الإهداء
إلى مَن ذَلَّلَتِ العقَباتِ بصبرِها الجميل، وبَدَّدَت الأزمات
بحنانِها الدافئ ومحبتها العميقة … إلى أمي الغالية …
أُهدي لها ثمرة كفاحها الطويل.
إلى الشمعتينِ اللتين أضاءتا درب حياتي…
أخوَيَّ أحـمد ونـوزاد.
إلى هؤلاء جميعاً … أُهدي أولى ثمرات جهدي المتواضع.
آزاد
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وعلى أتباعه الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين..
وبعد:
فلا تزال الدراسات الأندلسية بحاجة إلى كثير من جهود الباحثين للكشف عن صور هذه الحضارة الراقية وملامحها، فالأدب الأندلسي وما ظهر فيه من دراسات ما يزال مفتقراً إلى دراسات كثيرة تتصل بعصوره وأدبائه وشعرائه وأغراضه وفنونه.. إلخ.
لقد كانت دراسة الشعر الأندلسي هدفي الأول وأنا أحاول اختيار موضوعٍ ليكون عنواناً لدراستي في الماجستير، وقد عرضت عليَّ موضوعات في هذا الجانب حتى تم اختياري لموضوع (المجالس الشعرية في الأندلس من الفتح حتى سقوط الخلافة "92هـ ـ 422هـ")، بعد تقصي عدد كبير من المصادر والمراجع القديمة والحديثة حول الموضوع، وبعد مشاورة مع الأساتذة الأجلاء الذين أسهموا في توضيح صور هذا الموضوع.
وقد اقتضت طبيعة الدراسة وجوانبها تقسيم الكتاب على ثلاثة فصول تسبقها مقدمة وتمهيد، وتعقبها خاتمة.
أما (التمهيد)، فقد ضمّ جانبين هما:
الأول: تناولت فيه باختصار: العوامل المؤثرة في نشوء المجالس الأندلسية.
الثاني: قسمت فيه أنواع المجالس على نوعين: الأول: (الرسمية) والثاني: (غير الرسمية)، فضلاً عن أثر هذه المجالس في الشعر الأندلسي.
أما (الفصل الأول) فقد اشتمل على: أبرز موضوعات المجالس الشعرية من الناحية الموضوعية، وقد تناول أغراضاً وموضوعاتٍ هي: (المديح، والخمر، والطبيعة، والسخرية، والغزل، والوصف، ومجالس الغناء، والتهنئة، والنصح).
وأما (الفصل الثاني) فقد خصص لتتبع: النشاطات والعلاقات داخل المجالس الشعرية، فوقع تحت هذا العنوان ستة من الموضوعات الفرعية، تناولت في الموضوع الأول: (النقد في المجالس)، وخصصت الموضوع الثاني: (للمعارضات) التي جرت في المجالس، والموضوع الثالث: (الاختبار)، والرابع: (الإجازة)، وتناولت في الخامس: (العلاقات داخل المجالس الشعرية)، أما الموضوع السادس والأخير من هذا الفصل فقد تحدثت فيه عن: (دور المرأة في المجالس).
أما (الفصل الثالث): فقد أفردته (للدراسة الفنية)، وقد جاء في أربعة مباحث، هي:
المبحث الأول: (المستوى التركيبي)، إذ تكلمت فيه على أنواع البناء وأساليبه التي شاعت في موضوعاتها، مع ذكر الشواهد الشعرية.
المبحث الثاني: (المستوى الدلالي)، ويشمل: أولاً: (اللغة الشعرية) متحدثاً عن أهم الظواهر اللغوية التي ظهرت في أشعار المجالس.
ثانياً: (الصورة الشعرية)، وخصص لدراسة واقع الصورة الشعرية التي كونتها العناصر البلاغية من (تشبيه واستعارة وكناية).
المبحث الثالث: (الوزن والموسيقى)، إذ حاولت فيه إحصاء أهم الأوزان الشعرية التي مال إلى استخدامها الشعراء وبشكل تقريبي مع ذكر الشواهد الخاصة بالموسيقى الداخلية والخارجية.
ثم خاتمة، وقد ضمنتها أهم النتائج التي توصلت إليها من الكتاب، ومن ثم قائمة المصادر والمراجع.
لقد اعتمد الكتاب على المصادر الرئيسة التي حوت مادته الأولية، ومن هذه الكتب: نفح الطيب للمقري، وجذوة المقتبس للحميدي، وبغية الملتمس للضبي، والحلة السيراء لابن الأبار، وغيرها.
وجاءت الفائدة أيضاً من دواوين ومجاميع شعر الشعراء، كديوان ابن دراج، وديوان ابن شهيد، وشعر الرمادي، وغيرها من المصادر التي يمكن الاطلاع عليها في قائمة المصادر والمراجع.
وتجدر الإشارة إلى أن الكتاب قد اعتمد في عرضه للموضوعات والشواهد الشعرية على المنهج الوصفي التحليلي.
وأرى من المهم التنبيه والإشارة إلى أنني قد ترجمتُ في الكتاب لكثير من الشعراء والشخصيات الأندلسية المغمورة، وقد كلّفني ذلك كثيراً من الجهد والوقت.
وأخيراً، أحمد الله الذي أعانني ومكنني من إكمال الكتاب وسط ظروف عصيبة، ولا أدعي أنني قد ابتدعت جديداً أو جئت بالكمال، فإن الكمال لله وحده. وإن كان ثمة فضل يستوجب الشكر بعد فضل الله عز وجل ثم الوالدين فهو الفضل الذي أسبغه عليّ أستاذي الدكتور محمد شهاب العاني الذي قدم لي من وقته الثمين وعلمه وخبرته الكثير، وكان لدقته العلمية وتوجيهاته السديدة وملاحظاته القيمة أبلغ الأثر في هذا الكتاب، فجزاه الله عني خير الجزاء.
وأقول: هذا جهد الاستطاعة، ولعلي وفِّقت بعد إنجاز الكتاب في إضافة لبنة صالحة إلى جهود الباحثين في خدمة تراث هذه الأمة في حقبة من حقب تاريخها المجيد في فردوسها المفقود (الأندلس)، وآخر دعوانا أن الحمدُ لله رب العالمين.
التمهيد
العوامل المؤثرة
في نشوء المجالس الشعرية في الأندلس
أنواع المجالس وأثرها في الشعر
أولا: المجالس الرسمية
ثانياً: المجالس غير الرسمية
- العوامل المؤثرة في نشوء المجالس في الأندلس:
توافرت عوامل البناء الحضاري للثقافة العربية الإسلامية في الأندلس منذ دخول العرب إليها سنة (92هـ)، لكن هذا البناء قد تكوّن خلال مراحل طويلة وعلى يد شخصيات عدة.
فمن الناحية السياسية لم يستقر سلطان الأندلس في بدايتها، لتولي عدد من الولاة، وعدم توحد الأندلس بشكل كامل، وفي هذه الحقبة لم يكن هناك اهتمام بالثقافة والعمران أو أي مظهر من مظاهر الحضارة، لكن الأمر اختلف بقدوم عبد الرحمن الداخل (ت172هـ) الذي سعى جاهداً لتوحيد الأندلس تحت سلطانه، وتكوين دولة أموية جديدة في الأندلس، وقد نجح في مسعاه، ولم يكتفِ بهذا بل أخذ يهتم بإنشاء القصور والمدن، وقد بنى منية الرصافة في قرطبة([1]).
وكان هذا الحال من إنشاء المدن والاهتمام بمظاهر الحضارة شأن معظم من جاء بعده، فهذا عبد الرحمن الناصر (ت 350هـ) بنى الزهراء([2])، والحاجب المنصور بن أبي عامر (ت 392هـ) بنى الزاهرة([3]).
إن بناء هذه المدن والقصور إنما يدل على الاستقرار السياسي في الأندلس، واهتمام الأمراء والخلفاء في إنشاء حضارة تخلد ذكرهم وتقوي مركزهم بين القوى المحيطة بهم، والطامعة في أخذ ما بأيديهم.
ولهذا الاستقرار السياسي والتقدم العمراني أثر في ترف الحياة وازدهار الحالة الاقتصادية في البلاد، فالمعارك التي كانت تخوضها الجيوش الأندلسية، وتحصل على الغنائم بما فيها السبايا، تعد إحدى أسباب الترف والحياة الباذخة في الأندلس، ليس لحكامها وأمرائها فحسب، بل كانت لعامة الشعب أيضاً. فقد امتلأت قصورهم وبيوتهم بمختلف المظاهر التي أسهمت في التقدم الحضاري بين مختلف فئات المجتمع الأندلسي.
وقد امتدت يد العمارة والحضارة إلى المساجد، ومنها جامع قرطبة الذي بني وتوسع في مراحل مختلفة من تاريخ الأندلس([4]). وكذلك إنشاء الحدائق العامة والخاصة والاهتمام بمظاهر الطبيعة التي تميزت بها.
أما المجتمع الأندلسي وعبر عصوره فقد تميز بروح التسامح بين عناصره، فعاش المسلم إلى جانب النصراني وإلى جانب اليهودي، ولم تذكر المصادر إلا بعض الخلافات والحوادث، لكن الجو العام الذي غطى سماء الأندلس وأسهم في تقدمها الحضاري هو التمازج بين جميع أطياف المجتمع الأندلسي([5]).
وتمتعت المرأة في المجتمع الأندلسي بحرية أوسع من غيرها من المجتمعات الأخرى، فكانت تتعلم الأدب وتتفقه في الدين، وهذا ما أظهر قابلياتها في نواحٍ عدة من الحياة الثقافية. ولعل كثرة عدد الشاعرات الأندلسيات يعطي صورة عن المرأة في المجتمع الأندلسي([6]).
هذا في موضوع تقدُّمها السياسي والعمراني والاجتماعي، أما في موضوع تقدمها الثقافي فقد تأثر بكل ما ذكر سابقاً، فالاستقرار السياسي سبب رئيس في إنشاء أركان الثقافة، وما عرف عن الأمراء والخلفاء الذين حكموا الأندلس من حبهم للأدب ومشاركتهم فيه([7])، ((فلو زعم أحد أنه لم يقم أحد من أمراء الأندلس وخلفائها إلى آخر القرن الخامس إلا وهو جامع أسباب الأدب لكان حقيقاً في زعمه بالتصديق، ولولا أدبهم لما نفق الأدب عندهم ولا بلغ مبلغه ذلك))([8]). فهذا عبد الرحمن الناصر يستقبل أبا علي القالي (ت356هـ) استقبال الملوك([9]). وغيره من الأمراء والخلفاء من كان ينشئ المكتبات العامة والخاصة، إذ كان لهم دور فعال في تنمية الثقافة والتشجيع عليها. ومن أهم الأمور اقتناء الكتب وبخاصة المشرقية منها وإضافتها إلى المكتبات([10])، فقد عرف عن الحكم المستنصر (ت 366هـ) أنه ((كان محباً للعلوم مكرماً لأهلها جمّاعاً للكتب في أنواعها بما لم يجمعه أحد من الملوك قبله))([11]). وذُكر أن عدد الفهارس في مكتبته التي فيها تسمية الكتب فقط أربع وأربعون فهرسة، ((وقلما تجد له كتاباً كان في خزانته إلا وله فيه قراءة ونظر من أي فن كان من فنون العلم))([12]).
وهذا الاستقرار وتشجيع الحكام وتقديرهم لحاملي الثقافة، أوجد جواً علمياً ثقافياً، كان سبباً في بروز الروح القومية الأندلسية، وكثرة التأليف في مجالات الحضارة فظهرت كتب الأندلسيين تحمل تاريخهم وثقافتهم وسير رجالهم وحكامهم وما تميزت به الأندلس من علوم وفنون([13]).
ويذكر الدكتور أحمد هيكل مظاهر الحياة الثقافية في عصر الخلافة، بالمشاركة في أكثر فروع المعرفة، وشيوع الحرية الفكرية، وتشجيع العلماء، والإقبال على دراسة العلوم الفلسفية، والترجمة، وبروز الروح القومية الأندلسية([14]).
أما أثر كل ما تقدم في بروز ظاهرة المجالس في الأندلس فواضحة للعيان، إذ إن هذه المجالس لم تكن لتعقد لولا الاستقرار السياسي، واهتمام الحكام بالشعر والثقافة لأي سبب كان. وما كان منتشراً في الأندلس من بذخ وترف في الحياة ولا سيما في طبيعتها المميزة سبّب في نشوء المجالس بين أحضان هذه الطبيعة، وكان لعقد المجالس الغنائية والموسيقية الأثر البالغ في نمو ظاهرة المجالس الشعرية؛ فقد كان الشعراء يعنون عناية بالغة في حضور هذه المجالس. وقد أضاف المغني زرياب (ت 238هـ) إليها جواً آخر بما أضاف من مراسيم وملابس خاصة بالمغنين والموسيقيين([15]).
وكانت المجالس في الأندلس أثراً من آثار البيئة الأندلسية الناعمة؛ إذ تعد البيئة الأندلسية من أهم العوامل التي أثرت في الشعر، فعملت على إكثاره وترقيقه وتجويده([16])، وهو يدل بوضوح على رقي حياتهم وبيئتهم الاجتماعية، ففي هذه المجالس كانت شاعريتهم تتحدث عما يدور فيها([17]).
وكان بعض الحكام سبباً مباشراً في بروز هذه الظاهرة، فقد كان للحاجب المنصور ابن أبي عامر ((مجلس معروف في الأسبوع يجتمع فيه أهل العلوم للكلام فيها بحضرته ما كان مقيماً بقرطبة))([18]). وقبله كان عبد الرحمن الأوسط (ت 238هـ) له مجالس للغناء يحضرها زرياب مع جواريه([19]).
وقد أثرت هذه المجالس في الناحيتين الثقافية والحضارية في الأندلس؛ إذ كانت مسرحاً لقول الشعر والغناء والموسيقى، وهذه تدخل في صميم الحياة اليومية للمجتمع الأندلسي بمختلف طبقاته، ففي الطبقة الحاكمة نجد للمجالس أنواعاً مختلفة، فهذا مجلس شراب وهذا مجلس غناء، أو مجلس تهنئة … إلخ. وفي هذه المجالس كلها نجد للشعر مكان الصدارة في إعطائها الرونق الذي يجمّلها ويبعث الروح في أوصالها.
نستطيع أن نقول: إن المجالس كانت وسيلة مهمة من وسائل الترفيه والتسلية من ناحية، واهتمام بعض الحكام بالأدب والشعر بشكل عام من ناحية أخرى؛ لهذا نجد التشجيع والمشاركة من قِبَلِهم فيما يجري داخل أركان المجلس([20]).
وهناك نوع من التنظيم لندماء هذه المجالس وروادها، ولا سيما في مجالس المنصور ابن أبي عامر، إذ تسجَّل أسماؤهم في سجلات خاصة بهم كلٌّ حسب قدرته ومنزلته وترتيبه داخل المجلس، وقد أوكل المنصور بن أبي عامر مهمة هذا الديوان إلى ناقد وأديب هو عبد الله بن محمد بن مسلمة([21])، وكان على يديه تخرج صِلاتهم وترتيبهم في المجلس.
ويمكن القول: إن ((مجالس الأدب في الأندلس من أكبر مسارح الأفكار وأفخم مظاهر الجمال وأجمع أنواع الأدب واللهو، والجد والهزل، ومظهر الحياة العقلية والاجتماعية، والشعراء فرسان هذا الميدان، والكلام وحده آلة التعبير عن ذلك بأساليبه المختلفة البليغة. وكان الشعر نشوة الشارب وغناء الراقص ومؤدب النفوس وزاجرها … والشعراء كثيراً ما تحملهم هذه المجتمعات وما فيها على الارتجال والابتكار))([22]).
- أنواع المجالس وأثرها في الشعر:
يمكن تقسيم المجالس إلى نوعين:
أولاً: المجالس الرسمية:
وهي المجالس التي كانت تعقد في قصور الحكام والخلفاء بصورة منتظمة، ويدعى إليها كبار رجال الدولة، ولا سيما الندماء الذين كانوا ما بين أديب وشاعر. ومن هذه المجالس ما كان يعقده الحاجب المنصور بن أبي عامر في قصره بصفة أسبوعية؛ وذلك من أجل مقابلة الشعراء الوافدين الجدد واختيار المجيدين منهم لمجالسته، وقد كان المنصور صاحب المبادرة في إدارة هذه المجالس([23]).
فالخلفاء كانوا يتذوقون الشعر الجيد ويقدرون أثر الإشادة والمديح في تأييد هيبة الدولة والخلافة؛ لهذا نراهم يعطون المناصب والألقاب لكثير من الشعراء، وجعلهم من الندماء المقربين لهم.
وهذه المجالس التي كان يحضرها كبار رجال الدولة من وزراء وقادة وعلماء دين وغيرهم، يراعى فيها الذوق ونوعية الشعر الملقى، كما أن لها مناسبات عدة، منها: التهنئة بالعيد، أو الإشادة بشجاعة المسلمين وانتصاراتهم في المعارك، أو غيرها من الأمور التي تصب في اهتمام الدولة.
ومن الأمور الأدبية واللغوية التي كانت تجري في المجالس الرسمية (المساجلات والمناظرات)، وهي من أبرز مظاهر النشاط الأدبي والفكري في الأندلس عامة، وقرطبة خاصة، فصاحب المجلس يُجري الاختبارات ويقوم بتكليف بعض من في المجلس بسؤال الوافد الجديد ومناقشته؛ ليكشف عن صدق موهبته أو عدمه، كما جرى لصاعد البغدادي وابن دراج القسطلي في مجالس المنصور بن أبي عامر([24]).
ثانياً: المجالس غير الرسمية:
لم يقتصر الأمر في المجالس على الطابع الرسمي الذي كان يغمره الإعداد والتخطيط من أجل انتقاء شعراء الدولة والكشف عن مواهبهم وقدراتهم، وإنما تجاوز ذلك إلى مجالس اللهو والطرب والأُنس التي كان يعقدها الحكام في قصورهم، ولا سيما حينما يفرغ من مشاغل الدولة والحكم، ويميل إلى الدعة والفراغ والأنس.
ولعل نظرة شاملة في كتب الأدب والتراجم الأندلسية تعطينا صورة واضحة عن مبلغ اهتمام المجتمع الأندلسي بمثل هذه المجالس التي عملت على ازدهارها وشيوعها عوامل متعددة، منها: الحالة الاقتصادية وما كانت تنعم به قرطبة خاصة، والحريات التي تمتع بها الأندلسيون عامة، والطبقة الحاكمة خاصة([25]).
ويمكن أن يضاف إلى هذه العوامل عامل آخر، ربما كان ـ فيما يبدو ـ من أقوى العوامل التي أسهمت في شيوع هذه المجالس، ويتمثل في حب صاحب المجلس نفسهِ حياةَ اللهو والأنس، كالمنصور بن أبي عامر الذي كان في حياته الخاصة متحرراً يحب الشراب والرقص واللهو([26]).
وقد تميز شعر هذه المجالس بغلبة الارتجال عليه؛ لأنه كان يأتي للشعراء عفو الخاطر ووليد الساعة، وكثرة المقطوعات، واستخدام الألفاظ التي تروق لحاسة أو أكثر من الحواس([27]).
إن هذه المجالس لم تكن تعقد لغايات اللهو والشرب والأنس فحسب، وإنما كانت إلى جانب ذلك عاملاً من أبرز العوامل التي أسهمت في تنشيط الحركة الشعرية، ففي هذه المجالس كانت القرائح تتفتق لقول أجمل الأشعار، وأعطت لها أبواباً واسعة
للتخيل([28])، يقول بالنثيا: ((ولم تكن مجالسهم مجرد اجتماعات للشرب، وإنما اجتماعات أدبية شعرية كذلك، وكان المجلس ينقضي بين تقارض الشعر وارتجاله))([29]).
ومهما يكن من أمر هذه المجالس، فقد كشفت لنا عن حياة الطبقة الحاكمة في الأندلس، وعن حال المجتمع الأندلسي عامة؛ إذ كانت صورة صادقة عن حياتهم الخاصة، وميلهم إلى اللهو والترف حين يتاح لهم ذلك.
أما أثر هذه المجالس ـ بنوعيها ـ في الشعر، فإنها تركت آثاراً إيجابية متعددة أسهمت بطريق مباشر أو غير مباشر في تنشيط الحركة الأدبية والفكرية من ناحية، والشعرية من ناحية أخرى. فقد نجمت عن هذه المجالس روح المنافسة بين أعضائها؛ مما دفعهم إلى إبراز طاقاتهم الشعرية، مما أضفى المتعة الأدبية لهذه المجالس([30]).
وكانت تمد الشعراء بموضوعات جديدة، إذ تغنوا بوصفها وتصويرها، وما يدور فيها من أمور([31]). وقد أسهم موقف النقاد والمتنافسين في هذه المجالس في تنشيط الحركة الشعرية؛ إذ كان هؤلاء يجعلون الشاعر في هم وحذر؛ لكي يصقل موهبته ويعمل على تنميتها، فيقدم أجود أشعاره.
وقد شاعت في بعض أشعارهم ظاهرة المجون، فالشعراء أصبحوا يتغنون صراحة بمجونهم ومغامراتهم المكشوفة مع النساء، وقد ساعدهم على ذلك الحريات العامة التي تمتع بها الأندلسي آنذاك([32]).
وأخيراً، إن هذه المجالس وما كانت تتضمنه من أمور وأشعار صدرت عن صفوة رجال الأدب والشعر، وما كان يثار فيها من ألوان النشاط الأدبي والفكري، فقد أنتجت شعراً وأدباً وحكايات كان صاحب المجلس ينعم بها، ويقطف ثمارها، إذ غالباً ما كانت في مدحه والثناء عليه([33]).
موضوعات المجالس الشعرية
إنّ الحياة المترفة والطبيعة الجميلة للأندلس، كانت التربة الخصبة لبروز ظاهرة المجالس الشعرية، مع أنها لم تكن جديدة على الشعر العربي، ولا سيما في العصر الأموي متمثلة بالنقائض، إلا أنّ حكام الأندلس أضافوا إليها الكثير، وهم السبب الكبير في رفد هذه المجالس، فقد كان ((الشعر عندهم له حظ عظيم، وللشعراء من ملوكهم وجاهة، ولهم عليهم وظائف، والمجيدون منهم ينشدون في مجالس عظماء ملوكهم المختلفة))([34]).
ولم تكن المجالس التي يعقدها الحكام لمجرد التسلية أو الثقافة، بل كانت حاجة نفسية وعاطفية ماسة، تتطلبها حياة هذه الطبقة([35]).
وبرزت موضوعات شعرية عدة في هذه المجالس التي يعقدها الحكام والوزراء، إذ نجد للمديح النصيب الأوفر فيها.
فالشعر وسيلة من وسائل تسجيل المآثر وما تمتع به هؤلاء، لهذا نجد الشعراء في صراع مستمر داخل المجلس، للكشف عن مقدرتهم وموهبتهم وبروز مُجيديهم لنَيل المكانة والصدارة داخل المجلس. هذا بالنسبة إلى المجالس الرسمية، أما المجالس الخاصة أو غير الرسمية، فقد كان للطرب واللهو والأُنس النصيب الأوفر من شعر هذه المجالس، وسنأتي على تفصيلها لاحقاً.
1 ـ المديح:
كان لهذا الغرض نصيب كبير في بلاطات حكام الأندلس، وهو يمثل الكم الأكبر في شعر المجالس بل في الشعر الأندلسي عامة.
ولشعر المديح عدة مناسبات تختلف باختلاف نوع المجلس الذي يُعقد لأجله، فمنها (مجالس العيد)، فقد كان الشعراء يتوافدون إلى الخلفاء والأمراء بقصد مدحهم في هذه المناسبة.
فمن ذلك قول الشاعر محمد بن حسين الطبني([36]) (ت 394هـ) في مدح الحكم المستنصر (ت 366هـ) ويهنئه بعيد الأضحى:
[الكامل]
نظرَ الإلهُ إلى البريّةِ رحمةً
ملِكٌ أقامَ العدلَ في أيّامِهِ
لم يَجْرِ طيّبُ ذكرِهِ في مجلسٍ
ملأَ العبادَ سناؤُهُ وثناؤُهُ
لا يبتغي الساري دليلاً نحوَهُ
فاختارَ أفضلَها لها وتَخَيَّرا
سوقاً، فصارَ الحقُّ فيهِ متجرا
إلاّ حسبتَ به الهواء تعطَّرا
عدلاً فأكسدَ مسكَها والعنبرا
فالبدرُ من لألائهِ قد أسفرا([37])
وممن مدح الحكم المستنصر في هذه المناسبات الشاعر محمد بن شخيص([38]).
(ت ق 400هـ) الذي يقول:
[الطويل]
لقد حلَّ بأسُ اللهِ بالكرمِ الذي
فلو حلَّه غيلانُ نادى طلولهُ
وما حجر النسر المنيع بزعمِهِ
وقد علِمَ الإسلامُ ما أنتَ منفقٌ
جمعتَ بما فرَّقتَ شملَ جميعِنا
غَدا وهو في حزب الضلالِ بلاقعُ
(هلِ الأزمنُ اللائي مضينَ رواجعُ)
منيعٌ، وهل حصنٌ من اللهِ مانعُ
وفي نصر مَن تسعى وعمّن تدافعُ
فأنتَ بتفريقِ الذخائرِ جامعُ([39])