Page 1
ِمحَنةُُ الجُذور
أذكُرُني طِفلاً، ببيتِ جَدّتي، أنامُ عِندها، وأصحو كلَّ يومٍ مع صحوِّ الدّيك، تَمضي لِشأنِها، وأمضي لِشأني في فناءِ بيتها الضيقِ حيثُ الحيّزُ كلُهُ مَشغولٌ بِشجرة الخرّوب التي إستَطاعَت، بِجُهدِ الجَدّةِ ورِفقها، أنْ تَجِدَ لها مكاناً بينَ البيوتِ وما تَبقّى من "البراكيات" • حاملةً في طيّاتِ أغصانِها من غيرِ عناء أعشاشَ الطيرِ من كلِ جنس، مِنهُ المُقمُ كالدّوري، والمُهاجِرُ العابِرُ كالخُطاف المُراوغ، وزوجي حمامٍ بريّ كانَ يَفيقُ في الفجرِ ويسعى ولا يعودُ الاّ مساء.
سريعةٌ وخفيفةٌ كانت تمرُ تلك اللحظات، فلا أنتبه لِما يَمضي مِنها ولا أُعيرُ أهتماماً للآتي، فذاكرةُ الطفولةِ هشةٌ، لا تَصمدُ أمامَ الأيّام وتَعاقبها، فَتُنسى كأنها لم تَكن، لذا نسيتُ وتَشاغلتُ، وصَعدتُ العمرَ مُهرولاً، كذا المُخيّمُ صَعد عُمره فتكاثَفَ بناؤه وتَكاتَفَ وحلَّ الإسمنتُ مَحل الصفيحِ في البيوت، ولم تنجُ شجرة الخرّوب هي الأخرى من أسنان الجَرّافة ذاتَ ظهيرةٍ، وهي تَزرَعُ مَحلَ أغصانِها أعمدةً من إسمنت وحديد، ومرت سُنون كثيرة، وجرت مياهٌ كثيرةٌ في وديانِ العُمر قبلَ أن أصحو على غير عادتي ذات فجرٍ وأسمع هسيساً آتياً من فِناءِ بيتِ الجدّة، يَهمسُ بهذا الحديث، فمضيت للجدّة وكانت مشغولةً بتقشيرِ النسيان عن صُندوقٍ بين يديها، تفتحهُ وتَمسَحُهُ، ثم تُدنيهِ من قَلبِها فَيُشرقُ محيّاها، قلت: سمعت هسيساً آتياً من هناك، وأشرت بسبابتي لما كان منذ زمنٍ موطن الشجرة، رفعت بَصرها وهمست: يا "مشحر" هذا صوت جذورِ شجرة الخرّوب وهذا قبسٌ من هذا الهمس.
_____________
• * محمود درويش
جذر أول
الشعرْ، هديّة شَيطانٍ تائبْ، أو ملاكٍ مُرتدْ لِحضرة الشاعرْ.
الشاعرُ، تاجرُ الكلماتِ المُنتَقاة، يّكيلُها بالوزنِ.
والوزنُ شرطُ وجود الشاعر.
جذر ثان ٍ
الحُلمْ، ما إستَطاعَ أن يَّجرَهُ الشَيطانُ مِن مُحيطِ الواقِعِ، الى شاطِئ النائِم.
Page 2
النائم، مُختَبَرٌ هو للمرانِ على الموت.
الموتُ، حين أقُابِله سأسألُهُ: ما سِرُ تذكيرِكَ وتأنيث الحياة؟
الحياة، فَترةُ ما بين بُكاءِ المَولودِ الجَديدِ وإرتدادِ صَوتِهِ كصدى.
الصدى، " وصيةُ الزائرِ للعابر ".
العابِر ِ، أنا وأنتُم.
جذر ثالث
الخَريفُ، حالةُ ضَعفِ الطَبيعةِ، ومَسيحٌ يُبشرُ بالشِتاء.
الشتاء، وقتُ جِماع الغيم بالأرض، والمَطرُ منيٌّ، سَقط في الرَحمِِ فاهتزَّ الرّبيع.
الربيعُ، خَفيفٌ وشَفيف، ومَحطةُ الجَمارِكِ الوحيدةِ بين الشِتاءِ والصيف.
الصيف، صوتُ البعوضةِ ليلاً المُبللِ بالعرق، والمَحمولِ على أجنحةِ الملائِكة وهي تدورُ بالأرضِ دَورَتها .
جذر رابع
النهار، الحقيقةُ واضِحةٌ، ولا تَحتاجُ لِبرهانٍ رياضيٍّ أو حسابيّ ، على تعاقُبهِ مع اللّيل.
الليلُ، إمتلاءُ الفَراغِ بالّلون، وعِمتَ مساءاًً يا صاحِبي حتى مَطلعِ الفَجر.
الفجرْ، إستِراحةُ الّليلِ والنهارِ مِنَ الكرِّ والفرّ " وليالٍ عشرْ، والشَفعِ والوترْ، والليل ِإذا يَسرْ، هل في ذلك قَسمٌ لِذي حَجرْ."•
___________
• من سورة الفجر
جذر خامس
الّلاجئُ، نَشيجُ النايِّ، على صورَتهِ الأولى قبلَ المخيّم.
المخيّمُ، زَنجبيلٌ، على جِدارِ حَلقِِ الإنسانيّة المُتقرّح، لا بدَّ مِنهُ، أحياناً للتَذكّرِ بأنّ بلاداً خَلفَ النهرِ، قدّ سَقطَ إسمُها سَهواً عِن الخَريطة.
الخريطةُ، جغرافيا على ورقٍ، يَرسمُ حُدودَها ـ أبداً ـ الدبّابةُ والقَذيفة.
القذيفةُ، إنفجارٌ كونيٌ صغير، يُعيدُ تَرتيبَ مَكانِ الإقامةِ على هوى صاحبها.
صاحِبها الذي أيقَظ ذاتَ ليلةٍ خُرافَته مِن نَومِها وجرّها بـــ f16 وقال: لا أكونُ إن لمّ يَّكنِ اللاجئ.
جذر سادس " جذر الجذور "
الهَويّةُ، أن تَرى في الذي يُرى، غيرَ الذي يُرادُ لكَ أن تَراه.
ما تَراهُ، لوّ دققتَ فيه قَليلاً، لرأيتَ فيهِ غيرَ الذي تَراه.
تُراهُ، أكانَ هباءاً جلَّ الذي رأيناه؟
ما رأيناهُ، كأنّهُ، لوحةٌ لفنانٍ مبتدئ، أرَادَ في نَزوةِ خيالٍ أن يّرسمَ شَكلَ الروحِ.
الرُوح، كلُ ما لا يُعرّفُ مَسكونٌ بها، كالحب.
الحبُ، فُسحةٌ ، لأهدأ قليلاً، عما أكتبُ الآن، في هذه الصفحة، وأعيدُ تَرميمَ هوائيِّ القلب، وأيّممهُ تِجاهَ الله.
Page 3
رِسالَةُ الطيف
الماركسيان
" عن مُقَاتِليّنِ مُتَقاعِدين قَسرَاً "
وِجهة الدربِ
على بابِ المُخيّم، أمامَ دُكانٍ صَغيرٍ وقديم، يَجمَعهُما كُلَ ليلةٍ، يَتذكرُ " الماركسيّ العجوزُ " مَاضياً حَافِلاً ويَأسَفُ لِما آلَ الِيهِ، فَيسألُ رَفيقَهُ القَديمِ مِنْ بَابِ سَدّ الغَصّةِ التي مَرّت بِقلبهِ لِماماً:
ـ كَمْ بَقي للرِحلَة حتى نَصلْ؟
يَّردُ رَفيقُهُ القَديم، وَقد إعتادَ على السؤالِ الكَبيرِ الذي لَم يَعد كَبيراً مِن فَرطِ تِكراره في آماسيهِما الكَثيرة:
ـ وهل بَدأنا الرِحلةَ في الدربِ الصَحيحِ أصلاً حتى نَقول، متى الوصول؟
يعَرِفُ " الماركسيّ العَجوز " رَأي رَفيقهِ القَديم مُسبَقاً فلا يُعلِقُ، يَصمتان، ويُتابِعان رَشفَ الشاي وشُرودهما الأول، كأن أحدَهُما لَم يَسأل، وكأن الآخرَ لَم يُجب، وكأن السؤالَ الكبيرَ الذي لَم يَعدْ كَبيراً لا يَعنيهِما أصلاً، فالزمنُ يَعرف بِمهارةٍ كيفَ يُميتُ القلبَ ويَصرِفهُ الى الإنشِغالِ بِتفاصيلَ أقلّ وَطأةً مِن هذهِ الأسئِلةِ الكَبيرة.
آخر الحروب
تَمرَُ صَورةُ بيروت برأسِ " الماركسي العجوز "، فَيتَذكرُ آخرِ الحُروبِ التي خاضَها، هكذا مِن غيرِ سَبب، فَما أكثرَ دُنوَّ الذِكرياتِ عِندَ بَابِ النِهايةِ، يَنفطَرُ قَلبُهُ ألماً، ويَستعيدُ شَهيّةَ الكلامِ المَدفونِ فيهِ مُذ جَلسا عِندَ مَغيبِ هذا اليّوم بِبابِ الدُكان، فيهمسُ:
ـ في المَرةِ القَادمة... سَأعملُ على أن لا نَخرجَ مِن بابِ الشاطئ.
يُقهقه رفيقه القديم، ويضحكُ مِن نَوباتِ الخَرفِ التي تَفلتُ مِن فَمِ العَجوزِ بين الفينة والأخرى ويقول أسفاً:
ـ وهل بقيّ في العمرِ مَسافةٌ كافيةٌ لِنقولَ " مرة قادمة "؟
يصمتان.
Page 4
كهلان يائسان، يَجلِسان كُلَ لَيلةٍ، ويَقضُمانِ الوقتَ الفائِضَ بِذكرياتٍ نَما عَليها غبارٌ كَثيف، يُمنيانِ النَفسَ بِحنينٍ الى زَمن بَعيد، زَمنٍ كادَ يُدفنُ لولا نوباتِ التَذكرِ التي تَلمُّ بِرأسِ العَجوز، فَيُرسِلُها صَادقة وجَافة، هكذا مِن غيرِ مُقدمات، فَتأتي دائماً كَوقعِ ملحٍ على جُرحٍ نَديّ لهذه النِهاية التي تَدنو مِنهُما ولا تُصيبُهُما، فَلرُبَما تُدرِكُ النهاية نفسها، أنْ مِن واجِبها أن تُؤخرَ مَوعِدها لِيشهدَ " الماركسيان " المَشهدَ الأخير.
نَشرةُ الأخبار
مرةً أُخرى، على بَابِ الدُكانِ القَديم، حيثُ وَضعَ صَاحِبهُ تِلفازاً على طاوِلةٍ منخفضة، جَلسا يَستَمِعانِ بصمتٍ لنَشرةَ الأخَبار، لم يَدع " الماركسيّ العجوز " بِتعليقاتِهِ المُتتالية وشتائِمهِ مَجالاً لأيٍّ مِن رَفيقهِ القَديم ولا صاحِبِ الدكان أن يُتابِعَ تَفاصيلَ الخَبر وإنعِكاسه الذي أطالَ المُذيعُ في شَرحِه وتَحليلِه، "فَالماركسي العجوز" يَرى أن الحقيقةَ لا تُؤخذُ ـ أبداً ـ مِن أفواهِ المُذيعين والمُحللين أصحابِ رَبطاتِ العُنق والوجوه الأنيقة.
- " الحقيقة تمشي بين الناس " قال لَهما، ثمَ أدارَ وجهَهُ لِجههٍ ما وأكمل:
- " ومن يُريدُ مَعرفَتَها لِينزل الى الشَوارِع ومَحطاتِ الحَافلات والأحَياء الفَقيرة ".
لم يتغير شيئ
طويلةٌ هي المدة ، التي قَضاها "الماركسي العجوز" ورفيق دربه، وإنشِغَالَهُما بِثرثرةٍ مَجانيّة وعاديّة عَن تَفاصيلَ عَاديّة أعمى قَلبيهِما عن خَيطِ الوقتِ الطَويلِ، فناما بعمق ودون قلق في الحَافِلة، حالمين كلٌ على حده بحلم خصوصي لايتشاركان فيه، مع أن هدفيهما كان واحداً، مخرا شَوارِعَ حلميهما مثلما كانت الحافلة التي تقلهما تمخر اسفلت المدينة البعيدة وتَلتَفُ في مُنعطفاتٍها، وعند نهاية درب الحافلة أفاقا وفي كلٍ منهما أثر من حلمهِ، لم يستطع " الماركسيّ العَجوز " إلا أن يَلتفتَ الى رَفيقهِ القَديم الجَالِس بجواره مُتذكراً شيئاً من حلمه ومختلطاً بشيء من الواقع
همس العجوز لِرفيقهِ:
ـ أتغيّر شيء منذ بداية الرحلة؟
هزّ رَفيقهُ القَديم رَأسهُ :
ـ ربما شكل الحلم.
Page 5
نُدرة الرِفاق
لا إذنَ يَطلُبُه المَوتُ لِلدخول، لا مُبررَ يُقدِمهُ المُوتُ لِمُمارَسةِ عَملهِ ونَشاطِهِ في أرواحِنا، يأتي في الهُنيهَةِ المَنسيّة التي يُغفَلُ فيها تَذكُرهُ، فَيدخلُ خَفيفاً ومُسرعاً، يؤدي وظيفتهُ ويَّرحلُ مِثلَما دَخل، هذا ما لم يُدرِكهُ " الرفيق القديم " وهو يتلقى خبرَ موتِ رفيقهِ " الماركسيّ العجوز " في عصر هذا اليوم.
الحُزنُ غشيَّ رُوحَهُ في اللّيلةِ الأولى التي يُمضيها وَحده أمامَ الدكان القديم الذي يجمعهما كل ليلة ، و الفَراغُ ممزوجاً بالوِحشةُ قضَّا مَضجعَ وجُودِهِ وفتحا باب الحنينِ الى الزَّمنِ القديم.
مُتسللاً بِتثاقلٍ، غَادَرَ " الرفيق القديم " بَعدَ بُرهةٍ قصيرة حَاول فيها إستِساغَةَ المَكانِ، فأخفق.
وآخر اللّيل بَعدما ملَّ الحُزنَ صَارَ يَتسلى في وحدَتهِ بِتذكّرِ جَلساتِهما الطويلة والمُملةِ في مُعظَمها، لم يستطع بَعدَ طُولِ تفكيرٍ أن يخفي حُزنَهُ عليها، لكن أمراً ما غريباً كان يَّحزُّ قَلبهُ، إستطاع بعد طولِ تَفكيرٍ أن يفسره فهمس لنفسه:
- " إن الأشياء تَمتلك قِيمَتها مِن نُدرَتِها وكذلك الرِفاق".
اليوم الأول بعد الرحيل
اليومُ لَم يَحصل شيئٌ يَستحقُ التَدوين، لم يأتِ أحدٌ هنا، والكُرسيان اللّذانِ كان يَجلسُ عليهما الرفيقان بَقيا في مَكانِهما في الزاويّة المَنسية من الدكان، والتِلفازُ ظلَّ يَنبحُ وحده مِن غيرِ أن يَجدَ أحداً يُعلقُ على أخبارِهِ التي بدت بلا لونٍ أو رائحة، أقفلَ صاحبُ الدكان بَعدما أطَفأَ الأنَوار، فبقيت زَاويةُ الشَارِعِ مُعتمةً وموحشةً وكأنّ المَكان ليسَ بالمكان، الناس بحركتهم من يجعلُ الجَمادات وكلُ ما حولنا مُستَأنَساً، الجمادات تَستَمدُ رُوحَها مِن حَركةِ الناسِ ووجودِهم.
من مُذكرات زَمنِ الحرب
يَمضي " الرفيق القديم " الى دارِ " الماركسي العجوز " لِيتفقدَ زَوجَتَهُ وأحَوالَها، يَجدها جَالسةً بِباب الدارِ وحيدةً، تَردُ العَزاء بصوتٍ خَفيضٍ على المُعزين ، سَلّمَ عليها فَتذكرت فيهِ زَوجها وبَكت، وما أن رَحلَ المُعزون مع المَساء، حتى أشارت لَهُ إلى السرير القديم الذي كان يَنامُ عليه زَوجها قبلَ رَحيلِهِ، حيثُ وُضِعَ عليه صُندوقٌ خشبيّ صَغير، فَتحهُ وقلَّبَ مُحتوياتهِ، والزَوجة العجوز تُتابِعُهُ مِن مَكانِ جِلستِها مُنتظرةً شيأً يَّجدهُ في الصُندوق الذي لم تَجرؤ على فَتحهِ.
يَّجدُ " الرفيق القديم " وسامَ " الصُمودِ " من التنظيم مُدونٌ عليه إسمَ " الماركسيّ العجوز " والبرنامج السياسيّ بنسختِهِ الأوُلى وقد اهترأت أطرافُهُ، تَحتَهُ يَجدُ قُصاصاتِ ورقٍ مِن بَينها واحدةٌ صغيرة، مكتوبةٌ بِقلمِ رَصاص في زِمنٍ قَديم، يَفتَحُها ويَّقرأُ ما تَبقى واضِحاً مِنها وهي بضعة أسطرٍ أخَيرة ......................
Page 6
ما قرأهُ " الرفيق القديم " في قُصاصَةِ الورق
".................... اليوم أغارت طائراتُ العدوّ على مُعسكَرِنا، مَتبوعةٌ بوحدات " الكمندوز " الرَاجلة. أطلقنا رَصاصاً مِثلَما لَم نُطلِق مِنْ قَبلُ، في المساء أحسستُ أن كلُ رَصاصةٍ أطَلقتُها أبعدتني عن إنسانيتي مَسافة، لِذا لا يَجب أن نُديرَ الوطن نحن المقاتِلين بعدما نَتحرّر ونُقيمَ دَولَتنا، الوطن بحاجة الى بشر يُديرونَهُ، أما نَحنُ فقد حولنا العدوّ الى كائنات مُفترسة لا رحمة في قُلوبِها، يَّنتهي دَورُنا هُنا، وعلينا أن نَتركُ إدارةَ الوَّطن للأجيالِ القادِمة....
بيروت حزيران 1982
بعد أن قرأ ما في قُصاصة الورق، أغَلقها وأعادها الى مَكانِها وقال لها:
لا شيء، مُجرد مُذكرات وليس هناك داعٍ لِما هو مكتوب في بقيةِ الورَقة، لا يُوجدُ وطن أصلاً حتى نَختلف على إدارته.
الورقة الثانية التي قرأها " الرفيق القديم " مِمّا قَرأهُ مِن أوراق في صندوق" الماركسي العجوز "، ويبدو أنَّها جُزءٌ مِن رِسالة بَعثها رَفيقٌ دَخل مع الدَاخلين عقب اتفاق أوسلو
"............. وما إن وَصلتُ الى هُنا حتى هَرعتُ الى قَريتي التي وُلدتُ وتَرعرعتُ فيها، أخذتُ الطَريقَ التي حَفظتها في رأسي كل هذه السنيين، وسيراً على الاقدام واصلت المَسير، كنت أحاول في طريقي أن اتنفس كل تفصيل صغير أشاهده في طريقي اليها، ولما وصلت مفترق الطرق الذي يؤدي أحد تفرعاته اليها تهت.
فقد نما عليه عشب كثير بعدما هجر، واصلت الطريق التي كنت أعرف، والمزروعة في مخيلتي منذ الطفولة، أغمضت عيني وركضت مسرعاً معتمداً القلب كدليل. ووجدتني أخيراً أقف على خرائب وأطلال هي كل ما تبقى من القرية.
أصارحك رفيقي....
لقد احسست أن فؤادي انخلع من مكانه، فلا المكان الذي تركته هو المكان، ولا هو الذي أحتفظت بصورته في مخيلتي... قلت لنفسي أعود غداً علّ القرية تختلف وتتذكرني.
عدت في اليوم التالي، وبقيت أزور الأطلال عشرة أيام وما تبدل شيء ولما يئست بكيت من كل قلبي.
أيها الرفيق....
أدركت بعد مدة أن المشكلة هي ما رسمناه في أذهاننا ومخيلاتنا " أن العودة إلى المكان لا تعني استرجاع زمان ما من زمان، بعينه إلا بالمكان والزمان ذاته وبمن أقاموا فيه شريطة انعدام التغير، وهذا عين المستحيل"* إن المسألة هنا ليست مسألة جغرافيا مع أنها جزء مهم وضروري من قضيتنا لا استغناء عنه، المسألة مسالة قضية ولغة وهوية وبشر، الجغرافيا هي الشرك الذي وقعنا فيه، جل ما أردته هو قريتي نفسها، ومن كان فيها و بالزمان نفسه وهذا مستحيل.
أيها الرفيق.....
بينما سيتحضرني هذا الكلام الآن، أتذكر الشهداء اليافعين والصغار والذين لم يروا من تراب هذه الأرض شيء لكنهم أعطوها كل شيئ، أسأل نفسي الآن.......... "
هنا لم يستطع " الرفيق القديم " إتمامَ الرِسالةِ بِفعلِ الرُطوبَةِ التي أكلت آخرها.
• جمال غيطاني