eKtab
EN ع
المعاهدات الدولية إلزامية تنفيذها في الفقه الإسلامي والقانون الدولي
Read free sample

المعاهدات الدولية إلزامية تنفيذها في الفقه الإسلامي والقانون الدولي

by صباح لطيف الكربولي

Page 1

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين. أما بعد:-

فلما كانت المعاهدات الدولية مصدرا من مصادر القانون الدولي والمعبرة بصورة صريحة عن إرادة الدولة فإن الإلتزام بتنفيذها وتطبيقها يحقق الاستقرار في العلاقات الدولية، وإن عدم الإلتزام بأحكام تطبيق هذه المعاهدات وقواعدها يؤدي بالتأكيد إلى الاختلال في القانون الدولي وبالتالي تسود العلاقات الدولية الفوضى والنزاعات المسلحة وهذا ما يعرض البشرية إلى الويلات والكوارث المدمرة. وقد أولت الشريعة الإسلامية الغراء اهتماما كبيرا بقيم العدل والمساواة في التعامل فيما بين البشر سواء بين الأفراد أو الجماعات أو الدول، ولما كان تعامل الناس هو من ضروريات الحياة واستمرارها، وإن ذلك لا يستقيم إلا من خلال التعاون وعقد المعاهدات والاتفاقات، لذا أوجب الله تعالى على المؤمنين الوفاء بالعهود والمواثيق التي ألزموا أنفسهم بها، قال تعالى في محكم كتابه ﴿وبعهد الله أوفوا ﴾[1] وافتتحت سورة المائدة بآية العقود ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ أن اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾[2]، مطالبة الذين آمنوا بالوفاء بما تعاهدوا عليه مما يعطي للعهود الأهمية البالغة ووجوب احترام العقود والالتزام بتطبيقها وتنفيذها كاملة.

إن كثرة النصوص التي وردت في القرآن الكريم في هذا الشأن تؤكد قيمة الوفاء بالمواثيق والعهود ومنزلة الموفين عند الله سبحانه وتعالى، وفي المقابل فإن الناكثين بها مما يدل على أهمية هذا الموضوع وخطورته بالنسبة للدول والمجتمعات الإنسانية.

ولا يقتصر وجوب الوفاء على المؤمنين فحسب، بل يجب على الطرف الثاني أن يفي بالاتفاقات المبرمة، حيث قال الله سبحانه وتعالى: ﴿بلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾[3] مما يبرهن على أهمية العهد والالتزام به وتنفيذه وهو معلق في رقبة صاحبه حتى يوفي به كاملا وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أشدهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ أن الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾[4]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تفعلون كبر مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾[5].

إن بذل العناية اللازمة لمسألة الالتزام بتنفيذ المعاهدات وتطبيقها هو التعبير الحقيقي عن الرغبة والإرادة في إبرامها أصلا وهذا بالتالي يستلزم على عاقديها الاهتمام بالمعاهدات التي يعقدونها شكلا ومضمونا ومن ثم الالتزام بتنفيذها.

وما يجري في الساحة الدولية من هدر لحقوق الشعوب عامة و المسلمين خاصة أدى إلى فقدان الأمن والأمان نتيجة عدم الالتزام بالمعاهدات والمواثيق الدولية، إذ بقيت المعاهدات والمواثيق الدولية مركونة على الرفوف، ولم يلتزم أحد بالوفاء بتلك المعاهدات إذ يجب الالتزام بها في القانون والشريعة الإسلامية وجوباً، حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا ُيبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾[6].

كما أن القانون الدولي "لم يحدد العقوبات التي يجب فرضها في حالة النكوث عن تنفيذ المعاهدات والالتزام بها، والسلطة التي يمكن أن تفرضها، و تطرق فقط إلى تحقق المسؤولية الدولية واللجوء إلى المحكمة الدولية بإرادة الطرفين المتنازعين"[7] على اعتبار أن غياب سلطة عليا تنفذ القانون الدولي وتطبقه، "وتمسك الدولة بمبدأ سيادتها، على أساس أنه ليس للمتساوين سلطات بعضهم على بعضهم الآخر"[8] وأن هذا المبدأ قد دفع المجتمع الدولي إلى البحث عن أسس وأساليب تنفذ بموجبها الدول التزاماتها الدولية التي ارتضتها ووافقت عليها بمحض إرادتها بموجب معاهدات دولية وقعتها وصادقت عليها بموجب دساتيرها الوطنية، فوضع الفقه الدولي الأساس النظري لالتزام الدولة بالمعاهدات الدولية على أساس أن التزامها يقوم على قبولها الصريح بها مما يجعلها ملتزمة طبقا لقاعدة العقد شريعة المتعاقدين، وأن عليها تطبيق المعاهدة بحسن نية من أجل إقامة العلاقات الدولية الودية وتنميتها. غير أن ما يحصل في الواقع هو أنه كلما وجد مبرم المعاهدة أو الاتفاقية مصلحة في التنصل منها والنفاذ من الالتزام بها سلكه.

كذلك أصبح موضوع تغير الظروف موضوعا شائكا ومثار جدل واسع النطاق بين الدول وفرصة لمن يرغب في التنصل من التزامه معرضا مصالح الطرف الآخر إلى الضرر.

لهذا جاءت هذه الدراسة في موضوع إلزامية تنفيذ المعاهدات الدولية بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي بوصفها محاولة متواضعة لإبراز الحالات التي تحدث عنها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وبيان دور الوفاء والالتزام في بث الطمأنينة في نفوس البشر وتوفير الأمن والأمان لهم في الحياة والأموال وحفظ الحقوق لما لذلك من أهمية كبيرة وبالغة في ترسيخ العلاقات الإنسانية على مستوى الفرد والمجتمع والدول، إذ إن الوفاء بالعهد من منظور القرآن الكريم مقترن بالتقوى وذلك مما يحبه الله ويرضاه فيقول جل شأنه: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾[9].

وفي هذه الدراسة سنسلّط الضوء على مبادئ القانون الدولي التي عالجت موضوع إلزامية تنفيذ المعاهدات الدولية ابتداءً من ديباجة ميثاق هيئة الأمم المتحدة في صفحته الأولى والذي ورد فيه: وأن نبين الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي.

ومتى فقدت هذه المعاني أصبحت المعاهدات حبرا على ورق كما هو شأن الكثير من المعاهدات والمواثيق المبرمة في عصرنا الحالي وما كان لها من آثار سلبية مدمرة.

إن عصر الاحتكار والاستغلال والاستعمار والامتهان لكرامة الإنسان لا يزال موجودا على الرغم من وجود هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة وإصدارها القوانين العديدة التي تمنع الاعتداء وسلب الحقوق ومصادرة أوطان الشعوب، و لا سبيل لإنقاذ البشرية إلا في تشريعات عادلة لا تفرق بين الناس بسبب ألوانهم وعقائدهم وأجناسهم، وتشريعات تحمي الضعيف من القوي والفقير من الغني، غير أن المقارنة بين الفقه الاسلامي والقانون الدولي لكي تكون صحيحة يجب أن تكون بين أمرين متماثلين في بعض الوجوه، فأما أن يكون بينهما تباين أساسي في المصدر ينتج عنه تباين أساسي في التفاصيل فإن المقارنة تصبح غير سليمة، إلا إذا تجاوزنا هذا وكانت الغاية هي إبراز فضل جانب على آخر بصرف النظر عن التباين في المصدر والمضمون.

وهذه لبنة على طريق بيان فضل حكمة التشريع الإلهي وكشفه في أهم ما يمكن أن يوثق العلاقات الدولية الإنسانية بين الدول والتي رسمتها الشريعة الإسلامية التي آخت بين الناس على أساس الدخول في دين الله تعالى حيث يقول جل شأنه: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخوة فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[10]. ويستفاد من هذه الآية الكريمة أن الإصلاح بين الدول إصلاحاً سياسياً يكون بواسطة عقد المعاهدات والاتفاقيات ولا يوجد نظام أمضى و أزكى من النظام السياسي الذي يضع أصوله عقد ملزم تبين صيغته وطبيعته العلاقة بين الدول.

وجاءت هذه الدراسة محاولة لإبراز مواطن القوة والضعف في مسألة تنظيم العلاقات الدولية فيما يخص الإلزامية في تنفيذ المعاهدات الدولية إحقاقاً للحق ولمزيد من الاستقرار في العلاقات الدولية بين الأمم والشعوب وصولاً إلى المعاني السامية التي يحملها التراث الإنساني الخالد.

Page 2

أهمية الموضوع:

تبرز أهمية الموضوع الذي نبحث فيه من حيث طبيعته بالدرجة الأولى ولقضيته التي نرغب في بحثها، ويمكن إجمال الجوانب المهمة في الموضوع في ما يلي:

1. شرف الموضوع الذي ركز عليه القرآن الكريم في أكثر من مجال حيث أكد على الوفاء بالعهد بكل أنواعه ومراتبه.

2. إغناء المكتبات الإسلامية بهذا البحث المتخصص حيث لم يتناوله الباحثون على حد علمي بشكل مفصل ومتخصص في كتاب مستقل وإنما جاء ضمن دراسات غير مفردة له، بل شاملة له ولغيره من الموضوعات الأخرى.

3. الحاجة إلى دراسة هذه القضايا التي لها علاقة بمصالح الشعوب والدول الإسلامية ولها علاقة أيضا باستقرار الأفراد والشعوب وأمنها حيث لا يمكن تصور علاقات إنسانية ممتازة دون معاملات ومواثيق ومعاهدات مستقرة يكون الالتزام بتنفيذها أمرا في غاية الأهمية.

4. توضيح أهم المشاكل التي تعاني منها المجتمعات الحالية والخلافات التي تحدث بين الدول والشعوب بسبب التنصل من المعاهدات ومن الالتزام بتنفيذها مما يؤدي إلى النزاع ما بينها بسبب عدم احترام المواثيق والمعاهدات التي هي الأساس لبناء مستقبل زاهر في مجال العلاقات الإنسانية.

5. بيان أسباب عدم الإيفاء بالالتزامات للمعاهدات والمواثيق وآثار ذلك على تردي العلاقات بين الدول.

إشكالية الدراسة:

إن إشكالية هذه الدراسة تتلخص في الأسئلة التالية:

1. ما هو دور الالتزام بتنفيذ المعاهدات وتطبيقها وثمرات ذلك ؟

2. ما هو موقف الشريعة الإسلامية من عدم الالتزام بتنفيذ المعاهدات ؟

3. ما هو موقف القانون الدولي من عدم الالتزام بتنفيذ المعاهدات ؟

4. ما هي أسباب عدم الوفاء والالتزام بالمعاهدات والمواثيق ؟

5. ما هي الآثار المترتبة على عدم الالتزام بتطبيق المعاهدات في الفقه الإسلامي والقانون الدولي ؟

أسباب اختيار الموضوع:

إن سبب اختياري لهذا الموضوع بدأ عند إحساسي بأهميته الكبيرة في حياة الدول والشعوب والأفراد من خلال ممارستي الوظيفية في العمل لإعداد المعاهدات وخطورة التنصل من الالتزام بها مما يكدر صفو العلاقات بين الدول، وكم من حرب قامت، ومشاكل كبيرة حدثت جراء عدم الالتزام بما تم الاتفاق عليه بين الدول! فالأصل في عقد المعاهدات والاتفاقيات والمواثيق هو التعاون والالتزام لا أن تكون سببا في التوتر و انقطاع التعاون وشرارة لإشعال حرب مدمرة. أرى أن الحاجة ملحة الآن إلى بحث مثل هذا الموضوع والتذكير بعهد الله وما يحمله من مسؤولية .

· عدم وجود دراسة مستوفية و مستوعبة لكل جوانب الموضوع، مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي، حيث اتسمت الدراسات السابقة بعدم العمق ولم تتطرق إلى الموضوع بشكل مفصل ومسهب ومعمق.

· توضيح معنى إلزامية المعاهدات وبيان صورها وروحها من خلال القرآن الكريم وحث المسلمين على احترام العهود والوفاء بها، لتكون خطوة إيجابية في تغيير صورتهم لدى الآخرين.

منهج الدراسة :

تتلخص المنهجية التي تقوم عليها الدراسة في النقاط الآتية:

1. المنهج الاستقرائي: وذلك باستقراء الآيات القرآنية التي لها صلة بموضوع المعاهدات ثم تصنيفها بما يتناسب وأبواب الدراسة، كما هو المنهج الذي تسير عليه الدراسات ، وكذلك استقراء ما ورد من نصوص في السيرة النبوية الشريفة، وسيرة الخلفاء الراشدين من بعده في حالتي الحرب والسلم.

2. المنهج المقارن: وذلك من خلال المقارنة بين منـزلة المواثيق والعهود في الشريعة الإسلامية و في القانون الدولي في قضايا الحرب والسلم.

3. المنهج التحليلي: وذلك من خلال استنباط التوجيهات والقيم من الشريعة الإسلامية وربطها بالواقع الحالي للأمة الإسلامية، حتى لا تبقى هذه الدراسة مجرد نظريات لا معنى لها و بعيدة عن الواقع.

Page 3

1- تعريف الإلزامية

والالتزام: الاعتناق[11] وألزمته الشيء فالتزمه، ولزمت الشيء لزوماً ولزمت به ولازمته واللزام: الملازم

وقال الجوهري: لزمت به ولازمته واللزام: الملازم قال: أبو ذؤيب

فلم ير غير عادية لزاما كما يتفجر الحوض اللقيف[12]

ورد لفظ "لزام" في بعض مشتقاته في القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾[13] معناه: كان العذاب لازما لهم فأخرهم إلى يوم القيامة. واللزم هو: فصل الشيء، من قوله كان لزاما فيصل، أو قال غيره: هو من اللزوم.

والعادية: القوم يعدون على أرجلهم أي فحملتهم لزام، كأنهم لزموه لا يفارقوه ما هم فيه.

ويقال : صار كذا وكذا ضربة لازم.

قال كثير[14]:

فما ورق الدنيا بباق لأهله

ولا شدة البلوى بضربة لازم

Page 4

2- تعريف المعاهدات

أ- المعاهدة في اللغة:

عهد: أصل يدل على الاحتفاظ بالشيء وأحداث العهد به إذ من شأنه أن يرعى ويتعهد وإليه ترجع فروع هذا الباب من ذلك: -

العهد: " وهو حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال "[15] وهو أيضا العقد والموقف واليمين وجمعه عهود ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الإيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً أن اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾[16] وقوله جل شأنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[17] وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ أن اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾[18].

والعهد أيضا: الوصية والتقدم إلى المرء بالشيء أو الأمر، يقال عهد الرجل يعهد عهدا قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إليكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾[19].

ومنه اشتقاق العهد الذي يكتب للولاة، وهو أيضا: الوفاء والحفاظ على الحرمة ورعايتها، قال الله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأكثرهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أكثرهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾[20] أي من وفاء.

"والعهد أيضا: الأمان والذمة تقول: أنا أعهدك من هذا الأمر أي أؤمنك منه، ومن هنا قيل للحربي الذي يدخل دار الإسلام بالأمان ذو العهد وعاهد الذمي: أعطاه عهدا، فهو معاهد. وأهل العهد: هم المعاهدون أي أنهم يعاهدون على ما عليهم من جزية فإذا أسلموا ذهب عنهم اسم المعاهدة.

والتعهد التحفظ بالشيء وتجديد العهد به يقال: تعهدت فلانا وتعهدت ضيعتي وهو أفصح من قولك: تعاهدته؛ لأن التعاهد إنما يكون بين اثنين."[21]

والمعاهدة والإعتهاد والتعاهد بمعنى واحد هو: المعاقدة والمحالفة. يقال تعاهد القوم أي: تحالفوا، فالمعاهدة ميثاق بين اثنين أو جماعتين؛ لأنها على وزن ( مُفَاعَلَةٌ ) وهي تدل على المشاركة فلابد أن تكون بين طرفين"[22]

واستحدث مجمع اللغة العربية في القاهرة تعريفا للمعاهدة بأنها: " اتفاق بين دولتين لتنظيم علاقات بينهما. كما عرفت المعاهدة أنها اتفاق يكون بين اثنين أو جماعتين"[23].

ب - تعريف المعاهدة في الفقه الإسلامي:

يطلق فقهاء الحنفية على المعاهدة ألفاظا مثل المواضعة والمقاضاة ويسميها غيرهم الأمان والاستئمان وبعضهم يسميها المهاودة والموادعة التي يعرفها السمرقندي “بأنها الصلح على ترك القتال مدة بمال أو بغير مال”[24].

وعرف أيضا فقهاء الشافعية المهادنة بأنها: "عقد يتضمن مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة بعوض أو بغير عوض". [25]

وعرفها الحنابلة بأنها: "عقد على ترك القتال مدة معلومة لازمة بعوض وغيره"[26]

وتناولها الإمام محمد بن الحسن الشيباني بألفاظ متعددة للتعبير عن المعاهدة "كالموادعة والعهد والهدنة والمصالحة والمتاركة والمسالمة"[27] وغالبا ما يختار لفظ الموادعة والمعاهدة دون المسالمة والمصالحة؛ لأنه لا مسالمة ولا مصالحة حقيقية بين المؤمنين والمشركين و إنما تكون بينهم معاهدة؛ كما قال الله تعالى: ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[28].

والمعاهدة عند الإمام محمد بن الحسن الشيباني هي: " موادعة المسلمين والمشركين سنين معلومة"[29].

والعهد في الفقه الإسلامي له معنى أوسع من كلمة عهد في القانون الوضعي إذ هو أساسا اتفاق إرادتين بصرف النظر عن الشكل أو الإجراء.

فالعهد: " هو اتفاق شخصين أو فريقين من الناس على التزام بينهما لمصلحتهما المشتركة. فان أكداه ووثقاه بما يقتضي زيادة العناية بحفظه والوفاء به سمي ميثاقا وإن أكداه باليمين خاصة سمي يمينا"[30].

وتسمى الموادعة والمعاهدة والمسالمة والمهادنة وهي لغة: المصالحة، وشرعا: مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة بعوض أو بغيره سواء منهم من يقر على دينه أم من لم يقر، والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾[31] ومعاهدته e في عام الحُدَيْبية.

ج– تعريف المعاهدة في القانون الدولي :

عرفتها المادة الثانية من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات المعقودة سنة 1969 "بأنها اتفاق دولي يعقد كتابة بين دولتين أو أكثر وتخضع للقانون الدولي سواء أتم تدوينه في وثيقة واحدة أم في أكثر من وثيقة وأياً كانت التسمية التي تطلق عليه" [32].

ويلاحظ على هذا التعريف أنه لم يتطرق إلى الآثار القانونية التي يمكن أن يحدثها هذا الاتفاق وتأثير ذلك على الدول الثالثة كما أنه لم يعتبر المعاهدات مصدراً أصليا من مصادر القانون الدولي العام ونرى ضرورة أن يتضمن التعريف ما ذكرنا آنفا ليكون التعريف شاملا ووافيا، كما انه لم يميز بين المعاهدة والاتفاقية .

وتعرفها اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات بين الدول والمنظمات الدولية أو فيما بين المنظمات الدولية في مادتها الثانية أنها "اتفاق دولي خاضع للقانون الدولي معقود كتابة بين دولة أو أكثر ومنظمة دولية أو أكثر، أو فيما بين منظمات دولية سواء ورد هذا الاتفاق في وثيقة واحدة أو في اثنتين أو أكثر من الوثائق المترابطة وأيا كانت تسميتها الخاصة"[33].

ويعرفها جان جاك روسو بأنها عبارة عن "اتفاق بين أشخاص القانون الدولي المخصص لإحداث نتائج قانونية معينة" [34]. كما يعرفها أوبنهام" بأنها اتفاقات تبرم بأسلوب تعاقدي ملزم رصين لقضايا قانونية مشروعة بين حكومات الدول"[35].

وعرفها قانون المعاهدات العراقي المرقم 111 لسنة 1979 أنها توافق إرادات مثبت بصورة تحريرية بين شخصين أو أكثر من الأشخاص القانونية الدولية لغرض إحداث آثار قانونية تخضع لأحكام القانون الدولي بصرف النظر عن تسمية الوثيقة أو عدد الوثائق التي تدون فيها أحكام الاتفاق أو الاتفاقية أو البرتوكول أو الميثاق.

ويلاحظ أن هذا التعريف تجاهل في البداية تسمية الوثيقة ثم عاد إلى ذكرها مفصلا – الاتفاق والاتفاقية والبروتوكول أو الميثاق - ولم يميز أو يضع فاصلا بين المعاهدة والاتفاقات الأخرى كما ورد في الميثاق الذي نظم عمل منظمة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية وبين الاتفاقات التجارية والفنية والمعاهدات السياسية التي تنظم الحدود ومسائل سياسية أخرى.

والأصل في القانون الدولي أن المعاهدات تكون سياسية، أما إذا كانت غير سياسية، فتسمى اتفاقا أو اتفاقية غير أنه اليوم تشمل السياسية وغيرها ولكن يجب أن يحسم هذا الأمر ويكون هناك تفريق بين الأمرين، بينما انحصرت المعاهدات بين الدول في الأمور السياسية فقط، وقد تكون الاتفاقية بين دولة ومنظمة ولكنها لا ترقى إلى أن تكون معاهدة.

التعريف الراجح

أما التعريف الذي نقترحه للمعاهدة : هي اتفاق بين دولتين أو أكثر يعقد كتابة ويخضع للقانون الدولي لتنظيم علاقة سياسية غاية في الأهمية وتكون ملزمة لاطرافها ولها شروط شكلية وموضوعية وتعد مصدرا من مصادر القانون الدولي .

ومبررات تعريفنا هذا انه ميز بين المعاهدة والاتفاقية واعتبر المعاهدة تعالج موضوع غاية في الأهمية بالنسبة للدول والتي تتناول القضايا السياسية الهامة مثل قضايا الحدود والتحالفات السياسية الهامة وقد تطرقت أكثر آراء الفقهاء إلى هذا المفهوم غير أنها لم تتناوله بشكل محدد ، كما بينا أن المعاهدة يجب أن تخضع لمبادئ القانون الدولي وتتضمن شروط موضوعية وشروط شكلية درجت عليها المعاهدات الدولية

كما تعد المعاهدات مصدرا للقانون الدولي باعتبارها تقنن الاجتهاد وتضعه في عبارات محددة لها معنى يقصده أطراف المعاهدة ومن ثم يصبح عرفا دوليا تأخذ به الدول.

Page 5

3- تعريف الفقه الإسلامي

الفقه في لغة العرب: الفهم ومنه قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِيْ يَفْقَهُوْا قَوْلِيْ﴾[36] أي: يفهمونه. وقال قوم شعيب وقوله تبارك وتعالى : ﴿قَالُوْا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيْرًا مِمَّا تَقُوْلُ﴾[37].

والفقيه عند العرب "الفهامة العالم لا فرق في ذلك بين علم وعلم، فكل من علم علما فهو فقيه، ومن علم علوما كثيرة فهو فقيه العرب وعالمها".[38] فلما جاء الإسلام غلب اسم الفقه على "علم الدين لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم، كما غلب النجم على الثريا"[39]، يعرف الفقه الإسلامي: بأنه أحكام الحوادث نصا واستنباطا"كما أفاده الزركشي"[40].

Page 6

4- تعريف القانون الدولي

اختلف فقهاء القانون في تعريف القانون الدولي العام فبعضهم عرّفه بأنه: - "مجموعة القواعد التي تنظم علاقات الدول فيما بينها وتحدد حقوق كل منها وواجباتها"[41]، ويعرّف أيضا" بأنه مجموعة القواعد العرفية والاتفاقية التي تعدّها الدول المتمدنة ملزمة لها في تصرفاتها المتبادلة"[42]، وعرّفه لورنس بأنه " القواعد التي تحكم تصرفات جماعة الدول المتمدنة فيما بينها من المعاملات"[43].

ويطلق على القانون الدولي العام" اسم قانون الشعوب كما أطلق عليه قانون الحرب والسلام وقانون الجنس البشري والقانون السياسي الخارجي"[44].

كما ذهب المجددون من الفقهاء إلى القول أن القانون الدولي العام هو القانون الذي يشتمل على مجموعة من القواعد والمبادئ القانونية المنظمة للعلاقات الدولية والمحددة لحقوق كل منها وواجباتهم.

وعرف بعض القانونيّين المعاصرين القانون الدولي العام بأنه "مجموعة القواعد الملزمة المنضمة للمجتمع الدولي"[45] ويراعي القانون الدولي الاعتبارات الأخلاقية والاقتصادية والسياسية كما أن مخالفة أحكامه ترتب المسؤولية الدولية وتوقيع الجزاءات القانونية، ومن الملاحظ تأثر قواعد القانون الدولي العام بقواعد الأخلاق عن طريق اندماج الأخيرة في هذه القواعد كلما ازداد شعور الدول بواجبها نحو المجتمع الإنساني ومثال ذلك اتفاقية جنيف لعام 1863.

ولما كان أساس القانون الدولي هو الرضاء العام وجب أن تنحصر مصادره فيما يتركز على رضاء الدول. و تتفاوت مصادر القانون الدولي العام من حيث صفتها وقوة مدلولها فهناك مصادر أصلية عددتها المادة الثامنة والثلاثون من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية وهي:" الاتفاقات الدولية العامة، والمعاهدات الشارعة والمعاهدات العقدية والخاصة والعرف الدولي ومبادئ القانون العام التي أقرتها الأمم المتحدة والمصادر الاحتياطية وتشتمل على أحكام المحاكم الدولية ومذاهب كبار المؤلفين في القانون العام وقواعد العدالة وقرارات المنظمات الدولية" [46].

Page 7

المطلب الأول :نبذة تاريخية عن المعاهدات

يرى بعض الكتاب أن تاريخ المعاهدات يرجع إلى أقدم العصور منذ أقدم المجتمعات البدائية التي كانت تقيم العلاقات وتوفد عنها الممثلين لإجراء المفاوضات في بعض المناسبات وعلى الرغم من أن الحروب بين الشعوب القديمة كانت تعدّ من الأمور الطبيعية إلا أنه كانت تتخلل تلك الحروب فترات معينة من التوقف والفتور يتقابل فيها ممثلوها للمساومة في شروط فض المنازعات أو إنهاء الحرب أو تكوين نوع من التحالف بين فريقين ضد فريق آخر أو لمجرد تباهي بعضها أمام البعض الآخر بقوتها وبأسها .

وعلى ضوء ذلك فإنه بالإمكان القول أن أقدم الشعوب كانت تمارس عملا شبيها بالمفاوضات الدبلوماسية يقوم بها ممثلون يمكن أن يكونوا إلى حد ما بالدبلوماسيون.

وحين أثبت الإنسان تقدما في الحياة وظهرت الحضارات القديمة العريقة في وادي الرافدين والنيل والهند والصين كان من جملة ما عنيت به هذه الحضارات اهتمامها بتنظيم علاقاتها الخارجية عن طريق تبادل السفراء ومما يؤيد ذلك سجلات ومخطوطات كل من بابل ومصر والهند والصين القديمة، وكانت المعاهدات والمحالفات من الأمور المألوفة وكانت تعقد لعدد من المناسبات التي من أهمها معاهدات إنهاء الحروب والصداقة عن طريق معاهدات الجوار وغيرها. وكان اختيار الأشخاص المفاوضين من الأفراد الذين لهم مكانة عالية بين قومهم ولهم القابلية والذكاء والأمانة والسمعة ما يؤهلهم لتقلد هذه المناصب.

وقد أسهمت الحضارة اليونانية في تطور النظرية الدبلوماسية في تناول أكثر من جانب واحد وعلى الأخص فكرة التفاوض وعقد المؤتمرات الإقليمية وقد أورثتنا القرون الغابرة كثيرا من مؤسساتها القانونية، كما احتفظت لغتنا الدارجة الفصيحة بمقدار محسوس في أثر اللغات السامية كالآشورية والبابلية. ولا غرابة فقد كان العراق مهدا لأقدم الشرائع وأرقاها ويكفي أن نتذكر شريعة جوديا(JUDIA) وقانون حمورابي المشرع العظيم، الذي أثبتت الدراسات العميقة التي قام بها بعض علماء الغرب أن شريعته كانت أعظم شريعة وضعية عرفتها القرون الأولى وأن قانونه كان الأنموذج الكامل للقانون المدني.

" أما في القرون الوسطى التي اصطلح عليها تمشيا مع الغرب تسميتها بالعصور المظلمة و حري بنا أن نسميها العصور المنيرة فقد كان العراق مركزاً لتلك النهضة العظيمة التي شملت شتى نواحي الحياة العقلية والروحية والفنية و أنتجت تراثًا خالدًا على الزمن أضاء سناه الكون كله"[47].

وقد وضعت الشريعة الإسلامية أحكاما لتنظيم المعاهدات قائمة على أساس الإنسانية وإحقاق الحق. وعدّت الوفاء بها يرتب عليها أجراً عظيماً لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أوْفَى ِبماَ عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيْهِ أجْراً عَظِيْماً﴾[48]، وقد عقد النبي محمد e معاهدات عدة مع أهل المدينة المقيمين فيها ومن أولى هذه المعاهدات المعقودة مع أهل المدينة قبل سنتين من الهجرة النبوية للمدينة عندما جاء وفد من يثرب إلى مكة وقابلوا النبي محمد e سراً فعقدت معاهدة تحالف واستقر الرأي على الهجرة إلى يثرب وقد طلب من أهل يثرب أن يكملوا الأمر وسيلحق بهم في وقت قريب"[49]. وبعد أن هاجر النبي محمد e إلى يثرب فإن أول عمل قام به هو توحيد الأوس والخزرج وربطهم بمعاهدة قوية ووحدة اجتماعية فأطلق عليهم جميعا الأنصار، لأنهم نصروه وبذلك فقد طوى صفحات قديمة من الصراع المسلح الذي كان قائما بين الأوس والخزرج وتمكن من ربطهم برابطة الدين الذي وحدهم وقضى على الفتن التي كانت تعصف بمجتمع يثرب وتمزقه. وكان وجود اليهود وراء هذا التشرذم والحروب الدامية التي كانت مستديمة بين الأوس والخزرج من أجل أن يتمكن اليهود من السيطرة على الطرفين ويضعفون قوتهم." وكانت وحدة الأوس والخزرج أول معاهدة يضعها الرسول عليه الصلاة والسلام بعد دخوله إلى يثرب، ونحن نطلق على هذا العمل اسم المعاهدة على الرغم من أن المعاهدة لا تعقد إلا بين شخصين قانونيين دوليين، وذلك أن القبائل أشخاص قانونية مستقلة وهي من الناحية القانونية السياسية والعملية تمثل دولا مستقلة فالتعاقد بين القبائل العربية إنما يمثل التعاقد بين دول مستقلة. كما عند النبي عليه الصلاة والسلام معاهدات عدة مثل معاهدة بني ضمرة وينبع ومعاهدة مع أهل جرباء وأذرج ومعاهدة مع نصارى نجران وتعهد لبني غفار ومعاهدة مع قريش"[50] "معاهدة صلح الحديبية سنة 628م. وقصة هذه المعاهدة التي عقدت في السنة السادسة للهجرة هي أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان قد أزمع أن يحج إلى مكة في هذه السنة، وخرج مع أصحابه معتمرين لا يريدون قتالا، ولكنه توقف في الطريق حيث جاءته الأخبار بأن قريشا تستعد لمحاربته، فأرسل إليهم بعض رسله وتبادلت قريش معه الرسل. وبايعه المسلمون بتلك البيعة المعروفة بالرضوان، وتمت مفاوضات بين الرسول عليه الصلاة والسلام وسهيل بن عمرو عن قريش، وتم الاتفاق على أن يرجع الرسول صلى الله عليه وسلم هذا العام ويعود في العام القادم مع أصحابه، على أن يضعوا سلاحهم في قرابهم. وكان من أهم النصوص التي احتواها هذا العهد أن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدها دخل فيه، وأن الطرفين قد تهادنا وكفا عن الحرب عشر سنين. وكان هناك شرط مجحف بالمسلمين قبله الرسول مع ذلك، هو أن من خرج من مكة من قريش مسلما بغير إذن وليه وقصد محمدا بالمدينة رده إليهم، وأن من جاء من المسلمين مكة مرتدا عن دينه لم يردوه إلى النبي عليه الصلاة والسلام وغضب جميع المسلمين من هذا الشرط وخاصة بعد أن ترتب عليه موقف شاذ، فأثناء توقيع العهد جاء أحد المسلمين – وهو جندل بن سهيل بن عمرو –وكان قد أسلم فقيّده أهله بالحديد وعذّبوه فلما علم بوجود المسلمين قريبا من مكة هرب من سجنه ودخل على النبي يرسف في قيوده و أغلاله واستغاث بالمسلمين أن يلحقوه بهم، وهنا أخذ به والده سهيل بن عمرو وطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم رده إليه إعمالا لهذا الشرط، ولم يملك الرسول إلاّ إنفاذ ما تعاقد عليه، وزادت المشكلة سوءًا بزيادة عدد هؤلاء.وقد كان من الممكن أن يعدّ ذلك تغيرا في الظروف يجيز نقض العهد، إلاّ أن حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على احترام الكلمة جعله يتمسك بها"[51].

لقد كانت معاهدة صلح الحُدَيْبية أول خطة استراتيجية يرسمها عليه الصلاة والسلام حينما وجد أن الكفار بأشكالهم المختلفة سواء أكانوا من أهل الكتاب أم من المشركين قد تكالبوا عليه وتآمروا للقضاء على كيانه السياسي في المدينة المنورة، وجد النبي عليه الصلاة والسلام نفسه محاصرا من ثلاث جهات كان اليهود من الشمال وكانت قبائل بني أسد و غطفان وبعض العرب من الشرق وكانت قريش من الجنوب.

لكل ما تقدم قرر عليه الصلاة والسلام أن يجمد الجبهة الجنوبية باتفاق السلام وأن يثبت الجبهة الشرقية بالسرايا، ويبعثها كلما بلغ الخبر عن تجمع قبلي والتفرغ لتدمير الجبهة الشمالية وقواعدها في خَيْبَر، وفدك وتَيْمَاء ووادي القرى. لقد كان اليهود مصدر التحريض، فالقضاء عليهم كفيل بإضعاف باقي الجبهات بل وإسقاطها فانطلق عليه الصلاة والسلام لعمرته إلى مكة، لأن في العمرة لقاءًً مع قريش وحواراً مع قومه قد يفضي إلى قتال أو يفضي إلى سلام يتم الاتفاق عليه.

وسار الخلفاء الراشدين كذلك في عقد المعاهدات مع مختلف الأمم والشعوب منها معاهدة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أهل ايلياء (بيت المقدس) .

"كما عقد ملوك بني أمية وملوك بني العباس معاهدات عديدة مع مختلف الدول وخاصة مع الروم"[52]

أما في العصر الحديث للقانون الدولي "الذي بدأ بإبرام معاهدة (وستفاليا) سنة 1648م التي يرى معظم الفقهاء أنها وضعت القواعد التقليدية للقانون الدولي العام صحيح أن الدول كانت تدخل قبل ذلك مع بعضها في علاقات, ولكنها قليلة ومتقطعة وقاصرة في العصور الأولى على الحرب ومحاولات السيطرة ,ومن أهم ما حققته معاهدة (وستفاليا) أنها قضت على نفوذ البابا ورئاسته الدول الاوروبية, وأقرت مبدأ المساواة بين الدول المسيحية وأنشأت فكرة التوازن الدولي كوسيلة لحفظ السلام العالمي .

وبمرور الوقت كثرت المعاهدات وتنوعت موضوعاتها, وفي خلال القرن الذي تلا مؤتمر فيينا سنة 1815م أبرمت المعاهدات بكثرة عظيمة, ذلك أن معظم دول العالم أرادت أن يكون لها أساس تعاهدي لعلاقاتها مع الدول الأخرى ,مما جعل البعض يطلق على هذه الفترة (عصر النمو القانوني ) بالنظر إلى أثر المعاهدات في تطور القانون الدولي ونموه, وقد قدر أنه في سنة 1914م كانت حوالي ثمانية آلاف معاهدة سارية بين مختلف دول العالم ,ولقد سجل دي مارتنس أكثر من ثمانمائة معاهدة أبرمت مابين 1874-1883, وسجلت في العصبة أربعة آلاف وأربعمائة وخمس وتسعون معاهدة واتفاقية حتى نهاية ديسمبر سنة 1938م .ولقد اشتمل سجل هيئة الأمم المتحدة بعد عشر سنوات من قيامها في (الفترة من 14 ديسمبر 1946م حتى آخر أكتوبر سنة 1956م) على خمسة آلاف وأربعمائة وثلاث وثلاثين معاهدة دولية , وهذا السجل لا يحتوي على جميع المعاهدات التي أبرمتها الدول فيما بينها وحتى منتصف 1963م سجلت بسكرتارية هيئة الأمم ثلاثة آلاف وأربعمائة وعشرون معاهدة ملأت أربعمائة وسبعين مجلدا والعدد يتزايد ويتضاعف بمرور الوقت كما تتزايد وتتضاعف أهمية المعاهدات ,وتتنوع موضوعاتها والمجالات التي ترتادها"[53].

Page 8

المطلب الثاني :أهمية المعاهدات

تتجلى أهمية المعاهدات فيما يلي: -

1- أهمية المعاهدات في النظام القانوني الدولي.

تعدّ المعاهدات الأداة الطبيعية في العلاقات الدولية ولقد زادت هذه الأهمية حديثا نتيجة لظروف الثورتين الصناعية والتكنولوجية التي يمر بها المجتمع الدولي حديثا، الأمر الذي يستلزم العناية بدراسة مشاكلها والأحكام التي تنظمها . ولعل من أهم تلك المشاكل إن لم تكن أهمها جميعا، دراسة الوسيلة التي يمكن أن تجعل أحكامها متلائمة مع ما يستجد من الظروف في الحياة الدولية .

وتعدّ المعاهدات أداة لتحقيق نوع من الثبات في الحياة الدولية باعتبار أن الدول عندما تتعاقد تستهدف تنظيم مسائل معينة على نحو خاص يعبر عن مصالحها ولذا فمن الطبيعي أن يفرض القانون الدولي على المتعاقدين، أن يوفوا بما تعاهدوا عليه وأعطيت قاعدة الوفاء بالعهود على ذلك قدرا كبيرا من الأهمية وأصبحت الرمز المعبر عن الثبات في العلاقات الدولية، غير أن الحياة الدولية – بوصفها ميداناً للعلاقات البشرية - ليست ثابتة فهي ككل شيء طبيعي، متحركة ومِنْ ثَمّ فلابد من إيجاد الوسائل التي تكفل تحقيق قدر من التوازن بين تلك الحياة الدولية المتغيرة وما تنظمه تلك الأطراف في معاهدتها من أوضاع ومن سرعة الحركة. تلك غالبا ما تجعل ما عمل أمس غير كاف لمواجهة ما يجري اليوم. وهي المشكلة الأساسية التي يجري التكيف معها عن طريق عقد معاهدات مستمرة مع مستجدات الحياة. لذلك فإن القاعدة التي وضعها الرومان وهي قمة أفكارهم وأساس خالد للعلاقات بين البشر وهي قاعدة العقد شريعة المتعاقدين فلا يجوز لطرف بمقتضاها أن ينقض ما تعاقد عليه مع غيره على الرغم من أن الخلاف الفقهي الواسع حول تحديد العلاقة التي تربط بين القانون الدولي والقانون الداخلي وهل هي علاقة تقوم على الوحدة القانونية أم على ثنائيتها ؟ فإنه لا جدال في أن الظروف التي يقوم القانون عليها تختلف بوضوح في كلا النظامين عن الآخر ذلك أن القانون الدولي يحكم الدول في علاقاتها المتبادلة باعتبارها دولاً مستقلة ذات سيادة في حين أن القانون الداخلي يحكم الأفراد باعتبارهم أشخاصا عاديين يخضعون جميعا لسلطة عليا واحدة "وهذا الخلاف السياسي ينعكس أثره على طريقة التنظيم وأهدافه فإذا كان القانون يهدف إلى حكم العلاقات الاجتماعية في نطاق معين فإنه من المقرر أن كل نظام قانوني يعكس مبادئ النظام الاجتماعي الذي يقوم بتنظيمه ويتخذ الأهداف والوسائل التي تتفق مع هذه المبادئ"[54].

2 - أهمية المعاهدات في تنظيم العلاقات الدولية.

جاء في ديباجة اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات التي أقرها هذا المؤتمر ما يلي: إن دول الأطراف في هذه الاتفاقية اعتبارا منها للدور الأساسي للمعاهدات في تاريخ العلاقات الدولية، واعترافا منها بالدور الذي لا تتوقف أهميته لها بوصفه مصدراً للقانون الدولي و بوصفه أدواتٍ للتطوير السلمي وللتعاون بين الدول أيا كان تكوينها وأيا كانت نظمها الاجتماعية.

وتعدّ المعاهدات الصورة المثلى لتنظيم العلاقات بين الدول إذ أنها تتفق مع تكون المجتمع الدولي من مجموعة من الدول تتمتع كل منها بحقوق السيادة والمساواة في مواجهة الدول الأخرى، الأمر الذي يستبعد وجود تشريعات تفرض بإرادة واحدة كما هو متبع في القانون الداخلي. وقد حدثت تطورات بالغة في الحياة الدولية تركت بصماتها واضحة على القانون الدولي، وتجلت في توسع المعاهدات المتعددة الأطراف والثنائية.

كما أنها أصبحت الأداة الضرورية لتحقيق الرفاه الدولي كالتعاون الدولي في شؤون العلاقات الدولية المختلفة. . . فهذه وغيرها من وجهة نظر القانون الدولي لا يمكن تنظيمها إلا بالمعاهدات الدولية.

3- أهمية المعاهدات باعتبارها مصدرا للالتزام .

بالنظر إلى اطراد الزيادة في عدد المعاهدات الدولية بدرجة كبيرة فإن قواعد الاتفاقية تشغل بالنسبة إلى هذه الزيادة مكانة كبرى، الأمر الذي يعزز التأثير المباشر للمعاهدات على القانون الدولي العام.

والمعاهدة باعتبارها اتفاقا صريحا تتميز بين مصادر القانون الدولي العام بالدقة والضبط بالقياس إلى مصادره الأخرى بالنظر لما يكتنف عقدها وإبرامها وتصديقها وتنفيذها من إجراءات شكلية خاصة تجعلها بحق ليس المصدر الرئيس للالتزامات الدولية فحسب بل أسلوبا ميسورا ومهما لخلق قواعد القانون الدولي أو الكشف عنها.

كما تبرز أهمية المعاهدات العامة والخاصة في " تفضيلها من قبل محكمة العدل الدولية ووضعها في مكان الصدارة في تطبيق قواعد القانون الدولي في المنازعات التي تعرض عليها حينما نصت على ذلك في الفقرة 1 مادة38"[55] من نظام المحكمة.

ولقد ازدادت أهمية المعاهدات في القرن التاسع عشر والقرن العشرين والقرن الحالي وأصبحت الوسيلة المطلقة لإتمام التنظيم الدولي فالأمم المتحدة والجامعة العربية والبنك الدولي للإنشاء والتعمير ومنظمة حلف شمال الأطلسي وعشرات المنظـمات الدولـية الأخرى ما كانت قد تكونت لولا المعاهدات الدولية .

Page 9

المطلب الثالث :طبيعة المعاهدات

1- طبيعة المعاهدات في الفقه الإسلامي

إن المصادر الرئيسة في الفقه الإسلامي والتي اتفق عليها فقهاء الشريعة تنحصر في القرآن والسنة والإجماع والقياس إضافة إلى مصادر أخرى مختلف في الاحتجاج بها كالمصالح المرسلة والاستصحاب والاستحسان لذلك فحين البحث عن تكييف المعاهدة في كونها عقدا أو تشريعا يجب إرجاع المعاهدة إلى إحدى هذه المصادر أي اندراجها تحت واحد من تلك المصادر التي استنبط منها الفقهاء أحكام الشريعة.

ويكيف بعض الفقهاء طبيعة المعاهدات على" أنها عقد كأي عقد ومنهم من ينكر ذلك كله ويرى فيها صورة التشريع الدولي ومنهم من ينهج نهجا وسطا فيرى أن من المعاهدات ما هو عقد ومنها ما هو تشريع"[56].

غير أن بعضهم يرى أن المعاهدة ليست مصدرا خلاقا أو منشئاًً للأحكام الشرعية؛ لأن المصدر الخلاق لتلك الأحكام هو الإرادة الإلهية التي تجلت في القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم .

ولكن المعاهدة يمكن أن تكون دليلا شرعيا تصاغ فيه تلك الأحكام وتتخذ به كيانا ذاتيا. ومن ذلك المعاهدات التي عقدها الرسول عليه الصلاة والسلام فهذه تأخذ حكم السنة التي تشتمل على القول والفعل والتقرير.

2- طبيعة المعاهدات في القانون الدولي

إن الإرادة المستقلة لأطراف المعاهدة هي الشرط المنشئ للعلاقة القانونية وهذه تضفي القوة الموضوعية سواء بوصفها قاعدة من قواعد القانون الوطني أو الدولي.

وتعدّ المعاهدات "النموذج المفضل للصيغة التعاقدية التي تمثل أسلوب ممارسة الدولة لسيادتها في الحياة الدولية وتعدّ المصدر الأساسي للقانون الدولي العام. وجاء على لسان رئيس جمهورية النمسا في جلسة افتتاح مؤتمر الأمم المتحدة في فيينا عام 1968 أنه لا يمكن التفكير في القانون الدولي بدون معاهدات إذ إن مبادئ النظام القانوني الدولي تقوم عليها"[57].

وحيث أن القانون هو عبارة عن إرادة عامة تعبر عن قاعدة قانونية في صورة مكتوبة وإذا انتقلنا بهذا التصور إلى الصعيد الدولي نجد أن المعاهدة هي تشريع دولي في الفقه الفني للتعبير لأنها تصدر عن الإرادة المشتركة لأطرافها وهي الإرادة التي تملك حق خلق قواعد القانون في الجماعة الدولية وتحدد الحقوق والواجبات للمخاطبين بأحكامها وهي من حيث الإلزام آمرة على من تخاطبهم والمعاهدة شريعة المتعاقدين فتقوم مقام القانون في تنظيم شؤون المتعاقدين في موضوع المعاهدة .كما أنها تقنيين للاجتهاد القانوني بعبارات محددة مفهومة المعنى ملزمة لعاقديها.

"ويجب أن تحل المعاهدات محل القوة المسلحة كما يجب الاعتراف بها بوصفها قوةً معنوية، كتعبير عن الديمقراطية والسلم، وذلك باعتبار أنها تضع قواعد عامة تقبل التطبيق لتقيم التعايش بين الشعوب وتعقد جسرا بين الروابط المادية والقيم الأخلاقية"[58]. لقد شهد المجتمع الدولي توسعا أفقيا من ناحية، ورأسيا من ناحية أخرى، تجلى الأول في اتساع دائرة الأعضاء المكونين للجامعة الدولية باستقلال الكثير منها ممن كان يوجد في علاقة خضوع أو تبعية لدولة أخرى. وقد ترتب على ذلك نتيجة مزدوجة هي زيادة عدد الشخصيات التي تملك إبرام المعاهدات من ناحية واتساع دائرة النظام الدولي لدخول مدنيات وحضارات جديدة مثلت في نطاق أوسع بعد أن كان هذا النطاق قاصرا على الحضارة الغربية.

كما شهد التوسع الرأسي في دخول الكثير من المسائل في مجال العلاقات الدولية لم تكن تدخل في نطاقها من قبل، والأمثلة الواضحة لها هي المسائل المتعلقة بالاقتصاد والصحة والثقافة والاجتماع والقانون وغيرها. وقد أوجدت هذه المسائل مشاكل دولية احتاجت إلى تنظيم يمتاز بالدقة لما لها من صيغة فنية وعلمية حساسة ولا يمكن أن يتم ذلك إلا عن طريق المعاهدات.

Page 10

المطلب الأول :مشروعية المعاهدات في الفقه الإسلامي

1- أدلة مشروعية المعاهدات من القران الكريم

لقد دلت النصوص التشريعية على مبدأ مشروعية المعاهدات مع الأعداء في السلم والحرب مثل قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أن يُقَاتِلُوْكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾[59] وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾[60] ويبني الإمام محمد بن حسن الشيباني ((رضي الله عنه)) مشروعية المعاهدات مع أهل الكفر على تحقيق مصلحة المسلمين والحفاظ على عزتهم وكرامتهم التي تحققت بالقيام بفريضة الجهاد في سبيل الله تعالى لذلك يميز بين حالتين يمنع في أحدهما المعاهدات ويبيحها في الأخرى وهما كما يلي: -

1. فإذا كان بالمسلمين قوة على أهل الشرك فلا ينبغي موادعتهم؛ لأن فيه ترك الجهاد المأمور به صورة ومعنى أو تأخيره وذلك مما لا ينبغي للأمير أن يفعله من غير حاجة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[61].

2. إذا لم يكن بالمسلمين قوة على المشركين ولا قدرة على الجهاد والقتال "فلا بأس عندئذ بالموادعة؛ لأن الموادعة خير للمسلمين في هذه الحالة"[62] وما يدل على مشروعية هذه الموادعة في هذا الحال ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية ووقائع السيرة والمعقول وقد أشار الإمام محمد إلى ذلك واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾[63].

2- أدلة مشروعية المعاهدات من السنة النبوية الشريفة

وإذا انتقلنا من المصدر الأول إلى المصدر الثاني فإننا نجد أن وقائع كثيرة تدل على مشروعية المعاهدات، فقد استدل الإمام محمد على جواز الموادعة بمباشرة النبي عليه الصلاة والسلام ذلك للمسلمين فقد قال محمد بن كعب القرضي لما قدم رسول e المدينة ودعته يهود كلها، كتب بينه وبينها كتابا وألحق كل قوم بحلفائهم و كان فيما شرط عليهم ألا يظاهروا عليه عدوا، ثم لما قدم إلى المدينة بعد وقعة بدر بغت يهود وقطعت ما كان بينها وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام من العهد، فأرسل إليهم وجمعهم وقال "يا معشر يهود أسلموا تسلموا فوالله إنكم تعلمون أني رسول الله"[64].

كما استدل أيضا أن النبي عليه الصلاة والسلام "صالح أهل مكة عام الحُدَيْبية على أن وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، يأمن فيها الناس على أن بينهم عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا أغلال"[65].

مما يدل على مشروعية المعاهدة و الموادعة أن المقصود بها هو "الدعوة إلى الإسلام بأرفق الطرق وأسهلها والتزام بعض أحكام المسلمين وهي في هذا تشبه عقد الذمة. وشاهد ذلك أيضا أن صلح الحُدَيْبية كان سببا لاختلاط الكفار بالمسلمين وسماعهم للقرآن والدعوة، و دخل الإسلام في مدة الهدنة من شاء الله تعالى أن يدخله فيه"[66].

وتعدّ المعاهدات التي عقدت بين المسلمين والمشركين واليهود إبان وصول الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة أول معاهدة دولية في الإسلام لأنه لم تكن للمسلمين دولة بالمفهوم الحديث في مكة المكرمة أي قبل هجرته e "فاعتبرت هذه المعاهدة نبراسا للمسلمين في وصول العلاقات الدولية بينهم وبين مخالفيهم في الأديان. ولقد احتوت هذه المعاهدة على سبعة وأربعين بندا شملت تنظيما داخليا وخارجيا، وما يخص الموادعة منها هو من البند 24-47"[67] مما يدل على عدم حدوث التداخل بين بنود الوثيقتين بل ذكرت كل وثيقة مجتمعة ومتسلسلة وكانت معاهدة تحالف دفاعي وتعاون ضد العدوان الخارجي وتنظيم العلاقات الاقتصادية " وقد تم الاتفاق بين الموقعين عليها على نصرة بعضهم بعضا وحماية عقائدهم من يريد أوطانهم وجماعاتهم بسوء"[68]. إضافة إلى هذا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أقر كل حلف أو معاهدة واضحة المعالم بينة الأهداف غير مخالفة للشريعة الإسلامية ومن ذلك إقراره e لحلف الفضول الذي كان لنصرة المظلوم والتعاون على الخير والبر.