eKtab
EN ع
المنهج المتكامل في الترجمة
Read free sample

المنهج المتكامل في الترجمة

by د. عبده مختار موسى

Page 1
المقدمــة
 
عندما نتحدث عن الترجمة الصحفية هذا يعني كل فنون العمل الصحفي التي تُعالج من خلالها الموضوعات المختلفة مثل الخبر والتعليق والتحليل والتقرير والمقال ونحو ذلك. وإذا أخذنا الخبر مثلاً نجد أن الأخبار تغطي كل جوانب الحياة: الإقتصادية والسياسية والثقافية والإجتماعية والفنية والرياضية والقانونية والفكرية وغيرها. وبناء على ذلك يمكن أن يكون الخبر سياسياً او إقتصادياً أو إجتماعياً أو في مجال الخدمات أو في مجال الكوارث والحروب أو في مجال الجريمة والحوادث والأحداث المختلفة. وبالتالي يمكن أن نتحدث عن ترجمة صحفية سياسية، وترجمة صحفية إقتصادية، وترجمة صحفية قانونية ودينية، ونحو ذلك.
 
لذلك رأيتُ أن يضم هذا الكتاب مفردات ومصطلحات في مختلف العلوم كأدوات مسـاعدة للترجمـة الصحفية؛ إضافة إلى النصوص المختارة (أخبار، تقارير، مقالات). لذلك وصفتُ هذا الكتاب بعبارة "المنهج المتكامل". لقد أعددتُ هذا الكتاب مستصحباً عدة إعتبارات، أهمها:
 
1. أن هذا الكتاب يخدم طلبة الإعلام بجميع أقسامه وتخصصاته وطلبة الترجمة وكذلك المحترفين في المجال.
 
2. أن هذه الترجمة تشمل الإتجاهين من اللغـة الإنجليزية إلى العربية ومن العربية إلى الإنجليزية. لذلك تضمن الكتاب فصلاً عن الأسلوب يوضح الفرق بين الأسلوب في اللغتين عند الكتابة أو الترجمة.
 
3. يشتمل الكتاب على نصوص باللغتين الإنجليزية والعربية، بعضها مترجم ترجمة كاملة، بعضها مترجم جزئياً والمطلوب من الطالب و المتدرب إكمال ترجمة بقية النص. وفي بعضها قدمتُ ملخصاً لمحتوى النص مع ترجمة لبعض المفردات الصعبة، وفي البعض الآخر قدمتُ شرحاً للمفردات ومطلوب من الدارس تقديم ترجمة كاملة للنص؛ كل ذلك في تدرج منهجي واضح يمكن أن يطوره أستاذ المادة.
 
4. راعيتُ التنوع من الناحية الجغرافية والتاريخية وكذلك من ناحية الموضوع (topic) . فمن الناحية الجغرافية إخترتُ نصوصاً من صحف محلية تصدر باللغتين الإنجليزية والعربية؛ وصحف ومجلات أجنبية، ووكالات أنباء وإذاعات وشبكات تلفزة أوربية وأمريكية.. كما أن النصوص المختارة تناولت أحداثاً في مختلف قارات ومناطق العالم (إفريقيا، الشرق الأوسط، آسيا، أوروبا، أمريكا...). ومن الناحية التاريخية هدفتُ من خلال النصوص أن أقدم توثيقاً لأحداث مهمة داخلية وخارجية مثل مشكلة جنوب السودان، مشكلة دارفور في غرب السـودان؛ وخارجياً مثل فضيحة ووترقيت وحرب الخليج. أما التنوع من حيث الموضوع فقد حاول الكتاب تغطية مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والطبية والعلمية والأدبية والرياضية ومجالات البيئة والحيوان والزراعة والآثار والتراث والإعلان وما شابه ذلك..
 
5. يقدم هذا الكتاب - بصورة غير مباشرة - معلومات ومصطلحات مفيدة لطلبة الصحافة والإعلام والدعـوة والترجمة. كما أن هناك الجانب الخاص بالأسلوب أيضاً يفيد طالب الإعلام لا سيما في مجال التحرير الصحفي.
 
يضم الكتاب اثثي عشـرة فصلاً:
Page 2
الفصل الأول: مقدمـة منهجية عامة حول الترجمة. وهو تمهيد نظري يقدم تعريفاً للترجمـة ويستعرض مناهجها ومدارسها وأساليبها. الفصل الثاني: يضم الجزء الأول من الترجمة الصحفية. ويتناول تعريف الترجمة الصحفية وأسلوبها. ويركز على الإسلوبية؛ والفرق في الأسلوب بين وسائل الإعلام المختلفة؛ و بين الأسلوب في اللغتين العربية والإنجليزية. الفصل الثالث: هو فصل تطبيقي يتناول نصوص صحفية للترجمة من الإنجليزية إلى العربية وبالعكس. الفصل الرابع: يتناول المجال السياسي والدبلوماسي والعسكري.الفصل الخامس: يتناول الترجمة في مجال القانون حيث يضم المصطلحات القانونية الأساسية وبعض النصوص.الفصل السادس: يتناول الترجمة الاقتصادية. وهو يشتمل على مفردات في الاقتصاد والتجارة والمحاسبة والمصارف مع بعض النصوص في هذا المجال. ويهدف هذا الفصل إلى تزويد الطالب أو المترجم بلغة الاقتصاد والمال والأعمال حيث تأخذ الأخبار في هذا الجانب حيزاً كبيراً في التغطية الصحفية في عالمنا اليوم.الفصل السابع: يركز في الأسلوب الأدبي مع إشارة إلى الاختلاف في التركيب اللغوي بين اللغة العربية والانجليزية إضافة إلى مصطلحات في هذا المجال.الفصل الثامن: يتناول الترجمة العلمية مشيرا إلى صعوبتها وضرورة التخصص في المجال مع بيان الفرق بينها وترجمة العلوم النظرية.الفصل التاسع: تم تخصيصه للترجمة الدينية من حيث منهجية ترجمة نصوص القرآن والسنة إضافة إلى مصطلحات دينية.الفصل العاشر: هو الجزء الثاني من الترجمـة الدينية، يشتمل على الترجمة في مجال الفكر الإسلامي بصورة عامة وأقصد به أي إنتاج ديني غير النص القرآني. وقدمتُ فيه نماذج لترجمـة نصوص إسلامية من اللغة الإنجليزية إلى العربية وبالعكس. كما يضم نصوصاً مختارة ليترجمها الطالب كتمارين أو تدريبات تحت إشراف أستاذ المادة. وفي هذه الحالة الأخيرة قدمتُ شرحاً لبعض المفردات كمساعدة للطالب في عملية الترجمـة.الفصل الحادي عشر هو فصل داعم للفصول الخاصة بالترجمة الصحفية. حيث يضم مصطلحات ومفردات في مجال الصحافة والإعلام بكل أشكاله، وكذلك في مجال علم المعلومات والحاسوب والإنترنيت، وكلها أدوات وعناصر يتعامل معها الصحفي اليوم بكثافة؛ فهي تسجل حضوراً دائماً في عمله اليومي.
 
الفصل الثاني عشر يضم مختصرات (abbreviations and acronyms) ومفاهيم (concepts) ومصطلحات(terms) متنوعـة (miscellaneous) في أسماء العلوم النظرية والتطبيقية، والعسكرية والرياضة وفي الكوارث الطبيعية والفضاء والفلك والفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع. وهو فصل داعم لكل الفصول السابقة في تزويد الطالب أو المحترف بأدوات الترجمة.
 
وأشير إلى أن هنالك مربعات أو صناديق (boxes) تتخلل النصوص يحتوي بعضها على تنبيهات للطالب أوالدارس في مجال المصطلحات وبعض الأخطاء الشائعـة مع لفت الإنتباه للدقـة في استخدام المفردات في مجال العلوم المختلفة.
 
وأنبه هنا إلى أن طبيعة هذا الكتاب إضطرتني إلى تجاوز التقليد المعروف في مجال تكنيك البحث العلمي خاصة في الجانب الشكلي من حيث إدراج المادة التي هي أقرب للملاحق، أدرجتُها في متن الكتاب مثل الجداول الخاصـة بالمفردات والمصطلحات وذلك لأني رأيتُ أن تكون ملازمـة للنصوص ليستفيد منها الطالب أو الدارس مباشرة.
Page 3
إن هذا الكتاب إجتهاد مني في مجال لم أجد فيه مراجع متوافرة خاصة في المجال التطبيقي. كما أن المراجع التي وجدتها ليس هناك فيها ما هو شامل لكل جوانب الترجمة. لذلك رأيتُ كتابة هذا المرجع الشامل في هذا المجال. وقد استفدتُ من خبرتي في هذا الخصوص. فقد جمعتُ بين الجانب الأكاديمي والمهني في مجال الصحافة. حيث مارستُ معظم فنون العمل الصحفي: كتبتُ العمود اليومي(column) والمقال الإسبوعي(article) والتحليل (analysis) والتقرير الصحفي(report) والحوار (interview)... كما عملتُ في كل مستويات الوظائف الصحفية حتى رئيس تحرير لعدد من الصحف والمجلات باللغتين الإنجليزية والعربية. وعملتُ مراسلاً لصحف ومجلات ووكالة أنباء، ثم مستشار تحرير لعدد من المطبوعات. وعملتُ في تدريس كثير من فروع علم الصحافة – بما فيها مادة الترجمة الصحفية - في عدد من الجامعات، إضافة إلى تدريس العلوم السياسية بوصفها التخصص الرئيس بالنسبة لي، وممارسـة الترجمة وإعداد برامج إذاعية. أي جمعتُ بين الدراسـة الأكاديمية فوق الجامعية والمجال العملي في الصحافة والإعلام والعلوم السياسية.
 
كما استفدتُ من الأجانب الناطقين باللغة الإنجليزية الذين زاملتهم في مجلة سـوداناوSudanow وصحف يومية ناطقة بالإنجليزية مثل Sudan news و New Horizons. كذلك استفدتُ من المشاركة في فترة تدريبية في مجال الصحافة والإعلام على يد إثنين من خبراء أساتذة (professors) من كلية كنسـاس (Kansas School of Journalism) في الولايات المتحدة الأمريكية.
 
وأشير هنا إلى أنني استعنتُ بالعديد من الموسوعات والقواميس والمعاجم وبعض المراجع، إضافة إلى الصحف والمجلات الغربية والتي يرجع بعضها إلى ما قبل عصر الإنترنيت، ولكن لحسن الحظ أنني أحتفظ بها في أرشيف مكتبتي الخاصـة. وأشير أيضاً إلى أنه باستثناء المصطلحات وأجزاء من المقدمـة النظرية، إن جزءً كبيراً من ما جاء في هذا الكتاب هو إجتهاد مني. أتمنى أن أكون قد توفقتُ في تقديم ما يفيد طالب العلم والمهتمين والمحترفين في هذا المجال.
 
كما أشير إلى أن هذا الكتاب عن الترجمة بصورة عامة لكن مع التركيز على الترجمة الصحفية التي بالضرورة تطرق موضوعاتها كل مجالات العلوم والحياة.
 
وأخيراً في هذا الكتاب حاولتُ أن أضع خبرة ربع قرن في ممارسة الترجمة – وإن كان بصورة متقطعة – أمام الأجيال القادمة لعله يقدم القليل من الفائدة.
 
ونسأل الله خير الجزاء
 
وما توفيقي إلا بالله
 
المؤلف/ د: عبده مختار موسى
Page 4
الفصل الأول
 
مفهـوم الترجمة ومدارسها
 
أولاً: ملاحظات حول المفهــوم:
 
علم الترجمة هو فرع من فروع اللسانيات، وكل ما يتعلق بالنحو والصرف وعلم المعاني والبيان وعلوم المقارنة في الأدب واللغة وعلم النص والذي بدا وكأنه عمل منفصل في الآونة الأخيرة من العلوم التي يعتمدها المترجم في فهم النص الذي ينوي ترجمته ومن بعد في صياغته مترجماً.
 
الترجمة في الأصل هي نقل الكلام من لغة إلى لغة أخرى. وتقول فلان ترجم الكلام أي بيّـنه وأوضح معانيه؛ أو بسّطه وبيّن مقاصده وجعله مفهوماً.
 
الترجمـة هي "عملية نقل لصورة ذهنية أو حديث بكافة معانيه وإيحاءاته وملابسته بحيث تكون معبرة تعبيراً دقيقاً عن الأصل".(1)
 
وهناك العديد من أشكال الترجمة منها: الترجمة الصحفية والإذاعية والترجمة العلمية، وترجمة الوثائق وترجمـة البرقيات والترجمة الفورية:
 
ترجمـة البرقيات: Cable translation
 
ترجمـة الوثائق: documentary translation
 
الترجمـة الصحفية للصحف: newspaper journalistic translation
 
الترجمـة الصحفية للإذاعـة: radio journalistic translation
 
الترجمـة العلمية: science translation
 
الترجمـة الفورية: simultaneous and consecutive translation
 
والترجمة ليست فن جديد بل هي قديمة قدم الأدب المدوّن أي منذ ترجمة ملحمة جلجامش البابلية إلى خمس لغات آسيوية في القرن الثالث قبل الميلاد.
 
والعرب هم أول من قام بعمليات النقل والترجمة على نطاق واسع مركزين على التراث اليوناني الفلسفي والعلمي. ثم اتسعتْ حركة الترجمة ونشطت منذ عصر النهضة حتى إذا ما أطلّ القرن العشرين راحت هذه الحركة تتفاعل وتنمو مع ازدياد والمؤلفات العلمية والأدبية وحاجة الشعوب الناطقة بلغات مختلفة لتتماشى مع التطورات العلمية في العالم.
Page 5
والترجمة هي إحدى أدوات التفاعل الإنساني التي من خلالها تعارفت الأمم والشعوب وتبادلت المعارف والخبرات عبر العصور والدهور المختلفة. وبما أن الشعوب تتعدد بينها الألسنة واللغات كان للترجمة أهمية عظمى في بناء الصلات وكسر الحواجز وإقامة الحوار الإنساني وتجسير الثقافات، فتشكلت الحضارات العالمية والتي استمرت في التلاقح وإثراء بعضها البعض عبر الترجمة.
 
والترجمة في عالم اليوم خاصة النقل من اللغات العالمية وعلى رأسـها اللغة الإنجليزية مهمة للغاية فهي لغة العولمة والإنترنيت والمعلومات والتقنية. وهو واقع لا مندوحة من التعامل معه بأدواته وأساليبه لأننا نتعاطى كل يوم هذه المعطيات العالمية الجديدة ونتفاعل مع ضرورات الحداثة.
 
ولذلك يصبح من الضروري أن نتعامل بوعي مع هذا الواقع الحداثي العولمي الجديد. هذا التعامل الواعي يقتضي فهم فلسفة واستراتيجية الغرب وسياساته التي تستهدف العرب والمسلمين. هنا تتزايد أهمية فهم هذا العالم العلماني بفهم لغته وعبرها نأخذ ونعطي ونعبر عن كياننا الحضاري ولنبني إستراتيجيات مضادة لصد غلوائه الفكري واستكباره الحضاري حتى لا تذوب هويتنا في طوفان ثقافة العولمة.
 
لقد أدرك الغرب منذ وقت مبكر أهمية اللغات والترجمـة. واهتم باللغـة العربية والدراسات الإسلامية وأنشأ لها في بلاده كليات ومعاهد ومراكز بحوث. وانتشر المستشرقون يجوبون الشرق والعالم العربي والإسلامي. ودرسوا الإسلام وتعلموا اللغة العربية وكتبوا عن الإسلام كثيراً وبعمق وفهم شديد. كان الإستشراق أحد أهم أدوات الغرب في فهم الإسلام والعرب للسيطرة على عقولهم وثرواتهم والتأثير عليهم ونشر ثقافته.
 
يرى البعض أن للترجمة بعدان اثنان: تمثل النص المترجم تمثلاً مدركاً لخصائصه البنيوية الكلية؛ وتمثيله في لغة قادرة على تجسيد هذه الخصائص إلى أقصى درجات التجسيد.
 
وفي سياق الترجمة ببعديها المذكورين سابقا يصطدم المترجم إلى العربية في السياق اللغوي الحضاري العربي القائم بمشكلات مرهقة ترتبط بالطاقات اللغوية العربية الآن على التمثيل الأقصى. فتبرز المشكلة مثالاً في كيفية تجسيد مفهومات شائعة: الديمقراطية، والديكتاتورية، والإمبريالية، والكلاسيكية، والرومانسية، والفاشستية، والفابية، والسينديكالية، وغيرها. وهي مفاهيم نتعامل معها بمفردات لغتنا العربية منذ عقود أو قرن دون أن نطور لها مصطلحاً دقيقاً مستقراً، سلساً في الاستخدام، سلساً على الإدراك الفوري عربياً.
 
كما أطلت علينا حديثاً مفاهيم طلعت من مدارس جديدة نسبياً في أوربا وجاءت مصطلحات جديدة زادت الأمر تعقيداً. فمثلاً هناك البنيوية وهي ترجمة لكلمة (Structuralism) فذهب البعض بمفردة الهيكلية لنفس الكلمة. وكذلك "الإنشاء" مقابل كلمة "الخطاب" للمفردة الإنجليزية (discourse). وهناك حديثاً مصطلح "العولمة" أو الكوننة (globalization)، وغيرها.
 
وهناك الكثير من المفردات المعربة أو الدخيلة. فمثلاً نحن نقول باص (bus) بدلاً عن مركبة، ونقول تلفون بدلاً عن هاتف، ودش (dish) بدلاً عن طبق أو لاقط، وكذلك كيبل (cable)، وفاكس (fax)، وموديل (Model)، وكذا حتى أحياناً تكاد تمحو جرس المفردة العربية لاسيما في العلوم التطبيقية.
 
وقد وردت المعربات في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف مثلما وردت في الشعر والنثر الجاهلي فورثت العربية مفردات نحو عمبر ونسرين وكافور وسوسن وياسمين وغيرها من أسماء الطيب والرياحين حيث تشير الدراسات إلى جذورها الفارسية. وتكثر هذه الظاهرة في جميع اللغات. وهي لا تتعارض مع القول بأنه "لسان عربي مبين" ما دامت عملية التعريب ممكنة، وهي: "النطق بلفظ أعجمي على مناهج العرب في كلامهم". لذا يذهب البعض إلى إعتبار القرآن الكريم بداية لدراسة علمية لعملية التعريب. ومثلما أخذت العربية من الأعجمية أعطت أيضاً.
Page 6
بيد أن مشكلة المصطلح قد لا تكون الأولى من حيث صعوبة الحل. ثمة مشكلة طاقة اللغة على تمثيل النص المترجم دقة، وإيجازاً، واطراداً، أي على مقابلة اللفظة باللفظة، والتراكيب بالتراكيب، والجملة بالجملة لا دلالة فقط، بل صيغة أيضاً، وبصورة تحقق شروط الإيجاز والاطراد والكثافة في العلاقات – أي قدرة اللغة على التعامل مع النص الأصلي دون أن تحول إلى شرح عليه أو تبسيط له، ودون أن تقع في الوقت نفسه في المغايرة الدائمة من سياق إلى سياق للألفاظ التي تستخدمها لتمثيل لفظة أجنبية واحدة.(2)
 
وقد يفي المصطلح بشرط الدقة ولكنه يخل بشرط الإيجاز. ولكن في حالة عدم توفر خيارات بديلة تحقق شرط الدقة فإن الأمر يتطلب من المترجم نوعاً من الجرأة ، والابتكار، والمغامرة، باستخدام اللغة لا باعتبارها وجوداً نهائياً مقدساً لا يمس، بل بوصفها عملية مستمرة من التوالد الاصطلاحي. فاللغة هي ليست مصطلحاً ثابتاً نهائياً، بل عملية مستمرة من التوليد الاصطلاحي.
 
وهناك مشكلة الدلالة الصيغية، أي الدلالة الإضافية التي تنبع من تغير صيغة الكلمة المورفولوجية: إما عن طريق اللاصقات البدئية (prefix)، أو النهائية (suffix)، أو عن طريق لاصقات ثابتة. بين هذه اللاصقات (istic) في ألفاظ مثلHuman, humanistic ويتم التمييز بينهما بـ (إنساني وإنسانوي).
 
والترجمة بوصفها فن هي محاولة التعامل مع اللغة كبنية فكرية ثقافية تتحد فيها فاعلية بنية اللغة بفاعلية بنية العقل الفردي المبدع. إن إبداع الفرد في التوليد الاصطلاحي والتعامل مع النص كتجسيد لفكر، خاصة ,أنه لا يوجد منهج علمي محدد أو متفق عليه بل توجد إجتهادات ومدارس لكلٍ أسلوبها كما سنعرض له لاحقاً. فالترجمة إذن فضاء واسع للإبداع.
 
والإبداع يشمل هنا القدرة على نقل المناخ وتجسيد الظاهرة الثقافية والفكرية أو السياسية بما يتيح استخدام المصطلحات والتصورات واضاءتها بصورة لم تضأ إليها، واعطاء التصورات والمصطلحات عبر إضاءة كهذه، صفة أكثر شمولية وجذرية من حيث هي أداة تحليلية لفهم الإنسان والثقافة والمجتمع والعلاقات المكونة للبنى الأساسية فيه.(3)
 
ولما كان الأمر متروك للإبداع فإن مهمة المترجم مهمة صعبة وشاقة بل الترجمة أصعب من التأليف لأن المترجم مقيد بمعاني غيره بينما المؤلف حراً في إختيار معانيه وأسلوبه. وهذا ما قال به كثير من المحدثين أمثال أحمد حسن الزيات. والمترجم يحتاج إلى رصيد معرفي كبير، أن يتمتع بمستوى لغوي ثنائي حقيقي. وتنفي المدرسة العليا للترجمة الفورية والتحريرية القول بأنه لا يترجم الطب إلا الأطباء، ولا يترجم الشعر إلا الشعراء... ألخ. وقد وضع هؤلاء المجتهدون مذاهبهم إنطلاقاً من تجارب عملية تأكد فيها فشل الحاسوب في عملية الترجمة وذلك لقصوره في إضافة الإبداع والإدراك الذي يمتاز به العقل البشري الطبيعي.(4)
 
وطرق الإبداع كثيرة للمترجم منها:
 
- طريقة التحويل التركيبي (الإبدال) transposition: نجد مثلاً "الفولاذ المطاوع" بدلاً عن مقابله الحرفي (الفولاذ غير القابل للكسر).
 
وطريقة الاقتراض التي أشرنا إليها سابقاً. ويعيب البعض عملية إقتراض المصطلحات ما دام المقابل موجود في اللغة: نحو "سايكولوجي"، و"أنثربولوجي", و "إثنوغرافي" وهي تعني في العربية علم النفس وعلم الإنسان وعلم الأجناس، على التوالي.
 
- وطريقة الإقتباس ويرتبط بالإقتراض مثل في حالة الإقتباس الجزئي على شاكلة (نطاق كيمائي، جغرافي) وهي ألفاظ مقترضة تم تعريبها بإضافة ياء النسبة.
 
- وهناك طريقة التكافؤ (Equivalence) وهي طريقة تقضي بوصف نسبي لموقف واحد بوسائل بنوية واسلوبية مختلفة تماماً تدخل فيها كل التعابير المجازية والكنائية والأمثال والأقوال. فيجتهد المترجم في نقل الصورة البلاغية وترجمة الأمثلة بأقرب مقابل لها في تراثيات اللغة الأخرى (المنقول إليها).
Page 7
- وهناك طريقة التكييف adaptation)) وهي طريقة تستخدم عندما لا يجد المترجم في لغة الترجمة الموقف الوارد في لغة الأصل يقدم موقفاً آخراً مطابقاً.(5)
 
والمترجم الحصيف هو الذي ينقل اللفظ والمعنى معاً لأن المنهج اللفظي وحده لا يكفي ولا يفيد، فقد يعطي نظماً لغوياً مشوهاً للمعنى الحقيقي، لذلك لا بد من نقل المعنى المراد. وهذا ما ينادي به أغلب المنظرين المعنويين القدامى والمحدثين بدءً بالجاحظ ومروراً بيعقوب صروف وحسن الزياد وعلى أدهم ومذاهب الترجمة في البلدان الأوروبية.
 
مما سبق يمكن القول أن الترجمة هي المصفاة التي يمكن أن تؤثر على اللغة فإما تطورها بتطويع الأساليب التعبيرية لتلائم المعنى، وإما تحطمها بنقل القوالب الإسلوبية والتراكيب الدخيلة والإكثار من الإقتراض.
 
ثانياً: تاريخ الترجمة وأنواعها:
 
أ/ تاريخ الترجمــة:
 
إن عملية النقل من لغة إلى أخرى قد مارسها القدماء منذ أقدم العصور، إذ وجدوا أنه لا بد من نقل العلوم المختلفة مثل:اللاهوت والفلسفة والشعر والأدب... من اللغات الأخرى لكي يتم تبادل المعرفة بين مختلف الأمم والشعوب وتعم الفائدة. وقد تكون أول إشارة إلى وجود مترجمين هي الرسائل التي أرسلها أمراء الشام إلى أخناتون يطلبون فيها المال أو المعونة. ومن ثم توالت الإشارات كالمعاهدة التي عقدت بين رمسيس الثاني فرعون مصر وملك الحيثيين، إذ وجـد بحوزة كل منهما صورة من تلك المعاهدة بلغته.6
 
وعلى الرغم من أن الدراسات تشير إلى أن تاريخ اللغة العربية يرجع إلى أكثر من 4000 عام قبل الميلاد، إلا أنها ظلت محصورة في نطاق الجزيرة العربية إلى أن ظهر الإسلام في القرن السابع الميلادي ليجعل منها لغة عالمية خلال أقل من نصف قرن من الزمان.7
 
عرف العرب الترجمة منذ أقدم عصورهم، ولقد أشار الدكتور عبد السلام كفافي في كتابه "في الأدب المقارن" إلى أن العرب كانوا "يرتحلون للتجارة صيفاً وشتاءً ويتأثرون بجيرانهم في مختلف نواحي الحياة، لقد عرفوا بلاد الفرس، وانتقلت إليهم ألوان من ثقافتهم... وانتقلت بعض الألفاظ الفارسية إلى اللغة العربية، وظهرت في شعر كبار الشعراء، وكان الأعشى من أشهر من استخدموا في شعرهم كلمات فارسية. كذلك عرف البعض جيرانهم البيزنطيين. إذن احتك العرب منذ جاهليتهم بالشعوب الثلاثة المحيطة بهم، وهي الروم في الشمال والفرس في الشرق والأحباش في الجنوب، ومن الصعب قيام مثل هذه الصلات الأدبية والاقتصادية دون وجود ترجمة، وإن كانت في مراحلها البدائية.‏8
 
يعتبر سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) هو أول من اهتم بالتعريب في الدولة الإسلامي، إذ أمر بتعريب الدواوين نقلاً عن الفرس، فأسس ديوان الجند لتسجيل أسماء الجنود ورواتبهم وديوان الرسائل أو البريد.. وعندما هدأت ثورة الفتوحات العربية والإسلامية، وبدأ العرب والمسلمون يستكملون تأسيس حضارتهم وجدوا أن لا مناص من الأخذ من التراث الإنساني للأمم التي سبقتهم مثل الفرس والرومان واليونان والهنـود.9
 
وفي زمن الدولة الأموية، تمت ترجمة الدواوين، واهتم بحركة الترجمة الأمير خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الترجمة في العصر العباسي كانت بعد الفتوحات العربيّة، واتساع رقعة الدولة العربيّة نحو الشرق والغرب، واتصال العرب المباشر بغيرهم من الشعوب المجاورة وفي مقدمتهم الفرس واليونان ولا سيما في العصر العباسي، ازدادت الحاجة إلى الترجمة، فقام العرب بترجمة علوم اليونان، وبعض الأعمال الأدبية الفارسية، فترجموا عن اليونانية علوم الطب والفلك والرياضيات والموسيقى والفلسفة والنقد. وتم نقل كتب الكيمياء والمنطق لأول مرة إلى العربية في عهد خالد بن يزيد بن معاوية.‏10
Page 8
وقد ازدهرت الترجمة إلى اللغة العربية في عصر الدولة العباسية بتشجيع من الخليفة أبي جعفر المنصور ثم الرشيد، بيد أنها بلغت ذروتها في عهد المأمون الذي اجتهد في جمع وترجمة كل ما أمكن الحصول عليه من كتب أقليليس وأرشميدس وبطليموس في الهندسة والفلك، وكتب سقراط في الطب وكتب أرسطو وأفلاطون في الفلسفة. وعن الهنود نقلت كتب "شاناق" في السموم، و"السند هند" في الرياضيات والفلك. وعن الرومان كتب جالينوس في الطب. وكان جل ما ترجموه بقيادة "حنين بن اسحاق" الذي يعتبر أشهر وأقدر المترجمين العرب في ذلك الزمان الذي كان يتقاضى وزن ما يرجمه ذهباً، هو عبارة عن التراث العلمي لذلك العصر.11
 
وبلغت حركة الترجمة مرحلة متطورة في عصر الخليفة هارون الرشيد وابنه المأمون، الذي يروى أنّه كان يمنح بعض المترجمين مثل حنين بن اسحق ما يساوي وزن كتبه إلى العربية ذهباً، ومن المعروف أنّ المأمون أسس دار الحكمة في بغداد بهدف تنشيط عمل الترجمة، ومن المعروف أن حنين بن اسحق ترجم وألف الكثير من الكتب وفي علوم متعددة، وتابع ابنه اسحق بن حنين بن اسحق هذا العمل.‏ ففي القرن التاسع الميلادي، قام العرب بترجمة معظم مؤلفات ارسطو، وهناك مؤلفات كثيرة ترجمت عن اليونانية إلى العربيّة، وضاع أصلها اليوناني فيما بعد، فأعيدت إلى اللغة اليونانية عن طريق اللغة العربية أي أنها فيما لو لم تترجم إلى اللغة العربيّة لضاعت نهائياً.‏12
 
وكان المترجمون من أمثال حنين بن اسحاق وثابت بن قرة يتقنون اللغة العربية والسريانية وكذلك‏ العلوم التي يترجمونها. وكان حنين بن اسحق قد عاش فترة في اليونان بهدف دراسة اللغة اليونانية، وكان يترجم الجملة بجملة تطابقها في اللغة العربية، ولا يترجم كل مفردة على حدة، كما ترجم يوحنا بن البطريق وابن الحمصي وغيرهما. وكذلك فإن الطريقة التي اتبعها حنين بن اسحق هي الأفضل. من بين الكتب التي ترجمها حنين بن إسحق كتاب "الأخلاق" لأرسطو، وكتاب "الطبيعة" للمؤلف نفسه. وكان العرب في العصر العباسيّ يهتمون بدقة الترجمة ولهذا ظهرت عدة ترجمات لنص واحد، فعلى سبيل المثال ترجم أبو بشر متى بن يونس كتاب "الشعر" لأرسطو (384-322) ثم ترجمه مرة ثانية يحيى بن عدي. فتكرار الترجمة يدل على الحرص على دقتها.‏
 
ترجمة كتاب "كليلة ودمنة": ترجمه ابن المقفع حوالي 750م، ألف كتاب "كليلة ودمنة" باللغة السنسكريتية الفيلسوف الهندي بيدبا وقدمّه هدية لملك الهند دبشليم الذي حكم الهند بعد مرور فترة من فتح الاسكندر المكدوني لها، وكان ظالماً ومستبداً، فألف الحكيم بيدبا الكتاب من أجل إقناعه بالابتعاد عن الظلم والاستبداد، وبهدف إسداء النصيحة الأخلاقية. والكتاب مجموعة من الأمثال على ألسنة الحيوانات.‏ وقام الطبيب الفارسي برزوية بنقل الكتاب من بلاد الهند وساهم بترجمته من السنسكريتية إلى الفارسية في عهد كسرى أنو شروان ووزيره بزرجمهر، الذي له دور كبير في تأليف وترجمة الكتاب.‏13
 
وقام عبد الله بن المقفع وهو فارسي الأصل في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور بترجمته من الفارسية إلى العربية وأضاف إليه بعض الأشياء، وكان هدف عبد الله بن المقفع من ترجمة "كليلة ودمنة" تقديم النصيحة للمنصور للكف عن ظلم العباد، فأراد ابن المقفع من كتابه الإصلاح الاجتماعي، والتوجيه السياسي، والنصح الأخلاقي. ولكنه نفسه لم ينج من الظلم فقتله الخليفة.‏
 
ولقد حدث أن أعيدت ترجمة كتاب "كليلة ودمنة" إلى اللغة الفارسية عن النص العربيّ، لضياع الترجمة الفارسية وهو الأمر نفسه الذي حدث لبعض النصوص الإغريقية وكانت لغة عبد الله ابن المقفع جميلة بعيدة عن الابتذال وتمت الترجمة، كما هو معروف عن لغة وسيطة، لأن الكتاب بالأصل كتب باللغة الهندية القديمة، وليس باللغة الفارسية.14
 
وجرت على الكتاب بعض التعديلات قام بها الطبيب الفارسي برزوية أثناء الترجمة إلى الفارسية وكذلك أضاف الوزير الفارسي بزرجمهر بعض الأشياء إلى الكتاب مثل ما يخص بعثة برزوية إلى بلاد الهند، وأثناء الترجمة من الفارسية إلى العربية أضاف عبد الله بن المقفع بعض الأشياء، ولقد أشار إلى هذه الأمور فاروق سعد في مقدمته لكتاب كليلة ودمنة. وبالوقت ذاته بدأت الترجمة في العصر العباسي من اللغة العربية إلى اللغات الأجنبية، ولقد أشار المستشرقون إلى دور العرب في الحضارة الأوروبية، في هذه الفترة. كما أشار بعض الأدباء الغربيين إلى فضل علوم العرب على الغرب نذكر من هؤلاء الأديب الألماني غوته (1749-1832).‏
Page 9
استغرقت الترجمة في مرحلتها الأولى جهود ثلاثة أجيال من المترجمين العرب، لتتلوها مرحلة جديدة تم خلالها هضم ما تـرجم من علوم وبدأ بعدها العقل العربي والإسلامي في إثراء الساحة الإنسانية بإبداعه المعرفي من خلال الإسهامات العلمية والثقافية لكوكبة من عملائنا وفلاسفتنا...15
 
في القرن السابع الهجري (الثاني عشر الميلادي) تم إنشاء مركز للترجمة والبحث العلمي بمدينة طليطلة الأسبانية إيذاناً ببدء مرحلة الترجمة العكسية من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية واللغات الأوروبية الأخرى حيث تـرجمت كتب ومؤلفات العلماء العرب المسلمين مثل الكندي والفارابي، وابن سينا وابن النفيس وابن البيطار وابن رشد والبيورني والخوارزمي (واضع علم اللوغورثمات) الذي أصبح فيما بعد الأساس لعلم الرياضيات الحديثة، إلى لغات تلك الشعوب لتسهم في بداية النهضة العلمية في الغرب. لقد كان لأولئك العلماء فضل ابتكار مبادئ العلوم التطبيقية المبنية على التجربة الدقيقة والملاحظة الفاحصة لتحل محل طريقة أرسطو المبنية على الاستنتاج المنطقي الذي لا يستند إلى دليل علمي، حسب تأكيد روجر بيكون وكلود برنار وفرانسيس بيكون.16
 
أما المرحلة الثانية لازدهار الترجمة فقد بدأت بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية نظراً لقيام عصبة الأمم عقب الحرب العالمية الأولى ثم الأمم المتحدة عقب الثانية وما تبعها من استقلال عدد كبير من الدول الأمر الذي استدعى الاستعانة بالمترجمين لإتمام عملية الاتصال بين الشعوب المختلفة.17
 
بنهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين بدأت المرحلة الأخطر والأهم لازدهار الترجمة لظهور ما يعرف بثورة الاتصالات والمعلوماتية والبث المباشر عبر الفضائيات والإنترنت، الأمر الذي استدعى نقل الأعمال المهمة من آداب وعلوم وفنون بعض الشعوب إلى الشعوب الأخرى مما زاد من أهمية الترجمة والإقبال عليها وتأسيس الجامعات والمعاهد والمدارس المتخصصة لتدريس نظرياتها والتدريب على ممارستها.18
 
ب/ ماهية الترجمة وأنواعها:
 
أولاً: معنى الترجمة:
 
الترجمة (وتسمى بالعربية النقل) عملية لتحويل نص أصلي مكتوب (ويسمى النص المصدر) من اللغة المصدر إلى نص مكتوب (النص الهدف) في اللغة الهدف. فتعد الترجمة نقل للحضارة والثقافة والفكر واللغة.
 
جاء في المنجد ترجم الكلام أي فسّـره بلسان آخر؛ وترجم عنه أي أوضح أمره. والترجمة تنطوي على التفسير Interpretation، لذلك يقال "ترجمان" interpreter ، وإن كان (ترجمان) تطلق اليوم أكثر على الذي يقوم بالترجمة الشفهية.
 
أما في لسان العرب فقد جاءت "ترجم": التّرجمان، والتّـرجمان: المفسّـر للّسان. وفي حديث هـرقل: قال لترجمانه ... والتّرجمان أو التّرجمان – بالضم والفتح: هو الذي يترجم الكلام من لغة إلى أخرى، والجمع تراجم، والتاء والنون زائدتان، وقد ترجمه وترجم عنه.
 
والترجمة ليست هي علم بحت ولا هي بفـن خالص، هي فن تطبيقي يجمع بين العلم والفن، وتتطلب قدراً كبيراً من التأهيل والمعرفة والممارسة والصبر بجانب الموهبة. إذن هي علم وفن.
Page 10
استغرقت الترجمة في مرحلتها الأولى جهود ثلاثة أجيال من المترجمين العرب، لتتلوها مرحلة جديدة تم خلالها هضم ما تـرجم من علوم وبدأ بعدها العقل العربي والإسلامي في إثراء الساحة الإنسانية بإبداعه المعرفي من خلال الإسهامات العلمية والثقافية لكوكبة من عملائنا وفلاسفتنا...15
 
في القرن السابع الهجري (الثاني عشر الميلادي) تم إنشاء مركز للترجمة والبحث العلمي بمدينة طليطلة الأسبانية إيذاناً ببدء مرحلة الترجمة العكسية من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية واللغات الأوروبية الأخرى حيث تـرجمت كتب ومؤلفات العلماء العرب المسلمين مثل الكندي والفارابي، وابن سينا وابن النفيس وابن البيطار وابن رشد والبيورني والخوارزمي (واضع علم اللوغورثمات) الذي أصبح فيما بعد الأساس لعلم الرياضيات الحديثة، إلى لغات تلك الشعوب لتسهم في بداية النهضة العلمية في الغرب. لقد كان لأولئك العلماء فضل ابتكار مبادئ العلوم التطبيقية المبنية على التجربة الدقيقة والملاحظة الفاحصة لتحل محل طريقة أرسطو المبنية على الاستنتاج المنطقي الذي لا يستند إلى دليل علمي، حسب تأكيد روجر بيكون وكلود برنار وفرانسيس بيكون.16
 
أما المرحلة الثانية لازدهار الترجمة فقد بدأت بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية نظراً لقيام عصبة الأمم عقب الحرب العالمية الأولى ثم الأمم المتحدة عقب الثانية وما تبعها من استقلال عدد كبير من الدول الأمر الذي استدعى الاستعانة بالمترجمين لإتمام عملية الاتصال بين الشعوب المختلفة.17
 
بنهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين بدأت المرحلة الأخطر والأهم لازدهار الترجمة لظهور ما يعرف بثورة الاتصالات والمعلوماتية والبث المباشر عبر الفضائيات والإنترنت، الأمر الذي استدعى نقل الأعمال المهمة من آداب وعلوم وفنون بعض الشعوب إلى الشعوب الأخرى مما زاد من أهمية الترجمة والإقبال عليها وتأسيس الجامعات والمعاهد والمدارس المتخصصة لتدريس نظرياتها والتدريب على ممارستها.18
 
ب/ ماهية الترجمة وأنواعها:
 
أولاً: معنى الترجمة:
 
الترجمة (وتسمى بالعربية النقل) عملية لتحويل نص أصلي مكتوب (ويسمى النص المصدر) من اللغة المصدر إلى نص مكتوب (النص الهدف) في اللغة الهدف. فتعد الترجمة نقل للحضارة والثقافة والفكر واللغة.
 
جاء في المنجد ترجم الكلام أي فسّـره بلسان آخر؛ وترجم عنه أي أوضح أمره. والترجمة تنطوي على التفسير Interpretation، لذلك يقال "ترجمان" interpreter ، وإن كان (ترجمان) تطلق اليوم أكثر على الذي يقوم بالترجمة الشفهية.
 
أما في لسان العرب فقد جاءت "ترجم": التّرجمان، والتّـرجمان: المفسّـر للّسان. وفي حديث هـرقل: قال لترجمانه ... والتّرجمان أو التّرجمان – بالضم والفتح: هو الذي يترجم الكلام من لغة إلى أخرى، والجمع تراجم، والتاء والنون زائدتان، وقد ترجمه وترجم عنه.
 
والترجمة ليست هي علم بحت ولا هي بفـن خالص، هي فن تطبيقي يجمع بين العلم والفن، وتتطلب قدراً كبيراً من التأهيل والمعرفة والممارسة والصبر بجانب الموهبة. إذن هي علم وفن.