إشكالية المنهج في العلوم الاجتماعية
توطئة
لقد أقام ما عرف بإشكالية المنهج في العلوم الاجتماعية الدنيا، ولم يقعدها، لأنها مرتبطة بطبيعة العقل الإنساني، وعلاقته المتوترة بالواقع من جهة، وكيفية تفسير هذا الواقع من جهة أخرى، وبوظائف المعرفة الإنسانية من جانب آخر. فالإنسان فكر؛ ومازال يفكر في عالمه منذ أن وجد على سطح البسيطة، وعندما يفكر في عالمه، فإنه يطور مناهج وطرق تفكيره، بمعنى أن علاقة العقل، أو المنهج بالواقع علاقة متغيرة.
انطلاقاً من ذلك فقد رافقت هذه الإشكالية الإنسان منذ القدم، وتمثلت في تطور مسيرة المعرفة وعلاقتها بالمجتمع عبر العصور، وتموجات هذه المسيرة عبر القراءات المختلفة للواقع، كالقراءة اللاهوتية، والميتافيزيقية، والفلسفية التاريخية، والوضعية وغيرها، وصولاً إلى القراءة العلمية، والتراكم المعرفي[5]، وقيام الثورات العلمية[6]. فلولا القفزات الإبستمولوجية التي أنجزها مفكرون عظام، مثل رينه ديكارت (1596-1650) في دراساته المختلفة، (مبادئ الفلسفة)، وخصوصاً في دراسته الموسومة بـ(مقال عن المنهج 1637)[7] وفرنسيس بيكون (1561-1676)، وجون ستوارت ميل (1806-1873)، وجون لوك، في دراسته عن (الحكومة المدنية)، وكانت ( Kant ) و(الأمر المطلق) بوصفه أساساً للأخلاق، وهيوم ورفضه للديكارتية، وما تبع ذلك من ثورات منهجية وطفرات إبستمولوجية، تمثلت في تحرير العقل الإنساني من أصفاد اللاهوت والفكر الظلامي للقرون الوسطى[8]، وإخراجه من ذلك الركود الفكري الذي تمثل في إرجاع الظواهر إلى تفسيرات ما وراء الطبيعة، وظهور مناهج متعددة كالوضعية والمنهج التاريخي والظاهراتي وغيرها، لولا ذلك لما كان للإنسانية أن تنتقل من عصور الظلام إلى العصر الحديث، ولما صار القلق المعرفي هو سمة العقل الإنساني. فالتقدم الحقيقي صنعه وتصنعه العقول القلقة، المفكرة، الباحثة، (الفائقة)[9]. وعليه فالتغير الاجتماعي هو تغير في العقول والمناهج والفكر. فما لم تتغير العقول ومناهج المعرفة، لن يتغير المجتمع.
إن العقول القلقة التي حاربت الفلسفة المدرسية في العصور الوسطى هي التي غيرت بنية العقل الإنساني ومهدت السبيل لمرحلة الحداثة. الشك المنهجي في الفكر الكنسي ونظرته إلى العالم، وإخضاع الرؤية اللاهوتية للعالم للعقل، كانت الخطوة الأولى في تحطيم هذه الهيمنة. فقد وضع ديكارت في بحثه (مقال عن المنهج لإحكام قيادة العقل وللبحث عن الحقيقة في العلوم)، اللبنة الأولى في بناء العصر الحديث، عندما تحدث عن أهمية العقل والعلم والفكر وتغييره، وعن أهمية الأفكار وأنها تحكم العالم، «أنا أفكر، إذن فأنا موجود»[10]، فديكارت يستدل على وجوده من خلال تفكيره، وكانت حكمته الثالثة في أن «أجتهد دائماً في أن أغالب نفسي لا أن أغالب الحظ، وأن أغير رغباتي، لا أن أغير نظام العالم، وبالجملة أن أتعود الاعتقاد بأننا لا نقدر إلا على أفكارنا، قدرة تامة»[11]، لذلك أنفق حياته «في تثقيف عقله، وفي معرفة الحقيقة»[12]، والأكثر من ذلك كله هو تصور ديكارت للإنسان بأنه كائن يفكر[13]، اتخذ من الشك منهجاً للمعرفة، «الشك هو الطريق إلى اليقين»[14]، وجعل هذا المنهج مؤلفاً من قواعد أربع يسلم بعضها إلى بعض[15]، وأولى هذه الحقائق هي «ألا أقبل شيئاً ما على أنه حق، ما لم أعرف يقيناً أنه كذلك: بمعنى أن أتجنب بعناية التهور، والسبق إلى الحكم قبل النظر»[16]. فالمنهج الديكارتي هو الذي يبيّن القواعد العملية التي يجب اتباعها لإحكام قيادة العقل على العلم. والعلم عنده استنباطي.
فالفكر يسبق الوجود، أو أن المدخل إلى دراسة الواقع هو مدخل عقلي. إن أهمية المنهج الديكارتي تكمن في كونه يؤكد على أن الإنسان عاقل ومفكر، ومادام كذلك فإنه لا يقبل إلاَّ بما يسلم به العقل من وقائع وحقائق، حتى إنَّ وجوده لا يتحقق، إلا من خلال التفكير والعقل.
من هنا تبدو لنا إشكالية المنهج بأنها علاقة العقل، أو العلوم العقلية بالواقع، ونظرتها إلى الواقع، من حيث القراءات المختلفة لعالم الإنسان، ولدور العلم ووظائفه، ومسؤوليته الاجتماعية. فالإشكالية إذن تدور حول مناهج تحصيل المعرفة، وعلاقة العلم بالمجتمع، ووظيفة العلم. وبهذا فهي تضرب بجذورها في التاريخ. فكلنا يعرف القراءات العقلية المختلفة للواقع عند الإغريق والمسلمين والمسيحيين، ودور المناهج في نشأة الحضارات وانهيارها بوصفها طريقة في الحياة والتفكير والسلوك، بمعنى أن نمط المناهج السائدة هو الذي يحدد موقفنا في الحياة، وطرق تفكيرنا، وطبيعة المجتمع المفتوح أو المغلق[17]. فالمناهج هي طرق التفكير والعمل. فمن المجتمعات ما انهارت بسبب انغلاق تفكيرها ومناهجها، أو ما أسماه مالك بن نبي بالأفكار الميتة[18]، وبيرغسون بالأخلاق المغلقة، مقابل الأخلاق المفتوحة، الأولى هي أخلاق المجتمعات التي وقف فيها التطور، والثانية كلها ذكاء وحركة وإبداع، وهي التي تفتح أمام الإنسانية أفقاً واسعاً لانهائياً[19]، ومنها ما نهض بفضل الثورات المنهجية التي طرأت عليها.
وهكذا لم تكن الحداثة الأوربية ممكنة لولا الثورة العقلية والمنهجية، والقطيعة الإبستمولوجية مع المناهج اللاهوتية، وتغيير المرجعيات المعرفية للفكر، وفك أسر العقل من الوصايات اللاهوتية وغيرها. وقد كان الفيلسوف الألماني كنت ( Kant ) أفضل من عبر عن ذلك عندما ذكر أن عصر التنوير هو العصر الذي خرج فيه العقل والإنسان من قصورهما، ومن الوصايات المفروضة عليهما. فمسيرة العلوم الاجتماعية هي إشكالية منهجية واجتماعية وفكرية، أي تغيير في علاقة العلم والمناهج والفكر بالواقع، وتحوُّلُ هذه العلاقة من علاقة راكدة إلى علاقة دينامية ونقدية، جعل العقل يصبح إيديولوجية المجتمعات الحديثة.
إذا كانت إشكالية المناهج هي الدورة الدموية للعلم؛ تجدد المعرفة، وتربطها بالمجتمع، فلماذا إذن هي إشكالية؟
إذا كانت الإشكاليات المنهجية عند المفكرين السابقين تدور في معظمها حول تأسيس المنهج على أسس عقلية (ديكارت)، أو تجريبية (بيكون)، ومواجهة الفكر الكنسي المعادي للعقل والعلم، والتأسيس للنهضة الأوربية الحديثة، فإن إشكالية المناهج الحديثة لم تظهر إلاَّ مع أوجست كونت ( Auguste Comte ) (1798-1857)، الذي ذهب في معاداته للفكر اللاهوتي والفلسفي إلى رفض هذا الفكر، والتأكيد على أخذ مناهج العلوم الإنسانية بمنهج العلوم الطبيعية. فالعلم واحد، و المنهج واحد، فلا فرق بين منهج العلوم الإنسانية والطبيعية، وبين عالم الاجتماع وعالم الفيزياء، ولن تصبح العلوم الاجتماعية علوماً ما لم تأخذ بمنهج العلوم الطبيعية. ولذلك فإن علم الاجتماع الذي سماه بالفيزياء الاجتماعية عليه أن يبحث في القوانين الاجتماعية للسلوك الإنساني، كما تبحث الفيزياء في القوانين الطبيعية. فتحت وطأة الخراب والدمار الاجتماعي اللذين أحدثتهما الثورة الفرنسية، التي لم تكن في نظره سوى أزمة فكرية، أفرزها المنهجان اللاهوتي والفلسفي، ذهب كونت إلى رفض هذين المنهجين، وإلى الأخذ بمناهج العلوم الطبيعية. كان كونت مفكراً عنيداً وصلباً وأصيلاً. كان أصيلاً في منهجه وفكره، وكان له قراءته المنهجية والاجتماعية الخاصة. فالثورة الفرنسية لم تتولد عن الظلم الاقتصادي والسياسي، بل تولدت عن عجز هذين المنهجين عن تخطيط وتنظيم المجتمع. فهذان المنهجان ليسا علميين، بل هما مجرد تأملات لاهوتية وميتافيزيقية، تدمر المجتمع والإنسان. من هنا كان خطابه المنهجي معادياً لكل ما هو فكري وإنساني. ومع أن كونت قد ضمَّن فلسفته كثيراً من أفكار عصر التنوير؛ كتأكيده على دور العقل في التقدم الإنساني، ودور المعرفة والمنهج العلمي في التطور الإنساني، إلا أنه كان معادياً لفكر عصر التنوير، حتى إنه قضى على الفكر بدلاً من إصلاحه. وهكذا فقد ظهرت هذه الإشكالية مع الفلسفة الوضعية، وتحديداً مع أوجست كونت، الذي أراد لعلم الاجتماع أن يأخذ بمنهج العلوم الطبيعية، وأن تدرس الظواهر الاجتماعية كما تدرس الظواهر الطبيعية، بمعنى تطبيق المنهج التجريبي على دراسة الظواهر الاجتماعية. إن «مركب النقص هذا عند العلوم الإنسانية»، وهو أنها لا تصبح علماً، ما لم تطبق المنهج العلمي، هو أساس المشكلة. وقد تطورت هذه الرؤية المنهجية عند تلميذه دوركهايم (18 -1917) لاحقاً، فقد أكد في كتابه (قواعد المنهج في علم الاجتماع) على أنه «يجب ملاحظة الظواهر الاجتماعية على أنها أشياء»[20]، و«معنى أن نعالج الظواهر على أنها أشياء، هو أننا نعالجها على أساس أنها أشياء تقدم نفسها للملاحظة، كنقطة بدء للعلم»[21]. و«حينئذ يجب علينا أن نلاحظ الظواهر الاجتماعية في ذاتها، أي مجردة عن الأفكار التي يكونها الناس لأنفسهم عنها. ويجب علينا أن ندرس هذه الظواهر من الخارج على أنها أشياء خارجية، وذلك لأنها لا تقع تحت ملاحظتنا إلا على هذه الكيفية»[22]. إن شيئية الظاهرة الاجتماعية بوصفها أشياء قابلة للملاحظة والتجربة، هي التي عمقت الخلاف المنهجي، وساهمت أيضاً في تطوير المناهج. ولم تفجر هذه الرؤية المنهجية الخلاف بين مناهج العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية فقط، بل صعدت حدة الخلاف داخل العلوم الاجتماعية بين من يأخذ بمناهج العلوم الطبيعية، وبين من يؤكد على خصوصية المنهج في العلوم الاجتماعية والتاريخية. وقد شغل هذا الخلاف المجتمع العلمي طوال القرن العشرين.
كان العلماء الألمان، مثل دلتاي ( Dilthy )، وفندلباند ( Windelband ) وريكرت ( Rickert )، هم الذين تصّدوا لهذا المنهج، وميزوا بين العلوم الطبيعية القانونية التي تقوم على التفسير ( Erklaeren )، والعلوم العقلية القائمة على الفهم ( Verstehen ). وقد سمى دلتاي منهج العلوم التاريخية بالمنهج الهرمينوطيقي (منهج التأويل) ( Die hermeneutische Methode ). وقد استند فيبر إلى الكانتيين المتأخرين، وحدد منهج علم الاجتماع في كتابه (الاقتصاد والمجتمع) بوصفه منهج الفهم. ولكل من هذه المناهج رؤيته وفلسفته الاجتماعية ونظرته إلى دور العلوم الاجتماعية ووظائفها. فإذا كانت المنهجية الوضعية قد ذهبت في معاداتها للفكر اللاهوتي والميتافيزيقي إلى حد رفضها لكل ما هو فكري، ولفلسفة عصر التنوير ومشاريعه المتعلقة بالإنسان وحريته، من خلال دراستها لعالم الأشياء بدلاً من عالم الإنسان، فإن الفكر الألماني، ذا النزعة الفلسفية التاريخية، هو الذي تصدّى للمشروع الوضعي. ولعل السبب يكمن هنا في أن الفلسفة في ألمانية كانت هي حاملة لواء التنوير والتغير. الثورة في فرنسة، والفلسفة، أو العقل في ألمانية، هما النقيضان. لقد أنجز العقل في ألمانية، ما أنجزته الثورة في فرنسة. من هنا نستطيع التعميم بأن الفكر الألماني على اختلاف مشاربه، وعلى مدى القرنين التاسع عشر والعشرين قد رفض الوضعية الكونتية، وقدم رؤى منهجية بديلة.
ويمكننا القول: إن العديد من الاتجاهات الحديثة في علم الاجتماع ترفض المنهج الوضعي، ابتداء من فيلهلم دلتاي ( Dilthy ) (1838-1911)، الذي كان أول من أثار إشكالية العلوم الطبيعية والعلوم العقلية ( Geisteswissenschaften )، وقد تمخضت هذه الإشكالية عن ولادة مجموعة من المدارس والمناهج، كالمنهج الهرمينوطيقي و الظاهراتي، ومنهج علم اجتماع المعرفة، ومنهج الفهم الفيبري، ومنهج مدرسة فرنكفورت النقدي، وصولاً إلى نظريات ومناهج المجتمع العالمي.
كان دلتاي، المفكر الألماني، ورائد المنهج الهرمينوطيقي ( Hermeneutische Methode )، أول من طرح إشكالية العلوم الاجتماعية المنهجية. وقد تطورت هذه الرؤية المنهجية لاحقاً عند علماء الاجتماع الألمان الذين أكدوا على الفرق بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية، كما فعل فيلهلم دلتاي ( Wilhelm Dilthy )، الذي يرى أن مفهوم العلوم العقلية مفهوم، مرتبط زماناً، ونابع من وضع تاريخي واجتماعي محدد، إنه ذلك الوضع الذي تحررت فيه العلوم الطبيعية والاجتماعية الحديثة من الفلسفة. وقبل ذلك كانت تعرف بالفلسفة التطبيقية، أي نظرية العالم التاريخي الاجتماعي بوصفها نظرية السلوك الأخلاقي السياسي، وتقابلها الفلسفة النظرية، وهي العلوم الرياضية الملموسة والميتافيزيقية[23]. وعن ذلك نشأ التمييز بين العلوم الطبيعية والعلوم العقلية.
كان دلتاي أول من أثار إشكالية العلوم العقلية و الطبيعية في كتابه (أصول منطق ومنهج النظرية العلمية) ( Grundriss der Logik und des Systems der Wissenschaftslehre ) (1865)، وفي كتابه الآخر (بناء العالم التاريخي في العلوم العقلية) ( Der Aufbau der geschichtlichen Welt in den Geisteswissenschaften ) الذي ميز فيه بين علوم العقل من جهة، وعلوم العالم الخارجي من جهة أخرى، الأولى هي علوم الحياة، فالحياة هي مصدر المعرفة والخبرات والتجارب، من الحياة تنطلق العلوم العقلية، فهي مادتها وموضوعها. إن العلوم العقلية تتولد عن حياة الأفراد والمجتمعات، فثمة علاقة متبادلة ودائمة بين الحياة وتجاربها وبين العلوم العقلية. هنا تنشأ العلاقة بين الحياة والعلم، تصبح بمقتضاها الحياة موضوع العلم. أما العلوم الطبيعية فتدرس العالم الخارجي[24]. يقول دلتاي: «وهكذا يكون الانطلاق من الحياة والعلاقة المستمرة معها السمة الأولى في بناء العلوم العقلية: فهذه تقوم على المعايشة، والفهم ( Verstehen ) وخبرة الحياة. هذه العلاقة غير المباشرة، التي ترتبط فيها الحياة والعلوم العقلية، أدت في العلوم العقلية إلى خلاف بين اتجاهات الحياة وهدفها العلمي»[25].
إن انفصال العلوم الاجتماعية عن الحياة، وابتعادها عن فلسفة ومشروع عصر التنوير بوصفه مشروع الحداثة الأوربية، هو الذي أشعل الحرب المنهجية بين علوم الحياة، أي بين العلوم العقلية، و العلوم الطبيعية. ومع أن هذه المسألة قد شغلت الفكر الأوربي برمته في القرن العشرين، إلا أن دراسات بعض المفكرين تبقى محطةً أساسية للكثير من الاتجاهات. ونذكر في هذا السياق دراسة الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل ( Husserl Edmund )[26] ، مؤسس الفلسفة الظاهراتية، الذي كان من أشد المنتقدين للمنهج الوضعي، وأخذ عليه بأنه لم يعد يهتم بالواقع الاجتماعي. ففي دراسته (أزمة العلوم الأوربية والفينومينولوجيا المتعالية، مدخل إلى الفلسفة الفينومينولوجية) ( Die Krise der europaeischen Wissenschaften )، أرجع هوسرل أزمة العلوم الاجتماعية الأوربية إلى المنهج الوضعي، الذي هيمن في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقطع الصلة بين العلم والحياة اليومية، واهتم بتقنيات البحث ودقة النتائج أكثر من اهتمامه بدراسة الواقع الاجتماعي والإنسان، وقد عرف ذلك بصنمية المنهج[27].
كان السؤال المركزي لهوسرل، هو: ما أزمة العلوم الاجتماعية؟ و لماذا كانتِ العلوم الإنسانية، مادامت لا تهتم بالإنسان، ولا تساعد الإنسان في التغلب على أزمات الحياة؟ ولماذا كانتِ العلوم الاجتماعية، مادامت لا ترتبط بالحياة والإنسان؟ «إن أزمة العلم لا تعني أقل من أن علميتها وطريقتها وتصورها لوظيفتها، ومنهجها الذي كونته لذلك، أصبح موضع التساؤل»[28]. لذلك اعتبر هوسرل «أزمة العلوم تعبيراً عن أزمة حياتية رديكالية للإنسان الأوربي»، تلك التي تتمثل في «الاختزال الوضعي لفكرة العلم إلى مجرد علم للوقائع، وهذا يعني أن أزمة العلم ليست سوى فقدان أهميته للحياة»[29].
السؤال هنا يدور حول علاقة العلم بالحياة، وأهميته لها. «إن علوم الوقائع المجردة تصنع إنسان الوقائع المجردة»[30]، فالعلوم تدرس الوقائع فقط، ولا تساعدنا في أزماتنا الحياتية، ولا تعطينا جواباً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى وجودنا، وعقلنا، وحياتنا. لقد نفت الوضعية باسم الموضوعية الأسئلة المتعلقة بالإنسان من قاموسها، فهي تشيّئ الإنسان وتموضعه وتجرده من إنسانيته[31]. وهنا يشير هوسرل إلى انفصال العلم عن عالم الحياة والإنسان. «إذ ذهب هوسرل إلى أن المعرفة العلمية أصبحت منفصلة عن خبرة الحياة اليومية ونشاطها، وهي المكان الذي نبعت منه تلك المعرفة أصلاً، وعلى هذا، رأى أن مهمة الفلسفة الظاهراتية هي إعادة تلك الصلة»[32]. الوضعية قطعت الصلة بالحياة، ولا تهتم بالقضايا الوجودية للإنسان، وتحاول تجريد العلوم الخاصة بالإنسان من صفتها الإنسانية[33]. وهذا الموضوع هو الذي أسس المدرسة الظاهراتية والوجودية، وقبلهما الماركسية، وإن درست الأخيرة الوجود الإنساني من الجانب الاقتصادي، إضافة إلى دراسات كارل منهايم في (الإيديولوجية والطوباوية) عن اجتماعية المعرفة وتاريخيتها[34]. وكان منهايم من أقدر «من استطاعوا تجسيد الفارق بين العلوم الطبيعية والإنسانية؛ بأن المحتوى المعرفي في الأولى يتحرر تماماً من الإيديولوجية، التي هي مجمل الآراء والأفكار والنظريات والقيم التي تعبر عن جماعة معينة في إطار تاريخي معيّن، وهي بهذا نظرة شاملة، مضادة للنظرة العلمية»[35]، كما أن الإيديولوجية ترتبط بالطوباوية.
ولم تخب نار الخلافات المنهجية بعد الحرب العالمية الثانية، بل ازدادت ضراوتها وتغيرت مرجعياتها المنهجية، بعدما دمرت الحرب العالمية الثانية أحلام عصر التنوير، المتعلقة بالحداثة وأوثانها الثلاثة، وهي العقل والحرية والتقدم، كما سيقول المفكر الفرنسي المعاصر ليوتارد، صاحب نظريات ما بعد الحداثة، و«كان المفكر كارل بوبر من كبار نقاد المنهج التاريخي والتاريخانية»، التي تعتبر التاريخ المصدر الوحيد لدراسة الظواهر، وتؤكد غائية التاريخ. بخلاف ذلك يرى بوبر أن القضايا العلمية تخضع دائماً للرفض والنقد من خلال الاختبارات، فهي منفتحة على التجربة، وليست مطلقة، وتجدد المعرفة، بينما التاريخانية مطلقة. فالنظرية العلمية تتميز بكونها قابلة للدحض والتكذيب من خلال التجربة، التاريخانية تدعي دراسة الواقع كله.. وتخلط بين القوانين والاتجاهات. كما ظهرت مدارس جديدة كمدرسة فرنكفورت ( Frankfurter Schule ) التي قدم روادها في مؤتمر علم الاجتماع الألماني الذي عقد في مدينة فرانكفورت عام 1968 تحت عنوان (النزاع حول الوضعية في علم الاجتماع)[36] Der Positivismusstreit in der Soziologie ، وشارك فيه حينئذ أقطاب العلم مثل كارل بوبر ( Karl Popper )، وتيودور أدورنو ( Theodor W. Adorno ) (1903-1969) وهابرماس ( Juergen Habermas ) (1929-)، ورالف دارن دورف ( Ralf Darndorf ) (1929-)، نقداً لاذعاً للوضعية، من جهة، ولفلسفة عصر التنوير من جهة أخرى. وقد دار الخلاف بين اتجاهين: اتجاه منهجي نقدي، مثله رواد مدرسة فرانكفورت، واتجاه وظيفي. ناقش المؤتمرون قضايا المنهج والإنسان، والمنهج والمجتمع، والموضوعية في العلوم الإنسانية.
وأخذ على مدرسة فرنكفورت بأنها لم تطور نظرية متماسكة للفعل الاجتماعي والنظام والبنى الاجتماعية، وإنما طورت نظريتها النقدية، المتأثرة بالماركسية، والفرويدية، والناقدة للوضعية[37]. وقد قامت هذه المدرسة بمراجعة الماركسية ونقدها، وبنقد الفلسفة المعاصرة والمنفصلة عن الواقع، وأخذت عليها تحجرها، وتقادم عديد من مقولاتها، خصوصاً فيما يتعلق بنظرية الطبقة العاملة، كما ركز عديد من دراساتها على نقد النازية، والبحث في جذورها ونشأتها، وقد حاولت التوليف بين بعض المقولات الماركسية وبين الفرويدية، لكن الإنجازات الفكرية لهذه المدرسة كانت تعبيراً عن معاناة وتجارب أعضائها. إن أعضاء هذه المدرسة وكتاباتهم «شيء واحد لايتجزأ، فالفكر النقدي عندهم وموضوع هذا الفكر هما حياتهم الداخلية الخاصة»[38].
إن علم الاجتماع عند رواد هذه المدرسة هو نمط تأملي نقدي للمجتمع، ومراجعة تامة للمناهج والنظريات السائدة أولاً، ولعقل عصر النهضة الذي دمرته الإيديولوجيا الرأسمالية ثانياً. ولعلنا نميز بين مرحلتين في فكر هذه المدرسة، في الأولى تم التركيز على نقد النظريات والمناهج السائدة من منظور مادي، مطَعَّم بالمنظور الفرويدي النفسي، أما الثانية فهي نقد لإيديولوجية عصر التنوير وفلسفته، الذي أخذ عليها بأنها عقلانية تكنولوجية أداتية، وليست إنسانية. وكانت المرحلة الثانية تعبيراً عن الآثار التي تركتها النازية في حياة هذه الجماعة، ودعتهم إلى مراجعة الفلسفة السابقة في ضوء تجاربهم الخاصة. إن مدرسة فرنكفورت هي نقد فكري ومعرفي وإيديولوجي أكثر منه برنامج ومشروع نظري ومنهجي مستقل[39].
إن علم الاجتماع مشروع نقدي، نشأ عن الثورة المزدوجة ( Hobsbaum )، وهي الثورة السياسية في فرنسة، والاقتصادية في إنجلترة، فهو نقد لتأثير الرأسمالية في البشر وعزلتهم، ولصناعة الإعلام فيهم، وتكوين الإنسان المتوجه خارجياً، كما يسميه ريسمان ( David Riesman ) في كتابه (الجماهير المنعزلة Die einsame Masse ) ، أو الإنسان ذي البعد الواحد لهربرت ماركوزه ( Herbert Marcuse ).
كانت الانتقادات المنهجية لهذه المدرسة المتعلقة بالحداثة ومشروعها إرهاصاتٍ لما بعد الحداثة. «فالحداثة ليست غيرَ هيمنة عقلانية ونفعية للطبيعة وللحاجات، إلى درجة أن العقل اندمج مع السلطة وأصبح بذلك طاغياً. فالحداثة طوعت لنفسها عقلاً أدواتياً، واتخذت من العقل أداة في خدمة رأس المال، وتخلت هكذا عن قوته النقدية. والعلم الحديث وجد نفسه بهذا الشكل في خدمة الفائدة التقنية بصفة كلية، وتحولت أسطورة العقلانية النفعية إلى قوة مادية»[40]. فهو أداتيٌّ بمعنيين: «معنى، أنه ملكة فردية ذاتية لتحصيل المعرفة تعتمد أساساً على القوة المعرفية الشخصية وفي مقدمتها الإحساس والتجربة. وهو ذاتي بمعنى أخلاقي أيضاً، أي إن اهتمامه الأساسي، إن لم يكن اهتمامَهُ الوحيد، هو المنفعة الذاتية»[41] ، وهو العقل الأداتيُّ البراغماتي التكنولوجي، وهو الذي حل بدلاً من العقل الموضوعي أو المعياري[42]، فهو يركز على الأهداف والمقاصد والغايات، وليس على الوسائل وحدها. وعلى كل حال، فإذا كان هوسرل قد اعتبر أزمة العلوم الأوربية أزمة منهجية، تتمثل في انفصالها عن عالم الإنسان والحياة والتاريخ، فإن إشكالية المنهج تظهر هنا في ثوب جديد، وهو نقد النماذج المنهجية. فثمة من يرى أن المنهج الماركسي قد انتهى، ولم يعد صالحاً لتفسير المجتمع. فالصراعات الطبقية قد انتهت وحلت محلها المنافسة الوظيفية، كما ذوبت الصناعة الطبقات، وبعثت النزعة الفردية، وبالتالي لم يعد المجتمع متصارعاً طبقياً، بل صار الصراع وظيفياً، مفيداً للمجتمع، لأنه يبعث المنافسة الفردية، والإبداع، وتنمية القدرات والمواهب، ويتيح الصعود في السلم الاجتماعي أمام الجميع، حسب قدراتهم وطاقاتهم. لقد كانت لكل القراءة المنهجية للعصر التي؛ قدمها المفكر الألماني رالف دارن دورف ( Dahrendrorf ) (1929-) في دراساته (الإنسان الاجتماعي) ( Homo sociologicus )، 1959، قراءةً منهجية في مستقبل المجتمع الصناعي، المتميز بالصراع الديمقراطي والمنافسة. وقد بحث في هذا الكتاب في تغير دور الإنسان بوصفه لاعب أدوار مكونة اجتماعياً، وفي طبيعة الإنسان، فهل هو إنسان اقتصادي، أم تاريخي، أم سياسي، أم غريزي... إلخ؟. فالتغير الاجتماعي يتطلب تغيراً في النماذج المنهجية، كما يرى دارن دورف. وهذا ما أحدثه التصنيع في المجتمعات الأوربية، إذ غير البنّى الاجتماعية والفكرية وطرق التفكير، وكذلك الأدوار الاجتماعية، ولذلك لم تعد المناهج السابقة قادرة على تفسير التغير الاجتماعي والثقافي.
وعلى الجانب الآخر نجد روّاد مدرسة فرنكفورت، الذين اكتوى معظمهم بنار الحرب العالمية الثانية، وذاقوا طعم الهجرة والتشريد، إن دراساتهم جاءت تعبيراً عن تجارب التهجير والمهجر، ونقداً إيديولوجياً للرأسمالية والشيوعية، ينصب في معظمه حول تركيزهما على الإنتاج وإهمالهما للإنسان. لكن هذه المدرسة لم تطور منهجاً واضحاً، وقصّرت في فهم التغيرات التي لحقت بالرأسمالية.
ومن الإشكاليات المنهجية في العلوم الاجتماعية مسألةُ الموضوعية والقيم في العلوم الاجتماعية، أو حكم الواقع والحكم القيمي، ومدى قيام الموضوعية في العلوم الاجتماعية، كما في العلوم الطبيعية. وقد حظيت هذه المسألة بالدراسة والتحليل عند ماكس فيبر في كتابه (دراسات في نظرية العلم) ( Schriften zur Wissenschaftslehre )، حيث تناول فيه موضوعية المعرفة السوسيولوجية الاجتماعية، والموضوعية وحرية القيم[43]، مميزاً بين الأحكام القيمية والمعرفة التجريبية، والعلاقة بين العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية، أو بين الإدراك الخارجي، الذي يفهم مواضيع الطبيعة سببياً، وبين الإدراك الداخلي الذي يفهم فيه الوعي ذاته من خلال المقارنة مع الوعي الآخر، كما هو الحال عند كانت، وعن ذلك طور دلتاي الفرق المنهجي، ففي العلوم الطبيعية يفسِّر سببياً، بينما يفهم ويؤول في العلوم العقلية والتاريخية[44]، أو كما يقول دلتاي: إن الفهم والتأويل هما منهج العلوم العقلية.
والمعروف أن دوركهايم قد طالب في (قواعد المنهج في علم الاجتماع) «بأنه يجب على عالم الاجتماع أن يتحرر من كل فكرة سابقة»[45]، بمعنى أنه يتعين فصل الإيديولوجية عن المنهجية، أو اتجاهات وفكر الباحث عن بحثه. وهذا الموضوع يعني الفصل بين الإيديولوجية والعلم، وعدم تدخل الباحثين في الحياة العامة، والابتعاد عن الأحكام القيمية، أو المسؤولية الأخلاقية للعالم تجاه المعرفة والمجتمع. لكن هذا ليس بالأمر الهين، إذ يقول جون غالتونغ في كتابه (المنهجية والإيديولوجيا) ( Methodologie und Ideologie ) «إن استخدام منهجية ما هو فعل سياسي، فهو يقر أو ينفي البناء الذي يعيش فيه الشعب عموماً والعلماء خصوصاً»[46]، وإن الخيار المنهجي هو خيار إيديولوجي[47].
وفي الحقيقة فإن مسألة الذاتية والموضوعية في العلوم الإنسانية هي المسألة التي شغلت روّاد الفكر والمنهج، وما تزال تشغل المجتمع العلمي، وتدور حول الموضوعية، وهل توجد موضوعية في العلوم الاجتماعية، أم أنه من المتعذر على الباحث التجرد من آرائه ومواقفه واتجاهاته وأحكامه القيمية، ومن الإيديولوجيا؟ وقد رأينا أن دوركهايم يؤكد على تحرر الباحث من ميوله وأفكاره، ويقول: «إن الخواص النوعية للظواهر الاجتماعية تشير إلى أن هذه الظواهر ذات طبيعة واقعية، وتكفي تلك الطبيعة الواقعية للبرهنة على موضوعيتها»[48].
وبالرغم من الادّعاء بالعلمية «فقد طبق كل عالم اجتماع العقل العلمي بطريقة خاصة جداً به. فأحياناً كان هذا العقل يدرك بكونِهِ قانوناً كشفياً، وملكة نفسية تعطي للإنسان قدرات إدراكية نوعية، وأحياناً كان يدرك بصفته الأساس الأخير للأشياء أو مبرر وجودها، وأحياناً أخرى يدرك وسيلةً لإنتاج الحقيقة أو لإيجاد البراهين»[49].
وهكذا نصل إلى أن إشكالية العلوم الاجتماعية تعود إلى اختلاف الظاهرة الإنسانية عن الطبيعية، وإلى تعذر قيام الموضوعية في العلوم الاجتماعية. «وقد تعددت الآراء إزاء موضوع الدراسة الإنساني والاجتماعي». فالبعض رأى «أن الظاهرة الاجتماعية في بساطة الواقعة الطبيعية، ومن ثم تخضع للدراسة العلمية الدقيقة»، والبعض آخر جاهر بتعقدها وصعوبة إخضاعها للمنهج العلمي. وبين الطرفين ظهرت آراء متعددة، بعضها يعترف بصعوبة مادة الدراسة مع إمكان دراستها دراسة علمية، والبعض آخر وصل إلى درجة من التطرف جعله يرفض النظر إليها على أنها علومٌ على الإطلاق، بحجة غياب الاطراد والتجربة ونسبية قوانينها[50]. فبينما يؤكد الفريق الأول على أن الظاهرة الاجتماعية كالطبيعية، «يقول الاتجاه الثاني بتميز الظاهرة الاجتماعية عن الطبيعية، وأبرز ما يميز الظاهرة الاجتماعية هو تعقدها بسبب قلة تكرارها..، علاوة على تغيرها»[51]. «من قبيل صعوبة التكميم واستخدام ألفاظ كيفية، ومن ثم صعوبة صياغة قوانين دقيقة، وأن الباحث جزء لا يتجزأ من الظاهرة التي يبحثها، فلابد أن يشعر تجاهها بميول وأهواء معينة، تفرضها الإيديولوجية السياسية والاجتماعية والبنية الثقافية والبيئة الحضارية التي ينتمي إليها، فتؤدي إلى إضفاء الإسقاطات التقويمية أو الأحكام الخلقية على مادة بحثه، مما يناقض طبيعة العلم الذي يأبى تدخل عنصر القيمة المراوغ الفضفاض، وهو عنصر، يصعب استئصاله من البحوث الإنسانية، فثمة قيم الباحث التي تؤثر في أحكامه، بل وفي مجرد رصده للوقائع، وثمة القيم الموجهة لموضوع البحث ذاته، هذا فضلاً عن تعقد الظواهر الإنسانية والاجتماعية»[52].
إن مشكلة العلوم الإنسانية تكمن في عاملين أساسيين، كما يرى قنصوه وهما:
أولاً- «نوعية الظاهرة الإنسانية والاجتماعية»، والعلاقة بين الباحث وموضوع بحثه... ويرتد هذان الاختلافان إلى تصورين آخرين لا ينتميان إلى مجال العلم، بل ينتميان إلى الفلسفة والإيديولوجية، وتصور كل فريق لطبيعة الإنسان، وتصور كل منهم لطبيعة العلم. ولذلك جاء تباين مناهجهم انعكاساً لتباين أنساقهم الفلسفية ومنظوراتهم الإيديولوجية.
وما يبدو اختلافاً في المنهج إنما هو في نهاية الأمر اختلاف في المنحى النظري»[53]. فالاختلاف هو اختلاف في المنظور الإيديولوجي. «إن المغالاة في الموضوعية.. معناها إغفال الناس أنفسهم ومعاملتهم معاملة الأشياء الجامدة[54]. ولهذا يتعذر تحقيق الموضوعية، ولذلك تعددت المناهج والنظريات بتعدد الاتجاهات، لأنه من المتعذر التخلص من الذاتية في البحث، أو ما أسماه بيكن (1561-1676) بأوهام الكهف»، وهي «أوهام ناشئة من الطبيعة الفردية لكل منا.... ولأن هذه الأوهام ناشئة تأتي من التكوين الخاص للفرد، فإنها تختلف باختلاف العوامل الوراثية والبيئية والثقافية التي أثرت في الفرد، ولذلك فإنها شديدة التنوع من فرد إلى آخر.. فالكهف ليس بمنزلة الجهل أو النقص الأساسي الكامن في الطبيعة البشرية، فكهف بيكن يتعلق بالإنسان الفرد، وبعبارة أخرى ليس الناس كلهم داخل كهف واحد، - هو الجهل المتأصل في نفوسهم - كما ذهب أفلاطون - بل إن لكل فرد كهفه الخاص ينظر من خلاله إلى الأشياء»[55]. «لقد كانت النظريات الاجتماعية أكثر من سواها من نظريات فروع العلوم الإنسانية - نهباً مستباحاً للمؤثرات الثقافية الخارجية، فأصبحت في حقيقتها خليطاً يجمع بين الإيديولوجيا والفلسفة والقيم الحضارية، بل والأهدافِ المعيارية وتصورات الحياة اليومية وأحكام الحس المشترك»[56].
وبهذا فلا محل للظن بأي وحدة بين منهجي العلوم الطبيعية والإنسانية[57]، يقول ملز: «إن الخلافات الحادة بين علماء الاجتماع ليست بين الذين قد يلاحظون بدون تفكير، والذين قد يفكرون دون ملاحظة، لكن الخلافات أقرب لأن تكون فيما يتعلق بماهية أنواع التفكير، وماهية أنواع الملاحظة، وماهية أنواع الروابط، إذا كانت هناك بين الاثنين، أي بين التفكير والملاحظة»[58]. الملاحظة دون تفكير، أو تفكير دون ملاحظة، ليست هي المشكلة، لكن المشكلة، كما يراها ملز، تكمن في العلاقة بين التفكير والملاحظة، أو بين المنهجين الكيفي والكمي. وهذا ما يؤكد عليه عالم الاجتماع الألماني سيغفريد لمنك ( Lamnek ) في كتابه المرجعي (البحث الاجتماعي الكيفي)، حيث يذكر فيه الخلافات بين المنهجين الكمي والكيفي، وهما التفسير مقابل الفهم، والبحث عن العلاقة القانونية بين الظواهر مقابل العلاقة التاريخية، واختبار النظريات مقابل تطويرها، والاستقراء مقابل الاستنباط، والموضوعية مقابل الذاتية، واللاتاريخية مقابل التاريخية، والانغلاق مقابل الانفتاح، والمسافة عن البحث مقابل التماهي مع البحث، والمنهج الصارم الجامد مقابل المنهج المرن، والجزئية مقابل الكلية... إلخ[59]. لن نسهب في شرح هذه الفروق، التي بحثها كل من كارل بوبر في كتابه (عقم المذهب التاريخي)، وكون في كتابه (بنية الثورات العلمية)، ولكننا نكتفي بالقول إنَّ الخلاف يدور حول القدرات التفسيرية والوظائف المعرفية لكل من هذين الاتجاهين.
وقد اختزل بعضٌ هذه الإشكاليات إلى:
1- «هل يمكن إقامة علم لدراسة المجتمع بالمعنى الدقيق لمصطلح العلم؟
2- هل يمكن تطبيق المنهج العلمي كما هو مستخدم في العلوم الطبيعية عند دراسة الظواهر والنظم الاجتماعية؟
3- هل تعد الظاهرة الاجتماعية واقعة موضوعية أم ظاهرة إنسانية؟ وهل يمكن دراستها من خلال إجراء التجارب والملاحظات المضبوطة، أو أنها تقتضي استخدام منهج آخر يقوم على أساس الفهم المتعاطف، على حد تعبير فيبر؟
4- هل من الأفضل الانطلاق في دراسة الواقع الاجتماعي استناداً إلى نظريات مسبقة يمكن في ضوئها تفسير المادة الميدانية، أو من الأفضل أن نعالج الواقع دون الاستناد إلى مثل هذا البناء النظري المسبق؟
5- هل يمكن لعلم الاجتماع وهو يتعرض لقضايا الإنسان داخل المجتمع أن يكون نسقاً أو نظاماً علمياً موضوعياً تماماً، أو خالياً من القيم؟
6- ثم ماذا عن الضبط المنهجي في علم الاجتماع؟ هل يمكن إجراء دراسات مضبوطة منهجياً في علم الاجتماع عند تناولنا للظواهر الاجتماعية، بنفس القدر من الضبط المتحقق عند دراسة الظواهر الطبيعية؟
وأخيراً ماذا عن التعميم والتوصل إلى قوانين في هذا العلم»[60].
وماذا عن النظرية؟ وهل هي خلاصة البحث والفكر الإنساني، أم ترف زائد وهل يمكن للنظرية ألاَّ تتولد عن منطق إمبريقي فقط، أو أنها نتاج الوجود الاجتماعي الكلي لعلماء الاجتماع؟.
وإضافة إلى ما سبق يمكن اختزال الاختلاف إلى التالي:
1- هل هناك علم واحد أو علوم، منهج واحد أو مناهج؟
2- منهج واحد أو تعددية منهجية - النزعة الطبيعية المنهجية
3- موضوعية أو ذاتية
4- التزام قيمي أو حياد قيمي
5- الظاهرة الاجتماعية والظاهرة الطبيعية
6- علاقة النظرية بالبحث
7- رؤية المجتمع وفاق أو صراع
8- الإيديولوجيا
9- رؤية الإنسان
10-العلم والإنسان
11-علم الاجتماع علم ووعي المجتمع[61]
إن ما يراه البعض إشكاليةَ العلوم الاجتماعية، هو ما يميزها عن العلوم الطبيعية، وهي أنها علوم تقويمية، إنسانية، معبرة عن رؤى واضعيها وأفكارهم. فالنماذج النظرية التي تعبر عن التطور الاجتماعي البعيد المدى، كما هي عند كونت وماركس وآخرين، تعتمد إلى حد كبير على فرضيات، تتأثر باتجاهاتهم الإيديولوجية بالدرجة الأولى، فلولا هذه المثل والقيم لما تضمنت النظريات تلك الرؤى الطوباوية. ويأخذ إلياس « Norbert Elias ، تلميذ منهايم، على النظريات المعاصرة بأنها تهمل الصيرورة والتطور بعيد المدى، و«هي نظريات الحالة الراهنة»[62]، ومن هنا جاء اختلاف التنظير فيها. نظريات الحالة الراهنة دون أفق نظري، تبقى قليلة الأهمية، والاهتمام بالشاهد الإمبريقي دون تجارب المفكرين غير ممكن في علم الاجتماع. «ويرى بعض المفكرين أن لكل نظرية اجتماعية ملاءمتها السياسية والشخصية، وأنها لا تنتج أو تتولد عن منطق أو شاهد إمبريقي فقط، بل هي نتاج الوجود الاجتماعي الكلي لعلماء الاجتماع. ولذلك كان غياب الوعي بالذات من جانب علماء الاجتماع يشكل في نظره أهم نقاط الضعف في علم الاجتماع الأكاديمي»[63].
يقول جيوفاني بوسينو في كتابه القَيِّم (نقد المعرفة في علم الاجتماع): إن ما سبق يفسر لماذا لا توجد نظريات اجتماعية موحدة وشاملة، ولماذا لا توجد حلول اجتماعية نهائية للمشاكل الاجتماعية ولقضايا التنظيم الاجتماعي؛ ولماذا تتغير المسائل الاجتماعية، أو تظهر ثانية تبعاً للتصورات، ووجهات النظر، والمشاريع الاجتماعية المتغيرة؛ ولماذا تكون مفاهيم علم الاجتماع وتصوراته استعارات غالباً. لكل هذه الأسباب، لا يوجد في علم الاجتماع تطابق ثنائي المعنى بين الوقائع والمقترحات النظرية، ولهذا السبب تتم صياغة مقترحات غير متعادلة حسب المناطق والعصور، وحسب الأوضاع والشروط الخاصة والنوعية. إن النظريات الاجتماعية، المتغيرة والمؤقتة، والمرتبطة بنشاطات عملية - إدراكية للبشر وللمجموعات الاجتماعية، تولد وقائع، لكنها لا تتطابق أبداً مع الوقائع، وهي لم تثبت أبداً صحتها إلاَّ بواسطة وقائع منتجة من قبلها. إن علم الاجتماع هو سجين عالم دلالي له سور مطلق. وربما تؤدي وفاة فكرة المجتمع إلى توجيه علم الاجتماع ثانية نحو دراسة المشاكل الحقيقية، المشاكل التي تكمن في أساس تأسيس التشكيلات الاجتماعية، وتشجع من ثم على ولادة علم حقيقي للمجتمع[64]. فالنقد في علم الاجتماع تركز حول النقد الإبستمولوجي، وهو الذي يعنى بمبادئ إنتاج المعارف وبشروط إمكانها، وبالنقد النظري، والمنهجي[65]. هذه إشكالية المناهج في عصر الحداثة، لكن ما إشكالياتها في ما بعد الحداثة؟ هل كانت إشكالية المنهج مجرد مناقشات لاهوتية وبيزنطية؟ أم أنها ضرورة من ضرورات المعرفة؟ ومع أن مفهوم ما بعد الحداثة مازال إشكالياً، إلا أن عديداً من العلماء قد كتبوا فيه، مثل دانيل بل « Daniel Bell ، (المولود 1919-) في كتابه (المجتمع ما بعد الصناعي)، الذي يتسم بتوسع قطاع الخدمات، والنسبة المتنامية للعاملين في القطاع الثالث، والشركات المتعددة الجنسية، ودور العلم كعامل إنتاج، ونمو الصناعات المستند على العلم، والنمو الموازي للجامعات... إلخ، والإنسان الآلي، والمعلوماتية، والقيم ما بعد المادية، وبأوقات الفراغ، والعلم كمادة أولية، وولادة الصفوة الذكية. ويتسم هذا المجتمع أيضاً بتغير بنية العمل، وانتشار ظاهرة الفردية، وتكهل هذه المجتمعات، والعقلانية[66]، «وتنهض قضية بل ( Bell ) الأساسية على أن المجتمع الحديث ينتظم في ثلاثة مجالات مستقلة، ولكنها مترابطة فيما بينها، وهي الاقتصاد والسياسة والثقافة. أما السياسة فتنتظم توزيع القوة والمصالح المختلفة في المجتمع، فيما تمثل الثقافة مجال تحقيق الذات، فتشيد المعاني من خلال القدرة التعبيرية للفن والطقوس. هذا في الوقت الذي يرتبط فيه المجال الاقتصادي بالبناء الاجتماعي. ويرى (بل) أن هذه المجالات الثلاثة تحكمها مجموعة من المبادئ المحورية المختلفة: كمبدأ تحقيق الذات في المجال الثقافي، ومبدأ المساواة في المجال السياسي، ومبدأ الكفاية في المجال الاقتصادي»[67]. ويتسم المجتمع ما بعد الصناعي بالنمو الزائد للمهن الفنية العليا، وبظهور طبقة جديدة من العلماء والرياضيين والفيزيائيين، الذين يشكلون طبقة المعرفة.
«وإذا كان رأس المال رمز الثورة الصناعية، فإن المعلومات رمز العصر المعلوماتي. وهذا يعني أن الذهنية هي الأساس في هذه الثورة التي أصبح فيها الإنسان المركز الذي تدور حوله التقنية الحديثة.... وقد خلقت ثورة المعلومات بيروقراطية حادة وغير مرئية.. وحولت المواطن إلى مواطن معلومات وخدمات»[68]. فكما قطعت الحداثة مع العقل الميتافيزيقي، فقد قطعت مابعد الحداثة معرفياً مع علم اجتماع الحداثة، الذي ركز على المجتمع الصناعي، وعلى علاقة الفرد بالمجتمع، «فهناك من يعتقد أن الفرد هو قاعدة المجتمع ولبنته الأساسية، وأنه الحقيقة الواقعية التي تصدر عن كيانها وأفعالها حياة المجتمع، فالفرد من منظور هذا الموقف ذو وجود مستقل بكيانه وطاقاته عن مجتمعه، مستقل بهويته الوجودية، مختلف بها عمّا سواه من الأفراد، وأن المجتمع ليس سوى حصيلة مجموع أفراده وتعاقدهم الاجتماعي على التعايش المشترك. وهناك من يعتقد عكس ذلك، فيرى أن المجتمع هو الحقيقة الواقعية التي يتشخص الفرد في بوتقتها، وأن الفرد ليس سوى جزء من كل، ومنفعل بهذا الكل، وأن هويته جزء من هوية مجتمعه»[69]، أو كما تقول كلمات دون الشهيرة «لا يوجد رجل كالجزيرة، قائم بذاته، كل رجل جزء من القارة، جزء من الأصل»[70].
وهكذا نرى أن ما بعد الحداثة تنهي هموم الحداثة، وتنصرف لهمومها. فإذا كانت الحداثة تعني أن الإنسان يصنع تاريخه، فإن ما بعد الحداثة هو طوباوية سلبية، «وهي صورة عكسية للطوباويات الخلاقة الإيجابية التي تدعو إلى تغيير العالم وتطويره»[71].
يبقى أن نقول: إن إشكالية المناهج ضرورة معرفية، «ففي كل زمن ترتبط المعرفة بمستوى المناهج المطبقة، ذلك أن المعرفة المستقبلية تتعلق بتطور المناهج اليوم»[72].
وكما شكلت المناهج الكيفية، أو ما يعرف بالمناهج الرخوة، مقارنة بالمناهج الكمية أو الصعبة، الأسس الفكرية والمعرفية للحداثة، فإن المناهج الرخوة هي التي تكتشف عالم ما بعد الحداثة. فالمصلحة المعرفية للمناهج الكيفية تختلف عن الكمية. ومع ذلك، فإننا نؤكد على أن مناهج البحث النظري ومناهج البحث الإمبريقي يكمل بعضهما الآخر[73].
ولا يتفق هذا المنطق مع دراسات فير آبند ( Feyerabend ) في كتابه (ضد الضغط المنهجي) «وأطروحته حول نظرية معرفية فوضوية، عندما يقول: "لاتعتد بالتعليمات المنهجية، وافعل ما يقول لك الحس"[74].
المنهج الكيفي
توطئة
ما المنهج الكيفي؟ وما الأسباب التي دفعت إلى تطوره بشكل مضطرد في العقود الأخيرة؟ ولماذا المنهج الكيفي؟ وما تاريخه، وسماته؟ ولماذا ازدادت أهميته في نهاية مرحلة الحداثة[75]، بعدما تميزت الحداثة بإمبريالية الوضعية ومناهجها الكمية؟ وما الذي يميز البحث الكيفي عن الكمي؟ ثم ما أوجه النقد الموجهة للمنهج الكمي؟ وما المضامين المنهجية لكل من البحث الكمي والكيفي؟ ثم ما أسسه النظرية والمعرفية والمنهجية؟ وما مستقبله بين العلوم في ما بعد الحداثة؟
وبالرغم من أن مناهج البحث الكيفي قديمة جداً في العلوم الاجتماعية؛ إذ يرجع عديد منها إلى القرن التاسع عشر، كالمنهج الهرمينوطيقي عند شلايرمخر ودلتاي وفيبر ومؤرخي القرن التاسع عشر، والمنهج الفينومينولوجي عند هوسرل... إلخ، إلاَّ أن معظم الدراسات المعاصرة ترجعه إلى العقود الأخيرة من القرن العشرين، وتكاد تحصره بالتفاعلية الرمزية والظاهراتية والإثنوميثودولوجيا، علماً بأن تاريخ البحوث الكيفية أقدم من ذلك بكثير. بالطبع، إن التفاعليين الرمزيين والإثنوميثودولوجيين مهمون جداً لهذا المنهج، خصوصاً وأنهم ينحدرون من المجتمع الأميركي، موطن المناهج الكمية، لكن الحقيقة هي أن المناهج الكيفية نهضت وتطورت في أوربة، حتى صار بعض يعتبر المنهج الكمي هو المميز لنظرية العلم الأميركية، فيما تميز المناهج الكيفية نظرية العلم الأوربية[76]. فضلاً عن ذلك، نجد أن عتاة المنهج الكمي، مثل دوركهايم وغيره - ممن لعبوا دور الرأسمالي النظري بالنسبة إلى جماهير الاختباريين البروليتارية[77]-، اعتمدوا كثيراً على الملاحظة والمنهج التاريخي المقارن في دراساتهم. لقد كانت المناهج الكيفية حاضرة دائماً في البحث العلمي، ولم تكن وقفاً على الإنتروبولوجيا، وعلم النفس والتاريخ والاجتماع، وإنما كادت تغطي مساحة واسعة من البحث الاجتماعي في العلوم الإنسانية، ولذلك فإن ما يزعجني كثيراً في الكتابات المتخصصة هو غبنها حق هذه المناهج وحصرها في بعض الدراسات، كأن تقف عند دراسة الفلاح البولندي polish Peasant » لتوماس وزنانيكي (1918-1920) W Znanieck. Thomas and F .
ودراسة أدورنو وهوركهايمر عن (الشخصية التسلطية)[78] ، ثم تقفز فجأة إلى المدارس الأمريكية الحديثة، دون أن نجد عرضاً منهجياً وتاريخياً ونظرياً، يغطي تطور هذا المنهج على مدى التاريخ وقدراته التفسيرية ومزاياه مقابل المنهج الكمي. ولربما يعود ذلك إلى أن الصراع المرير الذي خاضه رواد هذا المنهج ومدارسه، كالمدرسة الفينومنولوجية، والهرمينوطيقية، والتاريخية، قد تراجع في القرن العشرين، وبعد الحرب العالمية الأولى، ليحل محله ما عرف بالخلاف المنهجي، الذي لم يكن تطويراً للمناهج، قدر ما كان صراعاً إيديولوجياً بين مدارس علم الاجتماع، وانعكس ذلك سلباً على المناهج الكيفية في أوربة، فيما تطورت المناهج الكمية في أميركا، إلا أن الحقيقة، هي أن الحرب العالمية الثانية قد خلطت الأوراق، بعدما قضى بعض من رواد هذا المنهج، وهاجر بعض آخر منهم في هذا العالم، مثل كارل منهايم، وروّاد مدرسة فرنكفورت وغيرهم، وصاروا يعيشون في ما بين العوالم. لقد كانت هجرة الفكر والمفكرين إلى أميركا هي السبب في نشأة العديد من المناهج الكيفية وتطويرها في أمريكة. ولم يكن لهذه المناهج أن تتطور، لولا أولئك المهاجرون الأوربيون من أمثال لاتسرزفلد، وألفرد شوتس، وأدورنو ومنهايم ومركوزه.. إلخ.
ولم تفلت المناهج العلمية من التأثيرات الإيديولوجية في القرن العشرين، إذ صارت محسوبة على هذا المعسكر أو ذاك. فحل التصنيف الإيديولوجي بدلاً من البحث العلمي الرصين، وصارت الحقيقة، التي ينبغي البحث فيها، هي الضحية. لقد ذبحت الحقيقة على قربان الصراع الإيديولوجي، بعدما تداخل البحث العلمي مع الصراع الإيديولوجي، والدليل على ذلك أن منهج الفهم والمنهج التاريخي عند فيبر لم يُنظر إليهما من حيث العمق والرؤية الكلية الفاهمة والشاملة وعرضهما لتجربة التحديث الأوربية، قدر ما صار يُنظر إليهما إيديولوجياً. إن الخلاف بين المنهجين الكمي والكيفي هو نتاج القرن العشرين والتطور التاريخي العلمي، وقد دار الخلاف مبدئياً حول رؤية الواقع، «فهل الواقع الاجتماعي خارج عن الفرد..... أم أنه نتاج وعي الفرد وضميره؟ هل هو ذو طبيعة موضوعية، أو هو نتيجة معارف الفرد؟»[79]، كما دار الخلاف حول القيمي وتقنيات البحث، ووحدة العلم والمنهج، أو تعددها، وحول تفسير البيانات انطلاقاً من خلفية الخبرات اليومية المعروفة، والمعرفة التاريخية، والتوجهات الاجتماعية الثقافية، ومحاولة فهم الواقع الاجتماعي من الداخل (بلومر) أم من الخارج؟.
إذا كان القرن التاسع عشر قد شهد نشأة مناهج البحث الكيفي وتطورها، فإن القرن العشرين حتى نهاية السبعينيات كان مرحلة الكمون والتراجع. لكن هذه الوضعية قد بدأت في التغير منذ بداية الثمانينيات من القرن العشرين، بعدما شهدنا عقم المذهب الكمي، والفقر النظري والمنهجي للعلوم الاجتماعية، فكانت حقبة الثمانينيات والتسعينيات مرحلة إحياء المناهج الكيفية وتدريسها في معظم الجامعات الأوربية تقريباً، وصار رواد هذا المنهج
يؤكدون على تميز هذا المنهج عن المنهج الكمي[80]، فلا ينظر إلى المبحوثين بوصفهم أشياء، ومجرد مقدمين لمعلومات وبيانات، تستخدم في التنظير - فهي نظريات عن الإنسان دون الإنسان - وإنما يعتبرون فاعلين ومتداخلين مع البحث[81]. فهذا المنهج يفتح اتصالاً مباشراً مع الإنسان، دون تعرج وتمويه، إنه دراسة للعوالم الاجتماعية بشكل مباشر، دون مسافات، بعكس المنهج الكمي الذي يعمق الهوة بين الباحث الاجتماعي والعالم الإمبريقي الاجتماعي[82].
إذا أراد علماء الاجتماع فهم السلوك الإنساني بشكل أفضل، فإنه يتعين عليهم، الدخول في علاقة مباشرة مع ظواهر العالم الإمبريقي الاجتماعي، بدلاً من خلق المسافات الكبيرة التي تفصل عنه[83]. وهذا ما تؤديه الملاحظة بالمشاركة غير المقننة، التي تفتح مدخلاً مباشراً إلى عالم الإنسان، بدلاً من المناهج الكمية التي تسد الطريق إلى الإنسان. يقول أندرسكي في كتابه Hexenmeister der Sozialwissenschaften (مشعوذو العلوم الاجتماعية): «إن المتشددين المنهجيين أشبه ما يكونون بالطباخين، الذين يعرضون علينا كل مواشيهم الجميلة، وعصائرهم، وماكينات العصير، وأشياء أخرى، دون أن يقدموا شيئاً ما يؤكل»[84]. لقد اشتد عود المناهج الكيفية، التي اعتاد بعضهم على وصفها بـ(المناهج الرخوة) مقابل المناهج الكمية الصعبة. وتبدو الدراسات الكثيرة في هذا الصدد مؤشراً على ثورة صامتة في العلوم الاجتماعية، تتجلى في احتلال المناهج الكيفية لمواقعها الطبيعية في العلوم الاجتماعية، فيما تخلي، أو تكاد تخلي، المناهج الكمية هذه المواقع. هذا النقد الشديد من قبلنا ليس تحيزاً للمناهج الكيفية، قدر ما هو تأكيد على أهمية هذه المناهج ودورها في قراءة الواقع. ولذلك سنتناول في هذا البحث مجموعة من المسائل والقضايا، وهي:
1- تعريف البحث الكيفي.
2- العوامل الاجتماعية والتاريخية التي أدت إلى إحياء هذا المنهج.
3- تاريخ البحث الكيفي.
4- لماذا البحث الكيفي؟
5- نقد مناهج البحث الكمي في علم الاجتماع.
6- خصائص البحث الكيفي.
أولاً- تعريف البحث الكيفي
ما البحث الاجتماعي الكيفي الذي شغل الباحثين زمناً طويلاً، ودخل حروباً مريرة مع البحث الاجتماعي الكمي في القرن العشرين، خسر فيها كثيراً من المواقع الكيفية؟ وقد بدا للبعض في النصف الثاني من القرن العشرين أن علم الاجتماع قد خضع تماماً للهيمنة الإمبريقية الوضعية، كما وصفها الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل ( Husserl )، في نقده اللاذع للمناهج الوضعية، وهو أنها أصبحت مقطوعة الصلة بالإنسان وعالمه، وليس لديها شيء ما تقوله لنا في أزمتنا الحياتية؛ فهي تهتم بالأرقام لا بالإنسان، ولا تساعده في حل مشاكله الحياتية[85].
وللحقيقة يجب القول: إن الذين لم يستسلموا للوضعية، هم الفلاسفة، الذين خاضوا حرب مواقع مع الوضعية في مراحل مختلفة وبأسلحة مختلفة. ويشير هذا إلى حقيقة الصراع بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية، من جهة، وبين هذه والعلوم الطبيعية، من جهة أخرى، وهو الصراع حول هوية علم الاجتماع، وانتمائه إلى العلوم العقلية أو العلوم الطبيعية. على أن ما يؤخذ على هذه الخلافات المنهجية هو أنها اهتمت بالمناهج أكثر من الموضوع، ففرضت المناهجَ الوضعية على علم الاجتماع، الذي لم يؤسس لترقيم الإنسان وترميزه وتكميمه، وإنما لفهم الإنسان وعالمه.
وهكذا، فإن الخلاف هو خلاف بين العقل والعلم. ولا أجد مفراً من القول: إن روح علم الاجتماع كانت وتبقى روحاً فلسفية، وإن كثيراً من تصوراته ونظرياته مأخوذة من الفلسفة. ولذلك فإن المناهج الكيفية هي مناهج معبرة عن عالم الإنسان. وعليه فإن البحث الاجتماعي الكيفي، مادام يطرح السؤال عن الكيف، وعن ماهية الوجود الإنساني، فهو يهتم بكيفية فهم ومقابلة ومعايشة وحضور الإنسان ذاته في البحث. إذا كنا نريد دراسة الإنسان، فإن أفضل الوسائل هي جعل الحقيقة تنبثق مباشرة من فم الإنسان. جعل الإنسان يتكلم، والحقيقة تتكلم، والرموز تتكلم، واللغة تتكلم، كما يقول هيدغر، والإنسان بدون واسطة يتكلم، يتعلم ويعلم، هذا مبدأ منهجي كيفي. وعليه فإن مناهج البحث الكيفي هي تلك التي يتحدث ويشارك فيها المبحوثون مع الباحثين في البحث عن الحقيقة. وهذا ما جعل منهج الملاحظة بالمشاركة، والمقابلة الكيفية، وبحوث سيرة الحياة، وطريقة المحادثة الجماعية والمنهج الوثائقي، تشهد عملية إحياء. وعليه فالبحث الكيفي هو الذي يرى في المجتمع وإنسانه وتاريخه كتاباً مفتوحاً، يتعلم منه، لا يعلمه، ويستخلص المعرفة مباشرة من الإنسان وعالم حياته، ويفسر التغيرات النوعية في المجتمع المعقد[86]، فهو مفهوم مركب لمداخل نظرية ومنهجية مختلفة جداً إلى الواقع الاجتماعي[87]. ويقول أنسليم ستراوس: «يقصد بمصطلح البحث الكيفي أي نوع من البحوث لم يتم التوصل إليها بواسطة الإجراءات الإحصائية، أو بواسطة أي وسائل أخرى من الوسائل الكمية.
إن هذا المصطلح يتضمن البحوث حول السير الشخصية والقصص والسلوك، ووظائف المنظمات والحركات الاجتماعية، أو العلاقات التفاعلية. كما أن بعض بيانات البحث الكيفي من الممكن أن تقاس أو تحدد كمياً تماماً، كما في بيانات التعداد السكاني، ومع هذا، فإن التحليل نفسه تحليل نوعي. وفي الواقع فإن مصطلح البحث الكيفي يكتنفه بعض الغموض، لأنه ربما يعني أشياء مختلفة لأشخاص مختلفين، فبعض الباحثين يقومون بجمع البيانات بواسطة أداة المقابلة وأداة الملاحظة، وهما أداتان مرتبطتان عادة بطرق البحث الكيفية. ومع هذا، فإن هؤلاء الباحثين يقومون بصياغة أو ترميز تلك البيانات بأسلوب يتيح لهم تحليل تلك البيانات تحليلاً إحصائياً (كمياً). إن هؤلاء الباحثين في الواقع يقومون بتحويل البيانات الكيفية إلى كمية»[88]. ويفهم تحت «البحث الكيفي، تلك المناهج التي لا تستخدم إلا عدداً قليلاً من الأشخاص للحصول على المعلومات، ولا تستخدم طريقة العينات، والتحليلات الإحصائية»[89].
ويذكر (لمنك) أن البحث الاجتماعي الكيفي من وجهة نظر معارضيه الكميين يحدد من خلال العناصر التالية:
1- «لا يستخدم إلا عدداً قليلاً جداً من المبحوثين.
2- لا يستخدم عينات حقيقية حسب مبدأ العشوائية.
3- لا يستخدم المتغيرات الكمية.
4- لا يستخدم التحليلات الإحصائية»[90].
ويفند (لمنك) الخصائص المذكورة بأنها سمات خارجية، لاتصدق في جلّ الحالات المدروسة. ففي بعض حالات البحوث الكيفية قد يتراوح عدد المبحوثين ما بين 50 حتى100. وفي حالة قلة عدد المبحوثين، فإن الأسباب تعود إلى التكاليف والوقت.
أما عن عدم استخدام العينات فيعود إلى قلة عدد المبحوثين الذي لا يحتاج إلى استخدام العينات. وكذلك بخصوص التحليل الإحصائي وقياس المتغيرات، فتلك تلعب دوراً ثانوياً في البحث الكيفي. ولكن ذلك لا يعني أن المتغيرات الكمية، مثل العمر وعدد الأطفال ومدة البطالة.. إلخ، لا تستخدم في وسائل البحث الكيفي (المقابلة غير المقننة، سيرة الحياة، المحادثة الجماعية، البحث الميداني الكيفي، المقابلات المعمقة... إلخ). وعليه فإن القياس ليس من مكونات البحث الكيفي[91]، ذلك أن منهج البحث الاجتماعي الكيفي يهتم بالمقام الأول بنماذج التفسير والفعل، ذات الطابع الإلزامي المحدد.
ويميز الباحثون بين المناهج والمنهجية والنظريات، فالأخيرة تفسر العلاقات الاجتماعية، والمجتمع، أما المنهجية فهي كما يقول كابلان ( Kaplan ): «تصف وتحلل مناهج البحث المستخدمة، وتلقي الضوء على مصادرها وإمكاناتها وحدودها، وتوضح ما تبنى عليه من مسلمات وافتراضات، وتبين تبعات وتوقعات المنهج. ومن خلال ذلك تمكِّن المنهجية الباحث من تعميم نتائج بحثه، بناء على نجاح ودقة المنهج وتكنيك جمع البيانات المستخدم، وهي تقترح تطبيقات جديدة للبحث، وتكشف عن المبادئ والأسس المنطقية والحدسية في حل المشكلات، وقد تقترح صياغات جديدة لتلك المشكلات... إن هدف المنهجية في البحث العلمي هو مساعدتنا على الفهم الشامل والواعي، لا لنتائج البحث العلمي، ولكن لعملية البحث نفسها»[92]. فالمنهجية هي دراسة المناهج، وتكمن وظائفها في مناقشة البنى النظرية والأسئلة التي تطرحها على ميدان البحث العملي، ومناقشة مناهج البحث ومدى قدرتها على طرح الأسئلة ودراستها في الواقع، وتبحث في الاعتماد المتبادل بين النظرية والممارسة والمنهج.
ثانياً - العوامل التاريخية والاجتماعية التي أدت إلى إحياء المنهج الكيفي
لا تنفصل المناهج عن الأوضاع التاريخية والاجتماعية والثقافية القائمة في المجتمع، والدليل على ذلك أن الطفرات المنهجية تولدت إما عن التغيرات الاجتماعية العميقة، كما هو حال المنهج الوضعي الفرنسي عند كونت بعد الثورة الفرنسية، وإما كانت تعبيراً عن مصالح إيديولوجية واجتماعية، كما هو الحال في الحرب بين المنهجين الكمي والكيفي في القرن العشرين، أو نشأت عن التراكمات العلمية عبر العصور. إن للمنهج أبعاداً ثقافية وتاريخية واجتماعية وإيديولوجية. فكما كان المنهج اللاهوتي تعبيراً عن الفكر الكنسي، ومرتبطاً بالواقع الاجتماعي والتاريخي، كذلك كان الحال بالنسبة إلى المنهج الوضعي، فهو ردة فعل على ما خلفته الثورة الفرنسية من دمار وخراب، ودعوة إلى النظام والانتظام، نظام العقل وانتظامه. وبهذا، فإن الخلافات المنهجية هي خلافات إيديولوجية، والخيارات المنهجية هي خيارات إيديولوجية، كما يقول يوهان غلتنغ ( Johan Galtung )، (المولود 1930-)[93].
وإذا ما نظرنا إلى المنهج والمنهجية في إطار البعدين الثقافي والإيديولوجي، نجد أن المنهج هو طريقة البحث عن الحقيقة، أو هو الطريقة التي يستخدمها الباحث في دراسته لمشكلة أو موضوع ما، أو كما عرفناه، «إنه طريقة في التفكير والسلوك، إنه عقل المجتمع». «للمنهج إذن مفهوم عام وخاص، أما العام فهو رؤيتنا الشاملة للمجتمع، والخاص هو طرق ومناهج البحث الخاصة»[94].
ونتفق هنا مع ملز ( Mills ) الذي أكد على أنه ينبغي على علماء الاجتماع استخدام التنظير العام والتجريب الخاص. «وبذلك يكون الغرض الأساسي من كل من المنهج والنظرية هو الوضوح في المفاهيم والاقتصاد في الإجراءات والأكثر أهمية الآن، هو إطلاق الخيال العلمي الاجتماعي بدلاً من تقييده»[95].
وبناء على ذلك يعرف ملز المنهج بأنه «الإجراءات التي يستخدمها الباحث الذي يحاول فهم أو تفسير شيء ما، والمنهجية هي دراسة المناهج... أما فلسفة المعرفة فهي أكثر عمومية من المنهجية، ذلك أن ممارسيها مشغولون بالأسس والحدود، أي بطبيعة المعرفة»[96].
أما المنهجية فهي دراسة المناهج، إن منهجية البحث العلمي تعني تقويم نتائج البحث، سواء أكانت تقويمات معرفية داخلية، أي القيمة الأداتية للنظرية، أو التفسير والفرضيات.. إلخ[97]. المنهجية هي الجهود المبذولة من السوسيولوجيين لتوضيح آلية المعرفة النظرية لنشاطاتهم[98]. إنها دراسة مناهج البحث «وفحص ما يجري في عمليات البحث الاجتماعي»[99]. هذا يعني أن للمنهجية أهمية أساسية في البحث العلمي، ولا غنى عنها للبحث العلمي، ذلك أن الباحث يجد نفسه دائماً في مواجهة مسائل منهجية، كأن يوازن بين التفسيرات المختلفة للنظريات ليرى صلاحيتها وقدرتها التفسيرية وأسباب سيادة نظرية على ما سواها[100]، وفي هذه الحالة يكون للباحث منهجيته الخاصة، والأفضل أن يكون معتمداً على منهجية عامة أو برادغما ( Paradigm )، ذلك أن المنهجية الجيدة هي من الموارد العلمية الهامة[101]. تلعب المنهجية ( Methodologie ) دوراً كبيراً في تقدم المعرفة، ولا غنى عنها لعالم الاجتماع، ذلك أن التقويمات المنهجية والقدرات المعرفية تصاحب البحث منذ البداية، وتساهم في تقدم المعرفة و الإبداع العلمي، وتزيد من الفعالية التفسيرية، وتظهر القيم الإبستمولوجية، كقيم الفاعلية، والطابع المجتمعي للمعرفة، وجدليتها، «فالجدل، كما يقول باشلار، يعني إخضاع المبادئ لصيرورة التطور العلمي»[102].
نعود لنقول إنَّ البحث الاجتماعي الكيفي ضارب بجذوره في التاريخ، ولا نتردد في القول إنَّ عملية التفكير الاجتماعي الحديث هي عملية كيفية، نشأت بداية في سياق تأويل النصوص وتفسيرها، وتطورت في القرن التاسع عشر، لتصبح المنهج المعبر عن خصوصية العلوم الاجتماعية. إن عملية إحياء المنهج الكيفي ارتبطت بمجموعة من المتغيرات، أبرزها العقم النظري والمعرفي للمنهج الكمي، وتراجع الصراع الإيديولوجي، وبروز ملامح ما بعد المجتمع الصناعي، ورد الاعتبار إلى مبدأ التأويل الذاتي في علم الاجتماع، ونهاية الخرافات والنظريات الكبرى لعصر الحداثة، كما يقول لوتران[103]، وتعدد العوالم الاجتماعية في العالم الحديث. والأهم من ذلك كله هو الخوف من تسييس العلوم الاجتماعية، الذي ساد إبّان الحرب الباردة. وقد انتهى هذا الخوف بانتهاء الحرب الباردة. هذا فضلاً عن مظاهر التغير الاجتماعي السريع واختلاف العوالم الاجتماعية التي جعلت الباحثين الاجتماعيين يواجهون باستمرار آفاقاً وسياقات جديدة، تعجز النماذج القائمة عن مواجهتها. فبدلاً من الانطلاق من النظريات واختبارها، تتطلب دراسة المواضيع تصورات جديدة عن العالم.
إن أهمية البحث الكيفي تكمن في إدراكه للبحث بوصفه عملية فكرية دائمة حول الوجود الإنساني، الذي لا يمكن فهمه ولا تأويله أوتحليله من خلال جمع البيانات، وتقنيات البحث الكمية، بل من خلال فهم علاقة البحث بالحياة، والباحث بالمبحوث، كعملية دينامية وحيوية، تسهم في فهم صحيح لحياة الإنسان. إن المناهج المستخدمة تتعلق برؤى الباحثين ومدارسهم وثقافتهم ومجتمعهم، كما تتعلق بصدق البيانات والمعلومات التي نحصل عليها مباشرة من الواقع. ويعود هذا المنعطف المنهجي الكيفي إلى فقدان النظرة الشمولية والنقدية في المناهج الكمية، وإلى إهمالها الطابع التاريخي والمجتمعي للمعرفة، «فهي تبقى على السطح، ولا تغوص في عمق النفس الإنسانية. إن حصيلتها هي حدوس عمياء[104]، فهي حدوس عمياء، وتجزيئية، وليست كلية، وعقيمة فيما يتعلق باكتشاف أراض وأفكار وعوالم جديدة وتبحث في جزء من الحقيقة، لا فيها كلها، حتى الإنسان الذي قامت العلوم الاجتماعية لدراسته، فقد شيّأته حتى صار جماداً دون روح، إنها تبقى على السطح، ولا تغوص في أعماق الإنسان. وبالمقابل يؤخذ على البحث الكيفي أنه فلسفي، وغير دقيق، ولا يفيد إلا لأهداف استكشافية[105]، ويرد على ذلك بأن هذا المنهج يكاد يصبح منهج علم الاجتماع، ويستخدم في علم الاجتماع الحضري والبيئي والصناعي والتنشئة الاجتماعية. ولديه حجج نقدية للممارسة وللنظرية ولطريقة البحث. ولما كان علم الاجتماع هو صوت المجتمع، فإن هذا المنهج هو الوسيلة للتعبير عن الإنسان والمجتمع.
ثالثاً- لماذا البحث الكيفي؟
«يدعي البحث الكيفي وصف عوالم الحياة من الداخل من منظور البشر الفاعلين». إنه التجربة الميدانية الأولية[106]، عوالم الحياة من الداخل لا من الخارج، ومن مركزية الإنسان لاهامشيته وتهميشه، ومن عمق عالم الحياة والإنسان لا ظاهره، وهو ما يعطي للبحث الكيفي أهميته. ويساهم هذا البحث في فهم أفضل للواقع الاجتماعي، ويصور لنا الحياة الاجتماعية في ديناميكيتها، وطبيعتها، من أفواه المبحوثين مباشرة، بحيث نعيش مشاعرهم، ويصبح علم الاجتماع علمهم، وجزءاً من حياتهم، يكتب لهم، لا لغيرهم. وهكذا فإن البحث الاجتماعي الكيفي هو قراءة واقعية لحياة البشر، كما يعيشونها، ويحسّون بها، لا كما يكتب عنها الآخرون. هذه الصورة الصادقة هي مدخل علمي إلى صياغة وبناء النظريات الاجتماعية. إن محكات الحقيقة هي الواقع نفسه، ما يقوله الواقع، لا ما يقوله الباحث، ملاحظة الحدث الاجتماعي، ووصف الأبعاد المختلفة للواقع المتنوع، وتفسير البيانات في ضوء الخبرات اليومية والمعرفة التاريخية، وفهم الواقع الاجتماعي من الداخل، وفهم المعنى المقصود للفاعلين الاجتماعيين، وفهم معنى الواقع من خلال التفاعل بين
البشر، إنه رؤية المجتمع من الداخل[107].
إن البحث الكيفي الذي ينطلق من إنسانية الإنسان ويعتبرها مدخلاً إلى فهم الإنسان، يقوم بما يسميه باشلار بالتحليل النفسي للمعرفة، أي معرفة نفسية الباحث وذاتيته، ويعتبر البحث عملية استكشافية مفتوحة، لا مغلقة. وهنا ينظر إلى المعرفة على أنها شخصية، وذاتية ومتحيزة.
يقول أحمد أبو زيد في نقده للمناهج الكمية: «وأياً كان الأمر فلا تزال الأنتروبولوجية تعتمد على الأداتين الرئيسيتين التقليديتين اللتين تميزان البحوث الأنتروبولوجية عن البحوث السوسيولوجية، وهي الملاحظة والمشاركة، أو المعايشة..... فالإقامة المستمرة الطويلة... تتيح للباحث الأنتروبولوجي الجاد أن يكرر الملاحظة، ويصحح ما قد يقع فيه من أخطاء، أو ما قد يدلي به بعض الإخباريين من معلومات غير دقيقة، سواء عن قصد أو غير قصد، والإقامة الطويلة أيضاً تتيح للباحث الأنتروبولوجي الجاد أن يقيم علاقات قوية حميمة مع أعضاء الجماعة التي يدرسها، وبذلك يستطيع أن يتعمق في دراسة علاقاتهم الاجتماعية وفهمها، ونظمهم وفهمهم بطريقة لن يتيسر للباحث السوسيولوجي الذي يعتمد على الاستمارة، أو الذي لا يقيم في مجتمع البحث فترة تكفي لدراسة وتحليل العلاقات الاجتماعية المعقدة المتشابكة بطريقة مباشرة. كذلك فإن الإقامة الطويلة والملاحظة والمعايشة تفتح للباحث الجاد طيلة الوقت مجالات وميادين جديدة من خلال ما يمكن تسميته بالحوار مع الظاهرة.
والباحث هنا يستعين بإنسانيته في فهم النظم الاجتماعية وأنماط السلوك المختلفة، والحوافز والدوافع الكامنة وراء ذلك السلوك. وهذه أمور لا نجدها في العلوم الطبيعية، أو في البحوث السوسيولوجية التي تلتزم بتطبيق مناهج هذه العلوم. فليس ثمة تعاطف - مثلاً - بين الباحث الفيزيائي والذرات أو بين الباحث البيولوجي وذباب الفاكهة وهكذا، وذلك بعكس الحال بالنسبة إلى الباحث الأنتروبولوجي وأعضاء الجماعة التي يدرسها. وهذا هو ما أقصده.. بالحوار بين الباحث الأنتروبولوجي وموضوع بحثه، وهو حوار ضروري لفهم المشكلات فهماً حقيقياً عميقاً، بينما لا تعترف العلوم الطبيعية بوجود مثل هذا الحوار، وذلك لأن موضوعات بحثها تدور حول الأشياء، وليس حول الأشخاص.... ولكن الذي يهمني الآن هو أن كثيراً من المشتغلين بالعلوم الإنسانية انتبهوا منذ زمن طويل إلى ضرورة اهتمام الباحث السوسيولوجي والأنتروبولوجي على السواء بهذا التعاطف، أو تلك المشاركة الوجدانية، واعتبارها جزءاً من منهج البحث، لا داعي للتنكر أو التنصل منه»[108].
«فمن خلال هذه المنهجية، فإن المفاهيم والعلاقات التي تربط بينها ليست متولدة فقط وناشئة من أهمية العملية البحثية، بل أيضاً خاضعة للامتحان والاختبار. إن إجراءات هذا المدخل متعددة، ومع ذلك محددة، كما سيلاحظ لاحقاً. فضلاً عن ذلك فإن البحث الكيفي يساهم في اكتشاف بيئات وأفكار جديدة، ومن ثم في بناء النظريات المرتبطة بالذات، لا بالموضوع، فله وظيفة إبداع النظرية، كما يقول أنسليم ستراوس: «أما الغرض من طريقة النظرية المجذرة بطبيعة الحال، فيتمثل في بناء نظرية صادقة موضحة للظواهر التي تدور حولها»[109]. ويمكن أن تكون النظرية المجذرة مدخلاً سوسيولوجياً إلى Grounded Theory دراسة الواقع «فإذا أخذنا موضوعاً مجالاً للدراسة، مثل الأطفال في المدرسة، فإن الممرض أو الممرضة سيكونان مهتمين بمشكلات الأطفال الصحية، وعالم النفس سيكون مهتماً بمسألة تكيفهم، في حين سيكون عالم الاجتماع مهتماً بسلوكهم الاجتماعي، والمربي سيكون مهتماً بأنماط وعملية التعلم لدى هؤلاء الأطفال، أما الدارس الظاهراتي (الفينومنولوجي) - من أي تخصص كان - فسيكون مهتماً بالتجربة المدرسية الذاتية لدى هؤلاء الأطفال. فكل منظور أو اتجاه نظري، سيعمل على تلوين أو تشكيل المدخل المستخدم لدراسة هؤلاء الأطفال. ومع هذا فإن مدخل النظرية المجذرة يستطيع أن يزود كل باحث من هؤلاء الباحثين بإجراءات لتحليل البيانات، تؤدي إلى تطوير نظرية مفيدة للتخصص الذي ينتمي إليه»[110]، «فالباحث في النظرية المجذرة يريد أن يفسر الظاهرة في ضوء الإطار النظري الذي ينشأ ويبزغ في أثناء البحث ذاته»[111].
فالجانب النظري الإبداعي المنبثق عن الحساسية النظرية هو الذي يؤدي إلى تطوير النظرية، فإذا توافقت مع النظريات الموجودة، فإنها تساهم في توسيعها.
وحسبما يؤكد أنسيلم ستراوس، فإن ما يسميها (النظرية المجذرة) قد صممت من أجل:
1- بناء نظرية وليس فقط لاختبار نظرية.
2- إعطاء العملية البحثية الأسس الدقيقة التي تجعل من النظرية عملاً علمياً صارماً.
مساعدة المحلل على تجاوز الانطباعات والافتراضات التي أتى بها معه إلى العمل البحثي التي ربما تنمو أيضاً خلال العملية البحثية.
3- توفير أو تقديم الأساس، وبناء الكثافة، وتنمية الحساسية، والترابط المطلوب لتوليد نظرية غنية مصوغة بإحكام، قادرة على التفسير، ومقاربة الواقع الذي تمثله النظرية[112].
فمن خلال الملاحظة بالمشاركة لمجموعة من المهاجرين يستطيع الباحث الحصول على معلومات عن حياتهم، ودوافعهم، وقيمهم ومشاعرهم وعلاقاتهم الاجتماعية وولاءاتهم الثقافية المحلية. ومن الجهود التي بذلت في هذا المجال ما قدمه لنا إرفنج غوفمان[113] في دراسته عن المصحات النفسية والسجون، وكيفية حفاظ أفراد هذه المصحات على ذواتهم. أما ردة فعلهم على أنماط التصرف كلباس هذه المؤسسات، وعدم وجود حياة خاصة، والمراقبة المستمرة، فهي السخرية والاستهزاء، والتكيف الزائد، والتحالفات السرية مع المشرفين.. إلخ. فهذه الدراسة من أهم الدراسات الاجتماعية التنظيمية للبحث الكيفي. كما وجهت الأنظار إلى أوضاع المقيمين في هذه المؤسسات، وساهمت في إصلاحها. ومن الدراسات التي يشار إليها بالبنان دراسة ويليم توماس وفلوريان زنانيكي عن الفلاح البولندي، والتي تناولا فيها الوضع الاجتماعي والاقتصادي للجماعات العرقية المهاجرة من بولندا إلى أميركا. فهي تتناول مسألة الهجرة، ومشاكل المهاجرين، والهجرة والعرقية. وهناك دراسة جهودا ولاتسرزفيلد عن البطالة، وهي الدراسة المشتركة التي أجراها لاتسرزفلد وجهودا وتسايزل عام 1933، حيث درسوا أثر البطالة في قرية صناعية نمساوية إبّان الأزمة الاقتصادية. وقد جمعوا بين المناهج الكمية (إحصائيات الدخل) والكيفية (مقابلات، دفاتر النفقات اليومية، اليوميات، مقالات الشباب حول مستقبلهم.. إلخ) والمادة التاريخية، وتاريخ الحياة. ولم يبدأ هذا البحث بنظرية ولا بخطة منهجية، بل بقائمة من الأسئلة المفتوحة، وقد دارت الأسئلة حول موقف الناس ونتائج البطالة. وقد عبر عن هذا الوضع بمصطلح (المجتمع المتعب)، حيث يعكس هذا المصطلح مشاعر الحياة والأفعال اليومية في مجتمع يعاني من البطالة[114].
وقد رصد الباحثون أنماطاً ومواقف فردية مختلفة كردة فعل على البطالة، عبّروا عنها بالصامدين، واليائسين، وفاقدي الأمل، واللامبالين، وغيرها من المواقف الفردية المفيدة اليوم لتطوير البحث العلمي. وهناك دراسة أدورنو وهوركهايمر عن (الشخصية التسلطية)، التي تبحث في العلاقة بين الإيديولوجية والثقافة والتسلط[115].
هذه الدعوة إلى البحث الكيفي في علم الاجتماع توضح لنا أهمية البحث، ذلك أنه أكثر انفتاحاً وأقرب إلى الظواهر المدروسة من غيره من المناهج. ففي الإجابات عن الأسئلة في المقابلة الموجهة للمسار Leitfaden interview ، وفي سير الحياة، والوصف الأثنوغرافي للحياة اليومية وللعمليات وفي المؤسسات نحصل غالباً على صورة واضحة وجلية، من منظور المبحوثين، كالمرضى المزمنين، والمسنين المقيمين في دور المسنين. إن ما نحصل عليه من معلومات من خلال معايشة المرضى المزمنين، والمسنين المقيمين في دور المسنين، وفي المصحات العقلية، تعجز عنه البحوث الكمية عن طريق المقابلات المقننة. فالبشر، كما يعيشون، ويعانون ويفرحون، ويتفاعلون في حياتهم اليومية، وإعطاء صورة كاملة عن حياتهم، هو ما يعطي لهذا البحث الكيفي قيمته. إن أهمية البحث الكيفي لا تعود إلى التخصص الإنتروبولوجي والظاهراتي، أو إلى طبيعة المشكلة المدروسة[116]، وإنما إلى قناعة الباحثين في عدم كفاية المناهج الكمية لدراسة الإنسان، ولصياغة نظرية للواقع المدروس. كما أن البحث الكيفي ينمي ما يسميه أنسليم ستراوس وجوليت كوربين «بالحساسية النظرية.. وهي صفة ذاتية للباحث... تشير إلى وضوح الرؤية، والقدرة على إعطاء معان للبيانات، والفهم الشامل، والقدرة على التمييز بين الأشياء ذات الصلة الوثيقة بالموضوع، وغير ذات الصلة. فجميع هذه الأشياء يتم عملها في مصطلحات تصورية نظرية، لا مصطلحات جامدة. إنها الحساسية النظرية التي تساعد الباحث على بناء نظرية مجذرة، عميقة التصوير ومترابطة... بدرجة أسرع من سائر الباحثين الذين يفتقرون للحساسية النظرية»[117].
ولذلك فإن عودة المناهج الكيفية إلى علم الاجتماع هي بمنزلة انقلابٌ في الفكر الاجتماعي العلمي، وصياغة جديدة لنماذجه العلمية.
رابعاً- نقد مناهج البحث الكمية
لقد دار النقاش - حتى السبعينيات من القرن الماضي - حول وحدة المناهج والعلوم، أو تعددها، وقد انطلق ممثلو اتجاه وحدة المنهج من العلوم الطبيعية كمثال، لكن هذا النموذج كان دائماً عرضة للنقد من الفلاسفة وعلماء الاجتماع، ومن المدرسة الأوربية عموماً، والألمانية خصوصاً، واتجاهاتها المعاصرة التي يمثلها غرتلر ( Girtler )، ولامنك ( Lamnek )، وفليك ( Flick ) والمدارس الأمريكية الكيفية، وقبلها دراسات فيبر ومدرسة فرنكفورت، ودراسات مركوزه المختلفة عن الحضارة، وعن القمع الحضاري والتسامح القمعي. ولعل أهم ما يميز الاتجاهات المعاصرة في البحث الكيفي أنها لا تكتفي بالنقد المنهجي، ولم تعد تحفل بالنقد الإيديولوجي، وإنما رسخت مناهج البحث الكيفي في الجامعات، وفتحت آفاقاً جديدة للبحث الاجتماعي، يعجز البحث الاجتماعي الكمي عن طرقها، وصارت منهجاً مستقلاً، يدرس في الجامعات المختلفة. وإذا كان البحث الكيفي لم يكتف بالنقد، بل طور وسائله وأدواته المنهجية، فإن السؤال هو: ما النقد الموجه إلى البحث الكمي؟.
لقد اختصر غرتلر أهم أوجه النقد إلى الآتي:
1- «لا توجد الظواهر الاجتماعية خارج الفرد (كما يقول دوركهايم وأتباعه)، بل تقوم على تأويلات الأفراد لجماعة اجتماعية ما.
2- ليس من السهولة بمكان تعريف الظواهر الاجتماعية بأنها موضوعية، بالعكس إنها تؤول بوصفها أفعالاً اجتماعية من جانب مضمون المعنى، أي تؤول بشكل مختلف وفقاً للموقف.
3- إن القياسات الكمية، بما فيها التقنيات، لا تستطيع تحديد الفعل الاجتماعي حقيقة. وغالباً ما تزين الأسئلة المختلفة، وكثيراً ما تؤدي إلى أن ينسب إلى الفاعل بأن لفعله معنى معيناً، والذي هو على الأغلب من اختلاقِ عالم الاجتماع، وليس الفاعل.
4- إنها مشكلة، كما يطلب عموماً في العلوم الطبيعية، بأن تصاغ الفرضيات قبل البحث لكي نختبرها. لأن هذا يعني أن نفرض شيئاً على الفاعلين، لا يستند إليه فعلهم. وبناء على ذلك لا يؤدي مشروع البحث الطابع الطبيعي - الوضعي إلى فهم السلوك الإنساني»[118].
وكثيراً ما يعرض البحث الكمي إحصائيات ونسباً، لكنه «قليلاً ما يبين كيف يتصرف الإنسان فعلاً، وكيف تبدو تأويلاته للفعل»[119]. ويستطرد عالم الاجتماع الألماني غرتلر قائلاً: «إننا نتعلم في الجامعات كيف نعبئ الاستمارات، ونغلف البيانات رياضياً، لكن لا نتعلم كيف نقابل البشر»[120]. ويقول نيد بولسكي: «ليس لعلم الاجتماع قيمة ما لم يدرس البشر الحقيقيين الفاعلين، البشر في مواقفهم الحياتية»[121]. لقد أصاب غرتلر مقتل المنهج الكمي، عندما بين أن هذا المنهج قاصر عن فهم الإنسان، وأن المقابلات المقننة عاجزة عن فهم العالم الاجتماعي المتنوع، ناهيك عن فهم البنى الاجتماعية المعقدة[122]. إن المنهجية الكيفية لا تهتم بتكميم العلاقات الاجتماعية، بل بالكيف، بخلاف ذلك فإن مناهج الملاحظة الدقيقة والمحددة للباحث الكمي تولد بيانات، لا علاقة لها أبداً بالظروف الحياتية للمبحوث[123].
فهذه المنهجية العامة هي بمنزلة مجموعة من القوانين التي تفرض نفسها على الباحث من الخارج»[124]. إن منهج البحث الكمي مغلق ومحدد، في حين أن الواقع الاجتماعي متجدد ومتغير، يقول باشلار: «فالفكر العلمي كتاب فعّال، كتاب جسور، وحذر في الوقت ذاته، كتاب في التجربة، كتاب يراد طبعه طبعة جديدة، طبعة منقحة، تعاد كتابتها أو يعاد تنظيمها»[125]. وهكذ، فقد صدر هذا النقد عن علماء الاجتماع الكيفيين، وعلى رأسهم غرتلر، الذي قام بدراسات ميدانية في كرواتيا عن الأسرة الممتدة، وفي الهند عن المنافسة بين معايير الدولة الرسمية، وبين معايير القرية غير الرسمية لدى المشردين، والشرطة، والصحفيين، وفي الثقافات الهامشية المدنية لدى المجرمين[126]. ويأخذ غرتلر على المنهج الكمي موضوعيته الشكلية، وولعه بالإحصاء أكثر من سعيه إلى الوصول إلى الحقيقة، فباسم موضوعية مزيفة يتم تصنيم أدوات البحث الكمية، بخلاف المنهجية المرتبطة بالذات، وبمواقف معينة.
«فالمناهج الكمية لا تستطيع أن تلتقط سوى مظاهر المجتمعات الأكثر بساطة والأكثر سطحية»[127]. «وغالباً ما تكون نتائج دراساتها تافهة وقليلة الجدوى، خاصة لمن تعنيهم... وقد أثمرت دراساتها عن نتائج غير ناضجة، ورؤية ممسوخة للإنسان، فهي كمسرحيات العرائس التي تمثل في نطاق وظروف محدودة للغاية»[128]. وعليه فإن منهج البحث الكمي يعطينا «صورة مضللة عن الإنسان.. ويهمل الجوانب الخاصة والذاتية»[129]. كما تعجز هذه المناهج عن فهم وتفسير السلوك الإنساني، وعن دراسة البنى الاجتماعية. فالإحصائيات ليست بديلاً للدراسة المباشرة للواقع. كما أن عديداً من المناهج الكيفية، مثل المقابلات المعمقة، والملاحظة بالمشاركة تأخذ طابعاً إمبريقياً في سياق التعددية المنهجية. وينتقد لمنك المناهج الكمية، ويتناول ما يلي:
1- التجربة والخبرة
2- الظاهر والواقع
3- أولوية المنهج
4- صنمية القياس
5- الأداتية بوصفها ما بين ذاتية
6- العلم الطبيعي بوصفه نموذجاً
7- الذات بوصفها موضوعاً
8- الموضوعية الشكلية للتقنين
9- منظور البحث بوصفه مفروضاً
10-المنهجية وواقع البحث
11-مسافة الباحث عن الموضوع
12-إغفال سياق البحث
13-Messartefakte[130].
لن نسهب كثيراً في نقد المناهج الكيفية، وخصوصاً أن هذا النقد قد أصبح تاريخاً، تجاوزه الزمن، ويخص تاريخَ نظرية العلم أكثر مما يخص التطور الراهن لها، ومع ذلك فإن كشف عورات هذا اللاهوت الكمي - الوضعي وتعريته تنطوي على أهمية معرفية كبيرة بالنسبة إلى العلوم الاجتماعية عموماً، وإلى العلوم الاجتماعية العربية خصوصاً، التي ما تزال لا تحفل بهذا المنهج، وتجهله لأنها لاتعرفه، وتحسبه على الفلسفة، علماً بأن تطوير علمنا لن يكون ممكناً، إلاَّ إذا أمسكنا بناصية هذا المنهج. وأحسب أن المنهج الكيفي بأطيافه المختلفة، وقربه من الواقع، أقرب كثيراً إلى مجتمعنا وفهمه من غيره من المناهج الأخرى.
إن ما يعتبره أصحاب المنهج الكمي من فضائل منهج البحث الكمي، وهي علميته وموضوعيته، وقيامه على التجربة، هو ما يراه أصحاب المنهج الكيفي عوائق إبستمولوجية، تعوق الوصول إلى المعرفة. فهو يقتصر على دراسة الظواهر والمضامين الظاهرة. «أما بنى المغزى الكامنة فتستبعد بذلك من التحليل»[131]. ينطلق المنهجي الكمي من الخبرة بوصفها أساساً لاختبار وإثبات المعرفة العلمية. أما خبرة المبحوثين وعالم حياتهم، كمصدرين للمعرفة، فيستبعدان من المعرفة العلمية. إن علاقة النظرية بالخبرة والتجربة ينبغي ألا تقتصر على اختبار الفرضيات والنظريات، بل لابد لها من أن تشمل الخبرات السابقة والمكتسبة من تاريخ حياة الأفراد. وهذا هو ما عناه فلستد ( Filstead ) عندما أشار إلى المسافة بين الباحث وموضوع البحث. «إننا نطور تخصصات تقنية ولا نفكر بتاتاً إذا ما كانت تنفع في فهم واقع العالم الاجتماعي الإمبريقي. إن الاتجاه المتعاظم نحو التكميم أدى إلى فهم أقل للعالم الاجتماعي الإمبريقي..... إذا أراد علماء الاجتماع فهم السلوك الإنساني بشكل أفضل، فإنه يتعين عليهم أن يدخلوا في علاقة مباشرة مع العالم الاجتماعي الإمبريقي، بدلاً من المسافة المتزايدة عن ظواهر العالم الاجتماعي الإمبريقي»[132]، وهذا ما يسميه باشلار «بالعقلانية المطبقة، التي تتميز بكونها العقلانية التي تسعى إلى أن تزيد من تطبيقاتها، وتسعى إلى أن تكون باستمرار فلسفة إعادة النظر»[133]، وهي فلسفة متفتحة. إن البحث الاجتماعي الكيفي يتجاوز الهوة بين الباحث وموضوع البحث، ولا يقيم الحواجز بينهما باسم موضوعية مفتعلة، ولذلك يتسم بانفتاح البحث على الوعي اليومي، وبناء الواقع من خلال منظور الأفراد أنفسهم.
هذا النقد يقودنا إلى النقطة الثانية، وهي أن البحث الكمي يهتم بدراسة (الظاهر لا الجوهر).
هذا المصطلح الفلسفي مهم جداً، لأنه يطرح السؤال عن كيفية فهم الظواهر الاجتماعية وتفسيرها، وهل ندرس ظاهر الأشياء أو باطنها. الغوص في هذا الموضوع قد يكون غريباً عنا، ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن العلماء ربطوا بين الظاهر ( Schein ) والإيديولوجيا، فما هو ظاهرٌ، يكون مزيفاً، وإيديولوجياً، وليس الحقيقة. وهذا ما جعل أدورنو « Adorno يقول: إن الوضعية تدرس الظواهر الهامشية بدلاً من الأشياء، وقد تابع هابرماس نقد (وهم الوضعية) معتبراً التقنية والوضعية وجهين لوهم إيديولوجي واحد»[134]. وهذا ما أدى إلى العقم النظري، فهناك الواقع الإيديولوجي، من جانب[135]، وهناك الواقع اليومي، من جانب آخر. إن معظم الدراسات الاجتماعية لا تعطي رؤية واضحة عن المجتمع، ذلك أن معظم مناهج البحث غالباً ما تفتقر إلى النظرية، وتهتم بتقنية البحث أكثر من اهتمامها بالكشف عن الحقيقة. أما بلومر فيقول: «إن الواقع يوجد في العالم الإمبريقي، وليس في المناهج المستخدمة في دراسة ذلك العالم. وينبغي اكتشافها في دراسة هذا العالم، وليس في تحليل المناهج المستخدمة في دراسة هذا العالم. إن المناهج مجرد أدوات، نطورها، لنحدد ونحلل الطابع الخاص للعالم الإمبريقي، وبوصفها كذلك، فإن قيمتها تكمن فقط في قدرتها على إنجاز هذه الوظيفة»[136].
وفي هذا السياق تفهم محاولات ميرتون عن «النظريات المتوسطة المدى»، وعن العلاقة بين النظرية والإمبريقية. لقد قدم كل من بيرغر وتسكورل ( Cicourel 1970 ) وكرمبنر ( krempner ) نقداً مفصلاً لمناهج ومقاييس البحث المقننة، مفاده أن الطابع السياقي والدينامي والمعقد لمواضيع البحث الاجتماعي لا يمكن فهمه من خلال البيانات المقننة، وبدلاً من ذلك لابد من تطوير مناهج ملائمة للموقف ومرنة وقريبة من الواقع. يقول غرتلر: «إن منهج الفهم مثلاً، ومن خلال المشاركة المباشرة في حياة الجماعة المعنية، أو من خلال المقابلات الحرة، يمكّننا من إدراك السلوك البشري بشكل أدق، وتفسيره بشكل أقرب إلى الواقع، أكثر مما يسمح به المنظور الخارجي»[137].
أما النقد الثالث الموجه للبحث الكمي فيتمثل في أنه لا يهتم بتنمية الوعي الإنساني، أو كما قال أمرفل « Immerfell: «إن الوضعية لا تستطيع معرفة الغابة (المجتمع) من كثرة الأشجار (الإمبريقية)، لأنها تنطلق في منهجها لمعرفة المجتمع من الأشياء الملموسة... إنها تستبعد من خلال ذلك إمكانية المجتمع وتتناول ما هو ظاهري على أنه حقيقة»[138]. وهكذا، من كثرة الأشجار لم يعد ممكناً رؤية الغابة، ومن كثرة الإمبريقية لم يعد ممكناً رؤية المجتمع. كما تحجب الأشجار الكثيفة رؤية الغابة، فإن أدوات البحث الكمي لم تحجب رؤية المجتمع فقط، بل أنهت فكرة المجتمع. ولذلك قصرت كافة المناهج الكمية في إعطاء رؤية واضحة عن المجتمع، وعن البشر المكونين له، وعن آمالهم. ويفيد ذلك أن الوضعية تحجب الرؤية الاجتماعية، ولا تزيد وعي الناس بحقيقة المجتمع، ممّا جعل العلماء يأخذون عليها بأن وظيفتها تكمن في (ترسيخ الواقع). وهذا يعني أنّ البحث الكمي يعرض الوقائع كما هي، ولا ينقدها.
أما نقطة النقد الرابعة فهي أولوية المنهج. «ويتجلى ذلك في أن الباحثين كثيراً ما يستخدمون أدوات البحث الكمية، دون مراعاة موضوع البحث، ومدى ملاءمة المنهج للموضوع، ووحدة النظرية والمنهج. فلكل نظرية منهج، ولكل منهج نظرية»[139]. وغالباً ما يغفلون دور النظرية، وهذا يعني أنهم ينطلقون من أولوية المنهج على الأشياء التي يدرسونها.
إن المنهج يحدد مسبقاً الأشياء التي تبحث، أو لا تبحث. ولما كانت الوضعية تحصر التجربة بالوقائع والظواهر فقط، فإن ذلك يؤدي إلى إنكار بنية الشيء في سبيل المنهج. ليس الواقع والموضوع ما يحددان المنهجية، وإنما العكس هو الصحيح، فمن يحدد ويختار المنهج هو الباحث ولذلك غالباً لا يتناسب المنهج مع الموضوع.
وهذا يقودنا إلى نقطة النقد الخامسة، وهي صنميةُ القياس والهوس بالإحصائيات والأرقام على حساب الكيف. من كثرة الأشجار لم يعد ممكناً رؤية الغابة، ومن كثرة الإحصاء والتجريد لم يعد ممكناً رؤية الموضوع.
أما النقطة السادسة فهي الأداتية بوصفها ما بين ذاتية[140]. ويؤكد رواد المنهج الكيفي على أنه من المتعذر استبعاد العنصر الذاتي في البحوث الاجتماعية، ذلك أن الذاتية تدخل في صياغة الفرضيات، وفي النظريات، وفي التحليل. فثمة علاقة بين الأحكام القيمية، أي بين اتجاهات المنظرين ونظرياتهم، وقد وضح ذلك ألفن غولدنر ( Gouldner )، إذ بين أن النظريات الاجتماعية تحتوي على عنصرين على الأقل: العنصر الأول هو الفرضيات الواضحة والمصاغة، والثاني هو الفرضيات غير المصاغة، أو الفرضيات الكامنة، أي تلك التي تشكل الخلفية التي تستمد منها الفرضيات، فهي قائمة في الفرضيات ضمناً، ومشارك صامت في تكوين النظريات، تؤثر في صياغتها وتطورها، وهي تصورات عن العالم. إن الفرضيات الكامنة، المتأثرة بمشاعر الباحث وقناعاته تؤثر في النظريات، وتمثل رأس المال الثقافي الذي يستثمره المنظر في عمله. وإذا جاز لنا أن نسمي الفرضيات الكامنة بإيديولوجيا الباحث، فإن الفرضيات الخاصة، المختبرة ميدانياً، متأثرة أيضاً بآراء الباحث ومشاعره.
وهكذا إن البنية التحتية للنظرية الاجتماعية مؤطرة بميدان ما قبل نظري من الفرضيات والبنى العاطفية. ويتشكل هذا المجال ما قبل النظري من ثقافة المجتمع، ومن خبرات الباحث. وبناء على ذلك «فكل نظرية اجتماعية هي نظرية سياسية صامتة»[141].
وهذا ما يدعوه باشلار بالتحليل النفسي للمعرفة، «فإن باشلار يفترض لدى الباحث العلمي مكبوتات عقلية على الإبستمولوجي أن يبحث في أثرها في العمل العلمي لهذا الباحث... فالعمل العلمي هو عمل عقلي ونفسي»[142]. لذلك فإن أسلوب الكميين القائم على أداتية مناهج البحث ليس سليماً، لأنه ينكر تدخل الباحث في البحث. فإذا فهمنا عملية البحث بوصفها علاقة تفاعلية بين الباحث وموضوع البحث، فإن الذاتية تتولد هنا عن تكيف المناهج مع موضوع البحث الفردي، وعن التفاهم بين الباحث وموضوع البحث[143].
أما نقطة النقد السابعة، وهي العلوم الطبيعية نموذجاً، فقد ذكرنا أن عالم الإنسان غير عالم الجماد، وأن مناهج عالم الجماد ليست مناهج عالم الإنسان. إن موضوع التحليل هو الإنسان الفاعل الذي يعيش في سياق اجتماعي، إنه الفرد الاجتماعي الذي ينطوي فعله على معنى ويرتبط بالآخرين. وينبغي فهم هذا السلوك. ولذلك فإن دراسته تحتاج إلى منهج آخر، ذلك أن المطلوب ليس البحث في قوانين السلوك، وإنما البحث في دوافعه.
أما نقطة النقد الثامنة فهي الذات كموضوع، ويعني ذلك أن موضوع العلوم الاجتماعية ليس الظواهر الطبيعية، بل الذوات البشرية. إن البحث الكمي يتناول البشر، من خلال مناهجه المقننة، كمواضيع وجمادات، وكمجرد مصدر للبيانات فقط. ويتجاهل البحث الاجتماعي الكمي أن مواضيع بحثه ليست جمادات، وإنما هي بشر فاعلون في عملية البحث، سواء أكانوا مبحوثين متفاعلين وفاعلين أم باحثين. إنهم «خبراء بالمسائل التي تبحث، وبسبب هذه الخاصية تم اختيارهم»[144]. ويعني هذا أن البحث الاجتماعي الكيفي يراعي ذاتية مواضيع البحث. وهي ذاتية منتجة، لأنها تكشف ما يجول في داخل النفس الإنسانية، وتنظر إلى الإنسان لحماً ودماً، لا جماداً، يعيش خارج هذا الكون.
هذه الذاتية المنتجة تؤدي إلى نقطة النقد التاسعة، وهي الموضوعية الشكلية للتقنين[145]. إن تقنين المناهج لا يعني تقنين الأفعال، ولا يعني أبداً أن التحليل موضوعي بنفس موضوعية الأدوات. ويقول لمنك: «إن تقنين المعاني هو شيء آخر غير تقنين الأفعال. فنفس الظواهر يمكن أن تفسر بشكل مختلف»[146]. وهذا نقد موجه إلى الباحث الاجتماعي الكمي، الذي يدعي أن قيام ظروف متشابهة من خلال التقنين، يؤدي إلى ظروف بحث متساوية أمام الجميع، تمكّن من المقارنة في التحليل. وحتى لو افترضنا قيام نفس الظروف، فإن تفسيرات المبحوثين وأفعالهم تختلف.
ولذلك فإن مناهج البحث الكمية غالباً ما تكون منقطعة الصلة عن ظروف الحياة الطبيعية للمبحوث. أما غرتلر فيرى أنه من خلال المناهج الكيفية يمكن عرض الواقع الاجتماعي موضوعياً، كما يراه البشر، لا كما يراه عالم الاجتماع. فالبحث غير مقطوع الصلة عن وعي الباحث ونفسيته، وهذا ما يؤكده باشلار عندما يتحدث عن التحليل النفسي للمعرفة الموضوعية، ذلك أن القيم الإبستمولوجية هي قيم نفسية وعقلية، ولذلك لابد من السؤال عن الشروط الخفية، و لكن الديناميكية، التي تتحقق فيها معرفتنا. وهي نوع من العقلانية الجدلية، أي إخضاع المبادئ لصيرورة التطور العلمي[147].
أما النقطة العاشرة فهي أن الباحث يفرض رؤيته وأفق بحثه على المبحوث. ويتم ذلك عن طريق الفروض التي صاغها الباحث، ويريد اختبارها. ويفيد ذلك أن نفرض على الفاعلين شيئاً، قد لا يستند إليه فعلهم[148]. فالفرضيات والعمليات الإجرائية التي يقوم بها الباحث تحددان المهم، وغير المهم في نظر الباحث؛ فلا يتكلم المبحوثون في البحث، ولا تؤخذ الحقيقة مباشرة من أفواههم، ودون وسيط، وإنما يبحث فيما يراه الباحث هاماً. رؤية الباحث وآراؤه، لا رؤية المبحوث وعالمه، ومنظور الباحث، لا منظور المبحوثين، وتقنين الأسئلة والأجوبة، لا عفوية المبحوثين، هي ما تسم البحث الاجتماعي الكمي. ترى من يدري أن ما افترضه دوركهايم عن أسباب الانتحار صحيح من رؤية المبحوثين[149]، وهل استخلص دوركهايم نظريته عن الدراسة الواقعية لعالم حياتهم، أو أن دوركهايم فرض عليهم سياقه النظري؟.
أما نقطة النقد الحادية عشرة فهي المنهجية وواقع البحث والعلاقة بينهما. وقد ذكرنا أن إحدى الوظائف الأساسية للمنهجية هي نقد مناهج البحث وتقويمها، وهذا يعني تطبيق نتائج البحث المنهجي. لكن واقع البحث الاجتماعي يدل على ضعف التعاون بين المنظرين وبين الباحثين الاجتماعيين، فثمة هوة عميقة بينهما، ولهذا ينطلق البحث الاجتماعي الكيفي من الواقع.
وهذا يقودنا إلى نقطة النقد الثانية عشرة، وهي المسافة بين الباحث وموضوع البحث. إذا كان البحث الكمي يؤكد على المسافة بين الباحث والموضوع، وعلى الموضوعية ( Objektivitaet )، فإن التفسير يظل بعيداً عن الواقع، وهذا ما يجعل العالم الاجتماعي للمبحوثين يبقى مخفياً عن الباحث، علماً بأن دراسته هي الشرط الأساسي لأي بحث اجتماعي. فبخلاف الباحث الكمي، فإن الباحث الكيفي يدرك جيداً بأن قدرته على الفهم لا تتزايد على المسافة التي تفصله عن موضوع البحث، وإنما على قربه منه[150]. ويصف غرتلر هذه الموضوعية بالشكلية، فمن خلال مبدئي الانفتاح والتفاعل نستطيع عرض الواقع الاجتماعي، كما يراه البشر، وليس كما يراه عالم الاجتماع.
وهذا يؤدي إلى نقطة النقد الثالثة عشرة، وهي إهمال سياق البحث. فالبيانات التي يتم الحصول عليها مقطوعة عن السياق الموقفي والحياتي. من هنا كانَ الشك في مصداقية البيانات الكمية، «فلا يكفي تقنين المناهج والمواقف، وإنما المطلوب هو أن نتناول نتائج البيانات المحددة موقفياً في التفسير. من خلال ذلك فقط يمكن فهم الأفعال المنتجة للبيانات من حيث المغزى»[151].
أما الموضوع الأخير فهو النتائج الاصطناعية للقياس messartefakte ، ويقصد بها الصعوبات المنهجية الفنية للبحث الاجتماعي الإمبريقي والعوامل غير المخطط لها والمؤثرة في عملية البحث ونتائجه، والتي تظهر في البحث الميداني، وتؤدي إلى الأخطاء في عملية البحث وفي موقف البحث، وفي تحليل البيانات نتيجة العوامل الدخيلة على عملية البحث، وتحيز الباحث.
ويذكر لمنك وجود عاملين أساسيين للبحث، لم يتم بعد بحث نتائجهما، وهما:
أولاً - إن الباحث يساهم من خلال قراراته المتعلقة ببعض أبعاد البحث وخطط الدراسة ونماذج التحليل، في تشكيل موضوع بحثه.
ثانياً - إن المبحوثين يشكلون، كذوات بحث تماماً كالباحث نفسه، عالمهم، ولا يمكن دراستهم كما في العلوم الطبيعية[152].
ويفهم تحت نتائج البحث الاصطناعية forschungsartefakte عموماً كل نتائج البحث الخاطئة التي تحدث من خلال العوامل المربكة في عملية البحث، أو يمكن أن تكمن هذه في واقع البحث وفي طريقة الحصول على البيانات أو تقويمها. ويمكن اختزال الدعاوى ضد البحث الكمي الموضوعي إلى الآتي:
1- «التشكيل المسبق الرمزي لمجال الموضوع السوسيولوجي
2- العملية التفاعلية بين الباحث والمبحوث
3- وجود عالم حياة وثقافة يومية مشتركة»[153].
هذا النقد للبحث الكمي تعمق من خلال الهرمينوطيقة الفلسفية لغادامر « Hans Georg Gadamer ) (1960)، وتحليل عالم الحياة الفينومنولوجي لهوسرل وشوتس والتفاعلية الرمزية والاتنوميتودولوجيا winch und cicourel ». وقد ركز البحث الكيفي المستند إلى ذلك على المصطلحات التالية:
· «التفاعل
· الفهم
· الذات
· عالم الحياة»[154].
إن البحث الكيفي يناقض كل مقومات البحث الكمي، ابتداء من بدء عملية البحث، وعرض المشكلة، وصياغة الفرضيات واختبارها، بما في ذلك تحديد المفاهيم الإجرائية وعمليات الصدق والثبات und Gueltigkeit Verlaesslichkeit ، ومدى ملاءمة المنهج المستخدم للموضوع، وإذا ما كانت النتائج تساير الواقع. بعدها تصاغ الفرضيات، ويختبر صدق الأداة وثباتها.
لكن المهم للصدق والثبات هو أن يحاول الباحث عرض الواقع الإمبريقي الاجتماعي، كما هو قائم عند المبحوثين فعلاً[155]. في المنهج الكمي تعكس الفرضيات وجهة نظر الباحث، وتفرض على الواقع، بعكس ذلك في البحوث الكيفية، حيث تصاغ الفرضيات في أثناء عملية البحث[156]. ولعل أهم نقاط النقد هي إهمال الباحث الكمي للمسؤولية الأخلاقية للعلم وضآلة النتائج التي يتوصل إليها.
خامساً- تاريخ البحث الكيفي
سبق أن أشرنا إلى أن تاريخ البحث الكيفي ضارب بجذوره في التاريخ، ولا نعتد من جانبنا بالدراسات التي تشير هنا وهناك إلى هذا المنهج. ولا أتوانى عن القول إنَّ عملية التفكير بالوجود الإنساني هي عملية كيفية قديمة. فالمتتبع للتاريخ الاجتماعي يجد كثيراً من الدراسات التي تصف حياة الإنسان والمجتمعات والأفراد، وسير حياتهم. وأكتفي هنا بالإشارة إلى مقدمة ابن خلدون وتحليلها لتاريخ المجتمع العربي وواقعه.
وأحسب أن معظم الدراسات التي ظهرت في ألمانية في القرنين التاسع عشر والعشرين قد استخدمت أسلوب البحث الكيفي، كدراسات ماركس، وفيبر، وتونيز وزمل وألفرد فيبر عن علم الاجتماع الثقافي، حتى النظريات الاجتماعية، التي تطورت في تلك المرحلة، فهي صور كيفية عن حياة المجتمعات وانتقالها من المرحلة البسيطة إلى المرحلة الحديثة. فهي ليست تنظيراً منقطعاً عن الحياة، بل تحليلاً للتغير الاجتماعي والثقافي، وتحليلاً صادقاً لتغير صورة الإنسان. الجديد في الأمر هو المنعطف الإبستمولوجي الذي طرأ على هذا المنهج في القرنين التاسع عشر والعشرين، وتطوير مداخل منهجية وعلمية جديدة إلى فهم الإنسان، بعضها ذو أصل نفسي اجتماعي كالتفاعلية الرمزية عند جورج هربرت ميد، وبعضها ذو أصل فلسفي اجتماعي، كالظاهراتية، عند إدموند هوسرل و ألفرد شوتس، وبعضها إثنوميتودولوجي. على أن الجديد في الأمر هو اكتشاف الهرمينوطيقة ودورها في الفهم والتواصل والتفاعل بين البشر، أو اللغة وعالم الحياة. وسنجد لاحقاً أن هايدغر يقول: اللغة تتكلم، وعندما تتكلم اللغة، يتكلم الإنسان، فاللغة هي مفتاح الحياة والإنسان والتفاعل والتواصل (هابرماس). اللغة تتكلم في التاريخ، وفي الثقافة، لكن كيف نفكك رموز هذه اللغة، ودلالالتها؟
وبخلاف ماهو شائع علمياً، فإننا نصنف معظم الدراسات الكلاسيكية في علم الاجتماع ضمن المنهج الكيفي، ونشير في هذا الصدد إلى دراسات كارل ماركس وفيرنر زمبارت وغيرهما عن الرأسمالية، وبحوث فيبر عن «الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية»، وعن الإدارة والدولة، ودراسات منهايم في علم اجتماع المعرفة.. إلخ. ومن أهم الدراسات التي تجمع بين منهجي البحث الكيفي والكمي هي دراسة دوركهايم عن (الانتحار).
وغالباً ما تشير الدراسات أيضاً إلى دراسة مدرسة شيكاغو التي قام بها توماس وزنانيكي W. I. Thomas und F. Znaniecki (1918-1920): Polish Peasant ، وهي بحث في أشكال تكيف الفلاحين البولنديين مع ظروف المدينة الصناعية في شيكاغو، الذين انحدروا من ظروف تقليدية. أما الأهمية المنهجية للموضوع فتكمن في حجم المادة المدروسة وتنوعها، وفي اختلاف المناهج المستخدمة وتنوعها، كالاستبيان والمقابلة، وتحليل الوثائق، وفي استخدام مناهج جديدة، كتحليل المراسلات، وسير الحياة التي كلف بكتابتها بعض المبحوثين. وهناك دراسة جهودا ولاتسرزفلد عن العاطلين عن العمل في (مارينفيلد)[157] ، وأثر البطالة في حياتهم وسلوكهم.
وتعتبر دراسة أدورنو ( Adorno ) عن (الشخصية التسلطية) التي أجراها عام 1950 في أمريكة، مع ماري جهودا وآخرين من أبرز الدراسات في هذا المجال. وتبحث الدراسة في بنية (الشخصية المتسلطة)، وفي دور الآباء، واضطهاد الأقليات الدينية والإثنية. وقد توصلت الدراسة إلى وجود علاقة قوية بين مجموعة من الخصائص الشخصية والموقف العدواني من الأقليات، وبين بنية الشخصية ومزاعمها الخاطئة عن هذه الأقليات.
فالسؤال يدور حول العلاقة بين بنية الشخصية وتأثرها السياسي وموقفها من الأقليات، أو بين بنية الشخصية وموقفها العدواني نحو الأقليات الدينية والعرقية. وقد بحثت هذه المشكلة من خلال دراسة مجموعة من المشاركين في الحرب[158]. فالدراسة محاولة لفهم الديماغوجية (التعصب الإيديولوجي)، هؤلاء المحرضون هم (الطاقة الفاشية)، أو (أنبياء الكذب)[159] ، هم الذين يتغلغلون إلى باطن الأنفس، وهم غير المتسامحين، هم الذين لعبوا دوراً في وصول النظم الفاشية قبل الحرب العالمية الثانية إلى السلطة. وتتميز هذه الجماعة بعدم الرضا والتذمر الاجتماعي، فهي تتذمر من الظروف الاقتصادية السيئة، ومن الظروف السياسية والثقافية، التي يستغلها المحرض، فيصوِّر الأقليات أو الدول الخارجية وكأنها هي المسؤولة عن بؤس هذه الجماعات. فالآخر هو المسؤول عن الظروف الاقتصادية السيئة، وعن الظروف السياسية، وعن الانحطاط الثقافي والأخلاقي، وبذلك تصور الأقليات وكأنها هي المسؤولة[160]. فالمحرض يستغل ذلك، ويزرع عدم الثقة والشك بالآخرين، والخوف منهم، والعزلة عنهم. إن صورة العالم هي صورة المؤامرة والعداء ورفض العالمية[161]، واتهام الغرباء والأعداء الدائمين والمجرمين.
كما تبحث الدراسة في بنية المواقف العنصرية لهذه الجماعات، وفي تصورات عالمها الاقتصادية والسياسية، وانتماءاتها الجماعية بالنظر إلى عنصريتها وتهميشها للآخرين[162]، كالسود والأقليات. وقد تمت دراسة هذه المشكلة من خلال تطوير مقياس العنصرية[163]، وموقفهم من السود والأقليات، والوطنية الأصولية.
كما قام الباحثون بمقابلات معمقة لدراسة بنى الشخصية الدينامية والمعرفية في ضوء المقابلات[164]، كما استخدموا مناهج تحليل البروتوكولات، وقاسوا العناصر غير الديمقرطية في بنية الشخصية. وقد توصلت الدراسة إلى أن الفاشية بناء معقد جداً، وأن هناك علاقة بين خصائص الشخصية الأساسية وبين هذه البنية الفاشية[165].
سادساً- خصائص البحث الكيفي
بناء على النقد السابق للبحث الكمي، فإنه من السهل علينا فهم مبادئ المنهج الكيفي وبرنامج البحث الكيفي. ولعل أهم ما يميز هذا المنهج هو جدلية الأصالة، أصالة في الاقتراب من المبحوث، وأخرى من الوقائع. وتعني الأصالة أن الباحث يفهم الموضوع في بناه الخاصة وفي خصوصيته، وهناك البنية، أو إقامة بناء، وتعني فهم الحدث، أو الميدان من منظور نظري، وعام ومقارن[166]. وأهم المبادئ الأساسية للبحث الكيفي هي:
الانفتاح
البحث بوصفه تفاعلاً
الطابع الدينامي للبحث والموضوع
التأمل النقدي للموضوع والتحليل
Die Explikation التفسير
المرونة