Page 1
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء وسيد المرسلين. اللهم وصلى وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وصحابته أجمعين ، ومن دعا بدعوته، واهتدى بهديه إلى يوم الدين .
وبعد :
فهذا دليل موجز ، إلى أبرز مراجع ترجم العلماء ، والأدباء ، والمصنفين في كل فن فنون التراث العربي ، على اختلاف مناهج هذه المراجع ، مع ذكر شيء من كتب الضبط والتقييد ، وكتب البلدان (الجغرافيا) ، ومراجع الكتب والمصنفات (المراجع الببليوجرافية) التي تعين على رصد حركة التأليف العربي ، ومعرفة ساره عبر القرون والأزمان ، وكتب تعريفات العلوم ومصطلحاتها .
وقد وضعت هذا الدليل الموجز لطلبة الدراسات العليا ، الذين يؤودهم جمع مادتهم التاريخية ، والتهدى إلى توثق الكتب والمصنفات ، من مصادرها ومظانها .
ولقد كنت أسأل بين الحين والحين عن شيء من ذلك ، فأجيب بما يفتح الله به علي ، ومع كثرة السؤال كنت أجد أسى ، وأحس ألماً لما تردى فه طلبة العلم ، من جهل بتاريخ أمتهم، وعلومها وآدابها ومعارفها ، وتبوءُ بإثمه مناهج الدراسة في جامعاتنا العربية ، التي لا تكاد تعنى بإبراز هذا الجانب وتجليته ، إلى أسباب أخرى من القهر والمسخ والتشويه ، وتفريغ العقول التي يتعرض لها أبناؤنا فيما يقرأون وفيما يسمعون .
نعم ، لقد تعرض أبناء هذا الجيل لسيل طاغ وموجات متلاحقة ، من التشكيك في ثراتهم وأيامهم : فالشعر الجاهلي غموض وانتحال ، وتفسير القرآن مشحون بالإسرائيليات ، والحديث ملئ بالوضع والضعف ، والنحو تعقيد وتأويلات ، والصرف فروض ومتاهات ، والبلاغة تكلف وأصباغ ، والعروض قيود ودوائر تدير الرأس ، والتاريخ صنع للحكام والملوك ، ولم يرصد نبض الشعوب وأشواقها .
ومن وراء ذلك كله ، فاللغة العربية عاجزة عن مسايرة ركب الحضارة ؛ لقصورها عن التعبير عن العلوم التطبيقية والكونية ؛ لأنها لغة شعر وبيان .
يسمع أبناؤنا هذا كله عالياً مدويا ، وتتجاوب أصداؤه المترنحة من أحلاس المقاهى ، إلى قاعات الدرس الجامعي ، ولا يستطيع الشباب لذلك دفعاً ولا رداً ؛ لغرارتهم وجهلهم وقلة حيلتهم ؛ ولأن كل هذه السموم إنما تساق في ثياب مزركشة ، من المنهجية والموضوعية ، والتفكير العلمي ، وحركة التاريخ ، والموقف الحضاري ، والشمولية . ولا يعرف أثر هذه الألفاظ الغامضة المبهمة إلا من ابتلى بشرها ، وصلى جمرتها ، ووجد مسها ، وكل ذلك عرفت ، إذا كنت في طراءة الصبا وأوائل الشباب ، تستهويني هذا الأضاليل ، وتتلعب كتلعب الأفعال بالأسماء ، على ما قال أبو تمام ، وأحسب أن كثيراً من أبناء جيلي قد وقعوا في هذا المهوى السحيق .
وكان أكثر هذه الأصوات دويا ، وأشدها فتكا ، تلك التي انبعثت من داخل درس الأدب في جامعاتنا العربية . فمن خلال الثرثرة حول نظريات غربية في الأدب ، وتطويع الأدب العربي ، وإخضاعه لها ، وتطاير شرر كثيرة ، حاول أن يأتي على تراث عربي عريق للكلمة العربية؛ شعراً منظوماً حمل أنغاماً جليلة ، وكلاماً منثوراً أبان عن أدق أسرار النفس وخلجات الروح .
ثم كان أن غرق طلبة العلم في قضايا فارغة ، بدءاً من الوحدة الموضوعية والمعاناة ، والتجربة الشعرية ، وتراسلا الحواس ، والمونولوج الداخلي ، والدفقة الشعورية ، والتعبير بالصورة ، والألفاظ الموحية ، والشعر المهموس ، وأدب الفرض والعبث ، وانتهاءً بالحداثة والمعاصرة ، التي تشغل بالهم هذه الأيام .
Page 2
وكانت المحنة فيما أثير حول "الرمز" في الأدب ، الذي ألقى سدولاً كثيفة كئيبة على البين الذي هو أشرف ما وهبه الله للإنسان ، وخضع النص الأدبي تحليلاً ودرساً لتلك الرموز" اليونانية المتمرغة في أوحال الأساطير ، وهي رموز وثنية المنابت والأصول تجعل الحياة البشرية جحيماً مستعراً من الخطايا والذنوب والآثام ، وتحليل الهم الشريف ظلمة مطبقة على القلب والنفس ، والقلق السامي تدميراً لبنيان الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، سبحانه وتعالى" على ما قال شيخنا محمود محمد شاكر . والرمز عنده ضرب من الجبن اللغوي . يقول حفظه الله :
"فاللغة إذا اتسمت بسمة الجبن كثر فيها "الزمر" وقل فيها الإقدام على التعبير الصحيح الواضح المفصح . ولا تقل إن "الكناية" شبيهة بالرمز ، فهذا باطل من قبل الدراسة الصحيحة لطبيعة "الزمر" وطبيعة "الكناية" . و "المجاز" . وأنا أستنكف من "الرمز" في العربية ؛ لأن للعربية شجاعة صادقة في تعبيرها ، وفي اشتقاقها ، وفي تكوين أحرفها ، ليست للغة أخرى . وإذا كانت اللغة هي خزانة الفكر الإنساني ، فإن خزائن العربية قد ادخرت من نفيس البيان الصحيح عن الفكر الإنساني ، وعن النفوس الإنسانية ، ما يعجز سائر اللغات ، لأنها صفيت منذ الجاهلية الأولى المعرفة في القدم ، من نفوس مختارة بريئة من الخسائس المزرية ، ومن العلل الغالبة ، حتى إذا جاء إسماعيل نبي الله ، ابن إبراهيم خليل الرحمن ، أخذها وزادها نصاعة وبراعة وكرما ، وأسلمها إلى أبنائه من العرب ، وهم على الحنيفية السمحة دين أبيهم إبراهيم ، فضلت تتحدر على ألسنتهم مختارة مصفاة مبرأة ، حتى أظل زمان نبي لا ينطق عن الهوى ، صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله بها كتابه بلسان عربي مبين ، بلا رمز مبنى على الخرافات والأوهام ، ولا ادّعاء لما لم يكن ، ولا نسبة كذب إلى الله ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . فمن أجل ذلك كرهت الرموز، ورأيتها قدحاً في العربية ، وتشويهاً يلحقها" .
ثم كانت محنة ثانية في ذلك "الرمز" الذي استحدثته قضايا الشعر الحر ، وما أثاره هذا الكلام المخمور المتهالك من إسقاطات وإحباطات وهذر ، حول هموم العصر وعذابات الإنسان ، كما يقولون.
ولقد كان يكون الخطب هينا لو أن هذا الهراء ظل في مجثمه في مجالس أحلاس المقاهي ممن ينتسبون إلى الأدب ، ولكنه انتقل إلى الدرس الجامعي – كما ذكرت – افتتن به بعض معلمي الأدب افتنانا عجيباً ، وصبوه صباً في أدمغة هؤلاء الشباب الأغرار ، ممن ابتلوا بالجلوس إليهم، والأخذ عنهم ، ولا سبيل أمام الطالب الذي يريد أن يحصل على شهادته الجامعية إلا التلقي والإذعان .
والآن ، وبعد انقضاء نحو عشرين عاماً على تخرجي في كلية دار العلوم ، أبحث في حنايا نفسي وعقلي ، عن أثاره من هذه اللغو الذي أخذ علينا ، في مطالع أيامنا ، الطرق والمنافذ ، فلا أجد شيئاً ألبته ، وقد يكون هذا لأني عرفت سبيلي – بفضل من الله وعون – إلى أدب أهلي وعشريتي ، ولكني التمست ذلك أيضاً عند نفر من رفقاء دربي في تلك الأيام ، فلم أجد عندهم شيئا ، وقد جمعني مع أحد منهم لقاء ، وكان قد وقع في أسر الفئة الباغية ، الذين خدعوه عن تراثه ، وأفسدوا ذوقه ، فسألته عن " إليوت والأرض الخراب ، والرجال الجوف" وكان شديد اللهج به وبهما ، فقال : لم يعد معي من ذلك شيء ، ثم أن أنة حسرى ، وقال ولم يملك سوابق عبرة : "حسبنا الله ونعم الوكيل" .
والحديث عن "إليوت" وشغف القوم به ، يفضى إلى الحديث عن كائنه أخرى ، وهي إفراط معلمي الأدب في دراسة الأجناس الأدبية الغربية ، ودراسة الشعراء والأدباء الذين كتبوا بغير اللسان العربي ، وهو جهد ضائع مهدر ، استفرغ فيه أدباؤنا وسعهم وطاقتهم فيما لا يجدي نفعاً، لا في أدبنا ، ولا في أدب الغرب ، ولا يذهبن بك الوهم فتظن أن إنجليزيا يلتمس تعريفاً بشكسبير أو تحليلاً لأدبه عن كاتب عربي استهلك وقته وعمره في دراسته . يقول شيخنا محمود شاكر : "رأيت قط رجلاً واحد من غير الإنجليز أو الألمان مثلاً ، مهما بلغ من العلم والمعرفة كان مسموع الكلمة في آداب اللغة الإنجليزية وخصائص لغتها ، وفي تاريخ الأمة الإنجليزية ، وفي حياة المجتمع الإنجليزي ، يدين له علماء الإنجليزي بالطاعة والتسليم ؟ .
نعم ، شغلنا بأدب الغرب وفكر الغرب شغلاً تاماً ، حجزنا عن النظر في موروثنا الضخم الذي أبدعته وحملته أجيال وفية ، وعلى امتداد أربعة عشر قرناً من الزمان، فكان حالنا في ذلك كالذي قاله إبراهيم بن هرمة :
كتاركة بيضهـا بالعـــراء وملبسة بيض أخرى جناحا
وكالذي قاله ابن جذل الطعان :
كمرضعة أولاد أخرى وضيعت بنيها فلم ترقع بذلك مرقعا
Page 3
ومثله قول العديل بن الفرخ العجلي :
كمرضعة أولاد أخرى وضيعت بني بطنها هذا الضلال عن القصد
والقصد : هو الطريق المستقيم . ولم يكن ضلالنا عن القصد في درس الأدب وحده، بل شمل ذلك سائر العلوم الأخرى . يقول عالم الفضاء المصري الدكتور فاروق سيد الباز : "إن العلوم التي نتعلمها وندرسها في جامعاتنا العربية ، هي علوم قائمة أصلاً على تفكير غربي ، قامت لخدمة المجتمعات الغربية ، ولأضرب لك مثلاً واقعاً من خبرتي ومن واقع تخصصي ، لقد تعلمت الجيولوجيا في مصر ، فكانت كلها تدور حول ما يتعلق بجبال الألب في أوربا ، وجبال لابلاش في شرق أمريكا ، وروكي في غربها ، أما وادي النيل ، وصحراء مصر التي تشكل 96% من مساحة الأراضي المصرية كلها ، فلم أتعلم منها ولا كلمة" .
ومعلوم أن علماء الغرب ومفكريه لم يلتفتوا إلى تراثنا إلاّ في تلك الأيام الخوالى التي كانوا يقيمون فيها حضارتهم ، فاتكئوا اتكائا ظاهراً على حضارتنا أيام ازدهارها وبسط سلطانها على الدنيا كلها ، وقد عرفوا ذلك من خلال قنوات معروفة كالجوار والحروب والسفارات . أما في أيامنا هذه التي اغتالونا فيها اغتيالا ، فهم في شغل عن فكرنا وأدبنا ، ولا يخدعنك ما تقرأه عن ترجمة أعمال بعض أدبائنا إلى الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية ، فهذا من باب إحكام القبضة وشد الوثاق للوقوع في التبعية الثقافية ، وإن شئت فقل إنه من باب (الضحك على الذقون) – كما نقول في العامية المصرية – وإلهاء الطفل بدمية أو قطعة حلوى لاستدراجه إلى أن يسمع لك ويدور في فلكك ، وحتى يعطي المقادة من نفسه معصوب العينين ، مشلول الخطى كالذي وقع في أخذة الساحر .
وآية ذلك أنهم على كثة ما ترجوا لأدبائنا لم يعترفوا لواحد منهم بريادة أو نباهة ترشحه للحصول على جائزة من جوائزهم ، كجائزة نوبل مثلاً .
ثم كانت البلية التي دونها كل بلية في خضوعنا للفكر الغربي في درس علوم اللسان العربي؛ نحواً وصرفاً ولغة . وما كان ينبغي لهذه العلوم أن تخضع لتلك التأثيرات الغربية ؛ لأن درسها قائم على نصوصنا من القرآن الكريم وكلام العرب الفحصاء ، والشعر العربي في عصور الاحتجاج به . والمصنفون في علوم اللسان العربي قد أوفوا على الغاية من وضع الأصول والمطولات والمختصرات والمتون . حتى أصول هذا العلم الذي نقله اللغويون المحدثون عن الغرب، وأكثروا الضجيج حوله ، وهو (علم الأصوات) ، وأقاموا له المعامل والتسجيلات ، وقد وضعت أصوله عربية خالصة ، منذ الخليل بن أحمد الفراهيدي ، وسيبويه ، ثم نما على يد أبي علي الفارسي ، وتلميذه أبي الفتح بن جنى ، ومن جاء بعدهما ، وهو من قبل ذلك ومن بعده يعرفه اصغر شيخ في كتاب من كتاتيب القرى المصرين ، ويلقنه للصغار ، ويعالج أصوله معهم بالتلقى والمحاكاة ، واجلس إلى واحد من هؤلاء الأشياخ ، وانظر إلى حركة فكيه وشفتيه وجريان لسانه ، في إعطاء كل حرف حقه ومستحقه ، من الهمس والجهر ، والإظهار والإخفاء ، والفك والإدغام، والترقيق والتفخيم ، وكيف يخرج من أحدهما إلى الآخر ، في مثل قوله تعالى : {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} صورة الأنبياء 28 – وأنظر كيف يفخم الراء ثم يخرج إلى ترقيق التاء ، ثم يعود إلى تفخيم الضاد ، ويمضى في ذلك كله في سهولة ويسر ، دون استكراه أو إعنات . وكان شيخنا الجليل الشيخ عامر السيد عثمان – أحسن الله إليه – يأخذنا إلى تفرقة دقيقة لطيفة ، في الوقف على الراء من قوله تعالى {فكيف كان عذابي ونذر} وقوله تعالى : {كذبت ثمود بالنذر} – سورة 16 – 23 – فالراء الأولى يوقف عليها بترقيق لطيف يشعر بالياء المحذوفة ؛ لأن أصلها {ونذرى} . أما الراء الثانية فيوقف عليها بالتفخيم الخاص ؛ لأنها جمع نذير . فهل وجدت شيئاً من هذا في معامل الأصوات ؟
أما (النبر) الذي شغبوا به ونازعوا حوله ، وأن اللغويين الأوائل لم يعرفوه ، فقد عرفه قراء القرآن الكريم ، بالتلقي أيضاً ، ويسميه بعض القراء : (التخليص) أي تخليص مقطع من مقطع ، أو قراءة الكلمة على مقطع واحد ، وتلقيت عن شيخي الشيخ عامر السيد عثمان، من ذلك الكثير ، منه قوله تعالى : {فسقى لهما ثم تولى إلى الظل} – سورة القصص 24 – وقوله : {فقست قلوبهم} – سورة الحديد 16 – وقوله : {وساء لهم يوم القيامة حملا} سورة طه 101 .
فإذا عرف طالب العلم بالتلقي صحة النطق في قوله {فسقى} حتى يكون من السقى لا من الفقس ، وفي قوله {وساء لهم} حتى يكون من السوء لا من المساءلة ، إذا عرف الطالب المبتدئ ذلك لم يحتج في فهم النبر إلى هذا المثال الذي وضعوه ، وهو (ذاكر الدرس) لأمر المخاطب المفرد ، (ذاكرى الدرس) لأمر المخاطبة المفردة ، فمثل هذا المثال ينبغي أن يظل في دائرة التوضيح والتقريب . أما القاعدة فواجب أن تستند إلى النص العالي الموثق الذي لا يرد ولا يدفع .
على أن هذا (النبر) إنما تحتاج إليه بعض اللغات الأجنبية ، لأنه عندهم ذو خطر ، وتختلف به المعاني اختلافاً ظاهراً – وليس هذا المكان موضع تفصيله – أما في لساننا العربي ، فالأداء الصحيح قد انتقل إلينا بالتلقي المضبوط المتواتر ، الذي لا يضل ولا يزيغ ، وقد حمله قراء القرآن الكريم بأمانة والتزام ، فمن أراده فليلتمسه عندهم لا عند غيرهم .
Page 4
ثم ترتفع الشكوى في هذه الأيام عن محنة اللغة العربية ، وغربتها ، وتدني مستواها ، على ألسنة الخطباء ، وكتابات الكتاب ، وأخذ الباكون في النحيب والعويل على أيامنا التي سلفت ، وذهب الشاكون في تعليل ذلك كل مذهب وردوا الأمر رداً غير صحيح .
وأصل الداء عند سبب واحد : ماذا يتلقى طالب العربية الآن في كليات اللغة العربية وأقسامها بالجامعات ؟ أمشاج من قواعد النحو والصرف ، مطروحة في مذكرات يمليها الأساتذة إملاء ، أو يطبعونها طبعات مبتسرة ، تنقص عاماً وتزيد عاماً ، واختفى الكتاب القديم لتحل محله هذه المذكرات ، ودفع الطلاب دفعاً إلى الملل من قراءة الكتب – والملل من كواذب الأخلاق، كما قال عمرو بن العاص ، رضي الله عنه – ولابد لصلاح الحال من أن تكوى هذه القروح الممدة ، وأن يستأصل هذا الداء الخبيث من قاعات الدرس الجامعي .
عودوا أيها السادة إلى المتون ، عودوا إلى الآجرومية ، وترقوا منها إلى ابن عقيل، وهو كتاب سهل رهو ، علم أجيالاً ، وأقام ألسنة ، ولا تحتجوا علينا بالتيسير على الطلاب ، ففي تراثنا النحوي كتب ذوات عدد ، وضعت للناشئة والمبتدئين .
نعم ، عودوا إلى الكتب الأولى ، وضعوا الأستاذ الجامعي في حق وظيفته : وهي أن يخوض بالطلاب الجج هذه الكتب ، وأن يسلك معهم دروبها ، وأنقذوا الطلاب من ذلك البلاء المصبوب ، والسم المدوف ؛ إن بعض أساتذة النحو يكتبون في فلسفة النحو كلاماً غريباً لا تعرف له أعلى من أسفل ، كلاماً هو أشبه بتخاريف الشعر الحر ، وكلام نقاده ، كالذي وصفه أبو العلاء :
وما لأقوالهم إذا كشفت حقائق بل جميعها شبه
وكلام هؤلاء الذين يكتبون في فلسفة النحو – على ضعفه وتهافته وثقله – يحمل في أثنائه شكوكا كثيرة ، وسخرية باردة بأعلام النحو . وكل هذا من البلاء الذي يفرض على أبنائنا، ويطالبون باستظهاره واستحضاره . وإلى الله المشتكى !
فماذا تطلب من ناشئ غض ، تمرغ في هذه الأوحال ، وسقى ماء حميما ، ثم تكون عقله ووجدانه على هذه الموائد التي ملئت بصحاف مسمومة ؟ .
جاءني ذات يوم طالب يعد رسالة "دكتوراه" وسألني متعجباً : كيف لا يذكر ابن منظور في "لسان العرب" شيئاً عن معنى كلمة (التراث) ؟ فقلت له : وكيف كان ذلك ؟ قال : هو على ما وصفت لك ، لقد بحثت عن مادة (ترث) في فصل التاء من كتاب الثاء ، فلم أجد لها ذكرا. فقلت له : ابحث في مادة (ورث) ، وستجد بغيتك ؛ لأن هذه التاء التي تراها ، مبدلة من الواو ، مثل (تجاه) من (وجه) ، و (تقاة) من (وقى) . ففغر فاه دهشاً وتحيراً .
ولو ذهبت أذكر أمثلة من ذلك لأتيت بكل عجيبة .
وإن تراثنا بفنونه المختلفة قد غيب عن أبناءنا بظلمات بعضها فوق بعض من تراث الأعاجم . وحين بلغ الضعف منهم مبلغه أنحينا عليهم باللأئمة ، ووسمناهم بالقصور . وحق لهم أن يقولوا قولة عمرو بن معد يكرب الزبيدي :
فلو أن قومي انطقتني رماحهم نطقت ولكن الرماح أجرت .
وعوداً على بدء ؛ فقد رغب إلى كثير من الطلبة ، وكثير أيضاً من كرام أساتذة العلم أن أكتب شيئاً عن مراجع ترام الرجال والبلدان ، وكتب الضبط ، ومراجع الكتب والمصنفات ، وتعريفات العلوم ومصطلحاتها ، وأن أضع ذلك بين أيديهم ، تذكرة مختصرة ، ودليلاً مسعفاً . فأجبتهم إلى ذلك ؛ طالباً للثواب ، راغبا إلى الله عز وجل أن ينفع به ، مع ما أعرفه في نفسي من ضعف المنة ، وقلة الزاد ، فنحن نلقى الناس بعلم " مسترضع بثدي من العجز وثدي من التقصير" كما يقول شيخنا محمود محمد شاكر . وصدق من قال : :
خلت الديار فسدت غير مسود ومن البلاء تفردى بالسؤدد
وإني لأقول هذا من باب الحقيقة الصادقة ، لا من باب التواضع الكاذب ، فليس كالزهو والكبر حجازاً بين المرء وبين أن يستفيد علما . وإن من آفات المنتسبين إلى العلم في هذا الزمان : التطاول والتعالي ، وترى أحدهم يمشى بين الناس ، شامخاً بأنفه ، زاماً شفتيه ، منتفخاً قد شرقت عروقه ولحمه بدم كذب ، هو دم الكبر والعجب ، حتى كاد يتفقا . فإذا جاءت الحقائق لم تجد شيئاً ؛ إلا شيئاً لا يعبأ به .
Page 5
فضعف العلم بضعف أهله . " فإن فساد كل صناعة من كثرة ، وقلة الصرحاء" كما قال أبو سليمان الخطابي . وروى ، رحمه الله ، عن إسماعيل بن محمد الصفار ، سمعت العباس بن محمد الدوري ، يقول : "أردت الخروج إلى البصرة ، فصرت إلى أحمد بن حنبل ، وسألته الكتاب إلى مشايخها ، فكلما فرغ من كتاب قرأته ، فإذا فيه : "وهذا فتى ممن يطلب الحديث" ، ولم يكتب: "من أصحاب الحديث" .
وهذا الدوري الذي استكثر عليه الإمام أحمد ، رضي الله عنه ، أن يكون من أصحاب الحديث ، يصفه الحافظ الذهبي بأنه "الإمام الحافظ الثقة الناقد " ، ويحكى عن الأصم ، قوله فيه : "لم أر في مشايخى أحسن حديثنا منه" . ثم روى هذا الخبر ، برواية أخرى ، عن إسماعيل الصفار أيضاً ، عن الدوري ، قال : "كتب لي يحيى بن معين ، وأحمد بن حنبل ، إلى أبي داود الطيالسي ، كتاباً ، فقالا فيه : "إن هذا فتى يطلب الحديث" ، وما قالا : "من أهل الحديث" .
ثم عقب الذهبي ، فقال : "قلت : كان مبتدئا ، له سبع عشرة سنة ، ثم إنه صار صاحب حديث ، ثم صار من حفاظ وقته " .
ومهما يكن من أمر تفسير الذهبي ، فإنه تبقى للقصة دلالتها على ما ينبغي أن يكون عليه أهل العلم ، من تطامن وانكسار ، وهضم للنفس . وآية ذلك تعقيب الدوري نفسه ، وسياقه الخبر عند الخطابي .
وكنت أود أن أقف وقفة طويلة مع هذه المراجع ؛ أكشف عن مناهجها ، وأدل على طرائقها ، لكني تركت ذلك – مع قدرتي عليه ، امتلاكي لأسبابه ، بفضل الله وعونه وتوفيقه- لأني أردت لهذا الدليل أن يكون خفيف المحمل ، قريب المورد ، سهل الاستيعاب ؛ ولأن كثيراً من طلبة العلم لم تعد لديهم القدرة على قراءة المطولات ، والصبر عليها ؛ للذي عرفته من كثرة الصوارف والحواجز ، في هذه الأيام .وهذا بلاء قد عم وساد ، وكاد يستوى فيه العالم والمتعلم على السواء . وقد قالوا وأحسنوا : مالا يدرك لا يترك كله .
على أن طالب العلم مدعو لأن يقرأ مقدمات الكتب وخواتيمها ؛ ليقف بنفسه على منهج الكتاب ، وموضعه من كتب الفن الذي يعالجه ، وأسلوب التعامل معه ، والرجوع إليه.
وطالب العلم مدعوا أيضاً إلى أن يدرك العلائق بين الكتب : تأثرا وتأثيراً ، ونقداً واختصاراً وتذييلا .
وليعم أبناؤنا الطلبة أن كثيراً من أبواب العلم إنما يحصل بالجهد الشخصي الدءوب ، وأن وظيفة المعلم إنما تقف عند حدود تعبيد الطرق ، ووضع العلامات والصوى .
ونعم ، كان واجباً على المعلم أن يأخذ بيد الطلاب ، إلى هذه الكتب ، ويضيء لهم سبلها ، ويكشف لهم عن أغوارها ، وهكذا كان في أيامنا التي سلفت – ولكن مناهج الدرس في جامعاتنا العربية ، لا تسمح بذلك ، ولا تعين عليه ، كما سبق .
وثالثة : واجب على طالب العلم أن يعرف فرق ما بين الطبعات ، فإن كثيراً من كتب التراث قد طبع مرتين أو أكثر ، وتتفاوت هذه الطبعات فيما بينها ؛ كمالاً ونقصاً ، وصحة وسقما، ولا بد أن يكون رجوع الطالب إلى الطبعة المستوفية لشرائط الصحة والقبول ، وهذه الشرائط ظاهرة لائحة لمن يتأملها ، وتتمثل في التقديم للكتاب ، وبيان وزنه العلمي ، وفهرسته فهرسة فنية ، تكشف عن كنوزه وخباياه ، والعناية بضبطه الضبط الصحيح ، والتعليق عليه بما يضيئه ، ويربطه بما قبله وبما بعده ، في غير سرف ولا شطط ، ثم في الإخراج الطباعي ، المتمثل في وجود الورق ، ونصاعة الحرف الطباعي .
وقد حظى تراثنا – ولله الحمد والمنة – منذ ظهور المطبعة في القرن الخامس عشر الميلادي، إلى يوم الناس هذا ، بعلماء كبار ، في الشرق والغرب ، توفروا على إخراجه الإخراج العلمي الصحيح ، وطابعين مهرة ، أظهروه في حلل زاهية ، لكنه ظهر إلى جانب هؤلاء ، ناشرون متساهلون ، وطابعون متعجلون ، أرادوا ثراء المال من أيسر سبيل . فأعرف أيها الطالب وأنكر ، وأقبل وأعرض ، على ما وصفت لك ، تستقم دراستك ، وتمض إلى ما تريد لها من كمال وإتقان.
Page 6
وأحب أن يكون واضحاً ، أنني اكتفيت بذكر أهم وأبرز كتب التراجم ، وأضربت عما هو دونها في الشهرة ، مدركاً لقيمة هذا الذي تركت وجدواه ، فعلت ذلك تخفيفاًَ وتيسيراً على الناشئة والشداة من طلبة العلم . وعلى سبيل المثال ، فقد اكتفيت في تراجم اللغويين والنحاة بثلاثة مراجع ، وسكت عن أخبار النحويين البصريين ، للسرافى ، وطبقات النحويين واللغويين ، لأبي بكر الزبيدي ، ومراتب النحويين ، لأبي الطيب اللغوي . وفي طبقات الصحابة والتابعين، تركت تهذيب الأسماء واللغات للنووي . وفي طبقات الفقهاء ، تركت تاج التراجم ، في طبقات الحنفية ، لابن قطلوبغا ، وفي طبقات الشافعية ، تركت طبقات أبي عاصم العبادي ، طبقات الفقهاء ، لأبي إسحاق الشيرازي ، وطبقات المصنف ، المعروفة بطبقات أبي هداية الله ، وتبيين كذب المفترى ، للحافظ ابن عساكر . وفي طبقات الحنابلة ، لم أثبت المنهج الأحمد ، للعليمي، لأنه لم يطبع منه سوى جزءين . وفي كتب تراجم الأندلسيين والمغاربة ، تركت العدد الوفير – وكان حبيباً إلى أن أذكره – لندرته في أسواق المشرق العربي . وفي مراجع التراجم العامة ، سكت أيضاً عن كتب ذوات عدد ، للتخفيف والاختصار ؛ ولأن فيما ذكرت مقنعاً وبلاغاً، إن شاء الله .
* * *
وأحب أيضاً قبل أن أدع مقامي هذا أن أنبه إلى حقيقتين جديرتين بالاهتمام :
الحقيقة الأولى : "أنه لا يغني كتاب عن كتاب" . فقد شاع في كتابات بعض الدارسين المحدثين ، أن كتب التراث ذات الموضوع الواحد ، تتشابه فيما بينها ، وأن غاية اللاحق أن يدخل على ما تركه السابق ، يدور حوله ، ويردد مباحثه وقضاياه . ثم أفضى ذلك الزعم إلى دعوة صاخبة ، تنادى بغربلة التراث وتصفيته ؛ بالإبقاء على النافع المفيد ، وترك ما عداه مستقرا في المتاحف كمومياء الفراعنة ، يذكر بتطور الخطوط ، وقواعد الرسم ، وتاريخ صناعة الورق .
فإذا قلت لهذا الزاعم : ماذا نأخذ وماذا ندع ؟ حار وأبلس ، واعتصم بسراديب التفكير الموضوعي ، ومناهج البحث العلمي ، وأشباه ذلك من تلك التهاويل الفارغة من الحقيقة. فإذا اضطررته أضيق الطرق ، وأخذته إلى فن واحد من فنون التراث ، ونثرت أمامه مصنفات ذلك الفن ، ثم طلبت إليه أن يختار ما يستحق أن يبقى عليه ، وما هو جدير بأ، ينحى ، شغب ونازع ؛ لأنه لا يملك أدوات الحكم على هذا الموروث ؛ لبعده عنده ، وخفائه عليه ، ولم يجد بدا من العودة كرة أخرى إلى التكفير الموضوعي ، والبحث العلمي ، يسلبهما منك ، ملقياً بك في ردغة الحبال ، وظلمات الجهل ، وبيداء التخلف .
وقد يسايرك بعضهم ، آخذاً بالنصفة والبراءة ، قائلاً : نقف عند القرون الخمسة الأولى؛ لأنها قرون الإبداع والخلق . فقال له : إن الخالفين من القرون اللاحقة قد أضافوا إلى ميراث تلك القرون السابقة إضافات صالحة ، كشفت عن خبيئة ، بل إنهم قد استخرجوا من علم الأوائل علماً آخر ، مصبوغاً بصبغتهم ، موسوماً بسمتهم ، ملبياً حاجات عصرهم ، مفجرا طاقات عظيمة من هذا العقل العربي ، الذي ما فتىء يغلي ويموج ، كالبحر الهادر .
وعلى سبيل المثال ، فإن القرن الثامن – وهو في تقديرك ورأيك مما ينبغي أن ينبذ ويطرح – قد شهد أعلاماً شوامخ ، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية ، ومؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي ، ومجتهد عصره تقي الدين السبكي ، وولده المؤرخ تاج الدين ، والحافظ أبي الحجاج المزى ، وختنه الحافظ المفسر المؤرخ عماد الدين بن كثير ، والحافظ الكبير علم الدين البرزالي ، والأديب المؤرخ صلاح الدين الصفدي ، واللغوي الجامع ابن منظور ، وإمامى النحو : أبي حيان وأبي هشام .
Page 7
وإن القرن لتاسع قد شهد أمير المؤمنين في الحديث ، الحافظ ابن حجر العسقلاني ، وشيخ الإقراء في زمانه شمس الدين بن الجزرى ، وعالم الاجتماع الكبير ابن خلدون ، والمؤرخ الجغرافي تقي الدين المقريزي .
وإن القرن العاشر قد شهد الحافظ المؤرخ الحجة شمس الدين السخاوى ، والحافظ المفسر النحوي ، الجامع للفنون والمعارف جلال الدين السيوطي ، ولا تقل : إنه جماع ، فقد حفظ لنا في تصانيفه التي بلغت نحو ستمائة مصنف (600) كثيراً مما عدت عليه عوادى الناس والأيام ، من علوم الأوائل وفنونها ، واستخرج من كل ذلك علماً عرف به ونسب إليه .
فإذا جئنا إلى القرن الحادي عشر – وهو عندما مما لا يلتفت إليه ، ولا يعاج به ؛ لأن هذا العصر في رأيك عصر انحطاط وانحدر ، من حيث كانت الغلبة فيه للأتراك العثمانيين . وهم من كرام هذه الأمة الإسلامية ، شئت أم أبيت : رأينا علماء كبارا ، منهم شهاب الدين الخفاجي، صاحب المصنفات الكبيرة : ريحانة الألبا ؛ تراجم أدباء عصره ، وشفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل ، وشرح درة الغواص ، للحريري ، وطراز المجلس ، ونسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض . ومن أعظم تصانيفه وأبقاها : حاشية على تفسير البيضاوي ، المسماة : عناية القاضي وكفاية الراضي . في ثماني مجلدات كبار .
والعلامة عبد القادر البغدادي ، صاحب "الخزانة" وهي من مفاخر التأليف العربي .
وفي القرنين الثاني عشر والثالث عشر ، نلتقي بعلمين كبيرين : المرتضى الزبيدي ، صاحب "تاج العروس" ، و "إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين" . والشوكاني ، صاحب "فتح القدير" ، و " ونيل الأوطار " إلى علماء الهند ، الذين توفروا على السنة المطهرة، شرحاً ونشراً .
وكل هؤلاء ؛ من ذكرت ولم أذكر ، قد فسروا ، وأضافوا ، واستخرجوا .
فهل نلقى بهم جميعاً في غيابات الجبّ ، ومتاحف الآثار ؟ .
وهل من المقبول في موازين العقل والعدل ، أن تطالب إنساناً خلف له أهله ثروة طائلة، ثم أقبل عليها ، يثمرها ونميها بجهده وعرقه ، حتى أضاف إليها أضعافها . هل من المقبول أن تطالبه بأن يتخلى عن هذا الذي أضافه ، ويقنع بما تركه له أهله ؟ .
وقد يبدو هذا التشبيه لك ساذجاً ، ولكن الضرورة ألجأتنا إيه ولضرورة أحكامها .
ثم أعود مرة أخرى إلى قضية " أن كتب التراث يغني بعضها عن بعض" وقد شغلتني هذه القضية ، وعشت مخدوعاً بها زماناً ، حتى ظهر لي زيفها وبطلانها ، بشواهد ومثل كثيرة ، وبخاصة في كتب التراجم ، ومصنفات اللغة . واكتفى بعرض مثال واحد من كتب اللغة :
من المعروف أن أكمل المعاجم اللغوية وأوسعها ، كتابان ، هما : لسان العرب ، لجمال الدين أبي الفضل محمد بن مكرم بن منظور ، المتوفى بمصر سنة 711هـ ، وتاج العروس في شرح القاموس ، لأبي الفيض محمد بن محمد بن محمد . المرتضى الزبيدي المتوفى بمصر أيضاً سنة 1205هـ .
فقد جمع ابن مظور في كتابه أصول المعاجم : الصحاح للجوهري ، وحواشيه لابن برى، والتهذيب للأزهري ، والمحكم لابن سيده ، والنهاية في غريب الحديث والأثر ، لابن الأثير . وعول المرتضى الزبيدي على اللسان ، مع ما أضافه من كتب الصاغاني : التكملة ، والعباب . وكتب شيخه محمد بن الطيب محمد الفاسي المالكي ، المتوفى بالمدينة المنورة سنة 1170هـ . إلى كتب أخرى صغار وكبار .
Page 8
فكان النظر في هذين المعجمين الكبيرين مغنياً عن النظر فيما سواهما ، للذي قيل : "كل الصيد في جوف الفرا " . لكني وقعت على ما يقتضي التوقف في هذا الحكم :
وذلك ما أثاره ابن الأثير ، في النهاية ، حين عرض لشرح حديث : "أتاكم أهل اليمن ، هم أرق قلوباً وأبخع طاعة" .
قال : "أي أبلغ ، وأنصح في الطاعة من غيرهم ، كأنهم بالغوا في بخع أنفسهم ، أي قهرها وإذلالها بالطاعة" .
ثم قال : "قال الزمخشري : هو من بخع الذبيحة : إذا بالغ في ذبحها ، وهو أن يقطع عظم رقبتها ، ويبلغ بالذبح البخاع – بالباء – وهو العرق الذي في الصلب ، والنخع ، بالنون : دون ذلك ، وهو أن يبلغ بالذبح النخاع ، وهو الخيط الأبيض ، الذي يجرى في الرقبة . هذا اصله ، ثم كثر حتى أستعمل في كل مبالغة . وهكذا ذكره في كتاب الفائق في غريب الحديث وكتاب الكشاف في تفسير القرآن ، ولم أجده لغيره ، وطالما بحثت عنه في كتب اللغة والطب ، والتشريح، فلم أجد البخاع – بالباء – مذكوراً في شيء منها" .
هذا كلام ابن الأثير ، والأمر على ما قال ، في كتابى الزمخشري : الفائق ، والكشاف ، وأيضاً جاء بعضه في أساس البلاغة .
قلت : هذا الذي تعقب به ابن الأثير ، الزمخشري ، وقد شاع في معاجم المتأخرين : ابن منظور ، والفيروزابادي ، والمرتضى الزبيدي . ويدل سياق هؤلاء جميعاً في كتبهم ، على أن الزمشخري منفرد – دون اللغويين – بذكر "البخاع" بالباء الموحدة ، حتى ليقول الزبيدي ، بعد حكاية كلام ابن الأثير ، والفيروزابادي : "قال شيخنا : وقد تعقب ابن الأثير قوم ، بأن الزمخشري ثقة ثابت ، واسع الاطلاع ، فهو مقدم" .
فهذا كلام دال بوضوح ، على أن الزمخشري منفرد بذكر هذا القول ، وأن انفراده به لا يطعن فيه ؛ لأنه ثقة مأمون .
وقد وقعت على نص عالٍ موثق ، يدل على أن هذه التفرقة بين "البخاع" بالباء الموحدة، و "النخاع" بالنون ، تفرقة قديمة ، سابقة على الزمخشري المتوفى سنة (538) . وذلك ما ذكره ابن فارس ، المتوفى سنة (395) ، في كتابه معجم مقاييس اللغة :
قال رحمه الله : "قال أبو علي الأصفهاني ، فيما حدثنا به أبو الفضل محمد بن العميد ، عن أبي بكر الخياط ، عنه ، قال : قال الضبي : بخعت الذبيحة : إذا قطعت عظم رقبتها ، فهي مبخوعة، ونخعتها : دون ذلك ؛ لأن النخاع : الخيط الأبيض الذي يجرى في الرقبة وفقار الظهر. والبخاع ، بالباء : العرق الذي في الصلب" .
فأنت ترى أن الزمخشري مسبوق فيما ذهب إليه ، بهذا الذي حكاه ابن فارس ، بإسناده إلى الضبى . وقد خفى هذا على ابن الأثير ، ومن جاء بعده : ابن منظور ، والفيروزابادي ، والمرتضى الزبيدي ، وشيخه محمد بن الطيب الفاسى ، وإن كان هذا قد أحال على الثقة بالزمخشري وسعة اطلاعه .
وواضح أن هناك فرقاً بين أن تفزع إلى المعاجم ؛ لتصيب معنى لغوياً لما يعرض لك من ألفاظ ، وبين أن تكون بإزاء قضية لغوية ، تريد أن تنتهي فيها إلى رأي حاسم قاطع . هنا لا يغنيك النظر في هذين الكتابين – اللسان والتاج ، مع سعتهما وإحاطتهما – عن الرجوع إلى غيرهما ، من صغر الكتب وأوسطها ، وهنا أيضاً لا يفيدك قول أبي الطيب : ومن ورد البحر استقل السواقيا .
أن علماءنا الأوائل ، رحمهم الله ورضي عنهم ، لم يكونوا يعبثون حين يتوفرون على الفن الواحد ، من فنون التراث ، فيكثرون فيه التأليف والتصنيف ، ويدخل الخالف منهم على السالف.
ونعم ، قد تجمع بعضهم جامعة المنزع والمنهج العام ، ولكن يبقى لكل منهم مذاقه ومشربه ، كالذي تراه من اجتماع أبي جعفر الطبري ، وعماد الدين بن كثير ، على تفسير القرآن الكريم بالمأثور ، وافتراقهما في أسلوب التناول ومنهج العرض .
ولم يكن النحاة يعانون من الفراغ ، أو قلة الزاد ، حين عكفوا على كتاب مثل "الجمل" لأبي القاسم الزجاجي ، فوضعوا له مائة وعشرين شرحاً .
ومن الغريب حقاًَ إننا ل نجد باساً أن يكثر الدارسون المحدثون من التأليف في الفن الواحد، كتباً ذاهبة في الكثرة والسعة ، كالذي تراه من التأليف في فنون الشعر والقصة والمسرح، ثم نحجر على أسلافنا ، ونعيب عليهم من ذلك ، ثم ننعتهم بالثرثرة والدوران حول أنفسهم ! ولكنها آفة الذين يلتمسون المعابة لأسلافهم بالظن الخادع ، والوهم الكذوب .
Page 9
وإنه الحق أن بعض ما تركه الأوائل ، منتزع من جهود سابقة ، وتعد إضافته إلى الفن إضافة محدودة ، ولكن مثل ذلك معروف مسطور ، ومدلول عليه أيضاً بكلام الأوائل أنفسهم، وأكثر ما ترى ذلك في مقدمات الكتب ، كهذا الذي صنعه ابن الأثير ، في مقدمة "النهاية" حين قضى على تأليف ابن الجوزي ، في غريب الحديث ، بأنه مسلوخ من كتاب أبي عبيد الهروي . قال رحمه الله :
" ولقد تتبعت كتابه ، فرأيته مختصراًَ من كتاب الهروى ، منتزعاً من أبوابه ، شيئاً فشيئاً، ووضعاً فوضعاً ، ولم يزد عليه إلا الكلمة الشاذة واللفظة الفاذة . ولقد قايست ما زاد في كتابه على ما أخذه من كتاب الهروى ، فلم يكن إلا جزءاً يسيراً من أجزاء كثيرة" .
وأحب أن أشير إلى أن هذه المختصرات التي تشغل حيزاً كبيراًَ من التأليف العربي ، قد تجدُ فيها ما لست تجده في الأصول . ومن ذلك – وهو كثير – كتاب " مختار الأغاني في الأخبار والتهاني" لابن منظور صاحب " اللسان " ، الذي اختصر به كتاب " الأغاني" لأبي الفرج الأصبهاني وقد طبع هذا المختصر في ثمانية أجزاء ، وفي الجزء الثالث منه ترجمة موسعة ، لأبي نواس ، تضمنت أخباراً وأشعاراً لأبي نواس ، لا تجدهما في الأصل المختصر ، وذلك أن لابن منظور كتاباً مفرداً لأخبار أبي نواس ، وهو مطبوع .
وكذلك صنع ابن منظور ، في ترجمة جميل بن معمر ، حيث أورد له بعض أشعار وأخبار لم ترد في الأغاني .
والظن باب منظور أن يكون قد فعل مثل ذلك ، فيما اختصره من كتب التراث الأخرى، فقد كان مغرى باختصار كتب الأدب المطولة ، كما يقول ابن حجر ، وقال صلاح الدين الصفدي : "ما أعرف في كتب الأدب شيئاً إلا وقد اختصره" . ومن مختصراته : مختصر مفردات ابن البيطار ، في الأدوية ، ولطائف الذخيرة – مختصر الذخيرة لابن بسام . ومختصر تاريخ دمشق لابن عساكر . ومختصر تاريخ بغداد للسمعاني . ومختصر الحيوان للجاحظ . ومختصر أخبار المذاكرة ونشوار المحاضرة للتنوخي .
ومن حديث المختصرات ما لاحظته ، أنا وأخي الدكتور عبد الفتاح الحلو ، في أثناء ملنا في تحقيق طبقات الشافعية الكبرى ، لتاج الدين ابن السبكى : أن الطبقات للمؤلف قد اشتملت على فوئد لم ترد في الطبقات الكبرى ، بل إن فيها من التراجم ما لم يذكر أصلاً في الطبقات الكبرى .
وكتاب تقريب التهذيب ، لابن حجر العسقلاني ، فيه من التقييد والضبط ، ما لست تجده في أصله : تهذيب التهذيب ، للمؤلف نفسه ، وقد احسن ناشرو تهذيب التهذيب ، في دائرة المعارف العثمانية ، بالهند ، حين أنزلوا هذا الضبط والتقييد في حواشي الكتاب .
ومثل ذلك يقال في مصنفات شمس الدين الذهبي التاريخية : تاريخ الإسلام ، وسير أعلام النبلاء ، والعبر في خبر من عبر ، وتاريخ دول الإسلام .
إن تراثنا لم يأخذ مكانه بين تراث الإنسانية إلا بما صنفه الأوائل ، مضافاً إليه تلك الشروح والمختصرات والذيول ، والصلات ، والحواشى والتقريرات .
نقول هذا لأبنائنا طلبة العلم ، ونذكر به أيضاً العقلاء من إخواننا أساتذة الجامعات العربية . أما الذين يلتمسون تراجم الرجال من "دوائر المعارف" ، و "الموسوعة العربية الميسرة" ، ويطلبون الشروح اللغوية من "المنجد" و "أقرب الموارد" ، ويجمعون تراجم الشعراء ، من "شعراء النصرانية" ، فقد سقطت كلفة الحديث معهم .
الحقيقة الثانية التي أنبه عليها : "أن مجاز كتب التراث مجاز الكتاب الواحد" بمعنى أن هذه الكتب متشابكة الأطراف ، متداخلة الأسباب .
فمع الإقرار بنظرية التخصص ، وانفراد كل فن من فنون التراث بطائفة من الكتب والمصنفات ، إلا أنك قل أن تجد كتاباً من هذه الكتب مقتصراً على الفن الذي يعالجه ، دون الولوج إلى بعض الفنون الأخرى ، بدواعي الاستطراد والمناسبة ، وهذا يؤدي لا محالة ، إلى أن تجد الشيء في غير مظانه . وقد ضربت لذلك مثلا – في بعض ماكتبت – بعلم النحو ، فليست مسائل هذا العلم في كتب النحو فقط ؛ ففي كتب التفسير والقراءات نحو كثير ، وفي كتب الفقه وأصوله نحو كثير ، وفي معاجم اللغة ، وكتب البلاغة ، وشروح الشعر ، نحو كثير. بل إنك واجد في بعض كتب السير ، والتاريخ ، والتراجم ، والأدب ، والمعارف العامة ، والطرائف والمحاضرات ، من مسائل النحو وقضاياه ، مالا تكاد تجد بعضه في كتب النحو المتداولة.
واقرأ إن شئت : الإمتناع والمؤانسة ، ومثالب الوزيرين ، كلاهما لأبي حيان التوحيدي، ورسالة الملائكة ، ورسالة الغفران ، الاثنان لأبي العلاء المعرى ، والروض الأنف للسهيلي ، وبدائع الفوائد ، لابن قيم الجوزية ، والغيث المسجم في شرح لامية العجم ، لصالح الدين الصدفي. ثم أنظر كم من مسائل النحو أفدت .
Page 10
ومما يستطرف ذكره هنا أن الشاهد النحوي المعروف "أكلوني البراغيث" لم أجده منسوباً لقائل ، في كتاب من كتب النحو التي أعرفها ، على حين وجدته منسوباً لقائل ، في كتاب من كتب النحو التي أعرفها ، على حين وجدته في كتاب أبي عبيدة " مجاز القرآن" منسوباً لأبي عمرو الهذلي .
وخذ كتاباً لغوياً مثل "المخصص" لابن سيده – وهو معاجم المعاني كما عرفت – تجد فيه نحواً كثيراً ، وصرفاً كثيراً ، بل إن هذا الكتاب اللغوي يعد توثيقاً كبيراً لآراء أبي على الفارسي، في النحو والصرف ، حيث تراه قد أكثر من النقل عنه كثرة ظاهرة .
وإنك لتقضى العجب حين ترى كثيراً من الدراسات النحوية المعاصرة – والتي هوجم النحو العربي فيها هجوماً كاسحاً أكولا – قد اتكأت على كتب النحو المتأخرة ، ابتداءً بابن هشام ، وانتهاء بالصبان ، تاركة وراءها كتب النحو الأولى ، وكتب الفنون التراثية الأخرى ، التي تمت إلى النحو بأسباب وعلائق كثيرة . ومع التسليم بجدوى مصنفات ابن هشام ومن جاء بعده ، فإن ذل لا يغني عن الجهود السابقة ، ولا يقوم مقامها .
* * *
وما قيل عن النحو وأنسياحه في الفنون الأخرى ، يقال في سائر العلوم ؛ وقد حدثنى شيخي الجليل محمود محمد شاكر ، حفظه الله ، أنه استخرج علوية أبي الطيب المتنبي من خبر صغير، في ثنايا خزانة الأدب ، للبغدادي ، وقد خفى هذا الخبر على كل الذين كتبوا عن المتنبى ، من عرب وعجم ، مع أن هذا الكتاب قد طبع في مطبعة بولاق بمصر ، سنة 1299هـ ، ولكنه في نظر الناس كتاب شواهد ونحو ، ليس غير ، للذي علموه من أنه شرح شواهد الرضى على الكافية ، وترجمة المتنبي عند هؤلاء تلتمس من كتب التراجم والأدب .
وحدثني أيضاً ، حفظه الله ، أن المفكر الكبير الأستاذ عباس محمود العقاد ، رحمه الله ، سألت ذات يوم ، عن خبر أو كلام لعمرو بن العاص ، رضي الله عنه كان قد قرأه الأستاذ العقاد، ونسى موضعه ، وأنه قد وجد هذا الخبر في كتاب الكشكول ، أو المخلاة ، لبهاء الدين العاملي ، المتوفى سنة 1031هـ . ويابعد ما بين العالمي ومظان ترجمة عمرو بن العاص ! والكشكول ، والمخالة عند بعض المحدثين – إن علموا بأمرهما – من سواقط الكتب وكواذب الأحاديث .
إن في الكتب الموسوعية ، مثل شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد ، المتوفى سنة 656هـ ونهاية الأرب ، للنويري ، المتوفى سنة 733هـ ، وصبح الأعشى ، للقلقشندي ، المتوفى سنة 821هـ ، من غرائب العلوم والفنون ، مالا يأتي عليه حصر .
* * *
وبعد :
فإن من الظاهر الجدير بالتأمل ، في هذه الأيام ، تلك العناية البالغة بالتراث : نشراً لما لم ينشر ، وتصويراً لما نشر ، ويقبل القراء على شراء كتب التراث إقبالاًَ زائداً ، ولم يستطع الكتاب الحديث – برغم ما أحيط به من مظاهر الإعلان والإعلام – أن يزاحم الكتاب التراثي ، بالرغم أيضاً مما يتعرض له من تجريح وتوهين .
ولكن هذه العناية بنشر التراث ، والإقبال على شرائه ، لم يواكبها قراءة له ، وانتفاع به، فكثرت الكتب وقلت القراءة .
ومهما يكن من أمر ، فإن هذه الظاهرة دالة بوضوح ، على أن للتراث بريقاً أخاذا . ولم يبق إلا أن نعمق في أبنائنا الإحساس النبيل به وأن نأخذ بأيديهم إلى آفاقه الرحبة ، وآماده المتطاولة .
ثم إنه واجب أيضاً على أنبائنا أن يقبلوا على قراءة هذا الموروث العظيم ، وأن يصبروا على معاناة الكتب ، والنفاذ إلى أسرارها ، وسوف يجدون متعة لا تشبهها متعة ، حتى يقولوا في ثقة واطمئنان :
أفبعد كندة تمدحن قبيلا
والله الحمد في الأولى والآخرة