المقدمة
إن المرحلة التي يمر بها مجتمعنا العربي الإسلامي بشكل عام وما يصاحبها من ظروف ومستجدات ومتغيرات بشكل متسارع أصبح اللحاق بها يكاد تشبه المستحيل وان هذه التطورات التي تعرض لها افراد المجتمع العراقي نتيجة الاحتلال الامريكي الغاشم والتي كان من نتائجها اختلال منظومة القيم لديهم وطغيان القيم المادية بدل القيم الروحية وإخلال الموازنة بين القيم الفردية والجماعية وإبراز القيم الفردية وهي قيم غربية تهدد مستقبل الانسان العربي المسلم والمجتمع الإسلامي بسبب اهمالها للجانب الروحي والاخلاقي واضطراب المعايير الاجتماعية والاخلاقية وكثرة حالات الخروج على تعاليم الدين الحنيف .
ان التحولات التي حدثت في مجتمعنا ادت الى تغيرات عميقة في البنى الاجتماعية وفي نوعية العلاقات التي تؤلف انسجة المجتمع المتباينة مما أحدث تغيرا في القيم والسلوك والمواقف ، والاخطر من هذا كله اذا ما نظرنا الى الاتجاهات الغالبة المحلية والعالمية ، يمكننا القول بان السلوك الانساني ، وفي ايامنا هذه ، يبدو وكأنه يبتعد عن القيم الاصيلة او يتنكر لها او ينكرها بكل وعي وبكل سهولة تفكيرا او ممارسة وشعورا واعلاما وتلفزة ومعلوماتية . ويمثل هذا الابتعاد في الاتجاه نحو قطبين متناقضين هما:
اولا: اما التمرد على هذه القيم ، والافلات من الحدود والقواعد والمعايير كلها في مستوياتها الدنيا على الاقل ، وكذلك الفوضى في علاقات الانسان مع الله وفي العلاقات العائلية والاجتماعية .
والثاني: التعصب لهذه القيم والتمسك بها روتينيا وتقليديا وخطأ من دون تنوير او معرفة كافية او سعي وراء تحقيقه او نقد موضوعي . فكلا القطبان يكسب الجولات ، كل من جهته على حساب الاخلاق والحرية والشخصية المثقفة الواعية والتنمية الاجتماعية المتكاملة .
ان العقيدة الصحيحة ضعفت وتوارت تحت ركام الفساد الاخلاقي والمادي في التصور والسلوك ، فالقيم الاسلامية فرغت من مضامينها الاخلاقية وانحرفت في حس الاجيال المعاصرة ولم يعد شيء منها يشبه اصله الذي كان عليه يوم نزل هذا الدين من عند الله ، فضلا عن ذلك فان حياة الناس قد خلت من الروح واصبحت الحياة كلها تقاليد موروثة اكثر ما هي عبادة واعية لله او منهج مترابط يحكم الحياة .
اننا ما نقراءه ونشاهده ونسمعه في حياة مجتمعنا اليومية من مظاهر لمساوئ وعيوب ناتجة عن ضعف التمسك بالقيم الانسانية وبفضائل الاخلاق وفي التبذل والتملك وراء شهوات حب الدنيا مما يصدر في اغلب الاحوال من ضعف العقيدة الدينية ونقص الوازع الديني .
لقد ابتلت امتنا الاسلامية بلاءاُ عظيما من قبل الاستعمار الجديد القائم على القوة الغاشمة والمناقض للقيم الإنسانية بما رسخ من التجزئة والتخلف وبما استلب من الثروات واستهانته بالمقدرات وبما عطل من نهضات ولتحقيق هذا الهدف عملوا على استثمار وسائل متنوعة من فضائيات وصحافة وانترنيت وسائل اتصال اخرى وسخروها الى اقصى غاياتها لنشر الفساد واغلال الخلقي كأهانة المرأة واستغلالها في عرضهم لتحقيق مآربهم وتميع الروح الجهادية القتالية والانجرار وراء المغريات المادية وهم يبغون من وراء ذلك اعداد جيل من الشباب في مجتمعنا لا يعرف الصلة بالله ولا يريد ان يعرفها .
ان بقائنا يتوقف على ركيزتيين اساسيتين هما العقيدة الاسلامية والاخلاق المبنية على هذه العقيدة وبينهما وثائق وعرى فان ضيعنا العقيدة الاسلامية ، فقد ضيعنا كل شيء وان ضيعنا اخلاقنا الاسلامية ، فقد عرضنا عقيدتنا الاسلامية الى الضياع .
ومن هنا يرى الباحثون الحاجة الملحة لمعالجة مشكلة ( ازمة القيم ) والتي تفرضها متطلبات بناء الفرد والمجتمع بشكل متوازن ومتماسك على ضوء التغيرات والاحداث ، وان ( ازمة القيم ) تتطلب مواجهتها بالوسائل كافة وتحصين النشئ الجديد بالقيم الخلقية المستمدة من القران الكريم والسنة النبوية السمحاء وترسيخها في نفوسهم . وتبصير التربويين بالقيم الاخلاقية التي يحتاجها مجتمعنا المعاصر وتغريزها وتنميتها وان مستقبل مجتمعنا يتوقف على التربية الاخلاقية التي يعدون بها ابنائهم اخلاقيا فهي ضابطة ومحدودة وموجهة لسلوك ابناءه نحو مستقبل افضل وهي تحفظ للمجتمع استقراره وكيانه بمساعدته على مواجهة التغيرات التي تحدث فيه من خلال تحديد الاختيارات الصحيحة التي تسهل حياة الفرد المجتمع . آخذين بنظر الاعتبار التغيرات التي يشهدها عالمنا اليوم .
المبحث الاول :مفهوم القيم
القيم من المفاهيم التي شغلت الانسان منذ القدم واصبحت محورا للخلافات بين المدارس والمذاهب الفلسفية المختلفة وتفاوتت الاراء والنظريات في موضوع دراستها ، فمنهم من ارتأى رأيا خاصا ، وارتأى غيره رأيا اخر يناقضه وهذا ما دفع البعض لوصف دراستها بالتضارب البين ، حيث يقول فون مرنج ( Von Mering ) هناك في ميدان البحوث في القيم على وجه الخصوص جدب في النظريات المتناسقة وخصب في النظريات المتضاربة .
ويؤكد جون دوي (Jon Dewey ) هذا المعنى فيقول: (( ان الاراء حول موضوع القيم تتفاوت بين الاعتقاد من ناحية ، بأن ما يسمى فيما ليست في الواقع سوى اشارات انفعالية او مجرد تغيرات صوتيه ، وبين الاعتقاد في الطرف المقابل بان المعايير القليلة ضرورية ويقوم على اساسها كل من الفن والعلم والاخلاق على اول من استخدم لفظ قيمة وعمل على نشره العالم لوتز ( Lots ) واللاهوتي ريتشل ( Ritschl ) ثم جاءت فلسفة نيتشه (Nictzche) لتعزز وتساعد على نشر استعمال كلمة القيمة بين جمهرة المثقفين .
والقيم من المفاهيم التي يتواتر استخدامها عندما يتناول الناس امرا من الامور الخطيرة فكثيرا ما تسخدم عند الحديث عن معسكر من المعسكرين او عن النظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، او في الحديث عن المستقبل ومصير الانسانية وان كانت تظهر كما سلف عن الحديث عن المشكلات العامة وذات الطابع القومي والدولي ، وهي ايضا تستعمل في تقيم السلوك الانساني وتعتبر من الوسائل الهامة للتمييز بين انماط الحياة سواء كانت للافراد او لجماعات او المجتمعات ، وبما ان القيم ترتبط بدوافع السلوك فهي متداخلة في حياة الناس افرادا وجماعات ومن هذا المنطلق فهي تحتل مكانة هامة في تفكير العلماء والباحثين في مختلف ميادين العلوم الفلسفية والانسانية ، والقيم تمثل اكثر من مجرد فيقول الفرد لشرعية او صحة وجهة نظر معينة تجاه مجموعة من الحقائق كذلك لاتعبر القيم عن مجرد اعتقاد ما ولكنها اعتقاد مؤكد للصحة فالقيم تمثل الاشياء التي نؤمن بصحتها ونرغب فيها .
معنى القيم لغة:
القيمة مفرد قيم لغة من قوم وقام المتاع بكذا أي تعدلت قيمته به .
والقيمة: الثمن الذي يقون به المتاع ، أي يقوم مقامه ، والجمع: القيم ، مثل سدره وسدر وقومت المتاع: جعلت له قيمة ، والقيمة في اللغة تأتي بمعان عديدة:-
· تأتي بمعنى التقدير ، فقيمة هذه السلعة كذا ، أي تقدير كذا
· وتأتي بمعنى الثبات على امر ، تقول فلان ماله قيمة ، أي ما له ثبات على الامر .
· وتأتي بمعنى الاستقامة والاعتدال ، يقول تعالى:(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) أي يهدي للامور الاكثر قيمة أي للاكثر استقامة .
معنى القيم اصطلاحا:
نظرا لان مصطلح القيم يدخل في كثير من المجالات فقد تنوعت المعاني الاصطلاحية له بحسب المجال الذي يدرسه وبحسب النظرة اليه فعند علماء الاقتصاد هناك قيم الانتاج وقيم الاستهلاك وكل له مدلوله الخاص .
وعند علماء الاجتماع: القيمة هي الاعتقاد بان شيئا ما ذا قدررة على اشباع رغبة انسانية وهي صفة للشيء تجعله ذا اهمية للفرد او للجماعة ، وهي تكمن في العقل البشري وليست في الشيء الخارجي نفسه ، وعند الفلاسفة تعد القيم جزءاً من الاخلاق والفلسفة السياسية .
اما المعنى الانساني للقيمة فيتمثل في انها هي المثل الاعلى الذي لا يتحقق الا بالقدرة على العمل والعطاء .
· وفي الرياضيات تستخدم القيمة للدلالة على الكم لا على الكيف
· أما المعنى الفني لكلمة القيمة تجتمع بين الكم والكيف ، وتعبر عن العلاقات الكمية التي بين الالوان والاصوات والاشكال ، فالقيمة الفنية للرسم مثلا تتألف من النسب بين الظلال والاضواء والالوان .
واما القيمة اللغوية ( وهي غير المعنى اللغوي للقيمة ) فهي قيمة اللغة ، وهي لا تأتي الا في كون الكلمات لها قيمة نحوية تبين معناها ودورها في الجملة وان الالفاظ لها دلالة قوية تتسم بالعمومية وهناك من يعرف القيم بانها مرادفة للاتجاهات ولاهتمامات وغيرها .
وهناك من قال بان القيم تمكن رؤيتها من خلال صور سلوكية اربعة هي:
- جوانب واشياء مطلقة لها هويتها المستقلة .
- خصائص الاشياء مادية وغير مادية .
- مفاهيم تبرز من خلال حاجات الفرد البايولوجية .
- افعال تترجم للقيم محل الاهتمام .
في حين يرى ( عزيز حنا ) ان القيم عبارة عن تنظيمات تتعلق بالاختيار والفعل وهي مكتسبة من الظروف الاجتماعية .
في حين يرى ( عطيه هنا ) ان القيم تنظيمات معقدة لاحكام عقلية وانفعالية نحو الاشخاص او الاشياء او المعاني ، سواء كان هذا التقدير ناشئا عن هذا الشيء بصورة صريحة او ضمنية.
تصنيف القيم:
تعددت القيم بتعدد الموضوعات التي يجعلها الانسان مظهرا لنشاطه . ومادامت القيم تبدوا لنا في ثوب مرغوب فيه ، او تأخذ شكل هدف نروم تحصيله ، فليس من السهل وضع احصاء دقيق نشير الى انواعها وفي هذا يقول سورلي (Sorley) من المستحيل ان تكون هناك قاعدة يمكن على اساسها تحديد لكل انواع القيم وعلى الرغم من الصعوبات التي تعترض عملية التصنيف والمتمثلة في القصور عن الاحاطة بكل انواعها الا ان التصنيف امر من الزم اللزوم لدراستها لان التصنيف يساعد على التقليل من الخلط والبلبلة في الغالب الى الاختلاف بالمقصد ووجهة النظر من حيث نوع القيم التي يناقشونها .
فهناك من يرون ان القيم العليا التي تتمثل في البحث عن الخير والحق والجمال ، ومن هذه القيم تتفرع القيم الاخرى ، وهي التي تتغير بتغير الوسط الثقافي للفرد وجميع هذه القيم يمكن تصنيفها على اساس بعد واحد وفيما يلي امثلة لهذا البعد الواحد:-
1 . بعد المقصد
2 . بعد الشده
3 . بعد المحتوه
4 . بعد العمومية
5 . بعد الوضوح
6 . بعد الدوام
7 . بعد الشكل
وفيما يلي بيان لهذه الابعاد:
اولا: بعد المقصد:
تنقسم القيم من ناحية مقصدها الى قسمين:-
أ ـ قيم غائية (Goal Values) وهي القيم التي تهدف الفرد او المجتمع للوصول اليها وتحقيقها كالصحة ، وحب البقاء ، والسعادة .
ب ـ قيم وسائلية (Instrumental Values) ويطلق عليها اسم المعايير وهي الطرق والاساليب المشروعة والمقبولة اجتماعيا للوصول الى القيم الغائبة او تحقيقها ومثال ذلك قد يرى الرجل ان امتلاكه لسيارةفارهه أو فاخره قيمة كبرى لا في حد ذاتها وإنما لانها تبدوا كمؤشر لقيمة اكبر ليستدل بما يملك على مركزه الاجتماعي وهذا التقيم سهل من الناحية النظرية ، ولكن يصعب تمييزه من الناحية العلمية ، وخاصة اذا نظرنا الى القيم في مجالها العلمي فان التميز بين القيم الغائية والوسائلية غالبا ما يكون تميزا نسبيا يتوقف على منظور الوقت كما يتوقف على وجهات النظر المختلفة فوجهة نظر الفاعل على سبيل المثال غير وجهة نظر الملاحظ ، ولكل فرد ترتيب سلم متدرج للقيم بمعنى انه له قيمه العليا ويتدرج تحتها قيم وسائلية لتحقيقها . فيما يعتبر من وجهة نظر معينة هدفا ، قد يصبح من وجهة نظر اخرى اوسع مجرد وسيلة او عرض لهدف اسمى .
لنأخذ مثلا على ذلك ، فالرجل المسلم يضبط الساعة المنبه لكي يستيقظ مع اذان الفجر لاداء صلاة الصبح في وقتها المحدد . فصلاة الصبح وان كانت قيمة غائيه في نظره ، فهي ايضا تعتبر وسائلية الى غاية اكثر بعدا ، وهي ارضاء الخالق للفوز بثوابه ، ويرى فلوجل (Flugel) ان التميز بين القيم الوسائلية والغائبة على الرغم من انه غالبا ما يكون مفيدا او مناسبا في اعتبارات الدراسية لتحليله على سبيل المثال ولكنه كثيرا ما يكون تميزا مصطنعا وصارما وخاليا من المرونة وغير واقعي .
ثانيا: بعد الشدة:
والمقصود من بعد الشدة هو درجة الالزام التي تفرضها ، ويحدد ذلك النوع الجزاء الذي يقرره المجتمع ، ويوقعه على من يخالفه ومن هذه الناحية فالقيم السائدة في المجتمع لا تكون جميعا في صعيد واحد وعلى قدر المساواة بين بعضها البعض بل يمكن تصنيفها الى مستويات ثلاثة:-
1 . القيم الالزامية:
وتشمل الفرائض والنواهي ، وتتصف هذه القيم بالقداسة ، ويلزم المجتمع افراده بها ويشرف على تنفيذها بقوة وحزم سواء عن طريق العرف وقوة الرأي العام او عن طريق القانون والعرف معاً ومن امثلة ذلك في مجتمعنا قيم عديده مثل حقوق الفرد وحمايته من العدوان وتنظيم العلاقة بين الجنسين ومسؤولية الاب تجاه اسرته .
2 . التفضيلات:
وهي القيم التي تشجع المجتمع افراده على الاقتداء بها والسير بموجبها ويكافئ من يقوم بها بطريقة او باخرى ويعاقب من يتركها ولكن ليس لها صفة القداسة والعقاب الصارم كما في الاولى ، ولكن ذلك لا يعني انها ضعيفة الاثر في حياة الناس وفي سلوكهم لها دور عظيم وتوجيه سلوك الناس وهي تكتسب قوة تأثيرها عن طريق اساليب الثواب والعقاب الثقافية ( غير الرسمية ) فالنجاح يؤدي الى المنفعةالمادية للفرد الذي حققه وبجانب ذلك يكسبه ايضا احترام المجتمع له وهو جانب معنوي له تأثيره في رفع طموح الفرد وسعيه في الحياة .
3 . القيم الطوبائية:
أي المثالية وهي القيم التي يشعر المجتمع وافراده باستحالة تطبيقها كاملة ولها تأثيرها الذي يكون بالغ القوة في بعض الاحيان في توجيه سلوك الافراد والجماعات مثل القيم التي تدعو الى تساوي افراد البشر والقيم التي تدعو الى مقابلة الاساءة بالاحسان . والمستويات السابقة للقيم ليست مستقلة ومنفصلة تماما وليس لها حدود تحدد نهايات كل منها بل تتداخل . ولا يتضح الاختلاف الا في المواضيع البعيدة وان القيم قد تكون في مستوى معين من المستويات الثلاثة في وقت من الاوقات وقد تتغير في عصر اخر لتصبح القيم المثالية محل التفضيلات او القدسي وقد يكون العكس . وهذا يرتبط بتغير ثقافة المجتمع الذي بدوره يؤدي الى تغير معايير الجماعة بالنسبة للقيم ومستوياتها .
ثالثا: بعد المحتوى:
وتصنف القيم على هذا الاساس الى قيم نظرية واقتصادية وجمالية واجتماعية وسياسية ودينية ، وكما ورد ذلك في اختبارات دراسة القيم لاسورت وفرتون ، ان احسن تصنيف ظهر حتى الان بالنسبة لمحتوى القيم هو الذي قدمه ( سبرينجر Spranger ) في كتابه انماط الرجال وهو في تطبيقه المذكور يحدد ستة قيم اساسية وهو يرى انه يمكن النظر الى أي فرد على اساس انه اقرب الى قيمة او اكثر من هذه القيم ، كما ينظر للحياة الانسانية على انها تشمل القيم الست هذه ويعتبرها فروقا اساسية للافراد بدرجات متفاوته ويقيمون حياتهم على اساسها (( وان هذا التصنيف يتصل بالقيم وليس بالاشخاص الفعلين ويستخدم بهذا الصدد النمط المثالي )) .
فالنمط المثالي يغلب عليه ان يكون وسيلة تحدد الى أي مدى منظم أي فرد معين حياته على اساس خطة او اكثر من هذه الخطط وهذه الانماط هي:-
1 . النمط النظري:
ويمثل اهتمام الفرد وشغفه لاكتشاف الحقيقة ، وهو في سبيل ذلك يتخذ اتجاها معرفيا من العالم المحيط به ، فهو يبحث عن القوانين ويستخدمها لتغير ما حوله وسعيه ينحصر في انه يلاحظ ويفكر ويستنتج ولما كانت اهتمامات الفرد النظري اهتمامات نقديه تفحصيه عقلية فهو من اصحاب الفكر وهو إما ان يكون عالما او فيلسوفا يسعى لتنظيم معرفته تنظيما علميا دقيقا .
2 . النمط الاقتصادي:
ويميل الانسان الاقتصادي الى ما هو نافع ومفيد وفي سبيل تحقيق الهدف المهم عنده وهو الفائدة ، يسخر العالم المحيط به كوسيلة للحصول على الثروة وزيادتها عن طريق الانتاج والتسويق ومثل هؤلاء الناس يمتازون بالنظر العملي التي تقوم الاشياء والاشخاص تبعاً لمنفعتها وهم عادة ما يكونون من رجال المال والاقتصاد ويرون ان التربية يجب ان تكون عملية لتحقيق مردود نفعي وان المعرفة النظرية الخالصة التي لا تقود الى تطبيق عملي وايجاد مردود هي ضياع وعبث وهم لا يهتمون بالقيم الجمالية الا اذا امكن استخدام الفن للاغراض التجارية .
3 . النمط الجمالي:
ويمثل هذا النمط الناس الذين يهمهم من محيطهم الناحية الجمالية فكل ما هو جميل ومتناسق فهو محل اهتمام . وهذا النمط يختلف عن النمط النظري في كون اصحابه يرون ان يجعل شيئا جميلا وجذابا افضل الف مرة من جعله حقيقة .
ولا يعني ان يكون اصحاب هذا النمط فنانين ومبدعين بل ان بعضهم لا يستطيع الابداع الفني وان كانوا يتذوقون نتائجه .
4 . النمط الاجتماعي:
ومثل هؤلاء الافراد يصغون باهتمام وميل الى غيرهم فهو يحبون الآخرين ويميلون الى مساعدتهم ويجدون في ذلك قيمة يسعون لاتاعها وهم لا يتخذون لغير وسيلة لغايات اخرى .
5 . النمط السياسي:
ويمثل هذا النمط الافراد الذين يستحوذ على اهتمامهم امتلاك القوة لا ستغلالها في التحكم في الاشياء والاشخاص ، ولا يعني ان نشاط هذا النمط يقتصر على مجال السياسة والحرب ، فبعظهم قادة في نواحي الحياة المختلفة ، ويمتازون بقدراتهم على توجيه غيرهم والتحكم في مصائرهم ومهما اختلفت مهمة هؤلاء الا انهم دائما يفصحون عن انفسهم بالرغبة في السيطرة واحتلال مركز القيادة والتوجيه .
6 . النمط الديني:
ويمتاز افراد هذا النمط بالبحث عن اصل الوجود وما وراء الطبيعة ، وهم يرغبون في معرفة اصل الانسان ومصيره وعن خالق هذا الكون ومحاولة الارتباط به ولا يعني بالضرورة ان الذين يمتازون بهذا النمط من القيم هم من النساك والزاهدين ، فبعض الناس يشبعون هذه القيمة في السعي لطلب الرزق الحلال باعتباره عملا دينيا ولا بد من التأكيد على ان تصنيف سبرينجر هذا لا يعني ان الافراد يتوزعون تباعا له ولكن يعني ان هذه القيم توجد جميعها لدى كل فرد ، ولكن تختلف شدتها بالنسبة لموقعها في مركز القوة بالنسبة للفرد حسب ترتيب سلمه القيمي أي ان هناك قيمة ما تهيمن على بقية القيم ، وتحتل الدرجة الاولى في سلمه حسب وجهة نظره ، وفلسفته في الحياة وتقويمه للامور فمنهم من تسيطر عليه القيمة الاجتماعية مثلا او السياسية وتكون هذه القيمة المسيطرة على بقية القيم وهي القادرة على توجيه سلوكه فضلا عن ان هذا المفهوم لتصنيف القيم ينطبق على افضل نحو على الافراد ذوي المستوى التعليمي المرتفع والخبرة المستفيضة .
رابعا: بعد العمومية:
والمقصود بالعمومية:الشبوع والانتشار في المجتمع . وتنقسم القيم من ناحية شيوعها وانتشارها الى قسمين:-
أ . القيم العامة:
وهي القيم التي يعم انتشارها في المجتمع ، ويتوقف انتشارها على تجانس احوال المجتمع ونظمه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية . وبقدر ما يكون في المجتمع من قيم عامة يكون هذا المجتمع متماسكا ومتعاونا ، وبنفس الوقت كلما قلت: القيم العامة ادى هذا الى التفاوت والتباين في المجتمع . ويعود هذا الى ما يسمى بصراع القيم الذي ينشأ عادة من الانفصال والتباعد بين فئات المجتمع المختلفة بالنسبة للمواقف الهامة في الحياة .
ومن امثلة القيم العامة في مجتمعنا اهمية التدين والزواج لحفظ الفرج ، وغض البصر ، وسيادة الزوج ، واهمية رعاية الابناء ، وتنشئتهم النشئة الصالحة ، والقيم العامة يمكن تصنيفها الى قسمين قيم اقليمية تكون خاصة بامة او قطر مثل قيمة الوحدة بالنسبة للامة الاسلامية وقيم علمية تسعى الامم لتحقيقها مثل حقوق الانسان والمساواة والحرية .
وهنا لابد من الاشارة الى ان الدين الاسلامي جاء بقيم عالمية تشمل بني البشر بقول تعالــــى: بسم الله الرحمن الرحيم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) صدق الله العظيم .
ب . القيم الخاصة:
وهي ما تعرف بقيم الدور: وهي مما يقوم بها فرد معين او فئات معينة او التي تحدث في مناسبات محدودة وفيما يلي بعض الامثلة لذلك:
· قيم خاصة بمواقف معينة كتحريم بعض الاعمال على الانثى في فترات بيولوجية بسبب الاعتقاد ان الخروج على هذه القيم المحرمة يهدد الجماعة بشر مستطير .
· قيم خاصة بمناسبات اجتماعية: المارشات العسكرية عند الحروب واخفاء الختان واظهار النكاح في احتفال .
· قيم تتعلق بممارسات دورية تتكرر في المواسم والاعياد واخراج الزكاة في كل عام في اواخر شهر رمضان ، وعمل الكعك في العيد .
· قيم مرتبطة بطبقة معينة: تعرف بالقيم الذاتية للجماعة وهي التي تتجسد في تقاليدها ، وتكون سببا في استعلائها على غيرها مثل القتل بسبب الشرف والاخذ بالثأر ، الآعتداد بشرف القبيلة .
· قيم الطبقة والفئة: كقيم النبلاء ، وقيم العمال ، وقيم سكان المدينة ، وقيم اهل الريف .
· قيم المركز: وهي القيم التي تناسب المركز الذي يحتله الفرد وتليق بالدور الذي يقيم به الفرد من المجتمع ، مثلا يحرم الملك في بريطانيا من الزواج بمطلقة وقد ادى هذا الى تنازل ( ادوارد الثامن ) عن العرش عندما اصر على الزواج من مطلقة اخيها وخالف العرف المتعلق بمركزه .
خامسا: بعد الوضوح:
أ . قيم صريحة:
وهي التي يصرح بها ، ويعبر عنها بالكلام ، مثل ان يدعي شخص بالوطنية او الاستقامة او النظافة .
ب . قيم ضمنية:
وهي القيم التي يستدل عليها من سياق سلوك الفرد اثناء حياته في مواقف متعددة ، لان ميدان القيم هو ميدان السلوك قبل ان يكون ميدان الكلام . وهو الدليل الحقيقي على تمسك الفرد بقيمة معينة . فحمل السلاح للدفاع عن حياض الوطن يدل على القيمة الوطنية .. وليس الادعاء بها كلاما . وتطبيق تعاليم الاسلام هو الدليل على قيمة التدين عند المسلم . لا الادعاء وبعرفة التعاليم . وان معرفة الشخص واطلاعه على كثير من النظريات الاخلاقية لا يعني بالضرورة انه اصبح ذا خلق ، وان الاخلاق تظهر في مجال التطبيق في سياق المواقف الحياتية لذلك يرى العلماء ان القيم الضمنية هي في الغالب القيم الحقيقية ، لانها هي التي يحملها الانسان مندمجة في سلوكه . اما القيم الصريحة المعلنة والمقنعة فليست دائما القيم الحقيقية بل كثير ما تكون زائفة وكثير ما ينطق الشخص والجماعة المعنية لقيم معينة ولكن يبدو عمليا في سلوك هذا الشخص او هذه الجماعة التنافي مع هذه القيم .
سادسا: بعد الدوام:
ونقصد بالدوام الدوام النسبي وهذا البعد يقسم القيم بالنسبة لمدى استمرار تأثيرها في نفوس الافراد الى قسمين:
أ . القيم العابرة:
وهي القيم المرتبطة في البدع والنزوات وهذه البدع والنزوات هي بدورها عبارة عن مظاهر للذوق العام او المزاج العام للافراد او الجماعات منهم في فترة معينة فان القيم المرتبطة بها قيم عابرة وعارضة سريعة التذبذب والتغير والهبوط والصعود في اذواق الناس ومزاجهم ، والذي يظهر في مسلكياتهم ومثله قيم الموضة عند الفئات الشباب وطرق التسلية وهذا النوع من القيم ليس له طابع الالتزام او القداسة وهي تتعلق بالكماليات ، ولا تمس جوهر حاجات الناس الاساسية . ولما كان من ابرز صفات الكماليات في حياة البشر التغير السريع ، فان القيم المرتبطة بها هي قيم عابرة محددة الاجل .
ب . القيم الدائمة:
ويمثل هذا النوع من القيم ( القيم الالزامية ) التي لها صفات القدسية بالنسبة لافراد المجتمع ، وهي التي تستمر بقائها لمدة طويلة في حياة المجتمع ويورثها جيل الاباء لجيل الابناء عن طريق وسائل النشئة الاجتماعية ، ومن امثلة القيم الدائمة: قيم الحق والخير والجمال والتي تعتبر قيم عالمية والقيم التي تتعلق بالاوامر والنواهي وحقوق الانسان وواجباته وواجبات الزوج بالنسبة للاسرة.