eKtab
EN ع
الموجة الجديدة في السينما الفلسطينية
Read free sample

الموجة الجديدة في السينما الفلسطينية

by عنان بركات

Page 1
إهداء:
 
 لم يكن بوسعي إلا أن أهدي هذا الكتاب الأول لي عن السينما الفلسطينية لعدة شخصيات رأيت في فنهم وفكرهم مدرسة راقية وإبداع يمكن الحوار معه دون أن يصرخ بوجهك، فاللغة الفنية في أعمالهم بسيطة رغم الاختلاف السياسي والوطني. و كسينمائي فلسطيني درس في تل أبيب التي لم يذكر فيها أسم مصطفى أبو علي, وجب علي أن أحمل ثقافة الإصغاء السينمائية والفكرية معي في هذا الكتاب وأن أضع أمامي سينمائي يهودي تعلمت من إبداعه الكثير كما تعلمت من الفلسطيني.. والفرنسي.. والياباني..فهذا الكتاب هو الأول على الإطلاق يصدر في مناطق ال48 وينشر كدراسة أكاديمية تختص بتحليل السينما الفلسطينية ونقد السينما الإسرائيلية. 
 
 
 
أهدي هذا الكتاب الى أمير السينما الفلسطينية.. الزميل.. الصديق.. الأب.. الإنسان.. المعلم.. السينمائي الفلسطيني **مصطفى أبو علي  مؤسس "جماعة السينما الفلسطينية".. عندما التقيت به حين كنت بالعشرينيات من عمري علمني ثقافة الإصغاء الى السينما كي أتعلم منها صناعة سينما جيدة.. الى من علمني بقولة "علينا أن نعمل على صناعة سينما فلسطينية مستقلة بالإمكانيات الموجودة كي تكون سينما ناجحة".. إلى من أعترف بحب بوجود "سينما فلسطينية جديدة" وبأجيال سينمائية شابة مليئة بالفكر والإبداع الإنساني.. قبلها تنازلت قليلاً عن نضالك لفرض رؤية سينمائية ولغة سينمائية فلسطينية ثورية لتكون "مدرسة" ومرجع, لكن حين طُلب منك كنت كريماً حتى مع من هم ليسوا أهلاً لذلك وبثقة تقدمت نحو المبادرة لنقل تأريخ شفوي عن السينما الفلسطينية خاصة بعد فقدان أرشيف السينما الفلسطينية ومقتل سلافه جاد الله وهاني جوهرية وبعدها تنازلت قليلاً.. إلى من كان يحمل فلسطين في عينية الساهرتين على المشهد الفلسطيني النقي من السياسة والرياء.. لن أثقل عليك عزيزي المرحوم مصطفى فهذا سيبقى إهداء لأول كتاب أصدره عن السينما الفلسطينية.. لكن كطفل فقد أباة.. فهكذا الحال بالنسبة لي لأنني فقدت أباً. لن أفرح بسفري إلى رام الله وأنا أحمل إلية نسخة من كتابي لأهديه إياها.. سأظل عند الوعد باستمرار تطوير السينما الفلسطينية وكل ما يدور حولها وداخلها.. فحين قلت لي "أنت تحمل هماً سينمائياً" أصابتني حالة رعب من حجم ثقافتك وصفاء قلبك وفكرك.. فكنت وما زلت أمير السينما الفلسطينية.
 
وأهديه إلى *دافيد برلوف عبقري السينما الإسرائيلية رائد "جماعة الحس الجديد"(هريجيشوت هحداشاة).. السينمائي الذي لم ينطق الفكر بل صنعة سينما.. والذي لم ينتقد اليهودي الصهيوني بل وضعة في إطار صورة سينمائية فنية تعبر عن موقف ثقافي سياسي لم يصنعه الكثيرون من السينمائيين الإسرائيليين كي يصبح الشخص الوحيد الذي فكر بعمق بمشكلة السينما العالمية ومشاكل السينما الإسرائيلية التي دمرتها السياسة والأفكار المسبقة حتى في مدرسة برلوف فأهدي هذا الكتاب له.
Page 2
وأهديه إلى جان لوك جودار من مؤسسي "الموجة الجديدة في السينما الفرنسية", من حلم أن تلتقي الأدمغة السينمائية مثل مصطفى أبو علي، محمود درويش، ودافيد برلوف لنصرة القضية الفلسطينية, لكنهم لم يجتمعوا للأسف لعمل سينمائي واحد.. ميتافيزيقا سينمائية غير تطبيعية ترتقي بالحس الإنساني والحرية.. عدم الاضطهاد والكراهية.. الجمال والحقيقة التي ماتت مع موت الصورة حين ولدت الكاميرا قبل أكثر من 100 عام وحاولت أن تصور حقيقة الشر, فكان الشر هو الأذكى وأستخدم الكاميرا ليعبث بها.
 
وأهديه إلى المرحوم الشاعر محمود درويش الذي التقى بجميع الثقافات لمذكورة وأثر تأثيراً مباشراً على السينما الفلسطينية برموزها الثقافية والإبداعية فكون صورة سينمائية شعرية لم يستطع أحداً اختراقها حتى جان لوك جودار عندما التقى درويش في باريس.
 
الكتب النقدية والتاريخية المتخصصة في العالم تستقي معلوماتها بعيداً عن فلسطين المحتلة عام 1948 لكن نحن نأتي من خلال هذه الدراسة لنضع بين يديك أول كتاب يكتب من داخل المجتمع الفلسطيني الذي يعيش في دولة إسرائيل والذي احتك بعمق بثقافة الآخر الصهيوني أو الإسرائيلي ويلغي حاجز المعلومات الشحيحة لدى الفلسطيني في المهجر والعالم أجمع.
 
نأمل من خلال هذا الكتاب أن يكون تواصل بين أجيال السينما الفلسطينية في جميع أنحاء العالم والانفتاح على السينما العالمية من موقف قوة وإدراك فكري فلسطيني بحت.
 
____________________________
 
*دافيد برلوف: 1930 – 2003 ولد في البرازيل, وفي عام 1958 أنتقل إلى إسرائيل وأكمل عملة السينمائي بمعزل عن المؤسسة الإسرائيلية والبيروقراطيا, من أهم أعمالة السينمائية الفيلم الوثائقي"يوميات".  
 
**مصطفى أبو علي: 1940 - 2009 مخرج سينمائي فلسطيني يعتبره العديد مؤسس سينما الثورة الفلسطينية من أهم أعمالة "لا للحل السلمي".  
Page 3
 بدايات وتأسيس السينما الفلسطينية – بين السياسة والعبثية
 
 
 
الباب الأول: بدايات السينما الفلسطينية وتأسيس وحدة السينما في حركة فتح في بيروت.
 
الباب الثاني: السينما الفلسطينية المستقلة في المهجر.
 
الباب الثالث: أحاديث البدايات في السينما الفلسطينية كما أوردها بشار إبراهيم.
Page 4
بدايات السينما الفلسطينية وتأسيس وحدة السينما في حركة فتح في بيروت
 
بدايات السينما الفلسطينية
 
تعريف: السينما الفلسطينية هي الأفلام السينمائية التسجيلية والروائية التي أنتجها العرب الفلسطينيون في فلسطين التاريخية قبل عام 1948 أو تلك التي أنتجها الفلسطينيون بعد1948 في فلسطين والشتات. يدخل في السينما الفلسطينية الأفلام التي أنتجها أشخاص من عرب الداخل الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية خاصة إذا تناولت القضية الفلسطينية.
 
الأفلام التي أنتجتها الحركة الصهيونية في فلسطين قبل 1948 لا تعتبر أفلاما فلسطينية.
 
تسلسل تأريخي: تعود بدايات السينما الفلسطينية إلى ثلاثينات القرن العشرين ولم يكن تعريفها "سينما فلسطينية" بل كان سينما عن فلسطين, وقد كانت البدايات مبادرات فردية لبعض الأشخاص الذين اقتنوا معدات سينمائية وقاموا بتصوير أفلام.
 
من بين الرواد كان إبراهيم حسن سرحان الذي قام عام 1935 بتصوير فيلم مدته 20 دقيقة عن زيارة الملك عبد العزيز آل سعود لفلسطين وتنقله بين اللد ويافا. كما قام بصنع فيلم روائي بعنوان "أحلام تحققت" (بالاشتراك مع جمال الأصفر) وفيلم وثائقي عن عضو الهيئة العربية العليا أحمد حلمي عبد الباقي. بعد هذه البداية قام إبراهيم سرحان بتأسيس "أستوديو فلسطين" وقام بإنتاج فيلم روائي بعنوان "عاصفة في بيت" وأنتج بعض الأفلام الإعلانية القصيرة إلى أن نزح إلى الأردن عام 1948.
 
رائد آخر كان أحمد الكيلاني الذي درس السينما إخراجاً وتصويراً في القاهرة، حيث تخرج عام 1945. عاد الكيلاني إلى فلسطين ليؤسس مع جمال الأصفر وعبد اللطيف هاشم "الشركة العربية لإنتاج الأفلام السينمائية". ولجأ بعد النكبة إلى الأردن، حيث استقر فيها وعمل في المجال السينمائي. أما جمال الأصفر فاستقر في الكويت. تذكر بعض المصادر نقلاً عن الكيلاني: أن فيلم "أحلام تحققت" من إخراج خميس شبلاق، وليس سرحان وأن أول فيلم روائي فلسطيني في فلسطين هو "حلم ليلة" من إخراج صلاح الدين بدرخان سنة 1946، حيث عرض في القدس ويافا وعمان وبلاد أخرى
Page 5
محمد الكيالي هو سينمائي فلسطيني آخر مارس العمل السينمائي في الأربعينات وقام بإنتاج بعض الأفلام القصيرة قبل 1948. كان الكيالي قد سافر إلى إيطاليا لدراسة السينما، وبعد عودته تعاون مع مكتب الجامعة العربية، الذي كلفه بإخراج فيلم عن القضية الفلسطينية، الذي لم ينجز بدوره بسبب نكبة 1948. وقد تمكن الكيالي من إنتاج فيلم روائي طويل عام 1969 يدعى "ثلاث عمليات في فلسطين".
 
تجدر الإشارة أن البعض يعيد بدايات السينما الفلسطينية إلى الأخوين إبراهيم وبدر الأعمى، واللذان عرفا فيما بعد بالأخوين لاما وهما ابنان لوالدين فلسطينيين هاجرا من بيت لحم إلى تشيلي في مطلع القرن العشرين. عام 1926 يقرر الأخوان الاتجاه إلى فلسطين وإنشاء صناعة سينمائية هناك، فأخذا معهما معدات سينمائية وتوجها إلى فلسطين في الباخرة، وفي فلسطين حاولا تصوير فيلم في مدينة يافا، لكن سلطات الانتداب البريطاني أعاقت عملهما، فحاولا مرة أخرى تصوير فيلم تدور أحداثه ما بين مدينتي بيت لحم والقدس، لكن سلطات الانتداب البريطاني أعاقت عملهما مرة ثانية فاضطرا أن يتوجها إلى مصر وقررا البقاء في مدينة الإسكندرية. يعيد الباحثون قرارهما إلى الأوضاع السياسية غير المستقرة في فلسطين من ناحية والجو الثقافي في الإسكندرية من ناحية أخرى. في الإسكندرية أسس الأخوان لاما "نادي مينا فيلم" السينمائي، وبعد ذلك شركة "كوندور فيلم" والتي أنتجت أول فيلم عربي قبلة في الصحراء الذي عرض في مايو 1927 في سينما كوزموغراف. وقد أنتجت هذه الشركة 62 فيلماً طويلاً حتى العام 1951. 
 
 
 
ظهور السينما الفلسطينية ما بعد النكبة: بالرغم من الشتات الفلسطيني إلا أن الفلسطينيون نجحوا في إنشاء أجسام عملت على إنتاج أفلام وخاصة في فترة ما بعد الستينات، ارتبطت بمجملها بالثورة الفلسطينية، منها مؤسسة السينما الفلسطينية ووحدة السينما التابعة لقسم التصوير الفوتوغرافي في فتح وجماعة السينما الفلسطينية. وجهدت على تصوير الفلسطيني الجديد ودفع القضية إلى وعي العالم. من أهم سينمائيي تلك الفترة مصطفى أبو علي, سلافه جاد الله ، وهاني جوهرية.
Page 6
تأسيس ونشأة وحدة أفلام فلسطين
 
عام 1967 بدأت سلاف جاد الله، خريجة المعهد العالي للسينما في القاهرة بالتقاط صور للثورة الفلسطينية خاصة لشهداء الثورة وتحميضها وحفظها في بيتها عام1968 وبفضل علاقاتها مع قيادات فتح نجحت بمشاركة مصطفى أبو علي وهاني جوهرية بتأسيس قسم التصوير الفوتوغرافي التابع لحركة فتح وكان مقره في عمان. كان هدف قسم التصوير الرسمي، كما صاغه أحد قياديي فتح، توثيق الأحداث المتعلقة بالثورة الفلسطينية وتقديم الخدمات للصحافة، وقد اعتبر أنه من المبكر لأوانه البدء بالتصوير السينمائي. رغم ذلك فقد كان مصطفى أبو علي يستعير من مكان عمله كاميرا 16 ملم وأفلام تصوير ليقوم هو وهاني جوهرية بتوثيق الأحداث من اجتماعات ومظاهرات ونشاطات اجتماعية وسياسية، وبذلك بدأت وحدة السينما داخل قسم التصوير وقد أعيد تسمية هذه الوحدة لاحقا بوحدة أفلام فلسطين.
 
عام 1969 قام مصطفى أبو علي وهاني جوهرية بتصوير مظاهرات الفلسطينيين في الأردن المعارضة لمبادرة روجرز وقاما بتسجيل مقابلات مع بعض المتظاهرين ومعارضي المبادرة. بعد تجميع المواد ووضع الإطار العام للفكرة تمت الاستعانة بصلاح أبو هنود في الإخراج. وكانت النتيجة فيلم "لا للحل السلمي" وهو فيلم تسجيلي مدته 20 دقيقة يعتبر أول أفلام الثورة الفلسطينية السينمائية. ينسب هذا الفيلم عادة إلى مصطفى أبو علي إلا أنه في الحقيقة عمل مشترك مع هاني جوهرية وصلاح أبو هنود وآخرون.
 
عام 1970 جاء إلى الأردن المخرج الفرنسي البارز جان-لوك غودار تحت رعاية منظمة فتح لتصوير فيلم بعنوان "حتى النصر" فزار مخيمات اللاجئين وصور فيها كما التقى بعدد من السينمائيين الفلسطينيين ومن ضمنهم مصطفى أبو علي الذي رافقه وساعده في التصوير. بعد مغادرة غودار بعدة أشهر اندلعت أحداث أيلول الأسود ولم يكمل غودار فيلمه لكنه استخدم هذه المواد لاحقا في فيلمه من هنا وهناك الذي أنتج عام 1976.
 
 
 
خلال أيلول الأسود قام الثنائي مصطفى أبو علي وهاني جوهرية بتصوير الأحداث وقد اضطرا إثرها والعديد ممن كانت لهم علاقة بمنظمة التحرير الفلسطينية إلى مغادرة الأردن إلى لبنان وكان مصطفى أبو علي من بينهم. بسبب منع السلطات الأردنية الفلسطينيين نقل المواد المصورة من حدودها، قام ياسر عرفات بنفسه بنقل المواد إلى القاهرة حيث عرضت مقاطع منها في قمة جامعة الدول العربية الاستثنائية حول أحداث أيلول الأسود. وفي عام 1971 قام مصطفى أبو علي باستخدام هذه المواد لإخراج فيلمه "بالروح بالدم"
Page 7
جماعة السينما الفلسطينية في بيروت بداية ونهاية
 
في بيروت ساهم مصطفى أبو علي بتأسيس جماعة السينما الفلسطينية التي انضمت لمؤسسة الأبحاث الفلسطينية وقد أنتجت هذه المجموعة فيلما واحدا هو مشاهد من الاحتلال في غزة عام 1973 من إخراج مصطفى أبو علي قبل أن تتفكك الجماعة في ذلك العام. لكن مصطفى أبو علي استمر بالعمل في إطار مؤسسة السينما الفلسطينية التابعة للإعلام الموحد لمنظمة التحرير الفلسطينية، وقد شغل منصب رئيس هذه المؤسسة حتى عام 1980.
 
رغم إخراجه الأفلام الوثائقية إلا أنه قرر محاولة إخراج فيلم روائي وكتب سيناريو للفيلم مستوحى من حياة رشاد أبو شاور واتفق على تمويله مع حكومة الجزائر إلا أن التجربة لم تتم بسبب اعتراض قيادة م.ت.ف. وبعدها أراد تحويل رواية إميل حبيبي المتشائل إلى فيلم وكتب له سيناريو والتقى مع إميل حبيبي في تشيكوسلوفاكيا وعرض عليه السيناريو لكن الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 أوقف المشروع.
Page 8
جماعة السينما - لبنان سوريا إلى الأردن حتى المحطة الأخيرة في رام الله 
 
عام 1969 يحدث التحول الأول وينشأ "الجيل الأول للسينما الفلسطينية" من خلال فيلم "لا للحل السلمي" الفيلم الفلسطيني الأول الذي كان بمثابة مشروع سينمائي فلسطيني يحمل رؤية فنية وفكر سياسي مستقل وليس مجند عن طريق أي جهة سياسية, التحول سيحدث في الرؤية السينمائية الفلسطينية الذي سبقه في نهاية الستينيات تحول سياسي فلسطيني بين صفوف منظمة التحرير فقد أثر ذلك التحول على زعزعة الموقف الفلسطيني ولا شك الموقف الفلسطيني السينمائي التوثيقي فوحدة التصوير الفوتوغرافي ووحدة الأفلام والسينما قامت على أساس سياسي أولاً من قبل المنظمة,  وأدت هذه الزعزعة إلى عدم الحفاظ على رؤية الثلاثية من ناحية لغة سينمائية ثورية قد بدأت بالنمو خارج الإطار السياسي, كما وردت منذ بدايتها كسينما ثورة أو وحدة توثيق المشهد الفلسطيني السينمائي من قلب الحدث, ولربما تنازل مصطفى أبو علي عن بعض الأمور كان بسبب فقدانه الحماية أو المؤسسة التي ترعى هذه الرؤية السينمائية, أو لربما وحدته وفقدانه باقي أعضاء المجموعة ومن أهمهم أصدقاءه وزملائه سلافه جاد الله وهاني جوهرية, وهذا التنازل التدريجي قد أضعف العمل السينمائي الفلسطيني وأعاده عشرات السنين إلى الوراء.. أنتقل مصطفى أبو علي إلى سوريا حيث قضى ستة أشهر أجهدته فيها السلطات المختلفة حتى منحته السلطات الأردنية تأشيرة دخول إلى أراضيها. في الأردن أسس عام 1984 مؤسسة بيسان للسينما التي شغل رئاسته. وبعد اتفاقيات أوسلو عاد إلى الأراضي الفلسطينية وقام مصطفى أبو علي عام 2004 بإعادة تأسيس جماعة السينما الفلسطينية بشكل مستقل وبدون أي دعم مؤسساتي فلسطيني وبدأ بتجميع القوى السينمائية الفلسطينية والمؤسسات الإعلامية لكن الهم السينمائي لم يكن بنيوياً ومدروساً بل استمرت التعددية والأعمال السينمائية الفردية.
Page 9
 السينما الفلسطينية المستقلة في فلسطين والمهجر تسلسل زمني 
 
السينما الفلسطينية المستقلة
 
عام 1980 يحدث التحول الثاني وينشأ "الجيل الثاني للسينما الفلسطينية"  في نفس الفترة تقريباً ومن خلال التأثر بالوضع الفلسطيني العام يبقى الفلسطيني في المناطق المحتلة عام 1948 في حيرة دائمة, ونعود إلى عام 1978 حين يبرز بشكل مفاجأ ميشيل خليفي مخرج فلسطيني شاب في التلفزيون البلجيكي ويعد العديد من التقارير التلفزيونية عن الأراضي الفلسطينية المحتلة ولم يذكر بالتأكيد أنة كان هناك توثيق أو نقد ذاتي للأراضي في مناطق ال48 بل كان التركيز على مناطق الضفة والقطاع أكبر, ويبدأ هنا المخرج ميشيل خليفي بدعم وتمويل من عدة جهات كتابة سيناريو لفيلم "الذاكرة الخصبة" الذي دمج أسلوب الوثائقي والدرامي سوياً, وقد كان هذا أول خطأ فادح يرتكبه مخرج فلسطيني يحمل جنسية إسرائيلية ويبدأ مسيرة السينما الفلسطينية المستقلة بعمل سينمائي يختفي من وراء كواليس الدراما.. أو عمل سينمائي درامي يستعين بالمشهد الوثائقي.. هنا وفي عام 1980 يعود إلي الناصرة ليصور فيلم "الذاكرة الخصبة" كما قال في بعض اللقاءات أنة "يصنع سينما فلسطينية جديدة.. مستقلة.. يخاطب فيها إنسان القضية وليس القضية بمطلقها.. وأحد المحاور المركزية لعملة السينمائي والسردي الروائي ذاكرة المكان واعتبره بطلا خفيا في أفلامه". دخل التحول بقوة وبدون تنظير أكاديمي وجدي كما فعل بعض السينمائيين العالميين أمثال جان لوك جودار وزملائه في "موجة السينما الفرنسية الجديدة" بأنهم صنعوا سينما وكتبوا من حولها فأصبحت حركة فكرية متينة أولاً ثم حركة إبداعية سينمائية تحمل قضية.. وهذا الخطأ الثاني الذي فعلة المخرج ميشيل خليفي أنه لم يكتب عن أهمية العمل الفلسطيني السينمائي المستقل الأول مقابل حركة التأريخ الفلسطيني وما حدث مع مجموعة السينمائيين الفلسطينيين في بيروت وتفكك الرؤية السينمائية والسياسية .. يحدث هنا شرخ حقيقي داخل السينما الفلسطينية وبين أفرادها ويتطور الانقطاع حتى يصل إلى الأجيال اللاحقة.. فتُحدث الحركة السينمائية قلقاً فنياً وسياسياً يمتد حتى يومنا هذا وقد انبثقت منه حركة سينمائية برجوازية بلغتها الفنية, وأنثروبولوجية بنظرتها على المكان والإنسان الفلسطيني.. ولا شك أنها ليست مستقلة لأنها لم تتعامل مع التمويل كشيء هامشي وعديم الأهمية فالمخرج الفلسطيني حتى اليوم يريد تصوير فيلمه بأحدث المعدات وبإستيتيكا وجماليات متعالية عن الحد الأدنى وهذا يحدث تناقض مع لغته السينمائية لاحقاً، وتأسس جيل ثاني للسينما الفلسطينية بسرعة كبيرة جداً خلال أقل من عشر سنوات فيستمر المخرج الفلسطيني ميشيل خليفي بالعمل السينمائي من خلال فيلم "معلول تحتفل بدمارها" عام 1985 وفيلم "عرس الجليل" عام 1987 ويعتبر أول فيلم روائي فلسطيني، وتظهر الشراكة الفعلية في هذه الأعوام مع المنتج والمخرج جورج خليفي الذي سيبرز على مدى الأعوام القادمة كشخص يعمل في الإنتاج, التمثيل, الكتابة, التدريس الأكاديمي, الإخراج ومشاريع سينمائية فلسطينية متنوعة وسينمائية مشتركة مع مؤسسات وجهات خاصة. 
Page 10
وانتقالا إلى بيروت عام 1982 حيث تعمل هناك مي المصري مخرجة فلسطينية بدأت عملها السينمائي مع المخرج والمنتج جان خليل شمعون(من مؤسسي السينما اللبنانية الجديدة), قامت مي المصري بالانشغال التام بالقضية الفلسطينية من خلال عدسة الكاميرا وبواسطة أدوات السينما حيث قامت على إنتاج وإخراج العديد من الأفلام الوثائقية مع جان خليل شمعون صديق زياد الرحباني ورفيق دربة ببعض الإبداعات الصوتية في أعمالهم السينمائية, يصبح جان خليل شمعون زوجها وشريكها الفعلي في العمل السينمائي الفلسطيني, ومن خلال حديثي الهاتفي معها ومع جان في بيروت اكتشفت مدى عمق طرحهم الثقافي في المركز الأول بجانب طرحهم السياسي للقضية الفلسطينية بإنسانها ومكانها ويبقى التباعد عن المكان الفلسطيني والوطن الأصلي نقطة ضعف أساسية في العمل السينمائي الذي لم يستطيع التواصل بموضوع جديد غير موضوع "الضحية الفلسطينية والمكان المسلوب", تعتبر مي المصري أول مخرجة فلسطينية فعالة وناشطة بعد سلافه جاد الله من وحدة الأفلام وجماعة السينما الفلسطينية ولم تأخذ النشاط السينمائي النسائي أو النسوي لمكان أبعد من كونها سينمائية فلسطينية مثقفة تعمل من قلب المجتمع لتعرض قضية الشعب الفلسطيني والظلم الذي حل به إلى العالم, فلم تتأسس أي منظومة فكرية لتأسيس عمل جماعي سينمائي فلسطيني أو عمل جماعي نسوي سينمائي فلسطيني كي يكون استمرارا أو يحذو حذو ما قامت به سلافه جاد الله عندما دعت وحاربت على إقامة وحدة تصوير ووحدة أفلام فلسطينية داخل فتح في نهاية الستينات.
 
 
 
ويظهر في هذه الفترة المخرج الفلسطيني علي نصار الذي لم يؤثر كثيراً على تطور الحركة السينمائية الفلسطينية من خلال عملة ولم يركز في عملة على العمل السينمائي فقد قدم أعمال مسرحية في نفس الفترة وقد أخرج عدة مسرحيات وأفلام بعد أن أنهى دراسته في موسكو وعاد إلى بلده في فلسطين المحتلة عام 1948 وكان تواصله السينمائي قليلاً مع باقي السينمائيين الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وفي المهجر، وتواصل باقي السينمائيين مع بعضهم كان أيضاً غير وارد تقريباً إلا في حالات نادرة لعمل سينمائي مشترك فلم تتكون منذ بداية عمل الجيل الثاني للسينمائيين الفلسطينيين حتى اليوم أي مجموعة سينما فلسطينية أكاديمية ومهنية جدية تراقب وتساهم في دفع عجلة السينما الفلسطينية نحو مستقبل أفضل ونحو تطور أجيال سينمائية، فكان على الأغلب عمل فردي(1).