Page 1
1- شعب بدون دولة
المسألة الكردية على مسرح السياسة الدولية
الكرد. إنهم 30 مليون نسمة، أو بضعة ملايين أكثر أو أقل. فلا أحد يعلم عددهم بدقة، لسبب بسيط، ذلك أن وجود الكرد غير معترف به رسمياً في بعض الدول. كان كذلك ولايزال، ولاسيما في تركيا، ولأن أنظمة حكم الدول الأخرى، كالعراق مثلاً ـ حيث يصعب إنكار وجود الكرد ـ تميل الى التقليل من عددهم، وأخيراً، وفي بعض الدول التي يعتبر الكرد فيها بشراً من درجة ثانية، فإنه يصار في حالة إحصاء السكان فيها، الى إعادة كل واحد منهم لينسب إلى الشعب الذي يتحدر منه. أما ممثلو حركات الكرد الوطنية فيميلون، عكس ذلك، إلى التعامل مع الأعداد بأرقام أعلى، إذ تقدر هذه المجموعات أعدادهم بـ35 أو 40 مليون نسمة، بل إن إحدى المنظمات الكردية ذات التوجه الاشتراكي قد ذهبت أخيراً، إلى تقدير عددهم بـ45 مليون نسمة.لكن الثابت في جميع الأحوال، أن الكرد يعتبرون بعد العرب والترك والفرس الشعب الرابع من حيث التعداد في منطقة الشرق الأدنى. والمراقب الجدي يقدر عددهم بـ15 مليوناً، أو ربما أكثر، في تركيا، وبعشرة ملايين في إيران، وبقرابة خمسة ملايين في العراق، وبمليون إلى مليونين في سوريا. أما المتحدرون من الشعب الكردي في الدول التي انفصلت عن الاتحاد السوفياتي سابقاً، بما فيها أرمينيا وجورجيا وأذربيجان والأعداد التي ألزمت بالنفي إلى الخارج فلا يدخلون في هذه الاحصاءات. ففي ألمانيا وحدها يعيش أكثر من 500.0000 منهم، ومعظمهم يحمل جوازات سفر تركية.
يتمتع الكرد منذ آلاف السنين بتاريخ خاص بهم. ومنذ ظهورهم التاريخي الأول يعيش الكرد في الأرض نفسها التي يعيشون عليها إلى اليوم. واسمهم يشتق على الأرجح من (Guti) القديمة (Kurtie – Qurti = Guti) من بابل المحتلة. وبالإمكان أيضاً البحث عن أجداد الكرد الحاليين في أوساط Hurriten في بلاد ما بين النهرين أو في أوساط الميديين المعروفين في التاريخ الفارسي.
يتكلم الكرد لغة خاصة بهم. وهي لغة هندوجرمانية تنتمي إلى اللغات الإيرانية الغربية، وهي قريبة جداً من اللغة الفارسية القديمة. ولا علاقة تجمعها على الإطلاق باللغتين العربية أو التركية. فاللغة الكردية بعيدة جداً عن هذه اللغات بعد اللغة الألمانية عن الكورية، أو بعد اللغة الإنكليزية عن السواحيلية. لذلك يجد العديد من الكرد أنفسهم أكثر قرباً من الأوروبيين منهم إلى العرب أو إلى الأتراك. وبتأثيرات متعددة لايزال الكرد يكتبون بأبجديات مختلفة: ففي العراق وإيران وسوريا يكتبون لغتهم بأحرف عربية، وفي تركيا بأحرف لاتينية، وفي المستوطنات الصغيرة التي يسكنون منها ضمن الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفياتي يكتبون بأحرف كيرلية أو أرمنية.
تمتد مناطق سكن الكرد المقفلة من جبل آرارات التوراتي في الشمال وصولاً إلى الخليج الفارسي، ومن أرمينيا وصولاً إلى سواحل البحر المتوسط، ومن شواطىء دجلة وصولاً إلى المرتفعات في إيران. هذا هو موطنهم المقسم: أرض كردستان. الجزء الأكبر منها مرتفعات يصعب الوصول إليها، وسلسلة جبال زاغروس تنسحب على البلاد بأكملها. إنها منطقة تتميز بمناظرها الطبيعية كما لو كانت كتاباً مصوراً (هكذا يشار إلى المناطق الطبيعية في جبال الألب التي لم تمس بعد!) بما فيها قرى جبلية وبنية تحتية غير متطورة. وقد أشار منذ أكثر من مئة عام الكاتب الألماني كارل ماي Karl May)) إلى كردستان مستعملاً صيغة «كردستان البدائية» وهذه الكردستان «البدائية» الأصلية التي لم تعرف الزيف ما زالت إياها حتى اليوم.
ولكن ثمة كردستان أخرى: إنها السهوب الواسعة الخصبة باقتصادها الريفي الغني بالمحاصيل، وحقول النفط ومضخات نقله والمدن الكبرى مثل كركوك وأربيل، والمأهولة وإن جزئياً منذ عصور قديمة، وبعضها منذ 5000 سنة. أما عن أبعاد كردستان وعن أوجهها المتعددة وعن علاقتها بعضها ببعض فلا أحد في العالم يملك تصوراً صائباً: فمما لا شك فيه أن الراعي الكردي الذي يتنقل مع أغنامه وماعزه في المراعي الجبلية ما زال موجوداً، كما يمكن بالطبع أن نرى هنا وهناك الفارس الذي يفاخر بسلاحه المعلق على جانبه وبحزامه المليء بالخرطوش على كتفه، تماماً كما جاء في توصيف كارل ماي له في أقاصيصه.
إلا أن أربيل الكردية في شمال العراق هي اليوم مدينة تضم 800.000 نسمة، بل ربما مليون نسمة، وفيها أيضاً مبنى لمجلس النواب، وثلاثة مستشفيات، ومحطة تلفزيون وعدة محطات راديو، ومجمع تجاري مكيف، ودزينة من صالونات التجميل وشبكة لتشغيل التلفونات النقالة. ومثل هذه الأشياء موجودة بكثرة.
ليست كردستان مجرد زاوية رومانسية، بل هي بلد واسع بأوجه كثيرة. كما أناه بلد غني من حيث المبدأ. فهي تمتلك بوفرة أكبر كنوز الشرق الأدنى – الماء والنفط. فنصف نفط العراق تقريباًَ موجود على أرض كردية. وأكبر أنهار الشرق، الفرات ودجلة، اللذان تتغذى كل من تركيا وسوريا والعراق من مياههما ينبعان من كردستان. وأرض كردستان التي يقطنها الكرد منذ سحيق الزمن تقدر بمساحة تزيد عن 500.000 كلم2، فهي باتساع فرنسا وأكبر من ألمانيا الموحدة والنمسا معاً. بعبارات أخرى، لا يشكل الكرد في الأرض التي يتحدرون منها أقلية أبداً، بل هم الأغلبية فيها.
ومع ذلك، فلا وجود لكردستان على أي خريطة. إذ إن الكرد هم آخر أكبر شعب لا دولة خاصة بهم. فأرضهم تقسمت وضمت إلى الدول التي قامت حديثاً، والشعب الكردي نفسه توزع على الدول القائمة حالياً، في العراق وتركيا وإيران وسوريا مع مجموعات صغيرة في الدول التي ظهرت في جنوب الاتحاد السوفياتي بعد تصدعه. هكذا يشكل الكرد عدة أقليات من أغلبية واحدة.
ثمة عوامل ثلاثة حددت الى الآن قدر الكرد: الانقسام والانتشار، والسياسة الجغرافية. فنادراً ما تنطبق عبارة نابليون على شعب انطباقها على الكرد: الجغرافيا هي القدر. فعلى مدى مئات السنين كانت المناطق التي يعيشون عليها مسرحاً لسجالات وحروب الآخرين من امبراطوريات عظمى وشعوب. وعلى أرض كردية جرى الصراع بين الأتراك الذين انتقلوا منذ القرن الحادي عشر من أواسط آسيا إلى الأناضول، وكانت حتى ذلك الوقت تحت سيطرة الفرس. وحين وقع العثمانيون المتخاصمون مع الفرس في العام 1639 اتفاقية قسري شيرين، كان ذلك على حساب كردستان. والكرد يسمون هذه الاتفاقية : «أول تقسيم كردي».
Page 2
ثمة تقسيمات أكثر إيلاماً تتابعت لاحقاً في القرن العشرين، وللمفارقة، فإن ذلك قد حدث في زمن حق الشعوب بتقرير مصيرها. فبعد الحرب العالمية الأولى، أي بعد العام 1918 قررت الديموقراطيات المنتصرة في فرنسا وإنكلترا إضعاف القوى المتوسطة مع الوقت أو كسرها كلياً. وبكثير من الكيدية، لكن وللأسف بدون أي حكمة سياسية، أخضع الخاسرون للنظام الذي أملي عليهم في فرساي وفي سان جرمان وسيفر، أو لما يعرف بمعاهدات باريس التي تمت بين 1919 و1920 – وقد استتبع ذلك إجراءات عسكرية جزئية.
في ڤرساي تم إذلال الأمبراطورية الألمانية واقتطاع أجزاء كبيرة منها الأمر الذي كان ـ كما يعلم الجميع ـ اليوم سبباً لحرب عالمية ثانية. وفي معاهدة سان جرمان تم تقسيم الأمبراطورية النمساوية الهنغارية وجعلت القوميات غير الألمانية تابعة لعقد دولي جديد. لم تحمل إملاءات القوى الغربية السلم البتة. فمع قيام الدول الشاطئية الجديدة مثل يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا برزت مشكلات جديدة، إذ قامت توترات كانت أقسى وأكثر بعثاً للقلاقل مما كان قائماً في إمبراطورية آل هابسبورغ.
وبالطريقة نفسها تم التعامل مع الامبراطورية العثمانية في اتفاقية سيفر. فبدل رسم الخريطة السياسية للبلاد بموجب خطوط اتنية ودينية وبموجب روابط تاريخية، قسمت القوى العظمى الغربية أرض الامبراطورية التركية تبعاً لمزاجها وأهوائها. وانطلاقاً من مصالح سياسية خاصة رسمت كل من إنكلترا وفرنسا على لوحة رسم الخرائط من الدول الجديدة التالية: الأردن وسوريا ولبنان والعراق. (فمن الناحية البريطانية كان ونستون تشرشل، وقد كان شاباً آنذاك، وسكرتير دولة في وزارة المستعمرات البريطانية مسؤولاً عما عرف لاحقاً تحت اسم «التشكيل» الجديد للشرق الأوسط). والأهم من رفاهية الشعوب كان هم الإنكليز منصباً على تحقيق الوعود التي أطلقوها للمشايخ الذين تعاملوا معهم أثناء الحرب بمكافأتهم بإقامة ممالك لهم. وهكذا قامت مملكتا الأردن والعراق. إذ أعطيت العروش لأسر حاكمة غريبة عن المكان وعن الشعوب التي لا جامع لها معها. ومن الامبراطورية العثمانية لم يتبق إلا تركيا الحالية، تعصف فيها الأزمات من الداخل والخارج، ومجروحة لما نزع عنها من مناطق واسعة، وواقعة في البلبلة التي أحدثها آنذاك انهيار النظام الإسلامي – العثماني القديم.
وكما تم بشكل عشوائي انطلاقاً من تركة الامبراطورية النمساوية الهنغارية خلق بعض الدول، تم انتزاع سلوفاكيا التي رغم إرادتها ألحقت بالدولة التشيكية وألحق الألمان ببولندا وسلوفاكيا كما لو كانوا في وسط سجن شعبي، كذلك اضطر 30 مليون من الشعب الكردي للانطواء (حالياً) وسط سجن من شعوب الدول الجديدة، في العراق البريطاني، وفي سوريا الواقعة آنذاك تحت الاحتلال الفرنسي أو في تركيا الجديدة تحت حكم كمال أتاتورك.
أما فيما يخص الكرد فهم لم يكونوا على الأرجح حمقى أو أصحاب نية سيئة. إذ إن المسألة الكردية كانت قبل معاهدات باريس وحتى إبان الحرب العالمية الأولى وإن للحظات تاريخية قصيرة قد طرحت على مسرح الحياة السياسية. ثمة حدثان سياسيان مهمان قد حددا أثناء سنوات الحرب ما ظهر من آمال الكرد من مراحل صعود وهبوط: ففي عام 1916 وإبان ما يعرف باتفاقية سايكس – بيكو، التي حددت فيها كل من فرنسا وإنكلترا مصالحهما في الشرق الأوسط بعد النصر المنتظر للحلفاء في الحرب تمت الإشارة إلى تقسيم لاحق يشمل كردستان. وخلاف ذلك ففي العام 1918 أشار الرئيس الأميركي ويلسون في برنامجه المكون من 14 نقطة لأول مرة إلى الحقوق القومية للكرد.
وانطلاقاً من هذه النقاط الأربع عشرة شاركت في سيفر بعثة كردية كانت بإشراف شريف باشا، وهو جنرال كردي في الجيش العثماني، بوصفه مراقباً. وقد طالبت البعثة الكردية أثناء البحث في نظام الشرق الجديد تجاوز «الخطأ الدائم»، وطالبت لأول مرة بأرضية وطنية وبحق تقرير المصير للشعب الكردي، إذ كان البحث يشمل، إبان إنشاء دول جديدة، البحث في «دولة كردستان» ولم تكن كل من بريطانيا وفرنسا معارضتين من حيث المبدأ لهذا الطرح. فمن المفيد لسياستيهما أن يزداد عدد الوجوه التي يمكن أن تلعب دوراً في سياسة التوازن الامبريالي التي تقيمانها فوق لائحة الشطرنج، والتي تمكنهما من شد هذه الكيانات بهذا الاتجاه أو ذلك والتلاعب بها. وقد تم التوافق على جعل المناطق الكردية في شمال غرب العراق الواقع تحت السيطرة البريطانية وفي جنوب شرق ما تبقى من تركيا – وإذا أراد الكرد ذلك – دولة مستقلة بموافقة عصبة الأمم.
لذلك فإن توحد الكرد في تركيا الحالية مع الكرد في العراق الحالي في دولة «كردستان مستقلة» كان ممكناً إذاً في إطار الاتفاقية. وعلى ضوء التطور اللاحق لايزال الكرد يطرحون باستمرار السؤال، ما إذا كان البريطانيون والفرنسيون جديين في تحقيق هذا المخطط. أو أن الأمر لم يكن بالنسبة إليهم أكثر من مجرد تهديد بنزع أقاليم أخرى من الامبراطورية العثمانية التي انهزمت في الحرب؟ وفي الوقت نفسه ظهرت معالم أخرى منها سقوط السلطان وظهور الجنرال مصطفى كمال باشا، أتاتورك لاحقاً، بوصفه بطل حرب شعبياً وقومياً بارزاً، صار لاحقاً الرجل الأقوى في ما تبقى من تركيا، وكان رجلاً غير مستعد للتخلي عن أي شبر من الأرض التركية. وفي نهاية الأمر كان على الشعب الكردي أن يقبل ما جرى وأن لا يستقر في دولة خاصة به، بل على أرض «الدول الجديدة». ولايزال مقسماً ومتقطعاً حتى اليوم.
إن الحدود التي تتقاسمها كردستان، ليست حدوداً طبيعية ولا اقتصادية ولا ثقافية أيضاً. بل هي حدود مصطنعة، حددت رغماً عن إرادة الشعب الكردي، وتبعاً لمصالح قوى التقسيم وللقوى الغربية تحديداً التي وجدت في ذلك «حفظاً للتوازن». لم تفصل هذه الحدود المناطق بعضها عن بعض فحسب، وإنما فصلت مدناً وقرى وقبائل بل عشائر وعائلات بعضها عن بعض. فعدد العشائر الكردية التي حددت الحدود مكان إقامتها كبير جداً. بعض العشائر، بل العائلات الكبرى تعيش موزعة في دولتين وأحياناً في ثلاث دول. وقد يحدث أن يقضي بعضها صيفه في مراعي دولة معينة لينتقل شتاء الى المراعي في دولة أخرى.
كان للفصل المستمر آثاره التي انعكست شللاً على الحياة الاقتصادية والثقافية، وآثاره المدمرة لتطور المجتمع الكردي الحديث. و«الحدود الحالية، أو ما يسمى بالحدود الدولية التي تقسم كردستان» بحسب صياغة قال بها عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني في مقابلة أجريتها معه عام 1998 في دمشق «هي حدود ننظر إليها نحن الكرد كما لو كانت حدوداً داخلية، إنها حدود في قلب البلد، إنها مثل الحدود التي تفصل الشعب الألماني حتى حصول توحده مجدداً. إن الحدود التي تقسم شعبنا هي حدود برائحة الدم، إنها خطوط الكراهية».
في ڤرساي تم إذلال الأمبراطورية الألمانية واقتطاع أجزاء كبيرة منها الأمر الذي كان ـ كما يعلم الجميع ـ اليوم سبباً لحرب عالمية ثانية. وفي معاهدة سان جرمان تم تقسيم الأمبراطورية النمساوية الهنغارية وجعلت القوميات غير الألمانية تابعة لعقد دولي جديد. لم تحمل إملاءات القوى الغربية السلم البتة. فمع قيام الدول الشاطئية الجديدة مثل يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا برزت مشكلات جديدة، إذ قامت توترات كانت أقسى وأكثر بعثاً للقلاقل مما كان قائماً في إمبراطورية آل هابسبورغ.
وبالطريقة نفسها تم التعامل مع الامبراطورية العثمانية في اتفاقية سيفر. فبدل رسم الخريطة السياسية للبلاد بموجب خطوط اتنية ودينية وبموجب روابط تاريخية، قسمت القوى العظمى الغربية أرض الامبراطورية التركية تبعاً لمزاجها وأهوائها. وانطلاقاً من مصالح سياسية خاصة رسمت كل من إنكلترا وفرنسا على لوحة رسم الخرائط من الدول الجديدة التالية: الأردن وسوريا ولبنان والعراق. (فمن الناحية البريطانية كان ونستون تشرشل، وقد كان شاباً آنذاك، وسكرتير دولة في وزارة المستعمرات البريطانية مسؤولاً عما عرف لاحقاً تحت اسم «التشكيل» الجديد للشرق الأوسط). والأهم من رفاهية الشعوب كان هم الإنكليز منصباً على تحقيق الوعود التي أطلقوها للمشايخ الذين تعاملوا معهم أثناء الحرب بمكافأتهم بإقامة ممالك لهم. وهكذا قامت مملكتا الأردن والعراق. إذ أعطيت العروش لأسر حاكمة غريبة عن المكان وعن الشعوب التي لا جامع لها معها. ومن الامبراطورية العثمانية لم يتبق إلا تركيا الحالية، تعصف فيها الأزمات من الداخل والخارج، ومجروحة لما نزع عنها من مناطق واسعة، وواقعة في البلبلة التي أحدثها آنذاك انهيار النظام الإسلامي – العثماني القديم.
وكما تم بشكل عشوائي انطلاقاً من تركة الامبراطورية النمساوية الهنغارية خلق بعض الدول، تم انتزاع سلوفاكيا التي رغم إرادتها ألحقت بالدولة التشيكية وألحق الألمان ببولندا وسلوفاكيا كما لو كانوا في وسط سجن شعبي، كذلك اضطر 30 مليون من الشعب الكردي للانطواء (حالياً) وسط سجن من شعوب الدول الجديدة، في العراق البريطاني، وفي سوريا الواقعة آنذاك تحت الاحتلال الفرنسي أو في تركيا الجديدة تحت حكم كمال أتاتورك.
أما فيما يخص الكرد فهم لم يكونوا على الأرجح حمقى أو أصحاب نية سيئة. إذ إن المسألة الكردية كانت قبل معاهدات باريس وحتى إبان الحرب العالمية الأولى وإن للحظات تاريخية قصيرة قد طرحت على مسرح الحياة السياسية. ثمة حدثان سياسيان مهمان قد حددا أثناء سنوات الحرب ما ظهر من آمال الكرد من مراحل صعود وهبوط: ففي عام 1916 وإبان ما يعرف باتفاقية سايكس – بيكو، التي حددت فيها كل من فرنسا وإنكلترا مصالحهما في الشرق الأوسط بعد النصر المنتظر للحلفاء في الحرب تمت الإشارة إلى تقسيم لاحق يشمل كردستان. وخلاف ذلك ففي العام 1918 أشار الرئيس الأميركي ويلسون في برنامجه المكون من 14 نقطة لأول مرة إلى الحقوق القومية للكرد.
وانطلاقاً من هذه النقاط الأربع عشرة شاركت في سيفر بعثة كردية كانت بإشراف شريف باشا، وهو جنرال كردي في الجيش العثماني، بوصفه مراقباً. وقد طالبت البعثة الكردية أثناء البحث في نظام الشرق الجديد تجاوز «الخطأ الدائم»، وطالبت لأول مرة بأرضية وطنية وبحق تقرير المصير للشعب الكردي، إذ كان البحث يشمل، إبان إنشاء دول جديدة، البحث في «دولة كردستان» ولم تكن كل من بريطانيا وفرنسا معارضتين من حيث المبدأ لهذا الطرح. فمن المفيد لسياستيهما أن يزداد عدد الوجوه التي يمكن أن تلعب دوراً في سياسة التوازن الامبريالي التي تقيمانها فوق لائحة الشطرنج، والتي تمكنهما من شد هذه الكيانات بهذا الاتجاه أو ذلك والتلاعب بها. وقد تم التوافق على جعل المناطق الكردية في شمال غرب العراق الواقع تحت السيطرة البريطانية وفي جنوب شرق ما تبقى من تركيا – وإذا أراد الكرد ذلك – دولة مستقلة بموافقة عصبة الأمم.
لذلك فإن توحد الكرد في تركيا الحالية مع الكرد في العراق الحالي في دولة «كردستان مستقلة» كان ممكناً إذاً في إطار الاتفاقية. وعلى ضوء التطور اللاحق لايزال الكرد يطرحون باستمرار السؤال، ما إذا كان البريطانيون والفرنسيون جديين في تحقيق هذا المخطط. أو أن الأمر لم يكن بالنسبة إليهم أكثر من مجرد تهديد بنزع أقاليم أخرى من الامبراطورية العثمانية التي انهزمت في الحرب؟ وفي الوقت نفسه ظهرت معالم أخرى منها سقوط السلطان وظهور الجنرال مصطفى كمال باشا، أتاتورك لاحقاً، بوصفه بطل حرب شعبياً وقومياً بارزاً، صار لاحقاً الرجل الأقوى في ما تبقى من تركيا، وكان رجلاً غير مستعد للتخلي عن أي شبر من الأرض التركية. وفي نهاية الأمر كان على الشعب الكردي أن يقبل ما جرى وأن لا يستقر في دولة خاصة به، بل على أرض «الدول الجديدة». ولايزال مقسماً ومتقطعاً حتى اليوم.
إن الحدود التي تتقاسمها كردستان، ليست حدوداً طبيعية ولا اقتصادية ولا ثقافية أيضاً. بل هي حدود مصطنعة، حددت رغماً عن إرادة الشعب الكردي، وتبعاً لمصالح قوى التقسيم وللقوى الغربية تحديداً التي وجدت في ذلك «حفظاً للتوازن». لم تفصل هذه الحدود المناطق بعضها عن بعض فحسب، وإنما فصلت مدناً وقرى وقبائل بل عشائر وعائلات بعضها عن بعض. فعدد العشائر الكردية التي حددت الحدود مكان إقامتها كبير جداً. بعض العشائر، بل العائلات الكبرى تعيش موزعة في دولتين وأحياناً في ثلاث دول. وقد يحدث أن يقضي بعضها صيفه في مراعي دولة معينة لينتقل شتاء الى المراعي في دولة أخرى.
كان للفصل المستمر آثاره التي انعكست شللاً على الحياة الاقتصادية والثقافية، وآثاره المدمرة لتطور المجتمع الكردي الحديث. و«الحدود الحالية، أو ما يسمى بالحدود الدولية التي تقسم كردستان» بحسب صياغة قال بها عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني في مقابلة أجريتها معه عام 1998 في دمشق «هي حدود ننظر إليها نحن الكرد كما لو كانت حدوداً داخلية، إنها حدود في قلب البلد، إنها مثل الحدود التي تفصل الشعب الألماني حتى حصول توحده مجدداً. إن الحدود التي تقسم شعبنا هي حدود برائحة الدم، إنها خطوط الكراهية».
Page 3
لايزال هذا الوضع قائماً منذ ثمانية عقود، وهو وضع مخالف للطبيعة، إنه وضع يقسم الشعب الكردي رغم إرادته. وحتى الآن، لا حق لهم بتقرير المصير، ولا بالاستقلال الذاتي، ولا بقيام دولة. فمنذ عقود يخضع الكرد للظلم والملاحقة أو (كما في تركيا) إلى إنكار مجرد وجودهم. غالباً ما يستبعد الكرد على مسرح السياسة المتبدلة وينقلون بوصفهم من الفلاحين من مكان إلى آخر، ويضحى بهم. أحياناً تدعم إيران على سبيل المثال كرد العراق، في وقت تخضع الكرد عندها للقهر والاستعباد، وأحياناً يحدث العكس أيضاً. أخيراً ناصرت سوريا جيش التحرير عند الكرد الأتراك مانحة زعيمهم طوال عقد من الزمن حق اللجوء في دمشق، وتمنع في الوقت نفسه الكرد السوريين من حق إنشاء منظمات خاصة بهم.
كذلك تستخدم القوى العظمى الغريبة عن مكان إقامتهم قدر الكرد على هواها: ففي عام 1946 شجعت موسكو كرد إيران على تأسيس جمهورية خاصة بهم، ثم بعد عام من ذلك تخلت عنهم (بسبب توقيع على ما يظهر على معاهدة بترولية رابحة مع طهران). بعد جيل من ذلك خدع كرد العراق مرتين للقيام بحركات تمرد، خدعوا من أميركا عام 1974 وعام 1991، ولمرتين أيضاً تم التخلي عنهم من قبل الساسة الممسكين بالسلطة في واشنطن، وذلك بمجرد أن تغيرت وجهة المصالح التي يعمل لها هؤلاء الساسة، وفي المرتين تعرض الكرد لثأر دموي من جانب بغداد.
هذه المرة – ربما – قد تكون النهاية مختلفة: فمنذ العام 1991 تقوم في شمال العراق إدارة مستقلة بحماية أميركية، توازي في حقيقة الأمر دولة مستقلة. لقد تم قيام إقليم كردستان المتمتع باستقلال ذاتي، وبحكومة خاصة وبرلمان خاص، وبحياة اقتصادية مزدهرة وعلاقات دولية. وإذا ما تعلق الأمر بالكرد، فلا بد من تعزيز هذا الاستقلال الذاتي في عراق جديد – بل حتى بدونه أيضاً. لقد أظهر الكرد في شمال العراق أن بإمكانهم حكم أنفسهم بأنفسهم. وقد يتمكنون من تحويل استقلالهم الواقعي إلى استقلال ذاتي قانوني. وقد يكون الأمر موازياً لقيام دولة خاصة بهم.
ومع ذلك فإن نجاح هذا المسعى الكردي الجديد لايزال متعلقاً بخيط رفيع. فتركيا – وهي حليف الولايات المتحدة – مازالت تعارض كل استقلال ذاتي كردي ناجز. إذ تخشى تركيا– وليس دون وجه حق – أن تتحول أي منطقة كردية ناجحة إلى عامل تأثير في كل المناطق الأخرى (ولاسيما التركية منها) وأن يصبح هذا الإقليم بمثابة «سهل بيامونت الكردي» مثيل تلك الدولة الإيطالية الصغيرة التي تحولت في القرن التاسع عشر إلى خلية أطلقت حركة الوحدة الإيطالية. بل إن تركيا تهدد بالغزو العسكري، وهذا ما يمكن أن نتوقعه في أي وقت.
«قد تبدو التصورات حول قدر أمة دون دولة تصورات نظرية»، هذا ما كتبه مؤرخ أكسفورد تيموتي غارتون آش (Timothy Garton Ash)، حين كانت الفرق العسكرية الأميركية في وسط طريقها إلى بغداد. مع ذلك تظل القضية الكردية أكبر قنبلة موقوتة، تدق ساعة توقيتها في بغداد. وكان بإمكانه القول، «إنها تدق في أرجاء الشرق الأوسط». والسؤال هو: كيف يمكن للمرء أن يعمل على تعطيلها؟ ما هو الاستقلال الذاتي الذي يفكر فيه المخططون وأصحاب القرار؟ لقد سبق لبعض الساسة العقلاء، أو الأقل تعقلاً، أن وضعوا قبل وأثناء الحرب الأميركية ضد صدام حسين خططاً لمستقبل الكرد ضمن فدرالية في قلب العراق، ومخططات لكردستان عراقي مستقل ذاتياً. مع ذلك، لنا أن نسأل: كردستان عراقي ضمن أية حدود؟ مع أو بدون حقول النفط في كركوك. في خانقنين وسنجار؟ مع أو بدون حق العودة للكرد الذين نفاهم صدام إلى بغداد، أو الذين نفوا قبله أيضاً؟
وإن لم يتم ذلك بالترافق مباشرة مع قيام دولة؟ فإن الفرصة لم تكن قط مؤاتية. فبعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار التكتلات، شهدت الدول القومية نهضة فعلية، وتفككاً شمل معظم الدول متعددة الشعوب التي استمرت بالقوة والعنف. فبعد سقوط يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا والاتحاد السوفياتي انبثق أكثر من دزينة من الدول القومية الفتية وأرمينيا وجورجيا وليتوانيا وسلوفانيا وكرواتيا، حتى لا نسمي إلا البعض منها. ومعظمها لا يملك إلا رقعة أرض صغيرة، والقليل من السكان وأرضية اقتصادية ضعيفة، بالنسبة إلى ما يملكه كردستان العراقي وحده.
وبعض المقاومات التي اندلعت ضد استقلال هذه الشعوب ضمن دولة، قد تم القضاء عليها في إطار السياسة الدولية، كما تم تأمين السيرورة الاستقلالية لها إن عبر الأمم المتحدة، أو من خلال دول حلف الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي. وفي بعض الحالات سمحت أيضاً ألمانيا باستخدام طيرانها وأرسلت الجنود. بل إن بعض الدول الجديدة صارت حليفة لدول حلف الأطلسي أو للاتحاد الأوروبي، وبعضها الآخر أعرب أيضاً عن انتمائه إلى «أوروبا الجديدة» هذه.
والمؤرخ الذي أشرنا إليه أعلاه، تيموتي غارتون آش الذي عرف بنكاته اللاذعة، وصف الصراع مع الكرد بالسؤال الأحجية و«بالنواة المتفجرة». ففي بداية حرب العراق الأخيرة كتب في آذار/ مارس 2003: «سموا لي شعباً مسلماً بغالبيته يعاني منذ أمد طويل اضطهاد مجموعة إثنية أخرى، ويعاني أيضاً قيادة دولتها القمعية. فالذين ينتمون إلى هذا الشعب يصار إلى تعذيبهم، وتطلق عليهم القنابل ويصطادون في بيوتهم. هذا الشعب المحارب المشكل تقليدياً من مجموعات جبلية يدافع عن نفسه بحركات مسلحة وباستخدام حرب العصابات، وكذلك أيضاً بوسائل يمكن وصفها بالإرهابية. عن أي شعب نتحدث وكيف يتم التعامل معه»؟
الجواب الأول الذي يمكن تقديره: «إنهم ألبان كوسوفو»، صحيح. فالغرب تدخل عسكرياً ضد المستبدين. والوحدات الأميركية الخاصة تعاونت أولاً تحت قناع جيش تحرير كوسوفو ثم مباشرة وبشكل مفضوح. والغرب ساعد هؤلاء البشر بتوفير غطاء دولي للاستقلال عن صربيا. أما الجواب الثاني الممكن: «إنهم كرد تركيا». وهذا صحيح أيضاً. ومع ذلك فالمؤرخ يمزح. «إننا نقف مكتوفي الأيدي نلوح بالدولارات أو بالأورو ونطالب تركيا أن تسمح باسم الله وباسم البنك الدولي أن تعامل أقليتها الكردية الكبيرة بشكل أفضل؛ وفي نهاية الأمر، فإن تركيا عضو في الحلف الأطلسي وتريد بإلحاح أن تصبح عضواً في الاتحاد الأوروبي.
أما الاحتمال الثالث، فهم بالطبع كرد العراق. فهم تعاونوا قبل الحرب مع القوات الأميركية الخاصة، وأثناء الحرب كانوا شريكاً يوثق به أكثر مما يوثق بتركيا بوصفها من دول حلف الأطلسي. وغالباً ما تم تسريب ذلك إلى الرأي العام الأميركي. فالولايات المتحدة تدين للكرد بشكر مزدوج: أولاً لأنه تم اصطيادهم مرتين أثناء تمردهم، وظلت هي دون أن يعكر صفوها أي معكر. وثانياً بسبب «أمانة تحالفهم النموذجي» في حرب العراق. حتى الإنكليز، كما بالإمكان أن نقرأ، عليهم مكافأة الكرد، ذلك أن انكلترا كانت أول من قصف بلاد هذا الشعب، حين أعلن هذا أثناء الحرب الأولى تمرده على دولة العراق التي قام الإنكليز بإحيائها.
وبتقديري الخاص، فإنه من الثابت الآن أن بروز القضية الكردية على مسرح السياسة الدولية هو إرث حرب الولايات المتحدة على صدام حسين، تماماً كما كان بروز القضية الفلسطينية إرث حرب الأيام الستة الإسرائيلية عام 1967 على جيرانها العرب. فهذه الكيفية الجديدة التي تتمتع بها القضية الكردية ليست مفاجئة أبداً. إذ إن المسألة الكردية قد تطورت منذ سنوات لتتحول من مسألة إقليمية (أو مسألة تتفرع من العديد من المسائل الإقليمية) لتتحول إلى مسألة دولية بحق. وقرار الأمم المتحدة بإقامة منطقة محمية للكرد العراقيين لا يمكن إلا أن يوضع في هذا الإطار. وكذلك أيضاً مناشدة الاتحاد الأوروبي تركيا التي يجب عليها التكيف مع نموذج الحقائق الثقافية والسياسية الأوروبية والعمل بالاتفاقيات الدولية التي وقعتها وتنفيذها عملياً.
كذلك تستخدم القوى العظمى الغريبة عن مكان إقامتهم قدر الكرد على هواها: ففي عام 1946 شجعت موسكو كرد إيران على تأسيس جمهورية خاصة بهم، ثم بعد عام من ذلك تخلت عنهم (بسبب توقيع على ما يظهر على معاهدة بترولية رابحة مع طهران). بعد جيل من ذلك خدع كرد العراق مرتين للقيام بحركات تمرد، خدعوا من أميركا عام 1974 وعام 1991، ولمرتين أيضاً تم التخلي عنهم من قبل الساسة الممسكين بالسلطة في واشنطن، وذلك بمجرد أن تغيرت وجهة المصالح التي يعمل لها هؤلاء الساسة، وفي المرتين تعرض الكرد لثأر دموي من جانب بغداد.
هذه المرة – ربما – قد تكون النهاية مختلفة: فمنذ العام 1991 تقوم في شمال العراق إدارة مستقلة بحماية أميركية، توازي في حقيقة الأمر دولة مستقلة. لقد تم قيام إقليم كردستان المتمتع باستقلال ذاتي، وبحكومة خاصة وبرلمان خاص، وبحياة اقتصادية مزدهرة وعلاقات دولية. وإذا ما تعلق الأمر بالكرد، فلا بد من تعزيز هذا الاستقلال الذاتي في عراق جديد – بل حتى بدونه أيضاً. لقد أظهر الكرد في شمال العراق أن بإمكانهم حكم أنفسهم بأنفسهم. وقد يتمكنون من تحويل استقلالهم الواقعي إلى استقلال ذاتي قانوني. وقد يكون الأمر موازياً لقيام دولة خاصة بهم.
ومع ذلك فإن نجاح هذا المسعى الكردي الجديد لايزال متعلقاً بخيط رفيع. فتركيا – وهي حليف الولايات المتحدة – مازالت تعارض كل استقلال ذاتي كردي ناجز. إذ تخشى تركيا– وليس دون وجه حق – أن تتحول أي منطقة كردية ناجحة إلى عامل تأثير في كل المناطق الأخرى (ولاسيما التركية منها) وأن يصبح هذا الإقليم بمثابة «سهل بيامونت الكردي» مثيل تلك الدولة الإيطالية الصغيرة التي تحولت في القرن التاسع عشر إلى خلية أطلقت حركة الوحدة الإيطالية. بل إن تركيا تهدد بالغزو العسكري، وهذا ما يمكن أن نتوقعه في أي وقت.
«قد تبدو التصورات حول قدر أمة دون دولة تصورات نظرية»، هذا ما كتبه مؤرخ أكسفورد تيموتي غارتون آش (Timothy Garton Ash)، حين كانت الفرق العسكرية الأميركية في وسط طريقها إلى بغداد. مع ذلك تظل القضية الكردية أكبر قنبلة موقوتة، تدق ساعة توقيتها في بغداد. وكان بإمكانه القول، «إنها تدق في أرجاء الشرق الأوسط». والسؤال هو: كيف يمكن للمرء أن يعمل على تعطيلها؟ ما هو الاستقلال الذاتي الذي يفكر فيه المخططون وأصحاب القرار؟ لقد سبق لبعض الساسة العقلاء، أو الأقل تعقلاً، أن وضعوا قبل وأثناء الحرب الأميركية ضد صدام حسين خططاً لمستقبل الكرد ضمن فدرالية في قلب العراق، ومخططات لكردستان عراقي مستقل ذاتياً. مع ذلك، لنا أن نسأل: كردستان عراقي ضمن أية حدود؟ مع أو بدون حقول النفط في كركوك. في خانقنين وسنجار؟ مع أو بدون حق العودة للكرد الذين نفاهم صدام إلى بغداد، أو الذين نفوا قبله أيضاً؟
وإن لم يتم ذلك بالترافق مباشرة مع قيام دولة؟ فإن الفرصة لم تكن قط مؤاتية. فبعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار التكتلات، شهدت الدول القومية نهضة فعلية، وتفككاً شمل معظم الدول متعددة الشعوب التي استمرت بالقوة والعنف. فبعد سقوط يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا والاتحاد السوفياتي انبثق أكثر من دزينة من الدول القومية الفتية وأرمينيا وجورجيا وليتوانيا وسلوفانيا وكرواتيا، حتى لا نسمي إلا البعض منها. ومعظمها لا يملك إلا رقعة أرض صغيرة، والقليل من السكان وأرضية اقتصادية ضعيفة، بالنسبة إلى ما يملكه كردستان العراقي وحده.
وبعض المقاومات التي اندلعت ضد استقلال هذه الشعوب ضمن دولة، قد تم القضاء عليها في إطار السياسة الدولية، كما تم تأمين السيرورة الاستقلالية لها إن عبر الأمم المتحدة، أو من خلال دول حلف الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي. وفي بعض الحالات سمحت أيضاً ألمانيا باستخدام طيرانها وأرسلت الجنود. بل إن بعض الدول الجديدة صارت حليفة لدول حلف الأطلسي أو للاتحاد الأوروبي، وبعضها الآخر أعرب أيضاً عن انتمائه إلى «أوروبا الجديدة» هذه.
والمؤرخ الذي أشرنا إليه أعلاه، تيموتي غارتون آش الذي عرف بنكاته اللاذعة، وصف الصراع مع الكرد بالسؤال الأحجية و«بالنواة المتفجرة». ففي بداية حرب العراق الأخيرة كتب في آذار/ مارس 2003: «سموا لي شعباً مسلماً بغالبيته يعاني منذ أمد طويل اضطهاد مجموعة إثنية أخرى، ويعاني أيضاً قيادة دولتها القمعية. فالذين ينتمون إلى هذا الشعب يصار إلى تعذيبهم، وتطلق عليهم القنابل ويصطادون في بيوتهم. هذا الشعب المحارب المشكل تقليدياً من مجموعات جبلية يدافع عن نفسه بحركات مسلحة وباستخدام حرب العصابات، وكذلك أيضاً بوسائل يمكن وصفها بالإرهابية. عن أي شعب نتحدث وكيف يتم التعامل معه»؟
الجواب الأول الذي يمكن تقديره: «إنهم ألبان كوسوفو»، صحيح. فالغرب تدخل عسكرياً ضد المستبدين. والوحدات الأميركية الخاصة تعاونت أولاً تحت قناع جيش تحرير كوسوفو ثم مباشرة وبشكل مفضوح. والغرب ساعد هؤلاء البشر بتوفير غطاء دولي للاستقلال عن صربيا. أما الجواب الثاني الممكن: «إنهم كرد تركيا». وهذا صحيح أيضاً. ومع ذلك فالمؤرخ يمزح. «إننا نقف مكتوفي الأيدي نلوح بالدولارات أو بالأورو ونطالب تركيا أن تسمح باسم الله وباسم البنك الدولي أن تعامل أقليتها الكردية الكبيرة بشكل أفضل؛ وفي نهاية الأمر، فإن تركيا عضو في الحلف الأطلسي وتريد بإلحاح أن تصبح عضواً في الاتحاد الأوروبي.
أما الاحتمال الثالث، فهم بالطبع كرد العراق. فهم تعاونوا قبل الحرب مع القوات الأميركية الخاصة، وأثناء الحرب كانوا شريكاً يوثق به أكثر مما يوثق بتركيا بوصفها من دول حلف الأطلسي. وغالباً ما تم تسريب ذلك إلى الرأي العام الأميركي. فالولايات المتحدة تدين للكرد بشكر مزدوج: أولاً لأنه تم اصطيادهم مرتين أثناء تمردهم، وظلت هي دون أن يعكر صفوها أي معكر. وثانياً بسبب «أمانة تحالفهم النموذجي» في حرب العراق. حتى الإنكليز، كما بالإمكان أن نقرأ، عليهم مكافأة الكرد، ذلك أن انكلترا كانت أول من قصف بلاد هذا الشعب، حين أعلن هذا أثناء الحرب الأولى تمرده على دولة العراق التي قام الإنكليز بإحيائها.
وبتقديري الخاص، فإنه من الثابت الآن أن بروز القضية الكردية على مسرح السياسة الدولية هو إرث حرب الولايات المتحدة على صدام حسين، تماماً كما كان بروز القضية الفلسطينية إرث حرب الأيام الستة الإسرائيلية عام 1967 على جيرانها العرب. فهذه الكيفية الجديدة التي تتمتع بها القضية الكردية ليست مفاجئة أبداً. إذ إن المسألة الكردية قد تطورت منذ سنوات لتتحول من مسألة إقليمية (أو مسألة تتفرع من العديد من المسائل الإقليمية) لتتحول إلى مسألة دولية بحق. وقرار الأمم المتحدة بإقامة منطقة محمية للكرد العراقيين لا يمكن إلا أن يوضع في هذا الإطار. وكذلك أيضاً مناشدة الاتحاد الأوروبي تركيا التي يجب عليها التكيف مع نموذج الحقائق الثقافية والسياسية الأوروبية والعمل بالاتفاقيات الدولية التي وقعتها وتنفيذها عملياً.
Page 4
كذلك تعتبر القضية الكردية أيضاً نواة لعبة البوكر (التجاذب) مع واشنطن، على ما ظهر في آذار عام 2003 بشأن حق عبور أو حق إقامة الفرق الأميركية في شمال العراق. فوضع كرد العراق سرعان ما اشتعل لدى مقاربة صراع المصالح المتأصل بين واشنطن وأنقرة. ولا يمكن في نهاية الأمر أن نتأكد من أن سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ستظل على استمراريتها أو ستتأثر بمصالح الشريك الكردي، أو بمصالح الشريك التركي الذي لا يقدر. وملاحظة بول ولفويتز (Paul Wolfowitz) ومؤداها أن تركيا قد اقترفت خطأً كبيراً بقولها «لا» وأنها ستندم على ذلك لاحقاً، هي ملاحظة سجلتها الآذان الكردية بشكل دقيق جداً.
لا يرى الخبراء الأميركيون في قضايا الشرق الأوسط، ولا المحللون ولا مستشارو الحكومة في القضية الكردية نوعاً من المفتاح، الذي يكفي وضعه في القفل المناسب وبرمه لتفتح لهم الأبواب في هذه المنطقة من الشرق الأوسط، كما لا يرون فيها أيضاً مفتاح تشغيل للقنبلة الكردية التي يخشاها الجميع. فالقضية الكردية أصبحت من أكبر المسائل في الشرق الأوسط، على ما قال هنري باركلي، وهو من الفريق السياسي المخطط في إدارة الدولة، والخبير بالتاريخ وبالسياسة الكرديين. فبقدر ما يتذوق الكرد طعم الحرية، يزدادون وعياً، وتزداد مطالبهم. و«الخبراء يتفقون، على ما يعتقد الأستاذ، أنه لا وجود لجماعة تمتلك قوة وقدرة بقدر ما يملك الكرد زعزعة ثبات المنطقة. إذا لم تعترف الحكومة المستقبلية (في العراق) باستقلال الكرد الذاتي وقبوله. وعلى الحكومة الأميركية أن تعي مدى هشاشة البنى السياسية والاجتماعية في العراق وفي بعض البلدان المجاورة الأخرى». فالوضع الكردي يبرز كيف يمكن بسرعة أن يجر التوتر مع كرد العراق الكرد في مناطق أخرى ولا سيما في إيران وسوريا وتركيا للتعاطف معهم.
ثم إن القادة الكرد المتنافسين ضمنياً والمسيطرين في المنطقة يؤكدون أنهم لا يسعون إلى استقلال بموجب قانون دولي. أما عملياً فإن مثل هذه التوضيحات لا دلالة فعلية لها. فالدينامية الذاتية القائمة على الإدماج بين صيرورة وعي إثني والطموح السياسي لدى قادة متنافسين سياسياً هذا إلى جانب الظروف الملائمة، تعدّ جميعاً من الأمور التي يصعب تقديرها. كذلك الضغط الذي تظهره الشرائح السياسية العريضة في كردستان على المسؤولين السياسيين، هو من الأمور التي يصعب تعليلها بالاستقلال الذاتي داخل الدول القائمة، ويمكن أيضاً توسيعه إلى مناطق كردية أخرى، هو ضغط لا حدود له. وبالفعل، فإن التمسك بالاستقلال الذاتي البسيط قد يحمل مزيداً من الحرية للناس هناك، إلا أنه يثبت انقسام الشعب الكردي.
ثم إن التصور الذي وضعته مجموعة طلابية كردية، والذي يقوم على فكرة تكوين فدرالية تضم المناطق التي قد تتمتع باستقلال ذاتي في العراق وسوريا وإيران وتركيا بدا، تبعاً للواقع السياسي في الشرق الأوسط وما فيه من توترات دينية وقومية واقتصادية، تصوراً يمكن تجاوزه.
حتى قبل اندلاع جبهة الحرب الأميركية ضد صدام حسين في العراق، وحين طرحت أول التصورات حول مستقبل الكرد العراقيين، ثمّ من جانب أصحاب القرار الكرد المؤثرين توجيه نقد شديد ضد الاكتفاء الذاتي الفيدرالي. لقد تم تصور فرصة بإيجاد حل للمسألة الكردية على مستوى كبير ومريح فقط من خلال إقامة منطقة استقلال ذاتي. وهذا ما أوضحه جواد ملا، وهو كردي من أصل سوري يعرف مصطفى البارزاني معرفة شخصية. وبوصفه رئيساً «للمؤتمر الوطني الكردي» الذي تأسس في المنفى في لندن عام 1984 صرح في آذار/ مارس 2003 للإذاعة الألمانية بما يلي: «إن الشعب الكردي على استعداد للمطالبة باستقلاله. إلا أن القادة الكرد والأحزاب الكردية غير مستعدة لتفهم أن الوقت قد حان الآن لقيام دولة كردية. الآن هو الوقت المناسب للحديث عن ذلك. فالأمم تحصل على استقلالها في أزمنة الحرب. والآن نحن أمام حرب كبرى في الشرق الأوسط، وذلك يعطي الكرد حظاً جيداً للحصول على الاستقلال».
والبطل القومي الكردي مصطفى البارزاني قد جعل باستمرار من هذا الأفق الكبير هدفاً لسياسته، ربما لأنه كان عليه طوال حياته أن يحارب جميع من اضطهدوا شعبه. وهذا ما تجلى أيضاً في المحادثات التي تسنى لي إجراؤها معه بصفتي صحفياً، وبوضوح: فهو لم يقبل قط الحدود المصطنعة في كردستان. كما أنه استعان بمساعدين له، وبوعي كلي، من كل أجزاء كردستان. وحين بدأ ثورته كان أول ممثل لها في أوروبا الأمير كاموران بدرخان الذي يتحدر من شمال كردستان (كردستان تركيا). وبعده تولى المنصب نفسه عصمت شريف وانلي السوري الكردي. كما أن البارزاني قد اتخذ لنفسه كاتباً شخصياً هو الشاعر هزار مكرياني المتحدر من كردستان إيران في الشرق. ولم يكن البارزاني ثابتاً في كردستان العراق.
يتماشى هذا البعد الكبير أيضاً مع سير التاريخ الكردي. فلا نجد في العقود الأخيرة من السنين فقط نقطة ارتكاز واحدة تقوم على الجهد باتجاه الوحدة والحرية، بل إن الموقف المختلف، الذي ما زال مختلفاً أيضاً بين العراق وسوريا وإيران وتركيا قد أثر في بعث نظام تراشح دينامي بين مختلف هذه المناطق. ففي عشرينيات وثلاثينيات القرن المنصرم كانت نقطة الثقل في تركيا حيث كان على الكرد مكافحة المحو الثقافي الكلي والمحو الشعبي الكلي. بعد الحرب العالمية الثانية أصبح كرد إيران نقطة محورية في آمال الكرد. هناك أيضاً أزفت ساعة ولادة حزب كردستان الديموقراطي، وهناك أيضاً تحققت، وإن لوقت قصير جمهورية مهاباد الكردية لأول مرة في الأزمنة المعاصرة. هناك ظهر النشيد الوطني الكردي كما ظهر علم الشعب الكردي. وكما هو معلوم سارع البارزاني من العراق وتولى القيادة العليا على القوى العسكرية في الجمهورية الكردية.
بعد الانقلاب على الملكية العراقية عام 1958 لعب كرد العراق دوراً طليعياً في الشؤون المتعلقة بحق تقرير المصير الثقافي والسياسي. مجدداً أصبح العراق واسطة العقد حتى أواسط السبعينيات حين انتهى دور البارزاني. بعد ذلك تولى كرد تركيا لوقت قصير زمام المبادرة. وكان للمعركة التي قادها حزب أوجلان، «حزب العمال الكردي» وجيش تحريره – بالرغم من المعارضة القوية لبعض المواقع الأيديولوجية في هذا الحزب – أثرها في الثمانينيات والتسعينيات في الكرد في كل المناطق المجاورة، وهو أثر يشبه أثر المغناطيس في الحديد. والقسم الأكبر من مقاتليه كان من سوريا والعراق، بل حتى من بلاد الشتات الأوروبية أيضاً.
لقد لعبت العلاقات المتواصلة على الدوام بين مختلف أجزاء الشعب، التي لم تعرف حتى الحرب العالمية الأولى أي حدود فعلية، دوراً سرّع في تكوين الوعي الكردي. والتبادل السريع للأخبار والآراء والمواقف يتم اليوم عبر الصحافة والإذاعات والإنترنت ومن خلال ثلاث محطات بث تلفزيوني فضائي حتى الآن (اثنتان في كردستان العراق، وواحدة في بروكسيل). كذلك يلعب الشتات دوراً خاصاً، إذ إن موجات الهجرة الكبيرة نتيجة الحرب بين إيران والعراق قد اصطبغت لاحقاً بصبغة ثقافية. كما أن البروليتاريا الريفية المندفعة من تركيا قد تعرفت في ألمانيا وبلجيكا وفرنسا إلى ثقافتها الكردية. فالكرد هم وقبل التحول إلى أمة سياسية، أمة ثقافية بالدرجة الأولى.
منذ قيام منطقة الحكم الذاتي في كردستان العراق، أي منذ عام 1991 ومنذ القضاء على سلطة صدام حسين، أصبحت مسؤولية التاريخ الكردي في أيدي الأحزاب الكردية الحاكمة وفي أيدي رؤسائها. فعليهم تقع مسؤولية ما قد يتأتى من القدرة المتنامية لدى الكرد. وعليهم الآن أن يشكلوا الواقع الكردي من خلال الأحلام والسياسة الواقعية، ومن خلال التاريخ والأمل.
لا يرى الخبراء الأميركيون في قضايا الشرق الأوسط، ولا المحللون ولا مستشارو الحكومة في القضية الكردية نوعاً من المفتاح، الذي يكفي وضعه في القفل المناسب وبرمه لتفتح لهم الأبواب في هذه المنطقة من الشرق الأوسط، كما لا يرون فيها أيضاً مفتاح تشغيل للقنبلة الكردية التي يخشاها الجميع. فالقضية الكردية أصبحت من أكبر المسائل في الشرق الأوسط، على ما قال هنري باركلي، وهو من الفريق السياسي المخطط في إدارة الدولة، والخبير بالتاريخ وبالسياسة الكرديين. فبقدر ما يتذوق الكرد طعم الحرية، يزدادون وعياً، وتزداد مطالبهم. و«الخبراء يتفقون، على ما يعتقد الأستاذ، أنه لا وجود لجماعة تمتلك قوة وقدرة بقدر ما يملك الكرد زعزعة ثبات المنطقة. إذا لم تعترف الحكومة المستقبلية (في العراق) باستقلال الكرد الذاتي وقبوله. وعلى الحكومة الأميركية أن تعي مدى هشاشة البنى السياسية والاجتماعية في العراق وفي بعض البلدان المجاورة الأخرى». فالوضع الكردي يبرز كيف يمكن بسرعة أن يجر التوتر مع كرد العراق الكرد في مناطق أخرى ولا سيما في إيران وسوريا وتركيا للتعاطف معهم.
ثم إن القادة الكرد المتنافسين ضمنياً والمسيطرين في المنطقة يؤكدون أنهم لا يسعون إلى استقلال بموجب قانون دولي. أما عملياً فإن مثل هذه التوضيحات لا دلالة فعلية لها. فالدينامية الذاتية القائمة على الإدماج بين صيرورة وعي إثني والطموح السياسي لدى قادة متنافسين سياسياً هذا إلى جانب الظروف الملائمة، تعدّ جميعاً من الأمور التي يصعب تقديرها. كذلك الضغط الذي تظهره الشرائح السياسية العريضة في كردستان على المسؤولين السياسيين، هو من الأمور التي يصعب تعليلها بالاستقلال الذاتي داخل الدول القائمة، ويمكن أيضاً توسيعه إلى مناطق كردية أخرى، هو ضغط لا حدود له. وبالفعل، فإن التمسك بالاستقلال الذاتي البسيط قد يحمل مزيداً من الحرية للناس هناك، إلا أنه يثبت انقسام الشعب الكردي.
ثم إن التصور الذي وضعته مجموعة طلابية كردية، والذي يقوم على فكرة تكوين فدرالية تضم المناطق التي قد تتمتع باستقلال ذاتي في العراق وسوريا وإيران وتركيا بدا، تبعاً للواقع السياسي في الشرق الأوسط وما فيه من توترات دينية وقومية واقتصادية، تصوراً يمكن تجاوزه.
حتى قبل اندلاع جبهة الحرب الأميركية ضد صدام حسين في العراق، وحين طرحت أول التصورات حول مستقبل الكرد العراقيين، ثمّ من جانب أصحاب القرار الكرد المؤثرين توجيه نقد شديد ضد الاكتفاء الذاتي الفيدرالي. لقد تم تصور فرصة بإيجاد حل للمسألة الكردية على مستوى كبير ومريح فقط من خلال إقامة منطقة استقلال ذاتي. وهذا ما أوضحه جواد ملا، وهو كردي من أصل سوري يعرف مصطفى البارزاني معرفة شخصية. وبوصفه رئيساً «للمؤتمر الوطني الكردي» الذي تأسس في المنفى في لندن عام 1984 صرح في آذار/ مارس 2003 للإذاعة الألمانية بما يلي: «إن الشعب الكردي على استعداد للمطالبة باستقلاله. إلا أن القادة الكرد والأحزاب الكردية غير مستعدة لتفهم أن الوقت قد حان الآن لقيام دولة كردية. الآن هو الوقت المناسب للحديث عن ذلك. فالأمم تحصل على استقلالها في أزمنة الحرب. والآن نحن أمام حرب كبرى في الشرق الأوسط، وذلك يعطي الكرد حظاً جيداً للحصول على الاستقلال».
والبطل القومي الكردي مصطفى البارزاني قد جعل باستمرار من هذا الأفق الكبير هدفاً لسياسته، ربما لأنه كان عليه طوال حياته أن يحارب جميع من اضطهدوا شعبه. وهذا ما تجلى أيضاً في المحادثات التي تسنى لي إجراؤها معه بصفتي صحفياً، وبوضوح: فهو لم يقبل قط الحدود المصطنعة في كردستان. كما أنه استعان بمساعدين له، وبوعي كلي، من كل أجزاء كردستان. وحين بدأ ثورته كان أول ممثل لها في أوروبا الأمير كاموران بدرخان الذي يتحدر من شمال كردستان (كردستان تركيا). وبعده تولى المنصب نفسه عصمت شريف وانلي السوري الكردي. كما أن البارزاني قد اتخذ لنفسه كاتباً شخصياً هو الشاعر هزار مكرياني المتحدر من كردستان إيران في الشرق. ولم يكن البارزاني ثابتاً في كردستان العراق.
يتماشى هذا البعد الكبير أيضاً مع سير التاريخ الكردي. فلا نجد في العقود الأخيرة من السنين فقط نقطة ارتكاز واحدة تقوم على الجهد باتجاه الوحدة والحرية، بل إن الموقف المختلف، الذي ما زال مختلفاً أيضاً بين العراق وسوريا وإيران وتركيا قد أثر في بعث نظام تراشح دينامي بين مختلف هذه المناطق. ففي عشرينيات وثلاثينيات القرن المنصرم كانت نقطة الثقل في تركيا حيث كان على الكرد مكافحة المحو الثقافي الكلي والمحو الشعبي الكلي. بعد الحرب العالمية الثانية أصبح كرد إيران نقطة محورية في آمال الكرد. هناك أيضاً أزفت ساعة ولادة حزب كردستان الديموقراطي، وهناك أيضاً تحققت، وإن لوقت قصير جمهورية مهاباد الكردية لأول مرة في الأزمنة المعاصرة. هناك ظهر النشيد الوطني الكردي كما ظهر علم الشعب الكردي. وكما هو معلوم سارع البارزاني من العراق وتولى القيادة العليا على القوى العسكرية في الجمهورية الكردية.
بعد الانقلاب على الملكية العراقية عام 1958 لعب كرد العراق دوراً طليعياً في الشؤون المتعلقة بحق تقرير المصير الثقافي والسياسي. مجدداً أصبح العراق واسطة العقد حتى أواسط السبعينيات حين انتهى دور البارزاني. بعد ذلك تولى كرد تركيا لوقت قصير زمام المبادرة. وكان للمعركة التي قادها حزب أوجلان، «حزب العمال الكردي» وجيش تحريره – بالرغم من المعارضة القوية لبعض المواقع الأيديولوجية في هذا الحزب – أثرها في الثمانينيات والتسعينيات في الكرد في كل المناطق المجاورة، وهو أثر يشبه أثر المغناطيس في الحديد. والقسم الأكبر من مقاتليه كان من سوريا والعراق، بل حتى من بلاد الشتات الأوروبية أيضاً.
لقد لعبت العلاقات المتواصلة على الدوام بين مختلف أجزاء الشعب، التي لم تعرف حتى الحرب العالمية الأولى أي حدود فعلية، دوراً سرّع في تكوين الوعي الكردي. والتبادل السريع للأخبار والآراء والمواقف يتم اليوم عبر الصحافة والإذاعات والإنترنت ومن خلال ثلاث محطات بث تلفزيوني فضائي حتى الآن (اثنتان في كردستان العراق، وواحدة في بروكسيل). كذلك يلعب الشتات دوراً خاصاً، إذ إن موجات الهجرة الكبيرة نتيجة الحرب بين إيران والعراق قد اصطبغت لاحقاً بصبغة ثقافية. كما أن البروليتاريا الريفية المندفعة من تركيا قد تعرفت في ألمانيا وبلجيكا وفرنسا إلى ثقافتها الكردية. فالكرد هم وقبل التحول إلى أمة سياسية، أمة ثقافية بالدرجة الأولى.
منذ قيام منطقة الحكم الذاتي في كردستان العراق، أي منذ عام 1991 ومنذ القضاء على سلطة صدام حسين، أصبحت مسؤولية التاريخ الكردي في أيدي الأحزاب الكردية الحاكمة وفي أيدي رؤسائها. فعليهم تقع مسؤولية ما قد يتأتى من القدرة المتنامية لدى الكرد. وعليهم الآن أن يشكلوا الواقع الكردي من خلال الأحلام والسياسة الواقعية، ومن خلال التاريخ والأمل.
Page 5
2- «من يقول إذاً، إننا نثق ثقة عمياء بالولايات المتحدة»؟
التحالف الأميركي مع أميركا
تشكلت منطقة الاستقلال الذاتي في الأسبوعين الأولين من آذار عام 2003. والوصول إلى هناك ليس بالأمر السهل أبداً. فالكل يعلم في هذه الأيام أن حرب الولايات المتحدة وحلفائها ضد العراق قد باتت على الأبواب. ومن لا يدرك بقوة، فهو أقله يعرف الآن أن مفتشي الأمم المتحدة لا يلعبون سوى لعبة ميكي ماوس في العراق. وإنه لا فرق أبداً إن هم وجدوا «شيئاً» في العراق أم لم يجدوا. «فهو» والله وحده قد قرر منذ أمد طويل أن الشرق الأوسط سيجر مجبراً إلى مناورة على أسس جديدة. ومعظم الدول التي لها حدودها مع شمال العراق الكردي، ولأسباب تتعلق «بالأمن الوطني» قد صعبت من إجراءات عبور الحدود. فالصحافيون لن يسمح لهم بالعبور على الحدود. والدخول «ببساطة» أصبح في كل يوم يمر أشد صعوبة. والحدود السورية العراقية، أقله في الشمال أصبحت مغلقة كلياً أمام العابرين، وكل طلبات الانتقال يجب أن تحصل على تصريح استثنائي من قبل الأمن العام السوري في دمشق، حتى الإذن بالسماح لي بعبور الحدود قد انتظر مدة عشرة أسابيع. وحين حصلت على الإذن حفظت رقمه بحبور شديد غيباً. من يرد الانتقال إلى «هناك» – ولكي يستطيع الحصول على إذن لذلك – يستطع الانتقال إلى الجانب الأقصى من شمال شرق سوريا، حيث تشكل الحدود بين تركيا والعراق وسوريا على شاطىء دجلة مثلثاً أرضياً ذا زوايا ثلاث. هناك يمكن العبور بثلاثة أرباع الساعة بالتاكسي إلى الشرق من القامشلي، الواقعة على دجلة، باستخدام عبّارة ومعظم المنتظرين للعبور هم من الكرد الرجال الفارين من العراق. فهم يريدون العودة إلى موطنهم، للاهتمام بأسرهم بعد هذه الحرب المنتظرة وللاعتزاز بعودتهم إلى موطنهم.المدينة السورية التي تلي الحدود مباشرة هي القامشلي. إنها المدينة الأكبر في منطقة وجود الكرد في سوريا. والكرد يطلقون على هذه المنطقة اسم «غرب كردستان». (فعلى الجانب الآخر من دجلة يبدأ «جنوب كردستان». وفي تركيا الحالية يقع «شمال كردستان». وكرد إيران يعيشون في «جنوب شرق – كردستان»). وبالتأكيد فإن أكثر من نصف سكان القامشلي هم من الكرد. إذ في سوريا أيضاً يعتبر الكرد أقلية غير محبوبة ومستغلة. ولكن المرء سرعان ما يكوّن الانطباع بارتفاع درجة الوعي الذاتي وارتفاع حدة المزاج، خصوصاً وأن المنطقة تقع بمحاذاة منطقة كردستان ذات الحكم الذاتي في العراق. ففي البازار أو في رواق فندق المنار الطويل، بما فيه من مقاعد متعددة، وما فيه من شباب يشربون القهوة، ومن خدم يقدمون الشاي حيث نجد حول كل طاولة من يدخن النارجيلة، في كل هذه الأماكن ومنها، نسمع بصوت عال تجاذب الحديث باللغة الكردية ونسمع الضحك أيضاً. وحول طاولات أخرى نسمع في هذه الأيام أحاديث بالإنكليزية من أشخاص مختلفين، وأحياناً بالألمانية، وبالعربية بالطبع.
وبالطبع فإن تجاوز القامشلي ليس سهلاً كلياً، ففي القامشلي مطار تطير منه بانتظام طائرات الخطوط الجوية السورية. ومع أن الطائرات تقلع غالباً شبه خالية، فإن الحصول على بطاقة وحجز مقعد عليها يحتاج إلى علاقات خاصة، أو عبر تدخل معارف أو من خلال الرشوة المعروفة عادة. صحيح أن القامشلي موجودة في منطقة الكرد السورية وهي إلى الغرب من مناطق استخراج النفط في البلاد، فهي تقع تحت رقابة رجال المخابرات. وحين أسأل لماذا تطير الطائرات شبه خالية، أو لماذا معظم الرحلات محجوزة أو ملغاة، ولماذا لا يعمل جهاز الكومبيوتر، فلا أجد أحداً يوضح لي ذلك.
ولكن بالإمكان أيضاً السفر من دمشق باستخدام الباص السريع. وهذا لا يكلف كثيراً، وبالإمكان أن نرى مزيداً من البلاد. إلا أن الرحلة تستغرق تسع ساعات. هذا هو زمن الرحلة إلى القامشلي. والطريق تمر عبر تدمر، وهي مدينة صغيرة تعيش على ما تبقى فيها من آثار قديمة، وقد قامت تدمر المدينة عند أطراف هذه الآثار. بعد ساعات الرحلة الطويلة التي يحتفظ المرء منها بذكريات عن الصحراء الحارقة والرمال الحمراء، ينام معظم المسافرين بمجرد وصول الباص إلى المساحات الخضراء عند منابع المياه التي تغذي الواحات. بعد ذلك تمتد الطريق عبر الصحراء السورية إلى دير الزور. وفي المرحلة الأخيرة المقدرة بـ150 كلم لا يرى المسافر إلى القامشلي شيئاً كثيراً. إنها ظلمة دامسة والباص يعبر القامشلي. في صباح اليوم التالي وفي السادسة صباحاً نسافر نحو دجلة، وعبر النهر إلى كردستان العراق. وبعد الظهر نصل إلى أربيل.
مزاج غريب يسيطر على البلد! والكل ينتظر في هذا الشرق – غرب مرور بعض الوقت، ونحن جميعاً نعاني ذلك إلى أن تقترب عقارب الساعة من الساعة «الثانية عشرة ظهراً». وهو الوقت الذي حدده جورج بوش الإبن لبدء حربه، التي ستؤدي لاحقاً إلى إطاحة الديكتاتور غير المرغوب فيه صدام حسين، حتى يقتل أو يزاح، وحتى يصبح الباب مشرعاً للعبة جديدة ولنظام جديد في العراق، تبدو معالمه في النجوم ولا علم لنهايته قبل انقضاء وقت طويل. وحتى نبلغ تلك النهاية لا نعرف من سنعد بين المنتصرين ولا من سنعد أيضاً بين الخاسرين.
في هذه الأيام من شهر آذار/ مارس تُظهر الانطباعات والملاحظات الاضطراب في أربيل، التي تعتبر أكبر مدينة في كردستان العراق، وفي مناطق أخرى من هذا الإقليم. حيث يسود التداخل بين ما يحدث قبيل الحرب وبين الحالة الطبيعية التي تجري بانتظام يومي: هذا ما يحدث على سبيل المثال في ملعب أربيل لكرة القدم الذي يشهد وقد امتلأت مقاعده في الثالثة بعيد الظهر مباراة بين الفريق المحلي، فريق «هولير» (وهذا هو اسم أربيل بالكردية وترجمته «عرش الآلهة») وفريق «النفط» القادم من بغداد. وقد يحدث بعد أسابيع أن يصبح اللاعبون جنوداً يقفون بعضهم ضد بعض ويطلقون كأعداء النار بعضهم على بعض. فلا أحد يعرف ما يجري، لا المشاهدون الفرحون ولا اللاعبون أيضاً. بل إن بعضهم قد استفاد من الاستراحة بين شوطين ليتحدث إلى الصحافيين الغربيين الموجودين وليقول: هنا بالإمكان أن ترى مرة أخرى كيف يتعايش الكرد معاً بشكل طبيعي مع العرب في المدينة الواحدة. ربح فريق أربيل مباراة ذلك اليوم بنتيجة واحد إلى صفر، وبعجلة صعد الفريق البغدادي إلى الباص، فهو لن يستقبل في بلده بترحاب.
في اليوم نفسه وعلى بعد 50 كلم إلى الجنوب من أربيل عند خطوط الفصل مع عراق صدام، لم يكن الوضع ودياً. ففي وقت كانت النساء فيه يعدون طعام الغداء، حاصرت وحدة من الكتيبة الخامسة العراقية منطقة شيروڤا وبعض القرى الصغيرة المجاورة وطلبت من السكان إخلاءها على وجه السرعة. وقد روى أحمد حمود الذي كان يؤدي الخدمة في وحدة كردية مع رجال آخرين على بعد 20 كلم أنهم قالوا له: لديكم 15 دقيقة حتى تختفوا. ومن يبقى بعد ذلك هناك ستطلق النار عليه. حمل الأولاد والنساء ما يقوون على حمله، وتركوا المنازل وذهبوا حتى وصلوا إلى حيث كنا». بعد الظهر هوجمت حظائر الماعز المصنوعة من الطين وسويت بواسطة الجرافات بالأرض.
Page 6
وفي صلاح الدين الواقعة على بعد 20 كلم إلى الشمال من أربيل وعند بداية سفوح الجبال لا يمكن أن نجد غرفة واحدة فارغة. فهذه المدينة الصغيرة هي مقر عشيرة البارزاني. كما أن المقر الأساسي للحزب الديموقراطي الكردي الذي تقوده أسرة البارزاني يقع في هذه المدينة أيضاً. وثمة عدد من السياسيين العراقيين ممن يعيشون في المنفى ويشكلون حزب المؤتمر العراقي الوطني (INC) يوجدون أيضاً هناك للتباحث مع القادة الكرد ومع المبعوثين الأميركان الخاصين بشأن التنسيق حول ما يعد للعراق. وفي المكان نفسه نشهد وجود عملاء الاستخبارات الأميركية والقوى الخاصة إلى جانب الصحافيين الأميركيين والإنكليز أيضاً. وكذلك نشهد وجود بعثة من وكالة أنباء CNN بانتظار حصول شيء ما يكون موازياً لحجم وجودها. فلا يمكن تجاهل وجود علاقات كردية أميركية خاصة، ولا تجاهل معاينة عمل إجرائي مباشر مشترك بين الكرد والعسكريين الأميركيين ومكاتب المصالح الأميركية.
وعلى بعد 150 كلم شرقاً نجد فرايدون عبد القادر المسؤول عن الأمن المدني (وزير داخلية) لقرابة 500.000 ساكن في مدينة السليمانية، يعلن فيما يشبه إعلان تفليسة: لأن الأقنعة الواقية من الغاز غير موجودة لشرائها، ولأنها غير رخيصة أيضاً بالنسبة إلى المستهلكين العاديين، ولأن «أصدقاءنا الأميركيين» لم يوفروا حتى الآن أياً من تجهيزات الحماية التي وعدوا بها، فعلى العديد من المواطنين إخلاء عائلاتهم ونقلها إلى المناطق الريفية الأقل خطراً. أحياناً كانت تطلق بعض التعليمات حول كيفية صنع أقنعة بديلة. وهذه يجب أن تصنع من قُمُط أطفال يضم إليها الفحم النباتي والملح. فقد بلغتنا معلومات، على ما يضيف قادر، أن الوحدات العراقية الموجودة في جوارنا قد ضمت في صفوفها خبراء في الأسلحة الكيمياوية والبيولوجية.
إن هذا قد يعني ما عرفناه سابقاً من الهجوم على حلبجة ومناطق أخرى في الثمانينيات من القرن الماضي.
إن القلق من الغاز يسري في كل مكان. وما يعزز القلق هو أنه في هذه الأيام تشهد المنطقة بكاملها، عبر برامج محطتي التلفزيون الكرديتين الموجودتين هناك، كما الجرائد واللوحات الإعلانية، الذكرى الخامسة عشرة لما جرى في حلبجة مع نهاية الحرب العراقية – الإيرانية يوم السادس عشر من آذار 1988 وهو يوم يذكر بالصدمة التي تعرض لها كرد العراق. وكبار السن منهم بإمكانهم إلى اليوم تذكر التفاصيل المروعة، أما بالنسبة إلى الشباب فإن المقاطع الثلاثة المشكلة لكلمة حلبجة (ح ـ لا ـ جا) أصبحت بعد مضي 15 عاماً مرادفاً تجريدياً لكلمات «الموت»، و«الضحية»، و«صدام».
على سبيل التذكير: في أيلول 1980 هاجم العراق إيران، الدولة المجاورة، التي شهدت قبل عام من ذلك ثورة أدت إلى إطاحة نظام الشاه الموالي للأميركان، والتي استطاع فيها آيات الله الشيعة إقامة دولة إسلامية إلهية معادية للأميركيين. حصل صدام حسين لتوليه هذه الحرب على مساعدة كاملة من الغرب، ومن الولايات المتحدة بشكل خاص. ففي ذلك الوقت كان الدكتاتور المعروف بقسوته حليفاً للغرب. قدمت مساعدات مالية بمليارات الدولارات، وتدفقت الأسلحة ومحطات الاستقبال الفضائية والمواد اللازمة لتحضير الأسلحة البيولوجية – تدفق كل شيء بسخاء ـ عبر الأطلسي. شكل قرار الأمن القومي رقم 114 الصادر عام 1988 الإطار السياسي. وإذا استمرت الحرب حتى هذا العام فقد ألف سكان حلبجة وكذلك شتى مناطق الحدود الإيرانية العراقية ضجيج الطائرات وكذلك غاراتها المفاجئة.
إلا أنه وبعد ظهيرة ذلك اليوم في 16 آذار/ مارس 1988 اتخذت حرب القنابل وجهاً لم تكن قد عرفته حتى ذلك الوقت. وما سُمع لم يكن صوتاً عالياً لانفجار قنابل. فالطائرات العراقية ألقت صفائح ذات لون رمادي إلى أخضر، تنفجر بمجرد ملامستها الأرض بصوت عميق. وحين ابتعدت المقاتلات ارتفع ضباب رمادي فوق المدينة. وكان العديد من السكان قد خرجوا من ملاجئهم الموقتة، ومن خنادق حفروها بأنفسهم وراحوا يركضون فوق الشوارع، ولكن كان الوقت قد تأخر ليلوذوا بالفرار. شعر الناس بحريق في الأعين، وانتابتهم دورات حادة من السعال وأصيبوا بتقلصات شديدة. لاحقاً أفادت إحدى اللجان الطبية: «بعض الناس أطلق روائح مختلفة، من ذلك ما يشبه رائحة بصل عفن، أو رائحة الخردل أو رائحة الجثث». لقد كان ذلك رائحة الموت الذي لا صوت له. ومن المنحدرات الجبلية انتقل الغاز السام الأثقل من الهواء إلى المدينة وزحف عبر الشوارع وتركز في الخنادق. لقد استخدم نظام الرئيس العراقي صدام حسين الطابون، وهو غاز أعصاب قاتل شديد الفعالية، وغاز الخردل الذي يشل الجسد، ضد الكرد الذين لا معين لهم.
وحين انقشع الضباب الأصفر – الرمادي بعد نصف ساعة، كان أكثر من 5000 من المواطنين قد استلقوا قتلى في الشوارع وفي البيوت. أمهات من الكرد والأبناء، والآباء. ماتوا اختناقاً وقتلهم السلاح الكيميائي. وجرح أيضاً نحو 10.000 آخرين. وإلى الآن في العام 2003 ما زال سكان حلبجة يعانون بعض الأمراض السرطانية واضطرابات عصبية وتشوهات في المواليد، إلى جانب من يولد منهم ميتاً.
لاحقاً أصدر الحزب الديموقراطي الكردي، وكان بقيادة مسعود البارزاني آنذاك، وهو أحد أبناء مصطفى البارزاني الذي توفي عام 1975 والذي أصبح أحد أبطال التحرر الكردي، أصدر لائحة طويلة ضمت 65 مكاناً آخر يزعم أن الفرق العسكرية العراقية قد قصفتها بالغاز السام. ثمة قائد آخر، وهو جلال طالباني رئيس حزب الاتحاد الوطني الكردي وكان أول الأمر حزباً بتوجه يساري، قد عرض صيف 1988 في بون ولندن وباريس وواشنطن 40 شريط فيديو، يقال أن أتباعه التقطوها في قرى المناطق الكردية العراقية. وقد تسنى لي أن أطلع على هذه الوثائق المسجلة على أشرطة فيديو التي توازي أربعين ساعة عرض. وهي تضم صوراً متشابهة في كل مكان: جثث لا يبدو عليها آثار جراح خارجية، وجثث حيوانات منتفخة. آثار بقع دمامل على الجلد، وأحوال شلل أو جمود عند من بقي حياً من النساء والأطفال. بعد أشهر من ذلك عرض التلفزيون الألماني الغربي برنامجاً وثائقياً أخذ من هذه الأشرطة.
توجه قادة الكرد إلى القوى العظمى وناشدوا الأمم المتحدة لتقديم المساعدة. مع ذلك لم يسمح لأي من مراقبي الأمم المتحدة بزيارة شمال العراق، إذ إن بغداد اعتبرت ذلك «تدخلاً في الشؤون الداخلية»، ولأن الولايات المتحدة أيضاً قد أرادت مداراة هذه الجريمة. لايزال هذا إلى الآن بالنسبة إلى الكرد من الأمثلة المحاطة بالغموض التي تذكر بسياسة ذات وجهين! ففي حين كانت الدلائل الموزعة التي تدين بغداد تلقى اعتراض العالم، على الورق، تابع موظفو الولايات المتحدة وبتعليمات إدارة الدولة اللعب المؤلم على الحبال. هذا وقد عرض أحد العاملين المساعدين في International Herald Tribune، وهو ج. ر. هيلترمان في مخطوط كتابه عن سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق ذلك بالتفصيل. وقد رأى، أن ديبلوماسيي الولايات المتحدة قد عمموا أنهم يملكون أكثر من دليل بأن الهجوم بالغاز السام تتحمل مسؤوليته قوات إيران الجوية...
وعلى بعد 150 كلم شرقاً نجد فرايدون عبد القادر المسؤول عن الأمن المدني (وزير داخلية) لقرابة 500.000 ساكن في مدينة السليمانية، يعلن فيما يشبه إعلان تفليسة: لأن الأقنعة الواقية من الغاز غير موجودة لشرائها، ولأنها غير رخيصة أيضاً بالنسبة إلى المستهلكين العاديين، ولأن «أصدقاءنا الأميركيين» لم يوفروا حتى الآن أياً من تجهيزات الحماية التي وعدوا بها، فعلى العديد من المواطنين إخلاء عائلاتهم ونقلها إلى المناطق الريفية الأقل خطراً. أحياناً كانت تطلق بعض التعليمات حول كيفية صنع أقنعة بديلة. وهذه يجب أن تصنع من قُمُط أطفال يضم إليها الفحم النباتي والملح. فقد بلغتنا معلومات، على ما يضيف قادر، أن الوحدات العراقية الموجودة في جوارنا قد ضمت في صفوفها خبراء في الأسلحة الكيمياوية والبيولوجية.
إن هذا قد يعني ما عرفناه سابقاً من الهجوم على حلبجة ومناطق أخرى في الثمانينيات من القرن الماضي.
إن القلق من الغاز يسري في كل مكان. وما يعزز القلق هو أنه في هذه الأيام تشهد المنطقة بكاملها، عبر برامج محطتي التلفزيون الكرديتين الموجودتين هناك، كما الجرائد واللوحات الإعلانية، الذكرى الخامسة عشرة لما جرى في حلبجة مع نهاية الحرب العراقية – الإيرانية يوم السادس عشر من آذار 1988 وهو يوم يذكر بالصدمة التي تعرض لها كرد العراق. وكبار السن منهم بإمكانهم إلى اليوم تذكر التفاصيل المروعة، أما بالنسبة إلى الشباب فإن المقاطع الثلاثة المشكلة لكلمة حلبجة (ح ـ لا ـ جا) أصبحت بعد مضي 15 عاماً مرادفاً تجريدياً لكلمات «الموت»، و«الضحية»، و«صدام».
على سبيل التذكير: في أيلول 1980 هاجم العراق إيران، الدولة المجاورة، التي شهدت قبل عام من ذلك ثورة أدت إلى إطاحة نظام الشاه الموالي للأميركان، والتي استطاع فيها آيات الله الشيعة إقامة دولة إسلامية إلهية معادية للأميركيين. حصل صدام حسين لتوليه هذه الحرب على مساعدة كاملة من الغرب، ومن الولايات المتحدة بشكل خاص. ففي ذلك الوقت كان الدكتاتور المعروف بقسوته حليفاً للغرب. قدمت مساعدات مالية بمليارات الدولارات، وتدفقت الأسلحة ومحطات الاستقبال الفضائية والمواد اللازمة لتحضير الأسلحة البيولوجية – تدفق كل شيء بسخاء ـ عبر الأطلسي. شكل قرار الأمن القومي رقم 114 الصادر عام 1988 الإطار السياسي. وإذا استمرت الحرب حتى هذا العام فقد ألف سكان حلبجة وكذلك شتى مناطق الحدود الإيرانية العراقية ضجيج الطائرات وكذلك غاراتها المفاجئة.
إلا أنه وبعد ظهيرة ذلك اليوم في 16 آذار/ مارس 1988 اتخذت حرب القنابل وجهاً لم تكن قد عرفته حتى ذلك الوقت. وما سُمع لم يكن صوتاً عالياً لانفجار قنابل. فالطائرات العراقية ألقت صفائح ذات لون رمادي إلى أخضر، تنفجر بمجرد ملامستها الأرض بصوت عميق. وحين ابتعدت المقاتلات ارتفع ضباب رمادي فوق المدينة. وكان العديد من السكان قد خرجوا من ملاجئهم الموقتة، ومن خنادق حفروها بأنفسهم وراحوا يركضون فوق الشوارع، ولكن كان الوقت قد تأخر ليلوذوا بالفرار. شعر الناس بحريق في الأعين، وانتابتهم دورات حادة من السعال وأصيبوا بتقلصات شديدة. لاحقاً أفادت إحدى اللجان الطبية: «بعض الناس أطلق روائح مختلفة، من ذلك ما يشبه رائحة بصل عفن، أو رائحة الخردل أو رائحة الجثث». لقد كان ذلك رائحة الموت الذي لا صوت له. ومن المنحدرات الجبلية انتقل الغاز السام الأثقل من الهواء إلى المدينة وزحف عبر الشوارع وتركز في الخنادق. لقد استخدم نظام الرئيس العراقي صدام حسين الطابون، وهو غاز أعصاب قاتل شديد الفعالية، وغاز الخردل الذي يشل الجسد، ضد الكرد الذين لا معين لهم.
وحين انقشع الضباب الأصفر – الرمادي بعد نصف ساعة، كان أكثر من 5000 من المواطنين قد استلقوا قتلى في الشوارع وفي البيوت. أمهات من الكرد والأبناء، والآباء. ماتوا اختناقاً وقتلهم السلاح الكيميائي. وجرح أيضاً نحو 10.000 آخرين. وإلى الآن في العام 2003 ما زال سكان حلبجة يعانون بعض الأمراض السرطانية واضطرابات عصبية وتشوهات في المواليد، إلى جانب من يولد منهم ميتاً.
لاحقاً أصدر الحزب الديموقراطي الكردي، وكان بقيادة مسعود البارزاني آنذاك، وهو أحد أبناء مصطفى البارزاني الذي توفي عام 1975 والذي أصبح أحد أبطال التحرر الكردي، أصدر لائحة طويلة ضمت 65 مكاناً آخر يزعم أن الفرق العسكرية العراقية قد قصفتها بالغاز السام. ثمة قائد آخر، وهو جلال طالباني رئيس حزب الاتحاد الوطني الكردي وكان أول الأمر حزباً بتوجه يساري، قد عرض صيف 1988 في بون ولندن وباريس وواشنطن 40 شريط فيديو، يقال أن أتباعه التقطوها في قرى المناطق الكردية العراقية. وقد تسنى لي أن أطلع على هذه الوثائق المسجلة على أشرطة فيديو التي توازي أربعين ساعة عرض. وهي تضم صوراً متشابهة في كل مكان: جثث لا يبدو عليها آثار جراح خارجية، وجثث حيوانات منتفخة. آثار بقع دمامل على الجلد، وأحوال شلل أو جمود عند من بقي حياً من النساء والأطفال. بعد أشهر من ذلك عرض التلفزيون الألماني الغربي برنامجاً وثائقياً أخذ من هذه الأشرطة.
توجه قادة الكرد إلى القوى العظمى وناشدوا الأمم المتحدة لتقديم المساعدة. مع ذلك لم يسمح لأي من مراقبي الأمم المتحدة بزيارة شمال العراق، إذ إن بغداد اعتبرت ذلك «تدخلاً في الشؤون الداخلية»، ولأن الولايات المتحدة أيضاً قد أرادت مداراة هذه الجريمة. لايزال هذا إلى الآن بالنسبة إلى الكرد من الأمثلة المحاطة بالغموض التي تذكر بسياسة ذات وجهين! ففي حين كانت الدلائل الموزعة التي تدين بغداد تلقى اعتراض العالم، على الورق، تابع موظفو الولايات المتحدة وبتعليمات إدارة الدولة اللعب المؤلم على الحبال. هذا وقد عرض أحد العاملين المساعدين في International Herald Tribune، وهو ج. ر. هيلترمان في مخطوط كتابه عن سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق ذلك بالتفصيل. وقد رأى، أن ديبلوماسيي الولايات المتحدة قد عمموا أنهم يملكون أكثر من دليل بأن الهجوم بالغاز السام تتحمل مسؤوليته قوات إيران الجوية...
Page 7
تظهر سخرية التاريخ العالمي البعيدة الغور إشاحة النظر مرة أخرى عن الكرد: في حين كان العالم في نهاية آب/أغسطس 1988 يصفق لوقف النار بين العراق وإيران وقد أنهكتهما الحرب، ما يؤذن بوضع نهاية لحرب الخليج التي استمرت ثمانية أعوام، أرسل صدام حسين فرقه العسكرية وقد أصبحت حرة الآن إلى مناطق الكرد في الشمال. وكما تجلى بسرعة لم تكن حلبجة إلا أول الغيث لحملة منسقة. كانت الفرق العسكرية بإمرة صدام حسين وكانت بقيادة ابن عمه علي حسن المجيد، المعروف لولعه بالسلاح الكيميائي بلقب «علي الكيميائي». وما حدث الآن من غارات ومن إبعاد على سبيل إنزال العقاب ومن مطاردة ومن تصفيات إثنية من جانب حاكم العراق طوال عقود من المعارك الدموية، صار من اللازم الآن العمل عليها دون خوف الشهود من الخارج؛ إذ إن ذلك يعتبر بمثابة حل أخير للمسألة الكردية. أعطيت المعركة على الكرد اسم «الأنفال»، ما يعني إلى حد ما أنها نوع من الأطلال، أو الأنقاض، وكان يجب أن لا تبقي المعركة على أي شيء من البنية التحتية في إقليم الكرد أو من التنظيمات التي أقاموها. وقد كلفت الكتائب العراقية، ليس القضاء على إرادة الشعب الكردي الحرة إلى الأبد وحسب، بل تنظيف الرقعة الجغرافية هذه، ولا سيما عند المناطق الحدودية من كل مظاهر الحياة الكردية. دخلت القوات العراقية بهدف جعل الكرد يهربون تحت وقع الخوف، وهذا ما يخدم أيضاً الغاية المتمثلة بقتلهم لاحقاً. وإذا ما ظلوا في مناطقهم فسيصار إلى توزيعهم في قرى محصورة تسهل على الجيش عملية مراقبتهم. وقد أعلم مسعود البارزاني الأمم المتحدة، بأن ما يقارب 3500 قرية ومزرعة قد سويت بالأرض، أو بإشغالها ممن انتقلوا إليها دون أي وجود كردي. قدر المراقبون الدوليون أن عدد الذين قضوا جراء هذه العملية قد ناهزوا المئة ألف كردي. أسرت الفرق العسكرية المرسلة من بغداد 30.000 شاب كردي. وحتى الآن، وبعد مضي خمسة عشر عاماً لم يسمع أي شيء عنهم.
فلا عجب أن يتضمن تقرير حزب البارزاني أواسط آذار/ مارس 2003 عشية حرب بوش على العراق ما يلي: «لا يمكن لهذه الجريمة أن تنسى. إننا نتطلع إلى اليوم الذي تحاكم فيه المواقع العليا على مسؤوليتها عن هذه الجريمة، وعلى الهجوم بالغاز السام على حلبجة، وعلى مسؤوليتها في حرب الأنفال، من جانب محكمة العدل الدولية». (أما في ما يتعلق بعلي الكيميائي، فإن لعنة الكرد قد لاحقته: ففي السابع من نيسان 2003، وفي اليوم التاسع عشر من حرب العراق الأخيرة أعلنت وكالات الأنباء العثور على جثة وقد تم التأكد أنها جثة علي حسن المجيد. فقد قضى أثناء قصف منزله في البصرة مع أسرته وحاشيته وبعض العاملين معه).
وفي كل مكان من إقليم كردستان ذي الحكم الذاتي (الذي يعتبر أكبر من سويسرا من حيث المساحة والذي يعيش فيه ثلاثة أرباع كرد العراق المقدر عددهم بخمسة ملايين نسمة) كان لا مجال لتجاهل الحرب الدائرة، وقد تحولت إلى موضوعة مركزية. فهل سيقع الكرد مجدداً في الحماقة نفسها؟ وهل سيقوم صدام حسين بشفاء غليله مرة أخرى حين لن يقوى على مجابهة الأميركيين أو الإسرائيليين أقله، من الكرد، بإقصائهم أو قتلهم بالغاز السام أو بالقصف المدفعي؟ ففي طول البلاد وعرضها تتردد الأخبار، لا نعرف أيها الصحيح، وأيتها الشائعة؟ ومن يمكن أن نصدق؟ وماذا يمكن أن نعمل؟ وخلال الدغل الكثيف من الآمال والمخاوف وجد البعض مخرجاً. إنه حمام ساخن من المشاعر هو الذي يلعب بالناس في «منطقة كردستان ذات الحكم الذاتي» ويحملهم من تطرفٍ إلى تطرفٍ آخر.
فمن جهة أولى، لا بد من قبول الولايات المتحدة الأميركية، لأنها تريد قلب صدام قاتل الكرد. والكل يعلم في كردستان أن فرصة إقامة إدارة ذاتية وقيام نوع من الازدهار النسبي، إنما يعود الفضل فيهما إلى الأميركيين وإلى البريطانيين الذين أعلنوا المنطقة منطقة حظر جوي على الطيران العراقي. ومن جهة أخرى، نجد أقله عند كبار السن الذكريات المريرة لعدم الوفاء بالوعود الأميركية التي لم تعش حتى نصف عمرها. فالأميركيون حثوا الكرد على الثورة على بغداد أقله مرتين (المرة الأولى عام 1973 – 1975، ثم مرة ثانية عام 1991، بعد الحرب الأميركية الأولى في الخليج)، وفي المرتين صدقهما الكرد وحملوا السلاح، وفي المرتين أيضاً فضل الأميركيون بين ليلة وضحاها التوجه لقبول الحسنة المرتقبة الآنية والتخلي عن «القيم الغربية المشتركة» فتخلوا عن الكرد، غير مبالين بما تعرضوا له من انتقام بغداد. ولا ينسى أي سياسي كردي عبارة وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر الساخرة «لا يجب استبدال العمليات بالحفلات الخيرية». فالأمور تسير بشكل أفضل في كردستان إذا لم يستند المرء إلى رجل الثقة هذا.
فهل سيكون الأمر مختلفاً هذه المرة؟ وهل سيفي الأميركيون أقله بوعودهم؟ وهل يمكن أن يكون الحلم طويلاً باستمرار حلم تقرير المصير الكردي، حتى لا يعود الحلم حلماً على الإطلاق، وحتى يصبح الأمر واقعاً تعترف به بغداد وكل العالم أيضاً. كانت آمال الكرد هي الراجحة. إذ مهما كان التحفظ على ثبات مبادىء الولايات المتحدة والتحالف معها مبرراً، فإن الثقة الحذرة قد لانت الآن بعد مضي 12 عاماً على الاستقلال الذاتي في المنطقة. فقد أصبحت القيادة الكردية وكذلك الناس العاديون بل الجماعات السياسية الشابة سريعة الانفعال أكثر وعياً بأن «السنوات الذهبية» التي بدأت منذ العام 1991 ما كانت لتستمر لولا توفير مظلة جوية يعود الفضل بتوفيرها إلى منع الطيران العراقي، من جانب الأميركيين والإنكليز، من التحليق إلى الشمال من خط العرض 36.
حدث ذلك بعد نشوب حرب الخليج ضد بغداد عام 1991 التي سبق لها أن احتلت الكويت قبل عام من ذلك، بانتداب أمنته منظمة الأمم المتحدة. بعد خسارته الحرب، وبالرغم من أنه لم يعزل من الحكم آنذاك لأسباب تتعلق بـ«الواقعية السياسية» شرع صدام حسين أمام أعين التحالف الحربي آنذاك بقتال الشعب الكردي والشيعي وتحت سمع وبصر الولايات المتحدة التي لم تحرك ساكناً. إلا أن أوروبا تحولت إلى رفع صوت الانزعاج في العالم واضعة الولايات المتحدة تحت الضغط.
سارع الرئيس الفرنسي ميتران إلى تحريك حذر الرئيس بوش (الأب) في الأمم المتحدة في أبريل/ نيسان 1991 عبر قرار حمل الرقم 688، ينادي بالتدخل لأسباب إنسانية. بعد أيام من ذلك حمل رئيس وزراء انكلترا جون مايجور إلى القمة الأوروبية مشروع إقامة منطقة محمية عالمياً لتأمين عودة اللاجئين الكرد، وقد تولى جاك ديلو رئيس المفوضية تقديم هذا المشروع إلى الأمين العام للأمم المتحدة وإلى الرئيس بوش. وهذا ما شكل ساعة ولادة منطقة الحظر الجوي على الطيران في جنوب العراق وفي شماله. وقد أمن ذلك حتى سقوط صدام منطقة محمية بالنسبة إلى الكرد. وحدها هذه المظلة الحامية هي ما أمن منع تجدد حملات التأديب انطلاقاً من بغداد، وما جعل الفرصة متاحة للاستفادة من إقامة إدارة ذاتية.
إن المستوى الذي لم يسبق أن بلغته المنطقة من الحق بتقرير المصير في أي وقت سابق لم يؤدِ إلى إعادة بناء واستكمال بناء البنية التحتية وإلى قيام طفرة اقتصادية وحسب (علماً أن العقوبات التي فرضت على العراق تسري أيضاً على القسم الكردي من البلاد)، بل أدى أيضاً إلى ثبات الوعي القومي لدى الكرد. فهم فخورون بالبرلمان الذي أقاموه في أربيل عاصمتهم الموقتة، وبأحزابهم وبتمثيلهم الخارجي في واشنطن، وبرلين ولندن، باختصار: إنهم فخورون «بدولتهم» الخاصة الصغيرة. وللتعبير عن التحول في العلاقات يستعمل البارااني تعبير «النوعية الجديدة في العلاقات مع الولايات المتحدة».
بدأ هذا التورط الجديد لواشنطن مع الكرد منذ نيسان/ أبريل عام 2002. وقد لبى الزعيمان الأكثر أهمية بين كرد العراق دعوة واشنطن لإجراء «محادثات هامة». وهذان الزعيمان اللذان طالما تخاصما، ولكن سرعان ما توحدا مجدداً هما مسعود البارزاني رئيس الحزب الديموقراطي الكردستاني (KDP) وجلال طالباني رئيس حزب الاتحاد الوطني (PUK). لم يكن هذان الحزبان اللذان يشكلان المجموعات الرئيسية بين الكرد بقلب واحد وبنفس واحدة. فقيادتاهما وكذلك الموظفون فيهما لا يحبون بعضهم بعضاً. إذ، وكما هي الحال في كل أرجاء الشرق الأوسط، تعكس البنية العائلية وكذلك العشائرية نفسها على التنظيمات السياسية وعلى الميليشيات التابعة لها.
فلا عجب أن يتضمن تقرير حزب البارزاني أواسط آذار/ مارس 2003 عشية حرب بوش على العراق ما يلي: «لا يمكن لهذه الجريمة أن تنسى. إننا نتطلع إلى اليوم الذي تحاكم فيه المواقع العليا على مسؤوليتها عن هذه الجريمة، وعلى الهجوم بالغاز السام على حلبجة، وعلى مسؤوليتها في حرب الأنفال، من جانب محكمة العدل الدولية». (أما في ما يتعلق بعلي الكيميائي، فإن لعنة الكرد قد لاحقته: ففي السابع من نيسان 2003، وفي اليوم التاسع عشر من حرب العراق الأخيرة أعلنت وكالات الأنباء العثور على جثة وقد تم التأكد أنها جثة علي حسن المجيد. فقد قضى أثناء قصف منزله في البصرة مع أسرته وحاشيته وبعض العاملين معه).
وفي كل مكان من إقليم كردستان ذي الحكم الذاتي (الذي يعتبر أكبر من سويسرا من حيث المساحة والذي يعيش فيه ثلاثة أرباع كرد العراق المقدر عددهم بخمسة ملايين نسمة) كان لا مجال لتجاهل الحرب الدائرة، وقد تحولت إلى موضوعة مركزية. فهل سيقع الكرد مجدداً في الحماقة نفسها؟ وهل سيقوم صدام حسين بشفاء غليله مرة أخرى حين لن يقوى على مجابهة الأميركيين أو الإسرائيليين أقله، من الكرد، بإقصائهم أو قتلهم بالغاز السام أو بالقصف المدفعي؟ ففي طول البلاد وعرضها تتردد الأخبار، لا نعرف أيها الصحيح، وأيتها الشائعة؟ ومن يمكن أن نصدق؟ وماذا يمكن أن نعمل؟ وخلال الدغل الكثيف من الآمال والمخاوف وجد البعض مخرجاً. إنه حمام ساخن من المشاعر هو الذي يلعب بالناس في «منطقة كردستان ذات الحكم الذاتي» ويحملهم من تطرفٍ إلى تطرفٍ آخر.
فمن جهة أولى، لا بد من قبول الولايات المتحدة الأميركية، لأنها تريد قلب صدام قاتل الكرد. والكل يعلم في كردستان أن فرصة إقامة إدارة ذاتية وقيام نوع من الازدهار النسبي، إنما يعود الفضل فيهما إلى الأميركيين وإلى البريطانيين الذين أعلنوا المنطقة منطقة حظر جوي على الطيران العراقي. ومن جهة أخرى، نجد أقله عند كبار السن الذكريات المريرة لعدم الوفاء بالوعود الأميركية التي لم تعش حتى نصف عمرها. فالأميركيون حثوا الكرد على الثورة على بغداد أقله مرتين (المرة الأولى عام 1973 – 1975، ثم مرة ثانية عام 1991، بعد الحرب الأميركية الأولى في الخليج)، وفي المرتين صدقهما الكرد وحملوا السلاح، وفي المرتين أيضاً فضل الأميركيون بين ليلة وضحاها التوجه لقبول الحسنة المرتقبة الآنية والتخلي عن «القيم الغربية المشتركة» فتخلوا عن الكرد، غير مبالين بما تعرضوا له من انتقام بغداد. ولا ينسى أي سياسي كردي عبارة وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر الساخرة «لا يجب استبدال العمليات بالحفلات الخيرية». فالأمور تسير بشكل أفضل في كردستان إذا لم يستند المرء إلى رجل الثقة هذا.
فهل سيكون الأمر مختلفاً هذه المرة؟ وهل سيفي الأميركيون أقله بوعودهم؟ وهل يمكن أن يكون الحلم طويلاً باستمرار حلم تقرير المصير الكردي، حتى لا يعود الحلم حلماً على الإطلاق، وحتى يصبح الأمر واقعاً تعترف به بغداد وكل العالم أيضاً. كانت آمال الكرد هي الراجحة. إذ مهما كان التحفظ على ثبات مبادىء الولايات المتحدة والتحالف معها مبرراً، فإن الثقة الحذرة قد لانت الآن بعد مضي 12 عاماً على الاستقلال الذاتي في المنطقة. فقد أصبحت القيادة الكردية وكذلك الناس العاديون بل الجماعات السياسية الشابة سريعة الانفعال أكثر وعياً بأن «السنوات الذهبية» التي بدأت منذ العام 1991 ما كانت لتستمر لولا توفير مظلة جوية يعود الفضل بتوفيرها إلى منع الطيران العراقي، من جانب الأميركيين والإنكليز، من التحليق إلى الشمال من خط العرض 36.
حدث ذلك بعد نشوب حرب الخليج ضد بغداد عام 1991 التي سبق لها أن احتلت الكويت قبل عام من ذلك، بانتداب أمنته منظمة الأمم المتحدة. بعد خسارته الحرب، وبالرغم من أنه لم يعزل من الحكم آنذاك لأسباب تتعلق بـ«الواقعية السياسية» شرع صدام حسين أمام أعين التحالف الحربي آنذاك بقتال الشعب الكردي والشيعي وتحت سمع وبصر الولايات المتحدة التي لم تحرك ساكناً. إلا أن أوروبا تحولت إلى رفع صوت الانزعاج في العالم واضعة الولايات المتحدة تحت الضغط.
سارع الرئيس الفرنسي ميتران إلى تحريك حذر الرئيس بوش (الأب) في الأمم المتحدة في أبريل/ نيسان 1991 عبر قرار حمل الرقم 688، ينادي بالتدخل لأسباب إنسانية. بعد أيام من ذلك حمل رئيس وزراء انكلترا جون مايجور إلى القمة الأوروبية مشروع إقامة منطقة محمية عالمياً لتأمين عودة اللاجئين الكرد، وقد تولى جاك ديلو رئيس المفوضية تقديم هذا المشروع إلى الأمين العام للأمم المتحدة وإلى الرئيس بوش. وهذا ما شكل ساعة ولادة منطقة الحظر الجوي على الطيران في جنوب العراق وفي شماله. وقد أمن ذلك حتى سقوط صدام منطقة محمية بالنسبة إلى الكرد. وحدها هذه المظلة الحامية هي ما أمن منع تجدد حملات التأديب انطلاقاً من بغداد، وما جعل الفرصة متاحة للاستفادة من إقامة إدارة ذاتية.
إن المستوى الذي لم يسبق أن بلغته المنطقة من الحق بتقرير المصير في أي وقت سابق لم يؤدِ إلى إعادة بناء واستكمال بناء البنية التحتية وإلى قيام طفرة اقتصادية وحسب (علماً أن العقوبات التي فرضت على العراق تسري أيضاً على القسم الكردي من البلاد)، بل أدى أيضاً إلى ثبات الوعي القومي لدى الكرد. فهم فخورون بالبرلمان الذي أقاموه في أربيل عاصمتهم الموقتة، وبأحزابهم وبتمثيلهم الخارجي في واشنطن، وبرلين ولندن، باختصار: إنهم فخورون «بدولتهم» الخاصة الصغيرة. وللتعبير عن التحول في العلاقات يستعمل البارااني تعبير «النوعية الجديدة في العلاقات مع الولايات المتحدة».
بدأ هذا التورط الجديد لواشنطن مع الكرد منذ نيسان/ أبريل عام 2002. وقد لبى الزعيمان الأكثر أهمية بين كرد العراق دعوة واشنطن لإجراء «محادثات هامة». وهذان الزعيمان اللذان طالما تخاصما، ولكن سرعان ما توحدا مجدداً هما مسعود البارزاني رئيس الحزب الديموقراطي الكردستاني (KDP) وجلال طالباني رئيس حزب الاتحاد الوطني (PUK). لم يكن هذان الحزبان اللذان يشكلان المجموعات الرئيسية بين الكرد بقلب واحد وبنفس واحدة. فقيادتاهما وكذلك الموظفون فيهما لا يحبون بعضهم بعضاً. إذ، وكما هي الحال في كل أرجاء الشرق الأوسط، تعكس البنية العائلية وكذلك العشائرية نفسها على التنظيمات السياسية وعلى الميليشيات التابعة لها.
Page 8
غالباً ما لا يتعلق الأمر بدرجة أولى (وأحياناً لا يتعلق أبداً) بأهداف سياسية نبيلة، بل باستمرار أقله، بالسلطة والجاه وبزهو القادة وبتأثير عائلات محددة وثرواتها وبدرجة تختلف من عائلة إلى أخرى. وفي الصراع للحصول على مواقع القوة والسلطة في شمال العراق تبادل مقاتلو الحزبين من البيشمركة في السنوات الأخيرة المعارك الدامية. اعتمد طالباني على المساعدة العسكرية من النظام الإيراني، في حين أن البارزاني تحالف في حربه مع طالباني وفي تسعينيات القرن الماضي حتى مع صدام حسين. إلا أن كليهما قد فهم في الوقت المناسب أن عليهما التحدث بصوت واحد للحفاظ على الاستقلال الذاتي الذي أصبح واقعاً داخل العراق وأنه لا بد لهما من العمل الآن لتحويل ذلك إلى استقلال ذاتي قانوني، وحتى يصار أيضاً لقبولهما من جانب الولايات المتحدة كشريكين يمكن الاعتماد عليهما.
يسيطر البارزاني على غرب كردستان، المحاذية للحدود التركية، وبذلك فهو يضع يده على الموارد الخيرية الآتية من الجمارك وعلى مراكز التهريب مع تركيا. أما طالباني فيسيطر على الشرق وصولاً إلى إيران. كلاهما يديران معاً الحكومة الإقليمية في المنطقة والبرلمان في أربيل، الذي يضم إلى جانبهما قرابة 30 من الأحزاب الأخرى الصغيرة والإثنيات والأقليات الدينية (التركمان، والعرب، والأرمن والمسيحيون السريان وغيرهم).
في واشنطن فتحت الأبواب أمام الزعيمين الكرديين. فأجريا محادثات مع وزير الخارجية باول ومع نائب الرئيس تشيني، ومع وزير الدفاع رامسفلد، وإلى ذلك تم استقبال البارزاني من قبل الرئيس. أدرك الموظفون الأميركيون بشكل صحيح، أن الكرد بأحزابهم وميليشياتهم الخبيرة في المعارك، «البيشمركة» (ومعنى الكلمة: من لا يخشى الحرب)، وبانحصارهم في المناطق الحدودية مع تركيا وإيران يشكلون العامل الوحيد الذي يمكن أخذه على محمل الجد من بين العديد من المعارضين الكثر في العراق – وهذا ما أعلنه حينئذ البيت الأبيض – الذي يمكنه أن يكون وريثاً لصدام.
في لقاء سري عقد بعد ذلك مع عسكريين أميركيين وعملاء من الاستخبارات بالقرب من برلين، لم تعلم به سلطات الأمن الألمانية ولا وزارة الخارجية أيضاً (وقد أعلنت هذه الأخيرة في رد على الصحافة: «نحن نعلم قطعاً أننا لم نعط تأشيرات دخول لأشخاص يحملون هذه الأسماء»)، توافق قادة الكرد على توحيد حكومتهم وميليشياتهم وعلى الإعداد للعمل المشترك مع القوات الهجومية الأميركية.
وإلى الآن ما زلت أحس بوقع عبارات الابتهاج ترن في أذني والتي رواها لي دلشاد البارزاني أحد أخوة مسعود وأصغرهم وهو الممثل الدبلوماسي لمنطقة الحكم الذاتي في برلين، إذ حدثني عن مخططات الأميركيين الأخرى وعن ضماناتهم «وخطياً هذه المرة» للحفاظ على وحدة التراب في مناطق الكرد في العراق وعلى حصولهم على نصيب «عادل» من عائدات النفط في العراق.
وفي الوقت نفسه صرح طالباني الذي يميل أحياناً إلى الحديث بصوت عالٍ إلى جريدة ديلي ستار البيروتية بأن البيشمركة التابعة له ستزحف على بغداد مع الأميركيين لتحرير العراق. بنوع من الذعر من هذه السذاجة الزائدة أعاد المسؤولون الأميركيون الدفة إلى الوراء، فإن ما يهم واشنطن لم يكن إقامة نظام مطيع لها في بغداد وحسب، بل تأمين الثبات مستقبلاً، وما يؤمن سيطرة الولايات المتحدة على المدى الطويل. لم يكن المقصود من إجراء المباحثات السرية بث الذعر في الدول المجاورة، ولا سيما في تركيا التي جعلت من اضطهادها للكرد فيها والمقدر عددهم بحوالى 15 مليون كردي أو أكثر قضية خاصة بها.
يعتبر مسعود البارزاني صديقاً يتميز بمرونته، فهو شديد الحذر ومن وجهة نظر مؤكدة يعتبر أيضاً سياسياً لا يتعلق بالأوهام. وهو مدين أيضاً لواشنطن ولندن بخلق منطقة الحظر الجوي فوق كردستان، دون أن يكون لهذا السبب لعبة في أيديهما. فهذا ما لا يخطر في باله أبداً. والدليل على هذا التقييم نلمسه في تردده الطويل للالتحاق بجماعة من المهاجرين الكرد كونت ما يعرف في واشنطن بالمؤتمر الوطني العراقي. والبارزاني لا يعلن موقفه الفعلي. فإذا ما سنحت الفرصة للتحادث معه بثقة، فإن المرء لا بد له أن يلاحظ بسرعة أنه يتعامل مع رجل براغماتي. وهو لم يرث من والده تلك الكاريزما ولا ذلك الإشعاع المؤثر الذي تمتع به والده مصطفى البارزاني. فهو يقود حركته وكذلك الإقليم دون أن ترافقه تلك الآلة المعدنية التي غالباً ما يحملها القادة الناجحون. وقد تسنى لي أن أعرف بعد محادثات متعددة معه وفي أجواء خاصة أن صدمة الماضي ما زالت تحرضه. وطوال نصف القرن الذي قضاه وسط الأحداث، لم تشهد منطقة كردستان العراق حتى العام 1991 السلم قط. فالسلم يلعب دوراً هاماً في فكره السياسي وفي ممارسته السياسية أكثر مما نشهد ذلك لدى زعماء قبله أو إلى جانبه. «ثلاثة أجيال تعيش معاً. لم يعرف أي جيل منها ما هو السلم. وكل إنسان يعيش في كردستان لا يعرف إلا المعارك والحرب والقصف المدفعي والهرب. لا نجد عائلة لم تخسر أقله واحداً من أبنائها، بل إن بعضها خسر العديد من الأفراد. ففي كل الرسائل تتردد العبارات: مات، سقط ميتاً، فُقد، عُذب، في السجن، أُبعد، هاجر، أو اختفى. وهذا ما أريد أن أغيره. أريد أن أرى جيلاً كاملاً يعرف السلم، وأن يعرف الأطفال وجه آبائهم. علينا أن لا نبني دائماً على خراب جديد. علينا أن نعرف كيف نخلق شيئاً جديداً، يبقى ويستمر. الآن هل تعرف ما الذي يشغلني».
وعن السؤال عما إذا كان يثق بواشنطن مع علمه بخيانتها في مرتين سابقتين، أجاب بما يقارب ما ردده في زيارة حسن النية التي قام بها إلى كل من دمشق وطهران في كانون الأول/ ديسمبر 2002: «من قال إننا نثق بالولايات المتحدة ثقة عمياء؟ على الكل أن يهتم بمصالحه الأساسية. والآن فإن مصالحنا – وفيما يحدث في بغداد – تتلاقى بقوة مع مصالح الأميركيين».
والمصلحة المشتركة التي باتت في متناول اليد: إزاحة صدام حسين، والقضاء على نظام سلطته، هذا ما أراده الأميركيون والكرد وإن ليس للأسباب نفسها. فكل كردي عراقي يعرف ما يمكن أن يحدث لمنطقة الحكم الذاتي الكردية ما لم تتم تنحية صدام ودون الحماية الأميركية لمنطقة الحظر الجوي. فالعمل المشترك مع الولايات المتحدة يعتبر من هذه الزاوية بديهة صرفة. وإذا ما توجب الحفاظ هذه المرة على هذا الوضع وعلى ما تم الوعد به، فإن بالإمكان السير قدماً مع الوضع الكردي، وبكل الأحوال سيستمر ذلك ما دام للأميركيين مصلحة فيه. ولنا أن نرى لاحقاً ماذا يحدث، ولكن انطلاقاً من أرضية صلبة تم إعدادها حتى ذلك الحين. سواء تحقق هذا الشرط أو ذاك، فإن حجة الكرد لا تخرج عن هذا الأمر. فقد أظهرت نتائج استفتاء أجرته حكومة منطقة كردستان العراق ذات الاستقلال الذاتي في أيار/ مايو 2003، أن ثلثي المصوتين يعتقدون أنه بالإمكان الآن الاعتماد على الولايات المتحدة والثقة بها.
وفي نهاية الأمر فإن القوة العسكرية الذاتية لدى الكرد لا تتيح لهم الفرصة لتحدي الحماية العسكرية الأميركية أو لردها. إن لدى الحزب الديموقراطي الكردي وحزب الاتحاد الوطني ما يقارب 25000 من رجال البيشمركة المدربين والمسلحين بأسلحة مشاة خفيفة، وإن لديهم أيضاً ما يوازي ذلك عدداً من الاحتياطيين، وقد انخرطوا في حرب العصابات دفاعاً عن الأودية وعن الشعاب في مناطق كردستان الصعبة واكتسبوا جراء المعارك سمعة أسطورية. وحتى ذلك الحين لم يتمكن أي جيش نظامي أن ينال من هؤلاء «المستعدين للموت». إلا أن هذه الفرق التي تقود حرب عصابات والمكونة من أفراد ينتمون إلى عشائر وقبائل لم تتمكن من تكوين جيش دائم يمكن له أن يؤمن الدفاع عن الإقليم بأكمله، وعن المدن الكبرى أو عن الأرض السهلية، لذلك يعوزه الوقت الكافي، كما أنه يحتاج إلى السلاح الحديث والثقيل. بل ما ينقصه أيضاً وجود شباب تراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والثلاثين سنة. (بالإمكان أن نجد هذه الفئة العمرية بشكل أسهل في التجمعات الحزبية التي تقيمها أحزابهم في برلين أو فرانكفورت أو دورتموند مما نجده في الوطن الكردي!). هذا وقد أشار حميد أفندي، «وزير دفاع» الحزب الديموقراطي إلى هذه النقطة في النقاش الذي دار حول دور الكرد في حرب العراق التي كانت على الأبواب: «إن للأميركيين أهدافهم. ولنا أهدافنا، لا نريد مهاجمة العراق بالمحاربين منا. نريد الدفاع عن كردستان. نريد تأمين ما لدينا والاستيلاء فقط على ما يعود إلينا». وقد أظهر مسار الحرب لاحقاً، أنه قد تم فعلاً الاقتصار على هذه المُسلّمة.
يسيطر البارزاني على غرب كردستان، المحاذية للحدود التركية، وبذلك فهو يضع يده على الموارد الخيرية الآتية من الجمارك وعلى مراكز التهريب مع تركيا. أما طالباني فيسيطر على الشرق وصولاً إلى إيران. كلاهما يديران معاً الحكومة الإقليمية في المنطقة والبرلمان في أربيل، الذي يضم إلى جانبهما قرابة 30 من الأحزاب الأخرى الصغيرة والإثنيات والأقليات الدينية (التركمان، والعرب، والأرمن والمسيحيون السريان وغيرهم).
في واشنطن فتحت الأبواب أمام الزعيمين الكرديين. فأجريا محادثات مع وزير الخارجية باول ومع نائب الرئيس تشيني، ومع وزير الدفاع رامسفلد، وإلى ذلك تم استقبال البارزاني من قبل الرئيس. أدرك الموظفون الأميركيون بشكل صحيح، أن الكرد بأحزابهم وميليشياتهم الخبيرة في المعارك، «البيشمركة» (ومعنى الكلمة: من لا يخشى الحرب)، وبانحصارهم في المناطق الحدودية مع تركيا وإيران يشكلون العامل الوحيد الذي يمكن أخذه على محمل الجد من بين العديد من المعارضين الكثر في العراق – وهذا ما أعلنه حينئذ البيت الأبيض – الذي يمكنه أن يكون وريثاً لصدام.
في لقاء سري عقد بعد ذلك مع عسكريين أميركيين وعملاء من الاستخبارات بالقرب من برلين، لم تعلم به سلطات الأمن الألمانية ولا وزارة الخارجية أيضاً (وقد أعلنت هذه الأخيرة في رد على الصحافة: «نحن نعلم قطعاً أننا لم نعط تأشيرات دخول لأشخاص يحملون هذه الأسماء»)، توافق قادة الكرد على توحيد حكومتهم وميليشياتهم وعلى الإعداد للعمل المشترك مع القوات الهجومية الأميركية.
وإلى الآن ما زلت أحس بوقع عبارات الابتهاج ترن في أذني والتي رواها لي دلشاد البارزاني أحد أخوة مسعود وأصغرهم وهو الممثل الدبلوماسي لمنطقة الحكم الذاتي في برلين، إذ حدثني عن مخططات الأميركيين الأخرى وعن ضماناتهم «وخطياً هذه المرة» للحفاظ على وحدة التراب في مناطق الكرد في العراق وعلى حصولهم على نصيب «عادل» من عائدات النفط في العراق.
وفي الوقت نفسه صرح طالباني الذي يميل أحياناً إلى الحديث بصوت عالٍ إلى جريدة ديلي ستار البيروتية بأن البيشمركة التابعة له ستزحف على بغداد مع الأميركيين لتحرير العراق. بنوع من الذعر من هذه السذاجة الزائدة أعاد المسؤولون الأميركيون الدفة إلى الوراء، فإن ما يهم واشنطن لم يكن إقامة نظام مطيع لها في بغداد وحسب، بل تأمين الثبات مستقبلاً، وما يؤمن سيطرة الولايات المتحدة على المدى الطويل. لم يكن المقصود من إجراء المباحثات السرية بث الذعر في الدول المجاورة، ولا سيما في تركيا التي جعلت من اضطهادها للكرد فيها والمقدر عددهم بحوالى 15 مليون كردي أو أكثر قضية خاصة بها.
يعتبر مسعود البارزاني صديقاً يتميز بمرونته، فهو شديد الحذر ومن وجهة نظر مؤكدة يعتبر أيضاً سياسياً لا يتعلق بالأوهام. وهو مدين أيضاً لواشنطن ولندن بخلق منطقة الحظر الجوي فوق كردستان، دون أن يكون لهذا السبب لعبة في أيديهما. فهذا ما لا يخطر في باله أبداً. والدليل على هذا التقييم نلمسه في تردده الطويل للالتحاق بجماعة من المهاجرين الكرد كونت ما يعرف في واشنطن بالمؤتمر الوطني العراقي. والبارزاني لا يعلن موقفه الفعلي. فإذا ما سنحت الفرصة للتحادث معه بثقة، فإن المرء لا بد له أن يلاحظ بسرعة أنه يتعامل مع رجل براغماتي. وهو لم يرث من والده تلك الكاريزما ولا ذلك الإشعاع المؤثر الذي تمتع به والده مصطفى البارزاني. فهو يقود حركته وكذلك الإقليم دون أن ترافقه تلك الآلة المعدنية التي غالباً ما يحملها القادة الناجحون. وقد تسنى لي أن أعرف بعد محادثات متعددة معه وفي أجواء خاصة أن صدمة الماضي ما زالت تحرضه. وطوال نصف القرن الذي قضاه وسط الأحداث، لم تشهد منطقة كردستان العراق حتى العام 1991 السلم قط. فالسلم يلعب دوراً هاماً في فكره السياسي وفي ممارسته السياسية أكثر مما نشهد ذلك لدى زعماء قبله أو إلى جانبه. «ثلاثة أجيال تعيش معاً. لم يعرف أي جيل منها ما هو السلم. وكل إنسان يعيش في كردستان لا يعرف إلا المعارك والحرب والقصف المدفعي والهرب. لا نجد عائلة لم تخسر أقله واحداً من أبنائها، بل إن بعضها خسر العديد من الأفراد. ففي كل الرسائل تتردد العبارات: مات، سقط ميتاً، فُقد، عُذب، في السجن، أُبعد، هاجر، أو اختفى. وهذا ما أريد أن أغيره. أريد أن أرى جيلاً كاملاً يعرف السلم، وأن يعرف الأطفال وجه آبائهم. علينا أن لا نبني دائماً على خراب جديد. علينا أن نعرف كيف نخلق شيئاً جديداً، يبقى ويستمر. الآن هل تعرف ما الذي يشغلني».
وعن السؤال عما إذا كان يثق بواشنطن مع علمه بخيانتها في مرتين سابقتين، أجاب بما يقارب ما ردده في زيارة حسن النية التي قام بها إلى كل من دمشق وطهران في كانون الأول/ ديسمبر 2002: «من قال إننا نثق بالولايات المتحدة ثقة عمياء؟ على الكل أن يهتم بمصالحه الأساسية. والآن فإن مصالحنا – وفيما يحدث في بغداد – تتلاقى بقوة مع مصالح الأميركيين».
والمصلحة المشتركة التي باتت في متناول اليد: إزاحة صدام حسين، والقضاء على نظام سلطته، هذا ما أراده الأميركيون والكرد وإن ليس للأسباب نفسها. فكل كردي عراقي يعرف ما يمكن أن يحدث لمنطقة الحكم الذاتي الكردية ما لم تتم تنحية صدام ودون الحماية الأميركية لمنطقة الحظر الجوي. فالعمل المشترك مع الولايات المتحدة يعتبر من هذه الزاوية بديهة صرفة. وإذا ما توجب الحفاظ هذه المرة على هذا الوضع وعلى ما تم الوعد به، فإن بالإمكان السير قدماً مع الوضع الكردي، وبكل الأحوال سيستمر ذلك ما دام للأميركيين مصلحة فيه. ولنا أن نرى لاحقاً ماذا يحدث، ولكن انطلاقاً من أرضية صلبة تم إعدادها حتى ذلك الحين. سواء تحقق هذا الشرط أو ذاك، فإن حجة الكرد لا تخرج عن هذا الأمر. فقد أظهرت نتائج استفتاء أجرته حكومة منطقة كردستان العراق ذات الاستقلال الذاتي في أيار/ مايو 2003، أن ثلثي المصوتين يعتقدون أنه بالإمكان الآن الاعتماد على الولايات المتحدة والثقة بها.
وفي نهاية الأمر فإن القوة العسكرية الذاتية لدى الكرد لا تتيح لهم الفرصة لتحدي الحماية العسكرية الأميركية أو لردها. إن لدى الحزب الديموقراطي الكردي وحزب الاتحاد الوطني ما يقارب 25000 من رجال البيشمركة المدربين والمسلحين بأسلحة مشاة خفيفة، وإن لديهم أيضاً ما يوازي ذلك عدداً من الاحتياطيين، وقد انخرطوا في حرب العصابات دفاعاً عن الأودية وعن الشعاب في مناطق كردستان الصعبة واكتسبوا جراء المعارك سمعة أسطورية. وحتى ذلك الحين لم يتمكن أي جيش نظامي أن ينال من هؤلاء «المستعدين للموت». إلا أن هذه الفرق التي تقود حرب عصابات والمكونة من أفراد ينتمون إلى عشائر وقبائل لم تتمكن من تكوين جيش دائم يمكن له أن يؤمن الدفاع عن الإقليم بأكمله، وعن المدن الكبرى أو عن الأرض السهلية، لذلك يعوزه الوقت الكافي، كما أنه يحتاج إلى السلاح الحديث والثقيل. بل ما ينقصه أيضاً وجود شباب تراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والثلاثين سنة. (بالإمكان أن نجد هذه الفئة العمرية بشكل أسهل في التجمعات الحزبية التي تقيمها أحزابهم في برلين أو فرانكفورت أو دورتموند مما نجده في الوطن الكردي!). هذا وقد أشار حميد أفندي، «وزير دفاع» الحزب الديموقراطي إلى هذه النقطة في النقاش الذي دار حول دور الكرد في حرب العراق التي كانت على الأبواب: «إن للأميركيين أهدافهم. ولنا أهدافنا، لا نريد مهاجمة العراق بالمحاربين منا. نريد الدفاع عن كردستان. نريد تأمين ما لدينا والاستيلاء فقط على ما يعود إلينا». وقد أظهر مسار الحرب لاحقاً، أنه قد تم فعلاً الاقتصار على هذه المُسلّمة.
Page 9
بالطبع، إن الحلم الكردي يتجاوز بوضوح ما يتحدث عنه الساسة الكرد رسمياً أو ما يمكنهم التفكير فيه صراحة. فمعظم الكرد يفهمون حين يتعلق الأمر بالحرية وتقرير المصير أنه تحقيق إقامة دولة كردية خاصة بهم. وهم لا يرتضون أنه يجب عليهم، هم دون غيرهم، الاستغناء عن دولة خاصة بهم، في وقت أظهر فيه العقد الأخير من السنين – في أوروبا، أو في بلدان أخرى من الشرق الأدنى – قيام دول جديدة، حتى عند شعوب أصغر منهم وأقل عدداً.
يعتبر العراق بالنسبة إلى غالبية الكرد أفضل حلٍ ثانٍ، «يطالب أكثر من %80 من الناس هنا بالاستقلال»، هذا ما يؤكده فرهاد بيربال، أستاذ التاريخ الكردي والآداب الكردية في جامعة أربيل. و«السياسيون يقولون ما يريد الأميركيون سماعه. إنها لعبة مهذبة». أما بيتر غولبرايت، وهو من المراقبين الأميركيين، وأستاذ في الكلية الحربية في واشنطن فقد ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. «إن الكرد ليسوا عديمي الصبر. إلا أنهم بمثابة الجوكر في اللعب. إذا ما ترك لهم الخيار فإنهم سيصوتون بصوت واحد ضد البقاء في العراق. إنها معضلة كبرى في المستقبل». وأنا أفهم جيداً أن العديد من الكرد في منطقة الحكم الذاتي يتعايشون مع صعوباتهم، ولا سيما الشعور بأنهم عراقيون. فبعد اثنتي عشرة سنة من الحرية الكردية، لم يعد لدى الشباب منهم أي هوية عراقية، والعديد منهم أيضاً لم يتعلم اللغة العربية. أما بالنسبة إلى المسنين منهم فإن كلمة «عراق» تعني الغاز السام، والإقصاء والإبعاد.
وبالنسبة إلى رجال السياسة الواقعيين في كردستان العراق فالأمور ليست بهذه السهولة. إذ عليهم الاكتفاء بما يرون أنه يمكن عمله، أو هم يريدون ذلك فعلاً. وفي الأشهر الأخيرة، وبعد أن اعتقدوا أن بإمكانهم أن يصبحوا شريكاً هاماً للولايات المتحدة، فإن هذا الهدف قد وضع قيد التداول والنقاش العلني وفق الصياغة التالية: الاستقلال عن بغداد، ولماذا لا يكون ذلك دولة خاصة؟ وبالتشارك اشتغل الحزبان الديموقراطي والاتحاد الوطني على مشروع دستور مشترك لما بعد صدام. وقد تم اختيار كركوك المدينة المقدر عمرها بثلاثة آلاف عام عاصمة للدولة. إنها أشبه ما تكون بقدس كردية، إنها مدينة كبيرة على الشاطىء الشمالي مما بين النهرين، وهي وسط المنطقة الغنية بالنفط في العراق. ومنذ عدة عقود عملت بغداد بحزم على تعريب هذه المدينة، حتى منذ فترة ما قبل صدام، ولكن منذ توليه السلطة عمل بإصرار وأبعد أكثر من 100.000 كردي من منطقة كركوك. ولا بد لهم من العودة إلى منطقة كردستان الجديدة. وهذا ما يريدونه أيضاً. يريدون الرجوع إلى بيوتهم وتجارتهم ومحترفاتهم، إلى بلدهم. ومن المفاجىء أن نجد أحداً يمنعهم من ذلك الآن بعد انتهاء مرحلة صدام.
بخبث يذكر البارزاني محدثيه الأميركيين: «بعد انهيار الاتحاد السوفياتي حصل العديد من الشعوب الصغيرة على دول خاصة بهم، وهم الآن شركاء مع الولايات المتحدة. ولماذا نحن لا؟» مع ذلك: فإن الرئيس لم يكن يتسلى. مراعاة لتحفظات واشنطن وأنقرة تم الاكتفاء في أربيل بالاستقلال الذاتي الآمن، أي بحكومة ذاتية في إطار «عراق فدرالي جديد يعاد بناؤه». وهذا ما وعد به ساسة الولايات المتحدة في الفترة التي ستلي حكم صدام إذا...
أجل، إذا لم تعترض أنقرة على ذلك، إذ إن واشنطن قد أوضحت أن الأتراك هم مشاركون أيضاً في لعبة شطرنج الشرق الأوسط. عاصمة كردية في منطقة غنية بالنفط؟ كلا! إذ إن تدفق مزيد من الأموال على الخزانة الكردية قد يكون مناسباً جداً لأخوتهم من الشعب الكردي المستضعف في تركيا! شبه دولة مستقلة للفلاحين الكرد؟ أيضاً كلا! مع ذلك قد يكون الحكم الذاتي مرحلة أولى في تشكيل دولة خاصة! لقد سبق للأتراك أن هددوا بالقيام بما امتنع الأميركيون عن القيام به: اقتحام المنطقة الكردية في شمال العراق. في أربيل، وفي صلاح الدين (معقل البارزاني الرئيسي) وفي السليمانية (حيث يحكم الطالباني) ترن أجراس الإنذار. لقد أعطى البيشمركة ضوء الإنذار الأحمر. «لا نريد هنا أي تركي، ولا نحتمل وجود أي تركي هنا»، هذا ما قاله مسعود البارزاني الذي غالباً ما يكون حذراً. «إذا أرادوا اقتحام الإقليم دون موافقتنا، فإننا سنستقبلهم بموجب عاداتنا القديمة. وإذا لزم الأمر فإننا سنجعل من أرضنا مقبرة للمعتدين الأتراك».
بعد شهرين على ذلك، في أيار/ مايو 2003 بات الموقف أكثر وضوحاً. تم إبعاد صدام، وتم القضاء على نظامه القمعي. لم يستعمل أي سلاح من أسلحة الدمار الشامل، ولم يتم اكتشافه أيضاً. حتى إن سكان السليمانية، والحمد لله، لم يستخدموا قط إجراءات الحماية ولم يكن عليهم أن يجربوا الأقنعة التي صنعوها بأنفسهم والتي تقيهم الغازات. بل حتى أنه لم تقع معركة حقيقية مع القوات العراقية. ولم تتدخل القوات التركية. والبيشمركة الكردية اندفعت إلى المناطق الكردية الأخرى التي أخلاها العراقيون. هذا وقد أصابت نيران الأميركيين الصديقة عدداً من الضحايا بين الكرد تفوق ما خسروه في مناوشاتهم مع فرق صدام العسكرية.
حتى أن الحدود التي تتجاوز خط العرض 36 والمحدد كمنطقة لحظر الطيران قد سقطت. فالكرد يندفعون الآن مجدداً إلى الأودية والمناطق التي تقع جنوب هذا الخط عائدين إلى قراهم، والتي أخرجوا منها منذ التسعينيات (من القرن الماضي) بموجب إجراءات العقاب التي قضت بتنظيفها وإبعادهم عنها. وهكذا أصبحت رقعة المنطقة التي تتمتع باستقلال ذاتي في شمال العراق أكبر بشكل واضح جداً. فإلى جنوب أربيل يدعي الكرد بوجود 400 قرية تعود إليهم أساساً. وبعد الإبعاد والقتل الجماعي في السنوات السابقة يشعر المبعدون الآن أنهم في أمان مجدداً إذا ما أتيحت لهم العودة إلى منازلهم. حتى إن الآلاف منهم قد عادوا إلى كركوك أيضاً. يعتقد الآن أنه بالرغم من وجود أقليات صغيرة من التركمان والعرب والمسيحيين الأشوريين في المدينة ممن كانوا وظلوا فيها أيضاً، فإن أغلبية كردية باتت الآن موجودة هناك. بكل الأحوال فمنذ أيار/ مايو بات رئيس البلدية كردياً فيها، وشرطة المدينة باتت بنسبة 80 % من الكرد أيضاً. وحتى لو كانت إعادة توطن الكرد في المنطقة لا تخلو من الاحتكاكات، فإن الأمر يبدو كما لو أن كركوك قد تكون مستقبلاً عاصمة كردستان.
يسود مناخ الانتصار عند العديد من الناس، علماً أن حرباً لم تقع ولم يكن ثمة انتصار. إنه تعبير عن التفاؤل. مع أنه قد تم التعبير عن الأسف لعدم التمكن من الاحتفال بعيد الميلاد المئوي للقائد الملا مصطفى البارزاني مؤسس الحركة الكردية الذي صادف وقوعه في شباط/فبراير من العام 2003 كان الإعداد جارياً لهذا الاحتفال الذي ألغي بسبب الحرب ضد صدام. وبغمزة من عينيه أخبرني أحد الساسة الكرد، الذي من الأفضل عدم ذكر اسمه قبل أسابيع من ذلك: «الأرجح أنه لا اتفاق على تاريخ مولده، إذ يتأرجح ذلك بين الأعوام 1899 و1904. لذا، فمن الأفضل أن نحتفل في العام 2004. إذ ستكون الحرب قد انتهت حينئذ. فصدام سيكون قد ذهب ولنا آنئذ سبب مزدوج للاحتفال».
يعتبر العراق بالنسبة إلى غالبية الكرد أفضل حلٍ ثانٍ، «يطالب أكثر من %80 من الناس هنا بالاستقلال»، هذا ما يؤكده فرهاد بيربال، أستاذ التاريخ الكردي والآداب الكردية في جامعة أربيل. و«السياسيون يقولون ما يريد الأميركيون سماعه. إنها لعبة مهذبة». أما بيتر غولبرايت، وهو من المراقبين الأميركيين، وأستاذ في الكلية الحربية في واشنطن فقد ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. «إن الكرد ليسوا عديمي الصبر. إلا أنهم بمثابة الجوكر في اللعب. إذا ما ترك لهم الخيار فإنهم سيصوتون بصوت واحد ضد البقاء في العراق. إنها معضلة كبرى في المستقبل». وأنا أفهم جيداً أن العديد من الكرد في منطقة الحكم الذاتي يتعايشون مع صعوباتهم، ولا سيما الشعور بأنهم عراقيون. فبعد اثنتي عشرة سنة من الحرية الكردية، لم يعد لدى الشباب منهم أي هوية عراقية، والعديد منهم أيضاً لم يتعلم اللغة العربية. أما بالنسبة إلى المسنين منهم فإن كلمة «عراق» تعني الغاز السام، والإقصاء والإبعاد.
وبالنسبة إلى رجال السياسة الواقعيين في كردستان العراق فالأمور ليست بهذه السهولة. إذ عليهم الاكتفاء بما يرون أنه يمكن عمله، أو هم يريدون ذلك فعلاً. وفي الأشهر الأخيرة، وبعد أن اعتقدوا أن بإمكانهم أن يصبحوا شريكاً هاماً للولايات المتحدة، فإن هذا الهدف قد وضع قيد التداول والنقاش العلني وفق الصياغة التالية: الاستقلال عن بغداد، ولماذا لا يكون ذلك دولة خاصة؟ وبالتشارك اشتغل الحزبان الديموقراطي والاتحاد الوطني على مشروع دستور مشترك لما بعد صدام. وقد تم اختيار كركوك المدينة المقدر عمرها بثلاثة آلاف عام عاصمة للدولة. إنها أشبه ما تكون بقدس كردية، إنها مدينة كبيرة على الشاطىء الشمالي مما بين النهرين، وهي وسط المنطقة الغنية بالنفط في العراق. ومنذ عدة عقود عملت بغداد بحزم على تعريب هذه المدينة، حتى منذ فترة ما قبل صدام، ولكن منذ توليه السلطة عمل بإصرار وأبعد أكثر من 100.000 كردي من منطقة كركوك. ولا بد لهم من العودة إلى منطقة كردستان الجديدة. وهذا ما يريدونه أيضاً. يريدون الرجوع إلى بيوتهم وتجارتهم ومحترفاتهم، إلى بلدهم. ومن المفاجىء أن نجد أحداً يمنعهم من ذلك الآن بعد انتهاء مرحلة صدام.
بخبث يذكر البارزاني محدثيه الأميركيين: «بعد انهيار الاتحاد السوفياتي حصل العديد من الشعوب الصغيرة على دول خاصة بهم، وهم الآن شركاء مع الولايات المتحدة. ولماذا نحن لا؟» مع ذلك: فإن الرئيس لم يكن يتسلى. مراعاة لتحفظات واشنطن وأنقرة تم الاكتفاء في أربيل بالاستقلال الذاتي الآمن، أي بحكومة ذاتية في إطار «عراق فدرالي جديد يعاد بناؤه». وهذا ما وعد به ساسة الولايات المتحدة في الفترة التي ستلي حكم صدام إذا...
أجل، إذا لم تعترض أنقرة على ذلك، إذ إن واشنطن قد أوضحت أن الأتراك هم مشاركون أيضاً في لعبة شطرنج الشرق الأوسط. عاصمة كردية في منطقة غنية بالنفط؟ كلا! إذ إن تدفق مزيد من الأموال على الخزانة الكردية قد يكون مناسباً جداً لأخوتهم من الشعب الكردي المستضعف في تركيا! شبه دولة مستقلة للفلاحين الكرد؟ أيضاً كلا! مع ذلك قد يكون الحكم الذاتي مرحلة أولى في تشكيل دولة خاصة! لقد سبق للأتراك أن هددوا بالقيام بما امتنع الأميركيون عن القيام به: اقتحام المنطقة الكردية في شمال العراق. في أربيل، وفي صلاح الدين (معقل البارزاني الرئيسي) وفي السليمانية (حيث يحكم الطالباني) ترن أجراس الإنذار. لقد أعطى البيشمركة ضوء الإنذار الأحمر. «لا نريد هنا أي تركي، ولا نحتمل وجود أي تركي هنا»، هذا ما قاله مسعود البارزاني الذي غالباً ما يكون حذراً. «إذا أرادوا اقتحام الإقليم دون موافقتنا، فإننا سنستقبلهم بموجب عاداتنا القديمة. وإذا لزم الأمر فإننا سنجعل من أرضنا مقبرة للمعتدين الأتراك».
بعد شهرين على ذلك، في أيار/ مايو 2003 بات الموقف أكثر وضوحاً. تم إبعاد صدام، وتم القضاء على نظامه القمعي. لم يستعمل أي سلاح من أسلحة الدمار الشامل، ولم يتم اكتشافه أيضاً. حتى إن سكان السليمانية، والحمد لله، لم يستخدموا قط إجراءات الحماية ولم يكن عليهم أن يجربوا الأقنعة التي صنعوها بأنفسهم والتي تقيهم الغازات. بل حتى أنه لم تقع معركة حقيقية مع القوات العراقية. ولم تتدخل القوات التركية. والبيشمركة الكردية اندفعت إلى المناطق الكردية الأخرى التي أخلاها العراقيون. هذا وقد أصابت نيران الأميركيين الصديقة عدداً من الضحايا بين الكرد تفوق ما خسروه في مناوشاتهم مع فرق صدام العسكرية.
حتى أن الحدود التي تتجاوز خط العرض 36 والمحدد كمنطقة لحظر الطيران قد سقطت. فالكرد يندفعون الآن مجدداً إلى الأودية والمناطق التي تقع جنوب هذا الخط عائدين إلى قراهم، والتي أخرجوا منها منذ التسعينيات (من القرن الماضي) بموجب إجراءات العقاب التي قضت بتنظيفها وإبعادهم عنها. وهكذا أصبحت رقعة المنطقة التي تتمتع باستقلال ذاتي في شمال العراق أكبر بشكل واضح جداً. فإلى جنوب أربيل يدعي الكرد بوجود 400 قرية تعود إليهم أساساً. وبعد الإبعاد والقتل الجماعي في السنوات السابقة يشعر المبعدون الآن أنهم في أمان مجدداً إذا ما أتيحت لهم العودة إلى منازلهم. حتى إن الآلاف منهم قد عادوا إلى كركوك أيضاً. يعتقد الآن أنه بالرغم من وجود أقليات صغيرة من التركمان والعرب والمسيحيين الأشوريين في المدينة ممن كانوا وظلوا فيها أيضاً، فإن أغلبية كردية باتت الآن موجودة هناك. بكل الأحوال فمنذ أيار/ مايو بات رئيس البلدية كردياً فيها، وشرطة المدينة باتت بنسبة 80 % من الكرد أيضاً. وحتى لو كانت إعادة توطن الكرد في المنطقة لا تخلو من الاحتكاكات، فإن الأمر يبدو كما لو أن كركوك قد تكون مستقبلاً عاصمة كردستان.
يسود مناخ الانتصار عند العديد من الناس، علماً أن حرباً لم تقع ولم يكن ثمة انتصار. إنه تعبير عن التفاؤل. مع أنه قد تم التعبير عن الأسف لعدم التمكن من الاحتفال بعيد الميلاد المئوي للقائد الملا مصطفى البارزاني مؤسس الحركة الكردية الذي صادف وقوعه في شباط/فبراير من العام 2003 كان الإعداد جارياً لهذا الاحتفال الذي ألغي بسبب الحرب ضد صدام. وبغمزة من عينيه أخبرني أحد الساسة الكرد، الذي من الأفضل عدم ذكر اسمه قبل أسابيع من ذلك: «الأرجح أنه لا اتفاق على تاريخ مولده، إذ يتأرجح ذلك بين الأعوام 1899 و1904. لذا، فمن الأفضل أن نحتفل في العام 2004. إذ ستكون الحرب قد انتهت حينئذ. فصدام سيكون قد ذهب ولنا آنئذ سبب مزدوج للاحتفال».
Page 10
حتى أن شهر مولده ليس ثابتاً. فإذا اعتبر الكرد شهر آذار شهراً لمولده، فإن لذلك أكثر من سبب لا عقلاني يمنع لقبوله. فآذار بالنسبة إلى الكرد هو الشهر الذي يحتفل به بالعام الجديد (نوروز، حرفياً اليوم الجديد، أو الضوء الجديد). وعادة ما يقيم الكرد في كل أرجاء العالم في هذا الشهر سلسلة لا تنتهي من الاحتفالات المترافقة مع الموسيقى والرقص بكل حبور يرافقهم الشعور ببداية جديدة. حتى أن للاتفاق المعقود في 11 آذار/ مارس بين البارزاني والحكومة المركزية العراقية والموقع من صدام حسين نفسه، ربما كان قد لعب دوراً في ذلك. فمع البارزاني وبعد عشر سنوات من الحرب الدامية حصلت «جنوب كردستان» عام 1970 ولأول مرة على «وضعية الحكم الذاتي». ولكن على الورق فقط، إذ كان يجب أن لا يطبق إلا بعد مرحلة انتقالية من أربع سنوات، وهذا كان سبباً لاندلاع الحرب مجدداً عام 1974، وفيها شجعت الولايات المتحدة البارزاني أولاً، ثم قامت بمساعدته ثم بخيانته لاحقاً. في هذا الوقت أجريت أول لقاءاتي مع الكرد. في ذلك الوقت لم يكن بإمكان البارزاني حكم منطقته الصغيرة إلا من مخبئه في الجبال مباشرة على الحدود مع إيران.
الآن يختلف وضع الكرد هناك. وإن لم يشن الكرد العراقيون حرب استقلال، فذلك بفضل مصطفى البارزاني. وقد جاء في العرض الذي قدمه جمال نبز (Jemal Nebez) بالألمانية وبعنوان «كردستان وثورتها» ما يلي: «إذا ما فكرنا في البارزاني فإننا نفكر في التاريخ الكردي، أو بالأحرى في التاريخ السياسي للكرد في القرن العشرين. كان البارزاني بطلاً قومياًَ». والأصح أن نقول إن البارزاني هو بطل قومي. حتى لو تم تأجيل الاحتفال بيوم ميلاده المئة لعام واحد، فإن صورته تشع الآن في كل أرجاء كردستان العراق في كل متجر وبازار، وفي كل محل، في الأبنية العامة وفي التاكسيات: البارزاني حاضر في كل مكان، إنه الأسطورة الكردية التي تربط التاريخ بالأمل. فمشاهد لقاءاتي المتكررة معه وأخيراً مشاهد دفنه ما زالت تأتي إلى ذاكرتي.
الآن يختلف وضع الكرد هناك. وإن لم يشن الكرد العراقيون حرب استقلال، فذلك بفضل مصطفى البارزاني. وقد جاء في العرض الذي قدمه جمال نبز (Jemal Nebez) بالألمانية وبعنوان «كردستان وثورتها» ما يلي: «إذا ما فكرنا في البارزاني فإننا نفكر في التاريخ الكردي، أو بالأحرى في التاريخ السياسي للكرد في القرن العشرين. كان البارزاني بطلاً قومياًَ». والأصح أن نقول إن البارزاني هو بطل قومي. حتى لو تم تأجيل الاحتفال بيوم ميلاده المئة لعام واحد، فإن صورته تشع الآن في كل أرجاء كردستان العراق في كل متجر وبازار، وفي كل محل، في الأبنية العامة وفي التاكسيات: البارزاني حاضر في كل مكان، إنه الأسطورة الكردية التي تربط التاريخ بالأمل. فمشاهد لقاءاتي المتكررة معه وأخيراً مشاهد دفنه ما زالت تأتي إلى ذاكرتي.