eKtab
EN ع
المكان في الشعر الأندلسي (من الفتح حتى سقوط الخلافة 92هـ -422هـ)
Read free sample

المكان في الشعر الأندلسي (من الفتح حتى سقوط الخلافة 92هـ -422هـ)

by محمد عبيد السبهاني

Page 1

بسم الله الرحمن الرحيم

(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21))

صدق الله العظيم

سورة الرحمن: 19-21

Page 2

المقدمة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فقد أصبحت دراسة بعض الظواهر الجزئية التي تهتم بالنص الشعري من وجهة معينة فلسفية مثيولوجية وأسطورية. شائعة وكثيرة في عصرنا الحاضر وعل أهم هذه الجزئيات التي صوبت الأنظار حولها من قبل الباحثين هي مسائل الزمن ودلالاته، والمكان وأنماطه، والأثر الحضري وبعض المظاهر الأسلوبية التي تقوم على أساس استنطاق النص بلا عودة إلى مؤلفه وظروفه كالتناص والسيميائية وما هو معلوم من بين تلك الجزئيات. فالتناص يهتم بعلاقة النص الذي هو بصدد الدراسة مع المرجعيات الأخرى التي شكلته، كالدينية والأدبية والتاريخية. والسيميائية هي نظام العلاقة التي تتحد كجزئية مع غيرها من البنى التركيبية والدلالية والصوتية لتشكيل النص الأدبي (الشعري وغيره).

ولما كنت بصدد عن موضوع لدراستي وجهت عنايتي نحو إحدى هذه الجزئيات فكان الوقوع على الظاهرة المكانية لعدة أسباب لعل أهمها:

1- إن هذا الموضوع لم يدرس في الشعر الأندلسي في الحقب التي اخترتها (من الفتح حتى سقوط الخلافة) ولا يخفى على الكثير أهمية هذا، بسبب كثرة الدراسات التي تتعلق به من جهة، ولعدم وجود ما يميز هذه الدراسات من النواحي العملية والفكرية من جهة أخرى. فالكثير منها متداخل مع بعضها، والكثير منها أصبحت أسماء معروفة لا تحتاج إلى تأويل، وباتت نتائجها متواضعة بالموازنة مع ما وصلت إليه الدراسات النقدية الحديثة.

2- أهمية الأندلس – كمكان – قبل كل شيء على الشاعر ونتاجه وهذا ما لا يختلف عليه اثنان في مكان جميل حباها الله بوافر من الصفات جعلته جنة في نظر أهله وساكنيه، وهذا ما يدفع الكاتب نحو نتائج موضوعية مطمئنة.

3- ما يشكله المكان من أهمية بارزة ومؤثرة في بنية النص الشعري. وتعود تلك الأهمية لدلالاته الكثيرة تبعا لكثرة أنماطه وأنساقه وهذا ما يجعل النص الشعري الأندلسي مفتوحا أمام الكتاب لتوضيح تلك الدلالات. والوقوع على هاتيك الأنماط والأنساق.

فضلا عن أهمية هذه من حيث النواحي الفنية والتركيبية والصوتية في النص الشعري الأندلسي، وهي أشياء مهمة تجذب الباحث نحوها، ولعل ما وجدناه سيكشف بصدق ووعي عن هذه الأهمية.

وأما عن منهجية فكانت في تمهيد وثلاثة فصول وخاتمة.

Page 3

فالتمهيد تضمن الحديث عن المكان بمعناه اللغوي ثم بمعناه الفلسفي بشكل مختصر وبسيط يمهد للوصول إلى مضمون الرسالة، ثم الجزء الآخر من التمهيد فكان عن المكان في النص الأدبي عبر العصور من الجاهلية حتى العصر العباسي، فهذه العصور شهدت تطورا في الأمكنة، وشهدت عدة شعراء نظروا إلى المكان كلا حسب فكره ومشاعره وأحداثه، فضلا عن أهمية المكان والغرض الشعري ودلالات هذا المكان وهذا أمر من شأنه أن يمد فصول الدراسة بما هو نافع ومفيد كما أنها تيسر عمل الموازنة بين النصوص التي استقيناها من هذه العصور، وبين ما سنحلله ونقف عنده من نصوص شعرية أندلسية.

تضمن الفصل الأول فاعلية المكان في الغرض الشعري، فهذه الفاعلية جديرة بالاهتمام فقد تشكل المكان مع غرض الغزل والمديح والرثاء والفخر، وقد ربط البحث من خلال المكان بين النص الشعري وبين الشخص الممدوح وهكذا مع مقدمات القصائد الغزلية وقصائد الرثاء والوصف، وكل هذه الارتباطات لها عناية فائقة بالمكان، أو بأحد أنماطه أو مدلولاته.

وأما الفصل الثاني فقد تناول موقف الشاعر الأندلسي من المكان، حيث إن للمكان وطأته وإرهاصاته التي لا تخفى على الكثيرين، وبالتالي فهي غير خافية على الشاعر الحاذق ما أحس اغترابا أو ألفة أو عداء. فكان هذا الفصل يحوي مباحث ثلاثة هي المكان المحبب (الأليف)، والمكان المرفوض (المعادي)، والغربة المكانية والحنين، إذ رأيت أنها تنبثق من نصوص الشاعر الأندلسي التي وضع الباحث يده عليها والتي شكلت مادة جيدة في استنطاق الظاهرة المكانية، وتبين أهميتها، وتكشف مدلولاتها.

في حين جاء الفصل الثالث ليحتضن الدراسة الفنية وليحوي كل تلك المناحي التركيبية والصوتية التي تكلمنا عنها في التمهيد، وليبرز أثر المكان على النص الشعري الأندلسي من الناحية الفنية، كما نعتقد أننا برزنا أهميته في النواحي الموضوعية، واشتمل الفصل على المباحث الآتية:

المبحث الأول: المكان واللغة الشعرية وفيه تم الحديث عن المكان ودوره في تشكيل النص الشعري منطلقين من حيثيات أن المكان بنية حية متحركة وجزء أساس من بنية العمل الفني.

أما المبحث الثاني فقد ضم الحديث عن المكان والصورة وشمل الحديث عن ماهية الصورة المكانية ووسائل تشكيلها من خلال أساليب البيان، وكان الحديث مهتما بإبراز الجوانب الفنية للنص الشعري الأندلسي الذي يوثق الظاهرة المكانية، وعم الاهتمام بهذه الجوانب الفنية أكثر من النظر العلمي، أو البحث في زوايا فكرية لا تهم البحث بل تساعد على إطالته بلا جدوى أو فائدة.

وانصبت دراسة الكاتب في المبحث الثالث على الظواهر الصوتية استكمالا للجوانب الفنية للفصل والدراسة، وقد وقف الباحث على الإيقاع الخارجي والمتمثل بالوزن والقافية، والإيقاع الداخلي والمتمثل بالتكرار والجناس والترصيع والتضاد، فكلما وثقت الظاهرة المكانية وبينت أثرها، كلما تركت إيقاعا مؤنسا للشاعر الأندلسي الذي استخدمها استخداما واعيا وجديا.

أما الخاتمة فكانت خلاصة ما أفرزه من نتائج. ومن ثم لا بد من الإشارة إلى المصادر التي استقى منها مادته العلمية والفكرية فهي كثيرة ومتنوعة يمكن إدراجها تحت الشعب الآتية:

الأولى: الدواوين والمجموعات الشعرية وهي كثيرة منها ديوان الغزال (ت:250هـ) وديوان ابن عبد ربه (ت:328هـ) وديوان ابن هانئ (ت:362هـ) ... الخ.

والثانية: الطبقات وكتب التراجم ومنها جذوة المقتبس للحميدي، وبغية الملتمس للضبي، والذخيرة لابن بسام ونفح الطيب للمقري .... وغيرها.

ثم الرسائل والأطاريح الجامعية، ففيها الكثير من الطروحات النقدية والعلمية ولا سيما تلك التي تختص بموضوعنا – المكان – فقد كان لها فضل السبق فيما تضمنته من معلومات وتوصلت إليها من نتائج فضلا عن البحوث والمقالات ففيها الشعر المجموع، وفيه الدراسة الفنية المبسطة، ومنها النظرة الموضوعية الدقيقة.

وبعد: فأرجو أن يكون هذا الجهد مقبولا ومحمودا ولا يسعني في نهاية هذه المقدمة إلا أن أوجه الشكر الجزيل، والامتنان الكبير لأستاذي ومشرفي د. محمد شهاب العاني، لما أولاني من رعاية كريمة، وعناية عظيمة سهلت مسيرة البحث ووصوله نحو الخير والصواب، فجزاه الله عني وعن أهل العلم خير الجزاء.

ولي في ملاحظات أساتذتي أعضاء لجنة المناقشة وتصويباتهم ما يقوم هذا الكتاب ويوصله إلى بر الأمان خاليا من الهنات والسقطات، فأرجو من الله – سبحانه – أن يشملهم بعنايته الربانية ورحمته التي وسعت كل شيء، والله أسأل أن يلهمني السداد في القول والعمل، إنه سميع الدعاء.

Page 4

التمهيد

(1) المعنى اللغوي للمكان.

وردت لفظة المكان في المعاجم اللغوية بمعان ودلالات متقاربة فيها إشارات واضحة وصريحة بأن المكان هو الموضع([1])، وهو ((مكان الإنسان وغيره ولفلان مكانه عند السلطان أي منزلة ورجل مكين من قوم مكناء))([2]) والجمع أمكنة كقذال وأقذلة، وأماكن جمع الجمع([3]).

وعل ورود هذه اللفظة في المعاجم اللغوية هي التي أشارت إليها آيات القرآن الكريم وفقا لسياق التعبير القرآني([4]) فجاءت بمعنى الموضع أو المستقر، ومنها قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) ([5]). أي اتخاذها مكانا نحو الشرق، وقال تعالى:(وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ)([6]) وجاءت هذه اللفظة مجازا بمعنى المنزلة ([7]) في عدة آيات من كتاب الله، منها قوله تعالى: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) ([8]) وقوله تعـــالى:(قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) ([9]) أي استعبده مكانه بدلا منه ([10]).

أما عن مرادفات هذه اللفظة فقد اتخذ بعض العرب عدة مرادفات للدلالة على المكان ومنها الملاء، والحيز، والموضع، والخلاء، والأين، والمحل، إلا أن المعاجم اللغوية لم تتناول هذه المفردات إلا من جانب اللغة واشتقاقاتها ([11]).

(2) المعنى الفلسفي للمكان.

تناول الفكر الإنساني الظاهرة المكانية قديما وحديثا وأدرك الإنسان أثر المكان في حياته، ودوره الفاعل في رسم العلاقة بينه وبين العالم المحيط به.

فعند القدماء تجسد المكان واتخذ طابعا مثيولوجيا ([12]) ((ينقسم إلى ثلاثة عوالم رئيسية، الماء، الأرض، والعالم السفلي، وهي مأهولة بالآلهة والبشر والأموات على التوالي)) ([13]) وأخذت هذه الرؤية تتطور مع تطور الفكر البشري من خلال التعامل القائم بين الإنسان والظروف والأحداث التي تنتاب ذلك العالم.

في حين أن بواكير معرفة هذا المصطلح كانت عند أفلاطون (427 – 347 ق.م) إذ عده الحاوي للأشياء ([14]) وأخذ بعدا أكبر في جعله ((ما يحوي ذلك الشيء، ويميزه ويجده ويفصله عن باقي الأشياء)) ([15]) وجاء أرسطو ليرى بأن لكل جسم مكانا خاصا يشغله ([16])، وعرفه بأنه ((نهاية الجسم المحيط)) ([17]) وعند أقليدس (300-246 ق.م) هو ثلاثي الأبعاد (الطول، العرض، العمق) ([18]).

أما في الفلسفة العربية فقد أشار الكندي (185-252هـ) إلى أن المكان موجود ولا يمكن إنكاره ([19]). وعرف المكان بأنه ((التقاء أفقي المحيط والمحاط به)) ([20]) وسار الفارابي (275-339هـ) على منوال الكندي مؤكدا أن المكان موجود بيّن، ولا يمكن إنكاره إذ لا يمكن أن يوجد جسم من دون مكان خاص به ([21]). وذهب ابن الهيثم (354هـ–430هـ) مؤكدا ((أقوال من قال: إن المكان هو الأبعاد)) ([22]).

وفيما يخص الدراسات الحديثة فقد جاءت على رأسها دراسة جاستون باشلار في كتابة جماليات المكان، ومجمل رؤياه في هذا الكتاب أن الإنسان دون المكان – لا سيما البيت – يصبح كائنا مفتتا لا استقرار له ([23]).

وبعد هذه النبذة في عالم الفلسفة نجد أن المكان قد اتضحت معالمه ووجوده ولا يمكن إنكاره، وهذا الخلاف في مفهوم المكان – فلسفيا – عائد إلى تعدد الدراسات الفلسفية وكثرة مناهجها وأقسامها ومن ثم تعدد مفهوم المكان راجع إلى يثيره المكان كلا حسب منهجه.

Page 5

(3) المكان عبر العصور الأدبية.

عرف الإنسان العربي بحبه للأرض وارتباطه بها وحنينه لكل مكان تركه، وهذه السمة نلمس آثارها لدى الشاعر العربي بشكل كبير، فجاءت أهمية المكان لكونه ((حقيقة معاشه، يؤثر في البشر بنفس القدر الذي يؤثرون فيه))([24]).

وفي شعرنا العربي نجد هذا الارتباط بالمكان منذ عصر ما قبل الإسلام ([*]) فكان الوقوف على الأطلال سمة بارزة لدى الشاعر الجاهلي وعنصرا لا غنى عنه بل ((هو جزء من كيان عضوي كلي يخضع لمطلقات القصيدة الكلية ولبنيتها))([25]) وجاءت أهمية المكان في هذا الشعر من هذه الظاهرة وأصبحت مستهلا وباعثا من بواعث أصالة القصيدة العربية، بل وبنية من أبنيتها التي عدت أساسا لتركيب القصيدة العربية للعصور التي تلت هذا العصر.

وكانت هذه الأماكن قد شكلت مجموعة مثيرات دعت إلى إثارة العواطف وتصوير انقلاب الحال والعودة إلى الماضي الضائع وإثارة الإحساس بعنف تجربة الحرمان من الاستقرار([26]). فنجد الشاعر باكيا الذكريات الخالية بمرارة وألم تارة، واصفا تلك الأماكن الدارسة تارة أخرى وكلا الأمرين يعكس لنا الاضطراب النفسي والأيديولوجي لدى الشاعر العربي. فهذا امرؤ القيس استوقفته الديار فحن إليها وبكى عليها حين قال في معلقته الخالدة:

بسقط اللوى بين الدخول فحومل
لما نسجتها من جنوب وشمأل ([27])

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها

فجدلية الارتباط بين الذات والمكان هي ما تقوم عليه هذه المقدمة فهما متداخلان في نسق سياقي واحد، وشكل وقوفه على تلك الأماكن عودة إلى الماضي، وإلى أيام الصبا فكانت هذه الأماكن باعثا لذكرى تلك الأيام وذلك الملك الضائع، فالمكان هنا المنفذ الوحيد للشاعر للهرب نحو كل ما هو جميل، والمثير الذي يولد كل هذه الاحساسات بل ويوثقها ويكسبها صدقا في العاطفة وعظمة في المشاعر ودقة في التعبير.

واتخذ عنترة بن شداد العبسي من المكان أيضا منفذا عاطفيا يلج من خلاله إلى وصف المحبوبة جاعلا منه بؤرة الحدث، ومركز الحديث فهو القائل:

طوع العناق لذيذة المتبسم ([28])

دار لآنسة غضيض طرفها

ومثلما هو منفذ عاطفي ووجداني للشاعر فهو دافع للغربة، وإثارة مشاعر الشوق، وعواطف الحنين إلى ديار الأهل والأحبة، يقول عنترة:

أقوى وأقفى بعد أم الهيثم
عسرا على طلابك ابنة مخرم
بعنيزتين وأهلنا بالغيلم ([29])

حييب من طلل تقادم عهده
شطت مزار العاشقين فأصبحت
كيف المزار وقد تربع أهلها

فهنا غربة مكانية قاسية ألمت بالشاعر وتركته في أحضان الشوق والحنين وهذا الحنين مرتبط بالمحبوبة، وشكل المكان باعث من بواعث الغزل والحنين، لأن المكان تتمحور دلالته وتبنى وظيفته في الشعر من خلال الأشخاص (المرأة، الممدوح، المرثي) كما ترتبط دلالته ووظيفته بالأحداث وتغيرها.

وقد ضمن الشاعر زهير بن أبي سلمى المكان كل معاني الألفة والحياة ورأى فيه الأنيس الوحيد بعد غياب الحبيب فهو القائل:

بلى وغيرها الأرواح والأيم
بالدار لو كلمت ذا حاجة صمم
كالوحي ليس بها من أهلها إرم ([30])

قف بالديار التي لم يعفها القدم
لا الدار غيرها بعد الأنيس ولا
دار لأسماء بالعمرين ماثلة

فالشاعر استوحى ألفته من الدار بعد غياب الحبيب وأصبحت أنيسه الوحيد.

وعكس المكان عند الشاعر الجاهلي صعوبات الحياة التي عاشها وقسوة الظروف الطبيعية التي عرفها، فكانت حياته حافلة بالمخاطر والصعاب ما لبث أن دونها في شعره، وأبان عن تجربته المعاشة بتجربته الشعرية فهذا لبيد بن ربيعة العامري يقول:

فما يحس به عين ولا أثر ([31])

وأقطع الخرق قد بادت معالمه

فهو يسير في مكان مجهول المعالم، مشتت ضائع، والذات تبحث عن نفسها وعن وجودها في هذا الوسط المكاني دون جدوى، لا تدري ولا تعرف إلى أين ؟ وكيف 000 ولماذا ؟ ويبقى المكان المثير لهذه المشاعر.

ونجد أن المكان قد جسد مظاهر العدائية فتذمر الشعراء وأخذوا يصرفون العنان إلى أماكن أخرى فهذا قيس بن الخطيم يقول:

يكون بها الفتى إلا عناء ([32])

وما بعض الإقامة في ديار

وتثير الأطلال والأحزان والآلام لدى الشاعر وتمد الشاعر بخزين ((مثقل بالذكريات، وفيه دائما صلة تشد الشاعر إلى ماضي حبيب إليه)) ([33]) فهذا النابغة يرى في دار الحبيبة بعد أن أقوت وأضحت خالية من الأنس أحس بالتمزق والضياع والوحشة فذهب قائلا:

أقوت وطال عليها سالف الأبد
عيت جوابا وما بالربع من أحد ([34])

يا دار مية بالعلياء فالسند
وقفت فيها أصيلا كي أسائلها

وفي تجربة الصعاليك نجد للمكان بعدا آخر، فالمكان (الصحراء) بالنسبة لهم دار إقامة، فكان له الأثر السلبي والإيجابي في الوقت نفسه على حياة هؤلاء الصعاليك، أما الجانب السلبي فتمثل بالنظرة العدائية للمجتمع بعد أن عانوا من الظلم والاضطهاد والتشرد من قبل قبائلهم والتي ألقت بهم في غيابات الصحراء المترامية الأطراف، والجانب الإيجابي تمثل في كون هذا المكان – الصحراء – قد خلق منهم رجالا أقوياء يمتازون بالشجاعة والصبر، لأن حياة الصحراء ((تربي في نفوس أبنائها صفات الشجاعة والجرأة والكبرياء العنيدة، كبرياء الرجال الأحرار)) ([35]) فهذا تأبط شرا يألف المكان وما فيه من الوحوش حين قال:

ويصبح لا يحمي لها الدهر مرتعا
فلو صافحت أنسا لصافحنه معا ([36])

يبيت بمغنى الوحش حتى ألفنه
رأين فتى لا صيد وحش يهمه

أما الشنفرى فهو الآخر يصرخ صرخة تحد في مواجهة الصعاب حتى يجعل من وحوش الصحراء أهلا له فهو القائل:

فإني إلى أهل سواكم لأميل
وأرقط زهلول وعرفاء جيال
لديهم ولا الجاني بما جر يخدل ([37])

أقيموا بني أمي صدور مطيكم
ولي دونكم أهلون سيد عملس
هم الأهل لا مستودع السر ذائع

خلاصة القول أن المكان كان باعثا من بواعث قول الشعر وجسد دلالات مختلفة لدى الشاعر الجاهلي فمثل الألفة والعدائية والغربة والحنين أما الغرض الشعري فكان مقترنا به فلا تذكر الأطلال إلا وتذكر المرأة وكأنهما شيئان متلازمان أحدهما مكمل للآخر.

أما في عصر صدر الإسلام فقد كان ظهور الإسلام حدثا كبيرا في حياة العرب، ولا بد لهذا الحدث أن يؤثر بالشعر لكونه لسان حال الأمة في تلك الحقبة، ومن مظاهر هذا التأثير هو اختلاف رؤية الشاعر تجاه المكان، فأصبحت رؤية مشحونة بتيار إسلامي وأخذ الشاعر يلهج في ذكر الأماكن المقدسة بعيدا عن أماكن اللهو والغزل والمجون وربما كان ذلك مرده إلى ((تواري الشعراء خجلا وآثر الانزواء حياء أمام دوي الدعوة الجديدة، وحيال سلاسة أسلوب كتابها العزيز)) ([38]) وأصبح الأمر مختلفا تماما بعد مجيء الإسلام ((وصار الذي يقول الشعر أو يخطب في المجامع أو يتحدث في المجالس لا ينطق إلا بحذق ولا يقول إلا بميزان فلا يتلفظ بهجر مزر أو أدب معيب أو كلام هزيل أو بيان مرذول)) ([39]) وصدى هذا الحدث واضح في أشعار حسان بن ثابت رضي الله عنه حين قال:

منير وقد تعفو الرسوم وتهمد
بها منبر الهادي الذي كان يصعد
وربع له فيه مصلى ومسجد
من الله نور يستضاء ويوقد
أتاها البلى فآلاء منها تجدد
وقبرا به واراه في التراب ملحد ([40])

بطيبة رسم للرسول ومعهد
ولا تنمحي الآيات من دار حرمة
وواضح آيات وباقي معالم
بها حجرات كان ينزل وسطها
معالم لم تطمس على العهد أيها
عرفت بها رسم الرسول وعهده

فهنا يقف الشاعر على هذه الأمكنة المقدسة، إنها ليست آثار الجاهلية وأطلال الحبيبة، بل هي ديار الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، فيذكر (طيبة مدينة الرسول) ويبكي الآثار ولكن شتان ما بين البكائين – بكاء الجاهلية والإسلام – وآثار هذا المكان بعيدة كل البعد عن آثار الجاهلية فهي ليست أماكن للحبيبة أو آثار الأهل الراحلين عنها بل هي آثار وأماكن واضحة المعالم شاخصة لا تغيرها صروف الزمان إنها شعلة النبوة وآثار المسجد التي تتوهج كلما مر عليها الزمان، وتلا فيها المسلمون آيات الذكر الحكيم، إنها أماكن الرسول تضيء نورا في الأذهان وفي القلوب فرسومها باقية وآثارها متجددة في كل وقت وحين.

ويأتي المكان في شعر الحطيئة، ليعبر عن معاناة قاسية عاشها في السجن وكان ذلك أيام الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن هجا الزبرقان بن بدر، فترك ذلك المكان أثرا سيئا في نفسه، وما من سبيل إلا أن يرسل أبياتا شعرية يستعطف فيها الخليفة، ويذكر بها حاله وحال أولاده ويلجأ أيضا إلى وصف للمكان بأنه قعر مظلم:

زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
فاغفر عليك سلام الله يا عمر
ألقت إليك مقاليد النهى البشر ([41])

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ
غيبت كاسبهم في قعر مظلمة
أنت الأمين الذي من بعد صاحبه

فنلاحظ الوصف المأساوي للسجن والذي انعكست آثاره على نفسيته وحاول جاهدا إظهار هذه المأساة من خلال وصفه، وليجد فيه منفذا للخروج من هذا المأزق.

Page 6

أما في العصر الأموي فلم يكن أثر المكان أقل شأنا في الشعر من العصور التي قبله فهذا مالك بن الريب أضناه البعد عن الأهل والأحبة وعصفت به رياح الغربة فذهب قائلا:

بجنب الغضا أزجى القلاص النواجيا
وليت الغضا ماشى الركاب لياليا
مزار ولكن الغضا ليس دانيا ([42])

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
فليت الغضا لم يقطع الركب عرضه
لقد كان في أهل الغضا لو دنا الغضا

فهو متشوق لديار أهله وأحبته ويتمنى لو أنه يستطيع أن يأوي إليها، ويبيت فيها ولو ليلة واحدة، يسوق الإبل شأنه شأن فتيان قبيلته ويلجأ إلى تكرار اسم المكان (الغضا) محاولا إظهار لوعة الشوق والحنين إليه.

والعربي تميز بحبه لأماكن البادية (الصحراء وما فيها) ويشعر بها بحرية ((ويجد نفسه في الصحراء، كما يجدها في ربوع الماء والزرع، ووجوده هنا لا يتحقق بسبيل العيش والتجارة، بل في تأكيد الذات إزاء المحيط الواسع المتناهي)) ([43]).

وسر العلاقة ((بين الإنسان والمكان – من هذا المنحى – تظهر بوصفها علاقة جدلية بين المكان والحرية)) ([44]) وتصبح العلاقة بينهما – الإنسان والمكان – قائمة على الألفة، وهذا ما وجدناه لدى ميسون بنت بحدل الكلبية ([45]) زوجة معاوية حين ضاقت بها الدنيا عندما نقلها زوجها من البادية إلى الشام، واتخذت من القصور الفخمة منزلا لها بعد الصحراء، ولكن ما أن لبثت حتى أطلقت زفرات الحنين والأنين إلى المكان الذي نشأت فيه فقالت:

أحب إلي من قصر منيف
أحب إلي من نقر الدفوف
إلى نفسي من العيش الظريف ([46])

لبيت تخفق الأرواح فيه
ولبس عباءة وتقر عيني
خشونة عيشتي في البدو أشهى

فهي تألف البادية وتنفر من القصور ونعيمها وتحن إلى صعوبة عيشها في ذلك المكان وتفضله على عيش القصور والترف الذي فيها.

وتنعكس آثار المكان سلبا أو إيجابا على الشاعر، فألفة المكان وعدوانيته تتحقق بما يتركه من أثر في النفس([47]). والسجن هو أكثر الأماكن عدائية، لأسباب معروفة، فهذا عبد الله بن عمر العرجي أحس بالضياع والحرمان من الحرية بعد أن زج به في السجن على يد محمد بن هشام ([48])، وأثار المكان رهبته واضحة على نفسية الشاعر فذهب قائلا:

ليوم كريهة وسداد ثغر
وقد شرعت أسنتها بنحري
فيا لله مظلمتي وصبري
ولم تك نسبتي في آل عمرو ([49])

أضاعوني وأي فتى أضاعوا
وصبر عند معترك المنايا
أجرر في الجوامع كل يوم
كأني لم أكن فيهم وسيطا

إنه الإحساس بالضياع وتقلب الزمان به، وضيق المكان ووحشته جعله يفخر بنفسه حتى يتخلص مما هو فيه من حرمان وشدة وضنك وتقييد للحرية.

وإذا ما عدنا لشعر مالك بن الريب فسوف نجده يحدثنا عن تجربة السجن أيضا وما قاساه فيه، فهو القائل:

بمكة في سجن يعنيه راقبه ([50])

أتلحق بالريب الرفاق ومالك

فقوله: (في سجن يعنيه راقبه) يعبر بصدق عن معاناة الشاعر من حارس السجن الذي سقاه سوء العذاب.

ويبقى السجن مكانا للرهبة والخوف لدى الشاعر الأموي فهذا الفرزدق يقول:

يخشى علي شديد الهول مرهوب ([51])

في محبس يتردى فيه ذو ريب

فالرهبة والخوف والظلمة كلها من مكونات هذا المكان الذي ألم بنفسية الشاعر وعصف به في مهاوي الخوف والحزن.

أما ألفة المكان فهي متأتية من ألفة ساكنيه، وهذا ما نجده واضح المعالم لدى شاعر الغزل العذري جميل بثينة حيث قال:

إلى اليوم ينمي حبها ويزيد
لها بالتلاع القاويات وئيد
بوادي القرى إني إذن لسعيد
وقد تطلب الحاجات وهي بعيد ([52])

علقت الهوى منها وليدا فلم يزل
يذكر فيها كل ريح مريضة
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
وقد تلتقي الأهواء من بعد ياسة

فالرياح الهادئة تذكره ببثينة فيزداد شوقا إليها ويتمنى أن تعود أيام الوصل واللقاء معها، كما يتمنى العيش ولو ليلة واحدة في وادي القرى مربع الأهل والأحبة، ويتودد إلى ذلك المكان الذي شهد أيام طفولتها وأيام الوصل بينهما.

وقد يصد الشاعر عن المكان الذي ألفه (مكان الحبيبة) ويلجأ إلى الأماكن المجاورة لها، ليجد في هذا الصدود ما يثير في نفسه آلاما وجدانية مبرحة ([53])، ومثل هذا نجده في قول كثير عزة:

وأقعد والممشى إليك قريب
وأكثر هجر البيت وهو جنيب ([54])

وإني ليثنيني الحياء فأنثني
وآتي بيوتا حولكم لا أحبها

فهو مرغم على أن يأتي المكان الذي لا يحبه، بسبب قاطني المكان – الحبيبة – التي تجعل منه إنسانا ملتصقا بذلك المكان، لشدة تأثير الحب في نفسيته والذي جعل منه إنسانا آخر ينظر إلى بيتها نظرة الحب البعيد المنال.

وفي العصر العباسي ([*]) نجد أن الشاعر قد تعامل مع المكان بالموضوعية نفسها كما تم توظيف هذا العنصر في العمل الأدبي بشكل واضح لدى شعراء هذا العصر فهذا أبو تمام يقول:

رماة جوى لشجو ما تصيب
ولا صدد دمشق ولا قريب
جبال الثلج رحبى والرحيب ([55])

أروم حمى العراق فتدريني
وتثفقني دمشق وساكنوها
سقى الله البقاع فحيث راقت

فنراه يسترجع أكثر من بؤرة مكانية، وكل واحدة من هذه الأماكن يمثل نقطة ضغط على ذات الشاعر، فهو يحن إليها ويتشوق اشتياق المغترب عن بلده.

وهذا الشوق والحنين لمثل هذه الأمكنة نجده أيضا في الأبيات الشائعة الذكر حين قال:

ما الحب إلا للحبيب الأول
وحنينه أبدا لأول منزل ([56])

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
كم منزل في الأرض يألفه الفتى

فالحب والمنزل أمران متساويان لدى الشاعر، وكما وجد دفء العاطفة والأمان في الحبيب الأول وجدها أيضا في دار إقامته الأولى، ومن هنا تنبع خصوصية كل مكان كونه ترجمة لأحاسيس الشعراء.

Page 7

والمتنبي ([*]) نجده أيضا يحن ويبكي على المكان الذي ألفه وتذكر فيه أيامه السالفة فهو القائل:

جوادي وهل تشجو الجياد المعاهد
سقتها ضريب الشول فيها الولائد ([57])

مررت على دار الحبيب فحمحمت
وما تنكر الدهماء من رسم منزل

فهو يجعل من الإبل والجياد تشاركه الحنين لمثل تلك الأمكنة، ليظهر لنا توجعه والألم الذي يحس به جراء المرور بمثل هذه الأمكنة، وهو أسلوب شعري كثيرا ما اعتاد عليه الشعراء.

ونجد أيضا أن المتنبي قد ((وقف على الرسوم والأطلال كما وقف غيره وذرف الدموع في الربوع الخالية)) ([58]) وأخذ يقول:

لأهله وشفى أنى ولا كربا
من العقول وما رد الذي ذهبا
سوائلا من جفون ظنها سحبا ([59])

دمع جرى فقضى في الربع ما وجبا
عجنا، فاذهب ما أبقى الفراق لنا
سفينه عبرات خلنها مطرا

فهذا المكان قد زاد في حزنه فراح يسكب عليه العبرات التي تشبه المطر في انحدارها وتنهمر من جفونه كأنها سحب على تلك الدمن والآثار.

أما دموع أبي فراس الحمداني ([*]) على الأطلال فكانت مدرارة وشكلت لدى الشاعر حنينا وشوقا لا حدود له، ارتسم هذا الشوق في سجنه ووجد في تذكره لهذه الأماكن ما يطفئ نار الأسى التي التهبت في داخله فهو القائل:

ونار ضلوعه إلا التهابا
أغب من الدموع لها سحابا
ولكني سألت فما أجابا ([60])

أبت عبراته إلا انسكابا
ومن حق الطلول علي ألا
وما قصرت في تسآل ربع

فنظرة إلى هذا النص تكشف لنا أن الشاعر قد اتخذ من الأطلال منفذا عاطفيا، ليبث معاناته وشكواه النفسية التي ألمت به في ذلك المكان المعادي (السجن).

أما الشريف الرضي فهو يألف دار الحبيبة ويحن إليها، ليجد فيها عبق الماضي السعيد حيث يقول:

إلا وربعك شائق ومشوق
والزجر ورد والسياط عليق
كل البلاد مهجر وعقيق
بالمحل من أسر الغمام طليق ([61])

يا دار ما طربت إليك النوق
جاءتك تمرح في الأزمة والبرى
وتحن ما وجد المسير كأنما
دار تملكها الفراق فرقها

فهو ينادي تلك الدار ويصف لنا حنين النوق إليها، وحقيقة الأمر هو وصفا لحنين الشاعر ذاته، وجعل من حنين النوق تعظيما ومبالغة، لينقل إلينا حنينه.

وثمة شيء آخر في العصر العباسي، هو أنه عصر حافل بالأحداث السياسية والاجتماعية فكان لا بد أن تضع هذه الأحداث بصماتها على الشاعر العباسي كون الشاعر ابن بيئته يتأثر ويؤثر بها، وهذا ما وجدناه لدى الشريف الرضي، إذ تحول المكان بالنسبة للشاعر إلى باعث معاناة قاسية فيرفض العيش والإقامة في دار الهوان ([62])، وأصبحت بغداد بالنسبة له دار ظلم وذل بعد أن تسلط عليها الأجانب فيعزف عنها قائلا:

كأنني فيه ناظر الرمد
تشرج أجفانها على ضمد ([63])

ليلي ببغداد لا أقربه
ينفر قومي كأن مقلته

وإلى هذه المعاناة القاسية والرفض للمكان ذهب الشريف المرتضى إلى التذمر من دار الإقامة بعد الفتن والحروب التي أصابت بلاده ولهذا يقول:

وثراها حرب لماء الغمام
تك فيها الطوال كالأعوام
لسقامي فليس غير سقام ([64])

ليس دار الزوراء دار مقام
ليس فيها عيش قصير وساعا
وإذا ما طلبت فيها دواء

هذا الرفض والتذمر من المكان، وتحول نظرة الشاعر نحوه من أليفة إلى معادية، مردها إلى الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أحيطت ببغداد في تلك الفترة وما أصابها من خراب ودمار انعكست آثارها سلبا على الشاعر فعزف عن دار إقامته وأصبح لا يطيق عيشها ولا يجد فيها غير السقام.

وصفوة القول إن المكان قد شكل حضورا دائما في الشعر العربي وعلى مر العصور الأدبية التي تناولناها، بل وكان باعثا من بواعث قول الشعر، ويشكل خصوصية واضحة في الشعر، هذه الخصوصية للمكان جاءت نتيجة لارتباطه بكثير من الدلالات الاجتماعية والنفسية.

Page 8

توطئة

المكان من العناصر المهمة التي تؤثر في حياة البشر، وجاء الاهتمام بالمكان مع بدء النهوض الاجتماعي والفكري للإنسان، ولا أظن هذا الاهتمام جاء عفو الخاطر دون دلالات انتمائية ونفسية ووجدانية وجمالية وشعورا بالانتماء إلى الأرض ([65]).

إن المكان يثير إحساسا بالماضي والحاضر، فأكثر الشعراء القول فيه سواء أكان بحقيقته أم برموزه ودلالاته، فهو وسيلة وليس غاية كما أن حقيقته في الشعر نفسية وليست موضوعية فهو عنصر فني مكتنز بالقيم والأفكار ([66]). وذكر الشعراء له – أي للمكان – جاء نتيجة ارتباط المكان بهموم الشعراء وإثارة أشواقهم فضلا عن ذلك الحنين إلى تلك الأماكن.

يعد الإنسان والمكان كالروح والجسد ((حيث المكان مؤهل للكشف عن لا وعي الشخصية وحيواتها النفسية والاجتماعية، لأنه ببساطة لا معنى ولا دلالة للمكان بعيدا عن الإنسان الذي يقوم بتنظيمه وإجراء عمليات التقطيع والمفصلة في بنيته وفقا لآليات ثقافية محددة)) ([67]).

والمكان وسيلة تعبير عن معاناة الشعراء فأصبح المكان مقترنا بالغرض الشعري بل وأداة فاعلة فيها، لذلك دخل المكان بدلالاته الانتمائية والنفسية وبكثافة عالية في الغرض الشعري فهو ((وسيلة للإفصاح عن مشاعر الحزن والحنين والغربة والخوف والقلق)) ([68]).

وشعراء الأندلس من الشعراء الذين استخدموا المكان أداة للتعبير عن معاناتهم فجاء مقترنا بالغزل، فلا تذكر الديار إلا وتذكر الحبيبة فهي علاقة ارتباط بين الشاعر والمرأة علاقة تذكر للديار والأحبة، والأمر نفسه يقال بالنسبة للمديح إذ عكس الشاعر المكان بدلالاته ورموزه على ممدوحه وأخذ الشعراء المكان بجماليته، ليكون ساحة تستوعب صفات الممدوح ((والعادة أن يذكر الشاعر ما قطع من المفاوز وما أنضى من الركائب وما تجشم من هول الليل وسهره وطول النهار وهجيره 000 ثم يخرج إلى مدح المقصود)) ([69]).

ويدخل المكان بكثافة عالية في الوصف ونقصد به ((وصف الجمال الطبيعي للمكان)) ([70]) هذا الوصف لهذه الأمكنة يمكن القول بأنه يخلق إمكانية نفسية وفكرية للعلاقة بين الأنساب والمكان وثمة علاقة أخرى بين المكان والشعر، ففهم المكان من فهم الشعراء، أما الإمساك بالمكان فهو الغرض الأساس الذي يسعى إليه الشخص ([71]).

فقد بقي المكان يؤدي دورا فاعلا في الغرض الشعري فضلا عن كونه وسيلة فنية معبرة عن الكثير من المشاعر الداخلية وسواء أكان الغرض مديحا أم رثاء أم هجاء أم فخرا، فإن المكان يظل فيه شاهدا حسيا على متغيرات تلك الحياة الإنسانية وما يحتدم من صراعات الواقع ([72])، لذلك ارتأيت في هذا الفصل الحديث عن المكان وأثره في الغرض الشعري بدء بالغزل ونهاية بأغراض أخرى.

Page 9

المبحث الأول :المكان والغزل

الغزل من الأغراض الشعرية المحببة إلى النفس، فهو يصور أشواق المحبين ولواعجهم، ولم يحفل العرب بشيء احتفالهم بالغزل، وهو من أصدق أنواع الشعر عاطفة، صور فيه الشعراء أشواقهم وإحساساتهم نحو المرأة تصويرا للنفوس وكشفا لدواخلها ([73]).

والشاعر العربي رأى ((أن المرأة هي جماع مظاهر الجمال وصوره فهو لا يشهد غيرها في حياته الرئيسية وهي تكاد تكون لذلك محور اهتماماته النفسية ووثباته العاطفية)) ([74]). وكان الغزل اللغة الناطقة لاستمالة تلك المرأة وجذب عواطفها.

ويمكن القول إن الأندلس قد ازدهر فيها شعر الغزل وكان مرده إلى البيئة الأندلسية ((حيث امتزج العرب بسكان الجزيرة الأندلسية وعاشوا حياة حضرية ناعمة أغرتهم بشتى وسائل اللهو والمجون وحررتهم من كثير من الأغلال والتقاليد الموروثة ثم إن الأندلس كان لها حظ كبير من الجمال البشري كحظ بيئتها من الجمال الطبيعي، مما استرعى أنظار العرب ونبه عواطفهم)) ([75]).

فقد جسد المكان فاعليته في الغزل بكونه المدخل الأساس الذي يلج من خلاله الشاعر، كي يظهر المكونات الخفية التي تختلج في نفسه فأصبح جزء من الغزل وسببا من أسباب وجوده، وإلى هذا المعنى ذهب ابن قتيبة (ت:276هـ) بقوله: ((وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيد إنما ابتدأ بذكر الديار والدمن والآثار فبكى وشكا وخاطب الربع واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سببا لذكر أهلها الضاعنين عنها 000 ثم وصل ذلك بالنسيب فشكا شدة الوجد، وألم الفراق وفرط الصبابة والشوق نحو القلوب ويصرف إليه الوجوه ويستدعي به إصغاء الأسماع إليه لأن النسيب قريب من النفوس لائط بالقلوب، لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل وألف النساء)) ([76]) وذهب إلى ذات المعنى أبو هلال العسكري (ت:359هـ) بقوله: ((كانت العرب في أكثر شعرها تبتدئ بذكر الديار والبكاء عليها والوجد بفراق ساكنيها)) ([77]) فذكر هذه الأماكن لم يأت اعتباطا بل كان نابعا من صميم الشعراء فهي أماكن الأهل والأحبة ((هذه العلاقة بين الإنسان والمكان تتم وفق قانون الفعل ورد الفعل، إذ بقدر ما يؤثر المكان ويحفز في الإنسان خصائصه وملامحه فإنه ينحفر – المكان – بالإنسان وفعالياته المستمرة)) ([78]).

وإذا ما نظرنا إلى المطالع الشعرية فإننا سوف نجد ذكر الديار والأطلال الدارسة صفة غالبة على هذه المطالع والسبب في ذلك هو لجوء الشاعر إلى هذه الأمكنة ((ليتخذ منها وسيلة تذكره بحبيبته، أو وسيلة تساعده على التعبير عن ألم الفراق والصدود وخاصة عندما يتعرض لوصف الديار القفراء)) ([79]).

إذا ما عاد الأمر خافيا فإن هذه الأماكن تجمع ((بين عنصرين أحدهما يذكر بالفناء ... والآخر يذكر بالحب)) ([80]).

وبما أن ظاهرة المكان معروفة في الشعر العربي، فإن للشعر الأندلسي نصيبا من هذه الظاهرة، وربما كان لهم النصيب الأكبر من هذه الظاهرة والسبب في ذلك يعود إلى البيئة الأندلسية وما ضمت في حناياها من جمال طبيعي، فلهم في الغزل شعر جميل ومؤثر ((فقد كان ينساب على شفاه الشعراء الأندلسيين انسيابا لأسباب كثيرة منها اختلاط الرجال بالنساء وإطلاق الحرية الفردية مضافا إلى ذلك جمال الطبيعة الأندلسية)) ([81]).

وإذا كان الدكتور باقر سماكة وضع جمال الطبيعة الأندلسية في موضع الإضافة فإنني أضعها في موضع الصدارة في إثارة الشعراء وتحريك مشاعرهم في قول الغزل ((فقد يتغزل الشعراء الأندلسيون متشوقين إلى أحبتهم فتعن لهم أيام اللقاء بالأندلس وينقطعون عن الغزل إلى وصف مواضع اللقاء بأحبائهم الهاجرين وقد يصف عاشقهم حبيبة مستعيرا له صورة جنة مختلفة الأزهار فتكون الطبيعة حينذاك متكأ في غرضهم الشعري)) ([82]).

وكان للشاعر الأندلسي تجربته التي عانى فيها من بعد ديار المحبوبة وبكاءه نأي الأحبة ووقوفه على أطلالهم فهذا الغزال (ت:250هـ) يصب لنا تجربته المعاشة في تجربته الأدبية فيخرج لنا أبياتا نلمس فيها روح الفراق ولوعة الاشتياق وهي تعرج على المكان مضمونا ودلالة يقول:

وتنورت بالنخيلات نارا
من لظاها فما أطيق اصطبارا
ر وميض السعير منها استعارا ([83])

ريع قلبي لما ذكرت الديارا
وازدهتني ذات السنا ببروق
والقريح الفؤاد يزداد للنا

فقرن ريع القلب بذكر الديار واستخدم معاني الشوق والوجد وعدم الصبر على ذلك وجميع هذه المعاني تنبئ بمرارة الحزن ولوعة الفراق وشدة المعاناة.

Page 10

المبحث الثاني:المكان والمديح

يعد المديح من الأغراض الشعرية التي لها حضور دائم في الشعر العربي ويمكن القول إنه التغني بالفضائل من كرم وعفة وسماحة وقوة وشجاعة إلى غير ذلك من السجايا وقد ((رافق قيثارة الشعر العربي منذ وجودها الأول فكان وترا مرنان الصوت فيها)) ([125]).

والمديح في الشعر العربي مرده إلى أمرين الأول أن يكون الدافع وراء المديح هو تحقيق منافع مادية ودنيوية أي دافع تكسبي، وهذا النوع من الشعر لا يصدر عن عاطفة صادقة. أما الأمر الآخر أن يكون الدافع وراء المديح هو الإعجاب بالممدوح فيشيد الشاعر بما أثار إعجابه من صفات، ويكون صادرا عن محبة سرت في الدم، وود تغلغل في أعماقه، فأنطقه بالصدق والبراءة والإخلاص.

والمديح في الشعر الأندلسي لا يكاد يخرج عن هذين الغرضين لا سيما في هذه الحقبة (92هـ-422هـ) ومما ساعد على ازدهار هذا الغرض هو أن أمراء الأندلس قد فتحوا الأبواب على مصراعيها أمام الشعراء فأخذوا ((يقطعون الأندلس طولا وعرضا، ينتجعون قصور الأمراء حيث يظفرون بالمأوى والصلات ويحضرون مجالس أصحاب الأمر وتدرج أسماؤهم في سجلات الدواوين وتقرر لهم الأرزاق وتخلع عليهم وظائف التدريس)) ([126]).

ويبدو أن أمراء الأندلس كانوا قد اتخذوا ((من أفواه الشعراء أبواق دعاية)) ([127]) فظهرت القصيدة الأندلسية بنكهتها العربية، والسبب في ذلك هو أن الشعر لم يكن ليخرج من إطاره العام الذي نهجه الأقدمون.

ويطالعنا في هذه الحقبة جملة من شعراء المديح وعلى رأسهم ابن هانئ وابن دراج وهذا الأخير أكثر من المديح بصورة ملفتة للنظر فجاء أغلب ديوانه في هذا الغرض. وهذا مرجعه إلى البيئة التي عاش بها فقد عاش في كنف الأمراء متنولا العطايا والهدايا. وقد ساعد على جذب الشعراء إلى حواضر الأمراء كونهم – أي الأمراء – في الغالب من الشعراء فهذا الداخل([128]) يصفه الحميدي بقوله: ((كان من أهل العلم ... وله أدب وشعر)) ([129]) أما عبد الرحمن الناصر فقد كان ((أندى الناس كفا على الشعراء)) ([130]).

اتخذ شعراء الأندلس من المكان وسيلة للوصول إلى الممدوح فأصبح أشبه بالينبوع يستمد منه الشعراء مادتهم وظل ((وسيلة الشعراء للتعبير عن قيم الوجود الإنساني والمثل العليا في المجتمع)) ([131]) وجسد المكان بدلالاته ورموزه مادة ذات شأن لدى المادحين يجدون فيه ما يطمئن صدر الممدوح وما يطبع عليه من شموخ وكبرياء فوصف أماكن الرحلة وبيان أهوالها ومخاطرها وما قطع من المفاوز والأماكن الخالية القصد منه بلوغ الممدوح والتقرب إليه.

وكان شعراء الأندلس يذكرون من الأماكن ما يتلاءم مع مقام الممدوح، وذلك لأن الشاعر ((عندما يمدح لا يحاول أن يرسم صورة الممدوح وإنما يحاول أن يرسم صورة شخصية تتمثل فيها كل الصفات التي يقدرها المجتمع، شخصية مثالية قد تكون بعيدة كل البعد عن الممدوح إلا أن الشاعر يحاول طبعا أن يربطها بشخصيته)) ([132]).

والشاعر عندما يمدح يبدأ بذكر الأماكن الخالية والغريبة وصولا إلى الأماكن الأليفة التي يحلم الشاعر الوصول إليها وهي أماكن الممدوح أو يذكر الأماكن التي لها وقع خاص في نفس الممدوح، لأن ((لطافة الخروج إلى المديح سبب ارتياح الممدوح)) ([133]) ومن هذا المنطلق زاوج الشعراء بين المكان والمديح.

أما عن المعاني والألفاظ التي طرقها شعراء الأندلس في هذه الحقبة الزمنية فإنها ليست بمعان جديدة وإنما هي معان وألفاظ تكاد تكون مشرقية ولا سيما في بداية الفتح ((ولكن الأندلسيين استطاعوا أن يعرضوا ما قلدوا في ثوب جديد وتأنقوا في رسمه وتلوينه حتى إنك لتنسى أصله وتحسبه معنى جديدا وعرضا طريفا، أنهم يأخذونهم بالتحوير أو النقص أو الزيادة أو الشرح حتى تحس شخصيتهم فيه واضحة جلية ولا يسعك إلا أن تعترف لهم بالتجديد والابتكار)) ([134]).

ويمكن الولوج في هذا المبحث من خلال شقين.

الأول: المكان والرحلة ودلالته في قصيدة المديح.

الثاني: الأمكنة الدينية والطبيعية ودلالتها في قصيدة المديح.