إنها قرطاج المدرسة الجليلة،
ربة الإلهام السماوية لكلّ أفريقيا،
قرطاج حوريّةُ البحر والأسرار.
أبوليوس
هنالك جاء جمع من الفينيقيين
رجال البحر المشهورين
ماكرين طموحين
في سفينة سوداء
محمّلة بالطرائف.
هوميروس
ثمر التين هذا هو ثمر قرطاجي
وصل إلى ساحة هذا المجلس،
يانعاً شهياً، منافساً لزراعة روما.
يجب تدمير قرطاج،
يجب تدمير قرطاج.
كاتون عضو مجلس الشيوخ الروماني
فَضَاءٌ وفَضَاءٌ مُضَادٌّ
في عمق كلّ منا تسكنُ مدينةٌ، ليست المدينة التي يسكن كل منا عمقها، بل تلك المدن التي نختارها لأنفسنا، نرغب فيها، ونقيمها فينا.
تختارُ مدينة، تحفظ لها اسمها أو تستبدله، تنشره، ينادونكَ بها، ويسألونك عن الهجرة إليها [فيها] أيان محطّها ومستقرها. أو تطويها، تطوي حكايتها فتكون لك وحدك، تدخلها آمناً متى شئت وتغلق رتاجها وراءك، تفرّ إليها من الجحيم المقيم خارجها [خارجكَ]، تضع حديقةً هنا، ترتّب ربوةً هناك، تؤثّث أرجاءها. تحيطها بالضواحي الهادئة، أو تبقيها جرداء من الاخضرار، لأنك تفضّل ألواناً وكروموسومات أخرى.
ما مدينتكَ؟
هل هي حديثة، ذات بنية تحتية متقدمة، موصولة بالانترنت وتشبيكات التواصل، مكتظّة بالافتراضي، والمتزامن؟ هل هي ريفية، وادعة، سرديّة، متوَارَثة؟ هل هي طبيعية الأبعاد، تتوافق مع إحداثياتك الجسدية؟ هل هي سريالية تتوافق مع إحداثياتك السيكولوجية؟ هل هي تداخل أزمنة؟ هل هي تعاشق أمكنة؟ هل هي اختلاط لغات؟
أترصف شوارعها، أم تبقيها متربة، لتقوم كل مساء برشّها وتأمينها ضد انبثاقات الرهج، أترهق الوافدين إليها، أم تتركها تأخذ شكلَ بابل [بابلكَ أنت]؟ أتجعلها تنمو وتستوطن المزيد منك؟ أم تحاصرها بالخارج لتصبح غرفة أو برجاً يليق بخلوتكَ دون سواك؟
في قرطاج كتب القديس أوغسطين «مدينة الله» ليفرّ إليها من لغط المجادلين بأهلية السماء واستطاعتها قبول كل هؤلاء اللاجئين الذين يدفعهم الرومان دفعاً إلى المغادرة باتجاه واحد لم يعد منه أحد ليخبر القرطاجيين عما رآه، بنى لأتباعه مدينة مؤجّلة وأراد لهم أن يحزموا أمتعتهم تواً.. لكن منهم من فضّل المانويّة لأنها تمنحه خط رجعة اختيارياً متى شاء.
وكتب الفارابي مدينته الفاضلة رائياً عالماً آخر موازياً وصامداً أمام التهدّمات الداخلية التي لم يكن يراها سواه، وكتب مور يوتوبياه حالماً باللاأين، مدينة زمنية لمن شاء هجرةَ مدنيّة الأرض إلى مدنيّة الفكرة.
ومدن أخرى كثيرة: مدينة الشمس، مدينة القمر، مدينة لا مرئية، مدينة الوهم. فما مدينتك التي تدين لها [تدين لكَ] بحبلكَ [بحبلها] السُّري، وتمنحك [تمنحها] القدرة على الاستمرار؟
* * *
فضاء من الأشكال والأصوات والروائح يصعّد الحواسّ تتسامى، يستدعي إلى الخيال فراغاً لا تمتلئ به الأشياء، إنه الفضاء المضاد للطبيعي، لأنه حقل للحلم، الرغبة، النزوة. بعضنا خالدٌ في حلم عظيم. بعضنا خالدٌ في نزوة. فضاء علاقةٍ تُدرك لاحقاً بالأشياء، بكائنات العالم، إنه الهوّة التي نُحدثها فينا لنفسح في المجال أمام فكرةٍ، إنه الفراغ الذي يستدرج الرؤى، ويوطنها هناك، في جزء، ضئيل أولاً، يكبر ويتسع، ليشمل الكيان، كياننا، كله.
كل عشق حقيقي هو استدراجُ رؤيا نمكّنها من التوطّن في أعماقنا، من تلبُّسِنا، وجعلنا نمتلئ بها، نحن الأجساد-الفراغ.
في «كتاب الوهم»، وأجد هنا إحالة أخرى للتفكير في الفضاء المضاد:
«الجسد إزارٌ
- مَن يخجلُ من عريه؟
- مَن لا فراغَ له يحرسهُ».
الفراغ الذاتي الذي إذا لم ننجح في تهيئته وتوضيب ركن قريب منّا له، فإننا نعوضه بأجسادنا، وبإعادة تأثيث زوايا الظلّ المحيطة بنا، تلك التي تشغر مجالاتنا اليومية.
فضاء ذاتي هو فضاء آخر أعمق، من العمق ينهض، لتصطبغ المدينةُ بكل منا. إنني إذ أقف الآن على هذه الربوة المعشوشبة، وإذ تبدو لي مثل جسد مستلقٍ، وإذ يبدو العشب مثل زغب أخضر مذهّبٍ، فإنني أستدعي ماغون، صاحب الموسوعة، وأول من حوّل العلاقة بالأرض إلى فنّ يُمارَس، ويمكن تعلّمه، وأول من وازن بين الضاحية والمدينة، عيشاً وعملاً ومشهديةً.
كان ماغون، بحسّ بيداغوجي متقدّم، يرى إلى أجيال تزحفُ إلى المدينة لتهمل الضاحية والحقل والمحيط، فكانت مبادرته إلى هجرة المدينة وتوطّن الريف.. القريةَ القريةَ كانت دعوته النبوئية، ومنها سينهض مفهوم الفضاء، وإشكالية الفراغ والخلاء الطبيعي وموازنته بالعمران. العَمَارُ كنعانيّ الجينات. على كلّ منا أن يحمل مدينته بداخله، ليقيم، ليكون في مقدوره أن يقيم، أين شاء.
أما قرطاج فإنها ستكتظ، وتمتلئ. ستعبرها الأجناس، وستعبرها اللغات، والأحلام، والديانات، وستنقلب من فضاء طبيعي إلى فضاء مجرّد، يدّعيه الجميع، وينافح عنه الجميع، ليكتشفوا أنهم يتقاتلون، يحاربون أنفسهم، ويتنازعون الفكرة ذاتها، ولن ينقذها كيوتوبيا، وكتجربة إنسانية أيضاً، إلا أن تقسّم ذاتها في مدن كثيرة، أصبحت قرطاج الجديدة كلّ مدينة بإمكاننا أن نعثر فيها على قطعة من فكرة تحويل النور والماء إلى سكنى.. أصبحت العالم.
هِبَةُ النّور
النّور متنزّلاً ما أن يُرى حتى يأخذ اسمه. وفي حالة قرطاج فإنه يسطع كأوضح ما يكون. مَن منهما أعطى الآخر هويّته؟ قرطاج الرابيةُ هِبَةُ النور. وضاحيتها السّبطاءُ مآله. إن جولته اليومية لا تنتهي بالغروب، كما لم تكن قد بدأت بالشروق، يظلّ كامناً في ثنيات وثنايا إلى غدٍ يَصِلُ فيه ما انفصل. والجزيرة من بُعْدٍ ترمق انكساراته. حَلْقُ الواد.. بأي تأويل نفسّر اسم هذه الجزيرة.. ما لم يكن النور عتادنا.
الرحلة اليومية الماسحة الكثبان والسهوب والأعراش والنفوس، صَنَعَت لها تاريخاً على هذا الكوكب. النور لولا أن اهتدى إلى أصابع قرطاجية التقطته، نسجته، وأسكنته الأرضَ، لظلّ عابراً في رحلة عابرة.
أقول، قرطاج تعكس النور، وإذ أفكر فيها فإنني أبدأ كلّ مرة من بول كلي (Paul Klee) الذي أجهد نفسه، ونجح، في إدراك تاريخ للنور، ليصبح بذلك رائدَ بحثٍ كانت الحاجة إليه تُحَسّ ولا تُعرف، شأن عظام الروّاد المنْهَمّين على الدوام بسرّ لا يُحتمل.
رأى بول كلي النورَ لاعباً. تبادرت إلى ذهنه في المرّة الأولى وهو عند الزهراء (سان جرمان) كلمة «فيض» الأثيرة لدى المتصوفة والشرّاح الشرقيين للمتون المقدسة، والأساسية لدى هيغل، لكنه وقد عاد من أُخْذَةِ البداية بدأ يتلمّس حالات النور: الندى مشرقاً، الرذاذ متناتلاً، الهواء مستيقظاً، الجدار متنفساً، والروح مشرَعاً أمام هذا الغزو الجميل. في كم من الأشياء والكائنات يتناسل النور مفضّضاً [محولاً إلى فضّة] الدنيا، فاضّاً غلالات الطبيعة؟
ليست تلاوين الزجاج المعشّق، ولا المخمل محمولاً إلى الصباغة، ولا ملمس الحنين في خشب المشربيّات، ولا الألفة المطلّة من الشرفات، ولا نَوَسان الياسمين، ولا التنويعات والتدرّجات الغنية لمسطّحات ممتدة تؤنس البصر، ولا جميع الكائنات الأخرى المتحالفة مع النور. الصمت، أقول، كان دليل الرجل إلى مجْد الرؤية.
الصمت مرئياً.
الصمت على الساحل هو صمت نبوئي أيضاً. وعناصر اللوحة لا تبدو أكثر اكتمالاً في أي مكان آخر: بحر، انعكاسات والتماعات دالة، ضفاف، آثار تركتها كائنات صغيرة ترتاد الشاطئ في فسحات منسية من الزمن الإنساني، وحزم ضوئية لا يوجّهها شيء أو أحد ترافق الصمت تَخلق المكان وتُخلَق به. إلى أين يمضي الفكر وقد نشر المكان سلطته، وأرسل مقاميّته الآسرة على هذا النحو؟ لقد صار بول كلي والنور واحداً. كانت أحد عشر يوماً ستصطبغ بها تجربته، كما ستترك أثرها الفذ على تاريخ الأساليب الفنية إلى الأبد. إنها العناصر الخالدة نفسها التي جعلت من قرطاج أرضاً-حلماً لشعوب المتوسط، ولأزمنته كلها، جعلتها فنَّ رؤيا، كما يقول بول كلي: «لا يرسم لك المرئيّ، بل يبرز لعينك ما ليست ترى».
ونستيقظ على تجربة محمود السهيلي اللاعب بـ [وَمَعَ] الضياء، وهو الذي «حاول النور لوحة بعد لوحة، ثم بلداً بعد بلد، متنقلاً من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، سافر وأعاد السفر متتبعاً مساقط شمسنا الأفريقية من جزيرة جربة إلى صحراء الجزائر، ومن قلب السودان إلى أعماق المغرب الأقصى، وكأنه سندباد جديد لا بحري ولا بري» (1)، كنعانيّ ألف الترحال، وندرك أنه وراء هذا الترحال إنما كان يصوغ جزءاً من سيرة النور باحثاً عن تجسّداته في الرمل والماء والهواء والإنسان واستظهارها في خفّة الأكواريل التي لا تضاهى.
الجَمَالِيّةُ القَرْطَاجِيّةُ والجَمَالِيّةُ اليَابَانِيّةُ
بي ميْلٌ وأنا أبدأُ أقرأُ صفحة قرطاج المضيئة على هذا النحو، إلى استدعاء جونيشيرو تانيزاكي (2) وهو يطوف بنا في رائعته الصغيرة، ولكن الشهيرة: «مديح الظل» (3)، في عالم من انعكاسات للمكان المحلّي، بلْه الشخصي، مُولّدةٍ لتخيّلات وحدوسات تستشفّ عمق المكان وجوهره، ولا تكتفي بملامسة سطوحه وترتيب مستعمَلاته وما يظهر فيه من أشياء.
لقد قرأنا جميعاً بويطيقا المكان لغاستون باشلار، ولكن أثر هذا الكتاب لم يتجاوز حتى الآن، مجرّد التقليد بالسماح لأسلوب باشلار بالانعكاس على موضوعات محلية عربية، وكان الأولى أن تتم الاستفادة منه باستبصار منهجيته وآلية اشتغاله، وتحديد توافقيّة الرؤية مع التفاصيل البيئية الصغيرة التي تشكّل في مجموعها ممكنَ التفكير في المكان وتسمح باكتشاف صوته الكتيم، روحه إذا شئنا، أو نبضه، أو سرّه، أو ما شئنا من مسميات للدلالة على فرادته وكونه مختلفاً، متميزاً، ومصدرَ نصوص جاءت بدورها مختلفة، متميزة.
الأمر مختلف إلى حدّ كبير مع تانيزاكي، كما هو مختلف أيضاً مع القراءات الناجحة التي لاتفتأ تبدأ من سطح المكان لتغوص في إحالاته وحقول تنصيباته، مثلما هو الأمر مع إلياس كانيتي أو جورج بيرك مثلاً.
الروائي تانيزاكي وهو ينقل لنا ما يسميه «لغز الظل» وانعكاسه على الاختيارات والأمزجة يعيد التذكير بفلسفة كامنة في علاقة الياباني بالفضاء وتأثيثه، وهي التي انهدمت بشكل قاسٍ ومؤثر إثر انفتاح اليابان على الغرب، أي أن العلاقة بالآخر قد امتصت رؤيته للعالم والأشياء. وجعلت إحلال الأنماط الغربية يتسارع وينتشر بدعوى التقدم والحداثة والاستعماليّة الضرورية للحياة.
«نحن الشرقيّون نخلق الجمال عبر توليد ظلال في أمكنة عديمة الأهمية في حدّ ذاتها» (4) ولكن هذه الملامسة الداخلية هي تحديداً ما لا يأبه له الغربي.
في كل مكان نلتفت إليه في اليابان القديم نرى خصيصة تراثية، ونفسية، وجمالية ترعاها وتصنع فكرتها الأعين الشاخصة إليها، لا زينتها وديكورها الباذخ.. السقوف، الأعمدة، الحواجز، الحدائق، الأسيجة، الأركان، الأواني، الشموع، المدافئ، الملابس، أدوات التجميل، إلى آخر ما يتصل بالحياة اليومية لياباني قديم عرف كيف يكتشف «ظلّه الجوهري» الذي تشتّت أمام ضربات الإنارة والتعرية «المقززة» كما يصفها تانيزاكي، وتحت «صدمة الضوء العنيف» [الغربي] الذي استهان بجماليات البيئة اليابانية.
التنوير، تلك الكلمة الأثيرة لدى فلاسفة القرن الثامن عشر، ليس سوى انتهاك غربي للصَّدَفة اليابانية العزلاء، لسبب واحد أنه أتى عنيفاً، مباشراً، وإجبارياً. لقد تراجع الظل وانسحب إلى أمكنة لا سبيل إلى «تقذير» قداستها، مثل: الأديرة، بيوت نائية في الجبال تحصّن نفسها بالبعد عن الضوضاء والأضواء الزاحفة، بيوت عُجّز هم أصحاب مواقف جمالية مثل تانيزاكي نفسه الذي أشرف على بناء بيته بالطريقة التي يستعيد بها روح اليابان، ففاجأته معاناته ومثابرته أنْ يُبقي الأشياء كما هي.
إن تانيزاكي يجعل من الظل رمزاً جمعيّاً للياباني، ويمكننا أن نفهم ذلك في بلاد الشمس المشرقة كونه الجزء الأصيل، الشخصي، الصميم من النفس، فضوء الشمس هو بعدٌ احتفالي مكرّس عادة لتقديس الأسلاف والامبراطور وطقوس استدعاء المحاربين المؤسسين، أما الظل فهو الضوء المعتم الداخلي الذي لا يمكن انتزاعه عن النفس، عن الإنسان نفسه.
كان كانيتي، وهو يحلّل الظاهرة الجماهيرية، قد اقترح رموزاً قوميّة أو جمعيّة للشعوب الأوروبية، وهي رموز تتناسج فيها الأسطورة مع التاريخ، «فالبحر بالنسبة للإنجليزي ليس حياة فحسب، وإنما هو تجاوز للحياة والموت معاً، فكل إنجليزي يرى نفسه قبطاناً بحرياً، البحر مصدر قوته وميدان مغامرته، والبحر قبره الذي يضعه في النهاية، البحر مصدر التحول، تفاعلاً مع الدنيا، وهو أيضاً مصدر الثبات، صموداً في وجه الآخرين»، وهكذا: «السّد» بالنسبة للهولندي، و«الغابة الزاحفة» بالنسبة للألماني، و«الثورة» بالنسبة للفرنسي (5)، والخيمة على لسان الصحراء بالنسبة للعربي، والكوخ ذو الهسيس في ظلّ الغابة الآمنة بالنسبة للأفريقي.
روما التي قامت أساساً على فكرة تعيين الحدود، والصراع من أجل ترسيمها، بحثاً عن كيان شاء أن يولد بسرعة، وأن يحتل مكاناً تحت الشمس بسرعة أكبر، قائمة على فكرة الضد، وفي معظم الشواهد الأسطورية والتاريخية يمكن أن نعثر على الصراع بين الأضداد كمبدأ تأسيسي، كسبب أيضاً للاستمرار في الحياة. الماء والنار يمكن أن يعدّا رمزاً جمعياً موحّداً للرومان، وفيه تكمن فكرة المكانة في العالم وكرامة الشعب، وسنداً لتحقيق انتصاراتهما في المعارك الضرورية للرومان.
فماذا عن قرطاج؟
أصفُ القرطاجيين «أبناءَ البحر أبناءَ الأرض البارعين»، وأرى دائماً سفينة تواصل إبحارها ليلاً، في صحراء من الأمواج العاتية [يفيد الجذر: صحر معنى الامتداد اللانهائي]، تستتر النجوم الدالة وراء الغيوم، ولم يتبق سوى أمنية الفجر في الصلوات إلى بوسيدون، بينما الجميع يكابدون محنة الانجراف إلى إحدى الكتل الصخرية الناتئة القريبة من الجزر المنتشرة في المتوسط، وإذ تتجه السفينة غرباً فإن النور يبدأ انبعاثه كأنما يلاحق أثرها على الماء، يسطع وراءها وفوقها وينهض حزماً ليكشف الأفقَ أين تبرز بقعة، بؤرة ما، يتكثف فيها، فيعرف الجميع أن السفينة تمخر العباب إلى مرساها، إلى «بيرصا» الميعاد.
إنها «حورية البحر والأسرار»، كما يصفها الفيلسوف المغاربي أبوليوس المدوري المولود عام 125، التي لا يمكن أن يخذلها البحر.
لا ريب أن الماء والنور هما رمز قرطاج الجمعي، النور الأزلي، الأبدي، الذي كشف ربوة «بيرصا» للمرة الأولى، والماء الذي ما زالت صهاريجه قابلة للاستعمال إلى يوم الناس هذا بعد أكثر من ألفي سنة، الماء/ البحر أيضاً كان على الدوام متنَ اكتشاف ومغامرة وانتشار.
والماء رديف النور، لأن ماءً في العتمة هو كهف الجحيم، ولأن ماءً معتماً هو موت دائم، ولأن حبّةً من رذاذ تلتمع تحت الشمس هي ولادة جديدة وهي عودة إلى الأصل.. هي الحياة مختزلةً.
ومن الماء والنور كانت الأشياء في قرطاج تستمدّ قيمها المجازية، فالأفق البعيد هو حافةُ العالم، وغرق سفينة هو السقوط في المهاوي المظلمة للعدم، والمرايا التي تفننوا بصقلها هي شارة تميّز قومي، والأرجوانيّ لون أرديتهم الملكي أثناء ترحالهم بين مدن البحر هو شارة البضائع الجديدة والتوفيق في التجارة، والسوادُ [كان اليونانيون يفضّلون الأبيض] لون سفنهم هو الامتلاء بالحمولات الثمينة، والسوق المقام قرب الميناء هو خيمة كبيرة لعائلة بأعراق متعددة، وأعمدة هرقل هي أعمدة الخيمة السوق، أعمدة العالم كونها سوقاً أممياً.
الماء والنور ليسا فقط منظّمَيْن متوافقين للروح القرطاجي، بل لعلاقته بالآخر أيضاً، فلكي تصل قرطاجُ الآخرَ، وتصل إلى الآخر، لتبيعه ما تصنع وتنتج، أو لتستكشف مجاهل أرضه وثقافته، أو لتمحق جيوشه الغازية قبل أن تدق الجيوش أبوابها، كانت تعبر الماء.. متنُ السلم والحرب، ومجال احتدامهما، منذ القدم وإلى اليوم. إلى اليوم لأننا نعرف أيضاً أن المواجهة الحضارية مع الغرب ما تزال تثير حماسة التونسيين، المدينين للماء والنور، وتمدهم بالحيوية (6).
قرطاج، روما، اليابان... هاكم مقارنة أولى بين بلدان الماء التاريخية الثلاثة هذه: (7)
البَنّاءَةُ العَظِيمَةُ وقَرْطاجُ المُقِيمَةُ فِي التّارِيخ
مع الكنعانيين يبدو تاريخ العالم أكثر انتظاماً. بكيفية ما يمكن البدء بمنجزهم الإنساني العظيم للوصول إلى الآن.. البدء مما قبل ذلك هو نوع من التردد بين تضاعيف الميثولوجيا وأساطير البدايات الضائعة. معهم تلوح وقدة الحضارة وتتبدد شيئاً فشيئاً عتمة التاريخ في مسار يتماهى مع الشمس.
هؤلاء الأسلاف،.. «مَن كابدوا غزوات الضوء»، غادروا الشرق المستنفذ إلى الغرب الملاذ، يلاحقون الشمس، متقدمين إلى أبعد مما عرفه الأويكومين القديم، دافعين العالم إلى اقتحام دورةٍ جديدة، وفي الأثناء كان لترحالهم أن يحطّ بين يوم وآخر، لتنشأ من محطاتهم التجارية مستقرَّات سرعان ما يجتمع حولها الأهالي ليجعلوا منها مدناً: لبتس ماغنا (Leptes Magna) (لبدة الكبرى)، أويا (طرابلس)، صبراتة، حضرموت (Hadrumentum) (سوسة)، أوتيكا (عتيقة) (Utica) ، هبو ديارهيتوس (Hppo Diarrhytus) (بنزرت)، هبو رغيوس (Hppo Regius) (بونة)، حتى وصلوا إلى لكسوس (Lixus) (جنوب طنجة). إنها مدن زمنية بالأساس، صنعها توقيت الأسفار وضروراته. محطات كان العالم القديم يبدو معها مقبلاً على ما لم يعرفه من قبل.
وحكاية قرطاج الأمس هي تاريخ أفريقية اليوم، أطلق عيها المؤسسون الأوائل اسم «قرت حدشت»، أي القرية الحديثة، واستقبل الإغريق هذا الاسم بصيغة «كارشدون» ونقله اللاتين بصيغة «كرثاجو»، الاسم الذي ستردد صداه أركان العالم.
تأسست قرطاج على يد الأميرة عليسة (814 ق.م)، تلك البنّاءة العظيمة، الأم، الرائية، ومنذ البدء كانت عالماً مستقلاً متوحّداً، حمته حدود تم اختيارها بدقة: البحر والجبال والصحراء، وعزله البعد عن مجاهل القارة، كما عن المفاجآت، خاصة وأن الأهالي لم يكونوا بعد يعرفون أي نوع من البشر هؤلاء الرحّل على وجه الماء. كان الموقع مثالياً لنشأة مدينة سوف تستمر إلى الأبد. مندفعة إلى الأمام دائماً، ميمّمة صوب الأبعد فالأبعد.
ولعله أقرب إلى الحلم الآن أن نعرف أن رحلة حنون قد انطلقت لارتياد ألفين وستمائة ميل من الأرجاء الليبية في ما وراء أعمدة هرقل وساحل أفريقيا الغربية، وأن رحلة هيملكون قد انطلقت لارتياد سواحل أوروبا الشمالية بالتقنيات والأساليب ذاتها التي دفعت الكنعانيين الأوائل إلى اختراع قرطاج، واكتشاف جزيرة الكلب، والوصول إلى أمريكا. هل كان المشروع الكنعاني فتحُ العالم؟ ربما. ولكن قرطاج اختزلت هذا المشروع، فأصبحت هي العالم.
* * *
هاجرت عليسة بنخبة مدينة صور ممن يعارضون في بيغماليون قسوته واستبداده، بعد أن قتل زوج أخته آشرباس، خاله وكاهن المعبد، طمعاً في ثروته الأسطورية، التي لم يكن أحد غير عليسة يعرف حقيقتها.
كانت قبرص أولى محطات تغريبتها البحرية، وهناك انضم إليها كاهن من المنقطعين إلى هرقل، وقبل أن ترفع الأشرعة التحق بالسفينة ثمانون فتاة قبرصية زوجات لثمانين حارساً كنعانياً، هم من سيؤلفون مجتمعاً صغيراً على متن الماء، ومن سيكون أبناؤهم شعباً وجيشاً على الأرض.
سجدت عليسة سبعاً، وهي تضع قدميها على الساحل، ونشأت بتوطنها هضبةَ بيرصا أسطورةُ جلدِ الثور الذي اختارته ليمنحها الأهالي ما يطابقه من أرض، ولعل ذلك كان وحدة قياس مجهولة في الأرض الجديدة، ولكنه سيظل سبباً، على أي حال، لتبرير الحدث الكبير: تأسيس قرت حدشت، كما يُرجّح أن عليسة نفسها قد أسمتها.
ولنا أن نتكهّن أن أول ما أنجزه المهاجرون كان معبداً لبعل حمون، ثم بيوتاً ومخازن ومرابض للخيل وسوراً يحمي المدينة الناشئة.. قبل أن يتصل بهم الأهالي فيقايضونهم ويتاجرون معهم، لتنمو المدينة وتتسع شيئاً فشيئاً، ولتصبح .. «مع الأيام أكبر حاضرة إلى درجة أن صور الأم عندما شدّد الأشوريون عليها الخناق سنة 573 طلبت من قرطاج أن تتولى مكانها الإشراف على المحطات الكنعانية في صقلية وغرب البحر المتوسط والدفاع عنها» (8)، فأصبحت بهذا الحدث «دولةً أمّاً» بدورها.
نشأت قرطاج كواحدة من المحطات، ولكن قدر المدينة كان أكبر من أن يكتفي بمرور عابر للكنعانيين، فكان أن استقروا فيها وكان أن جعلوا منها مثالاً عمرانياً غير مسبوق. يروي المؤلفون القدامى عن أبنية كُسيت بصفائح ذهبية، وعن جدران سميكة مرتفعة علتها الزخارف، وطرق مرصوفة، وبغض النظر عما أبقته تبدلات الزمان والمكان من تحف القرطاجيين وفنونهم، فإن الحكايات تعود بأصولهم دائماً إلى أحيرام ملك صور الذي استعان به سليمان لتشييد هيكل لا أحد يعرف أين هو. ترى ما الذي بناه أحيرام آنذاك؟
لقد رسم الكنعانيون جغرافيا جديدة. أو لعلها الأولى الأكثر تأسّساً على التجربة، لا على الأسطورة والصدى البعيد لذكريات الأسلاف الغامضة. كانوا أول من قام بتخريط البحر الأبيض المتوسط، وأول من تقدم فيه، راسمين «تضاريسه»، كاشفين خفاياه. كان يسعدهم أن يُسَمّوا أبناء البحر، فخورين بسلفهم الحطّاب «أوس» أول من مخر عباب البحر على جذع شجرة أرز، تاركاً وراءه غابةً تحترق، ولكنهم ما أن استقروا في قرطاج حتى بدأوا يَظهرون أيضاً كأبناء بارعين للأرض، بل إنهم نظروا إلى علاقتهم بالأرض كممارسة لأجمل أنواع الفنون التي أتقنوها.
وبعد سبعة قرون من السيطرة الكاملة وشبه الكاملة على المجال المتوسطي يتمكن الرومان سنة 146 ق. م. من السيطرة على قرطاج الكنعانية.. لكن ذلك لم يكن يعني دمارها، بالرغم من أنه قد أرضى الحريصين على صيحات كاتون، عضو مجلس الشيوخ الروماني، وهو يرفع ثمار تين قرطاجي بين يديه، وأروقة المجلس تردد صدى كلماته المرعبة المرتعبة: يجب تدمير قرطاج.
إلا أن قرطاج تحت الحكم الروماني، وإن تخلّت عن المتوسط كمجال لعملياتها الحربية، فإنها لم تتخل عنه كمجال حيوي تسيّر فيه تجارتها، وتسهم من خلاله بفاعلياتها البحرية.
«هنالك لوحة فسيفسائية معروضة في متحف باردو تعود إلى أواخر القرن الثالث وقع اكتشافها في ألتيبيروس (Althiburos) وهي تمثّل فهرساً حقيقياً عن المراكب القديمة، فيها 25 زورقاً مشار إليها، في أغلبها، بأسمائها التي تحدّد شكلها وحمولتها ووظيفتها، فيبدو أن الراتيس (Ratis) كان يستعمل في تفريغ السّفن التي لا تستطيع بلوغ الرصيف، أما الكوربيتا (Corbita) ، وهو مركب كبير ثقيل وبطيء، فكان مناسباً لنقل الزيت، في حين أن الهيباغو (Hippago) ، وهي سفينة حربية، كانت تؤمن نقل الخيول والبحرية الحربية، وأيضاً ينتمي الموسكولوس (Musculus) والميوبارو (Myoparo) والبرسوميا (Prosumia) وأنواع أخرى وقعت الإشارة إليها على هذه اللوحة الفهرسيّة العجيبة التي تمدنا بالإضافة إلى ذلك بإشارات ثمينة تتعلق بتشغيل القلوع، فعلى إحدى هذه السفن نشاهد جدّافاً في ذروة بذل الجهد وبحارين أحدهما منشغل بشدّ الشراع والآخر يضبط تواتر حركة مجدّفي الشراعية، إنه بورتيسكولوس(Portisculus) يستعدّ لقرع البيزر على صندوق أمامه ذي رنين واضح» (9).
وفي لوحة فسيفسائية أخرى سُميت جزر المتوسط، تعود إلى أواخر القرن الثالث الميلادي ومطلع القرن الرابع الميلادي، تم اكتشافها سنة 1997 على ضفاف وادي حيدرة (ولاية القصرين)، مثلت 15 جزيرة - مدينة في شرق المتوسط على مساحة ثلاثين متراً. كانت الملائكة تتجاسدُ على ألسنة الماء:
ملاك في قارب.
ملاكٌ يلهو مع سمكة.
ملاكٌ يصطاد.
ملاكٌ أقربُ إلى العبث.
أما صورة قرطاج الشائعة كأطلال عظيمة، أو كما يصفها أحد الرّحالين: «إحدى أكبر خرائب الدنيا»، فإن له حكاية أخرى.
لماذا أمر المستنصر بالله الحفصي بتخريب قرطاج تخريباً نهائياً بعد أن كانت بعض معالمها قائمة؟
يحدثنا ابن خلدون عن الغزوة الصليبية الثامنة التي قادها لويس التاسع على أفريقية، وما ترتب عليها بالنسبة إلى آثار قرطاج:
«فأنزلوا عساكرهم في المدينة القديمة من قرطاجنة، وكانت مائلة الجدران... فوصلوا ما فصله الخراب من أسوارها بألواح الخشب، ونضدوا شرفاتها، وأداروا على السور خندقاً بعيد المهوى وتحصنوا، وندم السلطان على إضاعة الحزم في تخريبها أو دفاعهم عن نزلها، وأقام ملك الفرنجة وقومه متمرسين بتونس ستة أشهر» وبعد إقلاعهم «أمر السلطان بتخريب قرطاجنة وأن يؤتى بنيانها من القواعد فصير أبنيتها طامسة».
ويشير محمد عثمان الحشايشي (1853-1912) إلى قرطاجنة العتيقة «التي هي خراب الآن ولم يبق منها قائماً إلا مواجل الماء الكبيرة، وقد كانت مردومة بالتراب ثم فرّغت في أيام وزارة خير الدين باشا، ووُجدت حيطانها وطليها أحسن مما بني جديداً، وهي نحو أحد عشر ماجلاً متصلة ببعضها بعضاً بمواجل، ولا تحتاج إلا لشيء يسير من الإصلاح، وهي من المباني العجيبة والهياكل الغريبة.. كما أن خرائبَ قرطاجنة لازال يستخرج منها الصخور الضخمة والإسطوانات المرمر، وكثير من الإفرنج يبحث فيها على الأشياء العتيقة، ويستخرج منها تصاوير وأصنام وصناديق من رخام عليها كتابات عتيقة، وهي قبور لقدماء القرطاجنيين، وتارة يستخرج بعض فصوص منقوش عليها تصاوير في غاية الاتقان، منها فصّ قدر الظفر منقوش به عجلة يجرها أربعة من الخيل العتاق، ومن إتقان النقش أن صفائح الخيل تظهر مسامير ولا يستبين عجلها إلا بالمرآة الكبيرة، كما تستخرج أحياناً قطع من السكة ذهباً أو غيره.. والحاصل أن هاتيك الجهات وما حولها إلى الجبل الخاوي، لا زالت تشتمل على عجائب من آثار الأقدمين» (10).
لقد دُمرت قرطاج كمدينة، ولكنها واصلت حضورها، كمدنيّة عابرة للقرون والأحقاب، أكثر بكثير مما فعلت أثينا على سبيل المثال. إن المؤرخين يذكرون كيف أن الإغريق كانوا يلاحقون القرطاجيين أينما حلّوا، مقلّدين ومنافسين، إلا أن الحضور الإغريقي قد اندثر وتلاشى، واندمجت بقاياه في البيئات الحضارية المحليّة للشمال الأفريقي، وفي الحضور الروماني الذي كان أكثر قوة وتشبثاً بمستعمراته، أما قرطاج فقد بقي أثرها قروناً عديدة بعد تدميرها الذي لم يحدث إثر غزو واحد، بل بفعل تتالي الغزوات واستمرار استهدافها، إن كقوةٍ، وإن كمدينة، ولسنا نعجب أنها بالرغم من كل ذلك، واصلت حضورها، كمثال مؤثر في مدن شمال المتوسط، كما في القيروان التي ستلعب دوراً شبيهاً بالنسبة إلى الحضارة العربية.
قاومت قرطاج، ولكنها انهارت أمام تتالي الضربات، أمر شيبيون بحرث أرضها ورشها بالملح، ورُحّلت ثرواتها الفنية من تماثيل ومصوغات، وخزائنها من المخطوطات والمصنفات، إلى روما، كما أصدر مجلس الشيوخ الروماني قراراً بلعن الأرض ومن يعيد بناءها، إلا أن كل ذلك لم يمنع قرطاج من العودة من جديد، وإن تحت حكم الرومان أنفسهم، لتعيد بناء ذاتها، وتواصل نشاطها التجاري، وتتصل بمستعمراتها السابقة بشكل آخر. إن التاريخ يذكر لنا أن لغتها الكنعانية ظلت سائدة حتى القرن السادس الميلادي.