eKtab
EN ع
المخفي أعظم - قراءات ورؤى
Read free sample

المخفي أعظم - قراءات ورؤى

by هاشم غرايبة

Page 1
الفصل الأول
 
بين السيرة والشهادة الإبداعية
 
أيها المسافر
 
لا تسل عن الطريق·
 
المشي يصنع الطريق
 
ــ ماتشادو ــ
 
( شاعر إيطالي )
Page 2
مفتتح
 
ليس ثمة طريق، المشي يصنع الطريق·
 
ليس ثمة هدف، الطريق تصنع الهدف·
 
ليس ثمة وصول اإى الهدف، ثمة حلم يعد بالوصول، وحين سئل الذي استراح، هل فزت بالرؤية؟ قال أتحفت بالرؤيا فاستغنيت بها عن الرؤية· الرؤية حجاب والرؤيا فضاء لا يحد·
 
طوبى لمن لا يصلون، طوبى لمن يمشون ويحلمون ويرسمون إبداعهم على قوس قزح، طوبى للمسرنمين لأنهم يمشون بوحي رؤاهم، أولئك هم الأقرب الى الروح، وأولئك هم وهج الحياة· وأولئك هم المتقون·
 
الرؤية واقع، والرؤيا حلم·
 
الرؤية عيش وفق المواصفات والمقاييس، والرؤيا حياة وخلود·
 
الرؤيا نجم الخالدين الألق، والرؤية لعبة المتدثرين بتراب العيش، واللاهثين وراء غبار الواقع ·
 
{والعصر إن الانسان لفي خسر}·
 
الخاسرون هم الشطار والعابرون في كلام عابر، والمارقون من الحياة مروق السهم من الرمية، اولئك المتشبثون بلذة العيش هم الخاسرون لمتعة الحياة· والرابحون حقاً هم قلة من الشهداء والصديقين، هم القابضون على جمر الواقع فيكسبون متعة الحياة، وينتصرون على امتحان الوجود بالتعلق بأسباب الخلود·
 
ليس ثمة موت مقابل إرادة الحياة، ولكن ثمة ميلاد وموت وما بينهما طريق· المشي يصنع الطريق، وهديناه النجدين : فإما ميتاً وإما شاهداً وشهيداً·
 
ترتفع المركبات عالياً عالياً في الأفق اللانهائي، ومن بعيد تبدو الأرض برمتها كنقطة زرقاء مضيئة، تلك الشعلة، هي روحك أيها الانسان·
 
شاهد !
 
الشهادة ··· الشهادة·
Page 3
الصراط ···· الصراط··
 
الصدق ··· الصدق·
 
نشأت وترعرعت،··· ما هكذا تورد الإبل يا سعد!
 
أي صدق وأي سراط، وأي شهادة يستطيع أن يلتزم تجاهها المبدع ···
 
هل اعترافات جان جاك روسو·· هي جان جاك روسو ··· وهل أيام طه حسين هي حقاً أيام طه حسين!
 
·· أجزم أننا إزاء نصوص مستقلة عن مبدعها، نصوص جاءت نتاج زمانها ومكانها وضرورتها ··· مُحاولةً تأبيد اللحظة الزمكانية التي تُختار، وإن اختلف العنوان من السيرة، إلى الشهادة، إلى الرواية إلى الشعر ·· إلى كل الفنون المحتملة·
 
ليست هذه أول مرة أكتب فيها (شهادة إبداعية)·· سبق ان كتبت شهادة عن تجربتي مع كتاب رؤيا، وشهادة حول الموروث الشعبي وأثره في قصصي القصيرة، وشهادة حول تجربتي في الكتابة للمسرح ··· وفي كل مرة يجتاحني إحساس بأني أكتب نصاً محدداً حول تجربة محددة ··· تماماً مثل كتابة أي نص إبداعي لذاته· والمنتج الإبداعي ليس هو التجربة المعاشة ذاتها، ولا يمكن أن يكون ذلك، بل هو نص محكوم بظروفه وإرادة كاتبه، وتحكّمه بالشطب والإثبات والصياغة وصولاً لما يرضى عنه - الآن - أو يحاول أن يُرضي به - الآن أيضاً - شاء الكاتب أم تحايل!
 
الآن أتساءل لمن نكتب؟ عن ماذا نكتب؟ أمام تعقيدات الواقع وإشكالات الحركة خلال تقاطعاته، أقف على سؤال وجودي كبير:
 
- هل الإنسان يبني مصيره، أم أنه ضحية ذلك المصير؟
 
أمام صعوبة الإجابة وتنوعها يتحول السؤال إلى صيغة أخرى :
 
- كيف نكون مع العصر؟ ··· كيف نبقى أحياءً؟ ··· وكيف نسيطر على مصيرنا؟
Page 4
جدّي
 
جدي ليس صورة معلقة على الحائط ولا إرثاً متمثلاً في بساط منقوش، جدي هو الحاضر في الماضي، وهو الماضي في الحاضر، هو حلقة الوصل بيني وبين بدئي، وأنا حلقة الوصل بينه وبين عالم الفضاء المعاصر· جدّي علّمني تقشير الرّاهن المعاش لأرى تبدلات الآبد والمستمر وأراهن على شكل الغد·
 
ليس مهماً أن يكون جدي كل ما قلت أو سأقول عنه المهم أنه كذلك بالنسبة لي·
 
ها أنذا أكتب عنه وأحدّق في السمكة الذهبية المرسومة على الكأس أمامي وأكاد أصدّق أنها تحولت إلى حوريّة مدهشة تسبح بين مكعبات الثلج البلورية! أفرك عيني وأقول ·· لا ·· شبح من سواليف جدي··· ولكن ألا نعيش عصر الثورة العلمية التكنولوجية وفي ذات الوقت نعيش مع الرموز والأشباح أكثر مما نعيش مع المحسوسات والمعقولات؟ أليس المسرح الخرافي ناشطاً فينا ليلاً ونهاراً؟ بالمناسبة هل تقرأ برجك أو فنجانك أو خطوط يدك ؟··· من دون هذا المسرح الذي تستخدم فيه آلاف الحيل السحرية، هل يمكننا تحمّل فجاجة الواقع من حولنا؟! هذه المعركة السحرية تتوازى أو تتقاطع باستمرار مع كفاحنا العلمي واليقظ لإنجاز واجبات كل يوم·
 
ها هي سيرة جدّي تتسرب إلى لحظتي كما السحر، فأرى على ضوء سراجه الزمن الراهن، وأثر العادات والتقاليد والمعتقدات والديانات التي مرّت منذ أشعل الإنسان البدائي النار بالحجر إلى عصر غزو الفضاء، كلّها تتجاور وتتحاور ولا شيء يجبّ ما قبله، بل السابق يطبع أثره في اللاحق، والحاضر يستند على الماضي لينطلق نحو المستقبل·
 
جدي واجه زمانه ومكانه بأدواته وكان رائداً في الحيّز الذي عرفه والزمان الذي عاشه، لكني وأنا أعيد إنتاجه فإني أعيد إلى العالم صورة مبتكرة أحاول أن أقنعه بها وأحاول أن أجد له - لي - لنا - مكاناً في مشهد إنساني يعترف بالجميع ويعطي كلّ لون حقه الطبيعي في تشكيل قوس قزح يُزنّر هذا الكون، ويشدّ أزره ليواصل حركته إلى ما لا نهاية·
 
لم يكن في مثل سني، لكني لم أجد غيره حين جئت إلى هذا العالم·
 
هذا الصديق·· هو جدّي، أكاد أسمع صوته يغني العتابا فأزجره ليسكت، ثم يتحول ألى الميجنا فأنصت وأطلب المزيد· عشت السنوات الأولى من عمري استمع لقصصه التي عاشها والتي تخيلها، كما حفظت أشعاره البدوية التي كان يغنيها باستمتاع غريب·
 
جدي له الرحمة ولحوارة الغيث، كان وصافاً ماهر يتحدث لي مفترضاً أني أعرف ما يعرف ناسياً أو متناسياً فارق السن، أنشغلُ بملاحقة الصور متعرفاً على الشخص أو الحادثة، فما أن يكمل حديثه حتى أشعر فعلاً أني على علاقة وطيدة بما يروي فيبتسم كطفل خبيث·
 
كان على (تناص) دائم مع حكاياته، القصة أو القصيدة يرويها بأشكال مختلفة·· دائماً هناك إبدال وإحلال ودلالة جديدة·· كنت أظنّه ينسى، لكني الآن أكتشف أن كل تغيير على النص مهما كان طفيفاً يغير الدلالة والمعنى والمبنى·· أكاد أراه يخرج لي لسانه هازئاً بي، فهو حاضر دائماً حين أكتب، وأشد ما أخاف سخريته··· فهو ساخر بطبعه، يستعمل الوصف للسخرية، ويقلب الموقف ويغير الدلالة للسخرية ··· يسخر من كل شيء وعلمني أن لا شيء يستحق الإنبهار والدهشة إلاّْ المرأة والشعر والربابة والشبابة والحكاية· أما الواقع فلا يستحق منّا إلاّ السخرية لنستطيع أن ندهش به·
 
كلما تقدمت بي التجربة، أتذكر أني كنت أصنع زوارق ورق أدفعها في قناة النبع فتسري مع التيار ولا أخشى عليها الغرق ، الآن وقد صار الزورق سفينة ذات الواح ودسر، تأبى السير مع التيار، فإني أخشى عليها الغرق· دائماً هي الأمور هكذا، كل جيل يرى المياه الصافية في البدء تجري بدون طين ··· أتذكر أنها كانت خالية من الكلور، واللوز البري يزهر ملاحقاً البراعم الحمراء··· إلى ذلك العالم سارت (النبوءة) ولم يعد يراها أحد·
Page 5
سحب المعرفة
 
شهد الوطن في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات أعلى مدٍّ للطفرة النفطية عاشها الناس، وقد مسّت هذه الطفرة بجناحها البراق كل مناحي الحياة العامة والنفس البشرية لإنساننا ووصلت إلى أعتم الزوايا وأضيقها··· حتى السجن والسجين والسجان عاشوا هذه الفترة بطريقة خاصة·
 
ففي سجن المحطة مثلاً كان أحد النزلاء يحب أن يدخن النرجيلة وهو ماشي، فكان يسير في ساحة السجن وخلفه خادم يحمل له (الشيشة) يبقبق فيها الماء المطعم بأوراق الغار، وينفث صاحبنا الدخان بغطرسة تليق بالفاتحين العظام!!
 
عام 2 8 9 1 كان (الإزدهار) على أشده وشهدنا نزلاء باسم (قضية البندورة)··· و (ضريبة الدخل) و (مياه الشرب)·· و (الأراضي والمساحة)· ذلك العام أيضاً شهد أكبر حدث مأساوي عشته مع الراديو والتلفزيون، كنت أظنه كذلك على الأقل، إنها مأساة احتلال لبنان، ومجزرة صبرا وشاتيلا· ما زلت أذكر دموع الفرح على وجه المذيع الإسرائيلي (شاؤول مناشيه) وهو يصف ببث حي ومباشر نزول الدبابات الإسرائيلية ميناء جونيه ·· واحتلال بيروت !·
 
الآن وفمي مليء بمرارة الحاضر أتساءل، هل في الذاكرة غير الهزائم ··· إنها فادحة ومتكررة وخلال مدى زمني قصير جداً··· فهل أملك إلاّ أنشوطة الوهم أرميها على عنق الواقع، لتظل اصبعي الوقحة مشيرة إلى حتمية النصر! هل جدّي على حق حين علمني السخرية من الواقع والتشبث بالحلم! أليس الحلم جنين الواقع؟
 
سُمح لنا بعد هزيمة بيروت والبحبوحة النفطية بإزالة بعض الجدران القديمة التي تحجز الغرف عن ساحة السجن، وأثناء العمل وجدنا جريدة للحزب الشيوعي الأردني (المقاومة الشعبية) مختبئة منذ الخمسينات، وأوراق متآكلة محشوة لمعتقلين سياسيين من مختلف التوجهات، صورة لعبد الناصر، رسائل داخلية، وأخبار سياسية عن زمن آخر، وشكاوى··· ورسائل حب ·· أي أرشيف للوجع وأي متعة تمنحها قراءة كتابات مهربة منذ عقد مضى عن تقي الدين النبهاني···· عبد الله الريماوي···· فؤاد نصار ···· منيف الرزاز···· اشتباك دائم مع الماضي والتراث والموروث·
Page 6
ممر إجباري
 
ذات ليلة، نام السجناء مبكرين ليصحاو مبكرين (للتفرج) على إعدام أحدهم بحبل المشنقة في الصباح الباكر، وبقيت ساهراً أقرأ الجبرتي ومتابعته اليومية لدخول نابليون الجامع الأزهر، مترافقاً مع ولادة جدي برأسين في حي بولاق··· وهاجس إعدام رجل في الصباح يلوح في المخيلة مثل الشبح المعلق فوق رؤوسنا··· وبراءة وجه عماد ملحم الذي أمدني بتصورات الطائفة الدرزية عن تناسخ الأرواح ··· وحدثني عن الطفلة التي (نطقت) متحدثة عن حياة أخرى عاشتها في زمن غابر، والأقانيم المقدسة : العقل والنفس والروح ··· وما يمثلها على الأرض، وكتاب الحكمة المحفوظ داخل شجرة ضخمة في (خلوات البياضة) جنوب لبنان· عن يميني (علي الطويسي) الذي صور لي البتراء من الداخل وتحدث لي عن سكانها (عرب البدول) وغرائبية واقعهم وطرق معايشتهم لأساطير المكان·· وحدثني عن البدو وعاداتهم ومعتقداتهم وتاريخهم في مدينة البتراء·
 
أي فنتازيا تراثية تجمعت داخلي تلك الليلة وكيف ستخرج؟!
 
في السجن كنا نتلهف لقراءة الكتب الثورية ولكن المتاح (بهدف الإصلاح) كتب التراث فتجاور الغزالي وابن رشد، واصل بن عطاء وأحمد بن حنبل، محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، أبو الأعلى المودودي والنفري وابن عربي ثم قرأنا الأغاني، وسيرة الملك سيف بن ذي يزن والف ليلة وليلة والشاه نامة وتغريبة بني هلال ··· فرصة نادرة وممر إجباري نحو ثقافة السلف· والوقت كاف لأكثر من هذا·
 
كانت نجمة الصباح تتألق فوق خلوات البياضة حين أيقظ سرها صليل قيد الجنود الأسرى· ومجلس شيوخ العقل ينفض من حول الشجرة إلى لقاء، وكنت أنا، صاحب السر، الرواي، حالاًّ في شيخ شيوخ العقل، أقرع السن وأصرخ بالناجي والماجد والغسان، فتلت شاربي الكبيرين وأعدت الأقانيم السبعة تمتمة تطارد عسعسة الليل، العلي، البار، أبو زكريا، عليا، المعل، القائم، العزيز···· مدد يا مولاي مدد·
 
الموروث الشعبي يتسرب إلى لحظتنا كما السحر، فنرى في الزمن الراهن أثر العادات والتقاليد والمعتقدات والديانات التي مرت منذ أشعل الإنسان البدائي النار بواسطة الحجر إلى غزو الفضاء، تتجاور وتتحاور··· لا شيء يجبّ ما قبله، بل السابق يطبع أثره باللاحق والحاضر يتزوج الماضي لينجب شيئاً جديداً للغد·
Page 7
بطولة
 
يجتاحني اليوم شعور حاد أن قدري هو دفع الصخرة إلى قمة الجبل كل يوم من جديد·
 
أشعر أني مأزوم بالمشاعر· مأزوم بالرغبات الفاغبة، مأزوم بالشكوى ···· ولا سبيل لي إلا هذه الأسطر أمتد بها إليكِ····
 
وأشعر أني كالمستجير من الرمضاء بالنار·
 
الوحدة قاتلة، وصحراء هذا الليل بلا حدود، ونار الشوق للحياة تأكلني··· وأدعي بأني أكبر من كل ذلك···
 
تعيس هو الوطن الذي يحتاج لأبطال···
 
لا أدري لمن هذا القول الجميل أظنه لبريخت! لكني أشعر أني بطل تعيس، ووطني هو واحة الأمن والاستقرار والديمقراطية والأسرة الواحدة
 
الوطن سعيد جداً بدوني !!
 
قرأت عن أناس صاروا أبطالاً لأن الظروف التي أحاطت بهم، وغريزة البقاء التي تسيطر على الناس جميعاً، حقيرهم وجليلهم، دفعتهم للتشبث بالحياة، فصاروا أبطالاً·
 
قرأت عن بحّار سقط في البحر وضاع بين الأمواج عشرة أيام وحيداً في عوامة بلا ماء ولا طعام، ونجح، فصار بطلاً·
 
لم يكن خيارهُ أن يسقط في الماء، كما لم يكن خيارهُ إلاّ المقاومة ··· ونجح·
 
هل أنا كذلك؟ حبال النجاة أعرفها، وهي ممتدة لي دائماً على مدى السنتين الفائتتين وحتى نهاية العشر سنوات القادمة!
 
أصارع بمحض اختياري، أعيش الألم طوعاً، متوهماً أن روحي في منجاة من حبالهم - حبائلهم - ، وأن جسدي هو ما يقمعون!
 
لست أدري بالضبط ما هو المهم ··· لكني أشعر أني أدافع عن طفولتي، عن حلمي، عن إيماني بنفسي··· عن هاشم كما أعرفه·
 
هل أنا نرجسي إلى هذا الحد؟ نعم لآخر قطرة - أهواه - ثم عليه أنكفىء
 
كما يقول تيسير سبول ·· عذراً، أتحدث مع نفسي، الحر شديد الليلة، سأذهب قرب الباب وأكمل ···· عمان نائمة، كل شيء هادىء وأسمع صوت المسحراتي في جبل الهاشمي: يا نايم وحد الدايم ·· دُمْ ··· دُمْ·· دُدم·
 
الشاي الذي أرتشفه الآن داكن جداً·
 
يا أيتها الـ ···· :
 
الصبح قريب وأنتِ بعيدة·
 
أنت قريبة والصبح بعيد·
 
ولا يقترب إااّ المسحراتي : دُم·· دُدم·· دُم· ثمة كثيرٌ من الدّم وقليل من اليقظة!
Page 8
هكذا هو الأمر بالنسبة لي
 
أدّعي بأن معلمي الأول فنان ماهر، نقلني دون مقدمات إلى عالم شاسع مليء بالطير والجنّ والحيوان والشجر والجبل والرمل والغيلان والملائكة والشياطين والنّاس والحجر والنّار والغنم والأراضي السبعة والسموات السبعة والسنوات السبعة والشهور السبعة، إنه عالم مكثف، كثيفٌ بالقرى والمدن والبحار والجزر، والقفار والأنهار، عالم مكتظ بالبدو والحضر والثوار والملوك والغجر والسّادة والقطط والأحذية والأرانب والجزر والعصي والحمير·
 
ليس مهماً أن يكون جدي قال ذلك حقاً! قال لي : كل الأشياء لها أرواح وأقوال وأفعال وروائح وظلال، تتمازج وتفترق متجلّية عبر الخارق والمفارق لتعلّم الانسان سُنّة الحياة، وليته يتعلم·
 
الإنسان وحده يدرك النهاية لأن له (العقل) وبهذا اكتسب مجده ومآساته معاً، الانسان وحده ينعم ويشقى بالعقل، لذا فهو متكبر مخيفٌ·
 
يا بني: الانسان هو غايتك وخصمك فاستعن عليه بروح الأشياء وخبرة الكائنات
 
كانت كلمة (الخبرة) عنده لا (الحكمة) هي المنطلق في الحكم على الأشياء، وكان يقول : الخبرة تساعدك على تقشير الرّاهن لترى تبدلات الكامن وتراهن على شكل الغد· أما (الحكمة) فكان يرى فيها مصطلحاً يعبّر عن سذاجة وغرور الجنس البشري، فيقول: إن الحاضر يُلقّح الماضي ليعيد انتاج (الخبرة) بشكل يلائم (الآن، هنا)، (غداً، هناك)، أما مصطلح الحكمة فيوحي بالفراغ، حيث لا زمان ولا مكان، حيث لا أكون ولم أكن ولن أكون! ثم يضحك بصخب طالباً مني أن أحضر مصباح علاء الدين· كان ضوء الشعلة يرقص خلف زجاج النافذة، أفتح النافذة فيختفي السراج، لما أمسكت السراج وظهرت معه في عمق النافذة الزجاجية المعتمة، مسح على رأسي وقال: ستنال ما تريد· وها أنذا أفعل : ما لا أحققه على أرض الواقع أمتح صورته من عتمة النافذة إلى بياض الورق فيصير واقعاً·
 
بدأت استهلال قصتي على الشكل التالي :
 
(القمر بدرٌ مكتمل)
 
لم يلتفت معلمي إلي، ولما (ألحيت) عليه، أخرج لسانه ساخراً·
 
غيّرت الاستهلال :
 
(القمر كان بدراً مكتملاً قبل يومين)
 
رحلت سحب السخرية، وامتلأت عينا جدّي بالفضول:
 
(قبل يومين؟ هل حدثت معجزة واستمرّ البدر مكتملاً يومين آخرين؟ هل كان مكتملاً ونقص؟ ماذا تريد أن تقول؟!)
Page 9
السيد ماركس
 
هكذا بزغ نصي الأول كتابي الأول (هموم صغيرة، قصص 0 8 9 1) على ضوء سراج جدّي الساخر على المستوى الخاص، وفي مناخ الواقعية الاشتراكية (إيّاها) على المستوى العام، واستطاع السيد ماركس أن يزحزح أنموذج الجدّ الساخر لصالح الواقعية المهيمنة· وهكذا صار ماركس جداً·
 
جدي الأول لم يستسلم، تنازع وماركس التأثير على نصوصي الأولى، ثم انحزت أنا إلى السيد ماركس واخترت الاشتراكية - المدنية - بدلاً عن الجد - القرية والبادية - وبفضل السوفيات تعرفت على عالم غوغول ودستويفسكي وليرمنتوف وبوشكين وقرأت الشكلانيين الروس والألسنية والبنيوية والتفكيكية - من موقع مضاد آنذاك - ثم استقر بي المطاف بين تودورف وعرار، فنظرت إلى النصّ من موقع جديد، انفرطت سبحة السخرية وتعالى ضحك أساتذتي :
 
- باسم الواقعية يتم ليّ عنق الواقع، وباسم الاشتراكية مرّغتم أنف النص، وباسم السيد ماركس ربطتم خطام الرؤيا إلى تفكيركم الرغبي وقدتموها باتجاه واحد!
 
اعترف الآن: الديالكتيك هو ما تبقى لي من السيد ماركس! ديالكتيك ماركس وحفريات تودورف ساعداني على فهم الحياة أكثر مما ساعداني في لملمة نصوصها، لعلّ أريك فروم ساهم معي في قراءة أحلامي ويونغ ساعدني على تقبل الفنتازيا·· لكن فرانز فانون لملمني·
Page 10
عرار
 
ها هو عرار حاضرٌ وأنا أكتب، وأشدّ ما أخشى سخريته، فهو مثل كلّ أجدادي ساخر بطبعه المناقض للحكمة، يستعمل الوصف للسخرية من خبرة الآخرين، يقلب الموقف ويغيّر الدلالة للسخرية ذاتها، إنه يسخر من كلّ شيء، وعلّمني عرار أن لا شيء يستحق الدهشة إلاّ المرأة والفن· أما الواقع فلا يستحقّ منّا إلا السخرية·
 
ها هو عرار يسخر مني وأنا أكتب عن تجربتي ويحاوص بعينيه متسائلاً: ما شأنك والعناوين الرّاسخة، (الحداثة)، (ما بعد الحداثة)، (الرومانسية الجديدة)، (الجنسوية)، اكتب نصك وامض، اترك للنقاد أن يضعوا الحقول ويقيسوا المسافات ويصيغوا النظريات، دع غيرك يشقى واستمتع يا بني بما تكتب!
 
حين يتأثر المرء بقوى عظيمة، ولا يعود الكلام العادي كافياً··· يولد النصّ الأدبي ويلمع الأفق احتفالاً بالفن الجديد لا أدري من قال هذا لكني وجدته مقوساً بين شولتين في أوراقي··
 
المرء يتحرك مثل كثيب رمل، يسافر هنا وهناك بصحبة الريح، أما أفكاره فتحركها قوة دافقة : حين تغمره البهجة، وحين يتملكه الخوف، وحين ينتابه الأسى، الأفكار تتولد داخله مثل الزوابع، وثمة ضياعٌ ثملٌ يحرره من كل قيد، عندها يحدث أن نشعر أننا أصغر من روح الحياة وأضعف من رياحها، ولسوف نفزع من استخدام الكلمات، ولكن يحدث أن تأتي الكلمات التي نحتاجها من تلقاء نفسها، وحين تشرع الكلمات التي نحتاجها والعبارات التي تريحنا في استنبات نفسها، نشعر أننا أكبر، وأننا نستحق الحياة، لأننا اكتشفنا شيئاً جديداً!
 
علمني الشاعر مصطفى وهبي التل - عرار - الاهتمام بالقوة الداخلية للنص واعطائها حيويتها وفعاليتها بما يتلائم معها من لغة، وتعلمت منه أن لا أخاف من استعمال اللغة المحكية واللفظة الشعبية، فهي إذا استعملت بحيويتها المسكوبة في اذن الطفل مع حنان الأم، تكون قد أدركت حضورها الفاعل في مسيرة العصر الذي يعيشه الناس، في ظل هذه الرؤيا ولدت مرحلة جديدة في كتابتي، وكانت مسرحيات :