Page 1
استهلال
كان هذا الكتاب أول الأمر مجموعة محاضرات في مادة مقاربات نصية، سجلها طلاب العام الدراسي 2004/2005، صححها المحاضر في ما بعد وأضاف إليها، وضبط مفاهيمها النظرية، وهو مثل الكتاب الأول «الألسنية محاضرات في علم الدلالة»، نتاج التدريس الجامعي، بما هو تفاعل ما بين المحاضر والطلاب، ليصير أكثر استجابة للحالة المعرفية العامة، ممثلة باستجابة الطلاب للمادة المعرفية. لكنه يختلف عنه في أنَّه حصيلة التدريس في ثلاثة مقررات جامعية، وفي ثلاث كليات؛ هي أولا مادة «تحليل النص»، والتي بدأت تدريسها في أوائل التسعينيات، ولكن من منطلق الألسنية، إلى أن تغيرت في أوائل العقد الأول من الألفية الثالثة إلى مادة «مقاربات نصية»، فوجدت أنّ الأساس النظري الأول ومعالجة المادة في جوهرها العام لا تزال صالحة، وكان هذا المقرر مرتبطا مع مادة «علم الدلالة» ومكملا لها، وكان الارتباط النظري قويا ما بين المقررين، لكنني أضفت إلى المقرر الأول «تحليل النص» العديد من التحديدات العلمية والتعريفات النظرية، نتيجة لاستفسارات الطلاب وأسئلتهم، ولا ضير من التصريح أن هذه المادة كانت شيقة لغالبية الطلاب ومنفرة للبعض منهم، وكان يأتينا طلاب من الكليات الأخرى المجاورة مثل كليات العلوم الاجتماعية والحقوق، فيجدون فيها متعة وإجابة عن العديد من الاستفسارات التي كانت تراودهم، وبخاصة أن مضمون المقررين كان ينصبّ على القراءة المنهجية للنصوص. وكلا الاختصاصين يتعامل مع النص؛ الأول مع النص القانوني، حيث أفضت دراسته ومعرفة دلالة لغته إلى علم النص، والثاني حيث نصهم الذي يقومون بقراءته هو العلاقات الاجتماعية.المكون الثاني لهذا الكتاب كان مقرر «أنواع أدبية وأنماط التعبير»، أحد مقررات كلية التربية في الجامعة اللبنانية، وكان يستند إلى منهجية التعلم وعلم النفس المعرفي، ويرى إلى دور القارئ في دراسة النص، كونه الركن الأساس في المعرفة، وإعادة الدور له في فهم النصوص، وليس إلى فهمنا نحن المدرسين أصحاب السلطة الفكرية، الذين يفرضون على الطلاب آراءهم وخياراتهم المعرفية.
المكون الثالث كان تدريس مادة لغة الاختصاص، ولكن هذه المرة للمتدربين من معلمي الحلقة الأولى والثانية في المدارس الرسمية، وهي تمزج ما بين هذين المقررين، وتستند إلى منهجية التعلم، وليس التعليم، وقد اكتشفت كم كان تحصيل المتدربين السابق ضحلا وشكليا وبعيدًا عن المنهجية الحديثة، التي كانت تستند إلى التلقين والتعليم في اكتسابهم المعرفي وفي تدريسهم لتلامذتهم، واكتشفت كم أنّ التحصيل المدرسي لتلاميذنا سيكون مدمرا لأجيالنا في المدارس الرسمية والخاصة.
هذا الكتاب في نهاية الأمر مغامرة في النقد الأدبي انطلاقًا من المنهج الجديد، مهمته مختلفة عن دراسات النقد التقليدي، فهو دراسة نقدية على الأساس اللغوي، ترى إلى دور اللغة في الأدب، وفي المعرفة بشكل عام، ومنطلقه الأساس رؤية دور القارئ في إنتاج النص الأدبي، وليس دور الأديب، بما هو الأساس في إنتاج النصوص الأدبية والفكرية بشكل عام، علما أنَّ النصوص تنتج لأجل القرّاء.
اللغة هي الوجود الموضوعي في الوعي الجمعي، والكلام هو التجسيد الذاتي للغة، واللغة تتطور من الكلام، أي من ممارستها في وجودها الشخصي، وليس من وجودها الموضوعي. نقول دور القارئ أساس في النقد، وفي اللغة وموقعه كان غائبا في النقد وفي الحياة السياسية والاجتماعية، فهو المتلقي السلبي عليه واجب القبول. لقد رأينا انطلاقًا من منهجنا اللغوي، أن القارئ هو الذي ينتج النص، فهو ينتجه لنفسه قبل كل شيء. وهذا ليس تغييبا للبعد الموضوعي في رؤية الأدب، إنما رؤية الذاتي في الموضوعي، فوجود القارئ هو الأساس، وفهمه الذاتي للنص الأدبي وإنتاجه بنفسه للقيم الأدبية.
لقد تبين لنا من خلال معرفة الطلاب للأدب، أنها معرفة غامضة دون مفاهيم ودون منهج؛ تكرار فارغ لبعض أقوال قديمة معزولة وأحكام تراثية عامة تقليدية حول الأدب والفن، وهذه لا تسمن ولا تغني من جوع ، لكنها تنشئ لديهم التفكير اللفظي، بدل التفكير المنطقي العلمي.
هذا الكتاب ليس مبحثًا في الأسس الفكرية والفنية للعمل الأدبي، وليس أحكاما وآراء ناتجة عن فلسفة فكرية منهجية جديدة في الفكر الأدبي، ولا في خلفياتها الاجتماعية، إنما هدفه الأساس هو معرفة كيفية قيام الأدب بدوره في تشكيل المكوِّن الجمالي في المخططات المعرفية لدى القارئ، الأساس في عملية التربية انطلاقًا من منهج أساسي في المعرفة، يبحث في كيفية تجلي الفكر في الممارسة الإنسانية، وقد نقلنا المعرفة من الطابق العلوي في العلم، وتداوله ما بين العلماء والاختصاصيين إلى الطابق الأول في المعرفة، ذلك الطابق المشاع للعموم، لأن العموم هم أساس إنتاج اللغة بمعطياتها الموضوعية، وبناء الحضارة، كما تتجلى اللغة في الكلام والممارسة الفكرية بما هو الذاتي من الموضوعي. وبخاصة بعد أن صار للقارئ دوره في الحياة الاجتماعية والفكرية على حد سواء.
المنطلقات الأساسية في منهجنا المعرفي الذي اعتمدناه في هذا الكتاب هو إعادة الاعتبار إلى الذات الفردية، وهي الأساس في التربية الحديثة، بما هي تجلي الموضوعي في الذاتي، لأننا لا نرى، وليس من أهدافنا العلمية رؤية تطور مادة المعرفة في بعدها الموضوعي الاجتماعي، وهذا سيقوم به كثيرون. ولكن تجسد المعرفة في الفهم الخاص لدى كل ذات عارفة، لأن منطلقنا هو المعرفة في ممارستها الإنسانية، ولأن الأدب في جوهره هو الذاتي من الموضوعي، والتعبير الذاتي عن هذا الموضوعي.
هكذا كان هدفنا وسعينا لنكون على مقربة من التيارات الفكرية الحديثة في المعرفة، وفي أساسها الفردي، والتي ترى إلى ما يحدث من تفاعلات على صعيد العقل، وربطه بالمعطيات البيولوجية الدماغية، التي تقترب من التحديدات العلمية في العلوم الدقيقة، وكان منهجنا بينيًا، يستفيد من منجزات العلوم المساعدة وهي النقد الأدبي وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلوم التواصل والتربية، ويوظفها في ميدانه العلمي ويرتكز على المعطيات التي يقدمها علم تشريح الدماغ. ولا نبحث في هذه العلوم، ولكن نستفيد من معطياتها، وأحد تعريفات النقد: استخدام المعطيات غير الأدبية للوصول إلى أدبية النصوص. هكذا لم نبتعد عن المنطلقات الأساسية لعلم الأدب.
Page 2
لقد وجدنا أن من المنهجية إعادة النظر بالمصطلحات العلمية ودلالتها اللغوية، فلم نوافق على مفهوم الاستقبال الفني أو التلقي الجمالي، بل اقترحنا مفهوم الاستجابة الفنية؛ المعرفية المنطقية ـ الانفعالية على حد سواء، وقدمنا تعريفا علميا منهجيا للمخططات المعرفية، بكونها بانية البنية المعرفية بمكوناتها المنطقية الانفعالية على حد سواء وبها يتم الحكم على مواضيع المعرفة. وإلى عدد من المفاهيم العلمية، التي تنطلق من العقل وتسهم في إنتاج الأدب، وفي استجابته. ودققنا في المصطلحات كم نفهمها، لأنَّ المصطلح هو الترجمة اللغوية للمفهوم العقلي. الذي يعكس بعض الخصائص العلمية لموضوع المعرفة، انطلاقًا من المنهج والفلسفة المعرفية التي بها نرى إلى مادة المعرفة. وللمصطلح عادة تاريخ طويل من تبدل المعنى، وتغير الدلالة، وهناك عدد كبير من الباحثين يستخدمون مصطلحاتهم بتباينات متفارقة، وليت كل باحث جاد يقدم لقارئه مضمون مصطلحه، ليصير قصده من استخدام المصطلح واضحا، لأن القاعدة المنهجية تقول «ما أصعب إيجاد المصطلح وما أسهل استخدامه». لذا هناك مساحة واسعة في بحثنا مخصصة لشرح المصطلح وتفسيره، لكي ينقل فهمنا الخاص لموضوع المعرفة. من ناحية ثانية اعتمدنا منهج البنيوية الوظيفية في طورها السيميولوجي عند مقاربتنا لموضوعنا المعرفي، بما هي منهج حديث لكل مادة معرفية، يكون أساسها اللغة، وكان منطلقنا هو الناحية العملية في المعرفة، ولقد وجدنا أنَّ البشرية عندما نظرت إلى مكونات البيئة الطبيعية، إلى ماهية كل مكون بحد ذاته، دمرت الطبيعة، وتسببت بكوارث وخسائر لا تعوض، أما عندما نظرت إليها بكونها بنية، وكل عنصر فيها يقوم بوظيفته بارتباطه بالعناصر الأخرى، وبأننا لا نستطيع أن نلغي عنصرا، دون الإخلال ببقية العناصر. أدركت البشرية عندها ماذا فعلت يداها عندما كانت نظرتها غير بنيوية، لذا تسعى في الوقت الراهن إلى ترميم ما دمرته، وتسعى جاهدة إلى الاهتمام بالحيوانات المعرضة للإنقراض، ولكن ما دمرته من البيئة النباتية، فقد ذهب وليس بمقدورها أن تعرف ماذا جنت يداها من خسائر لن تعوض، لذا تسعى البشرية الآن إلى المحافظة على البيئة، وانتقلت من مركزية الإنسان في الطبيعة، وأنّ بمقدوره أن يضع كل مكونات الطبيعة في خدمته، إلى النظر إلى كونه عنصرا في الطبيعة، ككل مكون فيها، ولهذه المكونات المتفرقة مبررات وجودها في الطبيعة، ولها مكانتها الخاصة فيها، الذي لا يحل محله مكون آخر، وليس مبررات وجودها في خدمة الإنسان، وإن كانت معرفة هذا المكون لا تزال خارج طائلة العلم.
الإنسان، بمعنى هذا النوع من المخلوقات، الذي بواسطة خصائص لغته بنى فكره، الذي أنتج هذه الحضارة، التي نعيش ضمن مفاهيمها، لا يستطيع إلّا أن يعرف، وهكذا نستطيع أن نقول بشيء من المجاز؛ إنّ المعرفة تصبح غريزة لدى الإنسان. فهو يتعرف إلى العالم المحيط به بغية التعامل معه. وبعضهم يقول بغية السيطرة عليه، ولكن ليس السيطرة، لا بل أقل من السيطرة، التي هي التدخل غير الواعي في الطبيعة، وبغير الانسجام مع قوانينها، الذي كانت له نتائج كارثية. لذا إنّ طموح الإنسان ينبغي أن يعرف قوانين الطبيعة، لكي يأتي هذا التدخل منسجمًا مع قوانينها بهدف التعامل معها، والسير بحسب معطياتها، وليس السيطرة عليها، عندما عرف الإنسان الأول أنّ الاتقاء من الريح يجلب له الدفء، لجأ إلى الكهوف، فوجد الراحة. والأغنام، عند المطر الشديد والبرد القارس، تتجمع إلى جانب بعضها البعض فتجمّع طاقاتها وتتقي البرد .
من ناحية ثانية كل المخلوقات الحية اجتماعية، واجتماعيتها تنبع من طبيعتها في المحافظة على استمرارية النوع بهدف البقاء، لذا فهي كلها تحتاج في حياتها الاجتماعية إلى وسيلة تواصل، تنقل بواسطتها الفكر، وتؤثر في خيارات الآخرين، هي ما نقول عنها لغة، التي تحمل مقاصد قائلها إلى الآخر، هكذا يجري التفاعل ما بين البشر في اجتماعهم، لكن شكل التنظيم الاجتماعي مختلف، فلدى الإنسان العامل الثقافي، يلعب دورا محوريا في بناء حياته، الذي ليس نافعا دائما، وهو متنوع من حيث البساطة والتعقيد والضيق والاتساع. فللمحافظة على النوع هناك اجتماع الذكر والأنثى، ولتكوين العائلة والحياة الاجتماعية هناك التكريم للذكر عند الأسود، ولدى بعض فصائل القرود في الهند، لأنّ الذكر هو الذي سيقود الجماعة الحيوانية. لكنَّ هذا الشكل من استخدام اللغة، لم ينل حقه من الدراسة والتدقيق في معرفة الفروقات ما بين اللغة الإنسانية واللغة الحيوانية. لذا سينصب هدفنا على رؤية دور اللغة في التفكير وفي حملها للقيم الفكرية وتحديدا هنا القيم الأدبية، بكونها إحدى الحاجات الحياتية للإنسان للتعبير عن مقاصده وبالتحديد في الأدب بكونه أحد مكونات حياة البشر الفكرية
ختاما أود أن أشكر كل من وقف جانبي في إنجاز هذا الكتاب وأخص بالشكر الدكتور يونس فقيه صديق الدراسة الجامعية وشريك الهموم الفكرية لما أبداه من ملاحظات قيمة عند قراءته لهذه المخطوطة، فله مني ألف تحية شكر وامتنان.
الإنسان، بمعنى هذا النوع من المخلوقات، الذي بواسطة خصائص لغته بنى فكره، الذي أنتج هذه الحضارة، التي نعيش ضمن مفاهيمها، لا يستطيع إلّا أن يعرف، وهكذا نستطيع أن نقول بشيء من المجاز؛ إنّ المعرفة تصبح غريزة لدى الإنسان. فهو يتعرف إلى العالم المحيط به بغية التعامل معه. وبعضهم يقول بغية السيطرة عليه، ولكن ليس السيطرة، لا بل أقل من السيطرة، التي هي التدخل غير الواعي في الطبيعة، وبغير الانسجام مع قوانينها، الذي كانت له نتائج كارثية. لذا إنّ طموح الإنسان ينبغي أن يعرف قوانين الطبيعة، لكي يأتي هذا التدخل منسجمًا مع قوانينها بهدف التعامل معها، والسير بحسب معطياتها، وليس السيطرة عليها، عندما عرف الإنسان الأول أنّ الاتقاء من الريح يجلب له الدفء، لجأ إلى الكهوف، فوجد الراحة. والأغنام، عند المطر الشديد والبرد القارس، تتجمع إلى جانب بعضها البعض فتجمّع طاقاتها وتتقي البرد .
من ناحية ثانية كل المخلوقات الحية اجتماعية، واجتماعيتها تنبع من طبيعتها في المحافظة على استمرارية النوع بهدف البقاء، لذا فهي كلها تحتاج في حياتها الاجتماعية إلى وسيلة تواصل، تنقل بواسطتها الفكر، وتؤثر في خيارات الآخرين، هي ما نقول عنها لغة، التي تحمل مقاصد قائلها إلى الآخر، هكذا يجري التفاعل ما بين البشر في اجتماعهم، لكن شكل التنظيم الاجتماعي مختلف، فلدى الإنسان العامل الثقافي، يلعب دورا محوريا في بناء حياته، الذي ليس نافعا دائما، وهو متنوع من حيث البساطة والتعقيد والضيق والاتساع. فللمحافظة على النوع هناك اجتماع الذكر والأنثى، ولتكوين العائلة والحياة الاجتماعية هناك التكريم للذكر عند الأسود، ولدى بعض فصائل القرود في الهند، لأنّ الذكر هو الذي سيقود الجماعة الحيوانية. لكنَّ هذا الشكل من استخدام اللغة، لم ينل حقه من الدراسة والتدقيق في معرفة الفروقات ما بين اللغة الإنسانية واللغة الحيوانية. لذا سينصب هدفنا على رؤية دور اللغة في التفكير وفي حملها للقيم الفكرية وتحديدا هنا القيم الأدبية، بكونها إحدى الحاجات الحياتية للإنسان للتعبير عن مقاصده وبالتحديد في الأدب بكونه أحد مكونات حياة البشر الفكرية
ختاما أود أن أشكر كل من وقف جانبي في إنجاز هذا الكتاب وأخص بالشكر الدكتور يونس فقيه صديق الدراسة الجامعية وشريك الهموم الفكرية لما أبداه من ملاحظات قيمة عند قراءته لهذه المخطوطة، فله مني ألف تحية شكر وامتنان.
Page 3
المقدمة
بقدر ما يكون الفكر انعكاسًا للواقع، تصير اللغة أيضا أحد السبل إلى معرفته.قد يبدو هذا الكلام مستغربا بعض الشيء، إذ هل من المعقول أن اللغة هي التي تعرِّف الواقع؟ أم أنّ الفكري هو الذي يعرِّف المادي؟ هل الذاتي هو الذي يعرِّف الموضوعي؟ وسأُتهم باتهامات شتى، بأنني من أتباع الثقافوية(1)، وأن المنهج الذي به أناقش قضايا الفكر والأدب، لفظي غير منطقي ومتعسف(2)، يرى إلى الفكر الثقافي في دراسة الوقائع الحياتية المادية. لكن البحث سيدور حول الأدب بما هو نص، وهو ممارسة ثقافية؛ الإنساني فيه هو الأساس، وهو بنية من الأفكار من إبداع البشر، وسنرى فيه إلى كيفية انتشار هذه الممارسات الثقافية تداوليا. وسنرى إلى الأفكار وكيفية تسييرها لشؤون الناس والمجتمعات.
الأدب هو العنصر الأساس في ثقافة أي شعب من الشعوب وممارساته الإبداعية والحياتية. والثقافة هنا بمعناها الأنتروبولوجي، أي هي المسير لسلوك البشر في المجتمعات وتصرفاتهم، لأنّ العلاقة ما بين الفن والمجتمع عامل أساس في فهم الثقافة، وفي علم اجتماع الفن والتداولية. ليس من منطلق الإبداع الأدبي فقط، ولكن من كيفية استجابته أيضا، بكونه أحد عناصر بناء ثقافة الناس وأفكارهم، وكيفية تأثيره في بناء مجتمعاتهم. وسيكون الانطلاق من مسلمة ماركس التي يقول فيها: «إنّ النحلة عندما تبني قفيرها، تبنيه بإتقان كبير، وعلى مدى مئات السنين، لكنّ أسوأ معماري يرسم خارطة المنزل قبل أن ينفذه».
من الحكمة أن نبقى دائمًا متيقنين؛ أنّ افكارنا هي قناعات ذاتية، وليست حقائق، والقناعة هي الرضى عن الشيء كما هو، وعندما يثبت العلم هذه الأفكار، تصير معتقدات، وهي أقوى من القناعات، أما الحقيقة، فإنها درجة أعلى من المعتقدات، لها بعدها الموضوعي، لكنها في مطلق الأحوال، تبقى الحقيقة هي الفكرة التي تطبع أفكارنا في علاقتها بمادة المعرفة، تعكس صفات موجودة في الظاهرة موضوعيا، هذا عندما يكون تفكيرنا علميا منطقيا، لكنَّ الحقيقة في جميع الأحوال نسبية، تتبدل بعد أن يقدم العلم معطيات أخرى، فيكتشف خصائص جديدة في مادة المعرفة، كما يبدع العلم مناهج أخرى، بواسطتها يرى إلى مادة المعرفة بعيون مختلفة، فيكتشف خصائص جديدة، كانت في المادة المعرفية، لكنّ العلم كان قاصرا عن رؤيتها بسبب النقص في مخططاته المعرفية. ما يعطي العلم حيويته، ويجعله بانيًا للحضارة.
القضية المركزية في فلسفة القرن العشرين كانت البحث في طبيعة المعرفة، وكان السعي المعرفي يتركز على استكشاف الآليات التي تسهم في عملها، وكيفية ربط الفكرة بالواقع المادي، وما مدى عكسها له، ومدى ارتباط هذا الفكر بالخصائص الأساسية لمادة المعرفة، وبالواقع المادي الكلي، وكيفية تجلي هذا الواقع المادي في الفكر.
لقد دلت الأبحاث في علم النفس المعرفي، أنّ الانعكاس المادي في الفكري، أي تحويل الوقائع المادية إلى بنى فكرية، ليس واحدا لدى جميع الذوات العارفة، التي تتعامل مع هذا الواقع المادي، وهذا هو الفرق الأساسي بين اللغة الإنسانية كوسيلة تواصل وباقي وسائل الاتصال لدى الأحياء، التي تعيش في مجموعات، وتستخدم في تواصلها ما نقول عنه مجازا لغة.
تتميز اللغة البشرية، بأنها تحول الوقائع الحياتية إلى مفاهيم، هي بنى من الأفكار عقلية وليست مادية، وهذه المفاهيم نتاج عاملين اثنين؛ هما الواقع المادي بخصائصه الموضوعية، والبنية الذهنية لدى الذات العارفة، التي كونته عن هذا الواقع المادي، وبما أن الوقائع المادية واحدة عادة، خامدة معرفيًا. يبقى المتغير الأول هو البنى الفكرية الموجودة لدى الذات العارفة الجمعية. لذا يُطرح السؤال التالي؛ ما مدى تأثير مستوى الذات العارفة في معرفتها لهذا الواقع المادي؟
الواضح أنّ هناك ارتباطًا جدليًا ما بين الكشف عن الخصائص الموضوعية لمادة المعرفة والبنية المعرفية لدى الذات العارفة (الجمعية)، ومستوى اكتسابها لعلوم عصرها، وانحيازاتها الفكرية. والتوجهات المعرفية التي تضعها البشرية أمامها. هذا الارتباط الجدلي ما بين مادة المعرفة والمخططات المعرفية لدى الذات العارفة في سعيها لاكتشاف خصائص المعرفة، هو الذي ينتج الفكر. لكنّ هذا الفكري ليس بمقدورنا معرفته، لأنّه ميتافيزيقي غير قابل للقياس، معرفته تخمينية متباينة، وبالتالي فهو غير قابل للمعرفة العلمية، ما لم يتجسد في المادي، وهو اللغة. واللغة، حاملة الفكرة، هي في تكوينها معطى سابق على التجربة المعرفية، وتمثيلها للفكرة سيكون بمعطيات منتجة سابقة، معان أبدعها آخرون، انطلاقًا من خصيصة أساسية من خصائص عمل اللغة، هي «ليس للفظة معنى، إنما لها استعمالات»، وكيفية عكسها لهذه التجربة المعرفية. التجربة المعرفية تتجسد في مفاهيم، بنى عقلية، تنتج عن نشاط الذهن البشري، تأخذ لها لبوسا ماديا هو اللغة، المحملة بمعانٍ سابقة على التجربة، لذا يصبح السابق متحكما باللاحق، ولكن ما يشفع في هذا المجال، وبكون المعنى الذي يرتبط باللفظ هو ارتباط اصطلاحي، هكذا لا يعود المعنى واحدا لدى الجميع، لأن المعنى الاستعمالي لأي لفظة يرتبط بأحد عناصر البنية العامة الذي هو السياق، وهو جزء من عام. وهكذا أيضًا سيكون استقبال هذه المعاني مختلفا ما بين المرسل والمرسل إليه، ومن كل القرَّاء الآخرين، وكل كلام عن حقائق مطلقة ثابتة غير نسبية جهل مطلق، ولغو فارغ لا قيمة معرفية له.
القضية الأولى التي تجابه الباحث في الميدان المعرفي في العلوم الإنسانية، في تلك النصوص، التي تأخذ تجسدها المادي اللغة في وظيفتها الجمالية، هي تحديد مادة المعرفة، لأن اللغة في وظيفتها الجمالية، لا تشير إلى الواقع، إنما إلى ذاتها، أي إلى رؤية(3) قائلها في مادة المعرفة، عندها نصل إلى متاهة بلا مدخل ولا مخرج.
Page 4
الصعوبة الكبرى في ميدان العلوم الإنسانية تكمن في تحديد الباحث لمادة عمله، لكي تتناسب مع أدواته المعرفية ومنهجه الفكري، الذي يرتبط بميدان اختصاصه. ففي ميدان العلوم الدقيقة أو التطبيقية القضية سهلة، لأن مادة المعرفة تقدم نفسها بخصائصها الموضوعية، وبتميزها عن غيرها. إضافة إلى أنّ المناهج في ميدان العلوم الدقيقة واضحة سهلة غير متداخلة، تمتلك معايير موضوعية، بها يتم الحكم على صحة هذه النتائج أو خطئها. الصعوبة في ميادين العلوم الإنسانية تكمن في تداخل موادها، وتنوع مناهجها المعرفية، لأن المنهج في العلوم الإنسانية لا يرتبط بخصائص المادة موضوع المعرفة، ولكن بفلسفة الباحث الفكرية، ووجهة نظره المعرفية. من ناحية ثانية إنّ موضوع العلوم الدقيقة قائم بذاته، بمقدور العلم أن يقيم له تحديدات منهجية، لأنه يتحدد بخصائصه الموضوعية المكتشفة بواسطة العلم في زمانه المعاصر، والنتائج التي تتأتى من البحث العلمي، لا تحتاج لكثير نقاش، إلا بعد أن تتغير المنطلقات المعرفية لدى الباحثين في هذا الميدان، لذا كان طموح العاملين في ميدان العلوم الإنسانية في نهاية القرن التاسع عشر، أن تكون مناهجهم المعرفية ونتائجها العلمية أقرب إلى العلوم الدقيقة، لقد وعدت هذه التوجهات الجديدة في أن تحقق علوما إنسانية صلبةً، كما الفيزياء عند التجريبيين والرياضيات عند التأويليين والظواهريين، لذا كانت العلوم الطبيعية هي الأمنية والهدف العلمي لعلماء الإنسانيات، لأنّ «الموديل» الفكري للقرن التاسع عشر بتوجهاته الواقعية، التي ترى إلى أنّ القوانين العلمية، التي تسير الواقع، كانت قد أعطت الأولوية للعلوم على حساب الفنون. وهذا ما قام به على سبيل المثال أونوريه دي بلزاك، فبعد أن كتب أعمالا روائية رائعة حول العلاقات الأسرية وميول النفس البشرية، عاد ليكتب أبحاثا علمية في هذه الموضوعات، لاعتقاده، أنه هكذا يكون أكثر علمية. هذا السعي العلمي لجعل نتائج العلوم الإنسانية قريبة من نتائج العلوم الدقيقة كان مخيبا للآمال. وقد عُبِّـرَ عنه بالشكل التالي: «إمّا مناهج معرفية دقيقة توصل إلى نتائج ضحلة، وأما مناهج معرفية تخمينية، توصل إلى نتائج معرفية مهمة»، وهكذا كان السعي إلى اعتماد المنهجية اللغوية في العلوم الإنسانية، التي قدمت بعض المناهج الدقيقة نسبيًا، والنتائج الصلبة، وبالتحديد استنادًا إلى المنهجية الألسنية في علوم اللغة، كما قدمها دي سوسير وتشومسكي وأندريه مارتينيه والفلاسفة اللغويون الآخرون، ومنجزات علم النفس المعرفي، التي استندت إلى الخاصية اللغوية في العمليات المعرفية.
إنّ أهم ما قدمته الألسنية والبنيوية في هذا المجال مفهوم «الأدبية». والذي صار من مسلمات علم الأدب، وانتقل إلى أنواع أدبية أخرى، وبدأنا نتعامل بمفهوم المسرحة ومفهوم السرد والوصف وخلافها. وعلم النفس المعرفي باستناده إلى اللغة والمفاهيم العقلية وصل إلى مفهوم «المخططات المعرفية»، وهي البنية المعرفية الذهنية الانفعالية لدى الذات العارفة، والبنيوية السيميولوجية أبدعت مفهوم النص والقراءة، وعادت إلى مفهوم التأويل، واستندت فيه إلى المعطيات اللغوية، والأنتروبولوجيا البنيوية أوجدت مفهوم التداولية. وهي مفاهيم علمية دقيقة، يعتد بها الباحثون، ويتخذونها أدوات في دراسة الآداب والفنون والوعي الاجتماعي.
لقد صارت هذه المفاهيم من منجزات علم الأدب. لكن وبالرغم من اتفاق دارسي الأدب على مرجعيتها، واعتبارها أدوات منهجية، يمكن الاعتداد بها، والاستناد إليها. إلّا أنّ الباحثين لا يزالون يتجادلون في بعض مضامين هذه المفاهيم، فمنهم من يجعل الأدبية مفهوما يندرج في الشكل فقط، بينما يجعل بعضهم المضمون بخاصيته الفنية واستناده إلى المعرفة الانفعالية إلى جانب العقلية جزءا أساسًا من مفهوم الأدبية، وهذا طبيعي لأن المناهج في العلوم الإنسانية، تتركز في فلسفة الباحث الفكرية، والتي بها يرى إلى مادة عمله، وليس في مادة المعرفة.
إنّ ميدان الدراسة الأدبية أو مجال علم الأدب، ليس ميدانا موضوعيا، له استقلاله الذاتي، بالإمكان تحديد أبعاده الموضوعية، أوالحيز الفكري الذي يوجد فيه، لكن بكون الأدب والفن تعبيرا عن هذا الواقع؛ تعبير ذاتي عن واقع موضوعي، وعندما يكتسب خصيصته التداولية والشيوع في مجتمع ما، يصير تعبيرا اجتماعيا، هو الوعي الجمالي، أحد عناصر ثقافة كل شعب من الشعوب، وهذا هو ميدان دراستنا، وهي في مجالنا. ما الذي نعده أدبا؟ وما الذي لا يعد أدبا؟ وما الذي يدخل في ميدان العلوم الإنسانية الأخرى، أو في مجال الفنون الأخرى، ما هي الخصائص، التي تميز الأدب عن سواه من الميادين العلمية الكثيرة، والتي عادة ما تكون متداخلة فيما بينها، ومع خصائص العلوم الإنسانية الأخرى، التي تتشارك مع الأدب ميدانه الأكبر. هذه القضية هي التي كانت الشغل الشاغل لعلماء الأدب والنقاد في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والإجابة الأهم أتت من «الشكلانيون الروس»(4)، الذين اعتبروا أن مادة عملهم ليست الأدب، ولكن الأدبية؛ وهي تلك الخصيصة، التي بتواجدها في نص لغوي ما، تحوله إلى أدبي، لذا اعتبروا أن الأساس في الأدبية هو اللغة، لا في وظيفتها المرجعية، إنما في وظيفتها الجمالية الشعرية، فلو استخدمت اللغة في وظيفتها المرجعية، لكان النص علميا، ولكن اللغة في الأدب، هي التي تلفت الانتباه إلى ذاتها، وفي أنها تخص القائل لا الواقع الموضوعي، وفي هذا المجال كان «الشكلانيون الروس» يركزون على وظيفة الأدب، لا على ماهيته، وكانوا أوفياء أيضا لنظرية كانط في الفنون، الذي اعتبر أن النشاط الجمالي نوع من لعب الخيال العبقري الحر، وتجرد الحكم الجمالي من المنفعة.
سيدور كلامنا حول دور الفنون والأدب في تكوين البنية المعرفية للقرّاء، وتشكيلها للوعي الجمالي لدى الأفراد والشعوب، بما هو الأساس في بناء الثقافة، وعلى ضوئها يتم بناء الحضارة، أي في ضوء وظيفة الأدب الاجتماعية. وسنرى إلى دوراللغة المركزي في هذا الميدان.
إن أزمة الفنون في بعض المجتمعات، ومنها مجتمعاتنا العربية، هي الوجه الأبرز لأزمة بناء الثقافة، وهي أننا لا نزال نعيش في ظل مفاهيم ثقافية، أنتجها غيرنا، ولم نستطع بناء ثقافة جديدة، تكون انعكاسًا لواقعنا، وتنسجم مع تطلعاتنا، وهي في الوقت ذاته أزمة هذه المجتمعات. وهي ليست أزمة في الشروط المادية لإنتاج الفنون واستقبالها، بقدر ما هي أزمة في الرؤى الفكرية، التي تُسيِّر المجتمع، وتتحكم في رؤيته إلى ذاته، وإلى نمو حياته، وثراء عالمه الداخلي. وإلى معرفة كل قضية من قضاياها معرفة علمية. وتتعدد أزمة الفنون في المجتمعات العربية، فهي أزمة إبداع، وأزمة استجابة بما هي قراءة، كما هي أزمة بنية ثقافية في المجتمع، تسهم في إبداع الفنون وتداوليتها، وهي أيضًا أزمة غياب البحث العلمي أساس كل تقدم مادي. إنها أزمة حضارة نفعية مبتذلة، لا ترى منفعة إلّا في ما تحوله إلى رأسمال قابل للتداول والنمو الآني. ولا ترى إلى اقتصاد المعرفة، وأن إنتاج الثقافة والبحث العلمي هما القاعدة الفكرية، الأساس الذي يسهم في نمو أي رأسمال على الإطلاق. إن وجد الإبداع في مجتمع من المجتمعات، ما لم تصاحبه استجابة قراءة، يبقى دون أثر في مجتمع مبدعه، لكنه سيجد قرّاء في مجتمع آخر، وهكذا برزت ظاهرة انتقال المبدعين من مجتمع إلى آخر، وإلى لغة أخرى اكثر استعدادًا لاحتضان إبداعهم، لأن الخصيصة الأساسية للفنون على أنواعها هي في تداوليتها. وليس في وجودها الخاص القائم بذاته. من جهة أخرى، إن وجدت الاستجابة الفنية في مجتمع من المجتمعات، وإن كانت استجابة لإبداع مجتمعات أخرى، ففي مرحلة لاحقة لا بد سيؤدي هذا إلى إبداع في الفنون المحلية، لأن هذه الاستجابة الفنية، ستسهم في بناء المخططات المعرفية لدى القرّاء، وترفع من مستوى الوعي الاجتماعي، والتي بدورها ستكون عاملا في تشكيل الوعي الفني، وفي إبداع الفنون لاحقا. إذا نظرنا إلى بعض المجتمعات التي تسجل معدلات مرتفعة في مستوى الدخل القومي ومستوى الدخل الفردي، دون نشاط على مستوى استجابة الفنون وإبداعها، نجد أن هذه المجتمعات، لا تسهم في بناء الحضارة البشرية، وتبقى مستهلكة لها (بالدلالة السلبية للكلمة)، وتستقبل المبتذل والسوقي من إبداع الشعوب الأخرى، لأن غناها المادي لا يستطيع أن يؤمن لها الثقافة، التي هي أساس الحضارة، في حين أنّ العكس صحيح، أي أنّ شح الموارد المالية، وتطور المخططات المعرفية، ستسهم في تعزيز البحث العلمي والإبداع الفني على حد سواء. وسيكون لها دور أساس في تنمية الإنتاج المادي، وهذا هو اقتصاد المعرفة.
إنّ أهم ما قدمته الألسنية والبنيوية في هذا المجال مفهوم «الأدبية». والذي صار من مسلمات علم الأدب، وانتقل إلى أنواع أدبية أخرى، وبدأنا نتعامل بمفهوم المسرحة ومفهوم السرد والوصف وخلافها. وعلم النفس المعرفي باستناده إلى اللغة والمفاهيم العقلية وصل إلى مفهوم «المخططات المعرفية»، وهي البنية المعرفية الذهنية الانفعالية لدى الذات العارفة، والبنيوية السيميولوجية أبدعت مفهوم النص والقراءة، وعادت إلى مفهوم التأويل، واستندت فيه إلى المعطيات اللغوية، والأنتروبولوجيا البنيوية أوجدت مفهوم التداولية. وهي مفاهيم علمية دقيقة، يعتد بها الباحثون، ويتخذونها أدوات في دراسة الآداب والفنون والوعي الاجتماعي.
لقد صارت هذه المفاهيم من منجزات علم الأدب. لكن وبالرغم من اتفاق دارسي الأدب على مرجعيتها، واعتبارها أدوات منهجية، يمكن الاعتداد بها، والاستناد إليها. إلّا أنّ الباحثين لا يزالون يتجادلون في بعض مضامين هذه المفاهيم، فمنهم من يجعل الأدبية مفهوما يندرج في الشكل فقط، بينما يجعل بعضهم المضمون بخاصيته الفنية واستناده إلى المعرفة الانفعالية إلى جانب العقلية جزءا أساسًا من مفهوم الأدبية، وهذا طبيعي لأن المناهج في العلوم الإنسانية، تتركز في فلسفة الباحث الفكرية، والتي بها يرى إلى مادة عمله، وليس في مادة المعرفة.
إنّ ميدان الدراسة الأدبية أو مجال علم الأدب، ليس ميدانا موضوعيا، له استقلاله الذاتي، بالإمكان تحديد أبعاده الموضوعية، أوالحيز الفكري الذي يوجد فيه، لكن بكون الأدب والفن تعبيرا عن هذا الواقع؛ تعبير ذاتي عن واقع موضوعي، وعندما يكتسب خصيصته التداولية والشيوع في مجتمع ما، يصير تعبيرا اجتماعيا، هو الوعي الجمالي، أحد عناصر ثقافة كل شعب من الشعوب، وهذا هو ميدان دراستنا، وهي في مجالنا. ما الذي نعده أدبا؟ وما الذي لا يعد أدبا؟ وما الذي يدخل في ميدان العلوم الإنسانية الأخرى، أو في مجال الفنون الأخرى، ما هي الخصائص، التي تميز الأدب عن سواه من الميادين العلمية الكثيرة، والتي عادة ما تكون متداخلة فيما بينها، ومع خصائص العلوم الإنسانية الأخرى، التي تتشارك مع الأدب ميدانه الأكبر. هذه القضية هي التي كانت الشغل الشاغل لعلماء الأدب والنقاد في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والإجابة الأهم أتت من «الشكلانيون الروس»(4)، الذين اعتبروا أن مادة عملهم ليست الأدب، ولكن الأدبية؛ وهي تلك الخصيصة، التي بتواجدها في نص لغوي ما، تحوله إلى أدبي، لذا اعتبروا أن الأساس في الأدبية هو اللغة، لا في وظيفتها المرجعية، إنما في وظيفتها الجمالية الشعرية، فلو استخدمت اللغة في وظيفتها المرجعية، لكان النص علميا، ولكن اللغة في الأدب، هي التي تلفت الانتباه إلى ذاتها، وفي أنها تخص القائل لا الواقع الموضوعي، وفي هذا المجال كان «الشكلانيون الروس» يركزون على وظيفة الأدب، لا على ماهيته، وكانوا أوفياء أيضا لنظرية كانط في الفنون، الذي اعتبر أن النشاط الجمالي نوع من لعب الخيال العبقري الحر، وتجرد الحكم الجمالي من المنفعة.
سيدور كلامنا حول دور الفنون والأدب في تكوين البنية المعرفية للقرّاء، وتشكيلها للوعي الجمالي لدى الأفراد والشعوب، بما هو الأساس في بناء الثقافة، وعلى ضوئها يتم بناء الحضارة، أي في ضوء وظيفة الأدب الاجتماعية. وسنرى إلى دوراللغة المركزي في هذا الميدان.
إن أزمة الفنون في بعض المجتمعات، ومنها مجتمعاتنا العربية، هي الوجه الأبرز لأزمة بناء الثقافة، وهي أننا لا نزال نعيش في ظل مفاهيم ثقافية، أنتجها غيرنا، ولم نستطع بناء ثقافة جديدة، تكون انعكاسًا لواقعنا، وتنسجم مع تطلعاتنا، وهي في الوقت ذاته أزمة هذه المجتمعات. وهي ليست أزمة في الشروط المادية لإنتاج الفنون واستقبالها، بقدر ما هي أزمة في الرؤى الفكرية، التي تُسيِّر المجتمع، وتتحكم في رؤيته إلى ذاته، وإلى نمو حياته، وثراء عالمه الداخلي. وإلى معرفة كل قضية من قضاياها معرفة علمية. وتتعدد أزمة الفنون في المجتمعات العربية، فهي أزمة إبداع، وأزمة استجابة بما هي قراءة، كما هي أزمة بنية ثقافية في المجتمع، تسهم في إبداع الفنون وتداوليتها، وهي أيضًا أزمة غياب البحث العلمي أساس كل تقدم مادي. إنها أزمة حضارة نفعية مبتذلة، لا ترى منفعة إلّا في ما تحوله إلى رأسمال قابل للتداول والنمو الآني. ولا ترى إلى اقتصاد المعرفة، وأن إنتاج الثقافة والبحث العلمي هما القاعدة الفكرية، الأساس الذي يسهم في نمو أي رأسمال على الإطلاق. إن وجد الإبداع في مجتمع من المجتمعات، ما لم تصاحبه استجابة قراءة، يبقى دون أثر في مجتمع مبدعه، لكنه سيجد قرّاء في مجتمع آخر، وهكذا برزت ظاهرة انتقال المبدعين من مجتمع إلى آخر، وإلى لغة أخرى اكثر استعدادًا لاحتضان إبداعهم، لأن الخصيصة الأساسية للفنون على أنواعها هي في تداوليتها. وليس في وجودها الخاص القائم بذاته. من جهة أخرى، إن وجدت الاستجابة الفنية في مجتمع من المجتمعات، وإن كانت استجابة لإبداع مجتمعات أخرى، ففي مرحلة لاحقة لا بد سيؤدي هذا إلى إبداع في الفنون المحلية، لأن هذه الاستجابة الفنية، ستسهم في بناء المخططات المعرفية لدى القرّاء، وترفع من مستوى الوعي الاجتماعي، والتي بدورها ستكون عاملا في تشكيل الوعي الفني، وفي إبداع الفنون لاحقا. إذا نظرنا إلى بعض المجتمعات التي تسجل معدلات مرتفعة في مستوى الدخل القومي ومستوى الدخل الفردي، دون نشاط على مستوى استجابة الفنون وإبداعها، نجد أن هذه المجتمعات، لا تسهم في بناء الحضارة البشرية، وتبقى مستهلكة لها (بالدلالة السلبية للكلمة)، وتستقبل المبتذل والسوقي من إبداع الشعوب الأخرى، لأن غناها المادي لا يستطيع أن يؤمن لها الثقافة، التي هي أساس الحضارة، في حين أنّ العكس صحيح، أي أنّ شح الموارد المالية، وتطور المخططات المعرفية، ستسهم في تعزيز البحث العلمي والإبداع الفني على حد سواء. وسيكون لها دور أساس في تنمية الإنتاج المادي، وهذا هو اقتصاد المعرفة.
Page 5
السؤال المركزي الذي يطرحه علم الاجتماع في ميدان الفنون. ما هي العلاقة ما بين الفن والمجتمع؟ هل القيم الفنية التي ينتجها المبدعون، هي قيم ذاتية أم اجتماعية؟ وإلى أي درجة يكون تطور المجتمعات المادية دليلا على تطور الفنون؟ من ناحية أخرى هل أن تطور الفنون دليل على تطور المجتمعات ورقيها؟ إننا ننحاز إلى الشق الثاني من القضية. لأن الإبداع هو الشكل الأرقى من أشكال النشاط العقلي المركب، يتجه الشخص بمقتضاه إلى أنواع جديدة ومبتكرة من التفكيرأو الفن أو العمل والنشاط اعتمادًا على بنية ذهنية معرفية، هي خبرات وعناصر محددة؛ أي أن الإبداع يشير إلى تلك القدرة على إعادة تشكيل عناصر الخبرة في أشكال وصيغ جديدة (فنية أو أدبية أو علمية أو أي نشاط فكري آخر)، كذلك استجابة النصوص الفكرية المتنوعة، لأنها تسهم في تشكيل البنية الذهنية المعرفية لدى أفراد هذه المجتمعات. فتصبح لبنة أساسية في بناء الثقافة، الأساس الفكري في البناء المادي ـ الحضارة.
القراءة هي العامل الأول في بناء المخططات المعرفية لدى الذات الفردية، ولدى الجماعات إبداعا للقيم الفنية والأدبية بشكل عام واستجابةً لها، بما هي عامل فاعل قائم بذاته منتج للأفكار، وبانٍ للمخططات المعرفية، هي النشاط الفكري النامي المتغير، لا يزداد حسابيا ولاتراكميًا، إنما تفاعليا جدليا. القراءة عامل إيجابي، بها يستجيب القارئ لما يستقبله، ولا يخزِّنه كما هو، لكنّ القيم المستقبلة تتفاعل مع تلك المتكونة، لتنتج بنية فكرية جديدة، هي نتاج التفاعل ما بين القديم المنتج والجديد المستقبل. القراءة في الإبداع الفكري والأدبي هي حوار مع الوقائع الحياتية، بعد تحويلها إلى نصٍ مفاهيم فكرية، واستجابة لها بواسطة البنية المنطقية الانفعالية لدى الذات العارفة. فالأساس في بناء المخططات المعرفية هو كيفية التعامل مع النصوص الواقعية بعد تحويلها إلى لغة، فيكشف القارئ بذاته دلالة النص، بعد أن يكون قد تزود بمنهجيات معرفية، تساعده في فك شيفرات النصوص على أنواعها، واكتشاف دلالاتها، ومعرفة الخصائص البنيوية للأنواع الأدبية، التي تنتمي إليها، وكيفية تجليها في النصوص اللغوية وفي أنماطها التعبيرية. من جهة ثانية عندما تبني القراءة المخططات المعرفية في تعاملها مع النصوص العلمية والفنية، تغير في المستوى المعرفي لهذه المخططات، وفي رؤيتها إلى النصوص، فتقرأها بعيون جديدة. فالقراءة في نشاطها تبني ذاتها في الوقت عينه عندما تبني هي هذه المخططات المعرفية.
أنواع النصوص الأدبية: يتجلّى النص في الأدب وفي العلوم الإنسانية في أنواع أدبية وأنماط تعبير، تفرض نفسها في طبيعته ولغته، وهما من المفاهيم المنهجية الحديثة في علم النص، وفي التوجه الجديد في علوم التربية والتواصل والثقافة، ترتكز هذه العلوم على المنحى المعاصر في المعرفة والتربية، حيث انتقلت المعرفة في ميادين العلوم الإنسانية، من المعلم إلى المتعلم، كنتيجة للانتقال من التعليم إلى التعلم، بما لهذه الصيغ الصرفية من دلالات معرفية ومنهجية وسياسية أيضا، ففي الدلالة المعرفية استند هذا التوجه الجديد إلى تغير التوجه من الحقيقة المرجعية إلى الحقيقة النصية. فالحقائق في التعليم، كانت تنتجها سلطة ثقافية، يعرفها المعلم، وينقلها إلى المتعلمين، وعليهم استقبالها كما هي، صحيح أنها معارف قد تكون جيدة لهم، تفيدهم في الحياة العملية، لكنها حقيقة، تفرضها السلطات الثقافية، فتصير هي القيم الثقافية المهيمنة، وأعضاء هذه المجتمعات يصيرون مستجيبين سلبيين، ومخططاتهم المعرفية تبنى تراكميا، ثم يأتي زمن آخر وعلوم أخرى ومناهج علمية جديدة وتوجهات منهجية جديدة، لنكتشف ارتباط هذه الحقيقة المرجعية بقائلها، وببنيته الذهنية المعرفية، التي تعكس مصالحه ورؤيته إلى الحياة. في هذه الحالة يكون المتعلم متلقيا سلبيا، يستقبل معلومات جديدة، لكنَّ بنيته الفكرية لا تعمل كما يجب، ولا تتطور بما فيه الكفاية، ولا يكتسب مهارات فكرية جديدة، تسهم في تكوين البنية المعرفية الانفعالية لديه، وتبني لديه التفكير المنطقي عوض التفكير اللفظي الشكلي كما في التعليم، هناك لم يكن المتعلم يسعى إلى اكتشاف دلالات النص بنفسه، لكنه كان يأخذها جاهزةً، لأن معرفة دلالات النصوص كفايات، والقراءة النصية مهارات، تساعد المتعلم على تكوين مخططاته المعرفية، ليصبح قادرا بنفسه على اكتشاف مضامين النصوص بحسب عدته المعرفية، وحل المشكلات التي تعترضه بنفسه في تحصيله الأكاديمي وفي الحياة العامة على السواء، لكي يصبح إنسانًا فاعلا في مجتمعه. لأن هدف التربية الأساس هو تعويد المتعلم على حل المشكلات الحياتية بنفسه، وتقوية نقاط القوة في شخصيته، فتبدأ نقاط الضعف بالتلاشي، إذا التوجه الجديد في التربية يهدف إلى الانتقال من المعلم إلى المتعلم، ومن إعطاء المعلومات حقائق جاهزة، إلى تعويد المتعلم على القراءة المنهجية، تساعده في الكشف عن دلالات النصوص، ودور المعلم الأساس يكمن في تزويد المتعلم بهذه الأدوات المنهجية، وتركه يسعى بنفسه إلى اكتشاف حقائق النص الذي يدرسه، وكل نص يتعامل معه، هكذا تحقق التربية أهدافها في الأكاديميا وفي الحياة وفي العمل على بناء التكوين الشخصي للمتعلم، وتنمية نقاط القوة في شخصيته. عندها تصير القضايا التي تعترضه نصوصا، يعمل على فك شيفرتها ومعرفة دلالاتها. لأن هدف التربية الأساس تكوين البناء الفكري السليم لدى المتعلم، وتعويده على حل القضايا بنفسه. وهذا المنهج لا يطال التربية الأكاديمية وحدها، إنما أبعادها الاجتماعية والسياسية. وستصبح المعلومات ملكا مشاعا للبشرية جمعاء تقدمها الميديا الرقمية، وتبقى للذات الشخصية القدرة على التعامل معها والإفادة منها، واستخدامها في ما تريده هي من أهداف.
الحقيقة النصية: القضية الثانية الإشكالية هي ألا يقدم النص حقائقه بنفسه؟ أليست هناك من حقيقة موضوعية؟ علينا أن نعمل على اكتشافها وتعميمها. لقد بينت العلوم الحديثة في فلسفة المعرفة، أن طبيعة النصوص في العلوم الإنسانية تجد حقيقتها الأساسية في كونها لغة. واللغة نسق من الرموز كلمات وتعابير، تتشكل في ألفاظ ومعان؛ العلاقة ما بين ألفاظها ومعانيها عرفية اصطلاحية، الألفاظ حوافز، تشير إلى معان في ذهن المتكلم والسامع كلٍ على حدة، وهي نسبية لدى كليهما، تشير إلى مقاصد قائلها، وتختلف هذه المقاصد لدى سامعها، ولا تشير إلى الحقيقة الموضوعية، بل إلى الحقيقة التي يراها القائل، لأنها ترتبط ببنيته الذهنية المعرفية، أكثر من ارتباطها بالحقيقة الموضوعية، فالنصوص جسد لغوي، وعلينا التعامل معها انطلاقًا من طبيعتها وخصائصها ومميزاتها. وبحسب القاعدة اللغوية المعروفة، «ليس للفظة معنىً، إنما لها استعمالات»، والاستعمالات هي كل ما أسبغه القدامى من معانٍ على هذه اللفظة، وهي متعددة متباينة ومتعارضة في أحيان كثيرة. سابقة على التجربة الذاتية، وكل شيء في الحياة نص، يحتاج إلى قارئ وقراءة، فما هو النص؟، وما هي القراءة؟.
القراءة هي العامل الأول في بناء المخططات المعرفية لدى الذات الفردية، ولدى الجماعات إبداعا للقيم الفنية والأدبية بشكل عام واستجابةً لها، بما هي عامل فاعل قائم بذاته منتج للأفكار، وبانٍ للمخططات المعرفية، هي النشاط الفكري النامي المتغير، لا يزداد حسابيا ولاتراكميًا، إنما تفاعليا جدليا. القراءة عامل إيجابي، بها يستجيب القارئ لما يستقبله، ولا يخزِّنه كما هو، لكنّ القيم المستقبلة تتفاعل مع تلك المتكونة، لتنتج بنية فكرية جديدة، هي نتاج التفاعل ما بين القديم المنتج والجديد المستقبل. القراءة في الإبداع الفكري والأدبي هي حوار مع الوقائع الحياتية، بعد تحويلها إلى نصٍ مفاهيم فكرية، واستجابة لها بواسطة البنية المنطقية الانفعالية لدى الذات العارفة. فالأساس في بناء المخططات المعرفية هو كيفية التعامل مع النصوص الواقعية بعد تحويلها إلى لغة، فيكشف القارئ بذاته دلالة النص، بعد أن يكون قد تزود بمنهجيات معرفية، تساعده في فك شيفرات النصوص على أنواعها، واكتشاف دلالاتها، ومعرفة الخصائص البنيوية للأنواع الأدبية، التي تنتمي إليها، وكيفية تجليها في النصوص اللغوية وفي أنماطها التعبيرية. من جهة ثانية عندما تبني القراءة المخططات المعرفية في تعاملها مع النصوص العلمية والفنية، تغير في المستوى المعرفي لهذه المخططات، وفي رؤيتها إلى النصوص، فتقرأها بعيون جديدة. فالقراءة في نشاطها تبني ذاتها في الوقت عينه عندما تبني هي هذه المخططات المعرفية.
أنواع النصوص الأدبية: يتجلّى النص في الأدب وفي العلوم الإنسانية في أنواع أدبية وأنماط تعبير، تفرض نفسها في طبيعته ولغته، وهما من المفاهيم المنهجية الحديثة في علم النص، وفي التوجه الجديد في علوم التربية والتواصل والثقافة، ترتكز هذه العلوم على المنحى المعاصر في المعرفة والتربية، حيث انتقلت المعرفة في ميادين العلوم الإنسانية، من المعلم إلى المتعلم، كنتيجة للانتقال من التعليم إلى التعلم، بما لهذه الصيغ الصرفية من دلالات معرفية ومنهجية وسياسية أيضا، ففي الدلالة المعرفية استند هذا التوجه الجديد إلى تغير التوجه من الحقيقة المرجعية إلى الحقيقة النصية. فالحقائق في التعليم، كانت تنتجها سلطة ثقافية، يعرفها المعلم، وينقلها إلى المتعلمين، وعليهم استقبالها كما هي، صحيح أنها معارف قد تكون جيدة لهم، تفيدهم في الحياة العملية، لكنها حقيقة، تفرضها السلطات الثقافية، فتصير هي القيم الثقافية المهيمنة، وأعضاء هذه المجتمعات يصيرون مستجيبين سلبيين، ومخططاتهم المعرفية تبنى تراكميا، ثم يأتي زمن آخر وعلوم أخرى ومناهج علمية جديدة وتوجهات منهجية جديدة، لنكتشف ارتباط هذه الحقيقة المرجعية بقائلها، وببنيته الذهنية المعرفية، التي تعكس مصالحه ورؤيته إلى الحياة. في هذه الحالة يكون المتعلم متلقيا سلبيا، يستقبل معلومات جديدة، لكنَّ بنيته الفكرية لا تعمل كما يجب، ولا تتطور بما فيه الكفاية، ولا يكتسب مهارات فكرية جديدة، تسهم في تكوين البنية المعرفية الانفعالية لديه، وتبني لديه التفكير المنطقي عوض التفكير اللفظي الشكلي كما في التعليم، هناك لم يكن المتعلم يسعى إلى اكتشاف دلالات النص بنفسه، لكنه كان يأخذها جاهزةً، لأن معرفة دلالات النصوص كفايات، والقراءة النصية مهارات، تساعد المتعلم على تكوين مخططاته المعرفية، ليصبح قادرا بنفسه على اكتشاف مضامين النصوص بحسب عدته المعرفية، وحل المشكلات التي تعترضه بنفسه في تحصيله الأكاديمي وفي الحياة العامة على السواء، لكي يصبح إنسانًا فاعلا في مجتمعه. لأن هدف التربية الأساس هو تعويد المتعلم على حل المشكلات الحياتية بنفسه، وتقوية نقاط القوة في شخصيته، فتبدأ نقاط الضعف بالتلاشي، إذا التوجه الجديد في التربية يهدف إلى الانتقال من المعلم إلى المتعلم، ومن إعطاء المعلومات حقائق جاهزة، إلى تعويد المتعلم على القراءة المنهجية، تساعده في الكشف عن دلالات النصوص، ودور المعلم الأساس يكمن في تزويد المتعلم بهذه الأدوات المنهجية، وتركه يسعى بنفسه إلى اكتشاف حقائق النص الذي يدرسه، وكل نص يتعامل معه، هكذا تحقق التربية أهدافها في الأكاديميا وفي الحياة وفي العمل على بناء التكوين الشخصي للمتعلم، وتنمية نقاط القوة في شخصيته. عندها تصير القضايا التي تعترضه نصوصا، يعمل على فك شيفرتها ومعرفة دلالاتها. لأن هدف التربية الأساس تكوين البناء الفكري السليم لدى المتعلم، وتعويده على حل القضايا بنفسه. وهذا المنهج لا يطال التربية الأكاديمية وحدها، إنما أبعادها الاجتماعية والسياسية. وستصبح المعلومات ملكا مشاعا للبشرية جمعاء تقدمها الميديا الرقمية، وتبقى للذات الشخصية القدرة على التعامل معها والإفادة منها، واستخدامها في ما تريده هي من أهداف.
الحقيقة النصية: القضية الثانية الإشكالية هي ألا يقدم النص حقائقه بنفسه؟ أليست هناك من حقيقة موضوعية؟ علينا أن نعمل على اكتشافها وتعميمها. لقد بينت العلوم الحديثة في فلسفة المعرفة، أن طبيعة النصوص في العلوم الإنسانية تجد حقيقتها الأساسية في كونها لغة. واللغة نسق من الرموز كلمات وتعابير، تتشكل في ألفاظ ومعان؛ العلاقة ما بين ألفاظها ومعانيها عرفية اصطلاحية، الألفاظ حوافز، تشير إلى معان في ذهن المتكلم والسامع كلٍ على حدة، وهي نسبية لدى كليهما، تشير إلى مقاصد قائلها، وتختلف هذه المقاصد لدى سامعها، ولا تشير إلى الحقيقة الموضوعية، بل إلى الحقيقة التي يراها القائل، لأنها ترتبط ببنيته الذهنية المعرفية، أكثر من ارتباطها بالحقيقة الموضوعية، فالنصوص جسد لغوي، وعلينا التعامل معها انطلاقًا من طبيعتها وخصائصها ومميزاتها. وبحسب القاعدة اللغوية المعروفة، «ليس للفظة معنىً، إنما لها استعمالات»، والاستعمالات هي كل ما أسبغه القدامى من معانٍ على هذه اللفظة، وهي متعددة متباينة ومتعارضة في أحيان كثيرة. سابقة على التجربة الذاتية، وكل شيء في الحياة نص، يحتاج إلى قارئ وقراءة، فما هو النص؟، وما هي القراءة؟.
Page 6
هناك عاملان سيكونان منطلقا لدراستنا؛ هما التركيز على الذات الفردية في اكتساب الأدب، لأنها الأساس في التعلم، وفي عملية التربية المعاصرة، وفي الثقافة الشخصية، التي ستبني الحضارة المجتمعية، وسنرى إلى التركيزعلى التفكير المنطقي بدل التفكير اللفظي المسيطر في التربية التعليمية والمجتمعية لدينا، وعلى دور الصحة النفسية؛ بما فيها الذكاء الاجتماعي والذكاء العاطفي، لنصل إلى شخصيات ذوات تفكير سليم، لها إسهامها في بناء الثقافة الفردية وتاليا المجتمعية. وهكذا تستعيد الذات الفردية موقعها، الذي طمس طويلا بحجة الحقيقة الموضوعية، وفي بناء ثقافة المجتمعات، على حد قول الإنجيل: إن الحجر الذي رفضه البناؤون صار حجر الزاوية.
والناحية الثانية، سنسعى إلى رؤية دور اللغة في تشكيل المخططات المعرفية، حيث تستند هذه الأخيرة إلى المفاهيم، والمفهوم بنية عقلية في لبوس لغوي، وهو هنا تسمية، والتسمية تكون أول الأمر للسمة الأكثر بروزا في وعي الجماعة، التي تطلقها على أي ظاهرة معرفية، صحيح أن التسمية تثبت فيما بعد، ويُكتب لها الشيوع، فتصبح مفروضة في الاستعمال، لكنها تغير مضامينها انطلاقًا من مبدأ معرفي يقول: «إن الظاهرة التي تثبت عبر التاريخ، لابد تغير مضامينها ووظائفها بحسب حاجة المجتمعات إليها».
هناك فرضيات بنى عليها العلم تاريخه الطويل، كبّلته، ولم يستطع الفكاك منها؛ هي تلك الثنائيات التي تحدد التوجه الفكري، وعلى الباحث أن ينحاز إلى واحد منها، وتفرض عليه أن يكون؛ إمَّا هذا وإمَّا ذاك؛ منها: المادية والمثالية، العلم والفن، المادة والفكر، العقل والعاطفة، الوعي واللاوعي، العلم والإيمان، اللفظ والمعنى، التفكير اللفظي والتفكير المنطقي، وهكذا دواليك... فيحشر المفكر نفسه دائمًا في واحدة من هاتين المقولتين، إمَّا هذا وإمَّا ذاك، يأخذ مما في انحيازاته، ويرفض مما لدى الآخر، وكأنه قانون الثالث المرفوع، ولا يرى إلى الترابط والتفاعل في ما بين هذه الثنائيات.
كان هدفنا أيضا أن نرى إلى التعلم، وإلى دور الذات الفردية في اكتساب المعارف، ما يدفعنا إلى أن نرى إلى التداولية في الأدب، وهي بشكل عام الاكتساب الشخصي للقيم الفكرية الفنية والعلمية على حد سواء. وهو الجانب الذي لم يلتفت إليه علم الأدب سابقا، والذي تفترضه الأنتروبولوجيا في الميدان الفني. كانت الرؤية السابقة تدور في الطابق العلوي من المعرفة ما بين الأدباء والمفكرين، وجل اهتمامهم أن يصلوا إلى المثقفين وأقصى طموحهم أن يصلوا إلى المهتمين بالعلم والثقافة، وهذا ما أوصل إلى القطيعة ما بين المفكرين وعامة الشعب، وأوضح مثال على هذا هو التراث الفكري والثقافي لعصر التنوير العربي، إذ غالبا ما يشكو الأنتروبولوجيون من هذا الإنقطاع المعرفي ما بين عصر التنوير وعصرنا الراهن، وما بين الرؤية الخلَّاقة إلى دور الدين وقراءته الجديدة من المنورين، وما بين التيارات السلفية المعاصرة، ما بين العلمانية كمنهج في معرفة الواقع الاجتماعي، يخضع للزمان والمكان، وإلى تحويل العلمانية إلى معطى إيماني، علينا التسليم بحقائقها، كما وردت في مجتمعات أخرى. إننا نعيد سبب هذا الانقطاع إلى غياب القراءة، بما هي ممارسة منهجية من المعاصرين، هي أساس معرفة الواقع المعاصر، ترى إلى كل الميادين المعرفية العلمانية كما الدينية. في الميدان الديني برزت الأصولية، كقراءة للتراث ترى إلى الجانب الأصولي فيه، ذلك الجانب الذي يخدم مصالحها، وفي العلمانية جرى نقل ما يتناسب مع المجتمعات التي أبدعتها وطوّرتها في زمانها كإطار لتطبيقها الخلاق، ونقلها إلى مجتمعات أخرى بانقطاعها عن تطورها التاريخي. والسبب الرئيس في رأينا هو عدم تداولية أفكار المنورين العلمانيين والمفكرين الدينيين، وإن أقصى ما يفعله المثقفون المعاصرون، ترداد أقوال معزولة، وتعابير منزوعة من سياقها من تراث المنورين، لأننا لم نُقم قراءتنا لتراثهم، أي لم ننتج معرفة بكيفية الإفادة من هذا التراث، ما هو حي منه، وما يخص زمانه، الذي ذهب معه. وما هو حقيقة تخص الذات البشرية في كل زمان ومكان. التيارات الأصولية أقامت قراءتها الخاصة لتراث الأقدمين بأن أعطته قيمة مطلقة، واختارت من هذا التراث أسوأ تجلياته، ولم يعترفوا بالمنورين الدينيين، لقد قدموا قراءتهم المجتزأة والمشوهة، وقاموا بنقل بعض أحكام الأقدمين وأقوالهم حرفيا، وعملوا على تطبيقها على معطيات زماننا الراهن، ولدى الجميع بقيت التداولية غائبة، والقراءة المنهجية أيضًا، وجل ما قامت به التيارات الأصولية والقومية كان نقل بعض أفكار الأقدمين وتطبيقها على واقعنا الراهن بلا قراءة ودون تداولية منهجية. لأن الطابع المهيمن في تفكيرنا لا يزال تسليميًا، والتسليم هوالأساس الديني الذي يسحب نفسه حتى على فكر الحداثاويين أيضا، أي أننا نرتاح إلى ما قاله غيرنا، وننقله إلى واقعنا. ولم نفكر هذا الواقع، وعسى أن تقدم القراءة معطيات جديدة لتغيير الواقع الفكري والحياتي لدينا.
والناحية الثانية، سنسعى إلى رؤية دور اللغة في تشكيل المخططات المعرفية، حيث تستند هذه الأخيرة إلى المفاهيم، والمفهوم بنية عقلية في لبوس لغوي، وهو هنا تسمية، والتسمية تكون أول الأمر للسمة الأكثر بروزا في وعي الجماعة، التي تطلقها على أي ظاهرة معرفية، صحيح أن التسمية تثبت فيما بعد، ويُكتب لها الشيوع، فتصبح مفروضة في الاستعمال، لكنها تغير مضامينها انطلاقًا من مبدأ معرفي يقول: «إن الظاهرة التي تثبت عبر التاريخ، لابد تغير مضامينها ووظائفها بحسب حاجة المجتمعات إليها».
هناك فرضيات بنى عليها العلم تاريخه الطويل، كبّلته، ولم يستطع الفكاك منها؛ هي تلك الثنائيات التي تحدد التوجه الفكري، وعلى الباحث أن ينحاز إلى واحد منها، وتفرض عليه أن يكون؛ إمَّا هذا وإمَّا ذاك؛ منها: المادية والمثالية، العلم والفن، المادة والفكر، العقل والعاطفة، الوعي واللاوعي، العلم والإيمان، اللفظ والمعنى، التفكير اللفظي والتفكير المنطقي، وهكذا دواليك... فيحشر المفكر نفسه دائمًا في واحدة من هاتين المقولتين، إمَّا هذا وإمَّا ذاك، يأخذ مما في انحيازاته، ويرفض مما لدى الآخر، وكأنه قانون الثالث المرفوع، ولا يرى إلى الترابط والتفاعل في ما بين هذه الثنائيات.
كان هدفنا أيضا أن نرى إلى التعلم، وإلى دور الذات الفردية في اكتساب المعارف، ما يدفعنا إلى أن نرى إلى التداولية في الأدب، وهي بشكل عام الاكتساب الشخصي للقيم الفكرية الفنية والعلمية على حد سواء. وهو الجانب الذي لم يلتفت إليه علم الأدب سابقا، والذي تفترضه الأنتروبولوجيا في الميدان الفني. كانت الرؤية السابقة تدور في الطابق العلوي من المعرفة ما بين الأدباء والمفكرين، وجل اهتمامهم أن يصلوا إلى المثقفين وأقصى طموحهم أن يصلوا إلى المهتمين بالعلم والثقافة، وهذا ما أوصل إلى القطيعة ما بين المفكرين وعامة الشعب، وأوضح مثال على هذا هو التراث الفكري والثقافي لعصر التنوير العربي، إذ غالبا ما يشكو الأنتروبولوجيون من هذا الإنقطاع المعرفي ما بين عصر التنوير وعصرنا الراهن، وما بين الرؤية الخلَّاقة إلى دور الدين وقراءته الجديدة من المنورين، وما بين التيارات السلفية المعاصرة، ما بين العلمانية كمنهج في معرفة الواقع الاجتماعي، يخضع للزمان والمكان، وإلى تحويل العلمانية إلى معطى إيماني، علينا التسليم بحقائقها، كما وردت في مجتمعات أخرى. إننا نعيد سبب هذا الانقطاع إلى غياب القراءة، بما هي ممارسة منهجية من المعاصرين، هي أساس معرفة الواقع المعاصر، ترى إلى كل الميادين المعرفية العلمانية كما الدينية. في الميدان الديني برزت الأصولية، كقراءة للتراث ترى إلى الجانب الأصولي فيه، ذلك الجانب الذي يخدم مصالحها، وفي العلمانية جرى نقل ما يتناسب مع المجتمعات التي أبدعتها وطوّرتها في زمانها كإطار لتطبيقها الخلاق، ونقلها إلى مجتمعات أخرى بانقطاعها عن تطورها التاريخي. والسبب الرئيس في رأينا هو عدم تداولية أفكار المنورين العلمانيين والمفكرين الدينيين، وإن أقصى ما يفعله المثقفون المعاصرون، ترداد أقوال معزولة، وتعابير منزوعة من سياقها من تراث المنورين، لأننا لم نُقم قراءتنا لتراثهم، أي لم ننتج معرفة بكيفية الإفادة من هذا التراث، ما هو حي منه، وما يخص زمانه، الذي ذهب معه. وما هو حقيقة تخص الذات البشرية في كل زمان ومكان. التيارات الأصولية أقامت قراءتها الخاصة لتراث الأقدمين بأن أعطته قيمة مطلقة، واختارت من هذا التراث أسوأ تجلياته، ولم يعترفوا بالمنورين الدينيين، لقد قدموا قراءتهم المجتزأة والمشوهة، وقاموا بنقل بعض أحكام الأقدمين وأقوالهم حرفيا، وعملوا على تطبيقها على معطيات زماننا الراهن، ولدى الجميع بقيت التداولية غائبة، والقراءة المنهجية أيضًا، وجل ما قامت به التيارات الأصولية والقومية كان نقل بعض أفكار الأقدمين وتطبيقها على واقعنا الراهن بلا قراءة ودون تداولية منهجية. لأن الطابع المهيمن في تفكيرنا لا يزال تسليميًا، والتسليم هوالأساس الديني الذي يسحب نفسه حتى على فكر الحداثاويين أيضا، أي أننا نرتاح إلى ما قاله غيرنا، وننقله إلى واقعنا. ولم نفكر هذا الواقع، وعسى أن تقدم القراءة معطيات جديدة لتغيير الواقع الفكري والحياتي لدينا.
Page 7
الفصل الأول
الــنــص
الواقع هو النص الأول والفكر هو الذي يقاربه.النص
النص مادة القراءة المنهجية الأولى، أي عندما يرى الفكر في كل مادة معرفية نصا، ويقوم بقراءتها، ويخرج بدلالة منها. النص لغةً في العربية من الفعل نصّ، أي إرتفع، والمنصة اسم مكان للمرتفِع من الحيز المشترك. جاء في لسان العرب(5): «نصّ الحديث، ينصه نصا؛ رفعه، وكل ما ارتفع وظهر هو نصٌ، ونصَّ الحديث أسنده، ونصّ المتاع نصًّا جعل بعضه على بعض»، وكل مادة نريد معرفتها تصير نصَّا. النص في اللغة اللاتينية، وفي اللغات التي أخذته عنها Texte، وأصلها textile، وهو النسيج القماشي بكل ما فيه من خيوط متشابكة وعمليات متداخلة وعناصر تآلفت، لتشكل كلا منسجما.
النص متن لغوي، هذه حقيقته الموضوعية؛ وحداته الأولى المكونة لنسيجه مفاهيم في ألفاظ وتعابير وتراكيب وبناء كلي، صور بيانية، ومعان متعددة تعينية وتضمينية، لا تأخذ دلالتها العامة إلّا في كليتها، وليس في أجزائها المتفرقة. النص كمفهوم من مصطلحات التعلم، التوجه الجديد في التربية، التي تركِّز على أنّ المتعلم هو الذي يبحث عن دلالات النص، هو القارئ الذي يكشف عن مضامين هذا النص بواسطة منهجه المعرفي. ويقيم مفهومه الخاص به، وليس ذلك المعلم في التعليم، الذي يعرف مضمون النص، وينقله إلى المتعلمين، وعليهم معرفته. فوظيفة المعلم في التربية الحديثة صارت تقديم المنهجيات المعرفية لقراءة النص.
الـخـطـاب: Discour
مفهوم آخر، يختلف قليلا عن مفهوم النص. يشترك معه في أن كليهما متن لغوي. الخطاب لغة صيغة الاسم من الفعل خَطَب، والخَطب الشأن والأمر، وقيل هو سبب الأمر، والأمر الذي تقع فيه المخاطبة، والخطاب والمخاطبة : مراجعة الكلام(6)، وفي المعنى المعاصر هو الكلام في الشأن والأمر والحال(*). يعرّف بنفنيست الخطاب؛ «بأنه قول يفترض متكلما ومرسلا اليه. يتضمن رغبة المرسل التأثير في المرسل إليه، المعروف منه، ويعبر عن نفسه بضمير المتكلم».
الخطاب، كما النص، يشير في المفهوم اللساني المعاصر إلى الكلام، الذي يتجاوز الجملة، تدرسهما البنيوية السيميولوجية انطلاقًا من تسلسل الجمل، وترابطها النحوي، ووحدة دلالتها الكلية. وأدوات الربط فيها تجمع عناصرها لتشي بدلالتها العامة، لكن النص، بكونه لا يرتبط بمرسل إليه محدد، أكثر انتشارا من الخطاب، وإن كان علماء النص يعتبرون أنّ له مرسلا إليه افتراضيا، لكنه غائم عام غير محدد، المتكلم في النص غير مرتبط به، ولا يتحدد نصه ولغته به. وهذا الأساس في التفريق ما بين النص والخطاب وأخذه عاملًا أساسًا في التفريق بينهما.
النص والخطاب كلاهما مجموع الكلام (الكلام بما هو منتج فردي) الخاضع للقراءة والتحليل، وهو بهذا المعنى متن لغوي، شفويا كان أم كتابيا، أما التحديد المعرفي للنص، فهو الذي قالت به جوليا كريستوفا: «النص أداة تتوسل اللغة، وتعيد ترتيبها لإقامة علاقة ما بين الكلام الإبلاغي والكلام السابق والمعاصر المختلِف، الذي قيل سابقًا من آخرين، لكنّ القائل يعيد ترتيبه»، وما لم تقله كريستوفا، ونستشفه من رؤيتها الفكرية، هو أنّ القائل يعيد ترتيب اللغة بحسب النظام الذي يريده، ويحمِّله مقاصده الفكرية ومخططاته المعرفية، والتي كانت قد تشكلت سابقا في بنيته المعرفية. النص، كما قال به رولان بارت، معطى منهجي، يخضع لقراءة المرسل إليه، ويقف بموازاة العمل الأدبي، هذا الأخير يمتلك وجودا فيزيائيا، لكنَّ وجود النص معرفي أولا واخيرا. والقرّاء أفرادا عاديين في حياتهم اليومية، أو كتّابًا مجلّين في نشاطهم الذهني، يبدعون أفكارًا جديدة، تأتي الكلمات والتعابيرالجديدة لتعكس أفكارهم. لذا النشاط الفكري ليس إبداعا للأفكار الجديدة فحسب، وإنما تكوين للغة الجديدة أيضا، هكذا تصير اللغة بكثرة مفرداتها ودلالاتها على المعاني الجديدة معيارا على النشاط الفكري لدى أي شعب من الشعوب.
Page 8
يخضع النص للتحليل البنيوي، بقدر ما البنيوية هي الخاصىة التي تميز اللغة في عملها، وتشتمل على جوانب، تجتمع لكي تقدم دلالتها النهائية، وتشتمل على الجانب الصوتي والدلالي والبياني والتركيبي، وبحسب آليات التأويل. النص في المعطى التداولي مرسلة لغوية، تحمل مقاصد القائل، وتتجه إلى مرسلٍ إليه افتراضي. ودارس النص لا يعرف المرسل إليه، لكي يأخذ بنيته الفكرية بعين الاعتبارعند التأويل، ولا السياق الحياتي الذي تم فيه الكلام. فالنص، بعد أن ينتهي منه قائله، يصبح متفلتا منه، يسبح في فضاء حر، وبخضوعه للتأويل بكونه القراءة الموضوعية ، يكون أكثر من غيره من المتون اللغوية سببًا للنصوص المُؤولة، حيث أنّ كل قارئ ينتج نصه الخاص به.
النص في الاستعمال أعم من الخطاب، لذا سنستخدم لاحقا مصطلح النص للخطاب والنص معا، إلّا عندما تقتضي ضرورة التفريق بينهما للتركيز على خصائص الخطاب. يستخدم بعض الباحثين مفهوم الخطاب، فيعتبرون أنَّ كل نص هو خطاب موجه إلى مرسل إليه إفتراضي، ويركزون على خصائص التعبير في الكلام، بما هو خصيصة الخطاب، لذا نركزعلى مفهوم النص، لأنَّ المعرفة لدى الإنسان تحاكي الغريزة في عملها، الذي يحول كل مادة حياتية معقولة إلى نصٍ، حتى دون قصد التعبير، والتوجه إلى مرسل إليه. لكي يتحول إلى خطاب. ونقصد بالنص الفعل المعرفي ما قبل التعبير، لكي يصير خطابًا فالخطاب هو النص في التعبير.
النص والخطاب كلاهما الكلام المعلن، وليس الأفكار المنوية والمقاصد المضمرة، معبِّـرًا عنه بواسطة اللغة، بها يتجسد الفكر ماديًا، تتحدد سماتهما بخصائص اللغة، ومنها وظيفة المرسلة اللغوية؛ الجمالية أو المرجعية وخلافها، بكل ما يحمله هذا المتن من مضامين ودلالات وتعقيدات وانزياحات في التعبير ومعان تعيينية وتضمينية. النص والخطاب هما الأفكار والآراء، أي التعبير عن الحالات الفكرية ـ الشعورية، التي نريد إعلانها، فتتجسد في وجود مادي، بمقدورنا قراءتهما ودراستهما انطلاقًا من وجودهما المادي أي اللغة. الفكر، ما لم يتجسد في لغة، ميتافيزيقي غائم، لا نستطيع التقاطه وتحليله لمعرفته، لذا لا نستطيع قراءته واكتشاف مضامينه. ومعرفته تكون تخمينية غير علمية(7).
تطلق الألسنية كلمة نص على مجموع الأقوال الخاضعة للتحليل. فكلمة «قف» نص، والرواية بكاملها نص، النص كما يعرفه الألسنيون جملة واحدة، بدايتها في أوله، تنتهي في نهايته، مع ما يتخللها من علامات الوقف، تشير إلى تفاصيل، تصب كلها في دلالته العامة.
يقارن رولان بارت النص بالعلامة اللغوية، ويرى أنّ كليهما مكون من دال ومدلول. الدال في النص هو الأصوات السماعية أو المنقولة إلى خطوط كتابية، اجتمعت في تعابير وجمل ومقاطع وفقر وبنيان متكامل. وتحددت بالسياق، وبذلك الموقف، وبتلك الصورة الذهنية ـ الوجدانية، التي يرسمها المرسل عن المرسل إليه، وتتكيف بهذا المرسل إليه، كل هذه العناصر مجتمعة تشي بالدلالة العامة. أما المدلول فهو المعنى الكلي، أي الدلالة العامة التي تؤديها هذه الدوال مجتمعة. للفظة المفردة خارج التركيب، معنى معجمي ساكن، دلالتها خامدة، لا تقدم شيئًا، ولأن اللغة لا تعبرعن نفسها إلّا في التركيب، الذي نقول عنه النحو، يصبح النص هو النحو الأكبر، أي تركيب النصوص في بنائها اللغوي وشكلها المعماري؛ ما يتقدم منها، وما يتراجع لضرورات إبلاغية ـ دلالية، لكي تعبّر عن مقاصد قائلها. الحقيقة الموضوعية المزعومة في النصوص اللغوية، هي تلك التي تفرضها السلطات الثقافية؛ الطبقات المسيطرة، على أنها الحقيقة المطلقة، هي نوع من الفكر السلفي الحداثوي (كذا). وقراءة النص هي فعل تفكيك له، يرى إلى هذه الهيمنة في فرض هذه الفئات حقائقها الخاصة على أنها الحقائق الموضوعية، وإلى دور تلك الدلالات التي يفرضونها على الكلمات والتعابير، كما يرى إلى الحقائق المفروضة على الأشياء، على أنها هي الحقائق الموضوعية، وهو نوع من السيطرة الفكرية. إننا لا نرى أي موضوعية في الحقائق، إذ إن كل الحقائق نسبية وذاتية. ولا حقيقة مطلقة إلَّا الجهل المطلق.
دراسة النص لا تكون في أجزائه وأقسامه ولكن في كلّيته. وهذه لا تأخذ دلالتها إلّا من دلالة النص العامة. بكلمة واحدة؛ النص هو المجال المادي الذي فيه تتحقق مقاصد القائل، وهو القابل للدراسة والتفكيك والاكتساب المعرفي، هو المعطى المنهجي القابل للقراءة والتأويل ، فما هي القراءة؟ وما هو التأويل؟
النص في الاستعمال أعم من الخطاب، لذا سنستخدم لاحقا مصطلح النص للخطاب والنص معا، إلّا عندما تقتضي ضرورة التفريق بينهما للتركيز على خصائص الخطاب. يستخدم بعض الباحثين مفهوم الخطاب، فيعتبرون أنَّ كل نص هو خطاب موجه إلى مرسل إليه إفتراضي، ويركزون على خصائص التعبير في الكلام، بما هو خصيصة الخطاب، لذا نركزعلى مفهوم النص، لأنَّ المعرفة لدى الإنسان تحاكي الغريزة في عملها، الذي يحول كل مادة حياتية معقولة إلى نصٍ، حتى دون قصد التعبير، والتوجه إلى مرسل إليه. لكي يتحول إلى خطاب. ونقصد بالنص الفعل المعرفي ما قبل التعبير، لكي يصير خطابًا فالخطاب هو النص في التعبير.
النص والخطاب كلاهما الكلام المعلن، وليس الأفكار المنوية والمقاصد المضمرة، معبِّـرًا عنه بواسطة اللغة، بها يتجسد الفكر ماديًا، تتحدد سماتهما بخصائص اللغة، ومنها وظيفة المرسلة اللغوية؛ الجمالية أو المرجعية وخلافها، بكل ما يحمله هذا المتن من مضامين ودلالات وتعقيدات وانزياحات في التعبير ومعان تعيينية وتضمينية. النص والخطاب هما الأفكار والآراء، أي التعبير عن الحالات الفكرية ـ الشعورية، التي نريد إعلانها، فتتجسد في وجود مادي، بمقدورنا قراءتهما ودراستهما انطلاقًا من وجودهما المادي أي اللغة. الفكر، ما لم يتجسد في لغة، ميتافيزيقي غائم، لا نستطيع التقاطه وتحليله لمعرفته، لذا لا نستطيع قراءته واكتشاف مضامينه. ومعرفته تكون تخمينية غير علمية(7).
تطلق الألسنية كلمة نص على مجموع الأقوال الخاضعة للتحليل. فكلمة «قف» نص، والرواية بكاملها نص، النص كما يعرفه الألسنيون جملة واحدة، بدايتها في أوله، تنتهي في نهايته، مع ما يتخللها من علامات الوقف، تشير إلى تفاصيل، تصب كلها في دلالته العامة.
يقارن رولان بارت النص بالعلامة اللغوية، ويرى أنّ كليهما مكون من دال ومدلول. الدال في النص هو الأصوات السماعية أو المنقولة إلى خطوط كتابية، اجتمعت في تعابير وجمل ومقاطع وفقر وبنيان متكامل. وتحددت بالسياق، وبذلك الموقف، وبتلك الصورة الذهنية ـ الوجدانية، التي يرسمها المرسل عن المرسل إليه، وتتكيف بهذا المرسل إليه، كل هذه العناصر مجتمعة تشي بالدلالة العامة. أما المدلول فهو المعنى الكلي، أي الدلالة العامة التي تؤديها هذه الدوال مجتمعة. للفظة المفردة خارج التركيب، معنى معجمي ساكن، دلالتها خامدة، لا تقدم شيئًا، ولأن اللغة لا تعبرعن نفسها إلّا في التركيب، الذي نقول عنه النحو، يصبح النص هو النحو الأكبر، أي تركيب النصوص في بنائها اللغوي وشكلها المعماري؛ ما يتقدم منها، وما يتراجع لضرورات إبلاغية ـ دلالية، لكي تعبّر عن مقاصد قائلها. الحقيقة الموضوعية المزعومة في النصوص اللغوية، هي تلك التي تفرضها السلطات الثقافية؛ الطبقات المسيطرة، على أنها الحقيقة المطلقة، هي نوع من الفكر السلفي الحداثوي (كذا). وقراءة النص هي فعل تفكيك له، يرى إلى هذه الهيمنة في فرض هذه الفئات حقائقها الخاصة على أنها الحقائق الموضوعية، وإلى دور تلك الدلالات التي يفرضونها على الكلمات والتعابير، كما يرى إلى الحقائق المفروضة على الأشياء، على أنها هي الحقائق الموضوعية، وهو نوع من السيطرة الفكرية. إننا لا نرى أي موضوعية في الحقائق، إذ إن كل الحقائق نسبية وذاتية. ولا حقيقة مطلقة إلَّا الجهل المطلق.
دراسة النص لا تكون في أجزائه وأقسامه ولكن في كلّيته. وهذه لا تأخذ دلالتها إلّا من دلالة النص العامة. بكلمة واحدة؛ النص هو المجال المادي الذي فيه تتحقق مقاصد القائل، وهو القابل للدراسة والتفكيك والاكتساب المعرفي، هو المعطى المنهجي القابل للقراءة والتأويل ، فما هي القراءة؟ وما هو التأويل؟
Page 9
القراءة
هي الفعل المعرفي، بالفرنسية Lecture، حوار ما بين الذات العارفة والنص اللغوي؛ مفهوم منهجي، في تطور الشخصية البشرية معرفيا، هي فعل معرفة النصوص اللغوية وتأويلها وإقامة الدلالة منها. القراءة مفهوم حديث، يلازم النص، وأساس الاستجابة المعرفية له، والكشف عن دلالته. ظهر مع البنيوية السيميولوجية، وبخاصة بعد منهج التفكيك في المعرفة، الذي قال به جاك ديريدا. التي يرى به، أنّ التفكيكية هي تفكيك كل علاقة تربط اللغة بالواقع الخارجي. القراءة مهارة، ينبغي اكتسابها، ليكون تعاملنا مع الواقع علميا، والذكاء، في أحد أوجهه، سرعة في قراءة المعطيات الواقعية لأي نص حياتي أو لغوي بهدف التعامل معه. تعتبر القراءة مفهوما مركزيا من المفاهيم العلمية الحديثة في ميادين الثقافة والنقد الأدبي والتربية وعلوم التواصل والتداولية الأدبية؛ تتقاطع حولها ميادين معرفية متعددة، من مثل اللغة في جانبها التفكيري، وعلم النفس المعرفي، وعلوم التواصل والتربية.القراءة بالمعنى الفكري عملية دينامية تتطلب جهدًا لفك رموز النص اللغوي، فكل كاتب يسجل فكره في رموز كتابية تجريدية؛ كلماتها ألفاظ، علاقاتها بمعانيها عرفية اصطلاحية، لذا فهي تتطلب من القارئ جهدا ومشاركة في تفكيك هذه الرموز، وتأويل مقاصد الكاتب من ورائها. يقول المفكر الألسني الإيطالي أمبرتو إيكو؛ القراءة عملية تتطلب جهدا خاصا، لأنها مهارة، وإعمال الفكر في تأويل المعطيات اللغوية لملء الفراغات، التي تخلقها اللغة ما بين ألفاظها ومعانيها، واستذكار المعطيات الحياتية التي يستند إليها النص. فالنص آلة كسولة، تتطلب من القارئ جهدا كبيرا وفهما خاصا وتأويلًا ممنهجا، وهذه تتطلب اشتراك ثلاثة عناصر لإنتاج دلالته، هي النص الذي يمتلك وجودا واقعيا، يتحول عند القراءة إلى معطى منهجي، والقارئ الذي يقارب النص بمخططات معرفية خاصة به من خلالها يرى إلى دلالات النص، ومقاصد الكاتب كما يظنها القارئ، لأنَّ القراءة خطوة أولى أساس في معرفة النص من جهة أولى، وفي بناء المخططات المعرفية من جهة ثانية. هذا التحديد المعرفي للقراءة ، يتطلب التسليم بأمرين رئيسين؛ أولا تعدد القراءات للنص الواحد؛ أي أن يُفهم النص ويؤول بطرائق مختلفة باختلاف المخططات المعرفية لدى كل قارئ في الزمن الراهن، ولدى القرّاء باختلاف الأزمنة، والأمر الثاني الناتج عن تعدد القراءات، أنَّ كلَّ قراءة هي إعادة إنتاج للنص من القارئ، وهذه هي وظيفة النص في بناء المخططات المعرفية، لذا نجد أنَّ القارئ والكاتب شريكان في إنتاج دلالات النص، والقارئ مسؤول عن تأويلات معطياته اللغوية.
القراءة، بالمعنى الفكري، خطوة أولى أساس في معرفة الواقع من جهة، وفي بناء المخططات المعرفية لدى القارئ من جهة ثانية، ومن أول المفاهيم المنهجية، التي تصبو إليها التربية الحديثة، عندما انتقلت من التعليم إلى التعلم. لأنّ التعلم ليس اكتسابًا يرتبط بالميدان الأكاديمي فحسب، لكنه مسار حياتي. التربية الأكاديمية هي التي تنظم القراءة، والتعلم المنهجي، وتسارعهما في الزمان. يرتبط التعلم بتكوين الذات الشخصية، وتحديد خياراتها بحسب مصالحها، وجعل الوعي منسجما مع المصلحة الحقيقة لهذه الذات، على مختلف الصعد، وتحديدًا بعد الانتشار الكبير لوسائل الإعلام، وسيطرتها على الرأي العام. إذا القراءة عندما تقوم بوظيفتها المنهجية تكوِّن رؤية صاحبها إلى الواقع، وتحرر الذات الشخصية من كل سلطة ثقافية، وتجعلها مالكة لخياراتها الفكرية والحياتية. هي المفهوم الحديث في النقد الأدبي في جانبه التداولي، وفي التعامل مع النص، بعد أن (أمات) رولان بارت المؤلف، وأوكل مهمة انتاج النص الأدبي إلى القارئ.
القراءة لغة في العربية هي الجمع، وليس التلفظ بالمخطوط، جمع الأصوات في الكلمة المفردة، والكلمات في الجملة لإنتاج الدلالة، ستعني لاحقا التعامل مع أي مادة معرفيا بعد تحويلها إلى نص، وربط الكلام بقائله وبالسياق الذي يجري فيه. القراءة هي في الوقت عينه المشاهدة والسماع والتفكر والتأمل في كل نص واقعي بعد تحويله إلى لغة. القراءة هي فعل المعرفة، والقارئ هو الذات العارفة. الذي يعْمِل فكره في كل مادة معرفية بهدف الكشف عن دلالتها. اللاعبون المحترفون في أي لعبة يمارسونها، وفي كل خطوة يقوم بها الخصم، يعيدون قراءة وقائع اللعبة، ويحددون الاحتمالات، ويتخذون خيارهم انطلاقًا من هذه الاحتمالات. هذا النشاط الفكري هو ما يعطيهم اللذة في اللعب وممارسته لفترة طويلة برغم الخسارة والتعب والإرهاق.
من ناحية ثانية لا نوافق على تعبيري التلقي أو الاستقبال اللذين يشيران إلى فعل قراءة النص، لأن التلقي يشيرالى سلبية القارئ، في حين أن دوره إيجابي في عملية القراءة، والاستقبال يدل على قبول النص كما هو، مع العلم أنَّ القراءة هي إنتاج آخر للنص من القارئ، وليس قبولا لمادته المعرفية، كما قال بها المؤلف، بالمقابل فإنّ الإجابة هي الرد على الكلام، تشترك معه في المادة المعرفية، وفي السياق الذي تجري فيه القراءة، لكنها من القارئ، غير ما هي من المؤلف. الاستجابة في واقع الأمر قراءة ثانية لموضوع المعرفة، عندما ينتج القارئ من النص الأول نصه الخاص به.
تعتبر السيميولوجيا كل مادة معرفية، مهما كان نوعها سمعيا أو بصريا أو تأملا خياليا، أو أي حقل إشاري آخر، لغةً، نصا، تشبه العلامة اللغوية، المتكونة من دال ومدلول، والقارئ هو الذي يقوم بعملية القراءة، أي تفكيك شيفرتها، وتأويلها لقراءة دلالتها، يأخذ القارئ من النص ما يبحث عنه، والجديد الذي يجده، أي ما هو موجود في بنيته المعرفية وفي النص على حد سواء، وليس النص كما هو في كل خصائصه المعرفية. لذا تصبح القراءة حركة جدلية ما بين معطيات النص وبنية القارئ الذهنية.
لقد أعطى أمبرتو إيكو القارئ دورا موازيا لدور الكاتب، عندما قال: «النص أذكى من صاحبه»، إذ إنّ القارئ هو الذي يكشف عن دلالات في النص، لم يكن الكاتب قد انتبه إليها.
القراءة هي المفهوم الحديث في المعرفة، أدى إلى تحولٍ جوهري في النقد الأدبي من القراءة الانطباعية إلى القراءة العلمية. وهي سعي في البحث عن مكونات النص لتفكيكها، وتشريح مستوياتها المتعددة، وتأويلها من خلال ربط عناصرها المكونة بعضها ببعض، والخروج بدلالة النص العامة، لأن النص جملة واحدة، تتخللها علامات الوقف.
فعل القراءة على الصعيد المعرفي، لا يعني فقط التفكير في شيء لم نجربه، كما لا يعني تشكيل مفاهيم جديدة من هذه المعطيات اللغوية، وإدراك أبعادها فحسب، القراءة نمو جديد في قدراتنا العقلية إلى الحد، الذي يؤدي إلى تشكيل لبنة جديدة في مخططاتنا المعرفية، تختلف عما وجد سابقا، لينتج عن هذا التفاعل مستوى أعمق في هذه المخططات، تدفعنا إلى أن نستقبل النص الجديد ببنية معرفية جديدة، هكذا على سبيل المثال تأتي القراءة الثانية لنص بعينه، لتكون قراءة أعمق للنص الواحد، وأن نرى دائمًا دلالات جديدة في النص عينه، تخرج من القراءات المتكررة، التي كوَّنت مستوى أرفع في مخططاتنا المعرفية. القراءة تقوم دائما بتنبيه قدراتنا الخامدة غير الفاعلة، فتبدأ هذه القدرات خلال عملية حل شيفرة أفكار النص في النمو، وفي تشكيل ذاتها في بنية جديدة؛ إنها أيضًا النمو المنهجي في قدراتنا المعرفية. وهي من ناحية أخرى ليست نموًا كميا تراكميا، لكنها تفاعل ما نستجيب له مع ما كان قد تكوَّن سابقا في بنيتنا المعرفية، لتعود فتشكل العمل الذي نقوم بحل شيفرته. إذا القراءة ليست عملية اكتسابية تراكمية كمية، لكنها تفاعلية تنمو جدليا، بوساطتها نكتسب معلومات جديدة، هي عملية بنائية، تسهم على الصعيد البيولوجي في تشغيل العصبونات المعرفية في أدمغتنا، لتنمو وتتفرع عنها عصبونات جديدة، هي أساس نمو بنيتنا العقلية، وعملياتنا التفكيرية، وانتقالها إلى مرحلة جديدة من إقامة المفاهيم المعرفية، فيزداد اكتسابنا المعرفي، وينمو، وينتقل إلى طور جديد، بواسطتها تتغير قناعاتنا السابقة نتيجة للتفاعل الجدلي بين ما كان في بنيتنا المعرفية وما اكتسبناه لاحقًا من فعل القراءة، وبهذا نفسر مضاعفة اكتسابنا المعرفي وديناميته والسرعة في الاستجابة المعرفية، وتحول هذا الاكتساب إلى بنى مختلفة كلما ازددنا قراءة. القراءة هي السمة المميزة للمعرفة البشرية دون سواها من أصحاب النشاطات المعرفية، وأصحاب اللغات التواصلية، لأنها ترتبط لديهم بالخصائص المميزة للغتهم في وظيفتها التفكيرية، وتمايزها عن وسيلة التواصل الحيواني التي نقول عنها مجازا لغة، وهي التي أعطتهم ميزة تحويل الوقائع الحياتية إلى أفكار، بما هي تكوين للمفاهيم والتخيل والتذكر والإبداع وحل المشكلات وإطلاق الأحكام، اللغة هي أساس بناء الحضارة البشرية. بواسطتها استطاع البشر فهم قوانين الطبيعة والعمل على تغييرها.
Page 10
مدارج القراءة
القراءة، وإن بدت كفعل واحد مكتمل في الزمن، إلّا أن هناك عدة عمليات نفسية وذهنية، تجري قبل الوصول إلى القراءة النهائية، وإقامة الدلالة. يبدأ فعل القراءة بالإدراك، وهو اكتساب معلومات جديدة عبر العمليات المنطقية والذكاء العاطفي والإنحياز الوجداني، وهو ليس فعلا آليا، أوانعكاسًا سلبيا، أو تراكما كميا، كما يبدو للوهلة الأولى، وليس خارجا عن البنية المعرفية السابقة المتكونة لدى الذات العارفة، لكنه عملية إيجابية إنتقائية متفاعلة، تخضع للبنية الذهنية للذات العارفة، التي تختار ما يلائمها، وترتاح إليه، فتقوم بالتحديد والتصنيف والتبويب، إذ إنها تضع ما تستقبله في خانة، ما كان قد تكوّن لديها، تعدِّل فيه وتضيف إليه، وتستنتج من الجديد ما تشعر أنها بحاجة إليه، أما ما ليست بحاجة إليه، فإن استقباله يكون ضعيفًا(8) واستجابته ضئيلة. وهكذا فالقراءة هي الخطوة الأولى في التفاعل، ما بين الجديد، الذي يتم استيعابه، وما كوّنته الذات العارفة وبنته في المخططات المعرفية.يعود الفضل في الرؤية النوعية لدور القراءة في الاكتساب المعرفي إلى نظرية الجشطلت، حيث تعتبر هذه النظرية، إن أول القراءة هو الإدراك الحسي ـ الشعوري للمعلومات، إذ تضع المعلومة المستقبلة، بكونها حالة فردية في بنى وتشكيلات من الفئات العامة، مع ما يلائمها من التعميم. ويعود الفضل أيضأ إلى البنيوية، التي ترى إلى النص في كليته، وإلى بنيته العميقة، ومكوناته، ليس بكونها حقائق قائمة بذاتها، لكنها عناصر في البنية العامة، تأخذ دلالتها من دلالة النص العامة.
الإدراك في جوهره هذا عملية تنظيمية، تستند إلى مفاهيم وفئات إدراكية كلية خاصة بها، وتقوم على الاختيار والاستبعاد، على اشتمال كل ما هو جوهري وأساسي في تكوين البنى أو الأشكال أو الصيغ الكلية، وعلى ترك كل ما يتناقض مع هذه البنى، أو يعمل ضدها فتتجاهله. لكنّ ما يستبعد، تكون استجابته ضعيفة، وتتجسد في اللاوعي، وهذا ما وجد تجسده في قول محمود درويش «أرى ما أريد».
عندما يستجيب القارئ للشعر والأدب، فإن ذلك يكون بواسطة الصور الصوتية، وينشئ في بنيته المعرفية صورا عقلية متنوعة، هي تناظرات عقلية مفاهيمية أخرى، فالشعر يبدأ بالشيفرة الصوتية للكلمات، لكنَّ جانبا كبيرا منها يُفهم، ويتم تذوقه فقط، عندما تتحول الكلمات إلى أصوات داخلية، بنى موسيقية، وصور عقلية مناظرة لها، وهذا ما يؤكده العديد من الشعراء المبدعين بالقول، إنّ القصيدة تبدأ أصواتا داخلية، تستجيب لها معان مناظرة، بما يكون الشاعر يعاني(9) منه، فيسعى إلى التعبيرعنه، والاستجابة له من القارئ تكون أجدى عندما تجد ما يلائمها في مخططاته المعرفية، هو التعميم الذي قالت به نظرية الجشطالت، أما ما لا يوجد له بنى معرفية في البنية العقلية، فالاستجابة له تكون ضعيفة، وهذا أحد أسباب الغموض في الشعر الحديث.