eKtab
EN ع
الله الحياة والانسان
Read free sample

الله الحياة والانسان

by د. عبد الوهاب الأمين

Page 1

مقدمـة

كان سؤالاً محيّراً، ذاك الذي اعترض تفكيري في باكورة الشباب، ولم يؤت لي الجواب عليه في حينه. بعد ذلك، راح يحضرني كلما خلوت بنفسي، وصار وضعي معه أشبه ما يكون بوضع طفل في الخامسة من عمره، أثار اهتمامه غرض ما، ورغب في الحصول عليه... بقيت على تلك الحال سنوات، وسنوات، خلالها بحثت، درست، وفكّرت، وفي نهايتها توصّلت إلى ردّ عليه، علماني، منطقي ومقنع.
ها أنا، اليوم، أعرض في كتيّبي هذا، السؤال والردّ الذي توصّلت إليه، آملاً في أن يكون ردّي هذا جواباً مقنعاً للسائلين، ونبراساً مضيئاً للباحثين، وفائدة مرغوبة من القارئين. وأؤكّد أنّ ليس في العالم حقيقة مطلقة، وأنّ المسلّمات والبديهيات عند الناس تتغيّر مع الزمن، وتختلف باختلاف الثقافة والتربية.

الفصــل الأول 

السؤال

توطئة للسـؤال

إن السماء الصافية، في ليلة قمراء، لآلاءة بالنجوم، تؤلّف منظراً، ولا أبدع! يبعث نشوة في النفس، ويجذب الناظر إليه من على سطح مركبتنا هذه، ويدفعه، إما للتأمّل والتحليق بأجنحة سحرية في جوّ شاعري رومانسي، وإما للبحث والتنقيب بحشرية علمية لمعرفة السرّ الكامن وراء الوجود. هكذا منذ القديم القديم، منذ كان الإنسان، كان يتكرّر المشهد، ويتكرّر معه التأمّل والبحث، ومع الأيام تراكمت معلومات وصور.
إن القبة الزرقاء هي مدى النظر من فضاء لانهائي... إن ما نراه من نجوم ليس إلّا بعضاً من مجموعة تعدّ مليارات، وتسمّى مجرّة (طريق التبّان). إن عدد المجرّات ملايين، كلها تسبح في أوقيانوس أبدي اسمه الكون، وإنّ بعض النجوم يبعد عنا ألاف السنين الضوئية؛ منها العملاق الضخم، ومنها الوسط والصغير. إن الشمس التي تضيء دنيانا و تبعث فيها الحرارة و الحياة، لا تعدو كونها نجماً بسيطاً بين بقية النجوم، يبعد عنّا ثمان دقائق ضوئية، أي ما يساوي 8 دقائق ضرب 60 ثانية ضرب سرعة الضوء في الثانية 300000 كلم. إن ما نراه اليوم هو ماضي السماء وليس حاضرها. إن ما نعرفه عن الكون نزر قليل من كثير لا نعرفه. إنّ حجم الكرة الأرضية ووضعها بالنسبة لبقية الكواكب والنجوم، يشبه وضع حبة رمل من رما ل المحيط. وهي كوكب بيضوي الشكل، طول محيطه يتراوح بين أربعين، واثنين وأربعين ألف كيلومتر، ومساحة سطحه 500 مليون كلم مربّع، تشغل المسطّحات المائية 73 بالمئة منه، والباقي يابسة. يبرم حول نفسه برمة كل 24 ساعة، ويدور حول الشمس دورة كاملة كل 365 يوماً وربع اليوم، ومن ذاك البرم وهذا الدوران، يتبدّل الليل والنهار وتتغيّر الفصول. والقمر ليس أكثر من تابع للأرض، بسيط، يدور حولها دورة كل 28 يوماً ونصف اليوم.
إن الكرة الأرضية هذه، قبل أن تأخذ شكلها الحالي، مرّت بتغيرات وتبدلات خلال أحقاب سحيقة من عمرها. فكم من جبال شاهقة، كانت، واختفت، وأخرى برزت ورست! والبحار لحقها تبديل وتغيير... وما جغرافيا اليوم سوى شيء آخر، غير جغرافيا ما قبل التاريخ. إن قمماً تناطح لهاثات الغيوم الراكضة من فوقها، كانت بالأمس مرتعاً للأسماك ومرعى، والمتاهات الرملية كانت غابات وأفياء ظليلة. ثم، أو لم تكن القارة الأمريكية لصقاً بأفريقيا وتخماً للعالم القديم؟!
إن في البراكين والأغوار درساً وعبرة، وفي البلّورات والمستحاثات علماً وخبرة. إن ما نعرفه عن الكون نزر قليل من كثير لا نعرفه. وما علم المرئيات سوى وجه واحد من حقيقة لها وجوه أخرى. إن الطاقة الشمسية والمحيط الهوائي، والدورة المائية أساس لتوزّع الحياة على سطح هذا الكوكب...
والحياة ميّزة الأرض، بها تتزيّن وتظهر بأحلى رونق لها. غابات تكسو الجبال وتملأ الوديان، مراعي خضراء مزركشة، سهول تمور بالمزروعات، مناظر منوّعة، تتفاوت بين أبيض وأزرق وأحمر وأخضر وأصفر، وكل ما يخطر على البال من ألوان... بحار وأنهار، غياض ورياض، أشجار وأزهار، طيور وحيوانات، زواحف وأسماك... أعشاب وطحالب، ثم بكتيريا وفيروسات... وإنسان! عمار ودمار... حروب وهروب، و... ونضال بين الجميع!
هذه الحركة الدائمة، والمستمرّة ليل نهار، مالئة سطح اليابسة وعباب اليم، ذاهبة بضعة كيلومترات عمقاً وارتفاعاً، متفاعلة مع كل شيء تأخذ منه وتعطيه، فإذا الأرض لوحة فريدة من الروعة لا شبيه لها بين الكواكب المعروفة. إنها موطن الحياة، موطن الجمال والإعجاز... تصوّر أرضاً بلا حياة، ألا تكون قفراً تعلوه كآبة وأسى؟! وفي أفضل الاحتمالات سوف لا تكون أكثر من صورة مجسّمة للقمر، مجرّد غبار ورماد، ورمال وجماد.
Page 2

الســؤال

الحياة سرّ الأرض ولغزها المحيّر، كانت، ولاتزال شغل الفلاسفة والعلماء... متى ظهرت؟ كيف بدأت؟ ومن أين أتت؟ هل جاءت من زبد البحر، كما تقول الأسطورة اليونانية عن أفروديت؟! أم هل هي صناعة الله في ساعة صفاء، كما تقول الديانات الساميّة؟!.. أم أنها تطوّر للمادة وصورة اخرى من صورها الراقية، كما يقول العلم؟!... ثم، هل ظهرت منذ أجيال ودفعة واحدة؟ كما يقول الكتاب المقدّس في سفر التكوين. ثم، ما هو القاسم المشترك بين جميع تشكّلات الحياة؟ وما هو الرابط بين الأحياء والموجودات؟ ما هي غاية الحياة؟... والإنسان! ما موقعه منها؟ بماذا يتميّز؟ كيف يعيش؟ وما هو هدفه؟... والله! من هو؟ أين هو؟ وماذا يريد؟

الفصل الثاني

الجـــــــواب

الثابت علمّياً أن الحياة على الأرض، بدأت تظهر منذ مئات الملايين من السنين، وأن الأجناس والأشكال الحالية من الأحياء هي نتيجة تطوّر أجناس أخرى انقرضت، وأن نشاط الخليّة الحيّة يتمّ ضمن شروط، أهمها توافر الرطوبة في حدود حرارة لا يتغيّر معها شكل الماء. إن الطبيعة لا تعرف الجمود. والكائن الحي يتميّز عن الجماد بالتبادل الغذائي، وبالنمو، وبالتوالد. وهو يتفاعل مع البيئة التي يعيش فيها، ويكوّن وإياها وحدة بيوطبيعية... وبما أن الكرة الأرضية هي البيئة الكبرى للحياة، فإن فهمها يشكّل مدخلاً ضرورياً لدراسة الأحياء، خصوصاً وأنها تحوي الكثير من آثار الماضي، وتكوّن سجلاً رائعاً للتاريخ الطبيعي.
الكرة الأرضية كوكب من ثمانية كواكب سيارة، تدور حول الشمس في خطوط إهليلجية، على أبعاد متفاوتة، وتشكّل معها المجموعة الشمسية. كانت كتلة ملتهبة من مواد منصهرة وغازات مشتعلة، بلغت مداها وراحت تبرد بشكل بطيء، وتدريجي. ومع مرور الزمن، تكوّنت قشرتها الخارجية التي نعيش عليها، والتي تشكّل بيئة عامة لجميع الأحياء، وتسمّى الكرة الحيوية. وتتألّف من ثلاث طبقات:
1ـ طبقة هوائية، سماكتها 100 كيلو متر.
2ـ طبقة مائية، سماكتها 4 كيلومترات.
3- طبقة صلبة أو صخرية، سماكتها بالمتوسط 60 كيلو متراً، يطلق عليها اسم سيال. وهذه الأخيرة، تتكوّن من معادن مختلفة تطغى عليها مركّبات السيليسيوم والألمينيوم والحديد والكلس والأوكسيجين، وتظهر بشكل صخور ورمال وأتربة، تغلّف الكرة الأرضية التي تتكوّن في الداخل من مواد ثقيلة لاتزال في حالة حماوة وانصهار. إن الطبقة الصلبة هذه تتعرّض لعوامل طبيعية مختلفة من الداخل ومن الخارج، بنتيجتها تحدث تغيرات وتبدلات على السطح؛ ففي باطن الأرض تحدث حركات تكتونية، تسببها الحرارة المحصورة في الداخل، والثقل الآتي من الخارج، تعبّر عن نفسها بالبراكين والزلازل والهزّات الأرضية التي نشهدها بين الحين والآخر. بنتيجتها تصاب القشرة الخارجية، الطبقة الصلبة بصدوع وشقوق، وتظهر فيها تغيّرات، يتبعها تمدّد قسم هنا، وتجعّد قسم هناك... فتتكوّن قيعان، وترتفع جبال، ويتمّ ذلك ببطء وئيد، خلال ملايين السنين.
في الخارج يكون سطح الأرض مسرحاً لعوامل اخرى مختلفة. إذ بتأثير الحرارة القادمة من الشمس والمتبدّلة ببرم الأرض على نفسها ودورانها حول الشمس، تتبخّر المياه، وتعصف الرياح، وتهطل الأمطار، فينهدم ما بنته الحركات التكتونية، وتجرفه السيول إلى قيعان البحار ليستقرّ بشكل رواسب. ولمّا كان القسم المتصلّب من القشرة الخارجية للكرة الأرضية، بادئ الأمر، نتيجة لبرودة المواد المنصهرة وتجمّدها، قد أخذ شكل البلّورات الزجاجية التي تختلف عن بعضها بعضاً باختلاف المعادن الداخلة في تركيبها، وهي متعدّدة، تكونت منها صخور البزالت والغرانيت وجميع الصخور البركانية. وبما أن عوامل الحثّ والتفتيت والجرف مستمرّة، فقد تهدّم قسم كبير من هذه الصخور وتحوّل إلى رواسب. من جهتها الرواسب التي تعرّضت للحرارة والضغط، تحجّرت وتحوّلت إلى صخور بّلوّرية، نطلق عليها اسم الصخور المتحوّلة، منها صخور الغنايز والميكاشيست. أما الرواسب التي لم تتعرّض للضغط والحرارة، وتحجّرت في ظروف عادية، فقد شكّلت صخوراً غير بلّورية، نطلق عليها اسم الصخور الرسوبية.
وبما أن الطبقة الصلبة من الكرة الأرضية مغمورة في معظمها بالماء ولا يبرز منها، غير قسم صغير نسبياً نسمّيه اليابسة، يتوزّع بين قارّات وجزر تحيط بها المياه من كل الجهات، وتشغل مواضع مختلفة بالنسبة لخط الاستواء، فقد قام بين الماء واليابسة صراع مستمر ودائم للسيطرة على المواضع. والصراع هذا مع الزمن أحدث تغيّرات في اليابسة وتبدّلات بالمواقع بين القارّات، وجاءت فرضية انسياح القارّات لـ «فيغنر»ْ التي ظهرت سنة 1912 تساعد على درسها وفهمها. وهي تفترض أن اليابسة كانت قارة واحدة اسموها (غاندوانا)، ومع مضي الوقت، وبتأثير العوامل الطبيعية تشقّقت، وانفصلت إلى أجزاء، وهذه الأجزاء انساحت وتباعدت لتشكّل القارات والجزر الحالية. يدلّ على مصداقية هذه الفرضية تشابه سواحل البحار والمحيطات. فالشواطئ المتقابلة من القارات تتشابه إلى درجة، توحي بأنها انفصلت للتوّ عن بعضها بعضاً؛ الأمر الذي تؤكّده شواطئ أفريقيا وأمريكا الجنوبية، وكذلك شواطئ شبه القارة الهندية وأستراليا وجزيرة العرب، ولا تناقضه شواطئ أوروبا وأمريكا الشمالية. فجزيرة «غرين لاند» تظهر وكأنها إسفين خرج من بين القارتين... إن نظرة شاملة إلى خريطة العالم، فيها تبدو اليابسة وكأنها فصلت وجزّئت إلى قارّات وجزر لاتزال كلها محتفظة بمعالم ذاك الانفصال، وتوحي بأننا لو قرّبنا هذه الأجزاء بعضها إلى بعضها الآخر لتداخلت الرؤوس والخلجان وأعطت القارّة المفترضة غاندوانا. ويتحدّث القسم الثاني من الفرضية عن انسياح القارات وتغيّر مواقعها بالنسبة إلى خط الاستواء. وقد جاءت المكتشفات الستراتغرافية والبليونتولوجية التي تم كشفها حتى اليوم تثبت هذه الفرضية وتؤيّدها؛ ففي مناطق الشمال الباردة حالياً، اكتشفت آثار لنباتات وحيوانات لا تعيش إلّا في المناطق الحارة. كما اكتشفت في أفريقيا آثار للجليديات.
إن الرواسب، هي ركام الصخور التي تفتّتت، والمستحاثات هي أجزاء الحيوانات والنباتات التي هلكت، وحملتها السيول إلى قيعان البحار حيث ترسّبت، واحتفظت بمحتوياتها. وهناك انتظرها أحد مصيرين: إما أنها تعرّضت للحرارة والضغط، فتحجّرت وتبلورت، وكوّنت الصخور المتحوّلة، وإما أن الحركات التكتونية دفعتها للخروج فوق سطح الماء، و بمجرّد أن لامسها الهواء الحاوي على ثاني أوكسيد الكربون، تحجّرت وكوّنت الصخور الرسوبية، تماماً كما يحدث للكلس و الإسمنت الرائبين، عندما يلامسا الهواء. وفي كلتا الحالتين، إن في الصخور المتحوّلة، وإن في الصخور الرسوبية، تبقى التركيبة الرسوبية محافظة على كل تفاصيلها التي كثيراً ما يشاهد فيها، حيوانات أو نباتات، أو أجزاء من هذه وتلك في حالة تحجّر. وهذه نسميها مستحاثات أو مطمورات.
بمساعدة علم الرواسب، ستراتيغرافيا، وعلم المستحاثات، بالينتولوجي، أمكن دراسة الحقب الجيولوجية التي مرّت على الأرض، ودراسة أنواع الكائنات الحيّة التي عاشت في تلك الحقب. وبدراسة الكربون 14 والفوسفور وغاز الأراغون والبوتاسيوم، أمكن تقدير عمر الحياة على الأرض. إن الكربون 14 يسمح بتقدير عمر أقل من 50000 سنة، وغاز الأرغون والبوتاسيوم يسمحان بتقدير عمر الصخور المكوّنة في وسط حار. وهناك اليورانيوم والراديوم وغيرهما من الفلزات ذات النشاط الإشعاعي لمعرفة الصخور المكوّنة في الدور الأول الكامبري وما قبل الكامبري.
Page 3

الفصل الثالث

كيف ومتى بدأت الحياة

يقدّر عمر الحياة على الأرض بما يزيد على ثلاثة مليارات من السنين، تبدأ بظهور البذرة الأولى للحياة، وتتوزّع على الحقب الجيولوجية التالية:
1- ما قبل الكامبري، مدتها الزمنية ثلاثة مليارات سنة.
2- الحقبة الأولى، مدتها الزمنية 578 مليون سنة.
3- الحقبة الثانية مدتها الزمنية 124 مليون سنة.
4- الثالثة مدتها 57 مليون سنة.
5- الرابعة مدتها 1 مليون سنة.
خلال هذه الحقب تجمّعت رسوبات بمعدّلات سنوية لا تزيد على عشر الملم، وتوضّعت بشكل طبقات يعلو بعضها بعضاً، بسماكة عدة أمتار للطبقة الواحدة. وتضمّ مطمورات للكائنات التي عاشت في تلك الفترات من عمر الأرض. دراسة هذه الرسوبات ومطموراتها أوضحت شكل الأحياء التي عاشت في الحقب الجيولوجية المتتالية، ودلّت على أنها تختلف بالشكل والنوع وبالخصائص الوظيفية بين حقبة زمنية وأخرى. وبمجموعها شكّلت سلسلة من التطورات والتغيرات المتلاحقة والمترابطة بشكل منطقي مؤيّد بالوثائق؛ هذا وإن بدا بعضها مفقوداً، فهو لا بدّ من أنه موجود بين الرواسب، لكننا نحن لم نستطع الكشف عنه بوسائلنا العلمية الحاضرة. وهي تمثّل سلّماً للخليقة، فيه يظهر تعقيد بالتشريح العضوي، وتطوّر بالوظيفة الفسيولوجية، وتدرّج من الأبسط والأقدم نحو الأحدث والأعقد. إنه سلّم تطوّر وارتقاء للكائنات الحية.
يرجّح أن قصة الحياة بدأت منذ القديم القديم، في الفترة نفسها التي فيها، بدأت قشرة الأرض تتجمّد وأخذت حرارتها تعتدل، نتيجة تفاعل كيميائي بين مواد أوّلية متوافرة، تتميّز بخصائص كيموفيزيائية معيّنة، أهمّها الكربون والأوكسيجين والهيدروجين والأزوت التي منها يتشكّل غاز الكربون وبخار الماء. ونتيجة التفاعل بين هذين العنصرين الأخيرين، نتج الكربون المائي الذي يعتبر أبسط المركبات العضوية وأساس تشعّبها إلى مركبات عديدة أكثر تعقيداً. هذا التفاعل حدث في الطبيعة خلال الفترات الماضية، قبل ظهور أي لون من ألوان الحياة، ولا يزال يحدث حتى اليوم.
من الكربون المائي نشأت مجموعة من المواد العضوية مثل الميتين والأمونيا والحوامض الأمينية التي تجمّعت في الوسط المائي وحوّلته إلى حساء بدائي. وبتفاعل هذه المواد مع بعضها، نتجت مركّبات زلالية «بروتينية» أو البروتينات التي تتميز بقابلية شديدة للاتحاد مع مواد أخرى، لتؤلّف معها مركّبات جديدة قليلة الثبات، مما يتيح لها الاندماج من جديد في عمليات أخرى... ومن هذه المركّبات جاءت الأجسام البروتينية التي تختلف كثيراً عن البروتينات، والتي يمكن مشاهدتها بالمجهر، وقد أمكن صنعها أخيراً في المختبر، من مواد عضوية. كما أمكن صنع المواد العضوية مخبرياً من مواد غير عضوية. ففي سنة 1953 أجرى ش. ميلّر تجربة على خليط من غازات، NH3 –CH4 –H2O ممرّراً في هذا الخليط تياراً كهربائياً بقوة 60000 فولت، وحصل على حامض أميني هو حامض سيانهيدريك. وفي سنة 1959 أعاد فريق بازنسكي وبافلوسكيا تجربة ميلّر على غازات Ch4 NH3 والماء، بواسطة التيار الكهربائي، فحصلا على أنواع أخرى من الحوامض الأمينية. بعدهما، جاء اْوبّارن مع أعضاء فريقه، وحصلوا من خليط الحوامض الأمينية على جسم بروتيني سمّوه بروتو بيونت. واليوم كثيرون هم الكيميائيون الذين يحصلون على هذه المركّبات في مختبراتهم.
إن الأجسام البروتينية جسيمات هلامية مجهرية تصادف في المستنقعات والمياه الراكدة، بشكل تجمّعات أو مستعمرات لها خواص ونظم مميّزة. إنها تمتلك شحنة كهربائية تتحكّم بوضعها؛ إذا ألقيت في أي سائل مائي لا تتناثر كما اتفق، بل تأخذ وضعاً معيّناً، خاصاً بها، بفعل شحنتها الكهربائية، وما تملكه من تنافل بين الجسيمات من الجنس الواحد، مما يجعل كل واحدة منها، بعيدة عن الثانية، مسافة معيّنة، ثابتة، وواحدة بين الجميع. إنها تملك قوة عجيبة على امتصاص المواد المحيطة بها، مما يجعلها تنمو وتكبر، وهي تعيش في حالة تجدّد وانحلال دائمين. وبما أن خاصّّتي النمو والتوالد هما الصفتان المميّزتان للكائن الحي عن الجماد، فقد اعتبرت الأجسام البروتينية الحد الفاصل بين الحياة النامية والحياة الجامدة. وبما أن البيئة المحيطة بهذه التجمعات تلعب دوراً في حفظها وفي تلفها، فقد زالت التجمعات الضعيفة وغير الملائمة، وبقيت القوية الأكثر ملاءمة. وهذا ما نسمّيه الانتخاب الطبيعي. وكان من جراء ذلك أن بقي الأصلح للحياة، واكتسب خواص جديدة.
بهذه العملية تعلّمت التجمعات كيف تفيد من كل المواد المحيطة بها من أملاح الحديد، والنحاس، والألمنيوم، وغيرها. كما أفادت من التجمعات الأخرى الضعيفة، والتهمتها، وتكاثرت على حسابها... مضت ملايين السنين والطبيعة تعمل بقوانينها، تصقل عملية الامتصاص والإفادة من البيئة. وكان أهم عماد لها، التحوّلات التي تحدث في المواد البروتينية، لتصبح في وضع أفضل وأقدر على مغالبة العوامل الخارجية. وفي تؤدة، تحوّلت االتجمعات البروتينية إلى أجسام تجيد عملية التبادل الغذائي بشكلها الذي نعرفه اليوم. وكان المخلوق الذي صقلته الطبيعة هو بذرة الحياة على الأرض.
Page 4

الفصل الرابع

طور الكائنات الأولى

كانت الكائنات الأولى مجهرية لاهوائية، تكاثرت وتشعّبت في الوسط المائي، وظهرت منها تنوعات كثيرة. كانت جميعها تحصل على الطاقة الضرورية لها، بطريقة تخمير المواد السكرية المتوافرة في حسائها البدائي. وبما أن هذه الكائنات كانت مجهرية صغيرة ورخوة سريعة التلف، فقد كان من الصعوبة بمكان، لا، بل من المستحيل حفظ صورها إذا ماتت وترسّبت. لذلك، لم تترك مستحاثات، ولم نتمكّن من الحصول على وثيقة تاريخية لها؛ مع العلم أن فريقاً كبيراً من العلماء يعتبر الكتل المرمرية المتواجدة في طبقات الأرض هنا وهناك، وهي من رسوبيات حقبة ما قبل الكامبري، ليست سوى مستحاثات لمستعمرات كبيرة لتلك الجسيمات الرخوة المجهرية، وقد لحقها ضغط وحرارة بعد موتها وترسبها، فتحجّرت وتحوّلت إلى مرمر.
إن الأحياء الأولى التي ظهرت على الأرض، اقتصر غذاؤها على المواد العضوية المتوافرة في الحساء المائي البدائي، وتمّت عندها عملية الهضم، بطريقة التخمير التي لا تحتاج إلى أوكسيجن الهواء الحر، وحصلت على الطاقة الضرورية لنشاطها بطريقة تأكسد الحديد والكبريت والآزوت. وهذه العملية البيوكيميائية لاتزال سائدة في عمليات الهضم الخلوي عند شتّى المخلوقات.
في مرحلة لاحقة، تطورت هذه الأحياء البدائية، وصار بعضها يحوي اليخضور، أي مادة كلوروفيل التي بواسطتها، وبتأثير النور، استفاد من ثاني اوكسيد الكربون الموجود في الهواء، فحلّله، وأطلق منه الأوكسيجين بشكل جزئيات حرة ومتناثرة، واحتفظ بالكربون الذي صنع منه، ومن الأملاح المعدنية المنحلّة في الماء، مواده الضرورية، مستغنياً عن المواد العضوية المحضّرة في الطبيعة والمتواجدة في الوسط المائي. كانت هذه أولى النباتات التي استطاعت أن تترك الوسط المائي وتعيش على اليابسة حيث يتواجد الماء بكميات محدودة. وهنا تكاثرت، وتطوّرت، وتعدّدت أشكالها وتنوعّت، فملأت سطح الأرض، وغيّرت جوّها تغييراً جوهرياً بزيادة نسبة الأوكسيجين الحرّ في الهواء، ممّا هيّأه لتنفس الحيوان فيما بعد.
في هذه الحقبة، تشكّلت التنوّعات الكبرى للحياة، وتمّ التمايز بين عالم النبات وعالم الحيوان، فظهرت الأشنيّات والبكتيريا، وكانت الطحالب حاوية اليخضور أولى النباتات الخضراء. وقد عثر على مستحاثات لطحالب يعود تاريخها إلى ما بين 3000 و4000 مليون سنة. ومنذ هذا التاريخ نستطيع القول، إن الأرض بدأت تحفظ المستحاثات بشكل وثائق طبيعية واضحة المعالم كاملة التفاصيل، مع العلم بأن الكثير الكثير من الكائنات البدائية كان ضعيفاً، لم يصمد أمام تقلبات الظروف الطبيعية القاسية، وسرعان ما هلك وزالت آثاره. والقليل النادر من بقايا النباتات الهالكة صادفته ظروف ملائمة، وحفظته بشكل مستحاثات. أما القسم القليل الآخر من الأحياء فقد كان قوياً استطاع التكيّف مع جوّ الأرض المتقلّب، فتطوّر، وتكاثر وتعدّدت أشكاله، وتنوّعت.
إذاً من كائنات الخليّة الواحدة انطلقت الرحلة الشائقة إلى عالم الأحياء، وبتنوعها وبمضاعفتها ظهرت اللوحات المعجّزة والمخلوقات المتنوعة التي ملأت العالم؛ فإذا بها، وبصورها المختلفة، تشبه أطياف الضوء الأبيض، ألوان قوس قزح، تتمازج بنسب مختلفة، وتتآلف في خطوط وأشكال متباينة، وتتناغم في لوحة مستقلّة تختلف كلّياً عن اللوحات الأخرى... أو تشبه الألفباء، إذ تتجمّع الحروف في كلمات، والكلمات في جمل وعبارات مفيدة، وتنتظم هذه الأخيرة في كتاب بديع عجيب هو كتاب الوجود.
إن المخلوقات التي خرجت من الماء إلى اليابسة اكتسبت تدريجاً صفات جديدة، غيّرت فيها جهازي التنفّس والتناسل، وطوّرتهما بشكل تستطيع معه الإفادة من الظروف الجديدة، وتتلاءم معها، فاستغنت كلّياً عن الوسط المائي، واكتفت بما تحصل عليه من الماء الموجود بكميات محدودة في التربة. وهكذا صار هناك بيئتان حياتيتان متمايزتان: بيئة مائية، وأخرى هوائية، أو كما يسمونها بيئة برّية، ولكل واحدة منهما نباتاتها وحيواناتها الخاصة بها، التي تختلف عن بعضها بعضاً. وفي كلتيهما تابعت المخلوقات مغامرتها الكونية، فتعدّدت الأشكال، وتنوّعت الأصناف، وتفرّعت، وانتشرت في كل مكان توجد فيه رطوبة وماء، مؤلّفة مملكتين متلازمتين مترابطتين تعمران الأرض.
هاتان المملكتان هما مملكة النبات ومملكة الحيوان.
مملكة النبات كبيرة وواسعة اتساع الأرض، تمتدّ إلى أية بقعة يوجد فيها تربة ورطوبة. إنها تغطّي قيعان البحار والبحيرات ومجاري الأنهار، وتكسو الجبال والوديان والسهول. وهي متنوّعة بشكل كبير. نجد منها الصغير المجهري مثل الطحالب، والكبير الضخم الذي يرتفع عشرات الأمتار فوق سطح الأرض، مثل شجرة السيكويا. وكما تختلف النباتات في ما بينها بالحجم، وبالشكل، كذلك تختلف الحيوانات عن بعضها بالحجم والشكل، وبدورة الحياة وجميع الصفات الأخرى. فإلى جانب الطحالب هناك الأعشاب والفطريات والصبّاريات، وهناك نباتات موسميّة تتم دورتها الحياتية خلال فصل واحد. وهناك أشجار تعيش سنوات معدودة، وأخرى تعمّر آلاف السنين. بعض النباتات لا يزهر، وبعضها يزهر ولا يثمر. بينما بعضها الآخر يزهر ويثمر، وهناك، وهنا... أنواع وأصناف، وفروع، وفروع للفروع. الزهور فيها معارض فنّ ومصانع عطور، تتفاوت بالشكل وبالرائحة بين البنفسجة المتواضعة والمانيليا المتعالية. منها البهيج المنوّر آناء الليل وأثناء النهار، ومنها ما يبتسم للنجوم ويستحي في الصباح. ومنها ما يضحك للشمس ويطبق جفونه عند الساء... وهناك الحبوب مثل الحنطة والعدس والحمص والترمس و، و... كلها مخازن لمواد غذائية، وتكثيف لقدرات طبيعية لا تحدّ.. أما الخضار فمتنوعة تنوع البندورة والخيار، والملفوف والشمام، والخس والباذنجان... والثمار كثيرة ومتباينة تباين الموز والرمان، والبرتقال والتفاح، والعنب والخرما، والتين والمشمش و... حصرها يلزمه اختصاص. منها عائلات وتشكّلات عديدة، قوة الحياة فيها تشقّق الصخور، وتخترق الخرسانة المسلّحة. كلها تعيش ملتصقة بالتربة، باعثة جذورها عمقاً بشكل أنابيب شعرية ومضخات ماصة، باحثة عن الرطوبة والماء، معتمدة في غذائها على المواد الأوّلية، من أملاح معدنية مذابة، تعالجها وتخلطها، وتنتج منها سائلاً (محلولاً بلازمياً). وترسل فروعها إلى الفضاء، باسطة أوراقها الخضراء لتزيد مساحة الملامسة مع الهواء، وتتبادل معه غاز الكربون والأوكسيجين. تأخذ وتعطي، فهي في تفاعل مستمر مع الجو ومع الأرض.
Page 5
في الأوراق الخضراء تجري أصعب وأدق العمليات الكيموحياتية أو البيوكيميائية؛ بتأثير النور، وبما يسمى التحليل الكلوروفيلي تتحول الطاقة الشمسية إلى طاقة كيميائية، وتشكل أربطة وحلقات تجمع العناصر الأوّلية الآتية سوائل وغازات من التربة ومن الجو، وتؤلّف منها، مركبات عضوية معقّدة ومتنوعة، تخزّن في الجذوع والغصون، وتكثّف في الثمار. وبهذه الطريقة تقدّم غذاءً سائغاً لبقية الكائنات الحية، تلك التي لا تستطيع الإفادة من عناصر الطبيعة الأوّلية. فالنباتات تكوّن القاعدة الضروربة والأساس لبقية تشكّلات الحياة وممالكها. وهي الأقدم والأكثر أصالة. في مختبراتها الصغيرة، وفي مطابخها البسيطة، تطهى وتحضّر من المواد الأوّلية، كل أصناف الكربوهيدرات، ماءات الفحم، من سكريات ونشويات وشحميات وزيوت منوعة، وكذلك البروتينات والفيتامينات.
النباتات تتجدّد وتتكاثر بطرق وأساليب مختلفة، اكتسبتها من الماضي، وتناقلتها حتى الحاضر، كصفات وراثية، قلما تتغيّر أو تتبدّل على المدى المنظور. منها ما يتكاثر بالطرق البسيطة غير المعقّدة، مثل الفسل، والامتداد على الأرض إلى مسافات قصيرة، وحيث يصادف الفرع الممتد رطوبة في التربة، يبعث جذوراً، ويستقل عن النبتة، الأم، عاطياً نبتة جديدة. مثل المدّيدة والنجيل والنعناع والدوالي... ومنها ما ينبت على جذع النبتة الأم، نبتة صغيرة تنمو وتتهيأ لتستقل إذا صادفتها ظروف مؤاتية، مثل شجيرات الموز والقصب وكثير من الصبّاريات. ومنها ما يتبع في تكاثره وتجدّده طرقاً أكثر تعقيداً، وأوسع انتشاراً، وذلك بواسطة الحبّ والثمر، وهذه الطرق الأخيرة تعتمد على الزهر. ففي الزهرة تكون أعضاء تذكير اسمها سداة، وأعضاء تأنيث، تتألف من جزئين متصلين هما: السمّة والمدقّة. السداة تحمل غبار الطلع الذي هو ليس سوى حبيبات اللقاح المذكرة، وبأعداد كبيرة جدّا. أحياناً تستقلّ وحدها في زهرات خاصة بها وعلى نبتة أو شجرة خاصة لا تحمل غير الأزهار المذكّرة، في وقت تكون أعضاء التأنيث مستقلة في زهرات خاصة بها وعلى أشجار أخرى مؤنّثة، كما هو الحال في شجر النخيل وفي نبات القمبز. وفي أغلب الأحيان تكون أعضاء التذكير وأعضاء التأنيث مجتمعة في زهرة واحدة، وعلى شجرة واحدة، كما هو الحال في زهر التفاح والرمان والخوخ. عندما يزهر الشجر، تفرز الأزهار رحيقاً، تفوح منه رائحة قويّة تجذب إليها الحشرات من نحل وفراش وزيزان وعناكب، وهذه بانتقالها من زهرة إلى زهرة، ومن شجرة إلى شجرة، طلباً للرحيق، يعلق على قوائمها كثيرة الوبر، غبار الطلع، وينتقل معها من الزهرة المذكرة أو من سدات الزهرة الحاوية أعضاء التذكير، إلى الزهرة المؤنثة، ويتساقط على السمة التي سرعان ما تمتصه وتنقله إلى المدقة حيث يتم التلقيح. ليست الحشرات وحدها هي التي تتكفّل عملية نقل اللقاح من السداة إلى السمة، بل هناك الريح التي كثيراً ما تساعد في إنجاز هذه المهمة، خصوصاً عندما تكون السداة والسمة في زهرة واحدة.
في الزهرة المؤنثة تلتقي الخروموسومات الممثلة بالطلع مع البويضات الموجودة في المدقة، ويبدأ تشكّل الثمر الذي يضم بداخله البزر أو الحب. البزر والحب يشكّلان أسلوباً متطوراً للتكاثر عند النبات، بواسطته يمكن للنبتة أن تعطي العديد من البزور أو الحبوب التي يمكن نقلها بواسطة الهواء والماء والحشرات والطيور والحيوانات و الإنسان، وحملها إلى أماكن بعيدة عن موطنها الأول، حيث تجد بيئة صالحة للإنبات، فتنبت وتتكاثر.
هناك طرق عديدة للتكاثر عند النبات، منها: طريقة الثمر تحت الأرض، كما هو الحال في فستق العبيد والبطاطا التي تبعث جذورها باتجاهات مختلفة من التربة وعلى الجذور تتكون درنات كثيرة تكون بمثابة الثمر، وهناك النباتات البحرية، وأنواعها كثيرة وغير مدروسة بشكل جيد.
على حساب مملكة النبات هذه وما تهيئه من مواد غذائية في أوراقها وغصونها وجذوعها وجذورها وثمارها، يعيش القسم الأكبر من مملكة الحيوان الذي تدخل في عداده الحيوانات البرية مثل الغزلان والأفيال والأرانب، والحيوانات الأليفة مثل البقر والخيل والغنم، ومعظم الطيور والعصافير والحشرات، تلك التي تأكل وتتغذى بالحبوب والأعشاب. ناهيك عن الحيوانات البحرية مثل الأسماك وفرس النهر وغيرها وغيرها. أما القسم الآخر من الحيوانات والطيور والأسماك والحشرات، تلك التي نسميها حيوانات مفترسة وطيوراً كاسرة وحشرات طفيلية، فلا يستطيع الاستفادة مباشرة من النبات، ويعيش على حساب الحيوانات الأخرى. يتغذى باللحم وبالدم، ويتميز بأنياب حادة ومخالب تأخذ شكل السكين، وأنابيب ماصة. إلى هذا الفريق تنتسب الأسود والنمور والثعالب، والأسماك والعناكب والبعوض والبراغيث.
إن عالم الحيوان واسع ومتعدّد الأشكال والأحجام، يتواجد في كل مكان يتواجد فيه عالم النبات. والإثنان عالم الحيوان وعالم النبات صورتان للحياة متلازمتان، يصعب تصوّر أحدهما دون الآخر.
الحيوانات تقسم من حيث التغذية إلى قسمين: أكلة الأعشاب، وأكلة اللحوم. ومن حيث السكن: إلى مائية، وبرّية، وقسم مشترك برمائي. أما بالنسبة إلى الحجم فمنها الضخم ومنها الصغير، ومن حيث الحركة، تقسم إلى زواحف، وطيور، وذات قوائم تسير عليها. ثم هناك الحشرات، وهي كثيرة ومتنوّعة، منها النحل والدبابير والزراقط، والنمل والقمل والبراغيث، والفراش والذباب والبعوض، و... و... كل هذا يدخل ضمن المرئيات التي تشاهد بالعين المجرّدة.
وقد بقي الإنسان إلى فترة قريبة، يعتقد أنّ عالم الأحياء لايتجاوز المرئيات، ولم يتصوّر أن الحياة تضجّ في كائنات صغيرة لا يمكن مشاهدتها بالعين المجردة، حتى كان القرن السابع عشر، وجاء أنطوني ايفن هوك، بائع الخرضوات الهولندي الذي كان هاوي عدسات مكبّرة يتأمّل فيها كل ما يقع بين يديه، ونظر ذات مرة من خلال عدسته المكبّرة إلى نقطة ماء تجمّعت من المطر. وشدّ ما كانت دهشته كبيرة، عندما شاهد فيها كائنات حية تتحرّك. فكانت ولادة علم البكتريالوجيا الذي يدرس الكائنات المجهرية، والذي تركّز وتقدّم على يدي باستور وكوخ وغيرهما ممّن دخل حلبة السباق على صيد الميكروبات، في محاولة الكشف عن أسباب المرض. وبتقدم العلم وتطوّر صناعة المكبّرات، تمّت صناعة الميكروسكوب الألكتروني الذي يكبّر من 50000 إلى 500000 مرة، والذي بواسطته استطعنا مشاهدة الفيروسات، أدق الكائنات الحية التي قد تكون الحد الفاصل بين عالم الجماد وعالم الحياة والحركة.
Page 6
الفيروسات كائنات حية، متناهية بالصغر، يلزم تكبيرها ما يزيد على 50000 مرة، لكي ترى تحت المجهر. وهي تتكون من ذرتي حامضين أمينيين نووين: DND, RNA. تبقى في حالة جمود وركود في الظروف غير الملائمة، وتتحرّك، وتنمو، وتتكاثر بسرعة في الظروف الملائمة مثل الدفء والرطوبة والغذاء.
إن مملكة الحيوان لا تقلّ تنوّعاً عن مملكة النبات، جميع الكائنات الحيّة فيها مرّت بمراحل مختلفة في تطوّرها، قبل أن تأخذ شكلها الحالي. ولعلّ الرواسب القديمة وما حوته من مطمورات الحقب الجيولوجية الأولى تفيدنا بأن الفقريات هي من نتاج الحقبة الجيولوجية الأولى، وبأن أنواعاً من اللافقريات كانت تعيش في عالم البحار. بعدها ظهرت الفقريات كمرحلة ثانية، وتطورت مع الزمن.. مرّ وقت، فيه، كانت الزواحف أسياد الأرض، وكان بعضها ضخماً جدّاً، مثل الديناصورات التي بلغ طول الواحد منها 28 متراً، وكان بعضها مدرّعاً وله شكل مرعب. وفي الفترة نفسها عاشت أنواع من السمك المدرّع. لكن جميع تلك الأسماك والديناصورات انقرضت، ولم يبق منها غير المطمورات التي حفظتها الرواسب، والتي بواسطتها استطعنا معرفتها وتصوّر ضخامتها.
بعد ذلك جاء وقت، حلّت فيه محلّ الحيوانات الضخمة حيوانات أخرى، أقلّ ضخامة، باستثناء الحوت الأزرق الذي يبلغ طوله 30 متراً، ووزنه 100 طنّ، والفيل الأفريقي الذي يبلغ ارتفاعه عند الكتفين ثلاثة امتار ونصف، ووزنه ستة أطنان، و الكركن الهندي ووحيد القرن؛ وهذا الأخير ارتفاعه 180 سنم ووزنه طنان. وهناك الزرافة التي يبلغ ارتفاعها خمسة أمتار ونصف المتر، ثم الجمل ذو السنامين.
إن جميع الحيوانات المعاصرة لنا، لم توجد منذ البداية، بالصورة نفسها التي هي عليها اليوم. وليست أشكالها الحالية التي تتميّز بها، وصفاتها الحاضرة التي نعرفها بها، إلّا أشكالاً وصفات حديثة، اكتسبتها نتيجة تطوّر بطيئ ومستمر خلال ملايين السنين. أما حيوانات الحقبة الجيولوجية الأولى، فقد انقرضت ولم يبق منها، دون تغيير، غير كائنات قليلة ونادرة، تلك التي توقفت عن التطور واجتازت الظروف الصعبة غير الملائمة، والتقلّبات الطبيعية المتعدّدة، بفضل توازن في بنيتها ساعدها على التكيف مع مختلف الظروف، فاستمرّت في الحياة، وهي قليلة ونادرة. نذكر منها حيوان الليمول، وهو حيوان قشري صغير، معاصر لثلاثيات الفصوص ـ تريبوليت، يعيش منذ الحقبة الماقبل الكامبري. وكذلك حيوان النوتيل من رخويات الحقبة الأولى.
تعتبر الحقبة الجيولوجية الأولى حقبة الأسماك، إذ خلالها تكاثرت الأسماك وملأت البحار، وتنوعت، وأخذت أشكالاً مختلفة وغريبة، انقرض معظمها، خصوصاً تلك التي كانت مدرّعة. ولم يبق من أسماك تلك الحقبة سوى سمك كولا كونت.
في منتصف الحقبة الجيولوجية الأولى بدأت تظهر البرمائيات، وفي نهايتها ظهرت الزواحف، وفي الحقبة الثانية ازدهرت النباتات عاريات البذور، وتكاثرت اللّافقريات، وانتشرت الرخويات من رأسيات الأرجل مثل «بلامنت» و«أمونيت» ذي القوقعة المقسمة إلى حجرات منفصلة، والنوتيل الذي بقي حتى اليوم.
في الحقبة الثالثة انتشرت النباتات المزهرة بألوان وروائح مختلفة، وبدأت عملية التلقيح بواسطة أعضاء التذكير والتأنيث في الزهرة. وراحت تظهر الحيوانات الثديية، وكذلك الكيسيات التي انقرضت في أواخر الحقبة الثالثة، ولم يبق منها غير حيوان الكنغورو في أستراليا... أما الإنسان فهو من نتاج الحقبة الجيولوجية الرابعة.
جاء علماء الزيولوجيا والبليونتولوجيا يتعاونون على وضع صورة للتطور عند الحيوان، فكانت على الشكل التالي:
في المرحلة الأولى لم تعرف الحياة غير التنفس المائي بواسطة الغلاصم، كما هو الحال عند الأسماك. وعندما جاء دور الانتقال إلى اليابسة، تطورت الغلاصم إلى مجارٍ هوائية عند البرمائيات، ثم إلى رئة عند الحيوانات البرية... ولا يقلّ الجهاز التناسلي طرافة في تطوّره عن الجهاز التنفسي. فقد كان بويضة لا تحوي مواد غذائية، ولا يمكنها أن تتحوّل إلى يرقة إلّا في الماء حيث الرطوبة والغذاء. وبخروج الحيوانات من الماء إلى البر، تطوّرت البويضة باتجاهين: الأول التزمت به الطيور والزواحف بشكل عام؛ وكان بتجمع المواد الغذائية الضرورية للجنين في البويضة التي صارت أكبر حجماً، والتي أخذت شكل البيضة التي نعرفها اليوم. والثاني اختصت به الثدييات. وذلك بحضن البويضة والجنين في الرحم، وتغذية الصغار من الثدي. وهذا ما اختصّت به الحيوانات.
الآن، فلنتصور غابة بكرا، يتسابق في حناياها الماء جداول ومهابط، ويتعانق فيها النبات والشجر من كل نوع، تضاحكها الشمس نوراً ودفئا، وتراقصها الريح ليناً وعنفا، تصدح في أجوائها الطيور والعصافير، شادية مزقزقة، وتنساب في جنباتها زواحف وحشرات، وتعجّ في تربتها ديدان وزيزان بألف شكل ولون. ترتع في رحابها غزلان، وأرانب، وذئاب، وثعالب... فمن الزهر والثمر أريج، ومع النحل والفراش وشيش، وبعيداً صفير وثغاء، وهديل وعواء... سيمفونية تتردّد صباح مساء.
في هذه اللوحة تتناغم الألوان، وتتآلف الألحان، وتتكامل الصورة. كل جزء منها متمّم لبقية الأجزاء، وكل فصل ضروري، ومكمّل لغيره. وكل فئة فيها كائنات كاملة التركيب، مختلفة عن بعضها بعضاً ومعتمدة عليه، بشكل معقّد ومتشابك. في بقائها وفي تطوّرها بقاء للبقية وتطوّر لها. وبمجموعها تشكل مع الطبيعة، بيئة منسّقة، منظّمة، متوازنة وكاملة مثل الجسم الحي الكامل، أي تغيير مهما كان طفيفاً، يدخل على بعض أجزائها، يجرّ تغييرات وتبدلات في البقية، أو يحدث اختلالاً في البيئة.
Page 7
جميع الكائنات خاضعة لنظام دقيق معجّز، يحكمها مبدأ الدورة التي قد تقصر أو تطول، لكنها دورة كاملة. فهي تولد حاملة معها قوة دفع للنمو، فتنمو وتمرّ بدور النضج والإخصاب، وتتوالد. ثم تشيخ، وتموت، وتتحلّل إلى موادها الأوّلية. وفي جميع أطوارها، تكون مقيّدة بقانون الوراثة، ومتأثّرة بظروف البيئة التي تتواجد فيها منذ الولادة حتى الموت. وكل تغيّر يطرأ على البيئة، ينعكس عليها، إن سلباً، وإن إيجاباً. في الظروف القاسية تموت كلها، ولا يصمد منها غير القادر على التكيّف مع الظرف الطارئ الجديد. وذلك بفضل خصائص ذاتيّة كامنة فيه، جاء الظرف الجديد يوقظها وينمّيها. وهذا ما تعارفنا على تسميته تطوّراً، وارتقاءً للنوع.
الحياة تتجدّد بالتوالد وتتوقّف بالموت. والموت نهاية طبيعية مألوفة عند الأحياء، يأتيهم عندما يعجزون عن التطوّر والتكيّف مع تغيّرات الطبيعة ومستجدّاتها. إنّ كائنات كثيرة تموت في كل لحظة من أجل التطوّر والارتقاء إلى الأحسن والأفضل. والتطوّر قوة غريزية عند الأحياء وميّزة خاصة يتميّزون بها عن الجماد. بفضلها، وبدفع منها، خرجت كائنات حية من الماء إلى اليابسة، وتلاءمت مع الهواء، وتأقلمت مع ظروف جديدة، وراحت تتابع مغامرتها الكونية. وفي كل مرة كانت تعترضها عقبات وصعاب، كانت تترك أبناء لها وأنسباء، في متاهات الوجود، يموتون ويختفون لعدم قدرتهم على التطوّر، ولعجزهم عن التكيّف مع تقلّبات الطبيعة وعواملها القاسية التي تأتي كوارث بشكل براكين، وزلازل، وجليديات، وفيضانات، وعواصف، وجفاف، و... فتقتل وتشرّد العديد من الأحياء، وتمحو أشكالاً من المخلوقات متواجدة في المناطق التي تحلّ فيها، ولا ينجو منها غير القوي المتطوّر.
هكذا، وخلال أحقاب جيولوجية ماضية زالت أنواع كثيرة من الأحياء، وتطوّرت أنواع أخرى، ولم يبق من مخلوقات الأزمنة الغابرة، غير سلالات نادرة تعدّ على أصابع اليد، انكمشت على نفسها و حافظت على وضعها القديم، ولم تتطوّر.
إننا اليوم، نعيش في الحقبة الجيولوجية الرابعة التي بدأت منذ مليون سنة تقريباً، ولاتزال مستمرّة. وقد تخللتها عصور جليدية أربعة، اتسعت فيها رقعة الجليد، وغطت مساحات كبيرة من اليابسة، فكانت كوارث، لم ينج منها، غير المناطق الاستوائية، والمناطق القريبة جداً منها. كان يتبع كل عصر جليدي، فترة اعتدال، تسخن فيها الأرض، ويتراجع الجليد، ويعتدل المناخ، فتنمو، وتتطوّر الكائنات الحية الناجية من مآسي البرد والجليد. كانت النباتات والحيوانات التي عاشت خلال هذه العصور، تشبه نباتاتنا وحيواناتنا الحالية، وكان معظمها يتلاءم مع التغيرات المناخية، مكتسباً ميّزات جديدة. بالرغم من أن بعض أنواع من الحيوانات انقرض، مثل حيوان الماموث الضخم الذي يشبه الفيل إلى حد كبير، إلّا أننا نستطيع القول إن سكان عالمنا الحاليين، هم سلالات أحياء الحقبة الجيولوجية الرابعة، دونما أي تغيير بالشكل وأي تبديل بالجوهر.
إن جميع مظاهر الحياة وأشكالها وتنوعاتها تتحدر من مادة واحدة هي الكربون. ويجمعها جامع مشترك واحد، هو الحاجة إلى الماء. فالماء شرط أساسي ضروري للحياة. حيث، لا ماء، هناك، لا حياة. أما النور، والهواء، فيمكن الاستغناء عنهما عند بعض الأحياء، ذاك أننا نصادف أشكالاً من الحياة متنوعة، وكثيرة، في قاع المحيطات حيث، لا هواء، ولا نور.
وللماء خصائص كيميائية وفيزيائية مهمة، تجعله الأكثر مرونة وقدرة على مسايرة الحياة. إنه مادة مركّبة من عنصرين أولين، هما: الهيدروجين والأوكسجين المتوافرين في الطبيعة، إما بشكل غازين حرّين، وإما بشكل مركّب، متّحدين فيه مع غيرهما من المواد ليعطيا مواد مركّبة مثل الأكاسيد، والحوامض، والأملاح، وغيرها.
Page 8

الفصل الخامس

عناصر الطبيعة

إن عناصر الطبيعة المعروفة في علم الكيمياء 105 عناصر أوّلية. تبدأ بالهيدروجين وتنتهي بالهاهنيوم، ولكل منها خصائص كيميائية وفيزيائية مميزة. وقد رتّبت في جدول، عرف بجدول مندلييف الدوري، نسبة إلى واضعه العالم الروسي «مندلييف». باتحاد هذه العناصر مع بعضها بعضاً، وبنسب مختلفة، تتكوّن مواد جديدة، بمجموعها تشكل هذا التنوّع من المواد الذي نصادفه هنا وهناك في العالم. إذاً في علم الكيمياء 105 عناصر أوّلية، هي الأساس لجميع المواد المتواجدة على الأرض، رغم تنوعها وتعددها.
أما في علم الذرة، فهذا العدد يتضاءل كثيراً، ليصل إلى اثنين، أو ثلاثة عناصر أو اسس أوّلية. هنا نرى ان كل الأجسام تتألف من جزيئات متناهية في الصغر تسمى ذرّات. والذرّة هي أصغر جزيء من أيّة مادة، يبقى محتفظاً بخصائص المادة الأم، المميّزة لها عن غيرها. هذا الجزيء، يتألف من إلكترون وبروتون ونيوترون، ثلاثة جسيمات مختلفة الحجم والشكل والخصائص الكهرومغناطيسية. الألكترون متناهي في الصغر، حجمه لا يتعدّى الجزء الواحد من ألف جزء من البروتون. وهو ذو شحنة كهربائية سلبية، يتحرّك بشكل دائم في خطوط دائرية على مسافة معيّنة من البروتون. أما البروتون فهو كبير جدّاً بالنسبة إلى الألكترون، وشحنته الكهربائية إيجابية. أما النيوترون فحجمه قريب من حجم البروتون ووزنه يساوي وزن البروتون والألكترون معاً، وشحنته الكهربائية حيادية.
يرى بعض العلماء أن النيوترون ليس إلّا بروتوناً مضغوطاً إليه ألكتروناً. لذا يعتبر البروتون والألكترون هما الأساس لكل الجزيئات. وبما أن مادة الهيدروجين أبسط المواد، وأكثرها تواجداً في الكون، وتتألف من بروتون وألكترون متّحدين بنسبة واحد لواحد، فقد اعتبر معظم العلماء أن مادة الهيدروجين هذه تحت تأثير الضغط المرتفع والحرارة العالية في الأفران النجمية تتفكّك، وتعطي كمّاً هائلاً من الألكترونات والبروتونات والنيترونات، التي تعود وتتّحد من جديد بنسب متفاوتة، وتشكّل مختلف المواد الغازية والسائلة والجامدة التي نشاهدها في الطبيعة.
لقد تمّ أخيراً اكتشاف ثلاثة أشكال لكل من البروتون والألكترون، فهناك السالب والموجب والمحايد. إذا التقى السالب بالموجب من المادة نفسها، أفنيا بعضهما واختفيا، وانطلقت طاقة نتيجة لذلك. وليست الطاقة التي انطلقت، والمادة التي كانت، واختفت، سوى مظهرين لحقيقة واحدة، هي المادة التي أحسسنا بها بطريقتين مختلفتين.
إذاً، في علم الذرة والطاقة، يبدأ الكشف عن السرّ الذي دوّخ الناس، وجعلهم يفرّقون بين طاقة ومادة، بين روح وجسد. فالطاقة هي مادة، والمادة هي طاقة، والاثنتان شيء واحد، يبدو في مظهرين مختلفين، بالنسبة إلى حواسّنا فقط. وهكذا نصل إلى نتيجة أكيدة، هي أن الطاقة مادة، وأن المادة طاقة. وأن كل ما نرى من موجودات وكائنات، أساسه وأصله مادة واحدة...
هذه المادة الأساس والأصل للكل، التي تتحوّل من مادة إلى طاقة، ومن طاقة إلى مادة، هي أسّ الجماد، هي روح الكائنات الحية، هي جوهر الكون، كل الكون. هي الخالد الأزلي الذي يظهر بألف شكل وشكل، وبصور مختلفة. تفنى الأشكال، ويبقى. تتغيّر الصور، وتزول، وهو دائماً وراءها، وأصلها ومصيرها. إنه نقطة البيكار التي تبدأ منها الدائرة، وتنتهي إليها. إنه سرّ الوجود، والروح الأزلية. إنه الجوهر والمظهر، وهو الأول، والأخير. إنه الأشياء الجامدة والكائنات الحية. إنه الروح والجسد، إنه أنا وأنت، إنه القوة السارية فيّ وفيك، في النبات وفي الحيوان، في الحشرات والميكروبات، في الماء والهواء، في الشجر والحجر، في الكواكب والنجوم، في الأفلاك والمجرّات، في الكون كل الكون. إنه الله، وكل ما نراه وما نحسّ به، ليس سوى صور له متبدّلة ومتباينة. ومن بين تلك الصور كلها، يبرز الإنسان، الصورة الأرقى، والأقرب إلى الكمال، كونه يملك جهازاً عصبياً متطوّراً... الإنسان أنجح صور الحياة التي ظهرت على الأرض، وأذكى تجارب الطاقة، وأسماها على الإطلاق.
Page 9

الفصل السادس

الإنســـان

الإنسان كائن حيّ، يمتاز عن سائر الكائنات الحية، بالعلم، وبالدين وبالحضارة. ثلاثة ميادين من اختصاصات العقل ومن مشاغله. العقل الاسم الآخر لوظيفة المخ، ذلك القسم الأحدث والأكثر تطوّراً في جهازنا العصبي. أما بقية الصفات التي يتحلّى بها الإنسان، فهي، إما صفات خاصة تشاركه بها كائنات حية أخرى معدودة. وإما صفات عامة تتصف بها كل الكائنات الحيّة، الحيوانات منها والحشرات والميكروبات وحتى النباتات.
الصفات الخاصة التي يتصف بها الإنسان وتشاركه بها كائنات حيّة أخرى معدودة هي:
1 ـ انتصاب القامة والارتفاع عن الأرض.
2 ـ حدة النظر.
3 ـ رهافة السمع.
4 ـ القدرة على المشي والجري.
5 ـ مرونة أصابع اليدين وقدرتها على الإمساك بالأشياء واستعمالها.
6 ـ حواس اللمس والشمّ والذوق.
هذه الصفات عند الكانات الحية التي تتصف بها، على درجات متفاوتة. يحتلّ الإنسان فيها درجة وسط أو دون الوسط بالنسبة إلى غيره، وهي لذلك لا تعتبر ميّزات خاصة له.
أما الصفات العامّة التي تتّصف بها الكائنات الحيّة، كل الكائنات الحيّة، والتي تميّزها عن الجماد، فهي: أنها تولد، تتنفّس، تتغذّى، تنمو، تعيش فترة زمنية محدودة، تتوالد فيها، ثمّ تشيخ وتموت، تاركةً وراءها جيلاً جديداً يحمل مهمة استمرار النوع ومتابعة المسيرة. فمن هذه الناحية، كل الكائنات الحيّة ومن ضمنها الإنسان، متشابهة. والاختلاف بينها لا يتعدّى الشكل، والحجم، والوزن، والمدة التي تستمرّ فيها على قيد الحياة. أشكالها كثيرة ومختلفة، وأحجامها متباينة ومميّزة، والمدة التي تحياها متفاوتة بشكل كبير. كل جنس منها له شكل خاص، وحجم مميّز، ومدّة عمر محدودة.
يتكوّن جسم الإنسان من مليارات الخلايا الحيّة والمنوّعة التي تتجمّع الملايين من كل نوع منها، لتؤلّف نسيجاً من أنسجة الجسم المختلفة. والأنسجة المختلفة تنتظم وتتشابك لتشكّل أعضاء متباينة بالشكل، وبالوظيفة، هذه التي تعطي الجسم شكله وحجمه ولونه، وتتآلف في ما بينها لتؤلّف أجهزة منوّعة لكل واحدٍ منها وظيفة حياتية من الوظائف التي تتطلّبها الحياة، والتي بمجموعها تكوّن شخصاً مستقلاً يتنفّس ويتغذّى، ويدير شؤونه بنفسه.
دراسة كل تلك الخلايا والأنسجة والأعضاء والأجهزة تلزمها مجلّدات. لذلك أراني مضطرّاً في بحثي هذا لأن أوجز، وأكتفي بإعطاء صورة مصغّرة عن أهم الأجهزة التي تشكّل الأساس للحياة، والتي ترتكز عليها بقيّة الأجهزة. وهي: جهاز التنفّس، جهازالهضم، جهاز البول، جهاز الدورة الدمويّة، الجهاز العصبي والجهاز الهرموني.
Page 10

جهاز التنفس

يتألّف جهاز التنفّس عند الإنسان من: أنف، زلعوم، قصبة هوائية ورئتين.
الأنف ـ مكوّن من منخرين ومن جيوب أنفيّة. المنخران مجريان هوائيان واسعان ومتجاوران، فيهما منحنيات وأخاديد. يفصل بينهما حاجز غضروفي صغير، طوله حوالى العشر سنتمترات، ينتهي حيث تبدأ الجيوب الأنفية التي هي عبارة عن قنوات رفيعة تذهب بعيداً في عظام الجبهة والخدين وتشكّل غدداً تفرز مادة ملحيّة سائلة ومواد مخاطية.
في القسم الأخير من سقف الحلق الذي نسمّيه حنجرة، ينفتح المنخاران والجيوب الأنفية والزلعوم. وليس بعيداً عن الحنجرة يقع البلعوم الذي يفصله عنها باب غضروفي مرن متحرّك، منفتح على الفم بشكل شبه دائم، ولا ينغلق إلّا عند البلع. جميع هذه الأعضاء تتشكّل من نسيج غضروفي ومن عضلات ملساء مرنة تتأثّر بحركة اللسان والفكّين.
تغطّي المنخرين من الداخل جلدة تكسوها شعيرات متشابكة عند المدخل، وتتوزّعها في الداخل أعصاب حاسّة الشمّ، وغدد مخاطيّة. يعمل المنخران دون توقف، وعملهما شهيق وزفير. يتنشّقان الهواء المزوّد بمادة الأوكسيجين، وينقّيانه من المواد الغريبة، الجامدة منها والسائلة التي يمكن أن تكون قد لحقت به في الظروف غير العاديّة، ويعدّلان حرارته ورطوبته إذا كان حارّاً أو بارداً، ناشفاً أو رطباً، ويجعلانه بوضع يتلاءم مع حاجة الرئتين، ويوصلانه إلى الزلعوم. ويزفران الهواء القادم إليهما من الرئتين، مشبعاً بمادة ثاني أوكسيد الكربون.
الزلعوم ـ حلقة وصل بين القصبة الرئوية وفراغ الفم، حيث ينفتح المنخران والجيوب الأنفية. يتألّف من نسيج غضروفي ومن عضلات ملساء مرنة وغدد مخاطية، ومن غشاء جلديٍ حساس. مهمّته إعادة النظر بالهواء الداخل مع الشهيق. فإذا صادف أن لحق به جسم غريب، يتقلّص قافلاً الباب أمام نشقة الهواء هذه، ويفرز مادة بلغميّة، يدفعه معها إلى الفم الذي يبصقها ويقي الرئتين من ضررها. أما في حال كان الهواء المستنشق نظيفاً وصحّياً ينفتح أمامه، ويتركه يدخل القصبة الرئوية التي توصله إلى الرئتين.
القصبة الرئويّة ـ قصبة غضروفية تتألّف من حلقات، قصيرة، تمتدّ من الزلعوم إلى أعلى الصدر الذي ما أن تصل إليه حتى تنقسم إلى قصبتين تذهب كل واحدة منهما إلى رئة من الرئتين، وفيهما تتشعّبان وتذهبان باتجاهات مختلفة، وتتفرّعان إلى فروع صغيرة وكثيرة، أشبه ما تكون بفروع الشجر وغصونه. ينتهي كل فرع منها بكيس مرن صغير جدرانه تشكّل انتفاخات نصف دائرية، مؤلّفة من نسيج وخلايا ماصة هي نهاية الأوعية الشعرية. فيها تتمّ عمليّة تنقية الدم من ثاني أوكسيد الكربون وتزويده بمادة الأوكسيجين الضرورية لتنفّس خلايا الجسم. مادة الأوكسيجين هذه، القادمة مع الهواء النقي الذي تنشّقته الرئتان عن طريق الأنف بالشهيق، تمتصّها كريات الدم الحمراء التي توصلها الدورة الدموية إلى أنحاء الجسم كافة، وتستبدلها بكريات دم أخرى حمراء مشبعة بثاني أوكسيد الكربون. بهذه الطريقة تتمّ عملية التنفس، وتستمرّ الحياة.