Page 1
توطئة الناشر
هذا الكتاب الذي نضع ترجمته بين يدي القارئ العربي، سجل حافل، لتاريخ الدوحة الهاشمية الكريمة في القرن العشرين.
إنه تاريخ معاصر، للملوك الهاشميين، منذ أن عاد الحسين الأول - عليه رحمة الله - من منفاه في القسطنطينية، مطلع القرن الحالي، إلى الحجاز، حتى عام 1958 تاريخ قيام الانقلاب الجمهوري في العراق واغتيال الأسرة الهاشمية التي كانت تحكمه.
إنه تاريخ للثورة العربية، ولعهود الإنكليز وغدرهم، وثورات العراق وفلسطين والأردن وسوريا.
وقد لا نتفق مع بعض وجهات نظر المؤلف، في بعض النواحي، إلا أن الكتاب، جدير بالقراءة، وبالدرس والمطالعة.
Page 2
مقدمة المترجم
كحفدة مباشرين للرسول (صلى الله عليه وسلم) ، وحماة تقليديين للأماكن المقدسة في الحجاز، يعتبر الهاشميون أعرق الأسر العربية قاطبة محتداً، وأنبلها أصلاً. وأكثرها فجائع تاريخية.
وفي هذا الكتاب يستعرض المؤلف جيمس موريس، تاريخ العلاقة بين الهاشميين والبريطانيين منذ بدء الثورة العربية، ونشوب القتال في صحارى الحجاز، إلى عهد الملوك العِظام في العراق والأردن، حتى يصل إلى مذابح بغداد عام 1958.
إنها قصة كأنما هي ملحمة تراجيدية، تروي، تصارع القوى والفكر في سياسات الشرق الوسط وعواطفه، وتسرد المنافسات بين الأسر الحاكمة، والغرام الطويل بين بريطانيا والعرب، والولاء التقليدي لعرب الصحراء متضارباً مع الإيديولوجية الجديدة للمدن، وصراع العرب مع الصهيونية وإسرائيل، وتنافس الدول الكبرى على البترول العربي.
وعلى الرغم من أن شخصيات الملوك الهاشميين تسيطر على الكتاب، إلا أن صور الشخصيات الأخرى ليست ضعيفة فيه وفي مقدمتها لورنس، وابن سعود، وكلوب.
إن هذا الكتاب يروي القصة العربية في أسلوب كله حيوية، رسمته ريشة جيمس موريس، الذي كان أبرز المعلقين على الشؤون السياسية في تلك الفترة.
Page 3
تمهيد
مثلتُ، في تموز عام 1958، جريدة المانشستر غارديان في مؤتمر صحفي في عمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية، دعا إلى عقده جلالة الملك الحسين بن طلال ليعلن مصرع ابن عمه الملك فيصل الثاني في حوادث ثورة العراق.
وكان الملك محاطاً بالجنود، ورجال الأمن، في الوقت الذي بدأت فيه قوات المظليين البريطانيين، تهبط في مطار عمان للمحافظة على سلامة المملكة، فقد كان العرش في خطر، وحياته الشخصية مهددة، فأسرته الهاشمية كانت قد أبيدت في بغداد، وكانت الدموع تملأ عينيه.
وقد تأثرت كثيراً لصورة الملك الشجاع، فقررت أن أكتب قصة الملوك الهاشميين وتاريخ علاقتهم ببريطانيا العظمى، وهذا الكتاب هو ثمرة هذا القرار.
والكتاب في الحقيقة يشتمل على الكثير من التحقيق العلمي، ولكنه وُضع بصورة خاصة للقراء الذين أخذوا في الآونة الأخيرة يهتمون بالقضايا العربية.
وليس في وسعي أن أضع الكتاب في مصاف الكتب العلمية الدقيقة، ولكنه يعكس محادثات الرجال الذين عاشوا هذه الحوادث، ومقتطفات من الكتب التي وضعها الآخرون، ممزوجة مع تجاربي الخاصة في الشرق الأوسط.
وقد حاولت أن أكون موضوعياً في هذا الكتاب، لكنني أعترف بوقوعي تحت تأثير طراز من الوطنية القديمة، وعندما أنتقد بلادي في هذه الصفحات، فإنني أقوم بذلك مدفوعاً باعتزازي وحبي لها.
Page 4
الملوك الهاشميون حتى عام 1958
(فترة موضوع الكتاب)
بعد ظهر ذات يوم، من ربيع عام 1914، شعر الأمير عبد الله بن الحسين النجل الثاني لشريف مكة، أن واجبه يحتم عليه زيارة الماريشال اللورد كتشنر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، وكان الأمير شاباً عربياً، فطناً وكثير الإحساس، ملولاً من الدسائس والرعونات السياسية، بينما كان المندوب البريطاني، حاضر البديهة، تدعمه، مفاخر الإمبراطورية، وأعمالها الجليلة. وبحث الأمير عن وسيلة مهذبة، يتمكن عن طريقها من تفادي مقابلة اللورد، مع أداء الواجب في الوقت نفسه، فقرر أن يقوم بالزيارة في وقت تتفق جميع التكهنات، على أن اللورد لن يكون موجوداً فيه في بيته. ولكن مع الأسف، ما كادت عربة الأمير تجتاز الأبواب الحديدية لدار الاعتماد ذلك اليوم، وما كاد الأمير يستعد للهبوط منها لإيداع بطاقته، والعودة من حيث أتى، حتى رأى في مدخل الدار اللورد كتشنر، بشاربه التقليدي وعينيه البراقتين، واقفاً وكأنه صورة الضمير أو الخلق، أو شخصية كنسية عظيمة.
ومن هذه المقابلة، التي لم يكن الأمير راغباً فيها، ومن المحادثات التي تلتها، والألفة التي نشأت بين الأمير والقائد، ومن الاتفاقات التي أبرمها الرجلان، والروابط التي أقاماها بين إنكلترا والعرب، ظهرت الممالك الهاشمية الثلاث. وقد ولدت هذه الممالك في ظلال إمبراطورية في طريق الفناء، ومن حقب مثلت الأيام الأخيرة في وجود نواب الملوك في الهند، أولئك الذين ظلوا أربعين عاماً أصدقاء بريطانيا، وحلفاءها، وحراسها وزبائنها، ومتقاعديها، ومصدر حيرتها وارتباكها. وعندما كانت هذه الإمبراطورية في أوج قوتها، كانوا في راحة وأمان، ولكنها عندما سارت في طريق العجز، تفتتوا، وفقدوا معناهم.
كان اللورد كتشنر قد قال لزائره وهو يودعه في ذلك اليوم: «إذا حدث واحتجت إليّ في يوم من الأيام، فأرجوك أن تبلغني». هذا هو العرض الذي ظل قائماً أربعة أجيال. وهو يمثل موضوع هذا الكتاب ومغزاه.
* * *
تقوم أرض الحجاز المقدسة على الساحل الغربي من الجزيرة العربية، إلى الجنوب من الأردن والشمال من عسير واليمن. ومع أن هذه الأرض قاحلة، جرداء، غير نافعة، إلا أنها مقدسة لدى المسلمين قاطبة، لأنها ترنو إلى مهد الإسلام، وأجيال وقرون خلت قبل ظهور الرسول محمد (ﷺ).
كانت مكة، عاصمة هذا البلد، موئلاً للحجيج، قبل الإسلام، يفدون إليها، للتبرك بما فيها من أصنام ومقدسات في مقدمتها العزّى الذي تُقدَّم إليه الأضاحي من أباعر وغيرها، وهبل، الذي جاء من بلاد ما بين النهرين حاملاً ذراعه الذهبية، ويتمتع بقداسة العرافة والكهانة. وعاشت قبيلة قريش، في مدينة مكة أجيالاً طوالاً، تثري جيلاً بعد جيل، وتزداد قوة حقبة إثر حقبة، نتيجة علاقاتها التجارية من ناحية وحمايتها للحجيج من الناحية الأخرى.
وكان الرسول محمد (ﷺ) نفسه، ينتمي إلى قريش، وعندما قام دينه الجديد، يحطم أوثان قريش وأصنامها القديمة، حصلت عشيرته على امتياز جديد. فالكثير من الامتيازات كانت تمنح لذرية الرسول، وفي مقدمتها لقب الشرفاء. وكانوا كثيراً ما يرتدون العمائم الخضراء للدلالة على عراقة نسبهم، وأصبحوا يؤلفون طبقة خاصة بهم، تقف في منتصف الطريق بين كهنوت رجال الدين في عُرفنا الكنسي، وبين طبقة النبلاء في نظامنا الإقطاعي، وظلوا، وهذا أهم ما يميزهم، يحكمون الحجاز ويسيطرون عليه. وكان أبرز هؤلاء الشريف الأكبر أمير مكة، الرئيس الدنيوي للمنطقة، ومنصبه وراثي يتناقله الأبناء عن أسلافهم، وكلهم من أعضاء أعرق العتر الشريفة نسباً، عترة بني هاشم، التي تتصل بالرسول عن طريق ابنته فاطمة الزهراء.
ولهذه العوامل، كان الهاشميون، سادة السادات، والطبقة الأرستقراطية للأرستقراطيين، أعظم أسر الإسلام حسباً، ويحافظون على أولويتهم. رغم ما طرأ على الشؤون العربية في مختلف الأزمنة من ارتجاجات وذبذبات. وقد تمكنوا بفضل ما كانوا يوزعونه من أموال وصدقات، من إقامة سيطرة زمنية على بعض القبائل البدوية التي كانت تجوب أرض الحجاز، واستطاعوا في اللحظات الحرجة، أن يحشدوا الأنصار من البدو الأقوياء لحمايتهم. وتحدوا جميع المتطفلين الأجانب، وسارت قافلتهم عبر التاريخ تغذ سيرها سلسلة طويلة من المصائب والجرائم. فالكثير منهم، من قُتل أو خُلع، والبعض منهم، من وُشي به، أو سُجن، وهم بين ماكر بهم، أو مخادع لهم، أو مُتحَدٍّ. وكان بعضهم على جانب كبير من الورع والتقوى.
Page 5
وامتلأت حلبة الصراع من أجل السلطة والعظمة بالمتصارعين الأقوياء، وبينهم بعض شيوخ البادية. والزعماء المعروفون بالدهاء والغلظة، والمتعصبون من الأمراء الحسودين، والسلاطين الحقودون وإمام اليمن والإدريسي، وابن الرشيد والوهابيون، الذين حاربوا القبور وأضرحة الأولياء، بغارات متعطشة للدماء حاملين معهم شعاراتهم: «إما النصر وإما الشهادة». ومدت الإمبراطورية العثمانية أيادي فتوحها حتى وصلت الجزيرة، مقيمة حامياتها، وأسس البريطانيون موضع قدم لهم في عدن والخليج (الفارسي) بينما كان الروس والألمان يحلمون بالتدفق من الشمال. ولكن في غمرة جميع هذه الأحداث، وعلى الرغم من النكسات المتوالية، والمنافسات والحماقات، فقد حافظ الهاشميون على سيادتهم على الحجاز وعلى مركزهم في العالم الإسلامي.
وكانت أرضهم، لو استثنينا ما لها من مكانة روحية، ذات قيمة معتدلة من النواحي الأخرى. فقد ضعفت تجارتها القائمة على تخزين البضائع، بظهور الطرق الملاحية الجديدة في البحر الأحمر. وليس للبلاد أية موارد طبيعية، وإنما كانت تعيش عيشة الكفاف على ما يأتيها من الحجيج ومن تربية الإبل.
وفي مطلع القرن العشرين، عندما بدأت قصة كتابنا هذا، كان الحجاز ولاية من ولايات الإمبراطورية العثمانية، لها حاكمها التركي الذي يقيم في مكة، وتحت تصرفه حامية مؤلفة من سبعة آلاف جندي، وتضم عدداً من المنافي التي يبعد إليها خصوم الحكم القائم في القسطنطينية. لكن قداسة هذه البلاد، وقوة أسرتها الحاكمة، ظلا عاملين أساسيين في منحها بعض الامتيازات. فقد واصل الأشراف تسيير إدارتهم جنباً إلى جنب، مع الحكم التركي. على الرغم من أنهم لم يكونوا على وفاق دائم معهم.
وكان الأتراك يعفون أهل المدن المقدسة من الضرائب ومن الجندية الإلزامية، بل كانوا أيضاً يدفعون لهم إعانة سنوية لضمان هدوئهم. وقد أدى بُعد الحجاز عن قلب الإمبراطورية التركية، إلى عدم تأثره مطلقاً بالحضارة الأوروبية. وظلت الجزيرة العربية سراً مغلقاً على الأجانب، كما ظلت قداسة مكة والمدينة محرمة على الأجانب. وتقول بعض الروايات مع ذلك إن شخصاً اسكتلنديا حكم المدينة في مطلع القرن التاسع عشر. فقد كان المذكور حدثاً يعمل مع الفرقة العسكرية الثانية والسبعين البريطانية عندما سقط أسيراً في يد الأتراك، ثم بيع في سوق الرقيق واعتنق الإسلام. ومنذ ذلك التاريخ لم يتمكن إلا بعض المغامرين المسيحيين من الوصول إلى الأماكن المقدسة متنكرين في زي مسلمين ومنهم بيرتون من الجيش الهندي، وبيركهاردت. وقد جاءت الصور التي رسموها للحجاز ملأى بالتفاصيل الغريبة، كالقفاطين المتعلقة بالطقوس الدينية، والاحتفالات الغريبة، والتجار الطامعين، والأشراف يحكمون كل ذلك.
وتصبح مكة في فصل الحج، من أغرب الأماكن في العالم، خليط من التقاليد والأجناس والأخلاق، بعضها يبدو فيه تهجد الصوفية، وبعضها يظهر فيه الحرص، وأخلاق البادية، وتصبح كتلة من الأجساد البشرية المتراصة، ترفع أصواتها بالأدعية الروحية الدينية. وكانت جماعات الحجاج في هذه الأيام تقطع الطريق مشياً على الأقدام من إفريقيا الشمالية إلى الحجاز، وقد ارتدى أفرادها ملابس الإحرام الطاهرة. وكان بعض التائبين، يزحفون خطوة فخطوة في طريقهم إلى الأرض المقدسة. وكانت بواخر أخرى تنقل الحجاج، عبر البحر الأحمر، وقد اكتظت بهم ظهورها، وانتشرت روائحهم تملأ عباب البحر، ألوف وألوف من المؤمنين جاءوا من أنحاء جاوه والملايو والصين. أما المحمل العظيم، فكان يسير في الطريق البري كل عام قادماً من دمشق، تحرسه القلاع المنتشرة على الطريق من الغارات، وعلى رأسه أمير الحج، وفي معيّته الحجيج، تحمل الأثرياء منهم المحفات، بينما يسير الفقراء من هؤلاء الحجيج على الأقدام.
وظل الحجاز بالنسبة للمسيحيين أسطورة مغلفة بكل ما هو محرم عليهم، فحتى ذلك الوقت لم تكن سيارة واحدة قد أنزلت إلى أرصفة جدة، وكان خط هاتفي واحد يربط مدينة مكة بالساحل. وإذا ما حدث وطلبت الرقم الأول في مكة، رد عليك الشريف الأكبر بنفسه، وفي أسواق الحجاز، كان لا يزال باستطاعتك شراء عبد شركسي أو جارية سوداء. أما القانون فشريعة الإسلام مرتكزة على مبدأ العين بالعين. وإذا كنت لصاً قُطعت يدك، وإن كنت قاتلاً قُطعت رقبتك. وظل الحجاز، بعيداً عن أوروبا، تحكمه شرائع القرآن الكريم، والقواعد التقليدية لمبادئ الثأر والعقوبة.
وظل الحجاز من ناحية أخرى الغدير الروحي، بالنسبة لذكرياته السامية، فهو يضم بالنسبة إلى الإسلام، قدسها وبيت لحمها وناصرتها، ولكنه لا يضم في أية حال من الأحوال رومتها، فلم يظهر في الحجاز إلا العدد القليل من مفكري الإسلام وكبار فلاسفته، وليس فيه جامعات ولا مستشفيات، باستثناء بعض الكتاتيب الصغيرة. وكان مركز الخلافة الإسلامية قد انتقل إلى القسطنطينية. حيث تسلم السلاطين الخلافة، بينما ظلت القاهرة العاصمة الثقافية للعالم الإسلامي. وكان المسلمون التقدميون في مصر وسوريا يرون الحجاز مع قدسيته متأخراً عن ركب الحضارة. أما بالنسبة إلى الأتراك، فكانوا يرون فيه جزء قاحلاً وكثير المشاكل في إمبراطوريتهم. أما بالنسبة إلى الملكة فيكتوريا، ملكة إنكلترا، فقد كان الحجاز مكاناً يذهب إليه - كما كتبت مرة إلى سلطان تركيا - الألوف من رعاياها فيحتملون «أشد الآلام والمشاق» أثناء أدائهم فريضة الحج. ولقد عاد الكثير من الحجاج، بعد أن أدوا هذه الفريضة التي فخروا بأدائها، متأثرين بما عليه البلاد المقدسة من تأخر وجهل. فلم ينطلق فيه صوت يدعو إلى تحرر المرأة من ظلمات الحريم، ولم تقتحم فكرة متحررة رأس أي من سكانه. وعلى الرغم من أن سمعة الهاشميين كانت عظيمة إلا أن مملكتهم، إذا ما أخذت وفقاً للمقاييس العادية، كانت مهملة بائسة.
Page 6
أما بالنسبة إلى مقام صاحب الجلالة الشاهانية السلطان عبد الحميد الثاني، فقد كان الحجاز على جانب كبير من الأهمية. فهذا الطاغية المخيف والعطوف في آنٍ واحد، والذي لم ينل أي سلطان تركي، ما ناله من الكراهية العالمية، كان يعمل على فكرة «جامعة إسلامية شاملة». وكان يسعى إلى أن يعيد لمركز الخلافة ما كان لها من سلطة ضخمة في الماضي، ويستعيد بواسطتها سيطرته على المسلمين في كل مكان. ولكي يمد في شهرته كأمير للمؤمنين، حاك عبد الحميد حول نفسه أساطير من الورع والتقوى والإحسان، ووزع الصدقات الضخمة، وقرب رجال العلم والدين، ورمم المساجد وجدّد بناءها، وسلك مسلك «ظل الله على الأرض». وظل طيلة مدة خلافته يرعى الحجاز بعين ساهرة كما كان بابا روما يرعى مدينة القدس دائماً. وعلى الرغم من أنه كان يجد دائماً، وبين آونة وأخرى، من الضرورة بمكان أن يمارس تعيين الشريف الأكبر، إلا أنه حاول جهده دائماً تجنب وقوع خلاف بينه وبين الهاشميين الذين كان لهم من الناحية الدينية حق أكبر من حقه في الخلافة.
فقد سمح بالترتيب الذي يجعل ممثله الإداري في الحجاز - الوالي - يقتسم المسؤولية الإدارية مع الشريف الأكبر في شكل من أشكال الحكم الثنائي. وقام بتجديد الأماكن المقدسة في مكة والمدينة، ولبى طلبات الملكة فيكتوريا فأصلح الطرقات في الحجاز. وأهم من هذا كله، فقد عهد إلى المهندسين الألمان في عام 1901 بإقامة سكة حديد الحجاز، رابطاً دمشق في الشمال بالبلاد المقدسة. وتبرع هو، كدليل على ورعه وتقاه، بمبلغ خمسين ألف جنيه من جيبه، للبدء بالمشروع، ودعا المؤمنين في كل مكان إلى مشاركته في هذا التبرع، مضيفاً إليه اقتطاع عشرة في المائة من مرتب كل موظف وجندي في الإمبراطورية للمشروع. ومن المحتمل أن لا تكون مزاعم عبد الحميد بالتقوى والورع قد أقنعت المسلمين من رعاياه، بالنظر إلى ما يعرفونه عنه من بطش واستبداد. لكنها قُبلت قبولاً حسناً لدى المسلمين في الخارج، الذين تبرعوا بأكثر من مليون جنيه في الحال. وقد تم بناء الطريق الحديدي بواسطة جيش من الأتراك والألمان والطليان واليونان والألبان والعرب، وفي عام 1908 وصل الخط إلى المدينة.
وباستطاعتك أن تسافر الآن على هذا الخط في بعض أجزائه. وأن ترى قاطراته القديمة، تئز بصفاراتها في دمشق وعمان وأن تتجول بين محطاته التي بنيت على طراز شرقي مزخرف، معبراً عن غرائز الباشاوات، وميولهم. وعلى الرغم من أن هذا الخط لا يتعدى الآن حدود الرمم الباقية، إلا أن من السهل عليك أن تتخيل ما كانت عليه فكرة إنشائه من نبل وبُعد إدراك، في أيام قوافل الحجيج، يضاف إلى هذا كله، أن المشروع لم يضفِ على عبد الحميد هالة دينية فحسب، بل أمّن له أيضاً طريقاً عسكرياً، يستطيع بواسطته إرسال الفِرَق للقضاء على كل فتنة أو رد كل عدوان. وبينما كانت يدا الخليفة متشابكتين في الصلاة، كانت قبضة السلطان تقوي إمساكها بذلك الجزء من الإمبراطورية.
وعلى الرغم من بُعد نظر السلطان، فإن الولايات العربية ظلت مصدر قلق بالنسبة إليه. وقد عارضت قبائل الحجاز معارضة عنيفة في إكمال الخط الحديدي، الذي يحرم أفرادها من موردهم كأصحاب إبل يؤجرونها للحجيج، ولم يسمحوا بوصوله إلى مكة. وواصلت اليمن إظهار العداء السافر ضد السلطنة. كما أن الإدريس القوي، حاكم عسير، وقف علناً في وجه الأتراك. أما أمراء الخليج (الفارسي) فقد حالفوا البريطانيين في الوقت الذي تجمّع فيه أمراء الداخل، محتفظين بنوع من الاستقلال، ففي نجد مثلاً، قلب الجزيرة العربية، كانت عائلة ابن سعود الوهابية، تزحف نحو السلطة، وفي عام 1908، ارتقى مركز الشرافة الكبرى في مكة، هاشمي ذو خلق حاد كالإبر، يخضع لعظمة الأتراك في الوقت نفسه الذي يحس فيه بحقوق العرب.
وكان الحسين بن علي الحفيد السابع والثلاثون للرسول (ﷺ) قد قضى نحواً من خمسة عشر عاماً في القسطنطينية كأسير لدى السلطان. ولم يكن هو الوحيد في هذا الامتياز المحزن. فالخليفة السلطان، كان طاغية بكل ما في الكلمة من معنى، وقد ورث عن آبائه جميع مكائد الحكم الاستبدادي التي منحت للباب العالي خداعه الشرير. فالقسطنطينية في عهده، كانت بلداً يحكمها الأغوات والخصيان، وفيها كثيراً ما تلقى النسوة الخائنات مصيرهن في أعماق البوسفور بعد وضعهن في أكياس يُقذف بها إلى اليم، وفيها أيضاً تدار سياسة الدولة بمختلف أنواع المكائد، والوسائل الغريبة.
وعندما قام اللورد فيشر بزيارة القسطنطينية على رأس الأسطول البريطاني في البحر المتوسط، قدم السلطان عبد الحميد للأميرال، صبياً صغيراً كهدية منه إليه، وعندما رفض الأميرال الهدية، كانت نظرة السلطان إليه لاذعة قاسية، لكنها سرعان ما زالت عندما صعد السلطان إلى بارجة الأميرال فأدت له التحية ثلة من البحارة وكلهم من الفتية الشقر الشعور، المتوردي الخدود، وعلى الرغم من أن عبد الحميد كان يتمتع بمزايا بارزة، إلا أن سمعته الدموية، وما عُرف عنه من طغيان وقسوة، قد أوحت بأنه كان رجلاً كثير الذعر والخوف. فقد عاش في قصر محصن، يخدمه فيه نحو من ثلاثة آلاف موظف. وكان الخدم يرتجفون عن وعي وإدراك، عندما يقتربون من حضرته، ليقدموا له الشاي في الأقداح المصنوعة من الذهب الخالص، وفي قصره ثلاثمائة موسيقي يعزفون له عندما يريد، ومائتان وتسعون مرافقاً عسكرياً. وعند زيارة الأسطول البريطاني أهدى بحارته (640) ألف سيجارة من مخازن قصره.
لكنه كان دائم الخوف، فقد حرّم تمثيل المسرحيات التي يُغتال فيها الملوك، ورفض لمدة طويلة إدخال الكهرباء إلى قصره، لأنه ظن أن للمولدات التي تنتج القوة الكهربائية علاقة بالمتفجرات بالنسبة إلى تشابههما في اللفظ الإنكليزي (دينامو، وديناميت). ويقال إن موظفي المراقبة الذين عيّنهم عبد الحميد قد حذفوا من كتب الكيمياء التي تدرس في المدارس معادلة الماء (H2O) لأن الحرف الأول يرمز إلى عبد الحميد الثاني والحرف الثاني يرمز إلى العدم أي الصفر. وفزع السلطان أكثر ما فزع من التخريب والعصيان والاضطرابات السياسية، والمقاطعات الثائرة، والولاة الطامحين. وتجول في أنحاء الإمبراطورية، بالنيابة عن السلطان، جيش من عيونه وجواسيسه قـُدِّر عدده بنحو من ثلاثين ألفاً، يقومون باشتمام أي تبرم، ويحيكون المؤامرات الثأرية، بأقسى ما عُرف من وسائل. لقد كان السلطان قاسياً، وأتباعه كذلك.
Page 7
أما البارزون المشكوك في ولائهم وإخلاصهم، والذين لا تسمح مكانتهم واحترامهم بقتلهم وإبادتهم، فقد كانوا يستدعون إلى القسطنطينية حيث يوضعون موضع الإجلال والاحترام، ولكن ضمن نطاق معين من الحصر والإشراف. أما أسر الحسين فكان أكثر حرية وانطلاقاً، إذ إن الخليفة لم يكن يرغب في أن يتهمه أحد بإساءة معاملة حفيد الرسول (ﷺ). وقد وهبه الخليفة قصراً على شواطئ البوسفور، أقام فيه هو وزوجته وأولاده الأربعة. وأصبح الحسين من الشخصيات اللامعة في العاصمة، له حلقة واسعة من المعجبين، لاسيما وأنه كان يعرف القسطنطينية جيداً ويتقن اللغة التركية مثل إتقانه للعربية. وعيّنه السلطان عضواً في مجلس الدولة. وتلقى أبناؤه تعليماً بارزاً. ولم يكن الحسين متكبراً أو ميّالاً إلى الفخفخة والزخارف، لكنه نالَ من احترام أهل القسطنطينية مداه، نظراً لما كان يتمتع به من شخصية، وحسن نشأة. وفي الحق فقد كانت له صورته الرائعة، على الرغم من ضآلة جسمه، يرتدي دائماً ما خولته إياه منزلته بين شعبه، عمة غير منسقة، أقيمت على طربوش ملون، وعلى جسمه معطف طويل موشى.
واختلف الذين عرفوا الحسين في تقديرهم لشخصيته، فقال بعضهم إنه كان عنيداً وغامضاً وذرب اللسان، ووصفه فريق ثان بأنه كان صاحب إرادة، طموحاً، ومشاكساً. لكن جميع الذين رأوه وحادثوه، اتفقوا على أنه كان صاحب شخصية جذابة لا تقاوم. وقد وصفه السير رونالد ستورس (أول حاكم للقدس بعد الانتداب البريطاني) ذات مرة بأنه «بدون شك الرجل الوحيد الذي باستطاعته أن يهز مجتمع لندن من أقصاه إلى أدناه».
كان طويل الوجه، حسن الصورة، ذا حاجبين كثين، وشفة سفلى متدلية ولحية بيضاء كثيفة. وكان بالنسبة لأبنائه، مربياً من الطراز العربي، أنشأهم على النظام والطاعة، وأبعدهم في القسطنطينية، عن التيارات السياسية المخادعة في تركيا. وأصبح هو في القسطنطينية سيداً للغة الدبلوماسية، ولكنه ظل بالنسبة للأتراك لغزاً لا يُحل. وقد قال له السلطان مرة عندما جاء إلى القسطنطينية منفياً: «لقد بعثت في طلبك لأسباب اقتضتها مصلحة الدولة». كان السلطان هادئاً في قوله، إذ أن سياسة الإمبراطورية كانت تتطلب أن لا يكون مثل هذا الفرد الكفء، طليقاً في الحجاز.
وقامت الثورة في تركيا عام 1908، وانتقلت السلطة في الإمبراطورية إلى أيدي جمعية الاتحاد والترقي المتفرعة عن جمعية «تركيا الفتاة» وحددت صلاحيات الخليفة - السلطان إلى أقصى الحدود (على الرغم من أن الطاغية العجوز تمكن في بداية الأمر من وضع إشارة الثوار في عروة سترته مجتازاً الدوامة بمهارة ونجاح). وفي الوقت نفسه تقريباً خلا مركز الشريف الأكبر في مكة من صاحبه، فقد توفي الشريف، وأصيب خلفه المنتخب بنوبة من الفالج، عندما كان يشيّع جثمان سلفه إلى مقره الأخير. ورأى الحسين الفرصة، تلوح له، فتقدم فوراً يطلب الفرمان لنفسه وكتب يقول: «بالنظر إلى وفاة عمي الشريف عبد الإله بن محمد أمير مكة التي تلت خلع، ابن عمي، الشريف علي عبد الله بن محمد، فقد خلا كرسي الإمارة، ولما كنت أكبر أفراد الأسرة الهاشمية سناً، ولي حق الأولوية في منصب آبائي وأجدادي، أرجو أن أطلب من جلالة السلطان التكرم بمنحي حقوقي التي يعرفها جلالته بالإضافة إلى ما يعرفه عني من ولاء وصداقة».
وقد أثارت هذه الرسالة، ردود فعل مختلطة في الباب العالي، ويقال إن السلطان، كان لا يزال يشك في الحسين، بينما كان الاتحاديون يؤيدونه. معارضة منهم للسلطان ليس إلا، ويقال إن السفير البريطاني لدى الباب العالي قد قدم بكلمة طيبة يمدح فيها الحسين. وربما كان السلطان عبد الحميد، الذي يواجه الآن تعليق قوى الاعتدال داخل بلاده قد شعر فجأة بنوع من الصلة بالحسين، وربما رأى فيه مصدر قلق محتمل في المستقبل بالنسبة للاتحاديين، ولم تعد تهمه أمور الماضي كثيراً. ومهما كان السبب، فإن الخليفة بعد يوم أو يومين من التفكير أو المناقشة استدعى الحسين إلى قصره، وباركه، وقدّم له اعتذاره على خمس عشرة سنة من الحرية الضائعة، مانحاً إياه وسام الافتخار ومعيناً إياه شريفاً أكبر لمكة.
وعاد الحسين وأفراد عائلته إلى الحجاز في مطلع كانون الأول من عام 1908. وقد انزعج الحسين في رحلته هذه من وجود مجنون على ظهر الباخرة تسلق ذات يوم صاريها معتقداً أنه الطريق المؤدي إلى الفردوس، لكن استقباله في جدة، عند وصوله، كان فخماً ورائعاً. عندما ألقت الباخرة بمراسيها في الميناء، تقدمت زوارق شراعية عديدة تحمل جماهير غفيرة من علية القوم والشيوخ والعلماء والأئمة، ونخبة الأشراف لاستقبال الشريف الأكبر. وتلقى الحسين التهنئة بالعودة من جماهير أهل الحجاز، بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخهم. وبعد أن قضى ثلاثة أيام في جدة سافر إلى مكة، في قافلة، على طريق الحجيج، تتوقف بين الفينة والفينة، لتتلقى التحية من المستقبلين. وسار الموكب، يتقدمه الكشافة على جـِمالهم، فمجموعة من الفرسان، فثلة من الحرس السوداني ببنادقهم فجماهير الأشراف على إبلهم وخيولهم، فالجنود يحدون وينشدون. وعلى طرفي الطريق يسير الخيّالة وقد حملوا مجامر البخور لتعطر الجو برائحتها، وفي وسطهم الشريف الأكبر يمتطي بغلة شهباء، حيناً، أو جواداً أدهم حيناً آخر. وهكذا عاد الحسين منتصراً إلى مكة، أول عاصمة للهاشميين.
Page 8
وفي مكة، استقبل الأمير استقبالاً رائعاً، يتقدمه نبلاء المنطقة، وقاضي مكة، ونائب الأمير، والوالي وقائد الجيش، وزعماء قبائل عتيبة وحرب وغيرهما، وتلقى تهنئتهم جميعاً. ثم قام بأداء العمرة. وأدى الصلاة في الكعبة المشرفة، وشهد جلسة عامة استمرت حتى الليل. لكن ولده الثاني عبد الله. أكثر الأمراء انسياباً كالزئبق، اعتذر عن الجلسة، والرسميات، وذهب إلى فراشه مبكراً.
وإذا كان أي من متفائلي الأتراك قد افترض، بأن الشريف الأكبر الجديد، سيكون ليناً هشاً، فقد أخطأ التقدير، وعندما أبحر الشريف من القرن الذهبي، سلمت إليه رسالة تتضمن تعليمات الحكومة، مذكِّرة إياه بالعرى الوثيقة بين دار الخلافة والحجاز. وكتب الصدر الأعظم في تلك الرسالة يقول: «احمل أعباء واجباتك العظيمة وفقاً للتقاليد، ليس من واجبي أن أذكرك بأن جلالة السلطان والباب العالي يعتمدان عليك». لقد كانت هذه الرسالة أشبه بالتعليمات التي يوجهها ناظر مدرسة إلى عريفها لتشجيعه. لكن العريف في هذه المرة برهن على أن له برنامجه الخاص، وأنه لم يكن ليأبه كثيراً، بالروح المدرسية. لقد كان رجلاً له كبرياؤه وفرديته، ومع هذه الشخصية شعاع مبصر من العقل اللماح.
وفي العام التالي، خُلع السلطان عبد الحميد عن عرشه بعد انقلاب عسكري، ونُفي من عاصمته ليقضي بقية أيامه مع قطته المفضلة ومع بعض من نسائه البالغ عددهن 213 جارية. ورفع الاتحاديون إلى العرش، شخصية نكرة، لا قيمة لها، بينما احتفظوا بأيديهم بكافة وسائل السلطان. وكان أساس سياستهم الإمبراطورية الجديدة تتريك جميع الشعوب الخاضعة لهم. وكان العرب قد هلـّلوا للاتحاديين في بداية الأمر، على ضوء ما جاؤوا به من آراء متحررة جديدة، ولكن الآن، ولم ينقض ِ شهر العسل بعد، فقد تبين للعرب المثقفين أن الأخوّة العثمانية على الأسس التي يدعو إليها الاتحاديون، ستعني نهاية الحضارة العربية. وسارع العرب إلى العمل المعاكس فوراً، فتألفت في مصر وسوريا وباريس وتركيا نفسها جمعيات سرية، تعمل ضد هذه الفكرة.
أما في الحجاز فإن الحسين بن علي، بعد فترة من التعاون الذي يمليه الواجب، أبدى أسنانه الذهبية مكشِّراً عنها. فقد اكتشف أن الكثير من امتيازات الشريف الأكبر قد سُمح لها بأن تنام (لاسيما وأن سبعة من الأشراف قد تولوا المنصب خلال الخمسين سنة الماضية بسبب الوفاة والإقالة) فعزم على إحيائها من جديد. وفرض سلطانه على زعماء القبائل، وقام ببعض الأعمال على حدوده الشرقية. وأبرز في مكة سمعة الشرفاء، حتى قيل إن أكثر من ثلاثة آلاف شخص كانوا يومياً يتناولون القهوة في ديوانه. وسلك سلوكاً صحيحاً ولكن بارداً مع أصحاب السلطة الجدد في تركيا، خالقاً نوعاً من التوازن الدقيق بين الإذعان والعصيان. وعندما قابله نفر من الأعضاء المحليين لجمعية الاتحاد والترقي معربين عن أملهم في قيام إجراءات إصلاحية في طريقة الحكم في الحجاز على أسس عصرية متمدنة ثار في وجههم قائلاً إن الحجاز هو أرض الله، وإن الحكم الوحيد الذي سيظل سائداً فيه هو شريعة الله، وقانونه السماوي وتعاليم رسوله العظيم، وأكد أن أي قانون آخر، مهما وضع في تركيا من قوانين، لن يسري مفعوله على الحجاز. وخرج الاتحاديون من حضرته حائرين مرتبكين، لا يدرون ما يعملون، كما يخرج أي أستاذ مدرسة تجرأ فناقش أحد الكرادلة في مسألة دينية في حضرته. وأخيراً دبّ الشجار بين الشريف الأكبر وبين شريكه في الحكم، الوالي التركي للحجاز، ورفض الشريف أن يعتذر إلى الباب العالي رافضاً إطاعة العديد من الأوامر الإدارية وإجراءات البروتوكول، كما أصر على رفض إكمال السكة الحديدية من المدينة إلى مكة، التي سبق للقبائل أن عارضت في إتمامها.
وأخيراً رفض الحسين، رفضاً باتاً، قراراً تركياً جديداً، يقضي بأن يفقد الحجاز مركزه الممتاز، وأن يصبح كغيره من مقاطعات الإمبراطورية، خاضعاً للتجنيد الإجباري وللسلطة المركزية، ولما كان من الواضح أن الشريف حسين، لن يرضى بمثل هذه الخطوة التي تضيع على عائلته نفوذها ومسؤولياتها، فقد كان هذا القرار، بمثابة إنذار إليه، بالعزل من منصبه، وبإلغاء الإمارة، وإنهاء عهد الأسرة الهاشمية مرة وإلى الأبد. وعلى الأثر، أحدث هذا القرار رد فعل عنيفا في البلاد المقدسة، ولاسيما لدى الشريف الأكبر نفسه، وسارت المظاهرات محتجة في الشوارع. واختـُطف القائد التركي لقوات الدرك اختطافاً مهيناً، وأعلن الشريف، أنه لن يتخلى عن مركز سلطانه، حتى تصل الباخرة التي ستنقله إلى منفاه، ميناء جدة. وتتحدث الروايات عن أن الجماهير كانت تهتف دائماً، طيلة هذه الأيام: «عاش الأمير، إننا نريد حقوقنا». وشعرت الحكومة التركية، بالنظر لما بدا في الوضع من خطورة، ومن الحسين من تعنت وصلابة، ومن الشعب من عطف وتأييد، بأن الحكمة تقتضي منها التراجع. وأعلنت الحكومة التركية، أن الإمارة لن تـُلغى، وأنها لم تفكر قط بالقيام بمثل هذه الخطوة، وأن الشريف الأكبر سيحتفظ بسلطانه وحصاناته. وعندما قام عبد الله بزيارة القسطنطينية بعد قليل، أكد له المسؤولون هناك، أن الموضوع كان مبنياً على سوء تفاهم، وأن الحكومة لم يدر بخاطرها، قط، أن تمس كيان الحجاز، أو تتخلص من والده الشريف حسين. لكن الأمير الشاب، تلقى هذه التأكيدات بنوع من الاستهزاء الساخر، وعامل الاتحاديين بما عُرف عنه دائماً من حذر بالغ.
وأصبح معروفاً، لدى من يقرأون الطوالع، أن للشريف الأكبر مطامح تفوق شرافته وامتيازاته في الحجاز. وبدلاً من أن يخوض في سياسة توحيد الشعوب العثمانية في عنصر واحد كما كان يدعو إليها الاتحاديون. جالت في خاطره فكرة الاستقلال الذاتي، إما لتلك الرقعة من الجزيرة العربية التي يقيم فيها، أو لكافة الولايات العربية في الإمبراطورية، التي تمتد من سوريا إلى اليمن. وكغيره من العرب الذين كانوا ينظرون آنذاك بعين الحب والإجلال لتركيا، لم تتعد مطامحه، في ذلك الحين، حدود الحكم الذاتي، ولكن سرعان ما تطورت فيما بعد إلى الاستقلال الكامل. ولم تكن مثل هذه الآراء الجريئة لتنمو، في تلك الأيام في الحجاز، الذي حكمت طبيعته، بأن يكون معقلاً للفكرة المحافظة، وأن يكون من أشد أجزاء الإمبراطورية ولاءً للسلطان، ولكنه الآن، تمكن بوسيلة أو بأخرى، من إقامة اتصالات وروابط مع الجمعيات العربية الوطنية السرية في الشمال، التي كان أعضاؤها قد أخذوا يعرضون لبطش الأتراك. ولا ريب في أنه قد لعب دوراً غريباً في هذه العمليات العسكرية البدائية ضد تركيا. وعلى الرغم من أن نجله عبد الله، كان قد عاد الآن إلى القسطنطينية ليمثل مكة في مجلس المبعوثان. وعلى الرغم من أن الأتراك قد عرضوا عليه، أن يصبح حاكماً عاماً لليمن، إلا أنه، اشترك فعلياً في هذه الجمعيات السرية، وأخذ يزود والده بأنبائها، وبغيرها من الأخبار أولاً بأول. ومنذ اللحظة الأولى التي أصبح الحسين فيها شريفاً لمكة، نشط في حركة الاستقلال العربي، نشاطاً يجمع بين السر والعلانية.
Page 9
وعندما أخذت الحرب، تهدد هدوء أوروبا في عام 1914، كان الهاشميون، على علاقات ليست طيبة تماماً مع الإمبراطورية التركية، وكانوا قد وضعوا نصب عيونهم، الأمل بتحقيق الاستقلال للعرب. ولكن في ذلك الوقت، كما في أي وقت آخر، لم يكن بوسع الشعوب الصغيرة المعدمة، أن تشن حروباً، أو ثورات استقلالية دون أن يكون لها حماة، أو أنصار أقوياء، ولذا كان من الطبيعي، أن يقيم هؤلاء الهاشميون عاجلاً أو آجلاً علاقات مع الدولة التي تنافس تركيا في السيطرة على الشرق الأوسط، وهي بريطانيا.
وكان البريطانيون في ذلك الوقت - أي عام 1914 - قد وطدوا أقدامهم في مصر والسودان، الجهة المقابلة من الجزيرة العربية. وكامتداد لإمبراطوريتهم الهندية، كان البريطانيون قد حصلوا على حقوق السيادة والحماية في المناطق الواقعة على الخليج (الفارسي)، كما وسعوا نشاطهم التجاري في العراق. وكانت عدن، تتبع في إدارتها مدينة بومباي في الهند، كما وقع شيوخ جنوب الجزيرة معاهدات حماية مع بريطانيا، أما العلاقات البريطانية مع الباب العالي، فكانت متغيرة متذبذبة، طيلة القرن الماضي. وعلى الرغم من أن سياسة بريطانيا، كانت دائماً تستهدف، إسناد الباب العالي مخافة انهياره وظهور تطورات قد لا تكون في مصلحتها، إلا أن بريطانيا، وحتى قبل انضمام تركيا إلى دول الاتفاق مع ألمانيا والنمسا، كانت تتوقع منها أن تقف موقف العداء في الشرق الأوسط. وكان البريطانيون يعرفون، أن قناة السويس، لقربها من حدود الإمبراطورية التركية، لم تكن منيعة. كما راقبوا بحذر وقلق مد سكة حديد برلين - بغداد، معتبرين إياها مشروعاً معادياً لهم، ومنعوا وصولها إلى الكويت. ورأوا في سكة حديد الحجاز أيضاً، وسيلة لتحصين جناح من أجنحة الإمبراطورية العثمانية. ولكن أخطر مظهر من هذه المظاهر، كانت السلطة التي يحملها سلطان تركيا، بوصفه خليفة للمسلمين. ففي تلك الأيام كانت بريطانيا العظمى الدولة صاحبة النفوذ الأعظم في العالم الإسلامي، إذ إن رعاياها من المسلمين يبلغون سبعين مليوناً في الهند وستة عشر مليوناً في وادي النيل، في زمن كانت الديانة تلعب دوراً بارزاً في الحياة السياسية. وخلقت قداسة السلطان بوصفه خليفة للمسلمين مشكلة لبريطانيا وصفها لويد جورج آنذاك، بأنها من المشاكل الدقيقة. ولم يكن بوسع أحد تجاهل هذه الخطورة، لاسيما وأن السلطان عبد الحميد، بإنشائه لسكة حديد الحجاز، قد أثار موجة من الحماس بين المسلمين في كل مكان ولاسيما في الهند. وكثيراً ما قال الحجاج الهنود أو غيرهم: «خمسة أيام في القطار المريح بدلاً من ستة أسابيع في قوافل الجمال، والله إنه لعملُ ظلِّ الله على الأرض». وعلى الرغم من أن السكة الحديدية، لم تكمل قط، فإن مغزاها، وما أثارته من احتمال دعوة لحركة جامعة إسلامية كانا في طليعة الاهتمامات الإنكليزية. فقد بدأت بعض الأدمغة البريطانية النيّرة تدرك، أن حماة البلاد المقدسية من الهاشميين، قد يصبحون حلفاء نافعين ضد السيادة التركية المزعومة على الإسلام.
وتطورت المغازلات بين الفريقين، بصورة متباعدة، تلميحاً مرة وإطناباً مرة أخرى. ويبدو أن الحسين، كان لا يزال تنتابه بعض نوبات من شعور الواجب والولاء نحو الخليفة. وقد يبدو أيضاً أنه شعر بشيء من الامتعاض، من التحالف مع دولة نصرانية. ولكنه، على كل حال، كان رجلاً حذراً، ويقظاً، إلى أقصى حدود اليقظة والحذر. ومع اتساع هوّة الخلاف بينه وبين الأتراك. على الرغم من التستر الذي كان يرافق ذلك، والقائم على البروتوكول والمجاملة الدبلوماسية أخذ عقله يعمل باتجاه فكرة التفاهم مع بريطانيا، ولقد جاءت زيارة ولده عبد الله لدار الاعتماد في القاهرة المحرّك الأول لإمكانية هذا التفاهم. وكانت المقابلة الأولى بينه وبين اللورد كتشنر، حميدة غير مؤذية، فقد ذكر أحد الحاضرين، أن عبد الله كان قد أصيب بجراح في إحدى معارك الصحراء؛ فسارع كتشنر إلى إظهار ندبة عميقة في عنقه، كانت أثراً لجرح أصابه في السودان، وقد علق عبد الله على ذلك، بأن هذا غير مدهش، لأن جسم اللورد الضخم، يصلح هدفاً للرصاص الذي لا يخطئ. وهكذا مضت المقابلة الأولى في مثل هذا الحديث. وقد تكرر الاجتماع. وفي المرة الثانية، أشار عبد الله من طرف خفي إلى المتاعب التي يلقاها والده في الحجاز، كما وجه كتشنر سؤالاً أو سؤالين سديدين. وكانت هذه الإشارات والأسئلة بمثابة استطلاع أو تمهيد. وقد أدرك البريطانيون أن عبد الله يحمل رسالة من نوع ما إليهم، ولكنهم لم يستطيعوا إدراكها، وقد أصيبوا بنوع من الخجل من الاتصال، لأن بعض تكهنات الصحف قد أثارت شكوك الباب العالي. وكتب كتشنر إلى حكومته يقول: «إن من المفيد مراقبة التطورات، لأن العرب يبدون متحمسين». هذا وأخذ الدهاة من رجال دار المندوب السامي البريطاني في القاهرة يفتحون آذانهم ترقباً للأحداث.
وقد قام ألمع هؤلاء الدبلوماسيين البريطانيين باستئناف الاجتماعات عندما عاد عبد الله للمرة الثانية إلى القاهرة، وأعني به رونالد ستورس، المستشار الشرقي لدار المندوبية. الذي كان يتمتع برجاحة عقل فائقة وحماس منقطع النظير. وقد وجد عبد الله أن بإمكانه أن يتحدث إلى ستورس، بصراحة أكثر من حديثه إلى كتشنر المعروف بصلابته التي دفعت أحد المصريين يوماً إلى تقديم عريضة له عنونها «إلى صاحب الجلالة المستر كتشنر». ووجد الرجلان (عبد الله وستورس) تجاوباً في علاقتهما واجتماعهما، وكانا يقضيان الساعات الطوال؛ يلعبان الشطرنج، ويتبادلان محفوظهما من الشعر العربي. وكان ستورس؛ رجلاً طويلاً، نحيف البنية، ذا شارب خفيف، وجبهة عريضة تنضح بالإدراك والذكاء، ويمتاز بثقافة واعية، أما عبد الله، فكان مكتنز الجسم، حاضر البديهة، متألق الذكاء، يبدو كأمير صغير من أصل كريم الأرومة. وقد أعجب ستورس في اجتماعهما الأول، بما ألقاه الأمير على مسامعه من شعر عربي قديم، فكتب في مذكراته يقول: «ومنتقلاً، بواسطة سلسلة من الطائرات الرقيقة، قادماً من ماضٍ محارب، وجدت نفسي في حاضر عربي، يوجه إليّ السؤال المنطقي، عما إذا كانت بريطانيا على استعداد لتقدم إلى الشريف الأكبر، دزينة أو حتى نصف دزينة من المدافع الرشاشة، للدفاع ضد الأتراك».
Page 10
لقد كان هذا في عام 1914. وكانت بريطانيا لا تزال في حالة سلم مع تركيا، وعلاقاتها مع الباب العالي طيبة إن لم تكن وثيقة. وبالطبع، فإن ستورس، جامعاً بين الاستحالة ومنتهى الرقة، رفض الطلب.
لكن البذرة قد وُضعت في مكانها. وكلما دنا خطر الحرب، كلما تذكر كتشنر وستورس هذه الزيارات من الجزيرة العربية، مثلما كان الشريف الأكبر يرى أن هذه فرصته في غمرة الصراع، ليخرج من الوصاية التركية نهائياً. فالمبعد الخاضع في القسطنطينية، كان قد نضج الآن، وانقلب إلى زعيم مستقل، عنيف. لقد ثارت الدماء في عروقه. ولقد شجعه وشد من أزره ولده عبد الله، السياسي المحنك الكثير النشاط، فقرر الشريف أن ينفصل بالحجاز عن السيادة التركية، كما بدأ يهم بإنشاء إمبراطورية هاشمية مستقلة تضم جميع أجزاء الشرق الأوسط العربية. واعتقد أن الحرب إذا نشبت، فإن بعض هذه الأهداف ستتحقق، إما بالوقوف إلى جانب تركيا، والحصول على ثمن الولاء، أو باهتبال الفرصة وإعلانها ثورة عنيفة جارفة، وبالطبع وضع مصالحه في المقدمة، ولم يتمكن الأتراك أو البريطانيون، من التأكد، من الاتجاه الذي ستسير فيه خيالاته وقراراته. وكان عبد الله بالطبع قد ألمح بعض الشيء عن هذا الاتجاه، ولكن من يدري؟
ونشبت الحرب في أوروبا في شهر آب، واتضح أنها ستنتشر بسرعة إلى الشرق الأوسط، حيث ظهر أن الألمان، كانوا قد أحرزوا بعض السيطرة على الأتراك. وبعد شهر أو شهرين، وبحافز من ستورس، وموافقة من كتشنر، استأنف البريطانيون اتصالهم بالهاشميين. ففي ذات صباح من الأسبوع الأول من شهر تشرين الأول عام 1914، وصل إلى مكة، على متن حمار، مصري متوسط في السن، قضى الليل بطوله مسافراً من جدة إلى مكة، ومرتدياً ملابس الإحرام. وقد سارع فور وصوله إلى أداء مناسك العمرة، فأدى الصلاة في الكعبة، وطاف حولها، ولثم الحجر الأسود، وشرب من ماء زمزم، وارتقى جبل عرفات ورجم الحصى. وكان المصري المذكور، أنيق الصورة، بشوش الوجه، ومع أنه شكا من كل ما رآه، ومن قسوة الحياة في البلاد المقدسة، إلا أنه مع ذلك سلك سلوكاً رائعاً، وأقام صداقات مع وجوه المدينة. وبالطبع سأل عن الشريف الأكبر، ليقدم إليه واجب الاحترام، فقيل له إن الأسرة جميعاً في الطائف، في الجبال. واستأجر المصري بعيراً سريعاً، مع صاحبه، وأجزل له العطاء، ثم أعطاه رسالة ليقدمها بنفسه وشخصياً إلى الأمير عبد الله في أسرع وقت ممكن.
وهكذا عرضت الحكومة البريطانية سراً تحالفها على الهاشميين، فقد كان المصري المذكور عميلاً لبريطانيا أوفده ستورس في مهمة سرية. وكانت الرسالة التي حملها تسأل الأمير عبد الله، عن موقف الشريف الأكبر في حالة دخول تركيا الحرب ضد بريطانيا، وهل يكون «معنا أو علينا». وتلقى الحسين وأولاده الرسالة في بادئ الأمر بمنتهى الشك والريبة، فقد خشوا أن تكون دسيسة تركية. ولكنهم سرعان ما اطمأنوا وبعثوا برد إلى العميل البريطاني، يؤكدون فيه أنهم «عرفوا من أين جاء» ثم أسرعوا بالسفر إلى جدة. وكان في مستقبلي الشريف الأكبر في جدة، العميل المصري، الذي قبّل طرف جبته، وسرعان ما استدعي إلى القصر. وكانت الرسالة البريطانية قد كُتبت باللغة العربية، وبعبارات تنضح بالتقى والإيمان، وعندما قرأها عبد الله، بدقة وإمعان، أشار إلى أن ستورس يجب أن يكون مسلماً، لإلمامه الواسع بالآيات القرآنية. وأقر المصري وجهة نظر الأمير، وبعد قليل، سمح له بمقابلة الشريف الأكبر نفسه، مقابلة خاصة. وتحدث الحسين بعظمة وجلال، عن أشياء دينية ودنيوية، وأعرب عن حبه لستورس في إشارات وتلميحات لا تخلو من الفخامة وعزة النفس، وأظهر بأنه نقي القلب صافي الضمير، وطلب إلى العميل، أن ينقل تحياته إلى المستشار الشرقي بشكل «يليق به وببلاده» وقد رد العميل: «السمع والطاعة يا مولاي».
ومع أن هذه المقابلة كانت سعيدة وجادة، إلا أن الشريف الأكبر لم يكن بعد على استعداد للانغماس في تحالف مع بريطانيا يمكن أن يوصف على أقل تقدير، بالكفر، وعلى أكثر تقدير بالخيانة. فمن ناحية واحدة، ولعلها التي كانت تسيطر على تفكيره، لم يكن الحسين واثقاً من نجاح التحالف. فالبريطانيون لم يقدموا إليه أية ضمانات، وقد تكون لهم أطماعهم في الشرق الأوسط. ولم يكن الشريف ليعرف، ما ستلقاه ثورته من تأييد شعبي في البلاد العربية الأخرى. وكان للأتراك قوات برية ضخمة، وقد قويت شوكتهم بفضل تدريب الألمان وإنشاء سكة حديد الحجاز. وماذا سيكون المصير في حالة الفشل؟ مصير مفزع حتماً.
وقضى الشريف وقتاً طويلاً في التفكير وفي التهامس مع أنجاله. وكان فيصل، النجل الثالث، يحثه على الحذر والصبر، بينما كان عبد الله، يدعوه إلى القتال والمجد. وقد اختط الحسين لنفسه خطة بين الرأيين، فمضى في طريقه بإصرار ولكن بحذر وحيطة. وتعاقبت الاتصالات الخفية، وتبادل وجهات النظر، وفي كل مرة يشتد حماس البريطانيين، بالنظر إلى زيادة خطورة الوضع في الشرق الأوسط. وتلقى الشريف رسالة مشجعة من السير ريجنالد وينجيت، حاكم السودان العام، المسؤول في الوقت نفسه عن شواطئ البحر الأحمر من الجانبين. وأبرق كتشنر، الذي كان يومذاك في إنكلترا إلى عبد الله بتحياته، مضيفاً قوله: إذا قام الشعب العربي بمساعدة إنكلترا في هذه الحرب، فإن إنكلترا تتعهد، بأن أي تدخل لن يجري في البلاد العربية، وستعطي العرب كل عون ضد أي عدوان أجنبي خارجي.
ودخلت تركيا الحرب في تشرين الثاني عام 1914، وتلقى الشريف الأكبر بعد شهرين رسالة من إحدى الجمعيات العربية السرية في دمشق. حيث وصل مبعوث الجمعية إلى مكة يحيط به سياج من الكتمان والحرص، وقد رفض أن يسلِّم أي رسالة إلا إلى الحسين نفسه، في مقابلة خاصة، وكانت الرسالة مجرد همسة ليس إلا. قال الرسول للشريف، إن القوميين العرب في سوريا والعراق، يؤيدون ثورة عربية، ويودون أن يعرفوا ما إذا كان الحسين على استعداد لتزعمها. ولم يُجب الأمير العجوز على هذه الرسالة السرية، كما لم يوجه أية أسئلة، وإنما اكتفى بالتطلع من النافذة. ولكنه أرسل الأمير فيصل إلى دمشق لمقابلة زعماء الحركة الوطنية، وليبلغهم مقترحات بريطانيا. وسافر فيصل إلى دمشق، وحلّ ضيفاً على جمال باشا، القائد العام التركي، ومضطهد الحركات الوطنية العربية، وكان عليه أن يقوم بمهمته السرية وأن يجتمع بزعماء الحركة شارحاً الوضع لهم، ودارساً وجهات نظرهم، تحت سمع الوالي التركي وبصره، على أن لا يحس به. وتواردت تقارير الأمير السرية إلى والده وكلها كانت تنقل بصورة خيالية غريبة تحمل طابع المغامرات، فمنها ما أخفي في نعال الأحذية أو مقابض السيوف، أو عباءات الخدم. وحمل فيصل معه عند عودته إلى مكة، مذكرة وضعها الزعماء الوطنيون، وقد كُتبت بخط دقيق، ثم خيطت إلى نعل أحد الخدم، تتضمن الظروف والشروط التي وضعوها لقبول الاشتراك في ثورة تؤيدها بريطانيا كما تتضمن بيعتهم للشريف الأكبر، ليكون الناطق باسم العرب، في أية مفاوضات يقوم بها مع بريطانيا بالنيابة عنهم، للحصول على الشروط التي طلبوها.