eKtab
EN ع
الليلة الخالدة
Read free sample

الليلة الخالدة

by الشيخ عبد الكريم تتان

Page 1

بطاقة دعوة

نزل جبريل الأمين سفيراً يحمل بطاقة الدعوة الحفية إلى الحبيب درة الأكوان، دعوة من الله جل جلاله إلى سدة التشريف والتكريم، وكان معه البراق واسطة الانطلاق اللائقة ببعد المسافة الكونية بين المسجدين، ثم جيء بالمعراج لينقل الضيف الكريم عبر المعارج إلى حيث بلغ قاب قوسين أو أدنى، أجل:

أرسل الروح بالبراق كما تفعله للكرامة الكرماء

فعلاه البدر التمام أبو القاسم ليلاً فضاء منه الفضاء

راح يهوي به وحد انتهاء الطرف منه إلى خطاه انتهاء

ويطيب لنا هنا أن نقدم بين يدي الانطلاقة المباركة مجموعة من المعاني والحقائق والمواقف والرقائق، وقبل أن نصحب الضيف الأكرم عبر النصوص إلى الملأ الأعلى، وهذه المجموعة عبارة عن إضاءات تبلور فهماً مطلوباً لما سبق تلك الرحلة، لتأتي في موقعها التاريخي من الأحداث التي بدأت بغار حراء، ويصبح القارئ أقدر على الإحاطة بالحدث العظيم، بكل أبعاده وإيحاءاته؛ إذ يراه ضمن إطاره الزماني وعبر الأحداث التي سبقته، فيبدو بجملته عملاقاً لا يدرك إلا بمقدار تحت عنوان: "إن جفاء من جفا من أهل الأرض لجهالته بالمجفو، يقابله ترحيب الملأ الأعلى به أيما ترحيب، وإنزاله حبيباً منزلته اللائقة"، وإن إغلاق مكة أبوابها في وجهه بعد عودته من الطائف فتح له أبواب السموات باباً باباً، يلجها سماء بعد سماء ليلقى في كل واحدة منها رسولاً من الرسل الذين تلقوه بالترحاب والدعاء له والثناء عليه، حتى بلغ ما شاء الله له أن يبلغ مما سنجليه في هذه الرسالة.

- وإن سفاهة أهل الأرض تجاه من جاءهم بالحياة فقابلوه بالحجارة تلقيها أيدي السفهاء، انتصب لها كرامة اقتداء أعقل عقلاء الناس به إماماً في رحاب الأقصى المبارك، وعموماً: تتجلى أهمية الحدث في أنه يحملنا إلى آفاق لا يحاط بمداها، فهي علاوة على أنها تجلي منزلة الحبيب في الملأ الأعلى، تكشف لنا بعض أبعاد هذا الوجود الذي ما ظهر لنا منه سوى قطرة، وإلا فخضمه تلاطمت أمواج أبعاده، ومن هنا من وقف على الحدث أمن من الاختناق في ضيق الأرض، ووقف على بعض ثمرات السلوكيات التي يجسدها الناس في حياتهم، فيحسن بذلك الاختيار، ويحذر مما فيه الضنك والتبار، وتجلى له في أفق الحياة الفسيح أن الهمّ الصادق هو أن تكون لك منزلة عند الله ومقام محمود في رحابه، ومقعد صدق لدى جنابه، وأن من له ذلك عند الله فلا يبالِ ولو أعرض كل الخلق عنه، وقطبوا في وجهه، ومن الآفاق التي ترتاد أن تتعرف إلى عوامل البناء والهدم في حياة الناس، وتقف على السلوك الذي يعود على الناس بالضرر ليتقى ولتحفظ الحياة منه. وأختم دون أن ينتهي العطاء بأن المحن والشدائد في سبيل الله ما هي إلا ألوان منن وارتقاء في المنازل وأدلة صدق وإخلاص،وإن بدت مؤلمة، وكم من منحة تولدت من بطون المحن.

ولأبدأ - ههنا - بالتقاطات من الإضاءات التي حرض عليها الحدث الكبير والرحلة التي كتبت حروفها بمداد من النور، وتعطرت أنفاسها بعبير التقريب، وأعلنت ببعض مضامينها عن آفاق تطل عليها الدعوة في مستقبلها، رحلة أتت فاتحة لنفحات الفرج وانكشاف الشدة، وكشفت عن سعة هذا الوجود وروعة مكانة هذا الإنسان فيه.

رحلة الصفي النجمي في رحاب الملأ الأعلى يصفها خطوة خطوة ومشهداً مشهداً وحالة حالة، لكأننا نشاهدها عبر القرآن بإجماله في سورتي الإسراء والنجم، ومن ثنايا الأحاديث التي فصلت فيها واستوعبت كل ما أراد أن يبلغنا إياه الضيف الكريم.

Page 2

مشروع إنارة يعم الأرض كلها

والتفاتة منا إلى البداية لنتمكن بها من متابعة الأحداث العريضة والمواقف البارزة في حياة الدعوة والداعية قبل تلك الاستضافة الفريدة يشرق علينا قول الله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: 5/15] وقوله: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ *} [إبراهيم: 14/1] ومن حيث إن كلام الله تعالى أزلي أبدي، فإن قرار الإنارة هذا ووسائلها قدّر أزلاً، وما ظهر حتى جاء ظرفه الزماني الذي أطبق فيه الظلام على الأرض وأهلها، وكانت مبادي ظهوره هناك في ذلك الغار المبارك غار حراء!! هناك كان بداية تنفيذ المشروع التنويري الضخم العالمي الذي أريد منه أن يبلغ من الأرض ما بلغ الليل والنهار.

فما قصة وصل التيار تيار إنارة الأرض؟ وما الحال التي كان الناس عليها وقتذاك؟ وما مدى حاجة الإنسان اليوم إلى ذلك النور؟

أما حال العالم إبان وصل تيار الإنارة العالمية، فقد صوره أبو الحسن الندوي بأسلوبه الأدبي، فكشف عن مجموعة من جوانبه العريضة، ونقتطف من كتابه الهام (ماذا خسر العالم من انحطاط المسلمين) مقتطفات نظنها كافية ونافعة، وإن لم ندقق في النقل فعذرنا رصد ما رأيناه الأهم: "كان العالم يوم مبعثه عليه السلام بناء أصيب بزلزال شديد، هزه هزاً عنيفاً، فإذا كل شيء في غير محله، فمن أساسه ومتاعه ما تكسر، ومنه ما التوى وانعطف، ومنه ما فارق محله اللائق به، وشغل مكاناً آخر، ومنه ما تكدس وتكوم... وقد نظر عليه السلام إلى العالم بعين الأنبياء، فرأى إنساناً قد هانت عليه إنسانيته، رآه يسجد للحجر والشجر والنهر، وكل ما لا يملك لنفسه النفع والضرر، رأى إنساناً منكوساً قد فسدت عقليته، فلم تعد تسيغ البدهيات، وتعقل الجليات، وفسد نظام فكره،... يستريب في موضع الجزم، ويؤمن في موضع الشك، وفسد ذوقه فصار يستحلي المر ويستطيب الخبيث ويستمرىء الوخيم، وبطل حسه فأصبح لا يبغض العدو الظالم ولا يحب الصديق الناصح... ورأى عادات فاسدة تستعجل فناء البشرية وتسوقها إلى هوة الهلاك... رأى المواهب البشرية ضائعة أو زائلة لم توجه التوجيه الصحيح، فعادت وبالاً على أصحابها وعلى الإنسانية، رأى أفراداً كخامات لم تحظ بصانع حاذق يضعها في بناء حضاري رفيع، فالسياسة جمل هائج، حبله على غاربه، والسلطان سيف في يد سكران يؤذي نفسه قبل غيره"[1].

وظل الندوي يتابع الأوضاع العالمية بنظرة ثاقبة وفحص دقيق، وقد عرضنا ذلك لنتبين في أي وضع مأساوي كان الناس قاطبة! وفي أي خضم من الفساد الضارب بدأ الرسول الخاتم دعوة التنوير العالمية والتبصير، وهذا يجلي لنا عظمة الجهود المبذولة من خلال عمق التغيير الذي أحدثته الدعوة، وذلك ما رصده كاتب ليس مسلماً نظر إلى تاريخ عمالقة التاريخ الذين كانت لهم بصمات في وجه الحياة، وخص بالدراسة منهم مئة أطلق عليهم "المئة الأوائل"، وجعل قمة هؤلاء المئة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، بناء على حيثيات تبناها في كتابه وقواعد اعتمد عليها، منها عمق التغيير وسعته[2]، وإذا ما كان الحال العالمي بهذه الصورة، فهل كانت الجزيرة العربية في منأى عن تلك الفوضى الضاربة في ميادين التصور والسلوك والأخلاق؟ وإذا مس الاضطراب أولئك الذين تلقوا رسالات السماء من عهد موسى وعيسى عليهما السلام، إذ أغار الشيطان على الثمرات اليانعة التي تدلت من هذه الرسالات فأعطب لبها، وهو التصور وما يتعلق بالتوحيد، فكيف بحال العرب الذين كانوا أبعد ما يكونون عن هدايات السماء، وكانت الجاهلية بكل أصولها وفروعها تسكنهم ويسكنونها، واستمع إذا شئت إلى شهادة واحد من أهل ذلك الزمان أدلى بها في مجلس النجاشي ملك الحبشة حينما حضر بين يديه وسأله، فقال: ما هذا الدين الذي أنتم عليه؟ فارقتم به دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية ولا نصرانية؟![3]، قال جعفر في إجابته الواضحة المحددة البصيرة يحكي حالهم قبل البعثة، وما كانوا عليه لما استجابوا للرسول عليه السلام، وما كان من موقف الجاهلية منهم مما اضطرهم إلى الهجرة إلى الحبشة قال: "أيها الملك! كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف". أرأيت إلى هذا التحديد في إطار الاعتقاد والعبادة والأذواق والمعاشرات، والعلاقات الاجتماعية، وسطوة القوة الغاشمة؟ أكان بعيداً عما قرره أبو الحسن فيما سقناه له؟ وقد بدأ فحدد الموقف من الحياة حيث قال: "أهل جاهلية"، وكل ما ساقه بعده هو نتاج لذلك الموقف، ومن هنا جاء الإسلام ليناصب الجاهلية بكل صورها، تصوراً وأخلاقاً، العداء، وقد تابع جعفر فقال: "فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان..." وعدّد عليه أمور الإسلام، ثم كشف عن موقف عباد الحجارة من هذه الدعوة، فقال: "فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث... فلما قهرونا وظلمونا وضيّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك..."[4] ، فشهادة جعفر جلّت ما كان عليه المحيط العربي في الجزيرة العربية كلها.

Page 3

وهنا آن لنا وحق أن نقف أمام تلك البداية المباركة التي أعلن فيها عن بدء تنفيذ مشروع الإنارة العالمي!! من هناك حيث يربض غار حراء بدأ موكب الهداية للعالم. وغار حراء يتربع بشموخ ووقار على ظهر جبل النور، وهو على بعد بضعة كيلومترات من مكة، وقد تفرد الجبل عن سائر الجبال المحيطة بالبلد الحرام بموقعه الفذ؛ فمن وقف عليه يمكنه أن يطل بيسر على البيت العتيق الذي هو أول بيت وضع للناس، مع بعد المسافة بينهما!! وكأن هذا الرابض هنا يرقب السنين تمر على أهل الأرض، وقلبه يتضرم شوقاً إلى بادرة اللقاء الحبيب العجيب بين أمين الوحي جبريل والنبي الخاتم المختار لتنفيذ مشروع الإنارة العالمية، وفي هذا اللقاء شرف للمكان بل للدنيا بأسرها، حيث كان الغار مختار المختار متحنثاً يتوجه فيه إلى قيوم السماوات والأرض على ملة الخليل. وبينا الرسول في الغار يتحنث إذ جاءه جبريل يحمل الكوكبة الأولى من المنهج الرباني الذي يمثله كتاب الله تعالى وسنة الرسول المعصوم، بعدما تم نسخه من اللوح المحفوظ جملة على ما ذهب إليه العلماء، وأنزل إلى السماء الدنيا ليوضع جملة في بيت العزة ليكون قريباً من الأرض حيث يباشر صياغته للحياة فيها، نزل جبريل بالآيات الأولى من سورة (العلق) بدأ بها الوحي، ثم اتسع بعد ذلك عبر الزمان إلى أن ختم بآية عجيبة نزل بها جبريل عليه السلام وقال للرسول عليه الصلاة والسلام: ضعها على رأس ثمانين ومئتين من سورة البقرة، وتتضمن بعبارة واضحة وبيان آسر المصير العام الذي ينتهي إليه وجود الإنسان ههنا ليبدأ وجوده اللانهائي هناك حيث تنشر الآخرة بعد طي هذه الدنيا، قال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ *} [البقرة: 2/281] . آية توقف الناس أمام مسؤولياتهم بعدما أعطوا حرية الاختيار، وبصّروا بما يسعد وبما يشقي، وتقرر العدل المطلق.

قلنا في المدخل كانت الأرض غارقة في ظلمات تلاطمت أمواجها، ظلمات غليظة صاخبة، الرشد فيها غريق عديم التنفس، والهداية اضمحلت إلا من بذور أو جذوع وجودها وعدمها سواء أمام شراسة الضلال المستشري، لم يكن هناك سوى بقايا من نصوص أو سلوك له صلة بالرسالات، غيبت من دروب الحياة المنارات، وعميت البصائر ولسان حالها الفطري يجأر طالباً الإبصار، التاثت الخطا على مسار الناس الاجتماعي والفكري والسلوكي.. ومن حراء جاءت الإضاءة الأولى معلنة بدء تنفيذ برنامج أعدّ أزلاً لإنارة كل الأرض، حتى لا يبقى فيها مكان تطاله الشمس ويغطيه النهار بضوئه الباهر إلا دخلته تلك الإضاءة، تعرّف بالحقائق، وتحدد المسار الصحيح السوي، وتحقق الهداية التي بعث الله بها جميع رسله عليهم السلام، ودعك من تلك الجحور الغارقة في الظلام المؤتلفة معه حتى صار قطعة منها!! الجحور عميقة التسردب والاختفاء في عباب الظلام، فهذه تأبى التنور، بل تتأذى منه، لا لعجز في النور أو قصور فيه، بل لكون تلك الجحور عاشقة للظلام معشوقة منه في علاقة حميمة تشغل عما سواها.

هو مشروع تنوير يبلغ ما بلغ الليل والنهار أطلت طلائعه في خمس آيات، تضمنت كبريات الحقائق التي زاغ عنها كثيرون أو غفلوا، وتبصر الإنسان بوظيفته الرئيسة في هذا الوجود، ومكامن عزه وشرفه، كما تحذر من مسالك الشقاء، وتنصب أمام بصيرته البصائر، ومنها قضية الرجوع إلى رحاب الله تعالى حيث العرض والحساب وجني الثمار، كل هذا بتركيز مفعم بالعطاء لا يتأتى إلا من القرآن الكريم منهاج الإنارة العالمية! فأي قدرة تلك التي يمكنها أن تخرج الناس من هاتيك الظلمات إلى ذلك النور الباهر؟! وهنا تتمثل الحقيقة الكبرى فيمن يحمل أعباء إيصال هذه الإنارة لا من حيث تبليغها فحسب، بل من حيث أسلوبه في إقناع الناس بها، والتزامه بمضامينها، كل ذلك بعزيمة أعلنت عن نفسها مراراً عبر السلوك والمواقف، وظهرت ملموسة في القول الجهير في وجه من يساوم على الترك: "والله يا عم! لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه؟!" إنه عليه الصلاة والسلام قام ينذر الناس قاطبة، بادئاً بقومه مذ سمع قول الله تعالى له: {يا أَيُّها الْمُدَّثِّرُ (*) قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر: 74/1-2] وبلغ رسالات ربه لا يخشى أحداً من الخلق، وقد يحكى ذلك في كل مواقف التبليغ، إنه لما سمع {فَأَنْذِرْ} صعد الصفا، ونادى قومه الأقربين حتى اجتمعوا له فدعاهم إلى الله وإلى توحيده، وأنبأهم أنه رسول الله إليهم خاصة وإلى الناس عامة، وكان ما كان وقتها من رد عمه أبي لهب الرد الفاجر الغافل.

ويوم نزل قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 15/94] كان يطوف على حلق الملأ من قريش لا يرهب فظاظة الجاهلية ولا رعونة الشرك، وفيهم أبو جهل وأضرابه، يبلغهم دعوة الله تعالى. كما بلغ رسالة الله يوم ضرب على باب أبي جهل انتصاراً للأراشي وتخليصاً لحقه من أبي جهل الذي مطله ثمن إبله، حتى ذل أبو جهل وقضى الرجل الغريب حقه كاملاً!!

كل هذا بصبر صادق، وصدق صابر، ولعل موقفه في الطائف وما لقي من أهلها من الأمثلة الواضحة لما لقي من الناس، وسأفصل في هذا لاحقاً ليتصل الحديث عن الطائف بقصة الإسراء...

Page 4

إن الناس قد سنوا سنة بها يعلنون عن بدء أي مشروع يريدونه؛ إذ يضعون شريطاً على المدخل ثم يأتي من له شأن بينهم ليقص الشريط ضمن حفل مرتب، وبقص الشريط يبدأ المشروع، ولكنا ههنا نجد أن الأمر بالبدء تجلّى بوصل الشريط، لا بقطعه، وما ذاك إلا لأنا أمام مشروع من نوع متميز، يتضمن إيصال النور إلى كل المصابيح في فجاج الأرض، وهذا يقتضي وصل التيار لا قطعه، وقد قام جبريل عليه السلام بحركة جسدتها ثلاث ضمات، ضم بها الرسول عليه السلام، وفي كل منها يقول له: "اقرأ"، والرسول يجيب: ما أنا بقارىء، ثم بعد الثالثة أطلقه بعد ضمه ضمة شديدة، وأسمعه كلام الله تعالى، الإنارة تبدأ بالعلم، بل بثمرة العلم المرجوة القراءة، والقراءة سبيل المعرفة، فما أعظم نور هذه البداية تضخ بها طاقات من النور تكفي أهل الأرض قاطبة، وعلى مدى العصور بل ما دامت الحياة في ظهور.

أجل بدأ العمل بأضخم مشروع هداية عرفته الأرض، مشروع بصائر وسمو وإنسانية ونظافة وطهر، وعبر القارات كلها، وعلى مدى الأجيال ما دامت. وكانت البداية مثيرة أيّما إثارة، حيث تم وصل التيار وإيصاله إلى محطة عالمية ربيت على عين الله ممحضة للحق، ومعدة إعداداً خاصاً لهذه المهمة الجليلة العظيمة العالمية. ومنه عليه السلام سينداح النور عبر شلالات تتدفق لتروي العطاش شداة الحق، صحيح أنه بدأ قطرات ندية، لكنها تتابعت بعد ذلك حتى شكلت ظاهرة تستعصي على الاحتواء. إنها بداية على خلاف ما ألف الناس، وصل بها أمين الوحي إلى غار حراء، وكانت ضمات شوق إلى اللقاء، واستنفاراً لكل طاقات الاستقبال، وإن بلغ الجهد من الرسول بها مبلغه، ثم سكب في قلبه وأذنه الآيات مطالع الوحي المبارك إيذاناً بما كان مقدراً من الأزل، هداية الناس.

- ما أعظم نور تلك الساعة التي التقى فيها الرسولان، أحدهما من الملائكة، والآخر اختاره رب الناس ليبعثه إلى كل الناس هادياً ومبشراً....

ساعة كانت شعاعاً جر بعده أقماراً وأطلع شموساً ونجوماً، فكانت ساعة من أسطع لحظات الدنيا وأكثرها بركة على أهل الأرض، ما أرقاها وما أسماها!!! وما هذه الأرض في رحاب هذا الكون لولا أن الله تعالى نظر إليها نظرة رحمة وأرسل لها الرحمة للعالمين؟ ما أسعد البشرية برسالته التي وضعت مسيرة الإنسان على الصراط الموصل إلى رضوان الله وسعادة الأبد. هناك بدأت قطرات غيث الوحي، ثم انهمر بعد ذلك ليغطي كل شؤون الحياة والأحياء، وليسدد الخطا على طريق السداد والرشاد، قطرات بدأت من ذلك الغار الغارق في أنوار الحضور، وكأنما أعده الرسول عبر سنوات التحنث ليكون منزلاً لأول تنزلات الوحي، وقد شاع في قريش وقتها عن الرسول لتحنثه فيه "أن محمداً عشق ربه". فيا ما أحلاها إشاعة! وأي تعبير هذا فاه به هؤلاء، وإن كنا لا نقره بصيغته ونثبته بمعناه، إنهم عبروا عن عمق انحياش الرسول عن الحياة التي تحياها قريش كل الانحياش، ولم يعرف هذا عن غيره منهم، إنه الإعداد الإلهي لمن سيحمل على عاتقه تنفيذ مشروع إنارة الأرض. وما كان ضم جبريل له إلا ليقف أمام العالم كله فيقول بملء فيه: إن ما أوحي به إلى الرسول لم يكن ضرباً من باب التأمل والتفكير العميق المستغرق للذات الذي يسلب الإنسان عما حوله، بل هو وحي أتى به جبريل، وجبريل ذات، فأوحى به إلى الرسول، والرسول ذات، والذاتان لكلٍّ ماهيتها، أجل ليس ما فاه به جبريل لون تأمل انعقد عبر الزمن كلمات متوهجة نطق بها فم الرسول، بل هو قول الله تعالى نقله ملك كريم أمين ذو قوة مكين، نزل بأمر من الحي القيوم برسالة خاتمة تنبض بالحقائق وتصوغ الحياة بكل أبعادها وميادينها وأنشطتها أروع صياغة!!.

- هناك مجموعة من الأحداث الهامة على طريق الدعوة قبل رحلة الإسراء. فقد توفيت السيدة خديجة أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ومات عمه أبو طالب في عام واحد،كان ذلك في السنة العاشرة من النبوة، فعظمت المصيبة فيهما عليه، إذ كان عمه -كما هو معلوم- يمنعه من أذى قريش، ويقوم دونه فلا يخلصون إليه بمكروه، وأما خديجة -كما يقول الرافعي- فكانت في هذه المحنة قلباً مع قلبه العظيم، وكانت لنفسه كقول: "نعم" للكلمة الصادقة التي يقول لها كل الناس: لا، قال الرافعي[5]: وبموتهما أفرد النبي بجسمه وقلبه ليتجرد من الحالة التي يغلب فيها الحس إلى الحالة التي تغلب فيها الإرادة،ثم ليخرج من أيام الاستقرار في أرضه إلى الأيام المتحركة به في هجرته، ثم لينتهي بذلك إلى غاية قوميته الصغيرة المحدودة فيتصل من ذلك بأول عالميته الكبرى. قال في الروض الأنف[6]: إن خديجة رضي الله عنها وأبا طالب ماتا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله المصائب بمهلك زوجته، وكانت له وزيرة صدق على الإسلام، يشكو إليها، وبمهلك عمه أبي طالب، وكان له عضداً وحرزاً في أمره، ومنعة وناصراً على قومه. ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه التراب!!! ولما فعل ذلك السفيه ذلك دخل رسول الله بيته والتراب على رأسه، فقامت إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله يقول لها: " لا تبكي يا بنية!فإن الله مانع أباك!!"[7].

ثم كانت رحلته إلى الطائف بعد هذه السنين من الجهد الجاهد، كان فيها يعرض الإسلام على أهل مكة ومن يأتي إليها من العرب كما يعرض الذهب على المتوحشين، يرونه بريقاً وشعاعاً لكن لا قيمة له، وما بهم حاجة إليه، وهو حاجة بني آدم إلا المتوحشين... وكانت مكة هذه صخراً جغرافياً - كما يقول الرافعي - يتحطم ولا يلين، وكأن الشيطان نفسه وضع هذا الصخر في مجرى الزمن ليصد به التاريخ الإسلامي عن الدنيا وأهلها. إنه - عليه السلام - منذ جاءه الأمر بالصدع بالدعوة استجاب له وصعد على الصفا وعالن بما أرسل به، ومع المعالنة اتخذت قرارات الصدّ عن سبيل الله من مجلس الطواغيت في مكة، وقصَّ شريطها مَنْ تبتْ يداه، وتابعه الآخرون فأخذوا يلاحقون من أسلم ليوقعوا بهم ألواناً من العذاب، قال الشاعر:

ثم لما تظاهروا لقريش

حين زال الخفاء زاد الجفاء

نوعوا فيهم العذاب وكانت

من لظاهم بالأبطح الرمضاء

Page 5

وأقسى ما أوقعوه بالثلة المؤمنة أقصى ما ابتكره العقل الجاهلي من أساليب التنكيل، كإطفاء الجمر بظهور المعذبين، وإلهاب الأكباد بالعطش الحارق في لظى رمضاء مكة، وعلى صخورها المحترقة الشاوية، ومنها التغطيس بالماء حتى الاختناق، والجلد الفاجر تؤديه السياط الوثنية الغاضبة للأصنام. وما نقل أن أحداً ممن آمن ارتد عن دينه جراء ألوان الاضطهاد بعدما ذاق حلاوة الأنس بالله عبر رياض التوحيد، بل زادهم ذلك إيماناً وثباتاً، ولو سجل الزمان كلاماً نابضاً باليقين لسجل ما قالته سمية رضي الله عنها ، وروحها تفيض إلى بارئها وحربة أبي جهل الجاهلة تغوص بين عظامها، وإذا بها تقول لقاتلها: تباً لك ولآلهتك، وهل شيء عندي أحب إلي من لقاء الله!! وصدق من قال: أحسن الله صبرهم فاستلذوا بالبلايا وخفت اللأواء، ولهذا تحملوا ما الجبال الشم عن حمل بعضه ضعفاء. فقرر عليه الصلاة والسلام أن يتوجه إلى الطائف؛ لعله يجد في أهلها مجالاً لدعوته العالمية التي ما ينبغي أن تختنق في دروب مكة الجرداء، إذ بفعل الصد من فجارها أظلمت فجاجها وضاقت مواسمها أمام الدعوة، فكان لابد من البحث عن مجال آخر أرحب صدراً بها، حيث إن أرض الله بجميع أرجائها منازل لنشر الدعوة والنور، وأينما يشرق نورها فهناك الأفق الذي تطل منه شمس الهداية على العالم، وشأن النبوة ألا تكل ولا تمل ولا تتوقف عن مهمة التبليغ، ولا تني عن إيصال الهداية...فالأرض كلها نطاق للدعوة، وكل أهلها عليها هم المستهدفون بها، وهي تغطي كل جوانب الحياة وعلى المستويات كافة، وإن كان مبدأ انطلاقتها من مكة المكرمة، لأنها من حيث موقعها الديني حيث الكعبة التي يحج إليها كل القبائل العربية المنتشرة في أرجاء الجزيرة، كانت الميدان الأمثل لبدء الدعوة العالمية... وقد أكدت النصوص القديمة اختيار الله تعالى لمكة منطلقاً لانطلاق النور العالمي، فجاءت ضمن بشائر أنزلها الله تعالى على الرسل السابقين كموسى وعيسى عليهما السلام، ففي الباب الثالث والثلاثين من سفر الاستثناء في الترجمة العربية المطبوعة سنة (1844) جاء: "وقال: جاء الرب من سيناء وأشرق لنا من ساعير، واستعلن من جبال فاران، ومعه ألوف الأطهار، في يمينه سنة من نار"، وفاران جبل من جبال مكة، إذ جاء في سفر التكوين في ذكر إسماعيل عليه السلام "وكان الله معه ونما وسكن في البرية وصار شاباً يرمي السهام وسكن برية فاران". فدل النص "مجيئه من سيناء" على إعطاء الله التوراة لموسى عليه السلام، و"إشراقه من ساعير" دل على إعطائه الإنجيل لعيسى عليه السلام، و"استعلانه من جبال فاران" إنزاله القرآن على الرسول الخاتم عليه الصلاة والسلام، ولا أوضح مما جاء من بشارة في سفر "أشعيا"، إذ جاء " بعد المسيح يأتي نبي عربي من بلاد فاران"- بلاد إسماعيل - وفاران باللغة الآرامية هي من بلاد الحجاز، كما مر آنفاً، و"على اليهود أن يتبعوه، وعلامته أنه إن نجا من القتل فإنه النبي المنتظر، لأنه يفلت من السيف المسلول على رقبته، ويعود إليها بعد ذلك بعشرة آلاف قديس". وقد تضمنت البشارة الصريحة أمر اجتماع أربعين من شباب مكة على باب النبي ليلة الهجرة ليقتلوه تنفيذاً لاتفاق طواغيت قريش في دار الندوة، كما تضمنت فتح مكة المكرمة من بعد حيث أتاها عليه السلام بعشرة آلاف مقاتل من الصحابة!!! أهناك أوضح من هذا لذي عقل؟؟

وعلينا أن نرجع بعد جولتنا تلك إلى ما كنا بصدده، فنقول: بدأ النبع من حراء ثم تحول إلى نهر متدفق يسقي عبر القرون دون انقطاع، لكنه لم يكن كسائر الينابيع، إذ هي من الأرض حيث معدنها، أما هذا فمعدنه في السماء. وثقيف - في الطائف- أخوال الرسول، وليس بينه وبينهم عداوة، فخرج إليهم يلتمس النصر والمنعة والاستجابة إلى التوحيد، وهناك توجه إلى ثلاثة إخوة هم عبد ياليل ومسعود وحبيب أبناء عمرو، وهو من سادة ثقيف، لكنهم ردوا عليه أقبح رد وبجاهليّة جهلاء وجفاء وقسوة دونها قسوة الصخور. وهذا الرد بما تضمنه، مع موقف الرسول منه، يجلي طرفاً مما كان يلقاه عليه السلام من الناس، كما يبرز عظمة إصراره على تنفيذ مشروع الإنارة العالمي، وتحمله في سبيل ذلك.

قال أول الإخوة الثلاثة: هو يمرط أثواب الكعبة إن كان الله أرسلك[8]، وقال الثاني: أما وجد الله أحداً يرسله غيرك؟ أما الثالث فقال: والله لا أكلمك أبداً، لئن كنت رسولاً من الله - كما تقول - لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك!!!

ولعل قول الثالث استحلب منه فريق من الناس المتأخرين قولهم: لا ينبغي أن يدنس الإسلام بالتطبيق، وهم يسعون بذلك إلى إقصاء الإسلام عن الحياة!!

ثم ازداد هؤلاء سوءاً، فقالوا جميعاً: يا محمد! اخرج من بلدنا والْحَقْ بمحابك من الأرض، فقام عنهم وقد يئس من خيرهم وخير بلدهم، واستكتمهم ما كان منهم لئلا يبلغ ذلك قريشاً فيذئرها عليه. ومن مظاهر رسوخ هؤلاء في السوء والانغلاق الجاهلي أنهم لم يكتفوا بما قالوه، بل أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس، وقاموا له صفين، ولما مر بين صفّيهم جعل لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوه بالحجارة حتى اختضبت نعلاه بالدماء، ويصور أديب العربية ما كان فيقول: "صغائر الحياة قد أحاطت بمجد الحياة لتثبت الصغائر أنها صغائر، ويثبت المجد أنه المجد!ووقف المعنى السماوي بين معاني الأرض دون أن يعكر بها، فالشمس ينبسط نورها على التراب فلا يعفره التراب،وما هو بنور يضيء أكثر مما هو قوة تعمل عملها بالعناصر"[9].

هذا، وقد كان مع الرسول في رحلة الطائف زيد بن حارثة رضي الله عنه يدفع عنه ما استطاع، إلا أنه قد كثر الغوغاء والأشرار والدعّار الذين قعدوا له على طريقه؛ فكان إذا أزلقته الحجارة فقعد يتقيها، إذا بهم يأخذونه بعضديه فيقيمونه إمعاناً في الإيذاء حتى ألجؤوه إلى حائط -بستان- لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، فخلص من شرهم بدخوله البستان، وفي البستان استظل عليه السلام بظل حبلة من شجرة العنب، وهو مكروب وجيع تسيل رجلاه دماً، ولشدة ما نزل به تحرك له الرحم عند عتبة وشيبة صاحبي البستان لما رأياه على ما كان عليه. ولما اطمأن في محله توجه إلى قيوم السماوات والأرض وقال: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري؟! إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك"[10].

وبوقفة سريعة في وهج الدعاء يتكشف لك الدعاء؛ وقد تضمن كل مقومات الإيمان واليقين والرضا والتسليم والمعرفة بسنن الله في خلقه، وفيه من الرجاء ما يجعله يرى أن الذي أرسله لا يخذله، وأن جفاء أهل الأرض لا يعني تخلي السماء عنه، ويعلق الرافعي[11] فيقول: "فهذا فن الصبر لا الصبر فقط، وفن الحلم لا الحلم وحده". ويقول: "ولعمري لو نطقت الشمس تدعو الله لما خرجت عن هذا المعنى، ولا زادت على قوله: "أعوذ بنور وجهك" تلتمس من مصدر النور الأزلي حياطة وجودها الكامل"، وما تأخرت مظاهر الإكرام؛ إذ دعا الأخوان عتبة وشيبة غلاماً لهما يسمى عداساً، وقالا له: خذ قطفاً من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه.. وفعل عداس ما أمر به، ووضع الطبق بين يدي الرسول عليه السلام، وقال له: كل، ووضع عليه الصلاة والسلام يده ليأكل وقال: بسم الله، ثم أكل... نظر عداس في وجه النبي، وقال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد!! قال له الرسول: ومن أي البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟ قال: نصراني وأنا من أهل نينوى، فقال: من أهل قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ قال: وما يدريك ما يونس بن متى؟ والله لقد خرجت من نينوى وما فيها عشرة يعرفون ما متى؟ فمن أين عرفت وأنت أُميّ من أُمة أُمِّية؟ قال: ذاك أخي، كان نبياً وأنا نبي. فأكب عداس على الرسول يقبل رأسه ويديه وقدميه... ولما رجع عداس إلى سيديه وسألاه عما كان منه مما رأياه، فقالا: لا يفتنك عن دينك، فدينك خير من دينه!!! ونافلة من القول أضيف أن عداساً لما أراد سيداه الخروج إلى بدر أمراه بالخروج معهما فقال: أقتالَ ذلك الرجل الذي رأيت في الطائف تريدان؟!! والله ما تقوم له الجبال.

ومضى بعد عداس في طريقه، فأرسل الله تعالى له ملك الجبال ليأمره بما شاء ليفعل في أهل مكة، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها [12]، تسأل الرسول: هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟! فذكر ما كان من عبد ياليل وأخويه أبناء عمرو، وأنه انطلق بعد ذلك وهو مهموم، فإذا هو بقرن الثعالب قال: "فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني إليك ربك لتأمرني إن شئت، أن أطبق عليهم الأخشبين! قال له: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً". أجل إنه بعث بالإسعاد لا بالإشقاء، وبالإحياء لا بالإهلاك، وبالرحمة لا بالعذاب، همه أن يكثر العارفون بالله، المتعلقون بجلاله، المتململون على أعتابه، ونظره البعيد يرى الذرية في الأصلاب تعمر الأرض بالعبادة التي خلقنا الله من أجل القيام بها.

وبقي مما نحن فيه للدخول في مضمار حدث الرحلة المباركة أن نرصد كيف دخل صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة بعد رجوعه من الطائف. إن زيد بن حارثة رضي الله عنه قال للرسول لما أراد دخول مكة: كيف تدخل عليهم يا رسول الله وهم أخرجوك؟ فقال: يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه. ألا ترى في جوابه عليه السلام مطلق الثقة بنصر الله لمشروع الإضاءة العالمية، وأن الله بالغ أمره لا محالة؟ فبعد كل ما لقيه في الطائف أجاب بهذا الجواب، وكله طمأنينة إلى عاقبة أمر الرسالة التي كلف حملها يوم لقيه جبريل عليه السلام أول مرة في غار حراء، إنه يقين النبوة بوعد الله تعالى، ثم أرسل عليه السلام رجلاً من خزاعة إلى مطعم بن عدي يخبره أنه داخل مكة في جواره، بناء على أن أخبار ثقيف سبقته إلى قريش، فرأى ألا يدخل مكة حتى يستوثق لنفسه ودعوته، كيف لا وأمته من بعده تسير على هدي سيرته؟ فهو يشرع لها في كل الظروف. واستجاب مطعم لذلك، وعاد رسول الله إلى مكة يتابع مسيرة دعوته إلى الله جل جلاله. يقول صاحب السيرة الشامية[13] بعدما ذكر ما قاله زيد للرسول:... ثم انتهى إلى حراء، وبعث عبد الله بن أريقط ليجيره فقال: أنا حليف، والحليف لا يجير على الصريح،فبعث إلى سهل بن عمرو فقال: إن بني عامر بن لؤي لا تجير على بني كعب، فبعث إلى المطعم فأجابه إلى ذلك، وقال: نعم، قل له فليأت، فدخل صلى الله عليه وسلم فبات عنده تلك الليلة، فلما أصبح خرج المطعم بن عدي وقد لبس سلاحه هو وبنوه ستة أو سبعة، فقالوا لرسول الله: طف، واحتبوا بحمائل سيوفهم بالمطاف، فأقبل أبو سفيان إلى المطعم فقال: أمجير أم تابع؟ قال: بل مجير. قال: إذن لا تخفر، قد أجرنا من أجرت، فجلس معه حتى قضى رسول الله طوافه، ثم انصرف إلى بيته. وقال محمد الغزالي رحمه الله[14]: وقيل إنّ أبا جهل سأل مطعماً: أمجير أم تابع؟ وقد استغلها أبو جهل وأخذ يتنادر بالموقف قائلاً: هذا نبيكم يا بني عبد مناف... ولما بلغ النبي ذلك قال: أما أنت يا أبا جهل فوالله! لا يأتي عليك غير بعيد حتى تضحك قليلاً وتبكي كثيراً.

إنّ رسول الله كان على ثقة بمستقبل الدعوة تتزلزل الجبال دونها مهما اكتنف حاضرها من شدائد... وجاء حدث الإسراء في تلك الظروف التي عرضنا منها ما تيسر، والرسول -عليه السلام- ناشط في تبليغ دعوة الله وبيان البصائر للناس، والآيات تتنزل تباعاً تسدد الخطا على الطريق، وتقص قصص العصور الخوالي، وتجلي قصة هذا الوجود العريض، وشؤونه الغابرة و الحاضرة. وإن كانت مكة قد أغلقت أبوابها في وجه الحبيب فإن السماء قد سارعت لتفتح أبوابها له ضيفاً كريماً؛ تتويجاً لما بذل من جهود مخلصة، وإعلاناً في الملأ الأعلى عن مكانته ومنزلته ممن أنزل عليه المنهج!! وهنا نجد نوع صلة بين أواخر سورة النحل، حيث جاء قوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ *} [النحل: 16/127] ، ومطالع سورة الإسراء حيث تحققت الرحلة، وقد قال العلماء: الصبر هو التحمل للمكاره، والتحمل من جملة ما يؤدي إلى التجمل، ومنه ما ذكر في أول سورة الإسراء، فسبحان منزل القرآن ما أعظمه!!...

ونحن بين يدي الليلة الخالدة نرصد فيها طرفاً من ليل مكة.

Page 6

ليل مكة

فالمكيون ما إن يطل الليل على الكون حتى يتوافدوا زرافات ووحداناً إلى أنديتهم المتناثرة هنا وهناك حول الكعبة، فيقضون الساعات الطويلة فيها بين الأحاديث المختلفة، وكثيراً ما كانت تهب النسمات التي تحمل من رطوبة الليل ما تمسح عن وجوه السامرين لفح النهار، وعناء الهاجرة.

وهذه الأمسية من جملة الأماسي جاء المكيون -كدأبهم- يقطعون ليلهم في قصف ولهو، فكانت تتجاوب في قلب الظلام رنين ضحكات مجنونة، كأنها انطلقت من العفاريت، فتملأ أصداؤها الحس بمعاني التمزق والضياع، ضياع حياة أولئك الذين وقعوا من الوجود على شهواته، فإذا حياتهم حمأة آسنة، غاصوا فيها حتى ما يبين منهم شيء. "وينبري أحد الساهرين إلى كبراء قريش الذين ضمهم النادي، وقد بدت عليه السكينة، وهيمنت لغة الهدوء، ليقول بخبث ودهاء:

- من يصف لنا كيف لاقى أبناء أخينا في الطائف محمداً؟ ثم يطلق ضحكة ساخرة حملت بعض ما في صدره من حقد وحسد وكراهية.

ويصمت الجميع لحظات دارت فيها حماليقهم عن اليمين وعن الشمال تبحث حتى استقرت على وجه عتبة بن ربيعة، إذ كان هو المقصود بهذا السؤال. ويأخذ عتبة نفساً عميقاً ثم يقول:

- يا أبا الحكم! لقد رأيت محمداً وهو في الطائف بعدما لجأ إلى بستاني في ضاحية المدينة، كان الدم يسيل من قدميه، وإلى جانبه غلامه زيد قد فعل به ما فعل بمحمد وأشد؛ إذ كان يلقى عنه - كما قيل - الحجارة التي راح يرشقه بها الصبيان. واللات والعزى لقد قلت في نفسي لما رأيت وجهه، وما عراه من تعب وهم ونصب:"سيترك دينه هذا الذي جاءنا به، لا محالة، ولكن...." وصمت عتبة قليلاً يسترجع في ذاكرته بعض المعالم التي ندت، فقال أبو جهل بصوت عريض:

- ولكن ماذا؟! قال عتبة:

- ولكن وجهه الناصب ذاك ما لبث أن تفجر نوراً، أصبح كفلقة القمر، وكأن الشمس قد سكبت فيه ضياءها!! لست أدري بم كان ذلك؟ لست أدري!! غير أني رأيته بعدما جلس إلى ظل حبلة في الحائط رفع يديه إلى السماء، كأنه يدعو، لم أسمع ما قال، كل ما لحظته أنه أغمض عينيه، وتمتم، فتهلل منه الوجه، وشخب منه الضياء وفاض الأمل، راح يبرق بالبشر، وغاض ذلك النصب، وكأن شيئاً لم يحدث، وكأن دماً لم يسل!

كان لقول عتبة في الحاضرين أثر عظيم، وسرت فيهم همهمة أطاشت لب أبي جهل، فبادر إلى القول قاطعاً الصمت الذي خيم على الوجوه، وخائفاً من أن يترك كلام عتبة في النفوس أثر التعاطف مع رسول الله:

- لا، إني لأحسبه سيتخلى عما جاءنا به من دين بعد ما لاقى ما لاقاه، إنكم لتعلمون فقده لعمه أبي طالب، ولزوجه خديجة، لم يبق له أحد يحميه منا أو يواسيه. وها هم أولاء أهل الطائف شنعوا عليه أمره، وردوا عليه دعوته رداً طالما حلمنا به، وتمنيناه،... وصمت قليلاً يتفحص الوجوه ويقرأ فيها عاقبة كلامه، وما أنبته في قسماتها.. ثم قال:

- تعلمون -أيضاً- أنه لم يجرؤ على دخول مكة إلا محتمياً، وكنا نود ألا يجيره علينا أحد، ولو لم يفعل المطعم ذلك لأكلت محمداً الوحوش الضواري، وتقاذفته الرياح الهوج، إن أمره -على ما أرى- قد خبا وضمر، بما قمنا به من تعاون، وبما ناصبناه به من عداء!!"[15].

وهكذا انقضى شطر من الليل، والساهرون يتجاذبون أطراف الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بينهم، ويديره شيطان قريش وفرعونها، وأخذ النعاس يدب إلى الرؤوس دبيباً وانياً فيثقلها، وراح يداعب أجفان القوم فتسترخي بعد أن يمسها خدر وفتور، ثم نامت مكة على بكرة أبيها، رقدت وخيم عليها صمت ثقيل يضاهي صمت المقابر، ولف جنباتها سكون يضارع سكون الأموات. غفت أم القرى بعد ليل ساهر صخوب، ونام كل شيء فيها إلا أنفاس النسيم الهفهافة التي حملت رطوبة الليل الموغل، وضوء القمر الساري المسكوب من الأعالي، وبريق النجم الغارق في لجة الغسق الواسع البهيم. وهناك -بجانب البيت العتيق- اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى جانبه عمه حمزة بن عبد المطلب، وابن عمه جعفر بن أبي طالب نائمين. كان صلى الله عليه وسلم بين النائم واليقظان، فالعين منه نائمة وأما القلب فقد ملئ أنساً بربه، كان صلى الله عليه وسلم بعد أن لج أهل مكة في الإعراض والصد عن سبيل الله تعالى، ورأى تماديهم في النفور عن دعوة الحق، قد خرج إلى الطائف ليبلغ أهلها أمر الله، لكنه لقي -هناك- قسوة وفظاظة إذ صفوا له السفهاء صفين، وأخذوا يرشقونه بالحجارة حتى أدموه صلى الله عليه وسلم، وكان زيد بن حارثة رضي الله عنه يدافع عنه أحر الدفاع، ثم عاد صلى الله عليه وسلم إلى مكة حزيناً مهموماً من تقاذف الناس -بأيدي أنفسهم- في النار، وفي مكة كان المؤمنون يذوقون أشد أنواع البلاء، بل كان بلاء لا تطيق الراسيات حمل بعضه، وفي هذه الأثناء قبضت السيدة خديجة، ومات العم المنافح أبو طالب، وأقفرت الأرض من المواسي أو المدافع، ولكن السماء يقظى لا تنام.

Page 7

وبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا إذ قال قائل:

إنه أحد الثلاثة، بين الرجلين. ثم صمت القائل واقترب رويداً من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهمزه بقدمه، وتوارى، جلس صلى الله عليه وسلم ونظر حوله فلم ير شيئاً، فعاد إلى مضجعه. فجاء القائل ثانية، فهمزه، وجلس صلى الله عليه وسلم كالأولى، وتلفت حوله فلم ير شيئاً، فعاد إلى مضجعه. فجاءه الثالثة فهمزه، فجلس صلى الله عليه وسلم فإذا أمامه جبريل ومعه نفر من الملائكة.

قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وانطلق به الملائكة إلى ماء زمزم، وهناك شق جبريل صدر النبي صلى الله عليه وسلم من نحره إلى مراق بطنه، فغسل جوفه بماء زمزم، ثم أتي بطست من ذهب مملوء حكمة وإيماناً، فحشا صدره الشريف بما في ذلك الطست. كان هذا بمنزلة تهيئة لرحلة عظيمة يخترق فيها صلى الله عليه وسلم السبع الطباق، ويبلغ مقاماً تذوب في ذكراه الأفئدة. كم من مرة جاء جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل إليه رسالات الله، ولم يكن في واحدة منها غسل الصدر الشريف الذي كان محل التنزل والاستقبال، وقد دل في هذه المرة على أن الحبيب مطلوب إلى الملأ الأعلى والحضرة الإلهية وسدة التشريف المطلة على الأكوان كلها، وبعد قليل أتي صلى الله عليه وسلم بالبراق، وهو دابة بيضاء، طويل، فوق الحمار، ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه. كان البراق مسرجاً ملجماً، وقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم بغية أن يركبه، لكنه ما إن شعر بدنوه صلى الله عليه وسلم منه حتى نفر واستعصى، فنظر إليه جبريل وهو يقول له:

- مه يا براق! ما يحملك على هذا؟ فوالله ما ركبك قط أكرم على الله تعالى من محمد صلى الله عليه وسلم!.

وسكن البراق تواً، وقر في مكانه، وتصبب منه العرق حياء مما فعل لما سمع كلام جبريل.

انطلق الركب الكريم انطلاق الريح، وكان البراق يضع حافره حيث ينتهي طرفه، وإلى جانبه كان جبريل، لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فانطلقت مع جبريل" فكان الآخذ بركابه جبريل، وبزمام البراق ميكائيل، أو كان جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره[16]، فساروا حتى بلغوا أرضاً ذات نخل، فقال له جبريل: انزل فصلّ ههنا، ففعل، ثم ركب، فقال له جبريل: أتدري أين صليت؟ قال: لا، قال: صليت بطيبة وإليها المهاجر، فانطلق البراق يهوي به، يضع حافره حيث أدرك طرفه، فقال جبريل: انزل فصلّ، ففعل ثم ركب، فقال جبريل: أتدري أين صليت؟ قال: لا، قال: صليت بمدين عند شجرة موسى، ثم ركب، فانطلق البراق يهوي، ثم قال: انزل فصلّ، ففعل ثم ركب، فقال: أتدري أين صليت؟ قال: لا، قال: صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى. ثم بلغ أرضاً، ولما صلى فيها بين له جبريل أنها بيت لحم حيث ولد عيسى.

وبينا هو يسير على البراق إذ رأى عفريتاً من الجن، يطلبه بشعلة من نار، كلما التفت رآه، فقال له جبريل: ألا أعلمك كلمات تقولهن، فإذا قلتهن طفئت شعلته وخرّ لفيه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى، فقال جبريل: قل: أعوذ بوجه الله الكريم، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن. فانكب العفريت لفيه وانطفأت شعلته[17].

وتابع الركب المبارك انطلاقته، وفي أثناء ذلك يكشف الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم من أحوال عالم البرزخ، مجموعة من المشاهد والحقائق، ويريه بعض الرموز، وكان في كل ذلك يرجع إلى الأمين جبريل عليه السلام للتعرف إلى ما يرى، وبيان ما يرمز إليه إن كان رمزاً.

ومن ذلك أنه بينما يسير إذ هو بامرأة حاسرة عن ذراعيها، وعليها من كل زينة خلقها الله، فقالت: يا محمد! انظرني أسألك، فلم يلتفت إليها عليه الصلاة والسلام، ولم يقم عليها، وهنا يقول جبريل عليه السلام: "تلك الدنيا، أما إنك لو أجبتها وأقمت عليها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة"[18]. ومنه ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في مسراه عجوزاً على جانب الطريق، فقال: ما هذا يا جبريل؟ فقال: العجوز التي رأيت أنه لم يبق من عمر الدنيا إلا كما بقي من عمر تلك العجوز[19].

وقد مر صلى الله عليه وسلم على قوم يزرعون في يوم، ويحصدون في يوم، وكلما حصدوا عاد الزرع كما كان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

- "يا جبريل! ما هذا؟ " قال جبريل:

- هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تعالى، تضاعف لهم الحسنات بسبع مئة ضعف، {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ: 34/39] .

ومر على قوم ترضخ[20] رؤوسهم بالصخر، وكلما رضخت عادت كما كانت، لا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

- "ما هؤلاء يا جبريل؟!" قال:

- هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة.

ومر على قوم، على أقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع[21]، يسرحون كما تسرح الإبل والنعم، ويأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم[22]. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

- "ما هؤلاء يا جبريل؟!" قال:

- هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم، وما ظلمهم الله تعالى شيئاً، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 41/46] .

ومر على قوم، بين أيديهم لحم نضيج في قدر[23]، ولحم نيء في قدر خبيث، فجعلوا يأكلون من اللحم النيء الخبيث، ويدعون النضيج الطيب! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

- "ما هؤلاء يا جبريل؟!" قال:

- هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيبة، فيأتي المرأة الخبيثة فيبيت عندها حتى يصبح!. والمرأة تقوم من عند زوجها حلالاً طيباً فتأتي رجلاً خبيثاً فتبيت معه حتى تصبح.

كما مر عند انطلاقه على البراق بداع عن يمينه أخذ يدعوه: يا محمد! انظرني أسألك، فلم يجبه ولم يقم عليه، ثم دعاه داع عن يساره: يا محمد! انظرني أسألك، فلم يجبه ولم يقم عليه كذلك. ويبين جبريل الأمين عليه السلام أن الداعي عن يمينه هو داعي اليهود، ويقول: أما إنك لو أجبته -أو وقفت عليه- لتهودت أمتك، وأما من دعاه عن يساره فهو داعي النصارى، وقال له: أما إنك لو أجبته لتنصرت أمتك...[24].

وينتهب البراق الفضاء، وبينا هو في ذلك إذ يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم خشبة قائمة على الطريق، لا يمر بها ثوب إلا شقته، ولا شيء إلا خرقته، فقال صلى الله عليه وسلم:

- "ما هذا يا جبريل؟!" قال:

- هذا مثل أقوام -من أمتك- يقعدون على الطريق فيقطعونها، وتلا {وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ} [الأعراف: 7/86] .

ثم يرى صلى الله عليه وسلم رجلاً قد جمع حزمة عظيمة، لا يستطيع حملها، وهو يزيد عليها! فقال صلى الله عليه وسلم:

- "ما هذا يا جبريل؟!" قال:

- هذا الرجل من أمتك تكون عليه أمانات الناس، لا يقدر على أدائها، وهو يريد أن يحمل عليها.

Page 8

ويرى قوماً تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، وكلما قرضت عادت كما كانت، لا يفتر عنهم من ذلك شيء! فقال صلى الله عليه وسلم:

- "ما هذا يا جبريل؟!" قال:

- هؤلاء الخطباء من أهل الدنيا، يأمرون الناس بالبر، وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب[25].

يقول عليه الصلاة والسلام: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بأخونة عليها لحم مشرح ليس يقربها أحد. وإذا أنا بأخونة أخرى عليها لحم قد أروح وأنتن، عندها أناس يأكلون منها، قلت:

- يا جبريل! من هؤلاء؟ قال:

- هؤلاء من أمتك يتركون الحلال ويأتون الحرام[26].

ويرى جحراً صغيراً يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع، فقال صلى الله عليه وسلم:

- "ما هذا يا جبريل؟!" قال:

- هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة، ثم يندم عليها، فلا يستطيع ردها.

ويرى رجالاً، لهم مشافر كمشافر الإبل، وفي أيديهم قطع من نار كالأفهار[27]، يقذفونها في أفواههم فتخرج من أدبارهم! فقال صلى الله عليه وسلم:

- "من هؤلاء يا جبريل؟!" قال:

- هؤلاء أكلة أموال اليتامى ظلماً.

ويمر الركب على رجال، لهم بطون كبيرة، بسبيل آل فرعون، يمرون عليهم كالإبل المهيومة حين يعرضون على النار، يطؤونهم، ولا يقدرون أن يتحولوا من مكانهم ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم:

- "من هؤلاء يا جبريل؟!" قال:

- هؤلاء أكلة الربا.

ويمر على نساء معلقات بأثدائهن، فقال صلى الله عليه وسلم:

- "من هؤلاء يا جبريل؟!" قال:

- هؤلاء اللواتي أدخلن على الرجال من ليس من أولادهم.

قال: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم فيلقمونه، فيقال له: كل كما كنت تأكل من لحم أخيك! قلت:

-"يا جبريل! من هؤلاء؟". قال:

-"هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون"[28].

وفي رواية: "... اللحم ثم يدس في أفواههم، ويقول:"كلوا مما أكلتم، فإذا أكره ما خلق الله لهم ذلك، ولما سأل جبريل عنهم أجاب: "هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون، الذين يأكلون لحوم الناس"[29].

ورأى صلى الله عليه وسلم قوماً، لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقال:

- "من هؤلاء يا جبريل؟!" قال:

- هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم[30].

وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ما صام من ظل يأكل لحوم الناس" وفيه تشبيه الوقيعة في الناس بأكل لحومهم، "ومن تنقص مسلماً أو ثلم عرضه فهو كالآكل لحمه حياً، ومن اغتابه فهو كالآكل لحمه ميتاً"[31].

وعبق الجو برائحة طيبة انبعثت فجأة، فقال صلى الله عليه وسلم:

- "ما هذه الرائحة الطيبة يا جبريل؟!" قال:

- هذه رائحة ماشطة بنت فرعون وأولادها! قال صلى الله عليه وسلم:

- "وما شأنها؟" فقال جبريل:

- قد سقط المشط -في يوم من الأيام- من يدها، فقالت وهي تتناوله: باسم الله. وسمعت ابنة فرعون مقالها فسألتها:

- أأبي تقصدين؟! قالت الماشطة:

- أقصد ربي وربك ورب أبيك. قالت بنت فرعون:

- أولك رب غير أبي؟! فقالت الماشطة:

- نعم، ربي وربك ورب أبيك الله.

وبلغ فرعون أمرها فدعاها فقال:

- أي فلانة، ألك رب غيري؟! قالت:

- نعم ربي وربك الله عز وجل.

وراوغها فرعون لترجع عن قولها، فلما أخفق أمر بوعاء من نحاس، فأحمي عليه، ثم أمر بها أن تقذف فيه هي وبنوها، يريد بذلك أن يجتث جذور الأسرة المؤمنة.

ولما أحاط بها الجند يريدون إلقاءها نظرت إلى فرعون بعينين دامعتين، كأنما تطلب أمراً، فقال فرعون:

- ألك حاجة نقضيها لك؟ قالت: نعم. قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظام أولادي إلى عظامي في موضع واحد. قال فرعون: ذاك لك، لما لك علينا من الحق. ونبذت في الوعاء الأحمر الحارق، وألقي أطفالها، الواحد تلو الآخر، حتى بلغوا رضيعاً، لا يفقه من أمر الدنيا شيئاً فصاح يلقن الطاغية درساً: إنا على الحق[32].

وبلغ الركب أحد الوديان فسطع منه ريح كريح المسك، وانبعث صوت مع ذلك الريح، فقال صلى الله عليه وسلم:

- "ما هذا يا جبريل؟!" قال:

- هذا صوت الجنة تقول: يارب! ائتني بأهلي وبما وعدتني، فقد كثر غرسي وحريري وسندسي وإستبرقي وعبقريي ومرجاني وفضي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي وفواكهي وعسلي ومائي ولبني وخمري، ائتني بما وعدتني يا رب!.

وقال لها الله سبحانه: لك كل مسلم ومسلمة، ومؤمن ومؤمنة، وكل من آمن بي وبرسلي، وعمل صالحاً، ولم يشرك بي شيئاً، ولم يتخذ من دوني أنداداً فهو آمن، ومن سألني أعطيته، ومن أقرضني جزيته[33]، ومن توكل عليّ كفيته، إني أنا الله لا إله إلا أنا، لا خلف لميعادي، قد أفلح المؤمنون، وتبارك الله أحسن الخالقين.

فقالت الجنة: قد رضيت يا رب.

Page 9

ثم أتى الركب بعد ذلك على واد، فيه ريح بشعة، وصوت منكر! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

- "ماهذا الصوت يا جبريل؟!" فقال:

- هذا صوت جهنم تقول: يا رب ائتني بأهلي، وبما وعدتني، فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وغساقي وغسليني[34]، وقد بعد قعري واشتد حري، ائتني بما وعدتني.

فقال لها الله سبحانه: لك كل مشرك ومشركة، وخبيث وخبيثة، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب.

فقالت النار: قد رضيت يارب[35].

وأخيراً حط الركب في بيت المقدس، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البراق، فمد جبريل إصبعه إلى صخرة -هناك- فخرقها، وشد بها البراق[36]، وقد كان الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه يربطون بها[37]، ثم دخل صلى الله عليه وسلم المسجد، قال:فجمع لي الأنبياء، فقدمني جبريل حتى أممتهم... قال: ثم صعد بي إلى السماء الدنيا[38]. وعن أنس رضي الله عنه قال: "ثم بعث له آدم فمن دونه فأمّهم تلك الليلة"[39]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه: ثم حانت الصلاة فأممتهم[40]. وجاء عن أبي أمامة رضي الله عنه : "ثم أقيمت الصلاة فتدافعوا حتى قدّموا محمداً صلى الله عليه وسلم"[41].

وأنت ترى أن كل الروايات تصب في إمامة الرسول صلى الله عليه وسلم بجميع الأنبياء في رحاب المسجد الأقصى الذي هو منتهى الإسراء، ثم كان بعد ذلك المعراج.

ثم لقي أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم، فقال إبراهيم عليه السلام: "الحمد لله الذي اتخذني خليلاً وأعطاني ملكاً عظيماً، وجعلني أمّة قانتاً يؤتم بي، وأنقذني من النار، وجعلها عليّ برداً وسلاماً".

قال: ثم إن موسى عليه السلام أثنى على ربه عز وجل فقال: الحمد لله الذي كلمني تكليماً، وجعل هلاك آل فرعون ونجاة بني إسرائيل على يدي، وجعل من أمتي قوماً يهدون بالحق وبه يعدلون.

ثم إن داوود عليه السلام أثنى على ربه عز وجل، فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملكاً عظيماً، وعلمني الزبور، وألان لي الحديد، وسخر لي الجبال يسبحن والطير، وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب.

ثم إن سليمان أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح، وسخر لي الشياطين يعملون لي ما شئت من محاريب وتماثيل، وجفان كالجواب وقدور راسيات، وعلمني منطق الطير، وآتاني من كل شيء فضلاً، وسخر لي جنود الشياطين والإنس والطير، وفضلني على كثير من عباده المؤمنين، وآتاني ملكاً عظيماً لا ينبغي لأحد من بعدي، وجعل ملكي ملكاً طيباً ليس فيه حساب.

ثم إن عيسى عليه السلام أثنى على ربه عز وجل، فقال: الحمد لله الذي جعلني كلمته، وجعل مثلي مثل آدم، خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير، فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذنه، ورفعني وطهرني وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم. فلم يكن للشيطان علينا سبيل.

ثم إنّ محمداً عليه الصلاة والسلام أثنى على ربه عز وجل، فقال: فكلكم أثنى على ربه، وإني مثن على ربي عز وجل فقال: "الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيراً ونذيراً، وأنزل علي الفرقان، فيه بيان لكل شيء، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي أمة وسطاً، وجعل أمتي هم الأولين وهم الآخرين، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحاً وخاتماً". فقال إبراهيم عليه السلام: بهذا فضلكم محمد صلى الله عليه وسلم[42].

هذا، وقد نقل ابن كثير بعدما ساق هذه الثناءات على الله من الأنبياء الأطهار عن أبي جعفر الرازي قوله في الخاتم والفاتح: خاتم النبوة، وفاتح بالشفاعة يوم القيامة.

والتقى فيه بعض المرسلين؛ إبراهيم وموسى وعيسى، وتذاكروا أمر القيامة، وقد ردوا أمرها إلى إبراهيم عليه السلام فقال: لا علم لي بها، فردوه إلى موسى عليه السلام فقال: لا علم لي بها، فردوه إلى عيسى عليه السلام فقال: أما وجبتها، فلا يعلم بها أحد إلا الله تعالى، ولكن فيما عهد إلي ربي أن الدجال خارج، ويكون معي قضيبان، فإذا ما رآني ذاب كما يذوب الرصاص، فيهلكه الله إذا رآني، ويهلك كل كافر، حتى إن الشجر والحجر يقولان: يا مسلم إن ورائي كافراً، فتعال فاقتله. عندئذ يخرج يأجوج ومأجوج، {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} [الأنبياء: 21/96] فيطؤون البلاد، ولا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه. فيرجع إلي الناس فيشكونهم، فأدعو الله عليهم فيهلكهم، فيموتون حتى تجوي[43] الأرض من نتن ريحهم، فينزل الله عليهم المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفها في البحر. وفيما عهد إلي ربي وإن ذلك كله كائن، فإن كان فالساعة -حينئذ- كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها، ليلاً أو نهاراً[44].

كان إبراهيم عليه السلام أقرب الناس شبهاً بالرسول صلى الله عليه وسلم، أما موسى عليه السلام فكان ضرباً من الرجال[45]، خفيف اللحم، ممشوق القوام، كأنه من أزد شنوءة، وكان المسيح -عليه السلام- ربعة[46]، أحمر، كأنما خرج من ديماس[47].

بعد هذا اللقاء خرج صلى الله عليه وسلم من المسجد، فقدم له جبريل إناءين، في أحدهما لبن، وفي الآخر خمر، وقيل له: خذ أيهما شئت، فأخذ صلى الله عليه وسلم إناء اللبن فشربه، فقال جبريل: هديت للفطرة وأصبتها، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك[48].

من حيث رواية تقديم الشراب وعدد مراته ومكان وقوعه روى أبو هريرة رضي الله عنه [49] فقال: أتي رسول الله ليلة أسري به بإيلياء بقدحين من خمر ولبن، فنظر إليهما فأخذ اللبن، قال جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك. ومن حديث مالك بن صعصعة[50]: ثم رفع لي البيت المعمور، ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك. وعن أنس رضي الله عنه [51] أن إتيانه الآنية كان ببيت المقدس قبل المعراج، ولفظه: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاء جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فأخذت اللبن، فقال جبريل: أخذت الفطرة. ومن حديث أنس عن مالك بن صعصعة قال: "... ثم أتيت بإناءين أحدهما خمر والآخر لبن"[52]، وعن أنس مرفوعاً: "رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا أربعة أنهار، قال:... وأتيت بثلاثة أقداح"[53]. هذا، وقال العلماء: اختلف في تقديم الآنية: هل هو قبل العروج أو بعده، وفي عددها، وأكثر الروايات على أنه كان قبل العروج. وجمعاً بين الروايات يقال: قدم له مرتين، وفي اختلاف العدد لعل بعض الرواة ذكر مالم يذكر الآخر، حيث عرض الخمر مرتين مع إعراضه صلى الله عليه وسلم عنها وتصويب جبريل ذلك، دل على تكثير التصويب والتحذير؛ أي كثرة وقوع الإصابة منه صلى الله عليه وسلم، والتحذير للأمة من حيث كون اللبن دالاً على الفطرة بخلاف الخمرة. قال القرطبي: يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرة، لأنه أول شيء يدخل بطن المولود ويشق أمعاءه، وميل الرسول إليه ناشئ عن أنه ما ينشأ عن جنسه مفسدة، والفطرة تطلق على الإسلام وعلى أصل الخلقة[54]، قال تعالى: {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [فاطر: 35/1] ، وقال صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة..."[55] ، واخترت الفطرة: أي اخترت اللبن الذي عليه بنيت الخلقة، وبه ينبت اللحم، أو اخترته لأنه الحلال الدائم في دين الإسلام، أما الخمر فحرام فيما يستقر عليه الأمر، وقد تكون الإشارة بتقديم اللبن إلى أن شعاره العلم كما في التعبير، وفي الحديث: "رأيت كأني أتيت بقدح من لبن فشربت حتى أرى الري يخرج من أظفاري، ثم ناولت فضلي عمر بن الخطاب. قالوا: يا رسول الله! ما أولته؟ قال: العلم"[56].

أجل؛ اختار المختار اللبن، وقال جبريل: هديت إلى الفطرة، والفطرة بطبيعتها نقية، واللبن لا صنعة للإنسان فيه، إذ يرتضعه الطفل من ثدي أمه، أو يشربه حلباً من أثداء الحلائب، والخمر يكشف لنا ما يطرأ عليها مما يجعلها مؤثرة سلباً في التوازن السلوكي والتفكير، حيث تمتد يد الإنسان إليها، وقبل أن تمسي خمرة كانت عنباً و رزقاً حسناً، فإذا باليد الصانعة العابثة تتلفه بالتخمير حتى ينتن ويتحلل، فيخرج عما خلق عليه، من مذاق حلو فيه عطاء وطاقة للجسم إلى طعم لاذع حارق مخاصم للعقل، ومحاصر لآفاقه، يغشي عليها ويخامرها، فيفسد بذلك توازن الإنسان... عنب في برميل مخزون يتعفن ويتخمر مدة من الزمان، فيتحول عن مذاقه وطبيعته التي فطر عليها، ويكفي في بيان خطرها أنها تلغي العقل الذي هو مناط التكليف أو تكاد، وقد روي أن سكيراً رأى مجنوناً فدعاه إلى طاولته ومخادنته ومشاركته في الشراب، فقال له المجنون: أنت تشرب لتكون مثلي، فأنا أشرب لأكون مثل من؟!!

بعدئذ أتي بالمعراج الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم: لم أر شيئاً قط أحسن منه[57]، وهو كالسلم، ذو درج، فصعد فيه صلى الله عليه وسلم حتى انتهى به إلى باب من أبواب السماء الدنيا، فاستفتح جبريل، فقيل له: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء. ثم فتح لهما الباب فدخلا، ولما خلصا إلى السماء رأى صلى الله عليه وسلم رجلاً جالساً، وعن يمينه أشخاص، وعن يساره أشخاص، فإذا نظر ذلك الرجل قبل يمينه سر وضحك، وإذا نظر قبل شماله حزن وبكى. قال صلى الله عليه وسلم: من هذا يا جبريل؟ قال:

- هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه، فأهل اليمين أهل الجنة، وأهل الشمال أهل النار، لذلك يضحك إن نظر إلى أهل الجنة، ويبكي إن نظر إلى أهل النار[58]. وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد عليه مرحباً وقال:

- مرحباً بالنبي الصالح، والابن الصالح. ودعا له بخير.

Page 10

وعرضت الأمم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي والنبيان يمرون، ومعهم الرهط[59]، والنبي ليس معه أحد، حتى رفع له سواد عظيم في الأفق، فقال صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟ أهذه أمتي؟ فقيل له: هذا موسى وقومه. ثم قيل له: انظر إلى الأفق، فإذا سواد عظيم قد رفع، ثم قيل: انظر ههنا، وههنا، في الآفاق، فإذا سواد يملأ الآفاق، فقيل له:

- هذه أمتك، ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفاً بغير حساب، وهم الذين لا يسترقون[60]، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون.

وتلقت الملائكة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبشر والسرور، فما منهم أحد إلا ضحك إليه، ودعا له، وقال خيراً، إلا ملكاً قال مثل ما قالوا من غير أن يبش أو أن يضحك. قال صلى الله عليه وسلم:

- يا جبريل! من هذا الملك الذي لم أر منه البشر مثل الذي رأيت منهم؟! فقال:

- أما إنه لو ضحك إلى أحد كان قبلك، أو كان ضاحكاً إلى أحد بعدك، لضحك إليك، ولكنه لا يضحك، هذا مالك خازن النار[61].

ثم اطلع صلى الله عليه وسلم على النار، كان قد أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة لا يضيء شررها، ولا يطفأ لهبها، لو أن قدر ثقب إبرة فتح من جهنم لمات من في الأرض كلهم جميعاً من حره، ولو أن خازناً من خزنة جهنم برز إلى أهل الدنيا لمات من في الأرض كلهم من قبح وجهه ومن نتن ريحه، ولو أن حلقة من حلق سلسلة أهل النار وضعت على جبال الدنيا لارفضت وما تقارت حتى تنتهي إلى الأرض السفلى[62]. ورأى صلى الله عليه وسلم في النار رجلاً أحمر أزرق، فقال:

- "من هذا يا جبريل؟!" قال:

- هذا عاقر الناقة[63].

ثم صعد جبريل بالرسول صلى الله عليه وسلم حتى أتيا السماء الثانية . فاستفتح جبريل، فقيل له: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء، ففتح لهما فدخلا، ولما خلصا إلى السماء الثانية إذا بابني الخالة: يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام. فقال جبريل:

- هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلم عليهما فردا التحية، ثم قالا:

- مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. كان عيسى - عليه السلام - بجسده وروحه في السماء، كأنما يتحدر الجمان من لحيته[64]، كان عريض الصدر، يعلو وجهه حمرة، وشعره شقرة، كأنه عروة بن مسعود الثقفي.

ثم صعدا إلى السماء الثالثة ، فاستفتح جبريل، فقيل له: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء، ففتح لهما الباب فدخلا، ولما خلصا إلى السماء الثالثة إذا هما بيوسف، الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن[65]. قال جبريل:

- هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال:

- مرحباً بالأخ الصالح، والنبي الصالح، ودعا لي بخير.

ثم صعدا إلى السماء الرابعة ، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء، ففتح لهما الباب فدخلا، ولما خلصا إلى السماء الرابعة إذا بإدريس، قال جبريل:

- هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال:

- مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ودعا لي بخير.

ثم صعدا إلى السماء الخامسة ، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء، وفتح لهما الباب فدخلا، فلما خلصا إلى السماء الخامسة إذا هما بكهل أبيض اللحية، عظيم العثنون، "لم أر كهلاً[66] أجمل منه" قلت:

- من هذا يا جبريل؟ قال:

- هذا هارون المحبب في قومه، فسلم عليه، فسلمت، فرد ثم قال:

- مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ودعا لي بخير.

ثم صعدنا إلى السماء السادسة ، فاستفتح جبريل. فقيل له: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء، ففتح لنا الباب فولجنا، ولما خلصنا إلى السماء السادسة إذا نحن بموسى عليه السلام، قال جبريل:

- هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد علي ثم قال:

- مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ودعا لي بخير. ولما تجاوزته صاعداً بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي.

ثم صعدنا إلى السماء السابعة ، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء، ولما خلصا إلى السماء السابعة إذا هما بإبراهيم عليه السلام مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، وإذا يدخل البيت المعمور كل يوم سبعون ألف ملك، ولا يعودون إليه. قال جبريل:

- هذا أبوك إبراهيم، فسلم عليه، فسلمت، فرد وقال:

- مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح.

ثم سار الركب الكريم حتى دخل الجنة، فإذا فيها جنابذ[67] اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك[68].

وبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنقل في جنباتها إذا به يسمع صوتاً خفيفاً، فقال صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا بلال المؤذن[69]. وعرض له صلى الله عليه وسلم نهر، حافتاه قباب اللؤلؤ، ومجراه على الدر والياقوت، وتربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج، فقال صلى الله عليه وسلم:

- "ما هذا؟" قال جبريل:

- هذا الكوثر الذي أعطاكه الله تعالى. فضرب صلى الله عليه وسلم بيده إلى طينه فاستخرج مسكاً[70].

وفي حديث عبد الله بن مسعود: "......حتى إذا دخل الجنة، فإذا فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فرأى على بابها مكتوباً: الصدقة بعشرة أمثالها، والقرض بثمانية عشر. فقال: يا جبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة؟"[71] قال: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يسأل إلا من حاجة. فاستقبلته جارية فقال: لمن أنت يا جارية؟ فقالت: لزيد بن حارثة، ورأى الجنة من درة بيضاء، وإذا فيها جنابذ اللؤلؤ[72] فقال: يا جبريل! إنهم يسألونني عن الجنة، فقال: أخبرهم أنها قيعان ترابها المسك.

فسار فإذا هو بأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وإذا رمانها كالدلاء، وفي رواية: فيها رمان كأنه جلود الإبل المقنبة، وإذا بطيرها كالبخاتي[73]. فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله! إن تلك الطير لناعمة! قال: أكلتها أنعم منها، وإني لأرجو أن تأكل منها[74].