Page 1
ترجمة المؤلف
هو أبو الطيب صديق حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القنوجي.ولد سنة (1248هـ) ببلدة باس بريلي موطن جده لأمه ثم انتقلت به أمه بعد موت أبيه إلى بلدة آبائه قِنّوج ثم أقبل في صباه على العلوم فتعلم كتاب الله حتى أتقنه ثم أقبل على تعلم علوم الآلة من نحو وصرف وبلاغة ثم أقبل على تعلم السنة فذب عنها البدع حتى مدحه شيوخه فقال فيه شيخه محمد صدر الدين خان: له ذهن سليم وقوة الحافظة وفهم ثاقب ومناسبة تامة بالكتاب ومطالعة صحيحة واستعداد كامل…. إلى أن قال: وهو مع ذلك ممتاز بين أماثله والأقران فائق عليهم في الحياء والرشد والسعادة والصلاح وطيب النفس وصفاء الطينة والغربة والأهلية وكل الشأن.
أخذ العلم عن جماعة منهم القاضي حسين الأنصاري ومحمد صدر الدين مفتي دهلي ومحمد بن يعقوب وعبد الحق الهندي.
وقد كانت بين صديق حسن خان وعبد الحي اللكنوي ردود ومنازعات قال فيها عبد الحي الكتاني: وكل منهما لا يخلو تصنيفه ورده وجوابه من فوائد فجزاهما الله خيراً.
وقال ابن المؤلف: لما بلغه نعي العلامة عبد الحي اللكنوي وضع يده على جبهته وأطرق رأسه برهة ثم رفع رأسه وعيناه تدمعان وهو يدعو للشيخ ويترحم وقال: اليوم غربت شمس العلم وقال: إن اختلافنا كان مقصوراً على تحقيق بعض المسائل ولم يأكل طعاماً في تلك الليلة.
قلت: وزعم بعض المستشرقين الكفار أن المؤلف كان عامياً، وأنه لما تزوج ملكة بهوبال جمع العلماء وكتبوا له مقابل المال. وهذا إفك مبين، وقد أحسن في رده عبد الحي الكتاني حيث قال معقباً على الكلام السابق: فكلام أعدائه فيه، وإلا فالتآليف تآليفه، ونفسه فيها متحد.
توفي سنة 1307هـ ودفن ببهوبال وخلف ولدين.
له مؤلفات كثيرة ذكرها في ترجمته لنفسه في كتاب أبجد العلوم (3/274 ) ذكر منها في (3/275) كتابنا هذا .
Page 2
مقدمـة المؤلف
الحمدُ لله الذي أوضح سبيلَ الهدى، وهدى الصراط المستقيم، ونصب عليه في كل شيء دليلاً، وبيَّن منهج الحق ووعد عليه وَعْدَ الصدق لمن سلكه واستطاع إليه سبيلاً، والصلاةُ والسلام على المصطفى وأحمد المجتبى، الذي بعثه إلى الخلق كافة نبياً ورسولاً، وأرسله رحمة للعالمين تطبيقاً للصورة على المعنى، وتنويهاً بالمجاز إلى الحقيقة، وَمَنْ أصدق من الله قيلا، وعلى آله وصحبه وحِزْبه الذين قضوا بالحق، وبه كانوا يعدلون، وما بدلوا تبديلاً، فهم أكرم الخلق علماً، وأفضل الناس عملاً، وأشرفهم قبيلاً وجيلاً.وبعد؛ فيقول الوجود بين العدمين والعلاوة بين العدلين:
أبو الطيب ابن أبي أحمد بن أبي الحسن الحسيني القنوجي البخاري ـ ألحقه الله بسلفه الصالحين، وجعل له لسان صدق في الآخرين ـ: إنَّ المراد من تأليف هذا الكتاب في هذا الزمان المملوء ـ من الآفـات والأكـدار ـ بالشيء الكثير: حفـظ جملة صالحة من الأحاديث ـ الواردة في أبواب الفتن وأسبابها ـ على المسلمين على طريق الاختصار، وضبط أشراط الساعة التي وردت في الآثار، وذكرها عصابةُ أهل الحديث في دواوينهم الكبار؛ تذكرة لأهل الغفلة والاغترار، وتبصرة لأولي البصائر والأبصار، الذين أخلصهم الله تعالى بخالصة ذكرى الدار.
فعسى أن ينتهوا عن بعض الذنوب، وينتبهوا عن سنة الغفلة، وتلين منهم قاسيات القلوب، ويغتنموا المهلة قبل الوهلة، كيف لا والدنيا قد ولَّت جداً، وأذنت بالانصرام، ومرت بأهلها مر السحاب وهم نيام.
كما دلت على ذلك أدلة الكتاب، وأفصحت به نصوص الحديث المستطاب.
ألفته بين يدي الساعة حين اشتعلت نيران الملمات، وعمت البلايا والفتن، وتواترت الآفات والنوازل في كل قُطْر من أقطار الأرض على أهل الزمن، وعاد الإسلام فيه غريباً كما بدأ؛ لما توالى عليه وعلى أهله من الحوادث والمحن.
والدنيا لم تخلق للبقاء، ولم تكن دار إقامة؛ وإنما هي منزل من منازل الآخرة، ومزرعة للتزود منها إلى ديار الأفراح التي نعمها فاخرة ذاخرة.
لعـمـرك مـا الـدنيـا بـدار إقــامــة ولكنها دار انتقـال لـمن عقـل
إذا أضحكت أبكت وإن هي أقبلت تولت وإن أعطت فأيامها دول
وما أحسن قول القائل:
كـذا الـدنيـا نـزول وارتحـال نــَزَلْنـاهــا هنــا ثـم ارتـحـلنــا
خـلـود المـرء في الدنيا محـال يظـن الـمـرء في الـدنيـا خـلـوداً
ولنعم ما قيل:
إنما الدنيا كبيت نسجته العنكبوتُ إنما الدنيا فناء ليس للدنيــا ثبوتُ
ولله در القائل:
حَذار حَـذارِ من بطشي وفتكي هي الـدنيــا تقــول لصـاحِبيهــا
فقـولي مضحك والفعـل مبكي فــلا يغـــرركــم مني ابتســــام
ولبعضهم ولله دره:
ولم تـر بالبـاقين ما يصنـع الدهـر كأنك لم تسمع بأخبار مـن مضى
عفاهـا فحالت بعدك الريح والقطرُ فإن كنت لا تدري فتـلك ديارهم
على الدهــر إلا بالعـراء لـه قبرُ وهـل بصـرت عينـاك حيـاً بمنزل
ولكنّ ما قـدمـت مـن صـالح وفرُ فـلا تحسـبن الوفــر مــالاً جمعتـه
سوى الفقـر يابوسى لمنْ زادهُ الفقرُ مضى جامعـوا الأموال لم يتزودوا
وحتـام لا ينجاب عن قلبك الشَّرُّ فحتام لا تصحو وقـد قـرب المدى
وتذكـرُ قولي حـين لا ينفع الذكرُ بلى سوف تصحو حين ينكشف الغطا
فعمـا قليـل بعدهـا يُحْمَدُ الصَّبرُ فصبراً علـى الأيـام حـتى تجوزُها
وسيأتي الكلام الحق، والقول الصدق في أنه لا سلامة من الخلق.
هذا وأَمْرُ السَّاعةِ شديدٌ، وهْوَ لها مزيد، وأمَدُها بعيد.
قــال تـعــالى: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُمْ بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [ الحج: 2].
وإن الله تعالى في ذلك اليوم يحكم بين الأولين والآخرين، من الأحرار والعبيد، ويقضي للمؤمنين على الكافرين، ويميز المخلصين له الدين عن المنافقين.
كما قـال سبحـانـه: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [ هود: 103 ]. وقال تعالى: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْوَالسَّاعَةُأَدْهَىٰوَأَمَرُّ[القمر: 46 ]، وقال:سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ [ الـرحـمـن: 31 ]، وقــال:وامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [ يـس: 59 ]، وقـال:وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْلَمْيَلْبَثُواإِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [ يـونـس: 45 ]، وقـال:وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَمِنْدُونِهِۖوَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [ الإســراء: 97]،وقــال:يَوْمَيُنْفَخُفِيالصُّورِۚوَنَحْشُرُالْمُجْرِمِينَيَوْمَئِذٍزُرْقًا [ طه: 102 ]، وقـال:وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [ الصافات: 24 ]، وقال: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [ عبس: 37 ].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله : ((من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي العين فليقرأ: إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت)) أخرجهالترمذي وقال: هذا حديث حسن(1).
فهي الساعـة الموعـود أمرها، ولعظمهـا أكثـر الناس السؤال عنها رسـول الله حتى أنزل الله عليه: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَۚثَقُلَتْفِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [ الأعراف: 187 ]، وكل ما عظـم شأنـه تعددت صفاته وكثرت أسمـاؤه، وهذا مهيـع كـلام العـرب، فالقيـامـة لما عظـم أمرها وكثرت أهـوالها، سماهـا الله في كتابـه بأسماء عديـدة ووصفها بأوصاف كثيرة، ذكرها القرطبي في ((التذكرة))، والفتني في ((تحفة الإخوان)).
Page 3
ومما قيل في معنى ما ذكرنا هذا النظم:
مثــل لنفســك أيهــا المغــرور يـوم القيـامـة والسمـاء تـمـور
إذ كورت شمس النهـار وأدنيـتحتى علـى رؤس العبـاد تسـير
وإذا النجـوم تساقطـت وتناثرتوتبدلـت بعـد الضيـاء كـدور
وإذا البحـار تفجـرت من خوفهاورأيتهــا مثـل الحميــم تفـور
وإذا الجبــال تقـلعـت بأصـولهــاورأيتهــا مثـل السحــاب تسـير
وإذا العشــار تعطـلـت وتخـربـتخلــت الديــار فما بهـا معمـور
وإذا الوحوش لدى القيامة حشرتوتقــول للأمــلاك أيـن نســير؟
وإذا تقــات المسـلمـين تـزوجــوامثــل حـور عين زانهـن شعـور
وإذا الـمـؤدة سئلـت عـن شـأنهابـأي ذنــب قتــلهـا ميـســـور؟
وإذا الجليل طــوى السمـا بيمينـه طـي السـجــل كتـابــه المنشـور
وإذا الصحائف عند ذاك تساقطت تبـدو لنـا يـوم القصـاص أمـور
وإذا الصحـائف نشـرت فتطايرت هتكــت إذاً للمـذنبـين ستـــور
وإذا السمـاء تكشطـت عن أهلها ورأيت أفــلاك السـمــاء تـدور
وإذا الجحيــم تسعـرت نـيرانهــا فلهــا علـى أهــل الذنــب زفير
وإذا الجنـان تزخـرفـت وتطيبـت لفتىً على طــول البـلاء صبـور
وإذا الـجـنين معــلــق مـع أمــه يخـشى القصـاص وقلبـه مذعور
هـذا بـلا ذنــب يخـاف جنــايــة كيف المصر على الذنوب دهور؟
وقـال تعـالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [ غـافــر: 46 ]، وقــال: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَكَانُوا يُؤْفَكُونَ [ الــروم: 55 ]، وقــال:وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ [ الروم: 55 ]، وهو في القرآن كثير طيب.
والساعة: كلمة يعبر بها في العربية عن جزء من الزمان غير محدود، وفي العُرْف: على جزء من أربعة وعشرين جزء من يوم وليلة، للذين هما أصل الأزمنة.
وتقول العرب: أفعل كذا الساعة، وأنا الساعة في أمر كذا، تريد الوقت الذي أنت فيه، والذي يليه تقريباً له.
وحقيقة الإطلاق فيها أنَّ الساعة بالألف واللام عبارة في الحقيقة عن الوقت الذي أنت فيه، وهو المسمى بالآن.
وسميت القيامة ساعة؛ إما لقربها فإن كل آت قريب، وإما تنبيهاً على ما فيها من الكائنات العظام التي تصهر الجلود وتكسر العظام، وقيل: لأنها تأتي بغتة في ساعة، وقيل: غير ذلك.
وأمر الساعة أقرب من لمح البصر، ومقدار هذا اليوم خمسون ألف سنة، وإنَّ بيْن يدي الساعة فتناً كثيرة، ومحناً أثيرة، أخبر عنها النبي وبَيَّنَ أماراتها وعلاماتها، وأوضح أشراطها وآفاتها، ولم يغادر صغيرة منها ولا كبيرة؛ ليكون أهل كل قرن على حذر منها، متهيئين لها بالأعمال الصالحة الباقية، غير منهمكين في الشهوات العادية، واللذات الفانية، فأردت أن أذكر أخبار تلك الفتن، وآثار هذه المحن في كتابي هذا في بابٍ بابٍ على حدة، وأضمنه فرائد شريفة، وفوائد أثيرة، وفاء للعدة، سميته: ((الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة)) وطويت المؤلف على:
مقدمة في معنى الفتنة، وأبواب في ذكر ما جاء من الفتن والمحن وأشراط القيامة إلى نفخ الصور، وخاتمة في بيان مدة الدنيا وما يناسبها، وإلى الله ترجع الأمور.
والله سبحانه أسأل أن يخلص نيتي، ويحسن طويتي، فإنما الأعمال بالنيات، وإنَّ الحسنات يذهبن السيئات، وإنما لكل امرئ ما نوى، ولله سبحانه ما بقي وما مضى.
مثــل لنفســك أيهــا المغــرور يـوم القيـامـة والسمـاء تـمـور
إذ كورت شمس النهـار وأدنيـتحتى علـى رؤس العبـاد تسـير
وإذا النجـوم تساقطـت وتناثرتوتبدلـت بعـد الضيـاء كـدور
وإذا البحـار تفجـرت من خوفهاورأيتهــا مثـل الحميــم تفـور
وإذا الجبــال تقـلعـت بأصـولهــاورأيتهــا مثـل السحــاب تسـير
وإذا العشــار تعطـلـت وتخـربـتخلــت الديــار فما بهـا معمـور
وإذا الوحوش لدى القيامة حشرتوتقــول للأمــلاك أيـن نســير؟
وإذا تقــات المسـلمـين تـزوجــوامثــل حـور عين زانهـن شعـور
وإذا الـمـؤدة سئلـت عـن شـأنهابـأي ذنــب قتــلهـا ميـســـور؟
وإذا الجليل طــوى السمـا بيمينـه طـي السـجــل كتـابــه المنشـور
وإذا الصحائف عند ذاك تساقطت تبـدو لنـا يـوم القصـاص أمـور
وإذا الصحـائف نشـرت فتطايرت هتكــت إذاً للمـذنبـين ستـــور
وإذا السمـاء تكشطـت عن أهلها ورأيت أفــلاك السـمــاء تـدور
وإذا الجحيــم تسعـرت نـيرانهــا فلهــا علـى أهــل الذنــب زفير
وإذا الجنـان تزخـرفـت وتطيبـت لفتىً على طــول البـلاء صبـور
وإذا الـجـنين معــلــق مـع أمــه يخـشى القصـاص وقلبـه مذعور
هـذا بـلا ذنــب يخـاف جنــايــة كيف المصر على الذنوب دهور؟
وقـال تعـالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [ غـافــر: 46 ]، وقــال: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَكَانُوا يُؤْفَكُونَ [ الــروم: 55 ]، وقــال:وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ [ الروم: 55 ]، وهو في القرآن كثير طيب.
والساعة: كلمة يعبر بها في العربية عن جزء من الزمان غير محدود، وفي العُرْف: على جزء من أربعة وعشرين جزء من يوم وليلة، للذين هما أصل الأزمنة.
وتقول العرب: أفعل كذا الساعة، وأنا الساعة في أمر كذا، تريد الوقت الذي أنت فيه، والذي يليه تقريباً له.
وحقيقة الإطلاق فيها أنَّ الساعة بالألف واللام عبارة في الحقيقة عن الوقت الذي أنت فيه، وهو المسمى بالآن.
وسميت القيامة ساعة؛ إما لقربها فإن كل آت قريب، وإما تنبيهاً على ما فيها من الكائنات العظام التي تصهر الجلود وتكسر العظام، وقيل: لأنها تأتي بغتة في ساعة، وقيل: غير ذلك.
وأمر الساعة أقرب من لمح البصر، ومقدار هذا اليوم خمسون ألف سنة، وإنَّ بيْن يدي الساعة فتناً كثيرة، ومحناً أثيرة، أخبر عنها النبي وبَيَّنَ أماراتها وعلاماتها، وأوضح أشراطها وآفاتها، ولم يغادر صغيرة منها ولا كبيرة؛ ليكون أهل كل قرن على حذر منها، متهيئين لها بالأعمال الصالحة الباقية، غير منهمكين في الشهوات العادية، واللذات الفانية، فأردت أن أذكر أخبار تلك الفتن، وآثار هذه المحن في كتابي هذا في بابٍ بابٍ على حدة، وأضمنه فرائد شريفة، وفوائد أثيرة، وفاء للعدة، سميته: ((الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة)) وطويت المؤلف على:
مقدمة في معنى الفتنة، وأبواب في ذكر ما جاء من الفتن والمحن وأشراط القيامة إلى نفخ الصور، وخاتمة في بيان مدة الدنيا وما يناسبها، وإلى الله ترجع الأمور.
والله سبحانه أسأل أن يخلص نيتي، ويحسن طويتي، فإنما الأعمال بالنيات، وإنَّ الحسنات يذهبن السيئات، وإنما لكل امرئ ما نوى، ولله سبحانه ما بقي وما مضى.
Page 4
المقدمة في معنى الفتنة
قال أهل العلم: الفتنة هي المحنة والعذاب والشدة وكل مكروه وآيل إليه، كالكفر والإثم والفضيحة والفجور والمصيبة وغيرها من المكاره، فإن كانت من الله فهي على وجه الحكمة، وإنْ كانت من الإنسان بغير أمره سبحانه فهي مذمومة.
وقد ذم الله تعـالى الإنسان بإيقاع الفتنة، كقوله تعالى: [ البقرة:وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِالْحَرَامِحَتَّىٰيُقَاتِلُوكُمْفِيهِ ۖ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ 191 ]، وقوله:إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [ البروج: 10 ].
قال الراغب(2): أصل الفَتْنِ: إدخال الذَّهبِ النار لِتَظْهَرَ جَوْدَتُهُ مِنْ رداءته، واستعمل في إدْخال الإنسانِ النارَ، انتهى.
قــال في ((فتح البـاري)) (3): ويطلـق على العـذاب، كقوله تعالى: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ [ الذاريات: 14 ]، وعلى ما يحصل عنه العذاب، كقوله تعالى: وَمِنْهُمْمَنْيَقُولُائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [ التوبة: 49 ]، وعلى الاختبـار، كقوله تعـالى:وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا [ طه:40 ]، وفيمـا يُدْفَـعُ إليـه الإنسانُ مِن شِـدَّةٍ ورخَاء، وفي الشِّدّةأظهرُمعنىوأكثـر استعمـالاً، قـال تعـالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ الأنبياء: 35 ]، ومنه قولـه:وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [ الإسراء: 73 ]، أي: يوقعونك في بَلِيَّةٍ وشِدَّةٍ في صرفك عن العمل.
وقال غيره: أصل الفتنة الاختبار، ثم استعملت فيما أخرجته المحنة والاختبــار إلى المكــروه، قـال تعـالى:مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ [ الصافات: 162 ]، وقــال:وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [ القلـم: 6 ]،وقــال:وَأَنِاحْكُمْبَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [الـمائدة:49]،وقال:وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [ الأنفال: 25 ]، أي اتقـوا ذنبـاً يعمكـم أثـره، كإقـرار المنكـر بين أظهركم، والمداهنـة في الأمـر بالمعـروف، وافـتراق الكلمـة، وظهور البدع والتكاسل في الجهاد.
قال القرطبي(4): وفي هذا تنبيه بالغ على التحذير من الفتن.
Page 5
باب في اقتراب الساعة ومجيئها
قــال تعـالى:اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [ القمر: 1 ]، وقــال:فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ [ محـمــد: 18 ]، أي: أماراتها وعلاماتها.
قال البغوي: وكان النبي من أشراط الساعة.
وقال تعالى:يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [الأحزاب: 63]، وقـــال:هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [ الزخـرف: 66 ]، وقــال:[اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ الأنبيـاء: 1 ]، وقال: أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ[ النحل: 1 ]، والآيات في ذلك كثيرة.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((إنما أجلكم فيمن مضى قبلكم من الأمم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس)) رواه الشيخان(5)، وفي رواية: (( إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من صلاة العصر إلى غروب الشمس)) (6).
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله : (( بعثت أنا والساعة كهاتين)) أخرجه البخاري ومسلم(7).
قال القـرطبي(8): ومعناها كلها على اختلاف ألفاظها: تقريب أمر الساعـة التي هي في القيامـة، كما قال تعالى: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ النحل: 77 ].
والأحاديث في الباب لا تكاد تحصى، ولا يقال كيف يوصف بالاقتراب ما قد مضى قبل وقوعه ألف ومائتان وأربع وتسعون عاماً؟ لأن الأجل إذا مضى أكثره وبقي أقله فهو قريب.
وفي المثل السائر: ما أقرب ما هو آت وما أبعد ما هو فات.
ولقـرب قيامها عنـده تعالى جعلها الله تعالى كغد الذي بعد يومك فقـال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [ الحشر: 18 ]، وقال:إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا [ المعارج: 6 ـ 7 ]، ولما كـان أمـر السـاعـة شديداً كـان الاهتمـام بشأنها أكثـر من غيرهـا، ولذلك أكثـر النبي من بيان أشـراطها وأماراتها، وأخبر عما بين يديهـا من الفتن البعيـدة والقـريبة، ونبه أمتهوحذرها ليتهيئوا لتلك العقبة الشديدة. ووقت مجيئها مما انفرد الله بعلمـه، وقد ثبـت أن النبي سئـل عن الساعة فقال: ((ما المسؤول عنها بأعلـم من السائل…)) الحديث وهو في الصحيـح يعـرف بحديثجبريل(9).
وهـذا يدل على أنه لم يكـن عنـده علم بـه، وقد نطـق به القـرآن الكريم:يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [ الأعراف: 187]، فلم يكن يعلمهـا هو ولا غيره، وإنـما أخفـاه؛ لأنـه أصلـح للعباد لئلا يتباطئوا عن التأهب والاستعداد له، كما أن خفاء وقت الـموت أصلح لهم وأنفـع، وقد انتدبت جماعـة من أهـل العلم على تعيين قربها وزمن كونها ومجيئها، واستدلوا بأحاديث غير صحيحة وما صح منها فدلالتها غير صريحة.
قال السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير اليماني ـ رحمه الله ـ: إنما ثبت عنه قرب بعثته من قيام الساعة، كما أخرج ابن جرير عنه : ((ما مثلي ومثل الساعة إلا كفرسي رهان)) (10).
فهذه الأحـاديث دالـة على قـرب الساعة من مبعثه ، والإخبار عن قربها من مبعثـه يحتمـل أنه إخبار عن قربهـا عند الله تعالى، وإن كانت بعيدة، فهي رد لقول المشـركين بأنه لا قيـام لها، وإليـه أشار قوله تعالى::إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا[ المعارج: 6 ـ 7 ].
ويحتمل أن المراد: قرب أشراطها من بعثته ، وقد ظهر كثير من الأشراط، وأنها ظهرت من بعد وفاته بقليل، بل قد جعل موته من أشراطها.
وهذا يدل على أنه بُعث وقد قربت أشراط الساعة، وتقدير المضاف بالقرائن ثابت لغة وكتاباً وسنة ولا نكير فيه.
ثم يدل لتقدير المضاف أنه قد مضى بعد وفاته قريب من اثنتي عشرة مائة ولم تقم الساعة فلا قرب لقيامها ببعثته، بل لأشراطها ويكون حديث: ((إن علامات الساعة كخرزات إذا وقع منها شيء تبعبعضهابعضاً)) (11)، خاصاً بالعلامات العظام، كخروج الدجال، ونزول عيسى، وطلوع الشمس من مغربها.
وأما تعيين زمان الساعة، والقرن الذي تقع فيه، فهو غيب لم يأت عليه دليل ينهض إلا أن إتيـان أشـراطها مـؤذن بقربها، كما قال تعالى:فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ [ محمد: 18 ]. انتهى كلامه رحمه الله.
قــال تعـالى:اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [ القمر: 1 ]، وقــال:فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ [ محـمــد: 18 ]، أي: أماراتها وعلاماتها.
قال البغوي: وكان النبي من أشراط الساعة.
وقال تعالى:يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [الأحزاب: 63]، وقـــال:هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [ الزخـرف: 66 ]، وقــال:[اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ الأنبيـاء: 1 ]، وقال: أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ[ النحل: 1 ]، والآيات في ذلك كثيرة.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((إنما أجلكم فيمن مضى قبلكم من الأمم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس)) رواه الشيخان(5)، وفي رواية: (( إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من صلاة العصر إلى غروب الشمس)) (6).
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله : (( بعثت أنا والساعة كهاتين)) أخرجه البخاري ومسلم(7).
قال القـرطبي(8): ومعناها كلها على اختلاف ألفاظها: تقريب أمر الساعـة التي هي في القيامـة، كما قال تعالى: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ النحل: 77 ].
والأحاديث في الباب لا تكاد تحصى، ولا يقال كيف يوصف بالاقتراب ما قد مضى قبل وقوعه ألف ومائتان وأربع وتسعون عاماً؟ لأن الأجل إذا مضى أكثره وبقي أقله فهو قريب.
وفي المثل السائر: ما أقرب ما هو آت وما أبعد ما هو فات.
ولقـرب قيامها عنـده تعالى جعلها الله تعالى كغد الذي بعد يومك فقـال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [ الحشر: 18 ]، وقال:إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا [ المعارج: 6 ـ 7 ]، ولما كـان أمـر السـاعـة شديداً كـان الاهتمـام بشأنها أكثـر من غيرهـا، ولذلك أكثـر النبي من بيان أشـراطها وأماراتها، وأخبر عما بين يديهـا من الفتن البعيـدة والقـريبة، ونبه أمتهوحذرها ليتهيئوا لتلك العقبة الشديدة. ووقت مجيئها مما انفرد الله بعلمـه، وقد ثبـت أن النبي سئـل عن الساعة فقال: ((ما المسؤول عنها بأعلـم من السائل…)) الحديث وهو في الصحيـح يعـرف بحديثجبريل(9).
وهـذا يدل على أنه لم يكـن عنـده علم بـه، وقد نطـق به القـرآن الكريم:يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [ الأعراف: 187]، فلم يكن يعلمهـا هو ولا غيره، وإنـما أخفـاه؛ لأنـه أصلـح للعباد لئلا يتباطئوا عن التأهب والاستعداد له، كما أن خفاء وقت الـموت أصلح لهم وأنفـع، وقد انتدبت جماعـة من أهـل العلم على تعيين قربها وزمن كونها ومجيئها، واستدلوا بأحاديث غير صحيحة وما صح منها فدلالتها غير صريحة.
قال السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير اليماني ـ رحمه الله ـ: إنما ثبت عنه قرب بعثته من قيام الساعة، كما أخرج ابن جرير عنه : ((ما مثلي ومثل الساعة إلا كفرسي رهان)) (10).
فهذه الأحـاديث دالـة على قـرب الساعة من مبعثه ، والإخبار عن قربها من مبعثـه يحتمـل أنه إخبار عن قربهـا عند الله تعالى، وإن كانت بعيدة، فهي رد لقول المشـركين بأنه لا قيـام لها، وإليـه أشار قوله تعالى::إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا[ المعارج: 6 ـ 7 ].
ويحتمل أن المراد: قرب أشراطها من بعثته ، وقد ظهر كثير من الأشراط، وأنها ظهرت من بعد وفاته بقليل، بل قد جعل موته من أشراطها.
وهذا يدل على أنه بُعث وقد قربت أشراط الساعة، وتقدير المضاف بالقرائن ثابت لغة وكتاباً وسنة ولا نكير فيه.
ثم يدل لتقدير المضاف أنه قد مضى بعد وفاته قريب من اثنتي عشرة مائة ولم تقم الساعة فلا قرب لقيامها ببعثته، بل لأشراطها ويكون حديث: ((إن علامات الساعة كخرزات إذا وقع منها شيء تبعبعضهابعضاً)) (11)، خاصاً بالعلامات العظام، كخروج الدجال، ونزول عيسى، وطلوع الشمس من مغربها.
وأما تعيين زمان الساعة، والقرن الذي تقع فيه، فهو غيب لم يأت عليه دليل ينهض إلا أن إتيـان أشـراطها مـؤذن بقربها، كما قال تعالى:فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ [ محمد: 18 ]. انتهى كلامه رحمه الله.
Page 6
باب في فتن تكون في هذه الأمة
وهي أنواع سردت أحاديثها سرداً واحداً.
قد حذر النبيُّ من الفتن في أحاديث كثيرة متضمنة للوعيد على التبديل والإحداث؛ لأن الفتن غالباً تنشأ عن ذلك.
عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما عن النبي قال: ((أنا على حوضي أنتظر من يرد عليّ فيؤخذ بناس من دوني، فأقول أمتي، فيقال: لا تدري مشوا على القهقرى)) رواه البخاري(12).
وعن أبي وائل قال: قال ابن مسعود رضي الله عنه: قال النبي : ((أنا فرطكم على الحوض ليرفعن إليّ رجال منكم حتى إذا هويت لأناولهم اختلجوا دوني. فأقول: أي رب أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوابعدك)) أخرجه البخاري(13).
أي: ما أحدثوا من الارتداد عن الإسلام، أو من المعاصي الكبيرة البدنية، أو البدع الاعتقادية، قاله القسطلاني.
وعن زينب بنت جحش رضي الله عنها أنها قالت: استيقظ النبي من النوم محمراً وجهه يقول: ((لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه)) وعقد سفيان بن عيينة ـالراوي لهذا الحديث ـ تسعين، أو عقد مائة، ((قيل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث)) رواه البخاري(14).
أي: الزنا وأولاد الزنا، أو الفسوق والفجور.
وفي ((الفتح)) (15) ترجيح الأخير، قال: لأنه قابله بالصلاح، وإنما خص العرب بالذكر لأنهم أول من دخل في الإسلام.
وأورده القرطبي في تذكرته في باب إقبال الفتن ونزولها(16).
وقـال(17): أخبر عليـه الصـلاة والسـلام بما يكـون بعــده من أمر العـرب وما يستقبلهم من الويـل والحرب، وقد وجد ذلك بما استؤثـر عليهم به من الملك والدولة والأمـوال والإمـارة، فصار ذلك في غيرهم من الترك والعجم، وتشتتوا في البوادي بعد أن كان العز والملك والدنيا لهم ببركته عليه الصلاة والسلام، وما جاء به من الدين والإسلام، فلما لم يشكـروا النعمة وكفروها بقتل بعضهم بعضاً، وسلـب بعضهم أموال بعضهم، سلبها الله منهم ونقلها إلى غيرهم، كما قال تعالى: هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ۖ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [ محمــد: 38 ]، ولهـذا قــال علماؤنا قولها: ((أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث)) دليل على أن البـلاء قد يرفـع عن غير الصـالحين إذا كثر الصالحون، فأما إذا كثر المفسدون وقل الصالحون، هلك المفسـدون والصالحون معهم إذا لم يأمروا بالمعروف ويكرهوا ما صنع المفسـدون، وهو معنى قوله سبحانه: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفــال: 25 ]، بـل يعـم شؤمها من تعاطاها ومن رضيها، هذا بفساده، وهذا برضاه، انتهى.
ومنها حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: أشرف النبي على أطم من آطام المدينة، فقال: ((هل ترون ما أرى؟ قالوا: لا ، قال: فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر)) أخرجه الشيخان(18).
وحسن التشبيه بالقطر لإرادة التعميم؛ لأنه إذا وقع في أرض معينة عمها، ولو وقع في بعض جهاتها.
وعن كرز بن علقمة الخزاعي قال: سأل رجل النبي : هل للإسلام من منتهى؟ فقال رسول الله : ((أيما أهل بيت من العرب والعجم أراد الله بهم خيراً أدخل عليهم الإسلام)). فقال: ثم ماذا؟ قال: ((ثم تقعالفتنكالظلل، فقال الرجل: كلا والله إن شاء الله، قال: بلى والذي نفسي بيده لتعودن فيها أساود صباً يضرب بعضكم رقاب بعض)) أخرجه البيهقي (19).
قال الزهري: أساود صباً: الحية السوداء إذا أرادت أن تنهش ارتفعت هكذا ثم انصبت.
وخرجه أبو داود الطيالسي أيضاً(20).
قال أبو الخطاب ابن دحية الحافظ: هذا حديث لا مطعن في صحة إسناده.
ورواه القرطبي(21) بإسناده وقال: صبا جمع صاب، كغاز وغزى وهو الذي يميل ويلتوي وقت النهش ليكون أنكى في اللدغ وأشد صباً للسم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، قالوا: يا رسول الله أيم هو؟ قال: القتل القتل)) رواه البخاري ومسلم والترمذي(22).
قال ابن بطال: وجميع ما تضمنه هذا الحديث من الأشراط قد رأيناها عياناً.
قال في ((الفتح)) (23): الذي يظهر أن الذي شاهده، كان منه الكثير مع وجود مقابله.
Page 7
والمراد من الحديث استحكام ذلك، حتى لا يبقى مما يقابله إلا النادر وإليه الإشارة بالتعبير بقبض العلم، فلا يبقى إلا الجهل الصرف، ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم، لأنهم يكونون حينئذ مغمورين في أولئك.
والواقع أن الصفات المذكورة وجدت مباديها من عهد الصحابة، ثم صارت تكثر في بعض الأماكن دون بعض، والذي يعقبه قيام الساعة استحكام ذلك كما قررته، وقد مضى من الوقت الذي قال فيه ابن بطال ما قال نحو ثلاث مائة وخمسين سنة، والصفات المذكورة في ازدياد في جميع البلاد، ولكن يقل بعضها في بعض، ويكثر بعضها في بعض، وكلما مضت طبقة ظهر النقص الكثير في التي تليها، والمراد بكثرة القتل ما لا يكون على وجه الحق؛ كإقامة الحد والقصاص، انتهى.
قلت: وقد مضى من الوقت الذي قال فيه الحافظ ابن حجر ما قاله نحو خمسمائة سنة، والآفات المذكورة والفتن المسطورة في زيادة وفشو في جميع أقطار الدنيا حتى ملئت الآن جوراً وظلماً، ومن زمان النبوة نحو ألف وأربع وتسعين ومائتين إلى يومنا هذا، وفي كثرة الهرج أحاديث بألفاظ الصحيحين وغيرهما.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((بادروا بالأعمال فتناً، قبل أن تأتي كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا))أخرجه مسلم (24).
قلت: وهذا الحديث من أعلام النبوة، وقد وقع بيع الدين بعرض من الدنيا في غالب أقطار الأرض إلا من عصمه الله.
وعن أم سلمة زوج النبي قالت: استيقظ النبي فزعاً مرعوباً يقول: ((سبحان الله! ماذا فتح الليلة من الخزائن؟ وماذا أنزل من الفتن؟ مَنْ يوقظ صواحبات الحجر ـ يريد أزواجه ـ لكي يصلين؟ رب كاسية في الدنياعارية في الآخرة)) أخرجه مسلم(25).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت النبي يقول: ((من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء)) رواه البخاري(26).
وعند مسلم(27) من حديثه أيضاً مرفوعاً : ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)) وعنده(28) عن ابن عمرو بن العاص: ((إلا على شرار الخلق، وهم أشر من الجاهلية، لا يدعون الله بشيء إلا رده عليهم)).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت النبي يقول: ((لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم)) رواه البخاري والترمذي وحسنه (29).
وعن ابن مسعود قال: ((أمس خير من اليوم، واليوم خير من غد، وكذلك حتى تقوم الساعة)) أخرجه الطبراني(30) بسند صحيح.
قال ابن بطال: هذا الخبر من أعلام النبوة لإخباره بفساد الأحوال، وذلك من الغيب الذي لا يعلم بالرأي، وإنما يعلم بالوحي. انتهى(31).
ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن تشرف لها تستشرفه؛ فمن وجد فيها ملجأأو معاذاً فليعذ به)) رواه البخاري ومسلم(32).
وفي رواية لمسلم: ((تكون فتنة، النائم فيه خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القائم، والقائم فيه خير من الساعي، فمن وجد ملجأ أو معاذاً فليستعذ به)) (33).
وفيه التحذير من الفتن، وأن شرها يكون بحسب الدخول فيها، والمراد بالفتن جميعها، أو ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك حيث لا يعلم المحق من المبطل، وعلى الأول فقالت طائفة: بلزوم البيت. وقال آخرون: بالتحول من بلد الفتنة، ثم اختلفوا: فمنهم من قال: إذا هجم عليه شيء من ذلك يكف يده ولو قتل، ومنهم من قال: يدافع عن نفسه وماله وأهله، وهو معذور إن قَتل أو قُتل.
وقال آخرون: إذا بغت طائفة على الإمام فامتنعت من الواجب عليها، ونصبت الحرب وجب قتالها، وكذلك لو تحاربت طائفتان وجب على كل قادر الأخذ على يد المخطئ، ونصر المصيب، وهذا قول الجمهور.
وفَصّل آخرون فقالوا: كل قتال وقع بين طائفتين من المسلمين حيث لا إمام للجماعة، فالقتال حينئذ ممنوع، وتنزل الأحاديث التي في هذا الباب وغيره على ذلك، وهو قول الأوزاعي.
قال الطبري: والصواب أن يقال: إن الفتنة أصلها: الابتلاء، وإنكار المنكر واجب على من قدر عليه، فمن أعان المحق أصاب، ومن أعان المخطئ أخطأ، وإن أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي فيها عن القتال. وقيل: إن أحاديث النهي مخصوصة بآخر الزمان حيث يحصل التحقيق بأن المقاتلة، إنما هي في طلب الملك، والله أعلم(34).
ومنها حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: ((كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هدى تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه، يتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام، قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت، وأنت على ذلك)) أخرجه البخاري ومسلم(35).
قال في ((الفتح)) (36): وهو كناية عن لزوم جماعة المسلمين، وطاعة سلاطينهم ولو عصوا.
قال البيضاوي: المعنى إذا لم يكن في الأرض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على عمل شدة الزمان، وعض أصل الشجرة: كناية عن مكابدة المشقة، أو المراد اللزوم.
قال ابن بطال: فيه حجة لجماعة الفقهاء، في لزوم جماعة المسلمين، وترك الخروج على أئمة الجور؛ لأنه وصف الطائفة الأخيرة، بأنهم دعاة على أبواب جهنم، ولم يقل فيهم تعرف وتنكر، كما قال في الأولين، وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق، وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة.
والواقع أن الصفات المذكورة وجدت مباديها من عهد الصحابة، ثم صارت تكثر في بعض الأماكن دون بعض، والذي يعقبه قيام الساعة استحكام ذلك كما قررته، وقد مضى من الوقت الذي قال فيه ابن بطال ما قال نحو ثلاث مائة وخمسين سنة، والصفات المذكورة في ازدياد في جميع البلاد، ولكن يقل بعضها في بعض، ويكثر بعضها في بعض، وكلما مضت طبقة ظهر النقص الكثير في التي تليها، والمراد بكثرة القتل ما لا يكون على وجه الحق؛ كإقامة الحد والقصاص، انتهى.
قلت: وقد مضى من الوقت الذي قال فيه الحافظ ابن حجر ما قاله نحو خمسمائة سنة، والآفات المذكورة والفتن المسطورة في زيادة وفشو في جميع أقطار الدنيا حتى ملئت الآن جوراً وظلماً، ومن زمان النبوة نحو ألف وأربع وتسعين ومائتين إلى يومنا هذا، وفي كثرة الهرج أحاديث بألفاظ الصحيحين وغيرهما.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((بادروا بالأعمال فتناً، قبل أن تأتي كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا))أخرجه مسلم (24).
قلت: وهذا الحديث من أعلام النبوة، وقد وقع بيع الدين بعرض من الدنيا في غالب أقطار الأرض إلا من عصمه الله.
وعن أم سلمة زوج النبي قالت: استيقظ النبي فزعاً مرعوباً يقول: ((سبحان الله! ماذا فتح الليلة من الخزائن؟ وماذا أنزل من الفتن؟ مَنْ يوقظ صواحبات الحجر ـ يريد أزواجه ـ لكي يصلين؟ رب كاسية في الدنياعارية في الآخرة)) أخرجه مسلم(25).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت النبي يقول: ((من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء)) رواه البخاري(26).
وعند مسلم(27) من حديثه أيضاً مرفوعاً : ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)) وعنده(28) عن ابن عمرو بن العاص: ((إلا على شرار الخلق، وهم أشر من الجاهلية، لا يدعون الله بشيء إلا رده عليهم)).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت النبي يقول: ((لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم)) رواه البخاري والترمذي وحسنه (29).
وعن ابن مسعود قال: ((أمس خير من اليوم، واليوم خير من غد، وكذلك حتى تقوم الساعة)) أخرجه الطبراني(30) بسند صحيح.
قال ابن بطال: هذا الخبر من أعلام النبوة لإخباره بفساد الأحوال، وذلك من الغيب الذي لا يعلم بالرأي، وإنما يعلم بالوحي. انتهى(31).
ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن تشرف لها تستشرفه؛ فمن وجد فيها ملجأأو معاذاً فليعذ به)) رواه البخاري ومسلم(32).
وفي رواية لمسلم: ((تكون فتنة، النائم فيه خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القائم، والقائم فيه خير من الساعي، فمن وجد ملجأ أو معاذاً فليستعذ به)) (33).
وفيه التحذير من الفتن، وأن شرها يكون بحسب الدخول فيها، والمراد بالفتن جميعها، أو ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك حيث لا يعلم المحق من المبطل، وعلى الأول فقالت طائفة: بلزوم البيت. وقال آخرون: بالتحول من بلد الفتنة، ثم اختلفوا: فمنهم من قال: إذا هجم عليه شيء من ذلك يكف يده ولو قتل، ومنهم من قال: يدافع عن نفسه وماله وأهله، وهو معذور إن قَتل أو قُتل.
وقال آخرون: إذا بغت طائفة على الإمام فامتنعت من الواجب عليها، ونصبت الحرب وجب قتالها، وكذلك لو تحاربت طائفتان وجب على كل قادر الأخذ على يد المخطئ، ونصر المصيب، وهذا قول الجمهور.
وفَصّل آخرون فقالوا: كل قتال وقع بين طائفتين من المسلمين حيث لا إمام للجماعة، فالقتال حينئذ ممنوع، وتنزل الأحاديث التي في هذا الباب وغيره على ذلك، وهو قول الأوزاعي.
قال الطبري: والصواب أن يقال: إن الفتنة أصلها: الابتلاء، وإنكار المنكر واجب على من قدر عليه، فمن أعان المحق أصاب، ومن أعان المخطئ أخطأ، وإن أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي فيها عن القتال. وقيل: إن أحاديث النهي مخصوصة بآخر الزمان حيث يحصل التحقيق بأن المقاتلة، إنما هي في طلب الملك، والله أعلم(34).
ومنها حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: ((كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هدى تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه، يتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام، قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت، وأنت على ذلك)) أخرجه البخاري ومسلم(35).
قال في ((الفتح)) (36): وهو كناية عن لزوم جماعة المسلمين، وطاعة سلاطينهم ولو عصوا.
قال البيضاوي: المعنى إذا لم يكن في الأرض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على عمل شدة الزمان، وعض أصل الشجرة: كناية عن مكابدة المشقة، أو المراد اللزوم.
قال ابن بطال: فيه حجة لجماعة الفقهاء، في لزوم جماعة المسلمين، وترك الخروج على أئمة الجور؛ لأنه وصف الطائفة الأخيرة، بأنهم دعاة على أبواب جهنم، ولم يقل فيهم تعرف وتنكر، كما قال في الأولين، وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق، وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة.
Page 8
قال الطبري: اختلف في هذا الأمر وفي الجماعة، فقال قوم: هو للوجوب، والجماعة: السواد الأعظم، وقال قوم: المراد بالجماعة: الصحابة دون مَنْ بعدهم، وقال قوم: المراد بهم أهل العلم؛ لأن الله تعالى جعلهم حجة على الخلق، والناس تبع لهم في أمر الدين.
قال الطبري: والصواب أنَّ المراد من الخير لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة، قال: وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزاباً فلا يتبع أحداً في الفرقة، ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك، خشية من الوقوع في الشر، وعلى ذلك يُنَزَّلُ ما جاء في سائر الأحاديث، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف منها.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ويؤخـذ منه ـ أي من هذا الحديث ـ ذم من جعل للدين أصلاً خلاف الكتاب والسنة، وجعلهما فرعاً لذلك الأصل الذي ابتدعوه، وفيه وجوب رد الباطل وكل ما خالف الهدى النبوي، ولو قاله من قاله من رفيع أو وضيع، انتهى.
وعن أبي بكرة قال: قال رسول الله : ((إنها ستكون فتن ألا ثم تكون فتن، القاعد خير من الماشي فيها، والماشي خير من الساعي إليها، ألا فإذا وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كان له أرض فليلحق بأرضه، فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت من لم يكن له إبل، ولا غنم، ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حـده بحجـر، ثم لينج إن استطـاع النجاء، اللهم هل بلغت ـ ثلاثاً ـ ، فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين فضربني رجل بسيفه، أو يجئ سهم فيقتلني؟ قال: يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار)) أخرجه مسلم(37).
وأورده القرطبي في تذكرته، في باب ما جاء في الفرار من الفتن(38).
وعن أبي بردة قال: دخلت على محمد بن مسلمة، فقال: إن رسول الله قال: ((إنها ستكون فتنة وفرقة واختلاف، فإذا كان ذلك فأت بسيفك أحداً فاضرب به حتى ينقطع، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منيةقاضية)) وقد وقعت، وقد فعلتُ ما قال ، أخرجه ابن ماجه(39).
وأورده القرطبي في تذكرته في باب الأمر بلزوم البيت في الفتن(40).
قال علماؤنا ـ رحمة الله عليهم ـ: كان محمد بن مسلمة ممن اجتنب ما وقع بين الصحابة من الخلاف والقتال، وأقام بالربذة، وممن اعتزل الفتنة أبو بكرة، وابن عمر، وأسامة بن زيد، وأبو ذر، وحذيفة، وعمران بن حصين،وأبو موسى، وأَهبان بن صيفى، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم، ومن التابعين: شريح، والنخعي، وغيرهما ـ رضي الله عنهم ـ.
قال القرطبي(41): وكانت تلك الفتنة والقتال بينهم على اجتهاد منهم، فكان المصيب منهم له أجران، والمخطئ له أجر، ولم يكن قتال على الدنيا فكيف اليوم الذي تسفك فيه الدماء باتباع الهوى طلباً للملك والاستكثار من الدنيا!، فواجب على الإنسان كف اليد واللسان عند ظهور الفتن، ونزول البلايا والمحن، نسأل الله السلامة والفوز بدار الكرامة.
أقول: وقد فعلتُ مثل ذلك في زمن الفساد الذي وقع في إقليم الهند بين عساكر الفرنج وحكامهم في سنة 1273 الهجرية، وابتلي ناس كثير به، وسموه الجهـاد، ولم توجد شروطه ولم يكن على منهاج الشريعة الحقة، وانتـدب لطلب الملك والرياسة فأصبحوا خاسرين، ولله الأمر مِنْ قبلُ ومِنْ بعدُ.
وفي الصحيح ((باب مَنْ كره أن يكثر سواد الفتن والظلم)) (42)، و((باب التعرب في الفتنة)) (43) أي: الإقـامة بالباديـة، وفيـه حـديث سلمة بن الأكوع: أن رسول الله ((أذن لي في البدو)) أخرجه مسلم والنسائيأيضاً(44).
ويستفاد من ((الفتح)) أن مدة سكنى سلمة بالبادية أربعين سنة(45).
ومنها حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شَعَف الجبال، ومواقع القطر يَفِرُّ بدينه من الفتن)) أخرجه الشيخان والنسائي ومالك وأبو داود(46).
والشعف: جمع شعفة كأكم وأكمة: رءوس الجبال. قال في ((الفتح)) (47): والخبر دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه، ولا يتأتى له الجهاد في سبيل الله.
وقيل: يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، واختار النووي الخلطة، لمن لا يغلب على ظنه الوقوع في المعصية، فإن أشكل الأمر فالعزلة.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي أنه قام إلى جنب المنبر فقال: ((الفتنة ها هنا، الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان، أو قال: قرن الشمس)) رواه البخاري والترمذي(48).
أشار إلى المشرق؛ لأن أهله يومئذ أهل كفر فأخبر أن الفتنة تكون من تلك الناحية، وكذا وقع فكان وقعة الجمل، ووقعة صفين، ثم ظهور الخوارج في أرض نجد والعراق وما ورائها من المشرق، وكان أصل ذلك كله وسببه قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهذا علم من أعلام نبوته .
قال في ((الفتح)) (49): أول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سبباً للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة.
وقال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة، وأصل النجد: ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور، فإنه ما انخفض منها، وتهامة كلها من الغور، ومكة من تهامة، انتهى.
وعرف بهذا وهاء ما قاله الداودي: إن نجداً من ناحية العراق، فإنه يوهم أن نجداً موضع مخصوص وليس كذلك، بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى المرتفع نجداً، والمنخفض غوراً، انتهى ما في ((فتح الباري)).
وفي الصحيح : (( باب التعوذ من الفتن)) (50).
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يرى ترك القتال في الفتنة، ولو ظهر أن إحدى الطائفتين محقة والأخرى مبطلة.
قال الطبري: والصواب أنَّ المراد من الخير لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة، قال: وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزاباً فلا يتبع أحداً في الفرقة، ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك، خشية من الوقوع في الشر، وعلى ذلك يُنَزَّلُ ما جاء في سائر الأحاديث، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف منها.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ويؤخـذ منه ـ أي من هذا الحديث ـ ذم من جعل للدين أصلاً خلاف الكتاب والسنة، وجعلهما فرعاً لذلك الأصل الذي ابتدعوه، وفيه وجوب رد الباطل وكل ما خالف الهدى النبوي، ولو قاله من قاله من رفيع أو وضيع، انتهى.
وعن أبي بكرة قال: قال رسول الله : ((إنها ستكون فتن ألا ثم تكون فتن، القاعد خير من الماشي فيها، والماشي خير من الساعي إليها، ألا فإذا وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كان له أرض فليلحق بأرضه، فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت من لم يكن له إبل، ولا غنم، ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حـده بحجـر، ثم لينج إن استطـاع النجاء، اللهم هل بلغت ـ ثلاثاً ـ ، فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين فضربني رجل بسيفه، أو يجئ سهم فيقتلني؟ قال: يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار)) أخرجه مسلم(37).
وأورده القرطبي في تذكرته، في باب ما جاء في الفرار من الفتن(38).
وعن أبي بردة قال: دخلت على محمد بن مسلمة، فقال: إن رسول الله قال: ((إنها ستكون فتنة وفرقة واختلاف، فإذا كان ذلك فأت بسيفك أحداً فاضرب به حتى ينقطع، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منيةقاضية)) وقد وقعت، وقد فعلتُ ما قال ، أخرجه ابن ماجه(39).
وأورده القرطبي في تذكرته في باب الأمر بلزوم البيت في الفتن(40).
قال علماؤنا ـ رحمة الله عليهم ـ: كان محمد بن مسلمة ممن اجتنب ما وقع بين الصحابة من الخلاف والقتال، وأقام بالربذة، وممن اعتزل الفتنة أبو بكرة، وابن عمر، وأسامة بن زيد، وأبو ذر، وحذيفة، وعمران بن حصين،وأبو موسى، وأَهبان بن صيفى، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم، ومن التابعين: شريح، والنخعي، وغيرهما ـ رضي الله عنهم ـ.
قال القرطبي(41): وكانت تلك الفتنة والقتال بينهم على اجتهاد منهم، فكان المصيب منهم له أجران، والمخطئ له أجر، ولم يكن قتال على الدنيا فكيف اليوم الذي تسفك فيه الدماء باتباع الهوى طلباً للملك والاستكثار من الدنيا!، فواجب على الإنسان كف اليد واللسان عند ظهور الفتن، ونزول البلايا والمحن، نسأل الله السلامة والفوز بدار الكرامة.
أقول: وقد فعلتُ مثل ذلك في زمن الفساد الذي وقع في إقليم الهند بين عساكر الفرنج وحكامهم في سنة 1273 الهجرية، وابتلي ناس كثير به، وسموه الجهـاد، ولم توجد شروطه ولم يكن على منهاج الشريعة الحقة، وانتـدب لطلب الملك والرياسة فأصبحوا خاسرين، ولله الأمر مِنْ قبلُ ومِنْ بعدُ.
وفي الصحيح ((باب مَنْ كره أن يكثر سواد الفتن والظلم)) (42)، و((باب التعرب في الفتنة)) (43) أي: الإقـامة بالباديـة، وفيـه حـديث سلمة بن الأكوع: أن رسول الله ((أذن لي في البدو)) أخرجه مسلم والنسائيأيضاً(44).
ويستفاد من ((الفتح)) أن مدة سكنى سلمة بالبادية أربعين سنة(45).
ومنها حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شَعَف الجبال، ومواقع القطر يَفِرُّ بدينه من الفتن)) أخرجه الشيخان والنسائي ومالك وأبو داود(46).
والشعف: جمع شعفة كأكم وأكمة: رءوس الجبال. قال في ((الفتح)) (47): والخبر دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه، ولا يتأتى له الجهاد في سبيل الله.
وقيل: يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، واختار النووي الخلطة، لمن لا يغلب على ظنه الوقوع في المعصية، فإن أشكل الأمر فالعزلة.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي أنه قام إلى جنب المنبر فقال: ((الفتنة ها هنا، الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان، أو قال: قرن الشمس)) رواه البخاري والترمذي(48).
أشار إلى المشرق؛ لأن أهله يومئذ أهل كفر فأخبر أن الفتنة تكون من تلك الناحية، وكذا وقع فكان وقعة الجمل، ووقعة صفين، ثم ظهور الخوارج في أرض نجد والعراق وما ورائها من المشرق، وكان أصل ذلك كله وسببه قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهذا علم من أعلام نبوته .
قال في ((الفتح)) (49): أول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سبباً للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة.
وقال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة، وأصل النجد: ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور، فإنه ما انخفض منها، وتهامة كلها من الغور، ومكة من تهامة، انتهى.
وعرف بهذا وهاء ما قاله الداودي: إن نجداً من ناحية العراق، فإنه يوهم أن نجداً موضع مخصوص وليس كذلك، بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى المرتفع نجداً، والمنخفض غوراً، انتهى ما في ((فتح الباري)).
وفي الصحيح : (( باب التعوذ من الفتن)) (50).
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يرى ترك القتال في الفتنة، ولو ظهر أن إحدى الطائفتين محقة والأخرى مبطلة.
Page 9
وعن خلف بن حوشب: كانوا يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن: قال امرؤ القيس :
تسـعـى بزينتـهـا لكـل جهـول الـحــرب أول ما تكــون فتيــة
ولت عجــوزاً غير ذات حليـل حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها
مـكــروهــة للشــمِّ والتقبـيـل شمـطــاء ينكـر لونهـا وتغـيرت
رواه البخاري(51).
قال في ((الفتح)) (52): المراد بالتمثل بهذه الأبيات استحضار ما شاهدوه وسمعوه من رجال الفتنة، فإنهم يتذكرون بإنشادها ذلك، فيصدهم عن الدخول فيها حتى لا يغترو بظاهر أمرها أولاً انتهى.
ومنها حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم)) رواه البخاري ومسلم(53).
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ(54): أي: بعث كل واحد منهم على حسب عمله إن كان صالحاً فعقباه صالحة، وإلا فسيئة، فيكون ذلك العذاب طهرة للصالحين، ونقمة على الفاسقين.
وفي صحيح ابن حبان(55) عن عائشة مرفوعاً: ((إن الله تعالى إذا أنزل سطوته على أهل نقمته، وفيهم الصالحون، قبضوا معهم، ثم بعثوا على نياتهم وأعمالهم)) وقد أخرجه البيهقي في الشعب(56).
وهذا يناسب حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه سمع رسول الله يقول: ((إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب)) أخرجه الأربعة، وصححه ابن حبان(57).
والحاصـل أنه لا يلزم من الاشتراك في الموت الاشتراك في الثواب أو العقاب، بل يجازى كل أحـد بعمله على حسب نيته، وجنح ابن أبي جمرة إلى أن الذي يقــع لهم ذلك بسـبب سكوتهم عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأما من أمر ونهى فهم المؤمنـون حقـاً لا يرسل الله عليهـم العـذاب، بل يدفـع الله بهم العـذاب، ويؤيـده قوله تعالى:وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ۚ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [ القصـص: 59 ]،وقوله تعالى:وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [ الأنفـال: 33 ]، ويدل على تعميـم العـذاب بمن لم ينـه عن المنكـر، وإن لم يتعاطاه قوله تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [ النســـاء: 140 ]، ويستفـاد من هذا مشـروعيـة الهرب من الكفار، ومن الظلمـة؛ لأن الإقامـة معهـم من إلقـاء النفـس إلى التهلكـة، هذا إذا لم يعنهم ولم يرض بأفعـالهم، فإن أعـان أو رضي؛ فهو منهـم، ويؤيـده أمـر النبي بالإسـراع في الخـروج من ديار ثمـود، وأما بعثهـم على أعمالهم فحكم عـدل؛ لأن أعمـالهم الصـالحـة إنما يـجازون بها في الآخـرة، وأما الدنيا فمهمـا أصابهـم من بـلاء، كـان تكفيراً لما قدموه من عمل سيئ، فكان العـذاب المرسـل في الدنيا على الذين ظلموا يتناول من كان معهم، ولم ينكر عليهم، فكان ذلك جزاء لهم على مداهنتهم، ثم يوم القيامة يبعث كل منهم فيجازى بعمله. قاله في بهجة النفوس.
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ(58): وفي الحديث تحذير وتخويف عظيم لمن سكت عن النهي، فكيف بمن داهن؟ فكيف بمن رضي؟ فكيف بمن أعان؟ نسأل الله السلامة انتهى.
قال القرطبي في تذكرته (59): إن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على مَن رآه أن يغيره إما بيده، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه، ليس عليه أكثر من ذلك، فإذا أنكر بقلبه، فقد أدى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك.
وفي حديث أبي سعيد الخدري يرفعه: ((وذلك أضعف الإيمان)) (60) وقد جعـل الله في حكمـه وحكمتـه الـراضي بمنزلـة الفـاعل فانتظم في العقوبـة، دليلـه قوله تعالى:وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [ النسـاء: 140 ]، وروى أبـو داود(61) عن العـرس بن عميرة الكنـدي، عن النبي صلـى الله عليـه وآلـه وسلـم قـال: ((إذا عملـت الخطيئـة في الأرض كـان من شهـدهـا فكرههـا، وقال مرة: فأنكرها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمـن شهـدها)). وهذا نص في الغـرض، وحَسّنَ رجلٌ عند الشعبي قتلَ عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال الشعبي: قد شركت في دمه.
وفي صحيح الترمذي(62): ((إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده)) فالفتنة إذا عملت هلك الكل، انتهى.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين سنة، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاماً، قال: قلت: أمما بقي؟ قال: مما مضى)) أخرجه أبو داود(63).
تسـعـى بزينتـهـا لكـل جهـول الـحــرب أول ما تكــون فتيــة
ولت عجــوزاً غير ذات حليـل حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها
مـكــروهــة للشــمِّ والتقبـيـل شمـطــاء ينكـر لونهـا وتغـيرت
رواه البخاري(51).
قال في ((الفتح)) (52): المراد بالتمثل بهذه الأبيات استحضار ما شاهدوه وسمعوه من رجال الفتنة، فإنهم يتذكرون بإنشادها ذلك، فيصدهم عن الدخول فيها حتى لا يغترو بظاهر أمرها أولاً انتهى.
ومنها حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم)) رواه البخاري ومسلم(53).
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ(54): أي: بعث كل واحد منهم على حسب عمله إن كان صالحاً فعقباه صالحة، وإلا فسيئة، فيكون ذلك العذاب طهرة للصالحين، ونقمة على الفاسقين.
وفي صحيح ابن حبان(55) عن عائشة مرفوعاً: ((إن الله تعالى إذا أنزل سطوته على أهل نقمته، وفيهم الصالحون، قبضوا معهم، ثم بعثوا على نياتهم وأعمالهم)) وقد أخرجه البيهقي في الشعب(56).
وهذا يناسب حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه سمع رسول الله يقول: ((إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب)) أخرجه الأربعة، وصححه ابن حبان(57).
والحاصـل أنه لا يلزم من الاشتراك في الموت الاشتراك في الثواب أو العقاب، بل يجازى كل أحـد بعمله على حسب نيته، وجنح ابن أبي جمرة إلى أن الذي يقــع لهم ذلك بسـبب سكوتهم عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأما من أمر ونهى فهم المؤمنـون حقـاً لا يرسل الله عليهـم العـذاب، بل يدفـع الله بهم العـذاب، ويؤيـده قوله تعالى:وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ۚ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [ القصـص: 59 ]،وقوله تعالى:وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [ الأنفـال: 33 ]، ويدل على تعميـم العـذاب بمن لم ينـه عن المنكـر، وإن لم يتعاطاه قوله تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [ النســـاء: 140 ]، ويستفـاد من هذا مشـروعيـة الهرب من الكفار، ومن الظلمـة؛ لأن الإقامـة معهـم من إلقـاء النفـس إلى التهلكـة، هذا إذا لم يعنهم ولم يرض بأفعـالهم، فإن أعـان أو رضي؛ فهو منهـم، ويؤيـده أمـر النبي بالإسـراع في الخـروج من ديار ثمـود، وأما بعثهـم على أعمالهم فحكم عـدل؛ لأن أعمـالهم الصـالحـة إنما يـجازون بها في الآخـرة، وأما الدنيا فمهمـا أصابهـم من بـلاء، كـان تكفيراً لما قدموه من عمل سيئ، فكان العـذاب المرسـل في الدنيا على الذين ظلموا يتناول من كان معهم، ولم ينكر عليهم، فكان ذلك جزاء لهم على مداهنتهم، ثم يوم القيامة يبعث كل منهم فيجازى بعمله. قاله في بهجة النفوس.
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ(58): وفي الحديث تحذير وتخويف عظيم لمن سكت عن النهي، فكيف بمن داهن؟ فكيف بمن رضي؟ فكيف بمن أعان؟ نسأل الله السلامة انتهى.
قال القرطبي في تذكرته (59): إن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على مَن رآه أن يغيره إما بيده، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه، ليس عليه أكثر من ذلك، فإذا أنكر بقلبه، فقد أدى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك.
وفي حديث أبي سعيد الخدري يرفعه: ((وذلك أضعف الإيمان)) (60) وقد جعـل الله في حكمـه وحكمتـه الـراضي بمنزلـة الفـاعل فانتظم في العقوبـة، دليلـه قوله تعالى:وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [ النسـاء: 140 ]، وروى أبـو داود(61) عن العـرس بن عميرة الكنـدي، عن النبي صلـى الله عليـه وآلـه وسلـم قـال: ((إذا عملـت الخطيئـة في الأرض كـان من شهـدهـا فكرههـا، وقال مرة: فأنكرها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمـن شهـدها)). وهذا نص في الغـرض، وحَسّنَ رجلٌ عند الشعبي قتلَ عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال الشعبي: قد شركت في دمه.
وفي صحيح الترمذي(62): ((إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده)) فالفتنة إذا عملت هلك الكل، انتهى.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين سنة، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاماً، قال: قلت: أمما بقي؟ قال: مما مضى)) أخرجه أبو داود(63).
Page 10
قال الهروي: قال الحربي: ويروى ((تزول)) وكأن ((تزول)) أقرب؛ لأنها تزول عن ثبوتها واستقرارها، و((تدور)) يكون بما يحبون ويكرهون، فإن كان الصحيح سنة خمس؛ فإن فيها قام أهل مصر وحصروا عثمان، وإن كانت الرواية سنة ست، ففيها خرج طلحة والزبير إلى الجمل، وإن كانت سنة سبع ففيها كانت صفين، غفر الله لهم أجمعين.
وقال الخطابي: يريد عليه الصلاة والسلام أن هذه المدة إذا انقضت حدث في الإسلام أمر عظيم يخاف على أهله ذلك الهلاك؛ يقال للأمر إذا تغير واستحال دارت رحاه، وهذا ـ والله أعلم ـ إشارة إلى انقضاء مدة الخلافة، وقوله: ((يقم لهم دينهم))؛ أي ملكهم وسلطانهم، وذلك من لدن بايع الحسنُ معاوية إلى انقضاء بني أمية من المشرق نحو من سبعين سنة، وانتقاله إلى بني العباس.
والدين: الملة والسلطان، ومنه قوله تعالى:فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ يوسف: 76 ]؛ أي: في سلطــانـه، وقـولـه: ((تدور رحى الإسـلام)) دوران الـرحـى كنـايـة عنالحربوالقتال، شبههـا بالرحى الـدائرة التي تطحن؛ لما يكون فيها من قبـض الأرواح، وهلاك الأنفس، والله أعلـم، ذكـر ذلك القـرطبي في تذكـرتـه في ((باب ما جـاء في رحى الإسلام وما تدور)) (64).
وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: بينا النبي يخطب جاء الحسن فقال النبي : ((إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين من المسلمين)) رواه البخاري(65). والمراد فئة الحسن وفئة معاوية رضي الله عنهما، وفيه أن السيادة إنما يستحقها من ينتفع به الناس؛ لكونه علق السيادة بالإصلاح، وفيه علم من أعلام نبينا ؛ فقد ترك الحسن الملك ورعاً ورغبة فيما عند الله، ولم يكن ذلك لعلة ولا لقلة ولا لذلة، بل صالح معاوية رعاية للدين، وتسكيناً للفتنة، وحَقَنَ دماءَ المسلمين، وفي الحديث أيضاً دلالة على رأفة معاوية بالرعية وشفقته على المسلمين، وقوة نظره في تدبير الملك، ونظره في العواقب، قاله القسطلاني.
قال ابن بطال: سَلّم الحسنُ الأمر لمعاوية وبايعه على إقامة كتاب الله وسنة رسوله ، ودخل معاوية الكوفة فبايعه الناس، فسميت سنة الجماعة؛ لاجتماع الناس وانقطاع الحرب، كذا في ((الفتح)) (66).
وقال: وفي الحديث منقبة للحسن بن علي، وفيه رد على الخوارج الذين كانوا يكفرون علياً ومن معه، ومعاوية ومن معه بشهادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للطائفتين بأنهم من المسلمين، وفيه فضيلة الإصلاح بين الناس، ولا سيما في حقن دماء المسلمين.
وفيه ولاية المفضول الخلافة مع وجود الأفضل؛ لأن الحسن ومعاوية ولي كل منهما الخلافة، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد في الحياة، وهما بدريان قاله ابن التين.
وفيه جواز خلع الخليفة نفسه إذا رأى في ذلك صلاحاً للمسلمين، والنزول عن الوظائف الدينية والدنيوية بالمال، وجواز أخذ المال على ذلك وإعطائه بعد استيفاء شرائطه بأن يكون المنزول له أولى من النازل، وأن يكون المبذول من مال الباذل، وإن كان في ولاية عامة، وإن كان المبذول من بيت المال اشترط أن تكون المصلحة في ذلك عامة، أشار إلى ذلك ابن بطال.
وفيه إطلاق الابن على ابن البنت.
وقد انعقد الإجماع على أن امرأة الجد والد الأم محرمة على ابن بنته، وأن امرأة ابن البنت محرمة على جده، وإن اختلفوا في التوارث، واستدل به على تصويب رأي من قعد عن القتال مع معاوية وعلي، وإن كان عليّ أحق بالخلافة وأقرب إلى الحق، وهو قول سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة وسائر من اعتزل تلك الحروب.
وذهـب جمهـور أهـل السنـة (67) إلى تصـويب من قـاتـل مع علـي لامتثـال قوله تعـالى:وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [ الحجـرات: 9 ]، ففيها الأمـر بقتـال الفئـةالباغية، وقد ثبت أن من قاتل علياً كانوا بغاة، وهؤلاء مع هذا التصويـب متفقون على أنه لا يذم أحد من هؤلاء؛ بل يقولون اجتهدوا وأخطئوا انتهى(68).
ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لا تقوم الساعة، حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول ياليتني مكانه)) رواه الشيخان(69).
أي: كنت ميتاً، قال ابن بطال: تغبط أهل القبور وتمني الموت، وذلك عند ظهور الفتن إنما هو خوف ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله، وظهور المعاصي والمنكر، انتهى، وليس هذا عاماً في حق كل أحد، إنما هو خاص بأهل الخير، وأما غيرهم، فقد يكون لما يقع لأحدهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه، وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدينه.
ويؤيده حديث أبي هريرة يرفعه: ((لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه، ويقول: ياليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا البلاء)) رواه مسلم (70).
وفيه إيماء إلى أنه لو فعل ذلك بسبب الدين لكان محموداً، ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمور الدين عن جماعة من السلف، قال النووي: لا كراهة في ذلك، بل فعله خلائق من السلف، منهم عمر بن الخطاب، وعبس الغفاري، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم.
ثم قال القرطبي: كأن في الحديث إشارة إلى أن الفتن والمشقة البالغة ستقع حتى يخف أمر الدين ويقل الاعتناء بأمره، ولا يبقى لأحد اعتناء إلا بأمر دنياه ومعاشه نفسه وما يتعلق به، ومن ثم عظم قدر العبادة أيام الفتنة، كما أخرج مسلم والترمذي من حديث معقل بن يسار يرفعه: ((العبادة في الهرج كهجرة إلي)) (71).
وقد أخرج الحاكم(72) عن أبي سلمة قال: عدت أبا هريرة، فقلت: اللهم اشف أبا هريرة، فقال: اللهم لا ترجعها، إن استطعت يا أبا سلمة [ أن تموت ] فمت، [ فقلت يا أبا هريرة: إنا لنحب الحياة، فقال:] والذي نفسي بيده ليأتين على العلماء زمان الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر(73).
وذكر ((الرجل)) في الحديث للغالب، وإلا فالمرأة يمكن أن تتمنى الموت لذلك أيضاً.
وفي الصحيح(74)((باب تغير الزمان)) أي: عن حاله الأول حتى يعبدوا الأوثان.
وقال الخطابي: يريد عليه الصلاة والسلام أن هذه المدة إذا انقضت حدث في الإسلام أمر عظيم يخاف على أهله ذلك الهلاك؛ يقال للأمر إذا تغير واستحال دارت رحاه، وهذا ـ والله أعلم ـ إشارة إلى انقضاء مدة الخلافة، وقوله: ((يقم لهم دينهم))؛ أي ملكهم وسلطانهم، وذلك من لدن بايع الحسنُ معاوية إلى انقضاء بني أمية من المشرق نحو من سبعين سنة، وانتقاله إلى بني العباس.
والدين: الملة والسلطان، ومنه قوله تعالى:فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ يوسف: 76 ]؛ أي: في سلطــانـه، وقـولـه: ((تدور رحى الإسـلام)) دوران الـرحـى كنـايـة عنالحربوالقتال، شبههـا بالرحى الـدائرة التي تطحن؛ لما يكون فيها من قبـض الأرواح، وهلاك الأنفس، والله أعلـم، ذكـر ذلك القـرطبي في تذكـرتـه في ((باب ما جـاء في رحى الإسلام وما تدور)) (64).
وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: بينا النبي يخطب جاء الحسن فقال النبي : ((إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين من المسلمين)) رواه البخاري(65). والمراد فئة الحسن وفئة معاوية رضي الله عنهما، وفيه أن السيادة إنما يستحقها من ينتفع به الناس؛ لكونه علق السيادة بالإصلاح، وفيه علم من أعلام نبينا ؛ فقد ترك الحسن الملك ورعاً ورغبة فيما عند الله، ولم يكن ذلك لعلة ولا لقلة ولا لذلة، بل صالح معاوية رعاية للدين، وتسكيناً للفتنة، وحَقَنَ دماءَ المسلمين، وفي الحديث أيضاً دلالة على رأفة معاوية بالرعية وشفقته على المسلمين، وقوة نظره في تدبير الملك، ونظره في العواقب، قاله القسطلاني.
قال ابن بطال: سَلّم الحسنُ الأمر لمعاوية وبايعه على إقامة كتاب الله وسنة رسوله ، ودخل معاوية الكوفة فبايعه الناس، فسميت سنة الجماعة؛ لاجتماع الناس وانقطاع الحرب، كذا في ((الفتح)) (66).
وقال: وفي الحديث منقبة للحسن بن علي، وفيه رد على الخوارج الذين كانوا يكفرون علياً ومن معه، ومعاوية ومن معه بشهادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للطائفتين بأنهم من المسلمين، وفيه فضيلة الإصلاح بين الناس، ولا سيما في حقن دماء المسلمين.
وفيه ولاية المفضول الخلافة مع وجود الأفضل؛ لأن الحسن ومعاوية ولي كل منهما الخلافة، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد في الحياة، وهما بدريان قاله ابن التين.
وفيه جواز خلع الخليفة نفسه إذا رأى في ذلك صلاحاً للمسلمين، والنزول عن الوظائف الدينية والدنيوية بالمال، وجواز أخذ المال على ذلك وإعطائه بعد استيفاء شرائطه بأن يكون المنزول له أولى من النازل، وأن يكون المبذول من مال الباذل، وإن كان في ولاية عامة، وإن كان المبذول من بيت المال اشترط أن تكون المصلحة في ذلك عامة، أشار إلى ذلك ابن بطال.
وفيه إطلاق الابن على ابن البنت.
وقد انعقد الإجماع على أن امرأة الجد والد الأم محرمة على ابن بنته، وأن امرأة ابن البنت محرمة على جده، وإن اختلفوا في التوارث، واستدل به على تصويب رأي من قعد عن القتال مع معاوية وعلي، وإن كان عليّ أحق بالخلافة وأقرب إلى الحق، وهو قول سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة وسائر من اعتزل تلك الحروب.
وذهـب جمهـور أهـل السنـة (67) إلى تصـويب من قـاتـل مع علـي لامتثـال قوله تعـالى:وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [ الحجـرات: 9 ]، ففيها الأمـر بقتـال الفئـةالباغية، وقد ثبت أن من قاتل علياً كانوا بغاة، وهؤلاء مع هذا التصويـب متفقون على أنه لا يذم أحد من هؤلاء؛ بل يقولون اجتهدوا وأخطئوا انتهى(68).
ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لا تقوم الساعة، حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول ياليتني مكانه)) رواه الشيخان(69).
أي: كنت ميتاً، قال ابن بطال: تغبط أهل القبور وتمني الموت، وذلك عند ظهور الفتن إنما هو خوف ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله، وظهور المعاصي والمنكر، انتهى، وليس هذا عاماً في حق كل أحد، إنما هو خاص بأهل الخير، وأما غيرهم، فقد يكون لما يقع لأحدهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه، وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدينه.
ويؤيده حديث أبي هريرة يرفعه: ((لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه، ويقول: ياليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا البلاء)) رواه مسلم (70).
وفيه إيماء إلى أنه لو فعل ذلك بسبب الدين لكان محموداً، ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمور الدين عن جماعة من السلف، قال النووي: لا كراهة في ذلك، بل فعله خلائق من السلف، منهم عمر بن الخطاب، وعبس الغفاري، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم.
ثم قال القرطبي: كأن في الحديث إشارة إلى أن الفتن والمشقة البالغة ستقع حتى يخف أمر الدين ويقل الاعتناء بأمره، ولا يبقى لأحد اعتناء إلا بأمر دنياه ومعاشه نفسه وما يتعلق به، ومن ثم عظم قدر العبادة أيام الفتنة، كما أخرج مسلم والترمذي من حديث معقل بن يسار يرفعه: ((العبادة في الهرج كهجرة إلي)) (71).
وقد أخرج الحاكم(72) عن أبي سلمة قال: عدت أبا هريرة، فقلت: اللهم اشف أبا هريرة، فقال: اللهم لا ترجعها، إن استطعت يا أبا سلمة [ أن تموت ] فمت، [ فقلت يا أبا هريرة: إنا لنحب الحياة، فقال:] والذي نفسي بيده ليأتين على العلماء زمان الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر(73).
وذكر ((الرجل)) في الحديث للغالب، وإلا فالمرأة يمكن أن تتمنى الموت لذلك أيضاً.
وفي الصحيح(74)((باب تغير الزمان)) أي: عن حاله الأول حتى يعبدوا الأوثان.