وغرب إيران. وهم ليسوا كذلك «من دون دولة»، فهم، كلٌّ على حدة، يملكون عموماً مواطَنة، وكذلك وباستثناء بعضهم في سوريا أيضاً، لا يشاركون في قضايا الشأن العام كمواطنين للدولة التي يقيمون فيها(100). لذلك على أي تصنيف يطبَّق على الكرد من ضمن فهم عام أن يأخذ تنوعهم في الحسبان.
Page 9
كذلك يفشل التعبير «وكيل» أو «بيدق» في تقديم وصف دقيق للوضع الكردي، مقارنة بإشارات في الأدبيات إلى الموقع المقابل(101). فإلى الآن، تحالف الكرد مع لاعبين إقليميين ودوليين كلما تقاطعت مصالح الطرفين، بدلاً من أن يلعبوا دور الناطق بأسماء هذه القوى. كذلك لم يُختَر الكرد في حد ذاتهم من قبل قوى كهذه باعتبارهم «وكلاءها» في مواجهة عقيدة نيكسون (1972)، وهكذا. لذلك يكون تبني أي من هذه التعريفات مناقضاً لهاجس الكرد بالدفاع عن حقوقهم الإثنية، بل إن خطوات كهذه أفضت في الأغلب إلى انقسامات كردية وصراعات حادة، مثلما حصل في تسعينيات القرن العشرين، سواء أكان ذلك لمصلحة أفراد أم مجموعة أم الحركة ككل. كذلك وبغض النظر عن استغلال الدعوى الكردية، لم يكن الكرد قط بيادق لأي قوة بإرادتهم(102). ويبدو في الواقع أن الكرد حاولوا أن يبقوا صانعي قراراتهم الخاصة بهم على الرغم من النتائج المحتملة(103).
وتصح نسبة التعبير «أقلية» إلى حالة الكرد في ما يتعلق ببلد الإقامة وبسكانه، على الرغم من أن الكرد يشكّلون إحدى أكبر الأمم في الشرق الأوسط. لكن التعبير «أقلية» بدأ اليوم يتلاشى، في ضوء أن معظم مجتمعات الشرق الأوسط تتألف من مجموعات مختلفة تتعرض إلى مساءلة تجانسها القومي أو المعايير التي تعرّف أنفسها على أساسها. وشرح الأمر هاريسون وبويد بأنه نتاج لبناء الدولة الشرق أوسطية كصنيعة للقوى الأوروبية بهدف تحقيق توازن إقليمي للقوى. وعلى هذا الأساس، تسبب فقدان الروابط القوية على صعد اللغة والدين والإثنية والثقافة، الضرورية لتماسك السكان، بالتشكّل المصطنع للهوية القومية كما خلقتها النخب الحاكمة(104). وهكذا تبدو أي معايير لتصنيف دقيق للكرد متزعزعة إلى حد ما. ويمكن لاعتبار الكرد «مجموعة أقلية» أن يكون أدق في حالة الدول التي تتألف من كتل سكانية متجانسة بدلاً من مجموعات ذات إثنيات أو فروق أخرى متنوعة جداً(105).
وفي خصوص الحكومة الإقليمية لكردستان باعتبارها المؤسسة الكردية الدستورية الوحيدة في الشرق الأوسط، يمكن اعتبارها كياناً منظماً يشبه دولة ذات اختصاصات متزايدة. وهكذا لا تبدو نظريات جاكسون عن «أشباه الدول» (الكيانات ذات المظاهر الرسمية للدولة والشرعية الدولية لكن ذات الجوهر القليل) ذات صلة بحالة الكرد في العراق. وعلى الرغم من أن الحكومة الإقليمية لكردستان كيان ذو حكم ذاتي وفدرالي، ثمة عناصر عديمة القدرة، «أشباه الدول» لا يمكنها تقديم خدمات لسكانها، تضعف بداهةً علاقة متبادلة كهذه. كذلك لا يبدو أن قيام أشباه الدول كنتيجة لإلغاء الاستعمار بهدف «استبدال مؤسسات الاستعمار الأوروبي الخارجي» يشرح إيجاد الحكومة الإقليمية لكردستان(106). هكذا يكشف التدخل الأميركي في الشؤون العراقية والكردية عدم ملاءمة التعبير لوصف وضع الحكومة الإقليمية لكردستان، لأن هذه الحكومة، قبل كل شيء، لا تلبي تعريف جاكسون لشبه الدولة، فهي في بعض الطرق كيان دولة واقعي فيما شرعيتها السياسية الدولية تتزايد بثبات.
وتصح نسبة التعبير «أقلية» إلى حالة الكرد في ما يتعلق ببلد الإقامة وبسكانه، على الرغم من أن الكرد يشكّلون إحدى أكبر الأمم في الشرق الأوسط. لكن التعبير «أقلية» بدأ اليوم يتلاشى، في ضوء أن معظم مجتمعات الشرق الأوسط تتألف من مجموعات مختلفة تتعرض إلى مساءلة تجانسها القومي أو المعايير التي تعرّف أنفسها على أساسها. وشرح الأمر هاريسون وبويد بأنه نتاج لبناء الدولة الشرق أوسطية كصنيعة للقوى الأوروبية بهدف تحقيق توازن إقليمي للقوى. وعلى هذا الأساس، تسبب فقدان الروابط القوية على صعد اللغة والدين والإثنية والثقافة، الضرورية لتماسك السكان، بالتشكّل المصطنع للهوية القومية كما خلقتها النخب الحاكمة(104). وهكذا تبدو أي معايير لتصنيف دقيق للكرد متزعزعة إلى حد ما. ويمكن لاعتبار الكرد «مجموعة أقلية» أن يكون أدق في حالة الدول التي تتألف من كتل سكانية متجانسة بدلاً من مجموعات ذات إثنيات أو فروق أخرى متنوعة جداً(105).
وفي خصوص الحكومة الإقليمية لكردستان باعتبارها المؤسسة الكردية الدستورية الوحيدة في الشرق الأوسط، يمكن اعتبارها كياناً منظماً يشبه دولة ذات اختصاصات متزايدة. وهكذا لا تبدو نظريات جاكسون عن «أشباه الدول» (الكيانات ذات المظاهر الرسمية للدولة والشرعية الدولية لكن ذات الجوهر القليل) ذات صلة بحالة الكرد في العراق. وعلى الرغم من أن الحكومة الإقليمية لكردستان كيان ذو حكم ذاتي وفدرالي، ثمة عناصر عديمة القدرة، «أشباه الدول» لا يمكنها تقديم خدمات لسكانها، تضعف بداهةً علاقة متبادلة كهذه. كذلك لا يبدو أن قيام أشباه الدول كنتيجة لإلغاء الاستعمار بهدف «استبدال مؤسسات الاستعمار الأوروبي الخارجي» يشرح إيجاد الحكومة الإقليمية لكردستان(106). هكذا يكشف التدخل الأميركي في الشؤون العراقية والكردية عدم ملاءمة التعبير لوصف وضع الحكومة الإقليمية لكردستان، لأن هذه الحكومة، قبل كل شيء، لا تلبي تعريف جاكسون لشبه الدولة، فهي في بعض الطرق كيان دولة واقعي فيما شرعيتها السياسية الدولية تتزايد بثبات.
Page 10
5 مراجعة ونقد لخطاب العلاقات الدولية
مع الأخذ في الحسبان غياب الأعمال الأكاديمية التجريبية عن الموضوع قيد البحث، ليس مستغرباً أن الموضوع لم يقارَب نظرياً. ولهذا السبب، يهدف الفصل السابع إلى تنظير العلاقات الأميركية – الكردية، وسيتساءل إن كانت هذه العلاقات تمثّل تحدياً للعلاقات الدولية، وإن كانت مقاربة نظرية جديدة ضرورية فعلاً. وأتمنى هنا أن أبيّن الفجوة في معظم اتجاهات العلاقات الدولية حين يتعلق الأمر بأهمية اللاعبين الذين لا يشكّلون دولاً (باستثناء الاقتصاديين منهم)، وتفاعلهم مع اللاعبين الدول والنظام الدولي.
وتلاحظ ليزا أندرسون أن نهاية مرحلة الحرب الباردة «حوّلت الثقل إلى اللاعبين الذين لا يشكّلون دولاً». لذلك ثمة حاجة إلى «تفحص التفاعل بين المحلي والدولي» واكتشاف «أجندات جديدة». وكما أشير سابقاً، فإن التطورات في المرحلة ما بعد الحديثة، مثل الأفعال الإرهابية في 11 أيلول، ودور كرد العراق كحليف مهم للولايات المتحدة في تطبيق السياسة الأميركية المتعلقة بـ «تغيير النظام» في بغداد، إلى جانب استقرار الحكومة الإقليمية لكردستان كدولة شبه مستقلة، زرعت البذور لبدء مرحلة جديدة لخطاب العلاقات الدولية(107).
في هذه المرحلة، أركّز أساساً على النظريات الكبرى للعلاقات الدولية بدلاً عن المجموعة الوسطى، وأعاين أيضاً المدارس المختلفة لتحليل السياسة الخارجية، والتي توسَّع أكثر فأكثر في الفصل الثالث(108). ومنذ البداية، كانت أبرز مساوئ الاتجاهات الرئيسية للعلاقات الدولية، التأكيد المفرط إما على العوامل البنيوية وإما على اللاعبين الدوليين، مثل الدول، على حساب اللاعبين الذين لا يشكلون دولاً(109). وانتقِدت العلاقات الدولية أيضاً للآراء المتشظية لممثليها، حتى المنضوين في المدرسة الفكرية نفسها(110). وسيشار أكثر في القسم التالي إلى عدم قدرة النماذج الحالية على إرضاء المطالب الأكاديمية بنظرية متماسكة حول العلاقات الدولية تأخذ في الحسبان ليس فقط دور البنى والوسطاء في تشكيل قرارات السياسة الخارجية بل ترفع أيضاً العلاقات الداخلية إلى مستوى التفاعلات بين اللاعبين الذين يشكّلون دولاً والذين لا يفعلون في العلاقات الدولية(111). وفي الحالة الراهنة، ولتجنب مقاربات النظرية الواحدة التي تشرح جزءاً من الصورة، يقترح الفصل السابع الحاجة إلى استخدام قائمة من الأدوات لتفسير العالم الحقيقي.
وعلى هذا الأساس، سوف يكشف ما يلي السبب الذي يجعل النظريات الراهنة حول العلاقات الدولية، في ضوء تركيزها إما على دور البنى وإما على اللاعبين (تفضَّل الدول) لتفسير وظيفة النظام الدولي، غير قادرة على شرح موضوع البحث الخاص بهذه الأطروحة بتعابير نظرية(112). وسيشار تحديداً إلى أن النظريات الواقعية، فيما تعرض أرضيات يمكن على أساسها شرح الظواهر الدولية، يتركّز قصورها الأول على نقص النظر في التفاعل بين اللاعبين الذين يشكّلون دولاً والذين لا يفعلون. وحتى نقد ما بعد الوضعيين، كما في النظريات الرابطة، اقتصر إلى الآن على نقد النماذج الواقعية بدلاً من مد العلاقات الدولية بموقف نظري جديد.
مع الأخذ في الحسبان غياب الأعمال الأكاديمية التجريبية عن الموضوع قيد البحث، ليس مستغرباً أن الموضوع لم يقارَب نظرياً. ولهذا السبب، يهدف الفصل السابع إلى تنظير العلاقات الأميركية – الكردية، وسيتساءل إن كانت هذه العلاقات تمثّل تحدياً للعلاقات الدولية، وإن كانت مقاربة نظرية جديدة ضرورية فعلاً. وأتمنى هنا أن أبيّن الفجوة في معظم اتجاهات العلاقات الدولية حين يتعلق الأمر بأهمية اللاعبين الذين لا يشكّلون دولاً (باستثناء الاقتصاديين منهم)، وتفاعلهم مع اللاعبين الدول والنظام الدولي.
وتلاحظ ليزا أندرسون أن نهاية مرحلة الحرب الباردة «حوّلت الثقل إلى اللاعبين الذين لا يشكّلون دولاً». لذلك ثمة حاجة إلى «تفحص التفاعل بين المحلي والدولي» واكتشاف «أجندات جديدة». وكما أشير سابقاً، فإن التطورات في المرحلة ما بعد الحديثة، مثل الأفعال الإرهابية في 11 أيلول، ودور كرد العراق كحليف مهم للولايات المتحدة في تطبيق السياسة الأميركية المتعلقة بـ «تغيير النظام» في بغداد، إلى جانب استقرار الحكومة الإقليمية لكردستان كدولة شبه مستقلة، زرعت البذور لبدء مرحلة جديدة لخطاب العلاقات الدولية(107).
في هذه المرحلة، أركّز أساساً على النظريات الكبرى للعلاقات الدولية بدلاً عن المجموعة الوسطى، وأعاين أيضاً المدارس المختلفة لتحليل السياسة الخارجية، والتي توسَّع أكثر فأكثر في الفصل الثالث(108). ومنذ البداية، كانت أبرز مساوئ الاتجاهات الرئيسية للعلاقات الدولية، التأكيد المفرط إما على العوامل البنيوية وإما على اللاعبين الدوليين، مثل الدول، على حساب اللاعبين الذين لا يشكلون دولاً(109). وانتقِدت العلاقات الدولية أيضاً للآراء المتشظية لممثليها، حتى المنضوين في المدرسة الفكرية نفسها(110). وسيشار أكثر في القسم التالي إلى عدم قدرة النماذج الحالية على إرضاء المطالب الأكاديمية بنظرية متماسكة حول العلاقات الدولية تأخذ في الحسبان ليس فقط دور البنى والوسطاء في تشكيل قرارات السياسة الخارجية بل ترفع أيضاً العلاقات الداخلية إلى مستوى التفاعلات بين اللاعبين الذين يشكّلون دولاً والذين لا يفعلون في العلاقات الدولية(111). وفي الحالة الراهنة، ولتجنب مقاربات النظرية الواحدة التي تشرح جزءاً من الصورة، يقترح الفصل السابع الحاجة إلى استخدام قائمة من الأدوات لتفسير العالم الحقيقي.
وعلى هذا الأساس، سوف يكشف ما يلي السبب الذي يجعل النظريات الراهنة حول العلاقات الدولية، في ضوء تركيزها إما على دور البنى وإما على اللاعبين (تفضَّل الدول) لتفسير وظيفة النظام الدولي، غير قادرة على شرح موضوع البحث الخاص بهذه الأطروحة بتعابير نظرية(112). وسيشار تحديداً إلى أن النظريات الواقعية، فيما تعرض أرضيات يمكن على أساسها شرح الظواهر الدولية، يتركّز قصورها الأول على نقص النظر في التفاعل بين اللاعبين الذين يشكّلون دولاً والذين لا يفعلون. وحتى نقد ما بعد الوضعيين، كما في النظريات الرابطة، اقتصر إلى الآن على نقد النماذج الواقعية بدلاً من مد العلاقات الدولية بموقف نظري جديد.