eKtab
EN ع
اللفظة الاقصائية في النقد العربي القديم اركيولوجيا السلطة والمعرفة
Read free sample

اللفظة الاقصائية في النقد العربي القديم اركيولوجيا السلطة والمعرفة

by محمود خليف خضير

Page 1

واجهة الكتاب

تتشابك وتتداخل السلطة في مستويات كثيرة في الخطاب ولاسيما الخطاب النقدي الذي يؤسس قدرة على تكوين حقيقة مطلقة في الحكم على جيد النص الشعري وسيئه ، إذ تتماهى السلطة والمعرفة في هاجس القوة الاقصائية التي تعمل على تغييب وتهميش واقصاء دور الإبداع بوصفه يبحث ويكتشف الحقيقة بوصفها حقيقة تتحايث مع دوره في الانعتاق والتجاوز المستمر ضد الثابت والساكن ، والذي تحاول السلطة بكل قوتها على الحفاظ على ممارسة الحقيقة بوصفها حقيقة نفعية تشتغل على مركزية السلطة التي تحاول صهر وتذويب الإبداع بكل صوره في مدارها الذي يشكل بؤرة تتجمع حولها الخطابات بكل مستوياتها وطبقاتها ، فتمارس السلطة نوعا من التكتيك في الحفاظ على مسار الإبداع في الا يتجاوز ما تدعو له وتحافظ عليه ، لذلك فان مقاربتنا للفظة النقدية في الأحكام النقدي العربية القديمة تشتغل فيها اللفظة على أساس قوة وقدرة السلطة في تطويع وتشكيل النقد القديم بما يخدم أهدافها النفعية

Page 2

المقدمة

الحمد لله حمد الشاكرين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه، ومن والاه إلى يوم الدين.

أما بعد:

تتشابك وتتداخل السلطة في مستويات كثيرة في الخطاب ولاسيما الخطاب النقدي الذي يؤسسس قدرة على تكوين حقيقة مطلقة في الحكم على جيد النص الشعري وسيئه، اذ تتماهى السلطة والمعرفة في هاجس القوة الاقصائية التي تعمل على تغييب وتهميش واقصاء دور الابداع بوصفه يبحث ويكتشف الحقيقة بوصفها حقيقة تتحايث مع دوره في الانعتاق والتجاوز المستمر ضد الثابت والساكن، والذي تحاول السلطة بكل قوتها على الحفاظ على ممارسة الحقيقة بوصفها حقيقة نفعية تشتغل على مركزية السلطة التي تحاول صهر وتذويب الابداع بكل صوره في مدارها الذي يشكل بؤرة تتجمع حولها الخطابات بكل مستوياتها وطبقاتها، فتمارس السلطة نوعا من التكتيك في الحفاظ على مسار الابداع في الا يتجاوز ما تدعو له وتحافظ عليه، لذلك فان مقاربتنا للفظة النقدية في الاحكام النقدي العربية القديمة تشتغل فيها اللفظة على اساس قوة وقدرة السلطة في تطويع وتشكيل النقد القديم بما يخدم اهدافها النفعية، اذ تداخلت وانصهرت خطابات كثيرة في الخطاب النقدي القديم جاذبة مصطلحات ومفاهيم الخطابات والقيم الدينية والاخلاقية والسياسية التي جسدت مركزية وقوة في تكوين ماهية ونواة الوعي النقدي الذي انحاز الى الخطابات الدخيلة على الخطاب النقدي، اذ عملت هذه الخطابات المتداخلت والمتناص في الخطاب النقدي على امتصاص وتحوير واجترار وتذويب قوة الخطاب النقدي التي تتجلى في الموضوعية والمعيارية في اصدارها الحكم على النص الادبي،فكانت مسار الذاتية والانطباعية والذوقية واضطراب الاحكام النقدية التي تبتعد عن التفسير والتعليل النقدي ظاهرة في اكثر الاراء النقدية المبثوثة في ثنايا الكتب النقدية العربية القديمة، وان محاولة مقاربة النقد العربي القديم والكشف عن مكنونات وماهيات والمرجعيات التي تحرك الية الخطاب تظهر ان اللفظة النقدي التي تمثل الصورة الواضحة والملموسة لتجليات قوة السلطة التي تحاول اخفاء نفسها في فجوات ومسافات الخطاب النقدي على شكل ايديولوجيات وعقائد، ولما كانت اللفظة النقدية تجسد الظاهر من الجهاز المفاهيم والمنهجي والفلسفي للخطاب، فان مقاربة هذه الالفاظ ومرجعياتها الخطابية التي تنتمي اليه من خلال محاولة الفرز للخطاب النقدي يكشف عن اصل و انتماء اللفظة الحقيقي وقدرتها على التحكم في مسار النقد الادبي، اذ كشف الفصل الاول في هذا الكتاب عن التناصات اللفظية بين الخطابات التي ذوبت واقصت قدرة النقد الحقيقة في الخطاب النقدي العربي القديم اذ ان حفريات المعرفة فضحت السلطات الدخيلة على النقد الادبي ومدى تحكمها في انتاج وتدولية المعرفة في محيط النقد الادبي،فكانت الالفاظ النقدي تفتح ذاكرتها على انتمائها وخطابها الاصلي الذي انتجها، مما ادى الى ان يظهر ان الخطاب النقد العربي استعار الفاظه من خطابات دينية،وسياسية، وفلسفية، واخلاقية ترتبط بابستيمية العصر.

اما الفصل الثاني فقد كشف عن دور السلطة في تشكيل الوعي والفهم الجمالي عند الناقد العربي، اذ تحركت الالفاظ في مسار يرتبط بالخطاب الديني، والسياسي،والاخلاقي، والذوقي، والذاتي في الحكم على النص الادبي،فكانت اللفظة الجمالية منطوية على ايديولوجيات وعقائد تنطلق من مرجعيات مختلفة ادت الى تحويلها الى مستويين للفاظ مستوى يدور في فلك الحكم الانطباعي الذوقي الذي يبتعد عن التعليل والتفسير، ومستوى الثاني الذي يمثل الحد الادنى الذي يمكن كشفه في ثنايا المدونات النقدية العربية القديم ينطوي على حكم معلل ومفسر لطبيعة الحكم الجمالي.

وعرض الفصل الثالث الوجه الاخر للحكم الجمالي في الفاظ القبح وقدرة الخطاب النقدي العربي القديم على التصنيف والفرز والتفريق بين اللفظة الجميلة والقبيحة وقدرته على انتاج مفاهيم والفاظ تكمن فيه قدرته، ودقته النقدية في اصدار حكم نقدي بعيدا عن سلطة السياسية والدين والذوق، وما تمارسه من هيمنة في انتاجية الخطاب وآليته وجهازه النقدي بكل تفاعلاته وممارساته في اصدار حكم يتماهى مع هيمنة السلطة التي تتحرك في مسار نفعي برجماتي يخدم اهدافها مما سبب للفظة القبح في الخطاب النقدي العربي القديم حالة افراغ وابتعاد عن الحكم الموضوعي المعلل والمفسر، وان كانت هناك احكام نقدية قليلة معللة ومفسرة.

وقفينا الكتاب بخاتمة توصلنا بها الى جملة من النتائج،وانهينا الكتاب بقائمة ضمت اهم المصادر والمراجع التي استعان بها الباحث.

والجدير بالذكر ان فكرة النقد المنهجي بالكاد في القرنيين الرابع والخامس الهجريين واللذين يعدان العصرين الذهبيين في الكتب النقدية ذات المنهج الواضح فضلا عن ما شهداه من تلاقح فكري مع الحضارتين اليونانية والفارسية ضمن اهتمامهما بعلم الجمال، فلاغنى عن احد هذين القرنين.

وختاما فانني اتوجه الى الله سبحانه وتعالى الذي وفقني لانجاز الكتاب بالحمد والشكر والثناء، واتوجه بالشكر الى الدكتورة بتول حمدي البستاني، والدكتور عبدالله ظاهر المشهداني، ولزوجتي، ولكل الاصدقاء المخلصين الذي وقف الى جانبي،والاعتراف بالجميل يحتم عليّ ان اقدم خالص شكري وتقدير وامتناني للدكتورة بشرى حمدي البستاني التي كان لها دورا كبيرا في تطوير ادواتي النقدية وفهمي للمناهج والفلسفات النقدية الحديثة.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد r وصحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

د. محمود خليف خضير

Page 3

تحديد شبكة المفاهيم (اللفظة، اركيولوجيا)

ارتأينا إن نحدد معالم هذه المفاهيم من خلال الاقتراب من ماهيتها وتعريفها ليساعدنا على تكوين خلفية معرفية نتلمس بها طريقا واضحا من خلال التعريفات التي تكون جهازا مفاهيما يوصلنا الى منهج او آلية نحدد من خلالها مشروعية القراءة الاركيولوجيا (حفريات المعرفة).

أ ـ انطولوجيا اللفظة وتداوليتها:

تتحدد سيرورة البحث والحفر عن مكنون بداية تشكيل منطقية اللفظة ووجودها المؤثر في الاشياء والانسان اشكاليات كثيرة، اذ تفرز ذاكرة اللفظة تداعيات كثيرة منها الدينية والاجتماعية،والثقافية،والابستومولوجية، والانطولوجية التي تداخلت فيها اللفظة وتشابكت فيها ابستيمية المعرفة التي تقننت وارتدت بها اللفظة قوالب عقائدية،وايدلوجية، واسطورية اضفت طابعا من القداسة على اللفظة، اذ منذ الازمنة الاولى كانت هناك وحدة حميمية([٭]) بين اللفظة او الكلمة والشيء، بحيث كان الاسم الحقيقي يعد جزءً من حامل الاسم ([1])، فقد شكلت تسمية الشيء عملية خلق له مرتبطا بحضوره في الذهن مما يبعث على الاثارة والدهشة التي تتماها مع الحضور الواقعي له، فنطق اللفظة والكلمة يعني حضور الخواص الفاعلة للشيء، محملا بحصيلة تداولية ترتبط بتجارب تاريخية طويلة تتحايث معها احاسيس وتخيلات واسعة توحي بطاقة شبه سحرية للكلمةو اللفظة، ويكمن ان تتجاوز اللفظة والكلمة صفة الحضور للشيء لتدل بذاتها الى وجود الشيء ذاته دون تاريخه وفعالياته، اذ كشفت اركيولوجيا الاثار في المدونات السومرية ان اللفظتين التي استعملوها في التعرف على الخواص الفاعلة والجوهرية في الاشياء، هي نطقهم للفظة (نم، ومي) اذ تعني (النم) خواص فعل الشيء او الموضوع، وقدره وقدرته([2])، اذ ان طبقا لتقليد الكتابة عند السومريين والبابليين كانت الفكرة تتجسد بوصفه حقيقة اذا تحولت الى لفظ او كلمة، فالملفوظ يحضر اذا لفظ بغض النظر عن حقيقة وجوده، اذ ان كل شيء لا يكتسب وجودا محسوسا الا اذا اضفى عليه الاسم مما يمنحه القوة والديمومة في الوجود؛ لذلك ظهرت قيمة الاسم بوصفه ظاهرة من ظواهر الوعي والممارسة في بلاد الرافدين، ووادي النيل فقد اعتقد المصريون القدامى ان الاشياء تتكون وتوجد حينما يعبر عنها بالتسمية، ففي النطق يكمن سر وجود الاشياء، لذلك تضاعف عدد الالهة في بلاد الرافدين والنيل في كون ضرورة التلفظ الملزمة للاسم تستدعي تحققا وجوديا للمسمى، الذي يجلب الشيء من العدم الى الوجود فكان ايمانهم المتافيزيقي يتجلى في وجود الاله في مكان ما في الكون حتى يستقر الوعي السومري والبابلي على حقيقة وجودية الاله فقد اضفوا اليه صفات تأكد حقيقة الوجود الفعلي له([3])، ولكون اللفظة اكتسبت بعدا وجوديا وتقديسا، فان افشاء سرها كان موضع للرعب الناجم عن الخرافة المتبلور في ان الرجل والانسان الذي يعرف او يكتب اسم عدوه يُمنح قوة يستطيع بواسطتها ان يكتسب قدرات سحرية عليه([4])، ولكن هذه القدرة والحميمية بين الكلمة والشيء شرعت الفلسفة الاغريقية على تقويضها بفكرة تصور الكلمة ما هي الا اسم فقط لا تمثل وجودا حقيقيا للشيء، وبالمنطقية الفلسفية الاغريقية اخترق السؤال الفلسفي منطقة الاسم او الكلمة التي فرضت سلطنها عليه بلا منازع لمدة طويلة من الزمن، اذ تبلور في التفكير الفلسفي لحظة متنافرة ومتناقضة بين الايمان بالكلمة والشك فيها، والتي على اثرها تغير دور الكلمة او اللفظة من تقديمها او وجودها للشيء الى استبدالها به، كاشفا عن علاقات جديدة تمنطق هذا الفكرة الاستبدالية للشيء في الفكر الفلسفي اليونانية في كون الكلمة تكون علاقة تشابه تشير الى صفات طبق الاصل للشيء، وعلاقة محاكاة تجسد وجودا او عرضا للشيء، وهناك علاقة اتخذت من وسيطية اللوغوس(العقل) التي تنطوي على علاقة الكلمة باللوغوس والذي يمثل اساسا واصلا ينظم علاقة الكلمة، التي وجدت في اللوغوس ليس فقط دوره مجرد اظهار الوجود، وانما يعمل على وضع الوجود دائما في علاقة،وتعزو اليه شيئا ما، عاملا على الابتعاد بالحقيقة عن منطقة الكلمة الى منطقةعمله التي تمارس دور الحامل له،محدثا ضرورة فكرية جديدة تضع الوجود المعبر عنه باللغة في منطقة ثانوية ترتبط بنظام او بناء من العلاقات ينضمه اللوغوس الذي يفصل الشيء ويؤوله، وهكذا يعمل اللوغوس على تحويل الكلمة الى علامة تتماها مع علامات اخرى في نظام العلاقات اللوغوسية مثل علامة العدد محدد دور العلامة اللغوية في الاشارة الى وجود محدود جدا ومعروف سلفا،محققا دورا جديدا للغة والكلمة يرتبط بفاعليتها التواصلية والاداتية.

ولكن المسار التواصلي والاداتي للفظة يتغير في الفكر الديني والفلسفة المسيحي التي تقدم رؤية جديدة عن تجسد الكلمة او اللغة وسيطا بين تناهي العقل الانساني واللاتناهي الالهي محدثة فهم جديد للكلمة بوصفها علامة او رمز يكمن في باطنها الحقيقة الالهية.

ومن الجلي ان يحدث اقصاء لماهية ووظيفتها بوصفها علامة مادية بعد ان اخضعت ذاتيا اللغة برموز صنيعة محدودة بلا لبس في القران الثامن عشر والقرن العشرين، اذ عقلنة اللغة في مثالية ستنطبق على ما هو قابل للمعرفة، اي الوجود بوصفه شيئا متاحا موضوعيا بشكل مطلق، وبذلك تحولت اللغة واللفظة الى لغة واصفة او لفظة واصفة متجسدة في عملية تطور المصطلحات العلمية، فالمصطلح التقني في الاساس كلمة تكون ذات معنى احادي وتدل على مفهوم محدد، وتجسد فعلا تقنيا مصطنعا محددا لا ينفتح على معاني واسعة كما في المعنى الحي والكلام الذي يكون له نطاق معين من التنوع، فضلا على ان المصطلح التقني اصبح متحجرا ويظهر الفعل العنيف الذي يمارس ضد اللغة، وبذلك يكون ضد منطق وروح اللغة الحية، وان كان يحقق العالمية([5]).

Page 4

موسوعية التلقي وخطابية اللفظة العربية:

تجلى فعل اللفظة([٭]) وقدرتها على تكوين كينونة العربي ونرجسيته التي تشكلت في بناء لغوي ارتبط بحياة الصحراء وشخصية العربي الذي بنى نظامه اللغوية من انفتاح اللسان على البيئة العربية محتويا هذه البيئة ومكنون الشخصية العربية، فقد بحث اللسان العربي عن فعل تواصلي يتشكل من بناء تسلسلي يبدأ بفعل الاشارة الجسدي لينتهي الى اللغة والاشارة اللسانية([6]) التي اتصف به العربي في كون العرب اقوام تؤمن بقدرة اللغة على استبطان المجهول واحتوائه، ولقد مثل الشاعر كهانا يحرس معبد اللغة ويقنن فعل القبيلة والعادات والتقليد الجاهلية في ديوان شعري يجسد مرآة تعكس واجهة تعبر عن حقيقة القبيلة وقدرته ونرجسيتها في كون انا الشاعر قد تحايثت مع نحن اي القبيلة او كما قال ابن سلام " ديوان عملهم ومنتهى حكمهم به يأخذون واليه يصيرون"([7])، لذلك كانت القبيلة تفرح اذ ظهر فيه شاعرا يدافع عنها ويمدحهاويفتخر بها، ولما كان الشعر العربي القديم قائما على اللفظة التي تتجاوز اللغة العادية لترتبط بالهيام او شيطان الشعر فقد اهتم الشعراء الجاهليين بحِبك وتنقيح القصيدة ومراجعتها قبل ظهورها على العلن،و لعل يعود ذلك الى ان أول النقاد للشعر هو الشاعر الذي ينظم قصيدته، وهذا ما دعى بعضهم الى ان تبقى قصيدته حولاً كاملاً وزمناً طويلاً يرددون فيها نظرهم، ونجد ذلك في المدرسة الزهيرية التي اتبعها كثير من الشعراء الفحول " وكانوا يسمون تلك القصائد الحوليات والمقلّدات والمنقحات والمحْكمات، ليصير قائلها فحلاً خنذيداً وشاعراً مُفلقاً "([8])ولقد مجد واحب وعشق العرب القصيدة الجميلة حتى انهم قد علقوا بعض الاشعار الجميلة والرصينة على جدران الكعبة وسيميت بالمعلقات السبع او التسعة([9])، ونظرا للدور الذي لعبته اللغة في حياة العربي فقد كانت الشفاهية والحفظ ركيزة مهمة في الحفاظ على ارثها اللغوي وتجلت في محاولة الاهتمام باللفظة وتشكيلها على شكل مكثف يحفظ الية الايجاز البلاغي وطموحات الاتساع المعنوي في الاشارة والايحاء الى ابعاد تحتوي الحدث او الشيء، ولقد تشكلت للفظة مرجعية لسانية ترتبط باستعمالها التداولي مما فتحها على سياقات وانساق تداولية ارتبطت بمقتضى الحال او مناسبة الكلام، مما حمل كينونة اللفظة العربية طاقة تعبيرية تنفتح على فعل تداولي يشكل الية موسوعية ترتبط بالسياق والحدث والفعل، فاللفظة العربية ابنت على اساس الايجاز والاتساع ففي الايجاز ارتبطت بالاصل الثلاثي لها وان كانت هناك اصول رباعية وخماسية ولكن الاصل او التأسيس منطلقا من الفعل الثلاث ليشكل سلاسة وجملا وايجازا خفيفا على اللسان، وما بين هذا الطموح الايجازي في البناء التلفظي والكرافيكي للكلمة واللفظة العربية، فقد حاول العرب ان يبنوا منظومة الايجاز على الاتساع الصرفي والدلالي، فكانت فكرة الاشتقاق والترادف والاضداد والمشترك اللفظي والاقتراض والنحت([10]) التي سببتها حالة التلاقح مع الحضارات الاخرى التي اتصلت بها فتداخلت بعض الالفاظ الغريبة كالفارسية والرومانية وغيرها في منظومة الخطاب العربي الذي ذوبها واحتواها في مدار سياق التداول اللساني الذي ارتبطت بمرجعية العربي وموسوعيته ومكتبته اللغوية التي عملت على تميز اللغة الغريبة والدخيلية في وضعها خارج نظام النحوى العربي ومنظومة تراتبية الاسناد الفعلي والاسمي والصرفي فقد وضعت في منطقة الممنوع من الصرف، ولم يكتفي العربي بحالة التقنين اللساني انما عمل على ان تكون معايير الشعر الجيد في اللفظة التي تتلائم وتمتزج مع فعل لساني سياقي يرتبط بقوة الحدث وسياق نسقي وتأليف يرتبط بقدرة الكلمة على تكوين جرسا لفظيا يتناغم مع حاجة السمع وعدم تنافر الالفاظ والاصوات التي تبني الكلمة،والتي بدورها تحقق سلاسة وبلاغة في التعبير، فضلا عن حضور اللفظة السياقية والتأليفية اللغوي فان حضور المقصديات التي ترتبط بالرسالة والفهم الذي يتوخاه المتلقي والجمهور من جرس ومعنى اللفظة في تسجيل بناء جديد لموسوعية المتلقي الذي تشكل لديها اللفظة جدلية حضور للكلمة وحضور للسياق وتداوله الذي يضفي معنىا جديدا يحولها ــ اللفظة ـ من الفصاحة الى البلاغة، ولعل قصة الاحتكام بين الشعراء التي كانت تقام في اسواق الجاهلية المعروفة يقدم دليلا على فهم الشاعر او الناقد العربي لقدرة الموسوعية الخطابية في تشكيل الشعر الجيد، فقد روى عن الاصمعي ان النابغة يضرب له قبة حمراء في سوق عكاظ فتاتيه الشعراء فتعرض عليه اشعارها، اذ انشد حسان بن ثابت الانصاري ابياته المشهورة والمذكورة في اغلب كتب النقد والبلاغة القديمة قوله:

واسيافنا يقطرن من نجدة دما

فاكرم بنا خالا واكرم بنا ابنما

ولدنا بني العنقاء وابني محرق

لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى

فحكم النابغة على شاعرية الشاعر بسلبية حضور اللفظة في السياق التداولي والموسوعي لا التأليف او سلم التأليف اللغوي كمايقول جاكبسون، اذ انتقده على اقلله من الجفان والاسياف، وفخره بمن ولدته ولم يفتخر بمن ولده، اذ ينصب النقد على قول حسان في كون " واسيافنا " جمع لادنى العدد والكثير " سيوف"، و" الجفنات " للقلة ايضا، والكثير " جفان"، كما انه ترك الفخر بابائه وفخر بمن ولد نساؤه([11]).

ان بواكير هذا الحكم النقدي من قبل النابغة للفظة يجسد قدرة الذائقة العربية على تميز قدرة الكلمة في تغيير المعنى وان كانت الفاظ هذا الابيات تجسد فصاحة لفظية ولكن السياق التداولي وموسوعية المتلقي عملت على تحويلها الى مرتبة ادنى ابعدتها عن البلاغة والايجاز والاتساع الذي يتطلبه مقصدية المؤلف والسامع او المتلقي الذي تفاعل مع سياق الموسوعة اللسانية للفظة واليساق اللغوي، وبذلك سجلت اللفظة الفصيحة في قدرتها على التماهي مع البعد اللساني والموسوعي والتلقائية والبعد عن التقنين والتكلف.

Page 5

عقائدية اللفظة ووساطة الوحي:

حدث اختراقا وتجاوزا لدور الكلمة واللفظة في العصر الاسلامي اذ تحول دور الكلمة واللفظة من النفعي والوصفي والجمالي والدفاع عن القبيلة الى دور امتزج مع حضور القرآن الكريم بوصفه معجزة تحدت بلاغة العرب واعجزتهم على ان يأتوا بمثله فكانت الحقيقة الالهية متجلية في اللفظة القرآن التي حملت معنى ومقاصد الشريعية الجديدة،إذ يرى الشاطبي أن المعاني هي المقاصد و عقد فصلا تحت عنوان (المعاني هي المقاصد) ومنها أن يكون الاعتناء بالمعاني المبثوثة في الخطاب هو المقصود الأعظم بناء على أن العرب إنما كانت عنايتها بالمعاني حتى إنها أصلحت الألفاظ من أجلها،وهذا الأصل معلوم عند أهل العربية، فاللفظ إنما هو وسيلة إلى تحصيل المعنى المراد والمعنى المقصود([12])، ولعل هذا ما جعل القران يؤكد نزوله بلغة العرب ومقاصدها، فلا يتحقق فهم ولا يقوم تأويل خارج المقاصد العربية يقول تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)(يوسف: ٢(، وبذلك تشكل القرآن داخل نظام اللغة العربية وتجاوزها في الآن نفسه على وفق فرادة وخصوصية وهذا ما جعل عملية ترجمته أمرا مستحيلا، إذ أكد العلماء والفقهاء الأقدمون أن الكلام العربي أو النص العربي لا يمكن أن يترجم بكلام أعجمي فضلا عن أن ترجمة القرآن ونقله إلى لسان غير عربي مستحيل؛لأن فضل القرآن لا يعرفه إلا من كثر نظره وأتسع علمه وفهم مذاهب العرب وأفنانها في الأساليب، وهو ما خص الله به لغتها دون جميع اللغات فإنه ليس في جميع الأمم امة أوتيت من القارضة والبيان والأتساع ما أوتيه العرب([13])، لأن الاتساع في اللغة العربية متجسد في أسلوبية الفنون البيانية والبديعية القائمة على خصائص اللسان العربي ومرجعية الثقافة العربية([14])، وامام هذا التحدي الجديد فقد تبلورت عند العرب المسلمين حقيقة تجلت في ان الاعجاز القرآن تجسد في اللفظة، والمعنى، وترك المعارضة مع توفر الدواعي، وشدة الحاجة،والتحدي للكافة،والصرفة، والبلاغة،والاخبار الصادقة من الامر المستقبلية،ونقض العادة،وقياسه بكل معجزة،والنظم([15])، ولو وسعنا الرؤية في معجزة اللفظة لوجدنا ان القرآن الكريم تعامل مع اللفظة (الاسم) بوصفها حقيقة الهية تحقق فاعلية ووجودا يتجسد بالمقولة الالهية في قوله تعالى: (كُنْ فَيَكُونُ)﴿ الانعام 73 ﴾َ، وقوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ) ﴿ البقرة: 31 ﴾َ، والذي تداخل في الخطاب الاصولي الديني ولاسيما عند المتصوفة التي وجدت في الالفاظ والاصوات امما تستبطا حقائق الهية، وبذلك كانت للفظة حضورا مؤثرا في الفكر العربي بعد ان تداخلت في صلب العقيدة الاسلامية وفهم الشريعة التي تجسد في عملية التفسير والتاويل للالفاظ القرآنية، وان هذا الارتباط بين قيمة اللفظة الجاهلية والاسلامية وولادة الفاظا دينية ارتبطت بالشريعة التي وضعت معايير تضبط بها مسارها اللفظي فظهرت الفاظ جديدة تحولت من اشارتها اللغوية او معناها الجاهلي الى مصطلحا اسلاميا مثل الجنة، النار، كافر، مؤمن،...الخ، مما ادى الى تشكيل هذا الثنائيات التي عملت على اقصاء الاخر عقائديا، ولكن الاختراق الذي حدث هو تسرب هذا الثنائيات اللفظية العقائدية من الخطاب الاصولي الديني الى النقد الادبي،والبلاغة، والشعر العربي، لذلك كان هاجس التهميش والاقصاء ضد الشعراء الذين تقاربهم كتب النقد القديمة او النقاد تعمل على تجميد وتسكين الشعر والشاعر على وفق منظومة خطاب يرتبط بالسلطة الدينية والسياسية التي تعبر عنه جماعة النقاد او سلطة الجماعة المفسرة.

ولكن مع كل هذا الاقصاء لدور الشاعر الفكري من قبل سلطة النص النقدي فقد اهتم النقاد باللفظة الفصيحة التي ارتبطة بالبلاغة بعلاقة جدلية فقد مثلت اللفظة معيرا يصدر عليها الناقد حكما نقديا، فقد تداولت اللفظة بوصفها معيارا نقديا عند الجاحظ بالفهم وبالافهام والوضوح، وعند العسكري تتماهى مع المعنى لان " كل واحد منهما انما هو الابانة عن المعنى والاظهار له "([16])، وتمحورت عند قدامة بن جعفر معيارا يقارب به الشعر الجيد والرديء في فصول خاصة، وتجسدت عند الامدي على اساس كونها اداة او معيار يوازن او يقارن به بين فحولة ابي تمام والبحتري في مباحث خاصة في كتابه، وجعل ابن سنان الخفاجي مقومات الفصاحة مدار كتابه " سر الفصاحة " فقد بحث في صوتية مخارج الحروف واقسام تأليفها، متحدثا عن فصاحة اللفظة مفردة ومركبة مفرقا بين الفصاحة والبلاغة في كون الفصاحة في الالفاظ والبلاغة لا تكون الا وصفا للالفاظ مع المعاني، متطرقا في القسم الثاني الى معايير اللفظة الفصيحة التي تتجلى في حروفها المتباعدة المخارج، وان تجد للفظة في السمع حسنا ومزية في النغم، وتبتعد عن المتوعر والوحشي وغير ساقطة عامية،وجارية على العرف العربي الصحيح غير شاذة، والا ان تكون قد عبر بها عن معنى قبيح، ويجب ان تكون معدلة غير كثيرة الحروف([17])، ولكن هذا الحد والرسم الذي اتصفت به اللفظة الفصياحة في النص الشعري لم نجدها في اللفظة النقدية اذ ان اكثر الالفاظ النقدية تسربت اليه مصطلحات ارتبطة بالسلطة الدينية والعقائدة والسياسية التي شكلت الاطر التي تكون الجهاز الاصطلاحي النقدي عند الناقد العربي القديم.

Page 6

ب ـ اركيولوجيا:

يتخذ مشروع فوكو من النقد مركزا اساسيا في فهم التاريخ والاحدث والماضي ويتجلى في عملية الحفر في الخطاب لا لغرض فضح المستور او فهم المعنى او الذات المتكلم انما في فهم الخطاب بحد ذاته بوصفه نصبا اثريا،مبتعدا على ان يكون الخطاب وثيقة يقبع ما هو عميق وجوهري في داخله،اذ لا تسعى القراءة الاركيولوجيه على تأويل المعنى او القبض على الهوية واستجلاء عمق الخطاب ومكنونه([18])، او البحث في الشكل الخارجي للغة ووصف كيفية بنائها، انما الخطاب في الفكر الاركيولوجيا ممارسة لها اشكالها الخاصة او الخصوصية من الترابط والتتابع، فالخطاب له استقلاله النسبي وكيفيته وممارسته التي تتخطى السلطة المنسوبة الى الذات الفردية او الجماعية محايثة او متعالية مطلقة او مصدرة للمعنى([19])، انها تبحث عن خصوصية الخطاب بوصفه خطابا مختلفا، وكذلك القوانين التي يتحرك ويشتغل ضمنها، حتى يتسنى لها الوقوف على المختلف والمفارق في صيغ الخطاب ووجوهه المتعددة([20])، اذ ان لامقام في الرؤية الاركيولوجيا للتحليل النحوي للجمل،والتحليل السيكولوجي،او اليساقي للصيغ في الخطاب، انما هي رؤية استراتيجية تحفر في الاثر او النصب الخطابي لغرض تفكيكه وتقويضه لفرز الالفاظ التي تتشابك فيها والوقوف على مختلف الانتظامات التي تخضع لها ([21])، التي تتبلور في ممارسات الحقيقة والمعرفة والسلطة التي تتخذ من الملفوظات الخطابية سلطة قمعا ومنعا واقصاء واسكاتا واعداما، فالفكر الفوكوي يبحث عن المهمشين والهامشيين من خلال تحليله وتفكيكه لنظام التابوات او اقانيم المجتمع المقدسة العقل، والجنس، والدين، الذي تمثل في كتبه التي انطلقت في فضاء الجنون، والعقاب، والجنس،والحقيقة،والسلطة والمعرفة، وموت الانسان.فالجنون او اللاعقل يمثل سلطة اجتماعية اقصائية وتهميشة ونرجسية ذاتيا في تعريف العقل من خلال اللاعقل ([22])، والعقاب تكنولوجية تعمل على ضبط وترويض الجسد وتشريحه واصلاحه([23])، والجنس تابو اجتماعي ونفسي عمل العقل والوعي الغربي على كبته واقصاءه من بداية العصر اليوناني الى الاقصاء اللفظي الاستعاري والكنائي في العصر الكلاسيكي والرومانسي([24])، والحقيقة تتجلى في فعل القوة وممارسة السلطة الدينية والاجتماعية والسياسية التي تصدر عنها حقائق مطلقة ونسبية في تجريم وتكفير الاخر او الفكر، لان الخطاب افراز القوة([25])، والانسان في العصر الحاضر او عصر النهضة قد اعلن عن موته عندما تحول الى موضوع للمعرفة يخضع لالية وتقنية المفاهيم وقوى الخطاب([26])،فجاءت الاستراتيجية الاركيولوجية لتفكيك المسلمات والمهيمنات والمراكزيات والتحويل الى اللامركزيات والهامشيات والمقصيات.

Page 7

الفصل الاول :الفاظ الاقصاء

...هناك كتب كثيرة ادعت الانصاف ولكنها ألفت

بايعاز من السلطة لغرض تهميش الشاعر او ابعاده

عن بؤرة الاهتمام ككتاب سرقات المتنبي لابن العميد الخ....

الكاتب

Page 8

صنمية اللفظة النقدية وايديولوجيتها

ان التبعية التي قام عليها النقد العربي القديم يمكن ان نطلق عليها تبعية مرتبطة بدائرة السلطة المرتبط بشبكة خطية من المعارف التي يتم من خلالها الحكم على الشعر و الشاعر؛ لان هناك علاقة بين السلطة والمعرفة، وان النظام الثقافي المحدد للناقد ما يراه وما يعبر عنه([27])نابعا من سيطرة السلطة التي اتخذت من العلوم جميعها اداة بيدها لتثبت حكمها الموكول اليها كماء جاء في نصوص الشرعية التي تؤيد الخليفة او السلطان (ولي الامر) التي تدعم مرتكزات القوة التي تبلورت في الخطاب في جميع طبقاته ومستوياته الدينية،والادبية،والنقدية، محددة مسارا خطابيا يهمش ويقصي من لا ينسجم او يتماهى مع طرح السلطة التي تتجلى في مشروع فوكو على اساس كونها استراتيجية قائمة على تعدد موازين القوى المحاثية للمجال الذي تمارس فيه، والمكونة لتنظيمها، واللعبة التي تحول هذه الموازين وتعززها وتقلبها عن طريق مجابهات ونزعات متواصلة، وكذلك تعني الدعم الذي تلقاه موازين متمحورة بالتفاوتات او التناقضات التي تعزل بعضها عن البعض الأخر، وأخيرا تعني كلمة سلطة الاستراتيجيات التي بواسطتها تفعل موازين القوى فعلها التي تتجسد خطتها العامة او تبلورها المؤسسسي في أجهزة الدولة، وصياغة القانون والهيمنات الاجتماعية؛ لذلك فأن شرط إمكان وجود السلطة يكمن في هذا الأساس في عدم الثبات لموازين القوى التي تخلق باستمرار ومن خلال تفاوتها، وعليه فالسلطة حاضرة في كل مكان متجمعة في وحدة لا تقهر منتجة ذاتها في كل نقطة او في كل علاقة مع نقطة أخرى، فالسلطة بشكل عام تتصف بالاستمرارية والتكرار والجمود وأعاد الإنتاج الذاتي، ليست هي سوى النتيجة العامة التي تبرز انطلاقا من جميع هذه العناصر المتحركة والمتسلسلة التي ترتكز في كل عنصر من هذه العناصر محاولة لتثبيتها، وانها ليست مؤسسة وليست بنية وليست قدرة معينة يتمتع بها البعض، انها الاسم الذي يطبق على وضع استراتيجي معقد في مجتمع معين([28]).

ولا ينبغي لمفهوم السلطة المذكور أنفا ان يتحرك وسط تشابكات معقدة عشوائية عمياء متمظهرة بأشكال وصور وانعكاسات سطحية، وآلية متصلة بالخطاب الذي يحدث فيه تمفصل للسلطة والمعرفة ([*])؛ لهذا السبب ينبغي ان نتصور الخطاب بوصفه مجموعة اجزاء غير متصلة وظيفته التكتيكية غير متماثلة ولا ثابتة بصورة أدق، فيجب ان لا نتخيل ان الخطاب مقسماً بين الخطاب المقبول والخطاب المرفوض والمسيطر عليه بل يجب ان نتصوره بوصفه مجموعة عناصر خطابية تستطيع ان تعمل في استراتيجيات مختلفة متضمنة أشياء مبنية وأشياء مخفية وتعبيرات مطلوبة وممنوعة وما يفرضه في متغيرات ونتائج مختلفة باختلاف الإنسان الذي يتكلم،وموقعه السلطوي والإطار المؤسسي الذي يكون فيه وما ينطوي من تبديلات وانزياحات وإعادة استعمال لصيغ متماثلة من اجل أهداف متناقضة، و يجب ان نسلم بوجود لعبة معقدة وغير مستقرة بأن الخطاب في آن واحد اداة في يد السلطة ونتيجة لممارستها وقد يكون عائقا مصطدما به ونقطة مقاومة وانطلاقاً لاستراتيجيات متناقضة، الخطاب ينقل السلطة ونتيجتها يقويها لكنه يفجرها ليجعلها هزيلة ويسمح بإلغائها، لذا يجب استجواب الخطابات على مستويين مستوى إنتاجيتها التكتيكية (ما هي النتائج السلطوية والمعرفية المتبادلة التي تؤمنها)، ثم مستوى انتمائها الاستراتيجي (أي ظروف او اي علاقة قوة جعلت استعمال هذا الخطاب ضرورياً في هذه المرحلة او من تلك المجابهات المختلفة التي تحصل)([29])، ولعل الانتاج والانتماء النقدي للالفاظ النقدية العربية القديمة تتماهى مع استراتيجيات خطابية دينية، وايديوجية، وسياسية، وذاتية بلورت تحديدا وتقنيا اللفظة على اساس مركز القوة التي تنتمي اليه مما وضعها في مدار ابعدها عن الموضوعية والعلمية المعرفية وادخلها في سلطة العقيدة والايديولوجيا التي كونت حول اللفظة سلطة نقد لا نقد مما ادى الى تحويلها الى مسار نقدي ذوقي وذاتي يتماهى مع سلطة الجماعة السياسية والدينية التي تأولها عقائدية السلطة السياسية بما يحافظ على هرميتها وقوتها في انتاج المعرفة النفعية وتكنيكية حضورها في الوعي الجمعي الذي يحافظ عليها في ثبات وسكون، لذلك فان مقاربتا للالفاظ الاقصائية انطلق من زاوية تمفصلات السلطة والمعرفة في الخطاب النقدي الذي فضحته وكشفته تمثيلياتها اللفظية.

Page 9

الفاظ الاقصاء:

الكفر:

تمثل لفظة الكفر الاقصائية النسق السلطوي الذي يتداخل مع دائرة السلطة الثقافية المهيمنة على النسق المنفتح المحاول ان يخرج من هذه الدائرة؛ لذلك نجد ان النقاد قد اتخذوا من النسق المغلق او عامود السلطة المهيمن منظومة او اداة تتجلى لهم في نقدهم للابيات الشعرية التي يحاول الشاعر فيها ان يخرج عن النسق المغلق المتبلور في هيمنة السلطة الثقافية،والمعرفية،والاجتماعية، والسياسية بانه كافر، اذ يقدم الصولي نص يشير به الى ان الشاعر دُعبل اتهم بالكفر، وفي مقاربتنا للنص الصولي يكشف عن اصدار الحكم من شاعر علي بن الجهم على الشاعر اخر دعبل؛ لانه كذب على ابي تمام، اذ يقول الصولي: (حدثني محمد بن موسى قال: سمعت علي بن الجهم ذكر دعُبلا فكفره ولعنه، وطعن على اشياء من شعره، وقال: كان يكذب على ابي تمام، ويضع عليه الاخبار، والله ما كان اليه ولا مقاربا له واخذ في وصف ابي تمام، فقال له رجل: والله لو كان ابو تمام اخاك مازاد على مدحك له، فقال: الاّ يكن اخا بالنسب، فانه اخ بالادب والدين والمودة)([30]) يتجلى لنا من خلال قراءتنا لهذا النص ان الشاعر علي بن الجهم يدافع عن ابي تمام ضد خصم آخر، وهو الشاعر دُعبل واصفا اياه بالكافر والملعون،ولعل وصف الكفر من الالفاظ التي ارتبطت بالخطاب الديني المنسجم مع طرح القرآن والسنة النبوية، اذ ان كلمة كفر اطلقت على كل من لم يدخل الدين الاسلامي ولا يؤمن بالله لاسيما المشركين بالله؛ لذلك كان لهذه اللفظة وقعتها المهيمنة في الاحكام النقدية العربية القديمة على الشاعر والشعر، وان تحيز علي بن الجهم لابي تمام يتخذ منحى اخر عند الناقد الصولي في موضع اخر من كتابه اذ يدافع عن ابي تمام محاولا ان يفرق بين شخصية الشاعر وشعره في كون ان الشاعر ان كان مؤمنا او كافرا وملحدا لا يمثل معيارا علميا وموضوعيا في اصدار الحكم عليه وعلى شعره، فقد وجد ان اكثر الذي انتقدوا شخصية ابي تمام انطلقوا من خلفية معرفية ارتبطت بسلطة التقاليد والقديم المتجلية في هيمنة نموذج او شكل خاص من القصيدة القديمة التي مثلت هيمنة ثقافية حافظت على استمراريتها وتجددها ومن يحاول الانعتاق والخروج من سلطتها وهيمنتها يتهم بالكفر، ولقد حاول ابو تمام ان يجدد او يُحدّث القصيدة العربية من داخلها متجاوزا ركن من اركان عمود الشعر العربي في البحث عن الغريب والبعيد من الاستعارات والافكار، فكان هاجس الخروج على هذا الركن الشعري تقويضا لهيمنة وفهم الجماعة المفسرة التي لم تستوعب هذا الخروج والانزياح في كون شعر ابي تمام ارتفع وتجاوز المفاهيم والمعايير المعروفة لدى جماعة النقاد التي هيمنة عليها سلطة ومعايير الشعر الجاهلي وقيمه الشعري، لذلك انتقد ابو تمام بخروجه عن عمود الشعر العربي وتركيبة القصيدة القديمة وبنائها الفني ولغتها واستعارتها وافكارها التي اتجهت في شعر ابي تمام الى حدود ومناطق بعيدة عن المعروف والمعهود، فاستعارته وافكاره غير مألوفة ومعانيه بعيدة المنال،اذ كانت تتصف بالالتواء والتعقيد والغوص في متاهات بعيدة خرقت عمود الشعر العربي القديم مما سبب له اتهامات كثيرة من ضمنها الكفر؛ لذلك حاول الصولي ان ينصف الرجل بان الكفر او الايمان لا يمكن ان يكون معيارا يقاس به الحكم على الشاعر في قوله: (قد ادعى قوم عليه الكفر بل حققوه، وجعلوا ذلك سببا للطعن على شعره، وتقبيح حسنة وما ظننت ان كفرا ينقص من شعر، ولا ان ايمانا يزيد فيه، وكيف يحقق هذا على مثله، حتى يسمع الناس لعنه له. من لم يشاهده ولم يسمع منه، ولا سمع قول من يوثقا به فيه؟ وهذا خلاف ما امر الله عز وجل، ورسوله عليه السلام به، ومخالف لما عليه جملة المسلمين لان الناس على ظاهرهم حتى ياتوا بما يوجب الكفر عليهم بفعل او قول)([31]).

ولو وسعنا الرؤية فاننا نتلمس احكاما نقدية تصدر عن شعر ضد شاعر متهمه بالكفر والتي لا يمكن الا ان نضعها في حقل التحاسد والغيرة، وان كان الشاعر في الاحكام النقدية العربية القديمة قد وقع بين سلطتين سلطة تمثل النسق المغلق الذي مثله غالبية الشعراء في المحافظة على نسق الشعر العربي القديم ودخولهم في دائرة السلطة في مدح الخلفاء وغير ذلك،وما ترغب السلطة بسماعهم واخرى تحاول ان تحافظ على تقدمها وعلى خاصية عصرها الذي وجدت فيه اذ ان تقادم العصر وتطوره في جميع المجالات يؤدي الى انعتاق الشاعر والبحث عن الحداثة ومما تستجده متطلبات العصر مثل ابي نؤاس وابي تمام؛ لذلك لا يمكننا ان نطمئن او نثق في حكم شاعر ضد اخر،اذ يعترف بعض الشعراء بان خصمهم خير منهم و ان كان على استحياء او خفاء،ولقد كشفت النصوص النقدية ان لفظة الكفر هي نقص من شخصية الشاعر وليس من شعره،فعندما سئل نوح ابن جرير اباه قائلا له: أي اشعر انت ام الاخطل؟ فقال جرير: (اني اعنت عليه بتوليه من سنة وكفر من دينه وما رايته في موضع قط الا خشيت ان يبتلعني)([32]) ان هذا النص يحمل في طياته اعترافا ان الاخطل وان كان نصرانيا فقد اعيب على دينه؛ لذلك مثل لدى النسق النقدي المغلق كافرا لا يمكن ان يضاهي المسلم الا اقل منه شعرية. ومن يقرأ حديث احمد بن يحيى النحوي في تعليقه على بيت قيس بن ضريح في قوله:

نُباحُ كلبٍ بأعلى الوادِ من سَرِف

اشهى الى النفس من تأذِين أيُّوب

Page 10

نجده اكثر حدة في حكمه على هذا البيت الذي مثل نصه الشعري كفرا، لايجوز شيوعه بين الناس فقال احمد بن يحيى النحوي لزبير بن بكار (من قال هذا الشعر؟ قال قيس بن ذريح، قلت: من ايوب؟ قال: النبي صلى الله عليه وسلم: قال قلت: والله لا يحل لك ان تروي هذا، هذا كفر قال: اذهب لا صحبك الله علىّ انا من كفره شئ)([33]) يشير تعليق يحيى النحوي على هذا البيت مدى ملازمة او مطابقة معيار النقد مع المعيار الدينية في اصدار حكم نقدي على هذا النص الشعري.

وتتعزز سلطة اللفظة الاقصائية الكفر بوصفها ادات قمعية نفعية تنطوي على حقيقة مطلقة عندما يتحول السلطان او الخليفة الى ناقد للشعر اذ تعمل دائرة السلطة او جلسائه الذين يمثلون أعلى هرم في السلطة ترعى وتحافظ على منظومة الخطاب السلطوي الثابت من خلال المحافظة على وقارة الخلافة وممارسة سلطة مراقبة للنشاطات الابداعية والفكرية التي تتجاوز الحدود و التابوات والمحرمات التي يستحق عليها الشاعر العقاب كنظام يبعث ثنائية تضبط مسار الفكر والثقافة بما يخدم خطاب السلطة مما يتمظهر فعل السلطة في صورة المراقبة والعقاب([34]) التي تشتغل على تهميش او تغييب واقصاء الشعراء والشعر الذي لا يدور في فلك السلطة او خطابها،فقد ذكر المزرباني مجلس من مجالس الرشيد كان فيه يتذاكر مع الحضور الشعراء المطبوعين والمحدثين الى ان وصل الذكر الى شعر ابي نؤاس، فاتهمه سليمان ابن ابي جعفر بالكفر محرضا الخليفة هارون الرشيد ضد ابي نؤاس في كونه منظما كلاما فاحشا لا يمثل الشاعر الملتزم في قوله:

يا ناظراً في الدين ما الأمرُ !

لا قَدَرٌ صحّ، ولاجَبْرُ!

ما صحّ عندي مِن جميع الذي

تَذْكُر الا الموتُ والقبرُ

ثم انشد قوله:

باح لساني بمُضر السرّ

وذاك أني اقول بالدهر

وليس بعد الممات مُرتْجَعٌ

وانما الموت بَيضة العُقْر

فاشطط غضب الرشيد([35]).

لو وسعنا الرؤية في الابيات الاولى لوجدنا ان النص متضمنا لخلاف عقائدي بين القدرية والجبرية محاولا الشاعر ابو نؤاس ان يدلو دلوه بقوله: ان الصحيح لديه هو الموت والقبر لانه مدرك محسوس، ولكن فجوره والالحاده وفساده يتجلى في تجاوزه الحد باشارته الى فكرة ملحدة ترتبط بعدم الاعتراف بوجود القيامة،اما الأبيات الأخرى فتشير فيها بصورة واضحة الى انه ملحد من جماعة الدهرية وهذا خلاف عقائدي مرفوض عند المذاهب الاسلامية ؛ لذلك كان على الخليفة الذي يمثل القانون الذي يحمي المسلمين ويحافظ على دينهم ان يأخذ موقف صارما من هذه الابيات، و يمثلان هذان النصان مرحلة تجاوزت النسق الثقافي والدين الذي كان يمثل عمود السلطة وهو وجود المسلمين،فان الشاعر ابي نؤاس الذي يعد شعره رافضا للعقيدة الاسلامية يستحق ان يطلق عليه كافرا ملحدا لكون شعره يتماهى مع شخصيته الملحدة والشاكة.

ويعلل الحاتمي لابي الطيب المتنبي في اثناء لقاء له مع الشاعر (المتنبي) انه كافر محاولا حصر القضية بيه وبين المتنبي عندما يحول ان يناقش المتنبي في ابيات رأها الحاتمي تمس العقيدة الاسلامية فدافع عن ابياته المتنبي،ولكن الحاتمي ومن خلال قدرته النقدية يرد على المتنبي بانه قد تناص مع القرأن،وان هذا المعاني موجودة في القران الكريم كاشفا الحاتمي للمتنبي خطأه وعدم الصوب في فهمه للمعانى الايات التي يرتكز عليه في دفاعه، مما دفعه على التحامل عليه ـــ المتنبي ــــــ في قوله:

خف الله واستر ذا الجمال ببرقع

فان لحت حاضت في الخدور العواتق

فقال الحاتمي للمتنبي (اهكذا ينسب بالمحبين؟ فقال: اما هكذا في كتابكم؟ فكفر، لعنه الله، فقلت: اين؟ فقال في قوله تعالى (فلما راينه اكبرنه) أي حضن شهوة له واستحسانا لصورته، فقلت: لم يقل هذا احد من محصلي اهل العلم، ولا شهد به ثقة)([36])، ولعلنا في قراءتنا لهذا البيت الشعري نجد ان تفسير الشاعر لكلمةحاضت لا تستحق الكفر وان اخطأ في فهم معنى (أكبرنه) والتي هي بمعنى اعظمنه، ولكن تحامل الحاتمي وجد فيه خطأ يدخله دائرة الكفر، وان كان المتنبي من خلال الاستشهاد بأيات القرآن دافع عن شعريه شعره محاولا ان يثبت ان شعره لم يخرج عن المألوف وما جاء بالقران الكريم؛وذلك لان النص القرأني هو معيار اللغة الفصيحة والمعجزة وخير دفاع للمتنبي ولكن الحاتمي ترصد له خطأه متهم اليه بالكفر.

ويرى ابن وكيع التنيسي ان المتنبي قد كفر في اثناء تعليقه على ابيات شعرية في قوله:

أي محل ارتقي

أي عظيم اتقي

وكل ما قد خلق اللـه

وما لم يخلق

محتقر في همتي

كشعرة في مرفقي

(هذه ابيات فيها قله ورع: احتقر ما خلق الله عز وجل، وقد خلق الانبياء والملائكة، والصالحين، وخلق الجن والملوك والجبارين، وهذا يجاوز في العجب الغاية، ويزيد على النهاية، وقد تهاون بما خلق وما لم يخلق، فكأنه لا يستعظم شيئا مما خلق الله، وهو من خلق الله عز وجل، الذي جميعه عنده كشعرة في مفرقة، وهذا مما لا احب آتيانه في ديوانه لخروجه عن الحد الكبر، الى حد الكفر)([37]). ولو تأملنا هذا النص الشعري لتلمسنا انه من الكذب والمبالغة التي يجوز للشاعر ان يقوله اذ انه يحق للشاعر ان يقول مالم يقله غيره وهو من الكذب في الشعر، اذ ان المتنبي حاول ان يبين انه قد تمكن من صنعته واصابه الكبر والغرور اذ يجد نفسه خير الناس واعظم الشعراء ولا يوجد احد يضاهيه في صنعته؛ لذلك فانه قد بالغ الى حد الافراط وبذلك يحق للشاعر ان يكذب ولا يحق لغيره.

ويؤكد الباقلاني ان الشاعر الملتزم بحدود الاسلام ومبادئ وقيمة لا يمكن للشيطان ان يزله ويجرفه بحباله الى الخذلان والكفر؛لذا كان موقفه من حسان بن ثابت،ولبيد بن ربيعة العامري،وكعب بن زهير([38]) موقفا ايجابيا لانهم حسن اسلامهم واعتمصوا بهدي الله في كون شخصية الشاعر الملتزم بحدود الله والمدافع عن العقيدة الاسلامية هو المعيار الذي يبحث عنه الباقلاني.

ويتمظهر معيار الالتزام االدين عند ابن فورجه في تقنية الكتابة والاسلوب والمعنى الوسط الذي لايتجاوز المألوف البياني والبديعي، اذ انتقد الشاعر الذي يعمل على الانحراف عن المعتاد والمألوف في كتابة الشعر واستخدام اسلوب جديد يطغي عليه المخادعة مؤسسا طريقة في اللعبة التي يحاول الشاعر من خلالها ان يصوغ معنى عظيم لاسيما المتنبي الذي مدح في قصيدة له ابا القاسم طاهر بن الحسين العلوي الذي يستمد ويعود نسبه الى علي بن ابي طالب رضي الله عنه ونظرا لارتباطه بهذا النسب،فقد حاول المتنبي ان يعلي من شانه وذلك بالتصحيف الذي راه بن فورجه (من التصحيف فخرج ان يكون كفرا فقال:

واكبر ايات التهامي اية

ابوك واجدى ما لكم من مناقب

يعني به علي بن ابي طالب عليه السلام ولا ينكر انه اية من ايات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعجزة من معجزاته وكبراها)([39]).