إهداء
إلى الشُّهداء الذين خضَّبوا بدمائهم أرض فلسطين وما وَهِنوا، و أرواحهم تظللنا وتحرسنا...
إلى الأسرى القابعين خلف القضبان الرهيبة في سجون الاحتلال، والذين خاضوا معركة الأمعاء الخاوية، وسجلوا في التاريخ بِمدادٍ من ذهب أطول إضراب عن الطعام في تاريخ البشرية من أجل الحريَّة،إلى المناضلين الشُّرفاء الذين نذروا حياتهم للدفاع عن الوطن، وإلى كلِ محبي الحريَّة، والإنسانية، والأحرار في العالم.
أهدي هذا الديوان
ملحمة شعرية
مَجزَرَةُ بَيت الريم
"اللَّيلُ الدَّامي"
خَمدتْ خَطواتُ السُكانِ
بكُروم اَلزَيتونِ
واِنسَلَّت أَشباحُ الليلِ
وصارت تنذرُ بالويلِ
تدنو أسرابٌ من عرباتٍ
مُجَنزَرةٍ.. مُدرَّعةٍ بجنودٍ مُرَصّعةٍ
تتجمعُ في ساعاتِ العصر
في مدخلِ بلدةِ "بيتِ الريم"..
جزءٌ في الشرقِِ وآخرُ غرباً
وشمالُ البلدةِ وجنوب
توزَع كلُ الجُندِّ على أبوابِ البلدةِ
أحاطوا بها من كلِّ جهةٍ
تَرفِدهم وحداتٌ هَمجِيّةٌ
تُدعى" دوفدفان " الوَحشِيّةُ
بمقدمِها جُندٌ ومجهولون
ليس لهم أيُّ هوية
كان الطوقُ علينا صعباً
لكن مع سَكناتِ الليلِّ
لم يظهرْ أيٌّ من أشباحِ اَلغُولِ
لاذوا في الوادي بين تلالِ الزيتونِ
وخلفَ السفحِ وتحتَ الصخرِ
وبينَ الأشجارِ وهم بالشرِّ يَصولون.. يَجولون
بوجوهٍ طُليتْ بالألوانِ
بالأسودِ من لونِ الشيطانِ
وبأيديهم من كلِّ سلاحٍ
لا يَعرفُ للرحمةِ رَاح
في البلدةِ كانَ الناسُ نِيام
إلاَّ من جافاه النومُ فقامَ
وجنودٌ ترقبُ بينَ خِيام
حَامَ فوقهُمْ الزُؤامُ
كانت طرقاتُ البلدةِ تسبحُ في الأحلامِ
لا أحدَ يعرفُ ما يجري
وعيونٌ تَحكي دونَ كلامٍ
هاماتٌ وقفتْ كالأصنامِ
في ظلمةِ تلكَ الليلةِ بينَ لفيفِ الأصحابِ
لا يدري أيٌّ منهمْ بالطوفانِ
يأتي بالموتُ بجنودٍ يسكنُهمْ شيطانٌ
مَلهِيٌّ كان البعضُ
في مَخفَرِ الشرطةِ بالبلديةِ
تُشغِلهُمْ أعمالٌ أَمْنِيّةٌ
في وسطِ البلدةِ
لا أخبارَ
ولا رُقَباءَ
لا طيفٌ في الشَّارعِ سَيّار
سوى أطيافِ جنودٍ من صهيون يجنوُنَ العارَ!!
داهمَ كل الجُندِ البلدةِ
طافوا بجميعِ الأحياءِ
زحفوا مثلَ عقارِبِ صحراءٍ صفراءٍ
كالأفعى كالحيةِ الرقطاءِ
تنتظرُ أنْ تقتربَ ضحيةٌ
قَدِموا من كلِّ نواحي الأرضِ:
عابودَ، كفرِ الديك، وكفرِعين
من قريةِ نبي الصّالحْ والبَرّيّةِ
في الثانيةِ من فجرِ الصُبحيةِ
جاءتْ دباباتٌ عُدوانيةٌ
عرباتٌ بالجنزيرِ عَتِيّةٌ
وفِرَقُ جنودٍ تحميها بالنارِ طيورُ جَوارِحٍ جويةٍ
دخلوا الأحياءَ بلا إنذار
وبأيديهمْ أسلحةٌ تقذفُ ألسِنَةً ناريةً
صَبّوا كلِّ النارِ
على رجالِ السلطةِ الأمنيةِ
في البلدةِ من طرفِ الجهةِ الشرقيةِ
رشاشٌ يرمي تتقدمهُ جرافاتٌ .....
عرباتٌ بالعسكرِ مَكسِيَّةٌ
تتسابقُ عبرَ شوارِعها يعلوُها صوتُ الجُندِ...
ممنوعُ التجوّلِ.. ممنوعُ السيرِ في الطرقاتِ
من يخرجُ يُقتلُ أو يُعتقلُ أو يتعرضُ للضَّربِ عَشيّة
مُنِعتْ مِنّا طرقاتُ البلدةِ والسيّرِ بها في الفَجريَّةِ
وأفاقَ الناسُ على وَقعِ هدير الدباباتِ والعرباتِ
وقَصْفِ غاراتٍ جويةٍ
وأزيزِ رصاصِ الرشاشاتِ
لمعانِ قنابلً صوتيةٍ
لم ينجُ منها الشَّارعُ والمنزلُ.. فكانتْ
أشبَهَ بالهَزّةِ الأرضيةِ
و رجالُ الأمنِ قِلّةً
لم يتجاوزا سبعة أفرادٍ
جاءوهم دونَ سابق إنذارِ
وعليهمْ بدأوا إطلاقَ النارِ
أُصيبَ البعضُ
أحدُهم كان نائماً على سريره
في الظلِّ وتحتَ غصونِ الزيتونِ
صَوّبَ جنديٌّ من صهيونً
ماسورةَ رشاشٍ غدّارٍ
نحوهُ فاستُشهِدَ في الحالِ
زحفَ الجَرحى هرباً من أنيابِ الموتِ
نحو المنزلِ... نحو الزاويةِ من البيتِ
طلبوا الإسعاف من السكانِ
والبعض الآخر راح لينجو
بالهرب لقرى أقرب
في جُنْحِ اللَّيلِ المظلمِ
رَصَدٌ من فوقِ رؤوسٍ يترقبُ
طائرةَ نواظيرٍ صُنعت للَّيلِ
ببطونِ شجرِ الخروبِ توارَوْا
في سفحِ الجبلِ لهم ملجأٌ
"لِحزام" كان المَخبأُ
كي ينجوَ من قصفِ الرشاشِ
اِستُشهدَ منهمْ اثنانِ
والتينُ تمزّقَ والرُمانُ
وبكتْ أغصانُ الزيتونِ
مَنْ ماتوا وغَيّبهم المَنونُ
سُمعَ منهم آخرَ الكلماتِ
بجهاز الهاتفِ قَبلَ فواتِ
الرحمةِ لمن ضَحّى بحياة
من أجلِ الأرضِ من أجلِ النّاسِ على الطرقاتِ
: "اِستَشهدَنا".. وانقطعَ الصوتُ
نزفَ الشريانُ
تحتَ الأشجارِ وتحتَ غصونِ الرُمانِ
تُرِكوا ليموتوا قَبلَ أوانْ
ومقابلَ مبنى البلديةِ
اِستَشهدْ منهمْ رجلانْ صِنوانِ
ومنثورٌ على الأرضِ دماغُ أحدِهِما الشُّجعانُ
من قبلِ النَّومِ في الجهةِ اليسرى من البستانِ
وبعضُهم تَعرّضَ للأضرارِ
برصاصِ الجنديِّ الغدارِ
هاموا بينَ بيوتِ البلدةِ
تسيلُ دماهُمْ كالشّلالِ
تَرّوي الطرقاتِ.. تَرّوي ودياناً وتلالْ
منعوا عنهم الإسعافَ
لعدةِ ساعاتٍ من الإجحافِ
جاءتْ عرباتٌ تحملُ جُنداً
أرتالٌ تتبَعها أرتالٌ
دَكّوا أبوابَ بيوتِ البلدةِ
هدموا الأسوارَ.. كسروا الأقفالَ
عبثوا بالداخلِ والخارجِ
اعتقلوا جمعاً من شُبّانِ البلدةِ
غَلّوا أيديهم وعلى العينينِ شَدّوا العَصبَةَ
أخرجوا السكانَ من لبيوتِ مع النَجمةِ
غَصْباً تحتَ البردِ القارسِ والقَرِّ
خوفاً من أن يغضبَ جندُ الشَرِّ
منهم أطفالٌ وشيوخٌ ومرضى ونساءٌ حواملٌ
العالمُ يُندد.. يتساءَلُ
كانتْ باكورةُ هجماتٍ
في ذكرى أحداثٍ سنويةٍ ..
مجزرَة أهالي " كفُر قاسم"
ومَقْتلُ "زئيفي" وزيرِ الصُّهيونيّةِ
بوقُ الكُرهِ وبوقُ الحِقدِ وبوقُ دعاةٍ عنصريَّةٍ
صاحبُ تلكَ النَّظريّةِ
طَرْدُ السّكانِ من الأوطانِ كي تصبحَ أرضُنا يهوديةً
لذا نَفّذُوا مَجزَرة إرهابيةً..
أربعةَ بيوتٍ لشبابٍ ثائرٍ
نَسَفوها لم يبقَ منها أيُّ بقيةٍ
خلعوا الأشجارَ دَكّوا الجدرانَ
عاثوا في القريةِ ما تركوا
في كلِّ الأحياءِ السكنيَّةِ
بيتاً لم ينجُ من حِقدِ
بشاعةِ وحوشٍ بَرّيّةٍ
ذاتُ الجنزير وذاتُ البرجِ بصوْلتِها
تهرسُ... تطحنُ ...عرباتِ البلدةِ
على جَنْبِ الطرقاتِ كانتْ مُصطفّةً
تسويها بالأرضِ
تحرثُ شوارعَ بلدتِنا ....
تطلقُ طلقاتٍ ناريةً
من رشاشاتٍ لا تعرفُ معنى الرَّحمةِ
نحو الأهدافِ وصَوبَ صدورِ الثوارِ
ممن هَبُّوا رغمَ الأخطارِ
رغم القِلةِ... للذودِ عن البلدةِ والنَّاسِ
كالرعدِ كان الصوتُ يجيءُ
كالصاعقةِ فوقَ رؤوسِ النائمِ والحراسِ
يَهِزُّ الأرضَ يُجَلجِلُ في غَيم وسماءِ
حتى صارتْ سماءُ البلدةِ وهجَ ضياءِ
كانتْ كالنّارِ الملتهبةِ
بركانٌ من حِممٍ مُنسَكبةٍ
منعوا سياراتِ الإسعافَ..
ورجالَ الكلمةِ والإعلامَ
لم يُسمحْ لصليبٍ أحمرٍ .....
أو من كانوا خلفَ المَعبَرِ
طُرِدوا رغماً تحتَ التهديدِ
فبقوا في الخارجِ رَهنَ وَعيدٍ
أُغلِقت البلدة في يومين
في حسابِ الدَّهرِ كما الحَوْلينِ
في البلدة كان الكلُ ينوحُ
كان الشَّجرُ... كان الحجرُ
كان الإنسانُ..... كان الحيوانُ
كانت كلُّ الأرضِ تبوحُ
تحكي عن موتٍ وجروحٍ
نُقلَ الشُّهداءُ لرام الله
مع غروب الشَّمسِ يا خلقَ الله
البعضُ بلا رأسٍ.. بلا مَلامِحٍ
ودماغٌ منثورٌ على الأرضِ
ودماءٌ تنزفُ كالشَّلالِ
أجسادٌ هَشّمها دفقُ النيرانِ
دعاة سلامٍ مزعومٍ
وكلامٌ كذّابٌ موهومٌ
فرائسُ وحشٍ مشؤومٍ
جيشٌ صهيونيٌّ مأزومٌ
********
صار السُّكانُ لا يعرفُ كلُّ أين الآخرُ
غير العينينِ تختلسُ من النوافذِ النظراتِ
لترى ما يجري في الطُّرقات
وتعرفُ ما يحدثُ في البلدةِ وما هو آتٍ
لا أحدَ يقدرُ تَرْكَ المنزلِ
فالخطرُ الكامنُ في كلِّ زوايا البيتِ
رصاصٌ يُطلقه جندٌ يحمِلُهُ الموتُ
تسعةُ جرحى سقطوا في الحالِ
برصاص الصهيونيِّ المُحتالِ
لكنَّ نساءَ البلدةِ هَبّتْ في الفجرِ
بقلوبٍ مثلَ الجَمرِ لهَوْلِ الأمرِ
***
فالبلدةُ صارتْ كالسِّجنِ
والناسُ إلى أمرٍ جمعوا في ساعةِ وَهنٍ
ثلاثةُ شهداء وُضِعوا فوقَ الجنزيرِ
طافوا بالجثةِ كي يشهدَهُمْ طفلٌ وكبيرٌ
فرحينَ بصيدٍ نالوه في يومٍ صَريرٍ
في اليومِ التالي غادرَ كلُّ جنودِ الغزوِ
من بعدِ القصفِ البَرّيِّ وغارةِ طيرانٍ في الجوِّ
جلبتْ للبلدةِ كلَّ دمارٍ
ولجيشِ الغازي وصمة عارٍ
ولمقاومةِ بيتِ الريم كلَّ فخارٍ
كي تبقى الذكرى برقَ شرارٍ
وَهّاجٍ في دمِ الأحرارِ
تروي القصة للأجيال
لتصليَ للشهداءِ الأبرارِ
ولتُبقِيَ العهدَ..
ونصونَ الوعدَ..
و فلسطينُ الحرةِ
عربيةٌ تلسعُ كالجمرةِ
وبقيت "بيت ريما" كالشُّعلة
في حلقِ العدوِّ شوكةٌ
تحميها زنودٌ وبنادقٌ
وشبابٌ للموت يسابقُ
20/9/2012م
ملاحظة: كتبت القصيدة بمناسبة الذكرى الحادية عشرة لمجزرة "بيت ريما" التي حدثت بتاريخ24/10/2001م، ونفذها جنود الاحتلال الصهيوني في محاولة لكسر شوكة بلدة بيت ريما الثائرة ضد الاحتلال الصهيوني، وإطفاء جذوة نضالها المستمر من أجل حرية فلسطين منذ مطلع القرن الماضي، وكذلك للدلالة على أن إسرائيل غير معنية بسلام عادل، والشيء الآخر تعتبر بلدة بيت ريما عريقة في النضال، وتاريخها النضالي ممتد إلى ما قبل النَّكبة وحتى اللحظة الراهنة، حيث قدمت الشهداء، وأعتقل الكثير من أبناءها في السجون في أكثر من عهد ومرحلة منذ الانتداب البريطاني مرورا إلى العهد الأردني ثم عهد الاحتلال الإسرائيلي، وهي لم تبخل بالعطاء، وما زالت تقدم المناضلين، والأسرى، والشهداء والقيادات الوطنية والفكرية والعلمية حتى اللحظة.
وقد كان هذا الاجتياح المميت للبلدة هو أول اجتياح لمناطق( ألف) الخاضعة للسلطة الوطنية، وقد استشهد خلاله خمسة شبان من أفراد الأمن الوطني والشرطة الفلسطينية،وجرح العديد من المواطنين، وتم نسف أربعة منازل مناضلين، وتصدع العديد من المنازل المجاورة، وحرق آخر.
أتيتكِ يا قدسُ
يا قـدسُ يا مهدَ النّبــــــوةِ
منكِ النبيُ سَرى وأســــفرْ
صوتُ الأنين من الطُّـغـــاةِ
على رُباكِ صــدىً تفجــــرْ
خلفَ الحواجزِ في المداخــــلِ
غـاصبٌ جنــدٌ وعسكــــرْ
يهفـو الفؤادُ لساعـــــــةٍ
فيها الأَذانُ علا وكـبـّـــــــرْ
قد جئتُ أروي مُهجتــــــي
من تربك المسـك المُعطَّــــرْ
أفديكِ إذ حميَ الوغـــــــى
بالرَّوحِ والدَّمِ المُـعفـَّــــــــرْ
قد نلتُ فيكِ من المعالــــي
ما تنالُ رمـاحُ عنتــــــــــرْ
إنِّي وإنْ جفَّتْ دَوَاتـــــــــي
بدمي على كفي أَسْطُــــرْ
الجرحُ أنـتِ و غُصَّــــــــــةٌ
فــي القـلـب تَـزْخَـــــــــرْ
يا زهرةً فـَوْحُ شذاهـــــــــا
يملأُ ُ الكــــونَ ويَغـمُـــــــرْ
قلبي على العهــدِ ومـــــا
ضَنّ بيـومٍ أو تأخـــــــــــرْ
عَمَّ الخــرابُ بِساحـِـــــــها
وعلى رُباها الظلــمُ يُنــشرْ
هذي فلسطــينُ الحبيبــةُ
حُبُّها في القـلبِ زمْجَـــرْ
الرّوْح تعشقُها والطَّيــــرُ
في أفنائها تَغـــدو وتُبكِـرْ
روحي لها وأنا فداهــــــا
وأنا علــى العـهد مُسيّـرْ
هي فـي شراييني هــوىً
يقتـاتُ مـن زيـتٍ وزعـتــرْ
تعلوا البيارقُ أسطُحَـهـا
وقيدُ الظـلمِ يُكـــــسرْ
تَمحي الظلامَ سواعــــدُ
الثــوارِ تشـدو وتُكَـبّــــرْ
والصـّـرحُ مــن آلامـنـــا
نبنيه للـقــدسِ لِتَعـمــرْ
والشَّمسُ تشرقُ من جديدٍ
فوقَ أسطُحِــها فتُـزهـِـر
والغاصبُ الملعـونُ يرحــلُ
عـن مَدارِجها ويُقـهَــــر
والـقـدسُ تَرجِـعُ حُـــــرةً
تشدو مآذِنُـها الله أكـــبر
27/11/2011م
أنا مضربٌ عن الطعامِ
في سجني
يومٌ مَرّ يعقبُ مئتينِ
وأنا مأسورٌ في السِّجنِ
حَرّمتُ على نفسي الأكلِ
حتى جفّتْ أوردتي والجسدُ نَحَلْ
سَطّرتُ بكتبِ التَّاريخِ أطولَ إضرابْ
لم تعرفْ له البشريَّة مثيلْ
قاسيتُ به ألوانَ القسوةِ والتنكيلْ
من أجلِ العودةِ للحريةْ
من حوْلي الإخوانُ وقوفا
كالطّودِ بوجهِ طغاةِ البشريَّةْ
أتحدّى الموتَ بعزمٍ لا
تفنيه جبابرةُ حقدٍ همجيةْ
أقتاتُ الماءَ وبعضَ الملحِ
وفي عينيْ وطنٌ وقضيةْ
أصبحتُ كهيكلِ عظم دونَ حياةْ
ملقىً في السِّجنِ
على كرسيِّ يتحركُ يميناً وشمالْ
وعروقي تنبضُ بالوهنِ على تلكَ الحالْ
تسرقُني الغيبوبةُ مِن عالمٍ حسيٍّ
أفقدُ معها ما تدركه حَوْلي نفسي
ظلَّتْ أمعائي خاويةً
أياماً تتلوها أيامْ
لكنِّي رغمَ العطشِ ورغمَ الجوعِ
سأقاومُ عنفَ الإرغامِ
وتظلُّ عيونِي ساهرةً
تحرسُ أقداسَ الأحلامِ
**********
أحملُ قيدي غصباً بيدي
والقيدُ الآخرُ يَحفُر في قدمي
فتسيلُ دمائي نازفةً بينَ الجدرانِ
وتَخورُ قوايْ و يَصرَعني ظلمُ السَّجانِ
يا ظالمٌ يوماً سوفَ يكونْ
يوماً يُهزَمُ فيه القهرْ
في الصّبحِ وفي ساعاتِ العصرْ
ينكسرُ سلاحُ الجبروتْ
وظُلمُهمْ على السّورِ يموتْ
والحقدُ يمارسه الجلادْ
رَبُّ التعّذيبِ على الأوتادِ
تهزمُ قواتَ الصهيونيّةِ
بسلاحِ العاشقِ للحريَّةْ
ومهما كان العزلُ داخلَ زنزانةٍ
وحيداً.. في السّجن بلا رفاقْ
لن تكْسِرَ إرادتُنا
مهما مارستُمْ من أصنافِ التعّذيبِ
سنبقى شوكاً في حلوقِ جنودِكمْ
فالشَّعب هنا يكرهُكمْ
لأنّا نحنُ النّورَ ونحنُ الشَّمعةَ
نحنُ الأملَ ونحنُ القِبلَة نحن الدّمعةَ
للصامِد خلفَ القضبانِ
بقلوبٍ عامرةٍ بالإيمانِ
الصََّفوَةُ همْ من بينِ الفرسانِ
لا سجناً يخشَوْنَ ولا سجّانْ
هم نارٌ في حلقِ العدوانْ
رمزٌ للثورةِ ... وأبطالٌ شجعانْ
*********
هَذي القصةُ حكايةُ أسيرْ
مَنسيٍّ رَهنَ عذابِ التدّمير
ينتظرُ القدرَ وما يأتيهْ
سلّم للهُ الأمرَ في هذا التّْيِِهْ
من أجلِ الوطنِ... من أجل الشَّعبِ
من أجل الأرض.... في هذا الزمنِ الصعبِ
**********
ذكرى "فادي" وقتيلُ الغدرِ
في الحرمِ الإبراهيميِّ شهيداً
في العامِ الرابعِ والتسعين
من عمرِ القرنِ العشرين
كالطّودِ بوجهِ العدوانِ
وبكلِّ عِنادٍ وصلابةٍ
يدافعُ عَنْ أرضِ فلسطين
من خلفِكَ شعبُ جبّارين
وفي الكفين
حجارةُ غضبٍ من سَجينْ
وكلُّ الأسرى المُنفَكّينْ
لرصاص القاتلِ ليسَ يلينْ
وحنينٌ للثَّورةِ لا يهدأْ
مهما طالَ الغدرُ سنينْ
****
على فراش الموتِ أحْتَضِرْ
معركةُ الأمعاءِ الخاويةِ..
ستنتصرْ.. حتماً ستنتصرْ
9/2/2013م
ملاحظة : إهداء إلى الأسير سامر العيساوي الذي أضرب عن الطعام في الأول منذ آب 2012 احتجاجا على إعادة اعتقاله ثانية من قبل الاحتلال الإسرائيلي ، وقد تجاوز إضرابه المفتوح عن الطعام (260) يوماً في سجن نفحة الصحراوي ، وقد سجل أطول إضراب عن الطعام في تاريخ الحركة الأسيرة، وتم نقله إلى إحدى المستشفيات بعد تردي صحته، وكذلك إهداء لبقية الأسرى الآخرين المضربين: يوسف، وجعفر ، وطارق، وأيمن وغيرهم.
سامر العيساوي هو من الأسرى المحررين الذين تم الإفراج عنهم ضمن صفقة التبادل مع الجندي الإسرائيلي (جلعاد شاليط) في الثامن عشر من تشرين ثاني من العام 2011، و قد أعتقل في نيسان عام 2004، وكان يقضي حكما بالسجن لمدة 30 عاما، أنهى من هذه المدة 10 أعوام إلى أن أفرج عنه ضمن الصفقة المذكورة. وهو أخ الشهيد فادي العيساوي الذي استشهد عام 1994 في مجزرة الحرم الإبراهيمي.
رسالةُ والدٍ لابنهِ الأَسير
بالحبِّ تَخْضرُّ الحياةُ وتزهرُ
والقهرُ يذهبُ والعداوةُ تُزْجَرُ
يا مَنْ طِوالَ العمرِ ضَحّيتَ
ولم تتركْ جدارَكَ ينحني يتكسّرُ
القيدُ أضحى كالوسامِ
على يديّكَ وفي جبينِكَ مِئزرُ
لا السِّجنُ تخشى لا ولا الموتُ
ولا صوتُ الحديدِ والمجنزرُ
فالسّجنُ مدرسةٌ لِمنْ عشِقَ النِّضالِ ومِنْبَرُ
يا مَنْ صنعتُمْ من زنازنَ سجنِهِ
أملاً كنورِ الفجرِ يُنتشرُ
دُمتمْ له سنداً ودامَ نفيركمُ
فالأرضُ ترعدُ والسماءُ تُزَمْجرُ
أبوابُ بيتي في اشتياقٍ للحظةٍ
يظلُّ فيها طيفُ وَجْهكَ يزهرُ
ستَ وعَشْرَة من سنين العمرِ تهدرُها
بينَ السُّجونِ أُجَرجَرُ
متلهفاً للقاءِ مَنْ أهوى ومن في
سجنهِ أضحى يَباتَ ويُبكِرُ
خَطَّ المَشيبُ ذَوائِبي
واحدَودبَ الظهرُ منِّي... هدَّني الكِبَرُ
وإن ذكرتُكَ يبدو العمرُ ثانيةً
ومن عيوني دموعُ الشَّوقِِ تنهمرُ
يحولُ بيني وبين الوصلِ جندهُمْ
فكيف لي بلقاءٍ فيه العمرُ يُختَصرُ
سلامي مع نسيمِ الصَّباحِ أُرسِلهُ
روحي تسافرُ تنشدُ وجَهكَ هوَ القمرُ
وأمُّك أضناها ومن وَجْدِ شوقِها
من حزنِها فقدتْ أحداقَها النورَ ذهبَ البصرُ
في كلِّ يومٍ صَوْبَ السّجنِ أَعيُنُها
ويحدوها الأملُ والحُلمُ والسَّفرُ
لا تأسَ يا ولدي فإنَّ اللهَ مَرجِعُنا
ومن غيرِ عَونِ الله يُمسِي القلبُ ينفطرُ
كلُّ الشَّبابِ فداءٌ حين يطلبهُم
وطنٌ تَربّوا على تلاتهِ الخُضْرُ
لا اليأسُ يُثنيهمْ يوماً ولا وجلُ
فمنَ تبنى الصَّبرَ والإيمانَ ينتَصرُ
10/4/2011
أَغْفــو كَيــفَ ؟
أَغْفو كَيفَ..
وفي عَينَيَّ ألفُ سُؤالٍ؟
هَلْ تَغْفو الدَمعَةُ في الجِفنَينِ؟
دَربٌ مِنَ المُحالِ
اَنتَظرُ طويلاً... وَصبَرتُ
خَلفَ القُضبانِ..
والشَّوقُ لأَطفالِيْ والأَهلِ
نارٌ تتأجَجْ كالبُركانِ
أَغْفو كَيفَ.. وألفُ سؤالٍ في عَينَيَّ ؟
بَينَ الجُدرانِ ..
أَخُطُّ عليها بِيَدي..
تَمُرُ بِيَ الأحلامُ والأيامُ..
الماضِي مِنها، والآتي
صَدىً يَتَرددُ كالزِلزالِ داخلَ ذاتِي
وَدّعتُ كثيراً مِمَنْ عادوا للحُرِيةِ
للبَيتِ... للأَهلِ والباقي ينتظرُ الدَّوْر
وأنا مزروعٌ في سِجنِي... طَودٌ مِنْ صَخرِ
لَنْ أركَعَ لسَجَّانٍ غَدَّارٍ
********
وأَغْفو كَيفَ ؟..
وفلسطينَ يُعذبُها مُحتَلٌ نذلٌ وجبانٌ..
يَجْتاحُ رَوابيها جنودٌ كالطُوفانِ
يَبغونَ لها المَوتَ
لتَعودَ حكاياتٌ تُروى في دَرْبٍ مِنْ نِسيانٍ
أنـَّـا للدمعَةِ أنْ تسكُنَ في جوفِ الأَحْداق ِ ؟
قدْ مَلَّتْ كَفَّايَ مِنَ الحَفرِ على الجُدرانِ
حَوَّلتُ جِدارَ السِّجنِ إلى لَوحٍ
حَوَّلتُ مَساطِبَهُ صُحفاً
وكَتبتُ عليها أَخْباري بِدَمِي ..
يَقطرُ مِنْ جَوفِ الشَريانِ..
دَوّنتُ عَذاباتِي
يَومَ أقلّتني شاحِنَةٌ
حِينَ خُطِفْتُ مِنَ البَيتِ
للسِّجنِ هناكَ حَيثُ سَمعتُ
قَصَصَاً تقشَعِرُّ لها الأَبْدان
*********
أَنْسى.. كَيفَ ؟
بَشاعَةَ هَاكَ السِّجنِ وظُلمَ السَّجّانِ..
طُرقَ التَعذيبِ والصَعقِ... بأَسْلاكِ النَّارِ
شَبْحَ الجَلادِ رسولَ العارِ
لِساعاتٍ عِدةٍ.. وبِكلِ مَعاني الهَمَجِيةِ
يوسِعْنا ضَرباً بالأقدامِ وبكَعبِ سِلاحٍ نارِيَة
رَكْلاً بِبَساطيرَ العَسْكَرِ
كَبَّلنا بِالأَصْفادِ... بِقُيودِ حَديدٍ لا تُكسَر
ورؤوسٌ من قَهرِ الأكياسِ
تكادُ مِنْ الغَيظِ تُفْجَر
فَيَسيلُ الدَمُ مِنَ الأَحداق ِ
جَلادٌ يَضحَكُ شَمْتاناً مِلءُ الأَشْداق ..
يُقَهقِهُ مَفْتوناً...
صَفراءٌ كانت ضِحكتَهُ
سَمٌّ تَنفُثهُ أفعى رَقْطاءُ
كَلْحاءُ الجلدِ وَوَحْشِيَّةْ
********
لَنْ أَنسى والغُصّةُ في قَلبِي
كَالنَّارِ... تُعذِّبَهُ صُبحاً وعَشيَةً
طفلٌ يُولدُ خَلفَ جِدارِ السِّجنِ
مَحروماً مِنْ نورِ الشَّمسِ... من الحُرِيةِ
مَسجوناً في حُضنِ الأمِِّ
تَذرفُ عَيناها دَمعاتٍ حَرّى وشَقيَة
يُحجَبُ عنه النورَ وضياءَ القَمر
لكِنَّا نفرحُ لقدومِهِ ِ
ونقولُ لحرَّاسِ السِّجنِ:
زِدْنا عدداً رَغْماً عن أنفِ المُحتَلِ
ويُسَجِّلُ في قيدِ شَهادَاتِ الميلادِ..
مولودٌ في سِجنِ "التلمون" أو "الرملة"..
أو في مُستشفى العَسكرِ في (إسرائيلَ)
يفرحُ والدهُ لِسماعِ الخَبرِ
يَرقصُ فَرَحاً لزيارَةِ أمِّ الطِّفلِ
فيُرَدُّ على عَقِبَيْهِ دونَ أَملٍ
مَكسورَ الخاطرِ لم تُبصِرْ عَيناه وَليدَهُ
فَلذَةَ كَبِدِهِ ... يزدادُ به وَقعُ عَذابِه
*******
أصواتُ الأَطفالِ تُنادينِي
في كُلِ مَساءٍ.. وصَباحٍ
تَرحَلُ رَوحِي... بالدمِ تُفْجَرُ شَراييني
مع هَبّةِ ريحٍ صَوبَ البَرِ وعبرَ البَحرِ
أحلمُ أنْ أُصبحَ طيراً حُراً
أُحلِّقُ مع إخوانِي نَحوَ ربيعِ العُمرِ
في إحدى الصَفقاتِ
لأَعودَ طليقاً من ظُلماتِ الأَسْرِ
لَنْ أيأسَ أبداً... لَنْ أيأس
سأُرَمِّمُ ذاتِي يا وَطنِي
مهما طالَتْ سَنواتِ الصَبرِ
سأظلُ على العَهدِ أَميناً
رَغمَ الألمِ ورَغمَ القَهرِ
أُهنيِّءُ مَنْ ذاقوا مِنْ بعدِ السِّجنِ رَحيقَ النَصرِ
********
لا تحْزنْ يا وطنِي مهما
جَنَّ المُحتلُ علينا وَجَارَ
تبقى العَودةُ في كُلِ خلايا الجَسدِ
جَذوَةَ نارٍ
بإزارِ النَّصرِ موشَحَةً
بكُلِ حَنينٍ لِترابِ الأَرضِ وعِشق الدَّار
16 /10/2011م
ملاحظة: كتبت بسبب عدم وجود ذكر لأسماء الآخرين المحكومين بالمؤبدات من الوطن في قوائم المُفرج عنهم في صفقة التبادل مقابل "شاليط" الجندي الصهيوني، التي تم تنفيذها، ومن بينهم أبناء بلدة "بيت ريما" المناضلة.
النَّكبَةُ
تَسوَّروا البيوتَ في هَدأةِ الظَّلام
والكُلُّ في سُباتٍ رُقودٍ ونِيام
وأَرْعَبوا الأطفالَ والنِسوةَ الحَوامِل
وفَجَّروا مِنْ بَعدِها الأبوابَ والمَنازل
وهَجَّروا السُّكانَ قوافِلاً.. قوافِل
لأنْهم وحوشٌ.. مُسّتَعمرٌ وغادِر
اِرتَكبوا المجازِرَ مِنْ بعدها مَجازِر
في السِّرِ( إسرائيلُ) بأَرضِنا تُقامِر
بِدَمِنا وعَرضِنا وتملأُ المَقابر
تُشتتُ الشعوبَ بِجُندِها تُحاصِر
وتمنعُ اليتامى مِنْ غائثٍ وناصِر
كَمْ دَمَّروا من قريةٍ مَأهولةٍ ومَقابِر؟
وزَيّفوا التاريخَ مِنْ ماضٍ وحاضِر
وقالوا: أرضٌ بِلا سُكانٍ فشعبُها مُهاجِر
*******
صِرنا بِلا هويةٍ بِلا ذنبٍ نُلام
وهيئةٍ للأُممِ تَستمْرِئُ الظُلاّم
تَذودُ عَنْ أبناءِ مَنْ قاتلوا السَّلام
وشَيَّدوا مِنْ لَحمِنا عَرائشَ الزَّحام
وبَدَّلوا أسماءَ كُلِ قَريةٍ وبَلدَة
وحَلّتْ بِنا نَكبَةٌ.. ما بَعدَها نَكبَة
لَم تَسلمْ الحاراتِ منها... أو تَسلمْ المَنازِل
في الليلِ غَدرٌ و اغْتِيالٌ ومَهازِل
يدَّعون أنَ الشَّعبَ يوماً كُلَّهَ لا بُدَّ زائِل
لَنْ تُحرمُ الأوطانُ مِنْ سُكانِها
مِنْ ناسِها وأصْحابِها الأَوائِل !!
*******
يَرنو إليهِ الأَهلُ مِنْ خَلفِ الحُدودِ
ظناً بالعودةِ يوماً بعدَ طولِ الوُعودِ
وُعودُ الزَّيفِ نَسمَعُها في كُلِّ يومٍ
يضيعُ الحَقُ والأرضُ والشَّعبُ شَريد
أَيُها العالَمُ الظالِمُ أينَ ميزانُ العَدالَةِ ؟
أينَ حقٌ ضيَّعتهُ انتصاراتُ الجَهالَةِ ؟
*******
إنْ عَلا الطِغْيانُ والبطشُ تَجَبّر
وغريبُ الدَّارِ للأَرضِ تَنَكَّر
حَقُنا يَعْلو وعلى مَرِّ الزّمانِ يَنمو ويَكبَر
أيُها الشَّعبُ تَرَفَّعْ فَوقَ أحزانِ الحَياةِ
ليسَ للعالَمِ أُذنٌ أو فَمٌ.. هو للطُغاةِ
إِنَ لِلظُّلمةِ يوماً تنجَلي فيه وتُحْسَر
وحُقوقَنا يوماً سَوفَ تَظْهر
وعدوٌّ مجرمٌ لا بُدَّ يُقهَر
وعلى صَخرةِ الصُمودِ يُكسَر
ويَذوبُ الثلجُ والغاصِبُ يُدحَر
سوفَ يُكشَفُ عَنْ زَيفِ إدعائِه
وبهِ يَثبُتُ حقَ الشَّعبِ في أرضِ بِلادِه
إنْ يُطِلْ فينا الزمانُ فلنْ يَطولَ بِنا الرُجوع
لِرَوابي أَرضِنا... للبَيتِ... لأَزهارِ الرَبيع
رغْمَ حِقدِ الحاقدينَ وكُلُّنا نأبَى الرُكوع
14/5/2011م
نَحنُ الشُّهداء َ
نَحنُ الأَرقامَ نَحنُ الشُّهداءَ
نَحنُ الأَرضَ نَحنُ السَماءَ
نَحنُ الهَواءَ نَحنُ الصَحراءَ
نَحنُ الصباحَ نَحنُ الضِياءَ
نَحنُ الخريفَ نَحنُ الشِّتاءَ
نَحنُ الرَبيعَ نَحنُ الفَضاءَ
نَحنُ الشَّجرَ
نَحنُ البَحرَ
نَحنُ الحَجرَ
نَحنُ المَطرَ
نَحنُ الشَّمسَ نَحنُ القَمرَ
نَحنُ الأَغوارَ نَحنُ التِلالَ
نَحنُ السُّهولَ نَحنُ الجِبالَ
نَحنُ الهِضابَ
نَحنُ الشِّعابَ
نَحنُ البَرقَ
نَحنُ الرَعدَ
نَحنُ الوَعدَ
نَحنُ الفصولَ الأَربعةِ
نحنُ الغُيومَ المُشْبَعةِ
نَحنُ النجومَ السَّاطِعَةِ
نَحنُ الألوانَ في العَلَم
نَحنُ السَبُّورةَ والقَلم
نَحنُ الشَّعبَ نَحنُ القَضِيةَ
نَحنُ دُعاةَ الإنسانِيَةِ
نَحنُ الكُلَّ
نَحنُ الحَلَّ
مِنَّا مَليونا ضَحِيةٍ
مِنَّا الموجودُ
مِنَّا المَفقودُ
مِنَّا مَنْ في كَفَّيهِ قُيود
مِنَّا المطرودُ
مِنَّا الشَهيدُ
مِنَّا الأسيرُ
مِنَّا مَنْ في الدربِ يَسير
لا نقْبلُ غيرَ الوَطنِ بَديل
والعارُ لأَبناءِ (إسرائيلَ)
باقونَ هُنا
في مَهدِنا
في رَحمِ الأَرضِ
تَضمُ رُفاتَ جِدودِنا
فلسطينُ لَنا
والقدسُ لَنا
منها جِئْنا ... سَنظلُ هُنا
سَنظلُ هُنا..... سَنظلُ هُنا
ليسَ سَهلٌ مَحْوَنا
نَحنُ غِراسَ تُرابِنا
31/5/2012م
*ملاحظة: كتبت بمناسبة إفراج سلطات الاحتلال الصهيوني عن رُفات عدد من جثامين الشهداء الأبطال من مقبرة الأرقام بمنطقة "جسر دامية" قرب الأغوار بتاريخ31/5/2012م، بعد أَسرٍ طويل دام لفترات متفاوتة.
عريسُ القَضِيَّةِ
لا أَدْري كيفَ أضمُ رُفاتَكَ يا ولَدِي
بِرموشِ عُيونِي ظللتُكَ
وبأَهدابِ جُفُونِي وشَّحْتكَ
كَشَفوا عَنْ جُثمانِكَ في مَقْبَرةِ الأَرْقام
بعدَ مُرورِ سِنينَ عِدَّةٍ
خمسٍ وثلاثينَ مِنَ الأَعوام
زرَعوا حولَ القبرِ سِياجاً
كانَتْ مقبَرةً مُخْفيَّةً
وحُرَّاسٌ مِنْ خَلفِ الأَسوارِ
تَحرسُ قُبوراً سِرّيَة
تَعلوها أَرقامٌ صَمَّاء....لا اسمٌ يُذكرُ وهَوِيَةٌ
شُهداءٌ مِنْ نَبعِ الثِّوار
مُهْملةٌ كانَتْ تَعلوها أَعْشابٌ حُرْجِيَةٌ
مَنعوا الأَهلَ مِنْ رُؤيَتها
أَعْيَتْني الحِيلَةُ في الوُصولِ لِقَبرِكَ يا وَلَدي
رَوحِي كانتْ تَرقُصُ حَولَكْ
مُنذُ اِستِشهادِكَ ذاتَ مَساء
لَمَّا لَبَّيتَ الأَمسَ نِداء
للثَّأرِ "للينا" مِنْ سَجَّانٍ عاهِر
كَيْ تُصبِحَ أَرضُ فلسطينَ مَهداً لِرُفاتٍ طاهرٍ
تَضُمَّكَ في لَحْدٍ أبديٍ
كَيْ تُولدَ مِنْ رَحْمِ الأَقْداس
في ثوبٍ أبيضَ ...من تُربِ فلسطينَ العاطِر
يَستقبِلُكَ حُضنُ الأُم
كَومَةَ عَظْمٍ
تَعلوها جُمجُمةٌ لا جِلدَ يَكْسوها أو لَحمَ
***********
روضٌ كرياضِ الجَنَّةِ... ريحُ عَدن
لم اَعرِفْ كيفَ أَضُمّكَ.. كيفَ أفكُّ الكَفنَ؟
أَضْنَتنِي الحِيلةُ.... قبَّلتُ كلَّ عِظامِ رُفاتِكَ
وطَبعتُ على هامِكَ مِنْ شَفتِي
قُبلةَ شَوق ٍ
مِنْ حَولي كانَ الناسُ وقوفاً كالطَوْق ِ
تَعلوا أصْواتٌ بالزَغاريدِ
وهِتافٌ مِنْ فَوق ِ مَآذن
يَصدحُ بِاسْمِ اللهِ ... بِاسْمِ الرَحمنِ المَعبُود
بِاسْمِ الخالقِ والقادرِ على كلِّ المَوجود
وكنائسٌ تقرعُ أجراساً
في يومٍ قُدْسيٍّ مَشْهودْ
جَمعٌ مِنْ حُراسِ الأَرضِ
قُبلاتُ وداعٍ طَبَعوها عَلَّ الرَوحُ إليكَ تَعودُ
طَافوا بِرُفاتِكَ في الشْارِع
مَحمولاً فوقَ الأَكْتافِ
مِنْ قلقيليةَ لِمَدينةِ نابلسَ يَحدوكَ هُتافٌ
مَسقطُ رأسِكَ مِنْ قَبلِ زَمان
والرايَةُ تَخْفقُ مِنْ فوق ِ رُؤوسِ النَّاسِ
يَتْبعُها رَتْلٌ مِنْ حُراس
الكُلُّ يُحَيّي جُثمانَكَ تحتَ الأَكفانِ
هَبَّاتُ الريحِ تُصارِعُها مِنْ كُلِّ مَكان
فَتُغَني لكَ: حَيّاكَ الله ..وهاتْ يا شَعبِي الصَّامِدَ هاتْ
والناسُ تُلَوِّحُ بِأَيديها مِنْ فَوقِ جميعِ الشُّرُفاتِ
في الحَقلِ...على أسْطُحِ كُلِ بيوتِ القَريةِ
على الأَشْجارِ ....على الأَسْوارِ
مِنْ خَلفِ شَبابيكٍ وجِدار
تُوَدِّعُ أبْطالاً مِنْ نارٍ
نظراتٌ بالحُزنِ تُشَيِّعُ حَبيباً مَات
أصواتٌ تَصدحُ بالصَّلَواتِ
بِدماءٍ نُرْويكِ فلسطينَ
كَيْ تُزهِرَ فيكَ الحَرِياتُ
***************
لِعَريسَكِ يا أقدسُ أرضٍ
آهٍ يا أُمِّي.. عُدتُ إليكِ
ضُميني في حُضنِكِ تَدفأُ عِظامي ..
رُشِّي ذرّاتِ الجَسدِ الفانِي
بِحَديقةِ مَنزِلنا الرِّيفي
مُرِّي بِعظامي بينَ شَوارِعِ بلدتنا
وأَزِقَتها... بِدمائِي عَطَّرتُ زَواياها
أَحياءُ مدينَتِنا الثَكلى
ضُمْيني ضُمِّي كُلَّ عِظامي
هناكَ دَرستُ الحُبَّ.. حُبَ الوطنِ وحُبَ الأَرضِ
في رِحابِ المَدرسَةِ وتعلَمّتُ
هناكَ لَعبتُ وأقراني كُرةَ القَدَمِ
عانَيتُ عذابَ القهرِ ورَجْعَ الأَلمِ
طُورِدتُ.. لكنِّي ما هُنتُ على الأيامِ
يا أمّي فأَنا رقمٌ في مَقبَرةِ الأَرقام
مَجموعةَ عِظام
هُناكَ مع الباقينَ نرقدُ بِسلام
إليكم نُهدي ألفَ تحيةٍ.. ألفَ سَلامٍ
هُمْ أمواتٌ بل أحياءٌ عِندهُ.. هُمْ نور الفَجْريَة
سنعودُ مِثلَ نُسورٍ هَجرَتْ أعشاشاً
لِتُفَرِّخَ جيلاً يحملُ هَمَّ القَومِيةِ
حَملتُ مِنَ الأسْرارِ كثيراً
لأوصِلها عَبْرَ وَصِيَة
للأمِِّ القابِعَةِ على جَمرٍ تنتظرُ هَزيجَ الحُرِّيَة
زغرودَةَ عشق وتَحِيةٍ
مِنْ قلبِ شهيدٍ عاد على جَناحَي
ما غِبتُ بيومٍ عَنكم
حيَّاً كُنتُ.. بقلوبِ ووجدانِ الشَّعبِ
حياً كنتُ.. أتسَلَّقُ جدرانَ الخَطبِ
بترُابِ فلسطينَ تَدثَّرتُ
كُنتُ أُداري وجَعَ الأَهلِ
وأنينَ التَلّةِ والسَّهلِ
وأَعرفُ بَطشَ جيوشِ المُحتلِ
لكنِّي في قَبري أنا صامدٌ
في نَعشِي يا أُمِّي أُعانِد
أنا كلُّ القَضِيَّة والعَاهِد
عِظامي قِصَّةُ شَعبٍ ظلمَهُ العالَمُ والتاريخُ
عِظامي سِجِلٌّ تاريخيٌ
لوحٌ محفوظٌ للأجيالِ
سلاحٌ يشْهدُ في مَدّ الأميالِ
كيفَ اِرتَوتْ بدمائي أرضٌ وتِلال؟
سَالتْ في وديانِ الجفتلك عندَ الغارَة
لمَّا هَجمَ الثوارُ على بَني صَهيون
لمَّا صارَت أرضُ الجفتلك كَالأَتُون
استشهدتُ ومَنْ كانَ معي مِنْ أصحابٍ
كُنَّا أربعةَ رِجالٍ..
تَسابَقْنا في القِتالِ
الواحِد بعدَ الآخر
سَلَّمنا الرَوحَ لخالقها طَوعاً في الحالِ
***************
لا تَدَعِي الحُزنَ يزورُ فؤادَكَ يا أُمّي
فاليومُ أنا أُهدِيتُ إليكِ
هذا يومُ العُرسِ ... عَلِّي صَوتِكِ بالزَغْرودَةِ
دُوْري بالحَلوى.. ولتُنثَرْ باقاتُ وُرودِي
لِقرابينَ المَجدِ .. مَشاعِلَ حُبٍّ حُرِيةٍ
رَوحي عادَتْ لِبارِئِها
راضيةً ...حرةً...مَرضِيَةً
جاءتْ كَيْ تسكنَ قُربَ الدارِ
في مَقبَرةٍ قد عاشَت أعراساً يَعْمُرها الثُّوارُ
أشتاقُ لكُم كلَّ الأيامِ فَزورونِي
وَعلى قبريَ خَلِّوا باقةَ أزْهارِ
واتْلوا آياتٍ مِنْ قُرآنٍ
في كُلِّ صباحٍ ومَساءٍ وكُلِّ زَمانٍ
فَمسائِي مِنْ نَفحِ مَساكُم
وَليلي يُساهرُ لَيلاكُم
الآن رَوحي ترتاحُ بينَ الأجداثِ
تَروي قِصَصَاً مَلأى بالأحداثِ
مَلاحِمَ صَنَعتها أيدي الثوارِ
في مطلعِ سبعينيات القرنِ العشرين
وسأسْمعُ منهم كيفَ اِنتَفضَ الشَّعبُ حُباً وحَنين
في عامِ سَبعةٍ وثمانين
سَنكتُبَ تاريخَ الأرضِ معاً
حلقاتٍ تتلوها حَلقات
تتكلمُ عَنْ حَقبِ التاريخ
تُدوّنُ في أحلى الصََّفَحاتِ
بلونِ دماءِ الشُّهداء
خُطَّتْ بحروفٍ من عَظمٍ ورُفات
لم يَعرفْ تاريخ الإنسان
في الحاضرِ أو في زَمنٍ قَد فَاتْ
سِجِلاً فيه الحُرُّ يَضيعُ عَمْداً بِمتاهاتِ النِسيان
أنا هيكلَ عَظْمٍ
يَروي أحداثاً وقضِيَّةً
يحملُ سَيفاً يحملُ دِرعَاً
فوداعاً يا أمِّي وداعاً
فأنا اليومُ عريسُ نضالٍ وقضِيَّة
و عروسي كُلُّ فلسطينَ كَيْ تحيا حُرةً عَرَبِية
مرفوعةَ الرأسِ أبِيَّة
9/10/2011م
ملاحظة: كتبت بمناسبة تسليم الاحتلال رفات جثمان الشهيد حافظ أبو زنط من نابلس يوم 9/10/2011بعد 35 عاما من احتجازه في مقابر الأرقام.
كِتابُ التاريخِ مُزَيّف
فَتحتُ كتابَ التاريخِ
وسِرتُ رُويداً بينَ الأسطُرِ
أبحثُ عَنْ وجَعَي بينَ الحَرفِ
وبينَ السَّطرِ
عَنْ سِتَةِ أحرُفٍ
حَرفُ الفاءِ وحرفُ اللامِ وحرفُ السَّينِ
حرفُ الطاءِ وحرفُ الياءِ وحرفُ النُّونِ
ضَاعَتْ في عَتْم الظُلماتِ
في التَّيهِ مشيتُ بِلا خُطُواتْ
أتعقبُ شيئاً في الصَفَحاتْ
لَمْ أَعثُرْ على تِلكَ الأحرُفِ
قلَّبتُ وقلَّبتُ الوَرَقاتِ
ورَقةً... وَرقةً لكِن هَيهاتَ
دَقَقتُ مَليَّاً في الحَرَكاتْ
والصُّورِ وفي شَتَّى الرِّسوماتْ
لكِني لَمْ أَجِدْ فيها شيئاً مِنْ تلكَ القَسَماتْ
قلَّبتُ جميعَ المُستَنَداتِ
مَنْ أَخْفاها؟
مَنْ شَوَّهها؟
مَنْ أَنهاها؟
مَنْ أنسى النَّاسَ وأَنساها؟
أتراهُ منْ طَبَع َالكَلِمات؟
أمْ مَنْ أشْكَلَها بالحَرَكات
كَيْ يَطْمِسَها
حَتى عادَتْ مِنْ دونِ حَياة!!
فَتَّشتُ هُنا.. فَتَّشتُ هُناك!
**********
عَنْ كُلِّ الأحرُفِ مِنْ هَمْسِك
طَمعاً في البحثِ عَنِ المَجهولِ
وَجمالُ الصُّورِ مِنْ رَسمِكِ
والرَّوعةُ في أحرفِ اِسمِكِ
بينَ الأَسماءِ مِنَ البُلدانِ
تعبتُ ولَمْ أَجدْ شَيئاً !
عاوَدتُ الكَرّةَ تِلوَ الكَرَّة
وفتحتُ غِلافَ القِرطاسِ
يَحدُونِي الأملُ... يَحدُوني الحُلمُ
أنْ أَعثُرَ بينَ الأَجزاءِ
أمْعَنتُ النَّظرَ هُنا وهُناك!!
في الهامشِ مِنْ كُلِّ الأَوراق!!
لكنَّ الهامشَ كانَ بِلا
ذِكرٍ للأحرفِ دُونَ
مَسَحوا الآثارَ
حَتى مِنْ هذا القِرطاسِ
مَسَحوا كلَّ حروفِ الاِسم
تَدرونَ لِمَا ؟
يَعزُّ عَليهِم نُطقُ الفاء
فالفاءُ النِّطقُ بها يَجُرُّ بَلاء
واللام كَداءٍ دونَ دَواء
والسِّينُ سِنينٌ عَجْفاء
والطَّاءُ طريقٌ للتُعَساء
والياءُ يَقتُلُنا الغُرَباء
والنُونُ في الرَّوضِ تَنوحُ الوَرقاء
فمصيرُ كُلِّ حُروفِ المظلومينَ..المَسحُوقينَ
لا تصلحُ ذكراً في الصَفَحاتِ
قَد تُفضَحُ فيها الكِذْبَاتُ
وتُعَرِّيْ مِنها العَوْرَاتُ
لأنَ كتابَ التَّاريخِ
مَحشُوٌّ... بلْ مَحضُ اِفْتِراءات
تَضليلٍ يَردِفَهُ تَضْليل
خالٍ مِنْ أيِّ هُدىً ودَليل
خَدمٌ مِنْ خُدَّامِ اللَّيل
وعَدوٌ مِنْ عُبَّادِ النَّارِ
لا يرحمُ مَنْ أُقتُلِعَ مَنَ الدَّارِ
وَهُجِّرَ في كُلِ الأَمْصارِ
مكتوبٌ بمِدادٍ أسْوَد
كَظلامِ اللَّيلِ المُتلبِد
وبدونِ حُروفِ الاسمِ فَلا
مِيلادَ.. ليسَ له ميلادُ
ولَنْ يكونَ لهُ أحفادُ
لَوّحتُ برأسي سُخرِيَةً
ورَميتُ به وجَهَ الجَلاَّد
تأكُلهُ النَّارُ المُشتعِلةُ
فَكتِابُ التاريخِ مُزَيَّف
مِنْ عَهدِ ثَمودٍ أَو عَاد