eKtab
EN ع
المدرسة الألمانية النقدية
Read free sample

المدرسة الألمانية النقدية

by نور الدين علوش

Page 1

الفصل الأول

المدرسة النقدية الألمانية

المدرسة النقدية: التأسيس

نشأت مدرسة فرانكفورت في العام 1923 بقرار من وزير التربية ودعم مادي لـ ج. ويل (j. Weil) وتشجيع من ك. أ. جيرلاش .(k. a Gerlach) انطلاقاً من ندوة مخصصة عن الماركسية في العام 1922 بالمينو (ilmeneau) حيث شارك فيها كل من لوكاش (Lukacs) وبولوك (Pollock). وكوش (Koch) وفيتفوجيل (Wittfogel)، وهناك نشأت فكرة مؤسسة دائمة للدراسة النقدية للظواهر الاجتماعية. في البداية تحمّل كارل كرونبورغ (Carl Grunberg) مسؤولية المؤسسة إلى غاية عام 1930 ثم تحوّل الإشراف إلى ماكس هوركهايمر بوصفه المؤسس الرئيس لهذه الفكرة.
أما الأسباب التي أدت إلى هذا التأسيس فهي كثيرة، منها أسباب معرفية ترتبط بتكوين التجمعات والمؤسسات الثقافية والفكرية كما كان سائداً في ألمانيا حينذاك، ومنها أسباب سياسية ترتبط بالفشل الذي أصاب الحركات الشيوعية واليسارية، وخاصة حركة روزا لوكسمبورغ ونهايتها المأساوية عام 1919، حيث شكلت دفعة قوية لإعادة الاعتبار إلى المنهج الماركسي في الثقافة والسوسيولوجيا والنقد والممارسات المنهجية. وكان من أبرز من التحق بالمعهد، وهم يمثلون الجيل الأول من المدرسة: ماكس هوركهايمر، وثيودور أدورنو، وليو فينتال، وهربرت ماركيوز، وإريك فروم، وفالتر بنجامين. وبعد فترة التأسيس هذه اتسع نشاط المعهد، فأخذ بالاتصال بالجامعات والمؤسسات المختلفة وعمل على إدخال مناهج جديدة كالتحليل النفسي والأنثربولوجيا ضمن حلقات المعهد ومناقشاته. لكن مسيرة المعهد لم تمر بسلام وأمن، ففي عام 1933 صعد الحزب النازي في ألمانيا إلى السلطة واستطاع السيطرة على الحياة السياسية والثقافية بنهجه الشمولي وآلته العسكرية وجابه المعهد حينها معضلتين أساسيتين هما: منهجه ورؤيته الماركسية. ثم إن أغلبية أعضائه من اليهود. وبدأت رحلة المتاعب والمصاعب، فقد اضطر أغلب أعضائه إلى السفر، فتوجهوا إلى سويسرا عام 1933، واستقروا في جنيف ليعاودوا ممارسة نشاطهم الفكري والمعرفي. وقامت الحكومة الألمانية بعدها بإغلاق المعهد ومصادرة مكتبته ومنعه من مزاولة أي نشاط داخل ألمانيا. وامتد النفوذ النازي إلى جنيف، فقام أعضاء المعهد بالهجرة والسفر مرة أخرى ولكن هذه المرة إلى أميركا، وكان ذلك عام 1934؛ ومن هناك رجع نشاط المعهد العلمي والفكري في أنحاء أوروبا يأخذ بالاتساع والشهرة. هذه الشهرة تمثل الجيل الأول من المدرسة، وهم جيل الرواد الكبار. وبرز من هؤلاء الكثير ومنهم ماكس هوركهايمر، صاحب كتاب بدايات فلسفة التاريخ البورجوازية، حيث ساهم بجهوده في بلورة النظرية النقدية. وثيودور أدورنو بأبحاثه في علم الجمال والاجتماع ونقد المجتمع الرأسمالي. وفالتر بنجامين بدراساته عن المسرح الملحمي. وهربرت ماركيوز بمنهجه الجديد القائم على الجمع بين التحليل النفسي والماركسية (العقل والثورة، أيروس والحضارة، والإنسان ذو البعد الواحد)، ويعتبر ماركيوز أبرز ممثلي الجيل الأول وأكثرهم تأثيراً في أوروبا. وفي عام 1950 عاد إلى ألمانيا واستقر في فرانكفورت بعد انهيار النازية، حيث عرف التجمع الفلسفي باسم مدرسة فرانكفورت بدلاً من اسمها القديم معهد البحوث الاجتماعية. ومن المفكرين البارزين في هذه المرحلة الثانية نجد يورغن هابرماس، وكارل أتو آبل، وألفريد شميت. أما المرحلة الثالثة فيمثلها كل من أكسيل هونيث الذي يدير المعهد حالياً وسيلا بنحبيب.
 
Page 2

المرجعيات الفلسفية للمدرسة النقدية

اعتمدت المدرسة النقدية في نقدها للمجتمع الرأسمالي على العديد من المرجعيات الفلسفية الكبيرة مثل الماركسية والكانطية والفرويدية... حيث استفادت كثيراً من نقد ماركس للنظام الهيغلي المثالي ونقد الاقتصاد السياسي. والنقد الذي ينصب على تحليل النصوص وارتباطاتها. والأداة النظرية لممارسة هذا النقد هي الفلسفة بصفتها خطاباً إنسانياً يهدف إلى إثبات الذوات الفاعلة والنضال اليومي من أجل بقاء العقلانية والتواصل لكي يبقى للإنسان عالم يرى فيه ذاته التي تتوارى يوماً بعد يوم تحت تأثير الصراع الاقتصادي والسياسي.
بالإضافة إلى نقد ماركس، كان هناك أثر كبير لكانط ولهيغل. حيث أخذ الرواد الأوائل على عاتقهم متابعة المشروع النقدي لكانط في ثلاثيته (نقد العقل الخالص، ونقد العقل العملي، ونقد ملكة الحكم)، وتحيين فلسفة التاريخ لدى هيغل بإجراء تعاون وطيد بين الفلسفة والعلوم التجريبية. فلم يقتصر دورهم فقط فى الكشف عن دلالة المعرفة في العلوم الإنسانية، ولكنهم قاموا بإنتاج رؤية منسجمة ومتمايزة لتجليات النشاط الإنساني، خاصة لتركيباته الاجتماعية والتاريخية والثقافية.
ولا ننسى التأثير الكبير لفرويد، خاصة على إريك فروم وهربرت ماركيوز، وخصوصاً في كتاباتهم الفلسفية، فلاعجب أن تحدث ماركيوز في كتابه «أيروس والحضارة»، عن أنّ فرويد يذهب بعيداً في القول بأن تحقق الإنجازات الحضارية والثقافية ومطالبها يتم على أساس الإشباع الحر للدوافع الجنسية الغريزية، أي عن طريق إنكار هذه الدوافع وإعلائها في صورة فنية وعلمية للتعويض عن كبتها لصالح الحضارة والثقافة وهذا ما أدى إلى القمع والتسلط.

المدرسة النقدية: المنطلقات النظرية

النظرية النقدية والنظرية التقليدية

في درسه الافتتاحي على رأس المدرسة، وضع هوركهايمر وصفاً لتفتت المعارف، وهو تفتت يحول دون فهم وتغيير المجتمع في كليته. وفي نظر هوركهايمر فإن التخصص في مجال العلم والإيديولوجيا وثقافة الخبرة أصبح كل هذا يعيد إنتاج تقسيم العمل، الذي يهيمن على المجال الاجتماعي والاقتصادي. ومن ثمَّ تقدم هوركهايمر بجواب عن هذا الأمر الواقع، وهذا الجواب هو الذي أصبح يوجّه أبحاث المدرسة ابتداءً من سنوات الثلاثينيات للقرن العشرين على الصعيدين المنهجي والمعياري.
أولاً: كانت البداية بتحليل اقتصادي للمرحلة المتقدمة للرأسمالية. أي تشخيص رأسمالية الدولة سواء تعلّق الأمر بالاقتصاد المخطط في الاتحاد السوفياتي أو الاقتصاد الألماني بقيادة الوطنية الاشتراكية (هتلر). حيث يلاحظ وجود شكل من السيطرة المزدوجة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي على الضد من الرأسمالية الليبرالية كما حددها ماركس.
ثانياً: توجّه البحث نحو الإدماج السوسيولوجي النفسي للأفراد عبر الأسرة البورجوازية وأفولها، بسيادة نموذج الشخصية المتسلطة وصيرورة التكيّف لأشكال الوعي لدى الأفراد تحت وطأة الحاجات الوظيفية للنظام الاقتصادي، وتكوين جسر بين البنية التحتية الاجتماعية الاقتصادية والبنية الفوقية الإيديولوجية. هذه الأعمال والأبحاث تقاسمت المسلّمة التي مفادها أن الكبت الفردي للدوافع ينجم عن القمع الممارس من قبل المؤسسات الاجتماعية التي تعيد إنتاج الأمر الواقع وتسهر على استمراره.
كما أن النظرية النقدية تعارض إمكانية علم أخلاقي محايد، وتعارض التقسيم الثنائي الكلاسيكي للذات العارفة وموضوع المعرفة، والبناء الثقافي والمعطى الخالص والفهم الفاعل والحسيّة السلبية. إن النظرية التقليدية في نظرهم تساهم بشكل سلبي وغير نقدي في المحافظة على المجتمع القائم. أما النظرية النقدية فترى أن مهمتها تنطلق من القدرة على التفكير الذاتي وتأسيس إطار مفهومي قادر على تحليل الصيرورة الاجتماعية في مجملها.
ويشير هوركهايمر إلى أن النظرية النقدية يجب أن تتخلى عن حلم عصر الأنوار، الذي اعتبر تقدم العقل قدراً طبيعياً وحتمياً للتاريخ، وتكتفي بدورها كوسيلة نشطة تساهم في بناء تلك العقلنة، وتسهم في تصحيح مجرى التاريخ إذا انحرف عن الاتجاه الصحيح. وهذا غير ممكن إلا إذا التزمت بعنصرين منهجيين: بداية يجب أن يكون للفعل النظري انسجام بين ما ينفيه ويؤكده، دون التفريط في قابلية التطبيق. وهذا ما يفترض الانسجام بين النظرية والتطبيق، فالنظرية النقدية مطالبة بتكثيف روابطها العضوية بتحليل سلبيات الحياة الاجتماعية ليس بوصفها مشاكل منعزلة، ولكن كتعبير عن البنية الاجتماعية ككل، ويجب أن تفهم أيضاً كمظهر تثقيفي لسيرورة التحرير أو كمعركة من أجل المستقبل.
لكن كيف يمكن الدفاع عن ما تطرحه فلسفة تاريخية بهذه المواصفات أمام أحداث تاريخية أثبتت بطلان فرضيتها القائمة على مسيرة التحرر الثورية؟ تكفلت النظرية النقدية بالإجابة عن ذلك في منفاها القسري بأميركا (1950-1934)، وأوضحت أبحاثها المركبة لماذا كانت البروليتاريا بعيدة كل البعد عن تحقيق رسالتها التاريخية بعد ما أدمجها النظام الرأسمالي؟. ولعل ذلك ما يكشف عن أصالة هذه النظرية عندما أكدت أن نقد الاقتصاد السياسي ونزعة الإيديولوجيا الماركسيين عاجزان لوحدهما عن تفسير فشل مشروع التنوير وتقديم شرح مقبول لصعود قوى التعصب المذهبي والتسلط.
Page 3

جدل التنوير

يمثّل كتاب جدل التنوير ثمرة عمل مشترك بين ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، كما يعدّ امتداداً للمشروع الذي أعلن عنه هوركهايمر في نصه الافتتاحي «النظرية التقليدية والنظرية النقدية»، وبالنظر إلى المادة المعرفية المكثفة وقوة الأطروحات والأفكار المتضمنة فيه، وبالنظر إلى نزعته النقدية، فإن ذلك يجعل منه نصاً تأسيسياً. إذ يحمل في ثناياه المنطلقات والأسس الكبرى التي ستوجه مدرسة فرانكفورت في أبحاثها وتوجهاتها.
ولا ننسى أن الكتاب ظهر في سياق تاريخي متميز عرفته المجتمعات الغربية في تلك الفترة بعد صعود الأنظمة النازية والفاشية التسلطية. وهو الأمر الذي نجد له انعكاساً وأثراً في كتاب جدل التنوير ،وخاصة ما يتعلق بالسيطرة وانهيار موقع ومكانة الفرد في المجتمعات الغربية والنزعة التشاؤمية للكاتبين، وظهور اللاتسامح.
كما يندرج في سياق معرفي يستأنف القول في مفهوم التنوير ذاته، وذلك من خلال منظور تاريخي ونقدي مسكون بهاجس إعادة بناء هذا المفهوم. وهذا المنحى النظري يستهدف ضمنياً التفكير في التنوير من منطلق استشكاله: فما هو التنوير؟ وما هو برنامجه؟ وهل تمكّن من الوفاء بعهوده؟ وكيف للإنسانية التي بدل أن تلتزم بشروط إنسانية حقة سرعان ما راحت تغرق في شكل جديد من أشكال البربرية؟
استطاع كل من أدورنو وهوركهايمر في كتابهما «جدل التنوير» أن يطورا فلسفة للتاريخ معاكسة لنموذج صراع الطبقات الذي عرضه ماركس في المادية التاريخية. ينطلق أدورنو وهوركهايمر من فكرة أن الصيرورة الحضارية للإنسانية هي، وانطلاقاً من أصولها، متميزة بسيطرة الإنسان على الطبيعة وسيطرة الإنسان على الإنسان.
تترك السيطرة نفسها تترجم بطريقة نسقية من خلال العلاقة الأداتية للإنسان بالطبيعة، سواء أكانت هذه الطبيعة داخلية (نفسية الإنسان) أم خارجية (اجتماعية الإنسان). منذ أوليس الماكر، الذي ربط نفسه بأطراف السفينة موجهاً أوامره إلى خدامه بغلق أذانهم، وإلى القسوة المنتجة لمهندسي الصناعة وعمالها، انقلبت السيطرة العقلانية على الطبيعة، التي كان من المفترض في انطلاقها تطويع القوى الأسطورية، إلى سيطرة لاعقلانية للإنسان على الإنسان. ومنذ المرحلة المتقدمة للرأسمالية فإن التضافر الكامل بين الطبيعة الداخلية المقموعة والطبيعة الخارجية المشيأة انتهى إلى سياق أعمى كلياً.
تكمن القوة النقدية في الرسالة التي وجهها كل من أدورنو وهوركهايمر، عبر شذراتهم في هذا العرض للديالكتيك التاريخي للعقل، الذي أخذ شكلاً خطياً عكسياً للتقدم: حيثما استطعنا عقلانياً أن ننتظر تقدم النوع الإنساني والتحرر من الخوف الغريزي، فإن العقلية الملازمة للأسطورة وسقوط العقل الحديث في صورة جديدة من الأسطورة تنخرطان في استمرارية تاريخية للعنف والسيطرة. إن تقدم العقل في التاريخ يبدو، تحت النظر النقدي الملحاح، كتراجع نحو الأصول الأسطورية: «ما أردنا أن نقوم به ليس أقل من محاولة فهم لماذا انهارت الإنسانية في شكل جديد من البربرية بدل الانخراط في شروط إنسانية حقيقية؟». إن نقد العقل الأداتي ليس سوى تعبير عن مستوى الديالكتيك التاريخي للعقل عن النقد الإبستمولوجي للوضعية بوصفها أسطورة. توسيع النقد في سياق جينيالوجيا السيطرة الأداتية كان نتيجة للأبحاث التي أقيمت في ألمانيا وأميركا. ومع ذلك فإن نقد العقل الأداتي سيطبع - منذ نهاية أربعينيات القرن العشرين - نوعاً من الفصل بين النظرية الفلسفية والأبحاث التجريبية ومعها نهاية البرنامج الأساس للأبحاث المتعددة التخصصات مع هابرماس وأكسيل هونيث وإريك فروم.

نقد الأنوار

ليست الأنوار مجرد لحظة تاريخية أو ثقافة للتقدم في القرن الثامن العشر كما تصورها كانط، بل صيرورة واسعة جداً للحضارة التي مبدؤها هو تدمير الأسطورة باسم العقل. فرانسيس بيكون هو من أعطى وحدد أهم مفاهيم التنوير، لكن صيرورة الأنوار تخصّ أيضاً حضارة هوميروس وكذا الصناعة الثقافية. وعلى هذا النحو يساهم كتاب جدل التنوير نفسه في صيرورة العقل والأنوار، اللهم إلا إذا كان القصد هو إقامة نقد العقل باسم العقل، وهذه ثغرة ظلت واضحة ولصيقة بمدرسة فرانكفورت. يلاحظ الكتاب أن هدف الأنوار كان تحرير الإنسان وتحرير الفكر السحري، لكنها، أي الأنوار، كانت بنفسها خاضعة للأسطورة، ومن ثم حصل انحراف تمثّل في جعل العقل أداة هدفها الحقيقي ليس هو المعرفة أو السعادة، بل تفسير العالم من أجل السيطرة على الطبيعة بهدف الحفاظ على الذات.
تتمثل صيرورة التدمير الذاتي في تدمير الأسطورة من خلال العقل الذي هو مبدأ الأنوار. لأن الأساطير هي في الحقيقة من منتوج الأنوار. وفي المقابل، فإن الأنوار قد تأثرت بسيطرة الأسطورة في اللحظة نفسها التي اعتقدت فيها الأنوار أنها تحررت منها. طبعت الأنوار بالشمولية في إرادتها محو كل أثر أسطوري بهدف إنشاء نسق يمكن اختزال كل شيء فيه. حقيقة هذه الصيرورة هي السيطرة. والنتيجة أن البشر أدوا ثمن سلطتهم بالتحول إلى غرباء إزاء ما كانوا يمارسونه من علم وعمل. في هذا العالم المعقلن لم تختف الأسطورة، بل على العكس من ذلك، اتسع مجال نفوذها. انتهت الأنوار إلى شكل من التقهقر حيث تحوّل الإنسان فيها إلى شيء. من جرّاء الخوف من الأسطورة أعدمت الأنوار الفن والفكر وحوّلت السلع إلى آلهة، وتراجع الأنوار في الأسطورة ليس إذاً، في البحث خارج الأنوار بل في الأسطورة نفسها. وقد سيقت حكاية الأوديسة في الكتاب لكي تعطي مثالاً عن هذا المسار المنحرف للإنسان، حيث تم تصور العقل كمكيدة وسيطرة وعنف.
يتطرّق الكتاب إلى سؤال كانط عن ماهية الأنوار، انطلاقاً من تحليل تاريخ جولييت للمركيز دوساد وجينيالوجيا الأخلاق لنيتشه، لكن هذا النهج يظل انتقائياً وسطحياً إذ يصبح الأمر تبنياً للجينيالوجيا دون ممارسة الجينيالوجيا. إن هذا الجمع بين كانط ودوساد ونيتشه هو التعبير الأبرز عن جدل التنوير، بحيث إذا كان كانط يمثل فيلسوف العقل والنظام، فإن دوساد العبثي يجسد الانفلات من العقل والقانون ولا ينصت إلا للغريزة والمتعة، كما أن نيتشه يعبر عن عدمية التنوير وأفول المتعالي بكل أشكاله.
Page 4

العقل الأداتي والعقل التواصلي

الطبيعة الاختزالية للعقل الأداتي
لقد ظهر مفهوم العقل الأداتي في العديد من مؤلفات الفلاسفة والمفكرين السابقين على هابرماس وأهمهم: هوركهايمر وأدورنو في كتابهما «جدل التنوير» وكتاب هوركهيايمر «أفول العقل» وماركيوز في كتابه «الإنسان ذو البعد الواحد» وكلهم يجمعون بأن العقل الأداتي هو منطق في التفكير وأسلوب في رؤية العالم. أي أن العالم الاجتماعي أصبح له طبيعة ثانية وأصبح كالطبيعة غير قابل للتغيير ومستقل عن أفعالنا.
إنه العقل المهيمن في المجتمعات الرأسمالية الحديثة، التي فقد فيها العقل دوره كملكة فكرية، وتم تقليصه إلى مجرد أداة لتحقيق أهداف معينة، كما أصبح أداة لتوفير الوسائل.
انطلاقاً من كتاب «التقنية والعلم كإيديولوجيا» يرى هابرماس أن العقل الأداتي يعبر عن العقلانية الأداتية والتي لعبت دوراً هاماً في المجتمع الرأسمالي الحديث.
سماته:
إن هذا العقل ينظر الى الطبيعة والواقع من منظور التماثل، ولا يهتم بالخصوصية. إنه يحاول تفتيت الواقع إلى أجزاء غير مرتبطة، كما ينظر الى الإنسان باعتباره جزءاً يشبه الأجزاء الطبيعية المادية. إن هابرماس يقصد من وراء نقده للعقل الأداتي هدم معطيات هذا العقل، وذلك من خلال القضاء على مركزه الفلسفي الوضعي الذي أبرز هذه الرؤية.
العقل التواصلي:
للخروج من سلبيات العقل الأداتي، يطرح هابرماس مفهوم العقل التواصلي الذي يعتبره المخرج من هيمنة العقل الأداتي.
فالعقل التواصلي مفهوم صاغه هابرماس لمحاولة تنمية البعد الموضوعي والإنساني للعقل، إنه فاعلية تتجاوز العقل المتمركز حول الذات والعقل الشمولي المنغلق الذي يدّعي بأنه يتضمن كل شيء، والعقل الأداتي الوضعي الذي يفتّت ويجزّئ الواقع؛ ويحوّل كل شيء إلى موضوع جزئي حتى العقل نفسه.
فالعقل التواصلي لم يعد جوهراً، أكان هذا الجوهر موضوعاً أو ذاتاً، بل صار معمولاً به. لقد أصبح العقل معه وسيلة إذ يرى أنه من الحكمة البحث عن ما هو عقلاني عوضاً عن البحث في مفهوم العقل.
بالإضافة إلى أن هذا العقل متواصل مع غيره ولا يقوم على الضغط بل على الاتفاق، وهدفه بلورة إجماع يعبر عن المساواة داخل فضاء عام، ينتزع فيه الفرد جانباً من ذاتيته ويدمجها في المجهود الجماعي، الذي يقوم بالتفاهم والتواصل العقلي.
Page 5

نظرية الفعل التواصلي

ينطلق هابرماس من العقلانية التواصلية، إنه مفهوم جديد للعقلانية، باعتبارها الاستعداد الذي تبرهن عليه ذوات قادرة عل الفعل والكلام والعمل وعلى اكتساب وتطبيق معرفة قابلة للخطأ. فقد أراد وضع العقل في إطار أشمل وأكبر، فكان عليه إدخال البعد التواصلي.
إذاً، الهدف منه، وضع نظرية نقدية للمجتمع قائمة على أسس عقلانية. وهذا لايتأتّى إلا بإعادة توظيف دور الفلسفة وتحديد دورها في المجتمع. هذه الفلسفة التي عليها أن تتخلى عن دورها التأويلي في اتجاه دور جديد، إنه دور الوساطة والتنسيق.
لقد قسم هابرماس العقل الى نوعين من خلال النشاط العقلي الذي يقوم به هذا الأخير وهما:
1- نشاط عقلي معرفي أداتي: نشاط مرتبط بغاية لأنه يحقق منفعة وهذا النوع هو الذي سيستخدمه الإنسان لمعرفة البيئة المحيطة به.
2- نشاط عقلي تواصلي: تمارسه ذات قادرة على الكلام والفعل وهذا النشاط التواصلي هدفه التفاهم بين الذوات.

المراجع

  • • حسن المصدق: يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت - النظرية النقدية التواصلية، المركز الثقافي العربي بيروت 2005.
  • • كمال بومنير: النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت من ماكس هوركهايمر الى اكسيل هونيث، الدار العربية للعلوم ناشرون، ومنشورات الاختلاف ودار الأمان 2010.
  • • عمر مهيبل: إشكالية التواصل في الفلسفة الغربية المعاصرة، الدار العربية للعلوم، ومنشورات الاختلاف، والمركز الثقافي العربي 2005.
  • >• هوركهايمر وأدورنو: جدل التنوير، ترجمة جورج كتورة، دار الكتاب الجديد المتحدة بيروت 2006.
  • • كمال بومنير: «مقال نقد العقل الأداتي»، ضمن كتاب جماعي ثيودور أدورنو من النقد الى الاستيطيقا تحت إشراف كمال بومنير، منشورات الاختلاف، ودار الأمان ط: أولى 2011.
  • • فيل سليتر: مدرسة فرانكفورت نشأتها ومغزاها – وجهة نظر ماركسية، ترجمة خليل كلفت، منشورات المشروع القومي للترجمة مصر 2000.
Page 6

الفصل الثاني

نماذج مختارة

ثيودور أدورنو

(1969- 1903)

نبذة مختصرة

ولد ثيودور أدورنو في 11 أيلول/سبتمبر 1903 في مدينة فرانكفورت من أب ألماني من أصل يهودي وأم ايطالية، ومنذ نشأته المبكرة اهتم بالموسيقى وعشقها، وقد كانت أمه مغنية، أما خالته فقد كانت عازفة بيانو. اهتم بالفلسفة وخاصة بعد تعرفه إلى زغفريد كركاور (Siegfried Kracauer) عام 1922، الذي قضى معه عدة سنوات في دراسة فلسفة كانط. ثم التقى بماكس هوركهايمر. وفي عام 1924 ناقش في جامعة فرانكفورت رسالة الدكتوراه حول «تعالي الموضوع والنويماتيقا في فينومنولوجيا هوسرل» بإشراف هانز كورنليوس، غير أن شدة إعجابه بالموسيقى دفعه للسفر إلى فيينا للتعرف إلى موسيقى أرنولد شونبرغ، فتابع دروساً في التأليف الموسيقي ودروساً أخرى في البيانو. إلاَّ أنه عاد بعد سنوات إلى فرانكفورت، وقدّم رسالة التأهيل عام 1931 بدراسة كان عنوانها «كيركغارد: بناء الجمالية» مما سمح له بأن يصبح عضواً في هيئة التدريس بالجامعة. وبعد سنوات قضاها في التدريس انضم إلى معهد الدراسات الاجتماعية، أو ما يسمى بمدرسة فرانكفورت. وهي اليوم التسمية الأكثر استعمالاً للدلالة على تلك المجموعة من الفلاسفة أمثال: هوركهايمر وأدورنو وماركيوز. وقد كان انضمام أدورنو إلى هذا المعهد من أهم التحولات الإيجابية التي عرفها هذا الأخير. وذلك للدور الفعال والحيوي الذي سيلعبه في تعميق البحوث الفلسفية والجمالية. وحين وصل النازيون إلى الحكم سافر أدورنو إلى باريس لفترة قصيرة ثم الى لندن وتوجه عقبها إلى أميركا. وهناك استعاد تعاونه الوثيق مع صديقه هوركهايمر في جامعة كولومبيا بنيويورك. عاد أدورنو الى جامعة فرانكفورت، ثم استأنف معهد الدراسات الاجتماعية نشاطه بعد وصول هوركهايمر عام 1950. وبعد تقاعد هذا الأخير عام 1958 تولى أدورنو رئاسة المعهد الى أن توفي في 6 آب/أغسطس عام 1969.
هذا، وقد نشرت أعماله الكاملة في ألمانيا منذ تسعينيات القرن العشرين في ثلاثة وعشرين جزءاً، تحت إشراف رولف تيدمان (Rolf Tiedmann) وهو أحد المتخصصين الكبار في فلسفة أدورنو.
إن تتبعنا لما ألف لأدورنو في عالمنا العربي، يدفعنا إلى القول بأنه مازال باهتاً بالرغم من الشهرة العالية التي يحظى بها في العالم بأسره. وما ترجم له إلى لغة الضاد لا يرقى الى المستوى المطلوب والمنتظر. ولا يمكن أن نجد أي مجال للمقارنة مع ما ترجم إلى اللغات الأخرى كالفرنسية او الإسبانية والإيطالية. . . علماً بأن أهم أعماله الفلسفية والجمالية كالجدل السلبي، وأخلاق الحد الأدنى، ونظرية جمالية، وفلسفة الموسيقى الجديدة، لم تترجم إلى العربية حتى يومنا هذا.

صناعة الثقافة (1)

في الحقيقة، لم يستعمل مصطلح صناعة الثقافة للمرة الأولى إلا في كتاب جدل التنوير، الذي ألفته مع هوركهايمر، والذي نُشر في أمستردام سنة 1947. في مسودة الكتاب الأولى، تحدثنا عن ثقافة الجماهير. لكننا تخلينا عن هذا العنوان واستبدلناه بصناعة الثقافة، لكي نتفادى كل التأويلات الممكنة؛ فهناك من يعتبرها تشبه ثقافة الجماهير التلقائية التي تتجلى في الفن الشعبي.
لكن هذا الفن الشعبي يختلف عن صناعة الثقافة من حيث المبدأ. وجميع فروعها محضّرة إما قليلاً أو كثيراً حسب خطة؛ والمنتوجات مدروسة ومحددة من طرف صانعيها إلى حدٍّ ما للاستهلاك.
وجميع الفروع تتشابه من حيث التنظيم أو على الأقل تتناسب مع بعضها البعض. فهي تتكامل حتى تنشئ نسقاً. وهذا راجع إلى التقدم التقني والتركيز الإداري والمالي. صناعة الثقافة هي الإدماج المتعمد من الأعلى لمستهلكيها. فهي تدمج حتى المجالات التي كانت متفرقة منذ آلاف السنين بين الفن الرفيع والفن الهابط، على حسابهما. فالفن الرفيع يُنظر إليه على أنه محروم من جديته بسبب الاعتماد على الأثر؛ وافتقدناه عن طريق تدجين تمديني للعنصر الطبيعي المقاوم والشاق الملازم له. مثل الفن الهابط الذي لم يُراقب من طرف الفن الرفيع. صناعة الثقافة تهتم كثيراً، بدون شك، بحالة الوعي واللاوعي لفئاتها المستهدفة، لكن الجماهير لاتحتل المرتبة الأولى بل الثانية في العملية الحسابية.
فالمستهلك ليس ملكاً كما تردد الصناعة الثقافية، وليس تابعاً لها، بل هو موضوع لها. فمصطلح وسائل الإعلام الجماهيرية، الذي تفرضه صناعة الثقافة، يقزم الظاهرة فقط. إذاً، لانجد في المقام الأول الجماهير ولا تقنيات الإعلام، بل نجد روح أرباب وسائل الإعلام. فصناعة الثقافة تتودد كثيراً للجماهير من أجل تعزيز وتثبيت رأيها وتمريره كمعطى بديهي؛ وإقصاء أي موقف يمكن أن يغير هذا الرأي.
 
Page 7
صناعة الثقافة بحاجة إلى جماهير مروضة لتحقق وجودها. فالمنتجات الثقافية تتحرك منذ ثلاثين سنة وفق ما أسماه بريخت وسيكمب بالتسويق التجاري. ولا يتم التركيز على المحتوى أو الشكل الدقيق. التطبيق العملي للصناعة الثقافية، يركز على دافع الربح لمنتجات فكرية. بقدر ما توجد هذه المنتجات في السوق، بقدر ما تحيي كتابها، بل ويتأثرون بها. لكن لن يجتهدوا في طلب الربح حالاً إلا عن طريق حقيقتها الخاصة. الجديد في صناعة الثقافة، هو حالتها الفورية والمباشرة والمدروسة بعناية في منتجاتها الأكثر نوعية. فاستقلالية الأعمال الفنية، التي لم تظهر بصورة خالصة وملتصقة دائماًً بالبحث عن التأثير، أصبحت ملغاة من طرف صناعة الثقافة. لانلوم أحداً من مروجيها. بل ينبغي أن نستمد ذلك من الاقتصاد والبحث عن إمكانيات جديدة لاستثمار الأموال في البلدان الصناعية المتقدمة. فالإمكانيات القديمة أصبحت هشة بسبب صيرورة التركيز، الذي ساعد كثيراً في تقوية الصناعة الثقافية. والثقافة، بدلالتها الخاصة، خاضعة للناس لكنها كانت دائماًً ضد حالة التصلب التي يعيشها الناس. من هنا، كانت الثقافة تشرف الناس بتماهيها معهم، والآن أصبحت خاضعة لوضعية التصلب. هكذا يتم إذلالهم دائماًً.
فالمنتجات الفكرية، في نمط صناعة الثقافة، لا يمكن اعتبارها بضاعة بسب أنها أدمجت فيها. فهذا الانتقال كبير جداً في إنتاج منتجات جدية بالكامل. فصناعة الثقافة لاتبحث دائماًً عن الربح السريع، الذي هو محركها الدائم. فالربح يتجلى في إيديولوجية صناعة الثقافة، وأحياناًً ينبثق من إكراه عملية بيع البضاعة الثقافية التي لابد من استهلاكها. فصناعة الثقافة تتحول مع العلاقات العامة: صناعة النوايا الحسنة باختصار، بغض النظر عن المنتجين أو البضائع. نذهب للبحث عن الزبون لنبيع له برضاه وبدون شروط؛ كما نضع إعلانات للعالم على أساس أن لكل منتج ثقافي إعلانه الخاص.
ومع ذلك، وفي الوقت نفسه نحافظ على الطابع الأولي لتحولات الأدب التجاري. إذا كان هناك شيء ما في أنطولوجيته، فإنها صناعة الثقافة. فلائحة الأعمال الأساسية محافظ عليها بقوة. نجد مثلاً الأدب الإنكليزي بين القرنين السابع عشر والثامن عشر.
والجديد الدائم الذي تقدمه يبقى دائماًً في جميع فروعها التغير الذي يمس نفسه دائماً؛ فالتنوع يغطي المظهر الخارجي الذي يعرف بعض التغييرات، مثل دافع الربح نفسه منذ سيطرتها (الصناعة) على الثقافة. ما تبقى ينبغي ألا نأخذ مصطلح الصناعة حرفياً. فهو يتناسب مع نمذجة الشيء نفسه. على سبيل المثال: نمذجة الوسترن في الأفلام الأميركية المعروفة لرواد السينما، وعقلنة تقنيات التوزيع؛ ولا يرجع الأمر فقط إلى عملية الإنتاج. إذاً، في القطاع المركزي لصناعة الثقافة، أي فيلم يقترب من منهجية تقنية، مع وجود درجة عالية من تقسيم العمل، وعن طريق التمييز المعبر عنه بين الفنانين العاملين في صناعة الثقافة، وأصحاب الشركات. والأمر نفسه ينطبق على مجالات أخرى. كل منتوج يراد له أن يكون فردانياً. فالفردانية نفسها تساهم في تعزيز الإيديولوجية التي تدعم وهم الإنسان بالشيء المصنّع والمنتوج الثقافي، باعتباره ملاذاً لما هو مباشر ومعاش. فهذه الإيديولوجية استدعت نظام النجوم المستعار من الفن الفردي، فكلما كانت هذه الدائرة غير إنسانية، كلما قامت بالدعاية لكبار الشخصيات؛ كلما تحدثت مع الناس بصوت أبح كذئب متنكر في هيئة جدّة. فهذه الدائرة صناعية بكل معنى الكلمة، كما لاحظ ذلك علماء الاجتماع، عبر استيعاب تقنيات العمل الصناعي وتطبيقها على منتجات فكرية. على سيبل المثال: عقلنة العمل البيروقراطي أو بالأحرى إنتاج عقلاني من وجهة نظر تقنية. لهذا السبب، أصبحت استثمارات الصناعة الثقافية في غاية الوفرة، وتغرق قطاعاتها التي تجاوزتها التقنيات الجديدة في الأزمات، التي لم تعد سبلاً نحو الأفضل. من جهة أخرى، في تأمينهم ضدّ النقد، يحبّذ المبادرون في الصناعة الثقافية الزعم بأنّ ما قاموا بتوفيره «ليس من الفنّ وإنّما من الصناعة». فالتقنيات السائدة في الصناعة الثقافية لاعلاقة لها بالأعمال الفنية. وهذه الأخيرة متناسبة مع التنظيم المحايث للشيء ولمنطقه الخاص. بالمقابل فتقنيات التوزيع والإنتاج الميكانيكي تبقى دائماًً غريبة عن موضوعها. فالصناعة الثقافية بخلفيتها الإيديولوجية تحاول ما أمكن الاستفادة من نتائج تقنياتها في منتوجاتها.
الصناعة الثقافية تتطفل بطريقة ما على التقنيات الصناعية بدون الاهتمام بالالتزام الذي يخلقه الطابع الإيجابي لهذه المواد في البناء البيّن الفني. ولكن أيضاً، بغض النظر عن الشكل الرسمي للتقنيات الصناعية، الذي يتفرع منه خليط أساسي بالنسبة لشكل الصناعة الثقافية ودقة الصورة الفوتوغرافية من جهة، ومن جهة أخرى بقايا فردانية وأجواء رومانسية مصنوعة ومهيّأة سابقاً بطريقة عقلانية.
إذا قبلنا بتعريف والتر بنيامين: القائل بأن العمل الفني التقليدي مرتبط بالإحساس وبحضور اللاحضور، إذاً، فالصناعة الثقافية يمكن تعريفها بأنها لاتتعارض مع أي شكل خالص للإحساس. لكنها تؤدي إلى تفكيك حالة الإحساس مثل هالة ضوئية.
حاولت في الأخير أن أعطيكم فكرة عامة حول الصناعة الثقافية. اليوم سأحاول الرجوع إلى النقاشات التي أُثيرت حولها. بالاعتماد على الدور الكبير للصناعة الثقافية في تشكيل وعي الجماهير، وأثناء ذلك أصبحت عملة رائجة لدى منظريّ الصناعة الثقافية، وكذلك عند علماء الاجتماع الذين حذّروا من عدم تقدير دورها.
إنهم يقترحون الامتناع عن اتخاد أي موقف والاهتمام بها. بالفعل الصناعة الثقافية هي عامل مهم في توجيه الفكر الآن. من السذاجة عدم تقدير أهميتها انطلاقاً من النزعة الشكية. لكن الحض على الاهتمام بها يبقى أمراً مشبوهاً. ودورها الاجتماعي يجعلها تتملص بالفعل من الأسئلة المحيرة حول وجودها، وحول حقيقة أو عدم حقيقة الأسئلة المطروحة عليها حول الجانب الجمالي لرسائلها.
نحن ضد النقد المخندق في برج من عاج. لكن من المناسب الإشارة إلى الغموض الذي يمر متخفياً لفكرة أهميته. ووظيفة شيء ما ترتبط بحياة العديد من الأفراد ليست ضمانة لقطاعه. فالخلط بين الجانب الجمالي ومحاولة تعميمه لا يؤدي بالفن - باعتباره ظاهرة اجتماعية- إلى إظهار بعده الحقيقي. لكن يؤدي دائماًً إلى شيء معارض لبعض نتائجه الاجتماعية. فأهمية الصناعة الثقافية في الاقتصاد النفسي للجماهير لاتعفينا من التفكير في شرعيتها الموضوعية وفي ذاتها، لكن بالمقابل تفرضه علينا. فأخذها بعين الاعتبار يتناسب مع دورها الهام؛ بعبارة أخرى، نقدها بجدية والتسلح لها أمام مركزيتها.
فالمثقفون يحاولون تكييف هذه الظاهرة ومحاولة إصلاح تحفظاتهم، بغض النظر عن الصناعة الثقافية، مع احترام قوتها، حيث يتم تأسيس صو ت تسامح تهكمي.
Page 8
«نعرف - كما يقولون - كل ما ينتج عن كل هذا، منه ما هو عبارة عن روايات، ومسلسلات، وأفلام جيدة، ومهرجانات متلفزة تتوجه نحو الأسر، ومنها عروض متنوعة ومقاطع تنجيم وبريد القلب. لكن كل هذا غير عدائي وديموقراطي، لأن في الأمر استجابة لطلب. رغم أنه مصنوع من قبل. بالإضافة إلى أن كل هذا يعطي مزايا كثيرة، على سبيل المثال: «نشر المعلومات والنصائح».
ومع أن تلك المعلومات فقيرة وليس لها معنى، كما تؤكد على ذلك أية دراسة سوسيولوجية حول شيء ما أكثر أهمية؛ مثل مستوى الأخبار السياسية والنصائح التي تمرر في التظاهرات. الصناعة الثقافية هي مجرد تفاهات أو أسوأ منها.
فالتهكم الكذبي، الذي يتأسس في العلاقة بين المثقفين والصناعة الثقافية، لا يقتصر على هذه المجموعة فقط. يمكن الافتراض بأن الوعي الجماهيري هو نفسه مقسّم ومموضع بين السخرية النظامية التي تقدمها الصناعة الثقافية، والتساؤل حول فوائدها المتخفية.
فالفكرة التي يمكن أن ينخدع بها العالم أصبحت أكثر حقيقية من أن يدّعيها أحد ما. ليس فقط الرجال الذي يقعون في الفخ، بشرط أن هذا يعطيهم إشباعاً عابراً، لكن يتمنى هذا التضليل حتى الواعون به، فهم عمي وموافقون على احتقار ذواتهم، ويعرفون تمام المعرفة لماذا يصنع لهم ذلك.
بدون الاعتراف فهم يشعرون بأن حياتهم أصبحت لا تطاق، إذاً، فهم يتعلقون بتلك الإشباعات التي لا تنطبق عليهم حقيقة.
لكن اليوم، الدفاع الذكي عن الصناعة الثقافية يُمجَد، باعتباره عاملاً موجهاً لنظام الفكر، الذي من الممكن أن نسميه بالإيديولوجيا. وممثلوه يدَّعون بأن هذه الصناعة الثقافية تقدم خدمة كبيرة للناس في عالم مليء بالفوضى، حتى إنها تساعدهم في التوجيه. فهؤلاء هم المحافظون. لكن ما يحاولون أن يحافظوا عليه يهدمونه في الوقت نفسه. فالرعاية الجدية تدمر كلياً عن طريق فيلم ملون وليس عن طريق قنابل.
ما هو أساسي، وبدون اللعب على الكلمات، يمكن أن نعبّر عن الثقافة بتعابير المعاناة والتناقضات. بالتركيز على فكرة الحياة الحقيقية؛ لكن يجب ألا نمثلها كحياة حقيقية لكائن هنا، والمقولات العرفية التي تجاوزها النظام وانتحلتها الصناعة الثقافية.
إذا كان المدافعون عن الصناعة الثقافية يعارضون ما نقول بأنها ليست فناً، فإنهم مرة أخرى عالقون في الإيديولوجية حتى أخمص أقدامهم. فأي قول مشين لايمكن أن يغير نفسه، لأنه هو كذلك. حتى الفيلم الأكثر تفاهة في مهرجان كبير، يقدم موضوعياً حسب مظهره الخاص؛ كما لو أنه يشكل عملاً فنياً. يجب مواجهته بهذا الادعاء، وليس مع أولئك سيئي النية المسؤولين عنه.
بالرجوع إلى النظام، باختصار، وبدون تحديد ملموس، فإن الدعوة إلى نشر المعايير بدون أن تكون هذه الأخيرة مبررة بشكل واضح، فإنها تظهر أمام الوعي بدون قيمة. فأي نظام أردنا أن يصبح مقبولاً لدى الناس لأنهم محرومون منه، ليس له أي حق إذا لم يؤسَّس هو نفسه أمام الناس. هذا بالتحديد، ما نرفضه في كل منتوج للصناعة الثقافية.
فالأفكار التي ترسخها هذه الصناعة هي أفكار النظام القائم. وهذه الأفكار مقبولة قبلياً وبدون معارضة وبدون تحليل بالتخلي عن الجدل، حتى ولو أنها لاتنتمي جوهرياً إلى أي واحد من الذين تخضع لهم. فالأمر القطعي للصناعة الثقافية على خلاف ما لدى كانط؛ ليس له علاقة بالحرية.
بواسطة فضيلة الإيديولوجيا، الصناعة الثقافية ستُحل الطاعة محل الاستقلالية والوعي. ولن يواجه النظام الناتج من هذا مع ما يدعيه الكائن، أو مع المصالح الحقيقية للناس. لكن النظام ليس في ذاته ما يحيل على ما هو طيب. لن يكون كذلك، وهو حامل لهذا الاسم. فالصناعة الثقافية لن تفترق عنه مادامت تمجّده. وهذا الأمر دليل على أن رسائل محتوياتها ضعيفة وغير مؤسسة.
بادعائها بأنها ستكون دليل الناس الحائرين، فإنها تقدم لهم الصراعات الحقيقية بصورة خادعة. فالصناعة الثقافية لن تحل هذه الصراعات الظاهرة، كما لو أنها من المستحيل معالجتها في حياتهم الخاصة. يتعامل الناس مع إنتاجات هذه الصناعة بهدف واحد، هو الخروج منها بدون أضرار. وفي الكثير من الحالات، بمساعدة أعوان التجمعات لإدخالهم في انسجام لاطائل منه؛ وهنا يجب عليهم الاعتراف بأن الإكراهات غير ملائمة مع الفردانية. بمعنى آخر، مع مصالحهم الذاتية. لهذا تعمل الصناعة الثقافية على تقديم نماذج ومخططات تجمع حتى قطاعات غير مفهومية، مثل الموسيقى الخفيفة. حيث نسقطها على جانب ما، يعني في مشاكل مثل مشاكل الازدحام المروري التي تتلاشى مع انبعاث الضوء الأحمر. مع ذلك فإن المدافعين عنها لايكذبون أفلاطون حينما يقول بأن ما هو موضوعي في ذاته هو خطأ ولا يمكن أن يكون ذاتياً لأجل الناس، هذا صحيح وطيب. وما تحاول الصناعة الثقافية أن تقوّمه ليست القواعد لحياة طيبة ولا المستوى الشعري الأخلاقي؛ ولكنها تدفع الناس إلى التماثل والتماهي مع الذين لهم مصالح كبرى. فالرفض الذي تعلنه يقوي سلطتهم القوية والغامضة. لكن إذا قسناها فعلاً بالتطابق مع المقياس الحقيقي، فالصناعة الثقافية ليست فقط في جوهرها ومنطقها الداخلي، ولكن بالنسبة إلى دورها أيضاً. إذاً، إذا ما أعطيناها، ما تعلنه دائماًً، يجب أن نأخذ وحدة القياس كاملة في كل تطوراتها الكامنة في هذا الدور. فبالتشجيع والاستغلال لضعف الأنا إليها، نجد المجتمع الحالي - بتركيزه على السلطة - يتهم كل أعضائه.
فوعيهم يخضع إلى تحولات جديدة رجعية. وليس من العبث أن نسمع في أميركا من بعض المخرجين التهكميين، بأن على أفلامهم أن تلتزم بسن أطفال في سن الحادية عشرة.
حقيقة، لا يمكن بدراسة دقيقة أن نبرهن بيقين على الدور الرجعي لمنتجات الصناعة الثقافية. لكن البئر يحفر نقطة نقطة، خاصة وأن نظام الصناعة الثقافية يطارد الناس والجماهير، ولايسمح لهم بالهروب، ويفرض عليهم تصوراته السلوكية. فقط عدم ثقتهم العميقة اللاواعية تبقى الملاذ الوحيد لفكرة الاختلاف بين الفن والحقيقة الأمبريقية. وهذا ما يفسر بأن الجماهير لا ترى، ومنذ مدة طويلة وهي ترفض ما تقدمه لها الصناعة الثقافية. فرسائل الصناعة الثقافية هي غير عدائية كما قلنا، وبقوانين لاتعد فهي قليلة بالنسبة إليهم. مثلاً: فالأفلام بطريقة تشخيصها للشخصيات تجاري البحث عن المثقفين المشهورين اليوم. فالمثقف الذي تنتجه الصناعة الثقافية بعيد كل البعد عن أي عمل غير ضار. والهدف الأخير هو خدمة الناس وجعلهم تابعين لها. وهذا ما يصفه باحث أميركي بدقة، حيث يرى بأن هموم الأزمنة الحاضرة ستجد نهايتها إذا كان الأفراد يريدون فقط الالتفاف حول شخصيات معتبرة. والتعويض الذي تقدمه للناس، بإثارة إحساسهم بالراحة حينما يوجدون في هذا النظام، يوقعهم في شراكها فتحرمهم من السعادة التي تقدمها عرضاً. إذ إن الدور الكبير للصناعة الثقافية يتمثل في عملها ضد إزالة الأوهام، أي ضد التنوير. في الصناعة الثقافية، كما أشرنا إلى ذلك في كتابنا مع هوركهايمر جدل التنوير: إن إزالة الأوهام، والتنوير يعني ما هو آت من السيطرة التقنية التدريجية، يتحول لخداع الجماهير. أي بعبارة أخرى، وسيلة من وسائل تكميم الوعي. فهي تمنع تشكل أفراد أحرار ومستقلين قادرين على الحكم والتقرير بمفردهم. لكن هؤلاء هم الشرط القبلي لمجتمع ديموقراطي، لن يتقدم ألا بوصايته على الأفراد. لكن إذا نظرنا للجماهير نظرة دونية باعتبارهم جماهير، فلأنها عملت على ذلك، كما أنها منعتهم من التحرر.
Page 9

نقد أدورنو لفينومنولوجيا هوسرل (2)

حاول الفيلسوف أدورنو من خلال مقاله ميتانقد، تحديد فينومنولوجيا هوسرل بالاعتماد على نموذج ملموس، باعتبارها تشكل نظرية معرفية تروم التأسيس للحقيقة وفهمها.
فهدف أدورنو راديكالي بكل المقاييس: ما هو شكل ومحتوى الحقيقة الفلسفية في المجتمع الرأسمالي المعاصر؟ إذا كان واضحاً لدى أدورنو، بأن ما تراهن عليه الفلسفة هي الحقيقة، فهذه الأخيرة يجب أن تستعمل بالاعتماد على الظروف الحقيقية لمجتمعاتنا وأنظمة الفكر التي تعبر عنها. إذ نجد أن التيار الفكري الرئيسي يعبر عن فينومنولوجيا هوسرل، لأنها تسمح لنا بمعرفة كل التيارات الفلسفية الأخرى السائدة في القرن العشرين.
بعبارة أخرى، الموقف الذي أخده أدورنو من فينومنولوجيا هوسرل، هو الموقف نفسه الذي أخذه النيوكانطيون من كانط. بمعنى آخر، كيف يمكن الخروج من نموذج فلسفي غير قادر على التجديد وفارغ معرفياً من منطلقه التأسيسي؟ وكما خضعت فلسفة كانط للنقد، فكذلك تحتاج فلسفة هوسرل إلى نقد النقد لتطوير الفلسفة في أفق يشكل معنى جديداً للواقع.
يعتبر أدورنو فلسفة هوسرل نموذجاً فكرياً حقيقياً يمكنه الاعتماد عليه في التأسيس لنقد الجدل. فهذه العملية تسمح له بتوظيف مفهوم النقد المحايث الخاص بهوسرل، في تحديد مفهوم الحقيقة من خلال اللاحقيقة.
فالجدل باعتباره نقداً محايثاً يفرض على الفينومنولوجيا تأكيد لاحقيقتها التي تحولت بالنقد إلى حقيقة وبالتالي إلى مفهوم.
تعرضت فينومنولوجيا هوسرل إلى نقد كبير، حيث تعرف تناقضاً كبيراً وليس كونية مجردة؛ وهكذا أصبحت الفينومنولوجيا هي المحرك لمفاهيم الجدل. فالمنطلقات الجدلية تسمح بالكشف عن الافتراضات المضمرة للفينومنولوجيا، باعتبارها تناقضات، والتأكيد على شمولية مبادئها. هذا يؤدي بنا إلى تحديد النقطة الأولى لأي تحليل لاحق. الفرق واضح بين المنهج الفينومنولوجي والمنهج الجدلي. وعلى أساس هذا الفرق المنهجي الفلسفي حدّد أدورنو عناصر مشروعه النقدي.
إذاً، حسب أدورنو، تعتبر فينومنوولوجيا هوسرل آخر تمظهر قوي لبديهية معرفية، قائمة على التحالف بين الفلسفة والرياضيات.
فالفلسفة تمثّل حالة النسق ككل باعتباره وحدة، في حين أن الرياضيات تقدم له مبادئ اختزال الأشياء إلى أقانيم. فالكائن في تمظهراته يصبح التعبير عن وحدة تجد سبب وجودها في مبدأ النظام العددي والاختزالي. والأعداد تسمح لكائن ما باختزال تعددية الكائن إلى وحدة للفكر. هذه الطريقة التي أسسها أفلاطون نجدها عند كل من ديكارت وهوسرل. أي نجدها في الفلسفات (التي لها أولوية المنهج) التي تزيل الفرق بين الموضوع والفكرة. على كل حال، نجد في الفينومنولوجيا معنى جديداً لأولوية المنهج، يختلف عن الفلسفات السابقة؛ ويملك صيرورة معرفية متجذرة في صيرورة اجتماعية ذات طابع هيمني.
التأسيس لأسبقية المنهج يتزامن مع تشكل النموذج الرأسمالي للقيادة والتحكم. بعبارة أخرى، قدمت الفينومنولوجيا التبرير العلمي للهيمنة الرأسمالية حسب أدورنو. ففلسفة هوسرل لم تكن سوى ترجمة أمينة لعلاقات الملكية المجسدة للاغتراب. لأنها تقيم حدوداً بين الأفكار باعتبارها تمثل ملكيات حقيقية. فالعالم يتم بناؤه فينومنولوجياً من خلال مخطط تلاؤمي، الأفكار في خدمة المنهج مادامت تخدم الكينونة في ذاتها. لا تحدد الفلسفة الأولى الحقيقة انطلاقاً من افتراضاتها المسبقة المضمرة دائماً، فهي مغلقة على نفسها ولا تنفتح إطلاقاً. فالمبدأ الذي يحرك فلسفة هوسرل، هو الانسجام بأي ثمن حتى لا تتعرض الأفكار لأي اضطراب. بهذه الطريقة تصبح فلسفة هوسرل لاتتضمن أية معرفة، بل أصبحت الذراع الفلسفي للهيمنة الرأسمالية. فالصيرورة الاجتماعية عوضت إلى حد ما بالفينومنولوجيا، وجدت كما هي بدون أن يحدث أي تعديل.
إن هدف أدورنو في مقاله ميتانقد هو قلب المنطلقات الفينومنولوجية، من جهة، لإبراز الدور الكبير الذي تلعبه في تأسيس العلوم الاجتماعية، ومن جهة أخرى، لإثبات الطابع المركزي والمحدد للعلاقات الاجتماعية في التأسيس لأية ممارسة فلسفية مثل الجدل. وعلى مستوى صعود الكائن الاجتماعي يتبين الفرق بين الجدل والفينومنولوجيا. إذا كان الأول ينطلق من منطلقات مادية في علاقات الإنتاج، فإن فلسفة هوسرل تستدمج في المنهج بصورة مجردة الشكل الصافي للتنظيم؛ غاضة الطرف عن المضمون الاجتماعي المقصي والمبعد.
انطلاقاً من هذه المقدمات الراديكالية، حاول أدورنو الكشف عن تناقضات فلسفة هوسرل من أجل الوصول إلى استكناه المنطق واستنطاقه؛ لأنه «إذا كان تفسير العالم قد تطور، فالآن يجب تغييره. ومادامت الفلسفة في استراحة، فإن المفاهيم ستتجمد وتتحول إلى صور. فالآن ليس وقت الفلسفة الأولى بل الأخيرة».
الهدف الأساسي من نقد أدورنو لهوسرل، هو إبراز العلاقة بين وضع المنطق ونظرية المعرفة والتأسيس للكائن الاجتماعي. ففلسفة هوسرل آخر محطة من محطات اختزال الفلسفة إلى علم، الذي بدأ مع كانط. وكل فلسفة تحتذي بالعلم، هي خاضعة لتقسيم العمل. بعبارة أخرى، تعمل الفلسفة على إعادة إنتاج المقولات الاجتماعية، لأن العلم يعتبر المعرفة الفكرية مجرد تأملات مجردة.
علاقات الإنتاج تقدم للعلم المواضيع ونماذج البحث، فهي تنشئ الحقول المعرفية وتضع الحدود بينها.
السوق هو من يقدم للعلم أدوات البحث والمعطيات، وبالتالي تمثل العلوم مجموعة من الوظائف الثابتة والمفكرة للتنظيم الرأسمالي للعمل. في هذا السياق لن تقوم الفلسفة بدور ما إلا من خلال ما هو مخطط لها من طرف التنظيم الاجتماعي. فكل من يخرج عن سيطرة السوق يعتبر غير علمي.
Page 10
إذاً، على عكس ما توخى هوسرل، أصبحت فلسفته نموذج الخضوع للعلم. فهي أصبحت تمثّل العلم الحقيقي للفكر، من خلال منهجيتها التي تمكننا من فهم العالم. فلسفته بحقيقتها الذاتية هي الضمان العلمي لتجربة منهجية. بعبارة أخرى، حاملة رؤية حول كلية الموجود آخذة بعين الاعتبار معرفة عالمية لما هو حقيقي. فهذه الانطلاقة التأسيسية تشبه، إلى حد ما، إقامة نموذج قوي ومتماسك للحقيقة، ومن خلاله يتضح التآلف القوي بين الفلسفة والعلم.
من خلال هذه الافتراضات المنهجية، حاول أدورنو توجيه سهام النقد للإطلاقية المنطقية لهوسرل، من أجل إبراز العلاقة الضيقة التي أقامها مع تشيؤ علاقات الإنتاج. أولاً، التصور الهوسرلي للمنطق يقوم على التراث المعرفي للعلوم، باعتباره جهاز مراقبة. ثانياً، إطلاقيته المنطقية هي انعكاس لفيتيشية العلوم. بعبارة أخرى، الفصل بين المنهج العلمي والتأسيس الاجتماعي للكائن. فمعطى الوعي الخاص الماقبلي للفينومنولوجيا هو محدد مسبقاً كهدف علمي، فهو لايحتاج إلى تبرير متعالٍ. لأنه مضمون في موضوعيته العالمية. لهذا السبب حاول أدورنو إثبات أن مشكل الفينومنولوجيا لا يكمن في التحقق من إمكانية العالم، بل كيف تتحقق هذه الإمكانية. فما يهم هوسرل ليس الإشهاد على حقيقة العالم بل علمية الحقيقة. وهذه الأخيرة هي ما يجب وصفها علمياً. فمهمة الفلسفة هي استيعاب عبر الإدراك القصدي للكائن في ذاته منطقياً والذي لا يختزل، والمؤسس على إطلاقيته. والمنطق أصبح افتراضاً أنطولوجياً معزولاً عن أية حركة قادرة على مده بقوة إنتاجية؛ فطابعه الشكلي هو النتيجة لتشيؤه.
بمعنى آخر، إن المنطق يتعامل مع مواضيعه بغض النظر عن محتواه وشكله، معتبراً إياها هويات خاصة متكافئة وغير قابلة للتبادل. حيث نتمسك فقط بالشكل. فالإطلاقية المنطقية هي النتيجة للتشيؤ المعدّ أثناء اللحظة التأسيسية للموضوعية.
فمنطق فلسفة هوسرل لايعتبر التقاطع الإنتاجي الذي حسب أدورنو هو أساس كل معرفة. والحقيقة الفلسفية يتم تحديدها انطلاقاً من الترابط المنهجي بين الذات والموضوع، بين حركة الموضوع المفتوحة والفعل المؤسس للحكم. ولا يمكن بأي حال عزل لحظات مؤسسة للحقيقة. لأن الحقيقة هي حقل قوى، والمنطق ليس هو الكائن في ذاته، بل هو جدلية بين الذات والموضوع. فالحكم الفلسفي لا يفارق التكون والتوتر المحايث لأي دينامكية حقيقية للحظات التأسيس. من هنا يؤكد أدورنو بأن التكوين بتضمنه المنطق لا يعني أن هناك نشاطاً بسيكولوجياً، فهو سلوك اجتماعي. في المنطق نجد دائماً الشروط الموضوعية للحقيقة الاجتماعية التي تتجاهلها الفينومنولوجيا بعدم إدماجها. هذا يعني، أن الكائن الاجتماعي تم تحويله حالاً إلى الحقيقة وموضوعيتها، تم تحويله إلى موضوعية فكرية. بإلغاء ثنائية الذات والموضوع تتخلى الفينومنولوجيا عن معرفة الحقيقة الاجتماعية. وتصبح في الأخير عبارة عن نسخ شبيهة محرومة من القوة والتوتر التأملي. من هنا يتم النظر إلى العالم بنظرة لامبالية وشكية، بدون اعتبار للأصل الاجتماعي والصراعي لأفعاله المعرفية. وبالتالي فمحتويات الوعي يتم قبولها كما هي معطاة من طرف النظام القائم. لكن أدورنو يؤكد أن الفكر يتطلب ذاتاً وتصوراً للذات. هذا يعني بأن المعرفة يجب أن تعتمد دائماً على اللحظة الإنتاجية والمحددة للذاتية، التي لا يمكن اختزالها من الأنا القصدي الفينومنولوجي إلى الأنا الهوياتي المتعالي، إلى نفسه، لكن على العكس، فهو حصيلة منتجة بين العرض التأملي والاختلاف غير القابل لاختزال الموضوع.
ليس هناك من حياد ومباشرية في ما يجري في العالم، فالتفكير في الموضوع، يعني أولاً تحديده ثم تحويله إلى صيغة أخرى. العمل المعرفي يغيّر من المعطيات التي تؤسس توسطاً جدلياً بين الموضوع المهيأ حالاً وتصوره للمفهوم. على عكس ما يجري في الفينومنولوجيا، حيث أخذ المنطق دور نظرية المعرفة. فإن الجدل الذي يقترحه أدورنو، يعتمد على الصيرورة التركيبية للتجربة؛ فالبنية السكونية للمنطق الهوسرلي، يكشف عن نقص الذاتية. فالأنا الفينومنولوجية هي ذات غير منتجة، وبسبب أنها معزولة عن التوسطات الحقيقية للكائن الاجتماعي وجمعنة علاقات الإنتاج. في حين أن الجدل يتناسب مع تناقضات اجتماعية في أفق تغييرها، أما الفينومنولوجيا فتقف أمامها بصورة حتمية ولا تكلف نفسها عناء التغيير.
فالعلاقات الاجتماعية لا تؤثر على المنهجية الفلسفية حسب هوسرل بل، بالعكس الفينومنولوجيا هي التي تثبت حالة الاستغلال الرأسمالي. النقد المركزي لأدورنو الموجه ضد هوسرل هو كالتالي:
اتجاه هوسرل نحو تشيؤ لما هو معطى مرتبط بتدمير.... في المجتمع البورجوازي المتقدم، وتعويضه بمفاهيم جوفاء خادمة لاتجاهه.
فقدان التجربة الحقيقية يتناسب مع القوة المتزايدة للإنسان الحديث. تمثل الفينومنولوجيا حسب أدورنو، آخر جهد فارغ للفكر البورجوازي، لتفادي هذه القوة المتزايدة نفسها. لكن هناك ما هو خطير. بديهية الهوية والمباشرية المطلقة، يمكن أن تؤدي إلى هيمنة سياسية لإيديولوجيا مطلقة. هناك خط مبهم بين الفينومنولوجيا والفاشية. لأنهما في النهاية تعبير واحد عن أزمة المجتمع الرأسمالي.
الطابع المنطقي والشكلي للفينومنولوجيا، هو آخر محاولة للفكر المعاصر لتقديم صورة متجانسة ومتداخلة عن العالم، لتنفيذ تصور عالمي للمعرفة. لكن هذا الأخير ليس غير قادر على إنتاج المعارف؛ لكنه يقدم لإيديولوجيات الهيمنة تبريراً فلسفياً. إذاً، ما هي الحجة المضادة للفينومنولوجيا، للخروج من هذا النموذج وتأسيس نموذج جديد يرتبط بالبراكسيس؟ كما ترون هذا ما طرحه أدورنو في مقاله ميتانقد. الجواب يكمن في جدل مادي. وبعبارة أخرى الجدل الذي يحدد محتوى التجربة في التوسط الإنتاجي بين الذات والكائن اجتماعياً. فقط التأمل الذاتي الاجتماعي للمعرفة يتناسب معها. «فنقد المجتمع هو نقد المعرفة والعكس صحيح». وفي الوقت نفسه «فمحتوى التجربة الشخصية لا يقام بمساعدة منهج التعميم المقارن، لكن بإذابة ما يمنع هذه التجربة من التخلي عن الموضوع بدون تحفظ. فالمفتاح الأساسي للذات في المعرفة هو التجربة وليس الشكل. فما سماه كانط بالتأليف هو ليس كذلك. فالمعرفة هي تهديم لتراثها القديم وتدمير للعنف الممارس على الموضوع. والذات تمزق الحجاب الذي يطوق الموضوع من خلال معرفته. فالذات لن تتمكن من فعل هذا مادامت تخلت، بطواعية وبدون إكراه، عن تجربتها الشخصية».
فأمام العمل الذي تقوم به الذات في وجودها الاجتماعي، يمكن تقديم معرفة فلسفية منتجة. فالهدف ليس الحالة السكونية لنظرية المعرفة، بل وضع الكائن في حركة جدلية لتأسيس محايث للعلاقات الاجتماعية. فهذا الفعل مقدور عليه من طرف الفعل المعرفي للذات الجدلية، التي تنفتح على مختلف تأليفاتها وتطوراتها لتشكيل حقل قوى، لايستهدف الهوية المجردة لثنائية الذات - الموضوع؛ لكن بالأحرى الإبداع الدائم للمفاهيم ولتقاطع اللامادي للخطابات مع الإنتاج الاجتماعي للمعرفة. إذا أمكن لنا تصور دولة خارج التصالح، لن نتمكن من رؤية لا الوحدة الاختلافية للذات والموضوع ولا الحجة المضادة الراديكالية. سنرى فقط لعبة الاختلافات. إذاً، فقط مفهوم التواصل باعتباره هدفاً يمكن أن يجد مكانه.
فالعلاقة بين الذات والموضوع، تأخذ مكانها الحقيقي حتى إبستمولوجياً في سلام حقيقي دائم بين الأفراد فيما بينهم وبين الآخرين أيضاً. السلام هو حالة الاختلاف بدون هيمنة، حيث يمكن للاختلاف أن يعبر عن نفسه.