eKtab
EN ع
المأساة والرؤية المأساوية في المسرح العربي الحديث
Read free sample

المأساة والرؤية المأساوية في المسرح العربي الحديث

by عبد الواحد ابن ياسر

Page 1

إهداء حنين

إلى روح والدي الذي عشق السينما والمسرح، وجعلني أشاهد منذ حداثة سني، روائعهما الخالدة..

إلى رفاق الزمن الجميل، في دمشق وبيروت وحيفا وبيت لحم وصنعاء وعدن وتونس.. كانت مدارات أحلام ووصال..

إلى أصدقائي الباحثين والفنانين في قطاعي المسرح والسينما، الذين جمعتني بهم، وما تزال، لحظات صفاء وعطاء..

إليهم جميعا، هذه الرحلة مع المأساة المتفاداة في مسرحنا العربـي الذي كان..

Page 2

استهلال

"وقال لي اقعد في ثقب الإبرة ولا تبرح وإذا دخل الخيط في الإبرة فلا تمسكه وإذا خرج فلا تمده وافرح فإني لا أحب إلا الفرحان...

وقال لي إذا رأيت النار فقع فيها ولا تهرب فإنك إن وقعت فيها انطفت وإن هربت منها طلبتك وأحرقتك...".

محمد بن عبد الجبار النفّري

Page 3

تصدير

لا يشك اليوم أحد في أن المسرح نافذة مشرعة يطل المرء منها على ماضي وراهن الفنون في الأمكنة والأزمنة المختلفة. فبعد أن كان هذا المسرح وسيلة إلى بلورة الذهنية الأسطورية الإغريقية في بدايته، أصبح الآن وسيلة إلى التعبير عن اتجاهات فلسفية وإيديولوجية بشكل جعله مستودعا للخبرة التي اكتسبها الإنسان من خلال احتكاكه المباشر بعصر التقنيات والمعلوميات والعلمنة، بل بعصر ازدحام المفاهيم وتقاطعها وتوازنها وتناقضها. وسيلته في كل ذلك اللغة منطوقة والحركة الجسدية عاكسة لها ومفصحة عنها في انسجام تام مع الحدث المشخّص. ومن خلال تلاقح اللغة المنطوقة والحركة الجسدية يتم تناسق فعلى الركح بينهما في استعانة بلواحق تزيينية تضبط جوهر المكان ولواحق ضوئية تضبط جوهر الزمان.

إذا كان المسرح ذلك الذي عكس مظاهر حضارة الإنسان من مبدئها الأسطوري إلى منتهاها العبثي فنّا بمثل هذه الرحابة التعبيرية، فهو جدير بالعناية به تأليفا عنه وتأليفا فيه. جدير بإدماجه في التاريخ الثقافي العام على أساس من أنه توثيق يبدأ بالتقليد فالاقتباس، مرورا بالتعريب وانتهاء إلى التأصيل. وبالفعل فهذا ما فعله هذا الكتاب- الذي يشرفني اليوم تصديره- بصرامة منهجية وإحاطة بكل المعطيات التي يتطلبها العمل العلميّ، من التوثيق والتتبع ومنطقية التبويب والانتهاء عبر كل ذلك إلى فكرة مركزية قام عليها هاجس تأليفه.

والحق أننا أخذنا على كتب في نفس الموضوع سابقة عليه، تقصيرا في الإلمام بالشروط العلمية وإفراطا في العناية بجانب على حساب جانب آخر، مما يخدم الوجهة الخاصة التي يراد الترويج لها بعيدا عن التحقيق. فما أكثر ما وقع الترويج لبعض المزاعم التي لا يقوم دليل على صحتها فانتشرت بين الناس. شيء لم نلاحظ أثرا له في هذا الكتاب الذي عالج موضوعه بطريقة شمولية تتحرى الدقة والتثبت.

تبدو المنهجية الصارمة في ذلك التتبع التاريخي الذي اعتبر الجهود العربية المبذولة من أجل كتابة تاريخ المأساة في المسرح العربـي، عملا متكاملا بفضل realpage0014إسهام جميع البلدان العربية في إقامة صرحه، ومن ثم سهل إدماجه في التاريخ الكوني للمسرح العالمي، مما أصبح معه ممكنا بناء مفهوم للمأساة بنكهة عربية تقف على نقيض ما وقف عليه مفهومها الإغريقي. عراك الآلهة الأسطوري وما نتج عنه من إدماج الإلهي في البشري تحول إلى مساءلة التاريخ العربـي عما عاشه من المآسي التي كانت أساسا لما عرفه من الصراع الاجتماعي والسياسي والعقيدي.

Page 4

وتبدو المنهجية الصارمة أيضا في دقة التعبير عن المراد مدعّمة بطائفة متنوعة من المصادر والمراجع أيا كانت عربية أو أجنبية، مستندة على نقولات تعزز الفكرة المركزية وتدل على اطلاع وإلمام بمتعلقات الموضوع. كان هم المؤلف من وراء كل ذاك أمران: نقل المعرفة بكامل الوضوح وإدماجها في سياق عام ينتظمها وغيرها من المعارف التي لها اتصال بالمسرح. كل ذلك مع الإصرار على تجنب الفضفاضية التي تسيء إلى الموضوع المدروس أكثر مما تحسن إليه.

وتبدو المنهجية مرة ثالثة في الإحاطة، تلك العلامة التي لا يخطئها النظر وهو يقرأ الكتاب. إحاطة تتعلق بتقديم أقصى ما يمكن من المعلومات في إطار يتغيا خدمة الفكرة المركزية التي يدافع عنها المؤلف من خلال كتابه. هناك جولات يتعلق أولها بأوليات المسرح وسيروراته، وثانيها بلغته المتأرجحة بين الفصيح والعامي، وثالثها بفنية التعبير الشعري العمودي أو التفعيلي أو النثري.

وتبدو هذه المنهجية مرة رابعة في ذلك التبويب المحكم الخاضع لمنطق تدرج الفكرة المركزية، من مرحلة وضع الأسئلة إلى مرحلة استخلاص أجوبة عنها قائمة على أساس العرض الحيادي والتحليل المتبصر والاستنتاج النهائي.

إذا تجاوزنا كل هذا، فهل من السهل الجواب على مثل هذا السؤال: ما مشروعية بحث المسرح العربـي على موطئ قدم في تلك الرقعة الفسيحة التي تنتظم تاريخ المسرح العالمي؟ إذا كان ذلك ممكنا فما هي الطريقة الناجعة التي ينبغي التقيد بالسير على هديها في هذا السبيل. لا شك في أن المسرح العربـي جرب التقليد وسيلة أولية من أجل تقريبه إلى العموم، وبعده الاقتباس وسيلة تعريبية (كالتمصير أو المغربة) وذلك عبر إلباسه زيا عاميا/فصيحا، وبعده بحث عن طرق تأصيل تسعى إلى تجذيره في طقوس هي من صميم ممارستنا الاحتفالية.


يظهر لي أن استيعاب السياق الثافي الكوني يستلزم أن يبلور هذا المسرح جميع الإشكاليات التي تسببت العولمة في إيقاظ فتنتها خاصة في مجتمعات لم تأخذ بعد نصيبها الكامل من المعاصرة. ليست القضية بحثا عن أسلوب بقدر ما هي في الكشف عن معطى يبرر انسجام هذه المجتمعات مع عصر العولمة إن سلبا وإن إيجابا، مع العلم أن هذه العولمة عولمتان اثنتان: عولمة غالب وهي وجه سيئ يهدف إلى إضعاف الضعيف لاستمرار قوة القوي، وعولمة مغلوب على أمره (وتلك عولمتنا) تستهدف نقض قوة القوي من أجل الخروج من منطقة الضعف. إذا كان مسرح العبث حسب رأي (مارتن إسلن) يعكس انخفاض ضغط الدم في شرايين عولمة الغالب، فهو لا يقدم كبير فائدة تعالج العولمة المغلوبة بها نقائصها، فما الهجرة السرية مقابل الهجرة الكولونيالية السابقة إلا واحدة من مجموعة من المشاكل يعاني المغلوب من أعراضها والغالب من تشويشها على برامجه وأهدافه.

أقول هذا الكلام لا لأنتقد فكرة تأصيل المسرح شكلا على مضمون، بل لأشير إلى أننا لسنا في حاجة إلى مثل هذه التفاصيل. ما نحن في حاجة إليه هو تطويع المسرح لخدمة معمارنا الثقافي بحيث يتسع لاحتواء ما عندنا من مظاهر فرجوية ترقى بتشخصيها إلى مسرحة شاملة هي خصوصيتنا. لا يضيرنا ألا نتوفر على تقاليد مسرحية لها تاريخيتها البعيدة. الذي يضيرنا هو اجترار تجريديات الآخر، تلك التي لا تنسجم مع حيويتنا الإبداعية.

أنا متأكد من أن هذا الكتاب شاطرني في هذه الخلاصة التي ذهبت إليها مرة بالتصريح وأخرى بالضمني، فما احتوى عليه من الخصوبة المعرفية يجعل قارئه- حال قراءته- على إلمام بمجموعة من الإشكاليات التي عرقلت تجذر المسرح في حياتنا. وسوف يكون هذا الإلمام إسهاما قرائيا في تدعيم وجهة نظر المؤلف والبرهنة على صحتها، وتلك مزية واحدة من بين عدد عديد من مزاياه.

الدكتور محمد السرغيني

Page 5

مقدمة

ليست المأساة مجرد صيغة درامية من بين صيغ أخرى، وإنما هي التعبير الأسمى عن الجوهر المأساوي، والنموذج الأصلي الذي لا يمكن إدراك القواعد الشعرية والأسس الفلسفية والجمالية للجنس التراجيدي- وربما الدرامي ككل-، إلا بالاستناد إليه. وقد تحقق ظهور التراجيديا مرتين في تاريخ الثقافة الغربية: الأولى في القرن الخامس قبل الميلاد، مع التراجيديا الإغريقية، والثانية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، في إنجلترا أولا، ثم في فرنسا وأسبانيا. وعاشت في المرة الأولى قرنا من الزمن، ولم يتجاوز عمرها في المرة الثانية- مع العصر الإليزابيثي- ستين سنة. أما في فرنسا، فقد تزامن ازدهارها مع ما يسمى في التاريخ الفرنسي بالقرن العظيم.

وفي كل مرة، كان ظهور التراجيديا يتم في لحظة تاريخية تتسم بالقطيعة، أي في تلك اللحظة التي تعجز فيها البنيات الاجتماعية القائمة عن الاستمرار، وتبدأ في التغير والزوال. وهذا ما حدث بالنسبة للنظام الأوليغارشي الأرستقراطي اليوناني القديم، والنظام الإقطاعي في أوروبا في نهاية العصر الوسيط. وبذلك كانت التراجيديا أكثر الفنون تعبيرا عن الوعي الجمعي والفردي في لحظات القطيعة التاريخية[1].

ومن المعلوم أن القطائع التاريخية لا تحدث دون مخاض أليم، دون تجاذب وتنابذ بين القديم والجديد، بين الذي يموت ويضمحل، والذي ينمو ويتطور. ذلك أن الحداثة الناشئة- مثلا- لم تستطع أن تقضي نهائيا على منظومات القيم والمعتقدات التقليدية التي ظلت تعيش زمنا طويلا بعد عصر النهضة. بل إن التغير نفسه لم يكن يدرك إلا من داخل الأنساق والعقليات القديمة، ولم يكن يدرك أبدا كبداية مطلقة أو كنقطة تحول جديدة.


ويمكن القول بأن آثار القطائع التاريخية لا تقتصر على المأساة فحسب، بل تتجاوزها إلى مجمل الصيغ الدرامية، إذ نجد أن فترات ازدهار التعبير الدرامي العظيم- كيفما كانت صيغه- هي لحظات القطيعة بين القديم والجديد، لما يصاحبها من زخم وعدم انتظام في الكيان الاجتماعي. هكذا يكون المسرح- باعتباره ممارسة جمالية تعبر عن تجربة جمعية- جوابا على الاضطراب واللاتوازن الاجتماعيين[2].

كان تاريخ المأساة في الغرب تاريخا دائريا: نشأة واضمحلال، وانبعاث وعودة جديدة، ثم موت أخير. وفي كل مرة كان ظهورها يزامن حركة وارتجاجا في الجسد الاجتماعي، وانقلابا في نظام القيم والأفكار والرموز. وحالما تعود قوى الحياة الجمعية إلى الهدوء وتستتب عوامل التوافق والتساكن، تفقد المأساة بريقها وتوهجها الأول، قبل أن تتوارى ويطويها النسيان.

Page 6

ولقد صادف المسلمون في مراحل تعرفهم على التراث اليوناني في العصور الإسلامية الذهبية، قمم الروائع المأساوية، وظلت الترجمة العربية القديمة لكتاب "فن الشعر" لـ(أرسطو)، إحدى أهم الترجمات المعتمدة في الدراسات الهيلينية في أوروبا حتى منتصف القرن التاسع عشر. ومع ذلك، فإن المترجمين العرب والمسلمين الذين أفاضوا في ترجمة النصوص الفلسفية وشرحها، لم يجدوا ضرورة لترجمة ولو بيت شعري واحد لـ(إسخيلوس)، أو حوار صغير لـ(سوفوكليس)، أو تأمل لـ(يوريبيديس). وعندما أراد (ابن رشد) أن يترجم كتاب "فن الشعر"، واجهته صعوبة لغوية دقيقة عندما وجد نفسه أمام كلمتي الكوميديا والتراجيديا. وقد خرج من هذا المأزق باستعمال كلمتين تقولان الشيء الكثير، وتدلان دلالة واضحة على اتجاه تفكيره. فقد استعمل كلمة الهجاء للدلالة على الكوميديا، وكلمة المديح للتعبير على التراجيديا[3]. هكذا استبدل الفيلسوف المسلم الكبير صيغا درامية بـأغراض شعرية. ويمكننا أن نستشف من وراء الترجمة المقترحة، شكلا أوليا من أشكال مقاومة المأساة، ومحاولة لطمسها عن طريق توظيف أنماط الثقافة الأصلية وقيمها ومعاييرها.


وعندما اتصل العرب بالثقافة الغربية في العصر الحديث، وبدأوا يتعرفون على الأفكار والفلسفات والقيم الوافدة مع الحملات الاستعمارية على شعوب الشرق، اكتشفوا- من بين ما اكتشفوه- المسرح بمفهومه الغربـي وفي أشكاله الأوروبية. لكنهم، مرة أخرى، لم يتجهوا إلى منابع ذلك المسرح وأصوله، ولم يعيروا آثاره العظيمة أي اهتمام، بل اختاروا أشكاله السفلى والهامشية التي كانت، في منتصف القرن التاسع عشر- لحظة ميلاد المسرح العربـي- آيلة إلى الأفول والزوال. وقد كان "الفصل الساخر" (السكيتش) والهزلية الاجتماعية والميلودراما والمسرحية الغنائية وغيرها، أشكالا لتفادي المأساة، وأنماطا لطمس المأساوية- في إحدى فترات التاريخ العربـي الأكثر مأساوية- وإبعاد تأثيراتها عن أفق المسرح العربـي الناشئ.

تاريخيا، يمكن الحديث عن لحظتين في التاريخ العربـي الإسلامي، ظهرت فيهما ملامح القطيعة التاريخية وعناصر التحول الحضاري الشامل. وتتمثل الأولى في عصر النهضة العربية الإسلامية المبكرة (الحقيقية ربما...)، والتي برزت إرهاصاتها الأولى منذ مطلع القرن الميلادي الثامن، متمثلة في بروز تشكيلات اقتصادية واجتماعية جديدة (التجارة البعيدة المدى، أشكال التراتب الاجتماعي...)، وتكون أنماط خطاب جديدة (التفلسف، علم الكلام، التأليف التاريخي...). أما لحظة الانتقال الثانية، فتتمثل فيما يسمى بعصر النهضة (النهضة الثانية)، مع مطلع القرن التاسع عشر. وقد حمل لواء النهضة الحديثة فئات التجار، والملاك العقاريون وشرائح من ملاك الأرض المتبرجزين (الشاميون والأقليات المسيحية والتركية أولا، ثم الفئات البورجوازية التجارية الجديدة فيما بعد). وكان لا بد أن تظهر أشكال تعبير أدبية جديدة تعبر عن صورة النظام الاجتماعي الناشئ، وعن القيم والأفكار الوافدة التي حملتها صيرورة الحداثة. وضمن هذا السياق ظهرت الرواية التاريخية والمسرحية والأقصوصة والمقالة. كما ظهر المسرحيون الرواد في القرن التاسع عشر، في قلب التجربة التاريخية الجديدة، فكان أغلبهم من الطبقات والشرائح الناشئة المتفائلة والحاملة لطموحات الصعود الطبقي وقيادة المجتمع الجديد.


وإذا كانت الثقافة العربية الإسلامية، في مرحلة النهضة الأولى، لم تعر اهتماما للمأساة ولا للتعبير الدرامي عامة، فإن حركة النهضة الثانية التي ولدت في مناخ الانشطار والتمزق الجماعي والفردي بين القديم والجديد، وفي شروط التأخر التاريخي والاحتلال الأجنبـي، قد وجدت نفسها مدفوعة نحو اكتشاف الأشكال الأدبية الأكثر تعبيرا عن ذلك التمزق والانشطار، وفي مقدمتها التعبير الدرامي. ومن ثم يمكن القول بأن المسرح العربـي الناشئ قد تعرف على قمم التراجيديا الإغريقية، وعلى روائع المسرح الكلاسيكي، فقام جيل المسرحيين الرواد، من أمثال (يعقوب صنوع) و(مارون النقاش) و(محمد عثمان جلال) و(نجيب الحداد) و(أديب إسحق) و(ميخائيل نعيمة) وغيرهم، بترجمة المسرحيات الكلاسيكية الفرنسية، لكل من (راسين) و(كورناي)، ومآسي (شكسبير)، وكذلك فعل رواد الجيل الثاني بعد الحرب الأولى. وفي فترة الستينيات من القرن العشرين، انتقلت تأثيرات "المسرح الجيد" إلى المسرح العربـي، وبذلك يكون قد تعرف- نسبيا وجزئيا- في أقل من قرن من الزمن على العديد من أنماط المسرح الغربـي وتياراته، وفي مقدمتها نمط التأليف التراجيدي، في أشكاله القديمة والكلاسيكية والمعاصرة.

لكن التعرف، هنا، لم يكن يعني التمثل والاستيعاب الحقيقيين لقضايا المسرح الغربـي الفكرية والجمالية، ويعود هذا القصور إلى أسباب تاريخية وفكرية وثقافية، سنقوم بتحليل بعض عناصرها الأساسية في فصول هذا الكتاب.

Page 7
ومثلما كانت نشأة المسرح العربـي الوليد أوروبية، كانت أغلب أسئلة رواده بخصوص المسألة الدرامية في ثقافتنا، وكذا محاولات الإجابة عليها تأتيهم من الغرب. فمنذ مطلع القرن التاسع عشر، وضع الاستشراق أسئلته التقليدية حول هوية المسرح العربـي ووجوده ذاته، وعن أسباب عدم معرفة العرب والمسلمين للمسرح في الماضي، وهم أصحاب تراث وحضارة عريقين، ومعجزة لغوية ومثل أعلى أدبـي لا يضاهى. أسئلة وضعها المستشرقون، من ضمن أسئلة أخرى كثيرة مماثلة، وما يزال يطرحها أشباههم هنا وهناك، ضمن رؤية مركزية أوروبية تقوم على المقايسة الحضارية، وقراءة ثقافة بمعايير ثقافة أخرى، وعلى المقارنة اللاتاريخية التي تلغي التعدد وتنفي الاختلاف والمغايرة.
 
 
ومنذ ذلك الوقت، ما فتئ المفكرون والأدباء العرب يجتهدون في إيجاد الإجابات وإبداع التفسيرات التي ظلت في أغلبها تجريدية لا تاريخية، وأحيانا تجزيئية سطحية. لذلك نريد في هذا الكتاب أن نعيد النظر في تلك الأسئلة وفي إجاباتها، وأن نخضعها للنقد والمساءلة بعيدا عن خطاب الهوية الثقافية النرجسي، وشرك النـزعة المركزية الأوروبية على السواء.
 
إن عدم اهتمام أغلب الدارسين والباحثين بمسألة التراجيديا- وبالمسألة الدرامية عموما- يعود لانفلات أسئلة المسرح العربـي الجوهرية من دائرة تفكيرهم. فقد كانت دراسة المسرح، وما تزال، حبيسة التقسيمات المدرسية التقليدية التي تجعل البحث في مجال المسرح اشتغالا أدبيا خالصا أو دراسة تقنية شكلية، وتفصله عن تاريخ الأفكار والأنساق الفلسفية وعن التاريخ الاجتماعي، وتجعل للمسرح جوهرا في ذاته بعيدا عن صيرورة التاريخ والمجتمع. لذلك سنجعل من إشكالية المأساة والمأساوية الرهان الرئيس لهذا العمل[4].
 
وإذا كان الحس المأساوي بالحياة هو جوهر التعبير الدرامي عموما، والمأساة بصفة خاصة، وكان العمل المسرحي العظيم- حتى في صيغته الكوميدية نفسها- هو تعبير عن رؤية مأساوية للعالم، مستترة أو ظاهرة، فهل من الممكن الحديث عن دراما حقيقية بدون رؤية مأساوية أصيلة وحس مأساوي عميق؟ وإذا كان موضوع هذه الرؤية هو المتعالي أو العالم أو الإنسان، فهل استطاع المسرح العربـي أن يعبر- مأساويا- عن رؤية العرب والمسلمين لتاريخهم المحجوز ماضيا وحاضرا، ولذواتهم وللعالم وللمتعالي؟ هم الذين استطاعوا أن ينتجوا أهم نظرية للتاريخ في العصر الوسيط، وأصناف من الفلسفات والمعارف، ظلت تكتسي طابعا إنسانيا حتى فجر النهضة الأوروبية. هل استطاعت الفواجع الحضارية والسياسية وانعكاساتها الوجودية والوجدانية أن تؤدي إلى انبثاق الوعي المأساوي العميق، وبلورة صيغة تراجيدية أصيلة في المسرح العربـي؟ هل استطاع المسرحيون العرب أن يتمثلوا الأعمال المأساوية المكتشفة- بواسطة الترجمة والتعريب والاقتباس والتكييف- بما تقوم عليه من أسس فلسفية وفكرية، وأن يستوعبوا خصائصها الجمالية والفنية؟ ثم ما مفهوم المسرحيين العرب للمأساة وللرؤية المأساوية، وكيف ظهرت تجليات ذلك المفهوم في أعمالهم المسرحية؟...
 
 
تلك بعض من الأسئلة والهموم التي تحرك موضوع هذا الكتاب، وتسكن فكر صاحبه ووجدانه منذ سنوات عديدة. وهي في رأينا أسئلة جوهرية بالنسبة لحاضر المسرح العربـي ومستقبله، حاولنا الإجابة عليها- قدر الإمكان- من خلال قراءة فلسفية نقدية خاصة لنصوص المتن المختار الذي يمتد من بدايات المسرح العربـي الأولى، حتى مشارف السبعينيات من القرن العشرين (1847-1970). وقد نـزعنا في انتقاء تلك النصوص إلى النمذجة والتمثيل، فاتجه اختيارنا إلى أكثرها تعبيرا عن الرؤية المأساوية، سواء في تجلياتها البارزة أو في صيغها الكامنة المستترة...
Page 8

الفصل الأول : المأساة العربية المفقودة بين المتعالي والتاريخ

خضعت مسألة غياب المأساة من التراث الأدبـي العربـي، لعدد كبير من التآويل والتفسيرات المختلفة- باختلاف منطلقات أصحابها وغاياتهم- التي تعرضت للإشكالية الدرامية في ثقافتنا. وسنقدم في هذا الفصل عرضا نقديا لأهم هذه التآويل والتفسيرات، من أجل وضع أسس تأويل موضوعي لمشكلة شائكة أثارت، وما تزال تثير، الكثير من السجال في مجالات الفكر والأدب العربيين.

Page 9

1. المأساة الغائبة: فروض وتآويل

1. 1. التأويل الاستشراقي وحدوده

ما من شك في أن الخطاب الاستشراقي جعل من غير الممكن الحديث أو التفكير أو الكتابة عن الشرق، دون اعتبار الحدود والحواجز التي فرضها هذا الخطاب- باعتباره خطاب سلطة- على الشرق الذي لم يعد موضوعا حرا للفكر والفعل[5]. ويهمنا من الاستشراق- في هذا السياق- تناوله لإشكالية غياب التعبير الدرامي من التراث الفكري ومن التقاليد الأدبية العربية القديمة. لماذا لم يعرف العرب والمسلمون المسرح؟ ولماذا نقلوا وترجموا كتب الفلسفة والمنطق والطب والحساب والفلك، وانصرفوا عن روائع التراجيديا اليونانية؟... أسئلة طرحها المستشرقون نتيجة المواجهة الحضارية بين الشرق والغرب، ووضعها من بعدهم المفكرون والأدباء العرب، من نفس المنطلقات وبنفس الصيغ والمقولات أحيانا.


ونجد في مقدمة هؤلاء المستشرقين، (لويس ماسينيون) الذي يربط مسألة غياب التعبير الدرامي من التراث العربـي الإسلامي بمسألة أشمل هي مسألة التصوير والتجسيد في الإسلام. ويرى أن الإسلام- من خلال الأحاديث النبوية على وجه الخصوص- قد حرم التصوير والتجسيد (La figuration)، ويظهر ذلك في أربعة أشكال من التحريم أوردها كالتالي:

أ. اللعنة التي تحل بعبدة القبور وصانعي صور الأنبياء والقديسين. ومن المعلوم هنا أن القبلة في المساجد هي مربع مغلق فارغ من أي تمثال منقوش أو منحوت.

ب. العقاب الذي ينـزل بالفنانين وصانعي الصور يوم القيامة، إذ يؤمرون بمهمة مستحيلة هي أن يبعثوا الحياة في الآثار التي صنعوها.

ج. منع استعمال الأقمشة والوسائد التي تحمل صورا، لكن هذا الحديث ضعيف، لأن النبـي ÷ نفسه كان يستعمل هذه الوسائد في بيته.

د. تحريم تقديس الصليب أو عبادته.

Page 10

والمسلم لا يغفل أو يجهل قيمة الفنون، وإنما يعتبر العالم أجمل من الخلق الفني، وأنه بمثابة آلة يحرك خيوطها الله الخالق. والدراما بالنسبة للإنسان الغربـي توجد في الشخصيات وفي حريتها، لكن هذه الحرية عند المسلمين مشروطة بالإرادة الإلهية، وليسوا هم أنفسهم سوى أدوات بالنسبة لله. هناك إذن دراما عند المسلمين، لكن في مسرح العرائس، وهذا شيء بسيط وعميق في الآن نفسه. والفن الإسلامي يرتبط بنظرية تمثل العالم عند الفلاسفة المسلمين، حيث لا يوجد في العالم أشكال في ذاتها أو صور في ذاتها، وإنما البقاء والدوام لله[6].

وإذا كان (ماسينيون) لا يتحدث صراحة عن المسرح، وإنما يعني بكلامه فن التصوير، إلا أنه يعتبر المسرح جزءا لا يتجزأ من فنون التشخيص، وبالتالي يصدق عليه ما يصدق على فنون التصوير. كما أن الخوف من التصوير لا يقتصر فقط على الإسلام وحده، وإنما نجده أيضا في اليهودية وفي المسيحية. جاء في سفر (الهجرة) في "العهد القديم" من الكتاب المقدس: "لن تصنع أبدا صورا منحوتة، ولا تماثيل الأشياء التي في السماء أو على الأرض أو في المياه في أعماق الأرض". ثم إننا لا نعثر على إجماع حول مسألة تحريم التصوير من قبل فقهاء المسلمين، بل نجد اختلافا كبيرا في وجهات النظر بينهم، فقد قال بعضهم بشرعية التصوير، وذهب البعض الآخر إلى درجة تحريم مجرد التخييل أو التشخيص بواسطة الظلال. ومهما يكن فإن تحريم التصوير (La figuration) لم يمنع من ظهور فن تصوير عربـي إسلامي أصيل يعتبر التمهيد الحقيقي لفن التصوير الحديث عند العرب[7].


لذلك، فبعد أن يعرض (ماسينيون) أهم مواقف المدافعين عن التصوير ومواقف خصومه في الإسلام، يخلص إلى القول بأن خصوم التصوير لم يكونوا يقصدون إلى القول بتحريمه، لأن الإسلام لم يمنع الفن وإنما يمنع التمجيد الذي يصل درجة التقديس والعبادة.

وينطلق (كوستاف فون غرونباوم) من فكرة أساسية مفادها أن الإسلام يجهل الشعائر بمدلولها الهيليني والمسيحي، وأن الشعائر المسيحية يوجهها الخيال في حين أن الشعائر الإسلامية تخضع للانضباط والامتثال، وأن الأولى تمسرح الأسرار (Les mystères)، في حين أن الثانية تجهل أصلا الأسرار. وليس في الإسلام تمثل أو عقيدة للخلاص (une stériologie) كما في المسيحية، فسقوط الإنسان هو نتيجة انقطاع العهد الذي يقضي بطاعة المخلوق للخالق، آدم لله، وإن السقوط الإنساني الذي هو فقط إبعاد للإنسان، لم يغير من طبيعة هذا الأخير للحد الذي يستوجب الفداء من أجل استعادة الإنسان لطبيعته الأصلية. لذلك ليس هناك في الإسلام مكان للخلاص أو لأسطورة السقوط أو الفداء التي ترمز إلى صورة التاريخ الإنساني وإلى مصير الروح الفردية معا.

إن غياب التوتر الجدلي- كما يرى (غرونباوم)- سواء على مستوى الألوهية أو على مستوى الوضع الإنساني، يحرم الجماعة الإسلامية من ابتكار فن درامي. وإن البيداغوجية الدينية للإسلام تلقن الامتثال المطلق لله، أما وسيلتها الأدبية فهي القَسَم. وقد وجدت الدراما المسيحية دعامتها الأساسية في مسرحيات (الأسرار) التي فقدتها في الأيديولوجيا الإسلامية وفي طقوسها. وقد كافح المتصوفة واستشهد كثيرون منهم دفاعا عن مكانة الإنسان في الكون، وإمكان اتصاله الحميمي بالألوهية، محاولين ردم الهوة بين الخالق والمخلوق بواسطة الحلول الذي يضعف من شأن الحدود الإنسانية، ويخفف من ثقل الزمن التاريخي. غير أن السواد الأعظم من المسلمين وأغلبية الفقهاء معهم ظلوا يعتبرون الإنسان مجردا من أية قوة حقيقية للقرار، وإنما هو مصيَّر لا مخيَّر، وحريته مشروطة أبدا بقوة الجبر، وهذا النوع من المخلوقات لا يمكن أن يصير شخصيات درامية (dramtis personae)[8].


ولا يعود فشل الإسلام- في نظر غرونباوم- في خلق فن درامي إلى أسباب تاريخية، بقدر ما يرجع إلى مفهوم الإنسان ذاته في الإسلام، فهو مفهوم يمنع قيام الصراع الدرامي. وهكذا يعتمد المستشرق مفهوم الإسقاط كمبدإ استبعاد لكل ما لا ينسجم مع الاختيار الثقافي الأصيل المفترض للإسلام. "فكل ظاهرة اختارها الإسلام إلا وتشير إلى ظاهرة رفضها". إن مبدأ الاستبعاد يوجه وينظم كل مظاهر الحياة في الإسلام باعتباره نظاما مغلقا يسير في اتجاه واحد وحسب ترتيب واحد، وطبقا لقانون واحد. ومن ثم فكل النشاطات وفي كل المجالات يعكس بعضها البعض، ويمكن اعتبارها مظاهر متطابقة لمعنى واحد، وكل ما لا ينسجم مع الإسلام السني، ولا يساير مقصده الخاص، يتم إسقاطه وإقصاؤه. ومقصد الإسلام يتجسد كلاميا في التعبير الأدبـي، وزمنيا في السياسة، ومكانيا في تخطيط المدن، وأزليا في العقيدة. لذلك نجد الإسلام السني يرفض أي استقلال حتى ولو نسبـي للقضاء الخاص، ويجهل في مجال التعبير الأدبـي التراجيديا (والتعبير الدرامي عموما)، رغم معرفته بالثقافة اليونانية، نظرا لمفهوم الإنسان في الإسلام الذي يجعل مقولة الصراع التراجيدي مستحيلة. ثم إنه يرفض مبدأ فصل الدين عن الدولة، بل ويربط آماله الطوباوية بنظام الدولة[9].


ويرى (لويس غارديه)[10]أن الإنسية الإسلامية لا تتقبل التعبير الملحمي وتميل إلى الشعر الغنائي الغزلي، وهي أكثر من ذلك تجهل التراجيديا والفن الدرامي، ويعود ذلك إلى صعوبة تنظيم العروض المسرحية في مجتمع يحارب فيه رجال الأخلاق التقليديون تمثيل الأدوار النسوية. ولكنه يعود أكثر من ذلك إلى أن المعنى الأليم للقدر الإنساني وصراع العواطف النفسي الذي يشكل جوهر التراجيديا والدراما، وتحليل الطباع الذي هو قاعدة الكوميديا الإنسانية الكبيرة، لم تكن قط من خصائص المجتمع الإسلامي في الماضي. إن صراع الإنسان مع قدره، والذي خلدته التراجيديا الإغريقية، لا يتلاءم مع معنى الحياة ولا مع علاقات الإنسان بالله المعهودة في المجتمعات العربية والإيرانية والأندلسية. وكذلك نفس الشيء بالنسبة للدراما أو لمسرحيات الأسرار المسيحية. ويجب انتظار العصر الحديث والتأثير المباشر للغرب، لتنتشر في مصر وفي إفريقيا الترجمات ثم الابتكارات الدرامية[11].

يقدم غارديه، إذن، تفسيرا اجتماعيا ودينيا لغياب المسرح عند العرب والمسلمين، يتسم بالتجزيء والاختزال، ولأن المسرح ظاهرة اجتماعية كلية، فإن تفسير حضوره أو غيابه في ثقافة معينة، يجب أن يكون تفسيرا تاريخيا شموليا. ولا يكفي إرجاع ذلك إلى أسباب جزئية كوضع المرأة الاجتماعي مثلا، فتشخيص الأدوار النسوية لا يفوق جرأة وتمردا ظاهرة القيان والبغاء المؤسس وغيرها من أشكال التحرر الجنسي التي انتشرت في المجتمع العربـي القبلي القديم.