Page 1
بسم الله الرحمن الرحيم
مَدْخَل إلى الآجُرُّوميّة
أحمدُ الله العليمَ القديرَ الذي علَّمَ بالقلم، علّمَ الإنسانَ ما لم يَعْلم، والَّذي خَلَقَ فسوّى، وقدَّرَ فَهدَى، وأصلِّي وأُسلِّمُ على أفْصَح مَنْ نطقَ بالضَّاد فبهرَ وأجاد مُحمّدٍ وعلى آلهِ وصَحْبهِ أجمعين، وبعد؛
فإنّ لغةَ الإنسانِ آيةٌ باهرةٌ من آياتِ الله الكُبرى؛ إذ هي مفتاحُ الحياة، وأُسُّ فَهْمِ الأشياء، وبابُ التَّعامل مع الأحياء، وهي نِعْمةٌ امتنَّ اللهُ بها على البَشَر، وأمرَهم بتسخيرِها في التَّعارفِ والتَّآلف؛ لأنّها تضطلعُ بوظائفَ حيويّةٍ عظيمة، فاللغةُ – في حَدِّ ابن جِنِّي (ت392 هـ) - "أَصواتٌ يُعبِّرُ بها كلُّ قومٍ عن أَغراضِهم"( ).
وفي هذا التَّعريف الدَّقيق تَمْْثُلُ طبيعةُ اللغة، إذ هي أَصواتٌ تُنْـتَجُ بكيفية مخصوصة، وتمثُلُ وظيفةُ اللغة، فهي وعاءٌ للفكر، وأداةٌ للتعبير عمَّا يَستسِرُّ في الِحجا، ويعتلجُ في الجَوانح.
ولغاتُ العالمِ اليومَ كثيرةٌ تزيدُ عن ألفي لغة، وهي مختلفةٌ من حيثُ اللفظ الذي يُعَبّر به، متّحدةٌ من حيثُ المعنى الذي يخالجُ الضَّمائر.
أمّا العربيةُ فهي لغةٌ عَريقة تَليدة، تعدُّ أطولَ اللّغاتِ عُمْراً، وأرحبَها باعاً واتساعاً، ولا تزالُ حيّةً على كَرّ الغَداة، ومَرِّ العَشي، خالدةً بخلود القرآنِ الكريم، محفوظةً بالحديث النَّبويّ، مُتجدّدةً بما رواه الثِّقاتُ من مَنْثورِ العَرب ومَنْظومِهم.
وقد دَوَّنَ العلماءُ هذه اللغةَ الشَّريفة، وأصّلوا لها أصولاً تحفظُها، وهذه الأصولُ هي علومُ العربيّة، وهي علوم يُتوصَّلُ بها إلى عِصْمة اللسان من الخَطَل، والقلم من الزَّلل.
وأهمّ علوم العربيّة: علمُ النَّحْو، وعلمُ الرَّسم، وعلمُ العَروض، وعلمُ النَّقد، وعلومُ البلاغة (البيان، والمعاني، والبديع).
أيها القارئُ الكريم، أيّها المتعلّمُ الوَريق،
إنّه لَمِنَ العَسير على مَنْ يرومُ اجتلاءَ جَنى العربيّة، واستعذابَ جَرْسِها، وتذوّقَ حلاوتِها، أنْ يظفرَ بشيء من ذلك إلاّ إذا اتّخذَ النَّحْوَ سبيلاً إلى بَعْث مَلَكتِه، وصَقْل ذاقتِه، ودُرْبةِ لسانِه وقلمِه، كما تُتخذُ الوسائل سبيلاً إلى قَطْف العَسَل في شَماريخ الجبال.
Page 2
والنّحْو سَهْلٌ، وطويلٌ سُلَّمُه، ولكنّه كالجبلِ يحتاجُ تسلُّقُه إلى جُهْد ومُثابرة، وقد مُثِّلَ ببيتٍ من قَصَب له بابٌ من حَديد، ولا بدَّ لِمَنْ لَزِمَ الباب أنْ يُفتحَ له.
النَّحْو: مفهومه وثماره: فما المقصودُ بالنَّحْو؟ وما الثِّمارُ التي يَجْنيها دارِسُهُ؟
النَّحْو في اللُّغة: القَصْدُ والطَّريقُ. يقال: نحا نحوَه: أي قصدَ قَصْدَهُ، والجمع: أنحاء، ونُحُوّ( ).
والنَّحْو قي الاصطلاح: علمُ إعراب الكلام العَربيّ، وإنْ شئتَ فقل: هو العلمُ بالقواعد التي تُعْرَفُ بها أحوالُ الكلمات العربيّة من حيثُ الإعراب والبِناء.
وفوائدُ النَّحْو جمّةٌ جليلة منها أنَّه: يصونُ اللسانَ والقلمَ عن الخطأ في النُّطْق والكتابة، وييسِّرُ فهمَ القرآن الكريم والحديث الشَّريف، ويمشي بدارسِه إلى أعماق النُّصوص الأدبيّة المشرقة، ويمكّن الأدباءَ والخطباءَ من بُلوغِ ذُرْوة التَّعبير البَيانيّ:
ومَنْ حوى النَّحْوَ صارَ الفَهْمُ في يدِهِ
طوعاً يَحلُّ به ما ضَمَّتِ الكُتبُ!
وقد رغّبَ العلماءُ في تعلّم النَّحْو وثَني الرُّكبتين عند أهله قبلَ ثنيهما عند أهل التفسير والحديث، وعدّوا اللَّحنَ كالجَدَريّ في الوجه، وعدّوا الأخرسَ مَنْ فاته شيءٌ من النَّحْو:
مَنْ فاتَهُ النَّحْوُ فذاكَ الأخرسُ
وفَهْمُهُ في كلِّ علـمٍ مُفلسُ!
ومن أهمّ كُتب النَّحْو العَربيّ: الكِتاب لسيبويهِ (180هـ)، والجُمَل لابن السَّرّاج (316هـ)، والمفصّل للزمخشريّ (538هـ)، والخُلاصة أو الألفية لابن مالك (672هـ)، وشرح ابن عَقيل على ألفية ابن مالك لابن عَقيل (769هـ)، ومُغني اللَّبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام (761هـ)( ).
والنَّحْوُ عِلْمٌ غزيرُ المسائل كثيرُ الشِّعاب يقتضي التدرّجَ والسيرَ خُطْوة خُطْوة، وحَريٌ بِمَنْ يَنْشُدُ السُّهولة والوضوح في تعلّم النَّحْو أن يبتدئ بدَرْس الآجُرُّوميّة نثرِها ونَظْمِها، فيقرأها قراءةً واعية، ويتعرَّف قواعدَها ومقاصدَها، ويحفظ أبياتَها.
Page 3
تعريف بالآجُرُّوميّة:
تُعدّ الآجُرُّوميّة المُسَمّاة "المقدمة الآجُرُّومية في مبادئ علم العَربيّة" مِنْ أهمِّ المصنّفات النَّحْويّة، وهي مُقدّمةٌ مُوْجَزة في مبادئ النَّحْو وأصولِه الأساسيّة، أوجزَ فيها ابنُ آجُرُّوم كتابَ "الجُمَل" للزجّاجيّ (340هـ)، وقد حَظِيَ كتاب الجُمَل بشهرةٍ مُدوّية لدقّته، ووضوحِ عبارته، واستيعابه لدقائق النَّحْو التي يحتاجُها الناشئة.
والآجُرُّوميّة هي المفتاحُ لعلم النَّحْو، والسُّلمُ المُوْصِلُ إلى كُتبه المشهورة المذكورة آنفاً، وهي أحسنُ ما يَبتدئُ به المتعلّم قبلَ ركوبِ البَحْر، أعني كتابَ سيبويهِ.
تعريف بابن آجُرُّوم:
وصاحبُ الآجرُّوميّة هو أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن داود الصِّنهاجيّ، المشهور بابن آجُرُّوم، وهو مغربيّ من أهل فاس، وكان مولده سنة (672هـ)، وقد طلب العلمَ وبرعَ فيه، ودرسَ على شيخه أبي حيّان الأندلسيّ (745هـ).
وابنُ آجُرُّوم أديبٌ، نَحْوِي، مُقْرِئ، اشتهرَ بالتقوى والصَّلاح، ووصفه معاصروه بأنه كان مُتبحّراً في علوم كثيرة منها الفقهُ، والتجويدُ، واللغةُ، والأدبُ، والرِّياضة (الحِساب).
وله مصنفاتٌ وأراجيز في القِراءاتِ، منها شرحُ الشَّاطبية وهو شرح لمنظومة الإمام الشَّاطبيّ (590هـ) "حرز الأماني ووجه التهاني". ولكنّه لم يُشْتَهرْ إلا بالمقدمة الْآجُرُّومِيَّةِ التي ألَّفها بمكةَ المكرمة. توفي رَحِمَهُ الله بفاس من أرض المغرب سنة (723هـ).
وآجُرُّوم كلمة أمازيغيّة بَرْبريّة معناها الفقير الصُّوفيّ.
ويقال إنَّ ابنَ آجرّوم لمّا أتمّ تأليفَ الآجُرُّوميّة ألقاها في البَحْر، وقال: إنْ كان هذا الكتابُ خالصاً لوجه الله فلا يُبَلّ، وكانَ الأمرُ كذلك( )!
احتفاء العلماء بالآجُرُّوميّة:
وقد ذاعَ صِيْتُ الآجُرُّوميّة؛ لأنَّها تتبوّأ مكانةً رفيعةً بين متون النَّحْو، فهي أهمُّ المتونِ وأبسطُها وأمتعُها، ولذلك حَظيتْ بإقبال العلماء على شرحها وتعليمها حتى زادتْ شروحُها على ثلاثين شَرْحاً، وإليك أهمّ شروحها مُرتّبة زمنيّاً وفقَ وَفَيَات أصحابِها:
Page 4
- شرح المقدمة الْآجُرُّومِيَّةِ في النَّحْو، الشّاغوري المالكي (816هـ).
- شرح الآجُرُّوميّة، محمد بن أحمد الأندلسي المعروف بالرَّاعي (853هـ).
- النَّصيحة الرَّابحة لذوي العُقول الرَّاجحة، أحمد بن علي الحديدي (868 هـ).
- شرح الآجُرُّوميّة، محمد بن يوسف السّنوسي الحسني (895هـ).
- شرح الآجُرُّوميّة، خالد بن عبد الله الأزهريّ (905هـ).
- الدُّرة البُرْهانية في نظم المقدمة الْآجُرُّومِيَّةِ، ابن الوالي الحنفي (960 هـ).
- شرح الآجُرُّوميّة، أحمد بن علي الرّملي (973هـ).
- شرح الآجُرُّوميّة، محمد بن محمد أبو العزم الحلاوي (993هـ).
- الحواشي المحكمة على ألفاظ المقدّمة، سيف الدين بن عطاء (1020هـ).
- التحفة الإنسيّة في شرح الآجُرُّوميّة، محمد بن محمد المهدوي الأزهريّ (1026هـ).
- شرح الآجُرُّوميّة، محمد بن أحمد الأسدي العريشيّ (1060هـ).
- إعراب الآجُرُّوميّة، محمد بن يحيى، نجم الدين الشَّافعيّ الفرَضي (1090هـ).
- شرح الآجُرُّوميّة، ابن بركة الأندلسيّ التواني (1120هـ).
- دُرّ الكَلِم المنظوم بحَلِّ كتاب الشيخِ ابنِ آجُرُّوم، أحمد بن رجب البقريّ (1189هـ).
- الدُّرة البهية في نظم الآجُرّومية، لإبراهيم الباجوريّ (1277هـ).
- التُّحْفة السَّنية بشرح المقدّمة الآجرّوميّة، محمد محيي الدين عبد الحميد
(ت 1972م).
- الكَواكب الدّريّة على مُتممة الآجُرُّوميّة، محمد بن أحمد الأهدل.
Page 5
- شرح الآجُرُّوميّة، الشَّيخ محمد بن صالح العثيمين (ت 1421هـ).
- دليل الطُّلاب على ما قصدوا من ظاهر الإعراب (شرح الآجروميّة) للحاج بن السَّالك.
- مصباح السّاري، زايد الأذان بن الطَّالب الشَّنقيطيّ.
تعريف بالمنظومة الآجُرُّوميّة:
وقد نُظِمَتْ هذه المقدّمة النثريّة، ونُسِبَ نَظْمُها إلى عبد الله بن الحاج حماهُ الله، والصّحيحُ أنَّ ناظمَها هو محمّد بن آبَّ الغلاوي التواتي الشّنقيطيّ المتوفى سنة (1160هـ)( ).
وعددُ أبيات منظومته (150) بيتاً، وكان الفراغ منها سنة (1120هـ).
ونُظِمَت الآجُرُّوميّة على بحر الرَّجَز، وهو واحدٌ من البُحور العروضيّة التي وضَعها الخليل (175هـ). والرَّجَزُ مأخوذ من قولهم: ناقةٌ رَجزاءُ، إذا ارتعشَتْ عندَ قيامِها، فسُمّي رَجزاً تشبيهاً بذلك. ومفتاحُ الرَّجَز هو:
في أبحر الأرجاز بحرٌ يَسْهُلُُ
مُسْتفعلن مُسْتفعلن مُسْتفعلن
وتفعيلاتُه سِتّ، في كل شَطْر ثلاثُ تفعيلات( ).
أيها القارئُ الكريم، أيها المتعلّمُ اللّبيب،
لقد كَثُرَتْ شروحُ الآجُرُّوميّة، وغَدتْ على الشُّروح حواشٍ، وعلى الحواشي تقريرات وتعليقات. ولقد شابَ تلك الشُّروحَ تعقيدٌ في التَّناول، وتطويلٌ في المسائل، وبُعْدٌ عن الأمثلة الحيّة، ومجافاةٌ عن الحياة المعاصرة: معانيها الجديدة، وتَقْنيتِها الحديثة.
وإنّي لَجِدُّ سَعيد إذ أقدّم بين يديك هذه المنظومة الآجُرُّوميّة التي أرجو أنْ تنْبُتَ نباتاً طيّباً، وتتقبَّلَها الأجيالُ بقَبول حَسَن. وقد أعانني الله U على شَرْحِها وإخراجها إخراجاً جديداً في ثوبٍ مُعاصرٍ يتّسمُ بما يلي:
- ضَبْط أبيات المنظومة ضَبْطاً دقيقاً.
Page 6
- العناية الفائقة بالتَّرتيب، وحُسْن التَّبويب.
- تقديم الشَّرح بعبارة واضحة، وأسلوب سَهْل.
- رَفْد الشَّرح بالأمثلة الكثيرة، والجداول النافعة.
- الإفادة من شروح الآجُرُّوميّة، واستخلاص محاسنِها.
- إمداد الشَّرح بأسئلة سابرة، وتطبيقات لُغويّة ماتعة.
- تقديم خُلاصة في آخر كلّ باب نَحْويّ.
- الإحالة إلى كُتب النَّحْو والأدب والبلاغة للاطلاع والاستزادة.
- إتمام المنظومة بأبواب أساسيّة في النَّحْو لم يذكرْها النَّاظم.
- التَّعريف بعدد من أعلام النّحاة ومدارسِهم النَّحْويّة.
- إعداد اختبار تربويّ لقياس مستوى المتعلّم في النَّحْو.
- الإفادة من النَّظريات الحديثة في طرائق التعلّم، وتأليف النُّصوص، ومراعاة الفُروق.
هذا؛ وأسألُ الله أنْ ينفعَ طلبةَ العِلْم بهذا العمل، ويُعْظِمَ الأجرَ والمثوبة لصاحب هذه المنظومة، ويفيضَ من رحماته وبركاته على ابن آجُرُّوم، وعلى علماء العربيّة ذوي الحِجا والفهوم الذين أظمأوا نهارَهُم، وأسْهروا ليلَهُم في سبيل هذه اللغة العظيمة، وأنْ يجمعَنا بهم في مَقْعَدِ صِدْق عندَ مَليكٍ مُقْتدر.
د. أحمد عطية السُّعوديّ
1430هـ/ 2009م
Page 7
المنظومة الآجُرُّوميّة
فاتحةُ المنظومة:
1- قَـالَ عُبَيْدُ رَبـِّهِ مُحَـمَّدُ
اللهَ فِي كُـلِّ الأُمُـورِ أَحْـمَدُ
يفتتحُ النَّاظمُ منظومتَهُ هذه بذكرِ اسمِه، وهو محمّد، وهي طريقةٌ جرى عليها العلماءُ القُدامى في توثيقِ ما يصدرُ عنهم من كُتُبٍ ورسائل ومنظومات، ومنهم ابنُ مالك صاحبُ الألفية الذي افتتحَها بقولِه:
قالَ محمّدٌ هُوَ ابنُ مالِكِ
أحمدُ ربِّي اللهَ خيرَ مالِكِ( )!
ثمَّ يُخبرُ الناَّظمُ محمّد بن آبّ الغلاويّ أنَّه يحمدُ الله في أمورِه كلِّها، في السَّراءِ والضَّراء، وفي الشِّدَّةِ والرَّخاء. وافتتاحُ هذا النَّظْم بالحَمْد من حُسْن الأدب مع الله تعالى، وفيه التماسٌ للتوفيقِ والبركة؛ إذ إنَّ العملَ الَّذي لا يُفتتحُ بالحَمْد يعتريه النَّقْصُ، ويقلُّ خيرُه.
2- مُصَلِّـيًا عَلَى الرَّسُولِ المُنْتَقَى
وَآلِـهِ وَصَحْـبِهِ ذَوِي التُّـقَى
وبعدَ حَمْدِ الله تعالى يُصلِّي النَّاظمُ على النَّبيّ المختار ، ويصلّي على آلِهِ الأطهار، وأصحابِه الكرام أهلِ التَّقوى رضوانُ الله عليهم أجمعين.
وآلُ النبيّ r هم الذين حُرِمُوا الصَّدقة، وهم: أزواجُه وأولادُه وذُرّياتُهم، والمؤمنون من أقربائه من بني هاشم وبني عبـد المطلب: آل عليّ، وآلُ عَقيل، وآلُ جعفـر، وآلُ عبَّـاس رضوان الله عليهم( ).
Page 8
والصَّحابيّ كما عرّفه الإمام البُخاريّ رحمه الله (256هـ): "مَنْ صَحِبَ النبيّ أو رآهُ من المسلمين فهو من أصحابه"( ).
3- وَبَعْـدُ فَالقَصْـدُ بِذَا المَنْظُومِ
تَسْهِيلُ مَنْـثُورِ ابْـنِ آجُـرُّومِ
ثمّ بعدَ حَمْدِ الله والصَّلاةِ على النبيّ r يبيّنُ الناظمُ أنَّ المقصودَ بهذا النَّظْم هو تسهيلُ الكتابِ المنثور الذي ألّفَهُ ابنُ آجرُّوم في مبادئ النَّحْو، واستخلصَهُ من كتاب الجُمَل للزَّجاجيّ؛ فالعلمُ لا ينضبطُ إلا بالحفظ، والحفظُ لا يتيسّرُ إلا بالنَّظْم.
4- لِمَـنْ أَرَادَ حِفْـظَهُ وَعَسُرَا
عَلَيْهِ أَنْ يَحْـفَظَ مَـا قَـدْ نُثِرَا
يبيّنُ النَّاظمُ أنَّ الفئةَ المستهدفةَ المقصودةَ بتسهيلِ نَثْر ابنِ آجرُّوم هي طلبةُ العلم، وكلُّ مَنْ صَعُبَ عليه حفظُ النّثر؛ لأنَّ النظمَ أسهلُ حفظاً من النَّثر، فالنَّظمُ يشتملُ على الوزنِ والإيقاع والعُذوبة، فيلذّ للأذنِ أنْ تسمعَهُ، ولا يُعْنِتُ الذّهنَ في الاستظهارِ والاستذكار.
5- واللهَ أَسْتَعِـينُ فِي كُلِّ عَمَلْ
إِلَيْـهِ قَصْـدِي وَعَلَـيْهِ المُتَّكَلْ
ثمّ يخبرُ النَّاظمُ أنّه يطلبُ العونَ من الله تعالى، ويسألُهُ أن يقوّيَهُ على إتمام هذا العمل، ويعينَهُ في كلّ عملٍ من أعماله، ويعلنُ أنّه يبتغي بعملِه هذا وجهَ الله تعالى، وأنهَّ يتوجّهُ إليه وحْدَهُ، ويتوكّلُ عليه؛ فهو نِعْمَ المولى، ونِعْمَ الوكيل، وهو بهذه الاستعانة وضعَ نُصْبَ عينِهِ حديثَ النبيّ r: "إذا سألتَ فاسألِ اللهَ، وإذا استعنتَ فاستَعنْ بالله"( ).
Page 9
لطائف من فاتحة المنظومة:
تَزْخَرُ فاتحةُ المنظومة بطائفةٍ من الحِكَم والإشارات الإيمانيّة والتربويّة التي تهمُّ طالبَ العلم:
1- استحبابُ حَمْدِ الله في الأمور كُلِّها، وافتتاح الأقوال والأعمال بالثَّناء على الله U.
2- التضرّعُ إلى الله، والتوجّهُ إليه بالدُّعاء وطَلَب العَوْن.
3- ابتغاءُ وجه الله تعالى في طَلَبِ العلم، والإخلاصُ له في القول والعمل.
4- تعظيمُ النبيّ ، وإجلال آل بيتِه الأطهار، وحُبّ الصّحابة الكرام كُلِّهم.
5- تحديدُ الأهدافِ التي يسعى إليها المتعلّم، واتّخاذ الوسائل الملائمة لتحقيقِها.
6- ضَبْطُ العلمِ بحفظ المتون، وتذوّق المنظوم من كلامِ العَرَب.
7- الأمانةُ العلميّةُ في توثيق الأقوال والآراء، وتجنّب انتحالِ الأفكار.
Page 10
بَابُ الكَلاَمِ
6- إِنَّ الكَلاَمَ عِنْـدَنَا فَلْتَسْتَمِعْ
لَفْظٌ مُـرَكَّبٌ مُفِـيدٌ قَـدْ وُضِعْ
الكلامُ عندَ النُّحاةِ هو: اللفظُ المفيدُ فائدةً يَحْسُنُ السُّكوتُ عليه، نحو: كَتَبَ زيدٌ. هِنْدٌ مُحْتَشِمة. يدعو لوالديهِ كُلَّ ليلة. أُصلِّي الضُّحى في حَدِيْقتي.
ولا بُدَّ أن تجتمعَ في الكلام أربعةُ أمور:
الأول: أنْ يكونَ لفظاً، واللَّفظُ هو الصَّوتُ المشتملُ على بعض الحروف الهجائيّة( )، نحو: "زيدٌ"، و"يكتبُ" و"الثَّلاّجةُ"، و"تحفظُ".
الثاني: أنْ يكونَ مُركّباً، أي يتألّفُ من كلمتين فأكثر مثل: زيدٌ يكتبُ. الثَّلاجةُ تحفظُ الأطعمةَ مُبَرَّدَةً. وذلك لأنَّ الكلمةَ الواحدةَ لا تُسمّى عندَ النُّحاة كلاماً.
الثالث: أنْ يكونَ مُفيداً، أي يَحْسُنُ السُّكوتُ عليه، نحو: إنْ جاءَكَ طالبُ عِلْمٍ فَرَحِّبْ بِهِ. أمّا إذا قلتَ: إنْ جاءَك طالبُ عِلْمٍ وسكتَّ فلا يسمّى كلاماً. ومثالُ غير المفيد: إذا قُطِعَ التَّيَّارُ الكهربائيُّ .. فلا يتمّ إلا إذا قلتَ في الجواب: غَرِقَتِ المدينةُ في الظَّلام.
والرَّابع: أنْ يكونَ موضوعاً للفائدة، أي أنْ يكونَ مقصوداً احترازاً من الصَّادر من النائم والسَّاهي والمجنون والسَّكران، وما عُلِّمَ من الطُّيور كالبَبَّغاء، فلا يسمّى شيءٌ من ذلك كلاماً؛ لأنّه ليس مقصوداً.
وأنْ يكونَ مُستعملاً من الألفاظ التي وضَعتها العَربُ، فإذا تكلّمتَ بكلامٍ ممّا وضعَه العَجَمُ وقلتَ مثلاً: "Help yourself " فلا يسمّى كلاماً عندَ علماء العربيّة.
ما رأيُك في قولِ القائل:
كأنّنا والماءُ مِنْ حولِنا
قومٌ جُلوسٌ حولَهم ماءُ؟