eKtab
EN ع
الموسيقى العربية والأفريقية وأثرهما في موسيقى العالم
Read free sample

الموسيقى العربية والأفريقية وأثرهما في موسيقى العالم

by عبد الجليل خالد

Page 1

المقدمة

إن تطور الفن من رسم ثابت على كهوف العصر الحجري، إلى الصور المتحركة على الشاشات المرئية والخيالة، وأشرطة العرض "الفيديو".
ومن الدراما اليونانية ذات المسرح المستدير، إلى الدراما الإذاعية المسموعة والمرئية .
من أنغام القصبة المثقوبة، والطبول والنقر، إلى التأليف السيمفوني...
كل هذه ليست مجرد تطور فحسب للرؤية العاطفية والانفعالية للإنسان فوق هذه الأرض، ولكنه ثمرة لتطور المجتمع وتطور الصناعة والعلم فيه لأن الفن ينمو ويتراجع بسب طبيعة الأوضاع الاجتماعية.
"فالفن هو تعبير عن حالة وجدانية، ومظهر حضاري، يشهد على التطور الاجتماعي للحالة الوجدانية للجماعة".
فالفن تعبير عن مراحل الوضع الاجتماعي القائم وما به من حركة فكرية ونشاطات اجتماعية أخرى (صناعية – زراعية – علمية – الخ..).
"وتدل الفنون بصفة عامة على مدى ما بلغه المجتمع من رقى وتقدم وعلى ما يتضمنه من عناصر الذوق العام".
والفن بالضرورة أن يحتضن كل التراث السابق عليه من أشكال وأدوات، ولذلك فإن الفن يعتبر تعبيرا ذاتيا وموضوعيا في ذات الوقت:
ذاتيا: باستعانته بالأدوات والأشكال والوسائل الاجتماعية.
موضوعيا: بما يتخذه من موقف اجتماعي في اللحظة التاريخية المعينة وهذا يحدد دلالته الموضوعية.
وبمعنى آخر إن الفن تعبير ذاتي لأنه خلاصة للجهد المبدع الخلاق الذي يبذله الفنان بمشاعره وأحاسيسه وأفكاره وقدرته على الابتكار وهذا نتاج عبقريته الذاتية.
وهو موضوعي أيضا من خلال أدواته وخبراته وملابسات حياته، بصفة الفنان كفرد في المجتمع.
إذن فالمجتمع الذي يعرف قيمة الفنون، ويرعى الفنانين ويوفر الظروف الملائمة لعملهم، هو مجتمع واع ومتفاعل وقابل للتطور، فالتقدم لا يكون بالإنتاج المادي فقط، بل بما يصاحبه من إبداعات جماهيرية تعكس التراث الأصيل للمجتمع.
"فالفنون عنوان حضارة الشعوب، فكلما ازداد عدد المنتجين للفنون، وتوسعت قاعدة المشاركة الفنية كان ذلك دليلا على انتشار الحضارة، وعلى مدى الإسهام في صنعها".
إذن فالمجتمع دائما هو الذي تنتج عنه الإبداعات من خلال فرد فيه هو المبدع الفنان الذي إذا ما توفر له المناخ الملائم أبدع وخلق وابتكر.
والمجتمع العربي الأفريقي والآسيوي، والمجتمع الأفريقي في القارة السمراء بجنوبه وشماله، هو الذي قاد حركة الفنون والآداب في العالم.
ففي وقت كانت فيه أوربا تعيش في ظلام دامس كان الفن والأدب في أوج ازدهارهما في المشرق والمغرب العربي، وفى وقت لم يتم فيه اكتشاف أمريكا بعد كانت الإيقاعات الأفريقية والأنغام الأفريقية تملأ الدنيا، وما دخلت موسيقى الجاز إلى أمريكا والدول اللاتينية إلا عن طريق الأفارقة.
وما عرف العالم الشعر إلا عن طريق العرب ومعلقاتهم وما من أحد يستطيع أن ينكر أن الشعر بقصائده وموشحاته ومألوفه هو عربي النشأة.
والمدارس العربية في اشبيليا وقرطبة وغرناطة خير شاهد تاريخي على أن الفنون الأوربية والأمريكية هي نتاج اجتهاد العرب وعبقريتهم والأفارقة وتراثهم.
وفى الفصول التالية نتناول هذا الموضوع:-
الفصل الأول: اثر الموسيقى العربية على موسيقى العالم.
الفصل الثاني: اثر الموسيقى الأفريقية على موسيقى العالم.
الفصل الثالث: فضل العرب والأفارقة على العالم.
Page 2

الفصل الأول

أثر الموسيقى العربية على موسيقى العالم

تمهيد

الفن الموسيقى والغنائي العربي، من أغنى فنون العالم بالتراث، ذلك لأن العرب احتضنوا حضارات الأمم المجاورة والبعيدة في الشرق عموما، وهذا ما أعطى لهذه الفنون القدرة على الانتشار والتأثير، بما لدى العرب من طاقات فكرية وثقافية، وقدرات علمية كان من النادر أن توجد لدى الشعوب الأخرى، مما ترك للعالم ثروات عظيمة من كنوز العلم والمعرفة.
ولكي نصل إلى إثبات أثر الموسيقى العربية على موسيقى العالم، فلابد لنا بالمرور بالمراحلالتي أوصلتها إلى هذه القدرة.
ونبحث هذا في المباحث التالية:
المبحث الأول: الموسيقى العربية قبل الإسلام.
المبحث الثاني: الموسيقى العربية بعد ظهور الإسلام.
المبحث الثالث: الموسيقى الأفريقية في الأندلس.
Page 3

المبحث الأول:الموسيقى العربية قبل فجر الإسلام

من الجزيرة العربية في اتجاه الشمال كانت قوافل العرب تسافر للتجارة، وما يسهل مسافات الصحراء الطويلة على جمالهم وعليهم إلا التسلية بالغناء الذي كان يسمى "حداء الإبل".
وكان العرب يستمعون إلى أغاني الآراميين والآشوريين والكنعانيين، وباتجاه الجنوب كان العرب يستمعون ويعجبون بموسيقى الأحباش.
ولذلك كان لتلاقى موسيقى الشعوب العربية القديمة بموسيقى وأغاني الشعوب المجاورة للجزيرة العربية اثر كبير في وفرة الأنغام والمقامات والإيقاعات وتطوير الغناء والموسيقى، إلى جانب التأثر بالحضارات البابلية والفرعونية والفينيقية وحضارة سبأ.
ومن هذا التأثر والاستماع والاختلاط تشكلت عند العرب ألوان مختلفة من الإيقاعات والألحان ونظم الكلمات وكذلك الآلات الموسيقية.
فظهرت ألوان عديدة من الغناء بصور إيقاعية ولحنية جديدة، فإلى جانب "الحداء" ظهر "السناد"، وكذلك غناء الركبــان، والتغبيـر (أي التهليل) وتردد الصوت بالقراءة، والنشيد الذي يردد في الحروب والغزوات والحان المآتم والحان الغزل والتراتيل الدينية.
وكما سبق للعرب أن تأثروا في هجراتهم المختلفة فقد ازداد تأثرهم بعد تعرضهم لغزوات متعاقبة، "وكان لتحضر بعض المناطق وقيام العمران فيها اكبر دافع للغزاة لكي يخضعوا لحكمهم، ومن هذه الممالك، اليمن، وممالك الشمال (الأنباط، تدمر، الحيرة) والحجاز".
أ. اليمن: كان الفرس والروم يتسابقان على احتلالها لما فيها من الخيرات وأيضا لموقعها الإستراتيجي المهم، وبالفعل خضعت للنشاجى، وبعد ذلك انتصر الفرس على الأحباش وخضعت للفرس. وبذلك امتزجت العلوم والفنون في ارض اليمن بتمازج الحضارات المختلفة، وظهر هذا أيضا على فنون هندسة العمارة.
ب. ممالك الشمال: في هذه الممالك نجد ألوان مختلفة أيضا من الشعر والغناء.
1- الأنباط: لازلنا لحد الآن نستمع إلى القصائد النبطية الغنائية، واصلها من شرق الأردن، وهو غناء شعبي مميز بإيقاعاته وأسلوبه العربي الأصيل.
2- تدمر: لازال للان يوجد معبد الشمس في تدمر، وهو شاهد ازدهار الفنون، وشهدت منطقة تدمر صراعات مع الفرس والرومان، ولم يعفها موقفها على الحياد من تعرضها لغزو الرومان، وانتصرت فيها "الزباء" باختيارها الموت على الهزيمة، كموقف وطني احتجاجي على تعرض بلادها للغزو رغم موقفها الحيادي.
وتاريخ تدمر الفني فيه امتزاج رائع بين مدنية تدمر والمدنيات الأخرى، اليونانية والسورية والفارسية، ووصلت بذلك تدمر إلى قمة الثقافة والعلوم والفنون في عصر ازدهارها الحضاري الغابر".
وكانت تدمر مركزا تجاريا هاما للذهب والصموغ والبضائع الأخرى الواردة إليها من ارض العرب، وكذلك اللؤلؤ الذي يأتيها من البحرين، والمنسوجات التي تأتيها من الهند، وكذلك الفولاذ والعاج.
3- الحيرة وغسان: كان ملوك الحيرة وغسان الذين يُرجعون إلى سلالات يمنية، ولذلك كانت عمارة القصور الرائعة تشبه القصور والعمارة اليمنية ومنها قصرا (الخورنق والسدير)، واهم دور لعبته هاتان المملكتان هو انهما كانتا جسراً عبرت عليه ألوان من حضارة الفرس والروم إلى الجزيرة العربية، واهم هذه الألوان الحضارية هي: الأديان، أنواع المعارف المختلفة، والقراءة والكتابة والفنون الحربية، والثقافة الفنية المنوعة.
ج. الحجاز: لم يستطع النفوذ الأجنبي أن يتوغل في ارض الجزيرة العربية، وظل الحجاز مستقلا، في وقت تم احتلال جميع الممالك العربية الأخرى من الفرس والروم والأحباش.
وفى عام الفيل تمت محاولة من الأحباش، لهدم الكعبة المشرفة، واستجاب الله سبحانه وتعالى لدعاء سيد مكة جد الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه بإنقاذ الكعبة، فلا قوة لديهم لصد العدوان "فأرسل عليهم طيرا ابابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول".
وما يلفت الانتباه هو الدعاء الذي كان ينشــده عبد المطلب وهو يطــــوف بالبيت منشدا والناس يرددون معه:-
يا رب لا أرجو لهم سواكا
يا رب فامنع منهم حمـاكا
إن عدو البيـت من عاداكا
امنعهم أن يخـربوا قراكا
فهذا الإنشاد الجماعي يدل على أن الشعر الغنائي المنغم كان موجودا في الحجاز ومعروفا منذ القدم، ولعل ذلك كان مأخوذا عن التراتيل الدينية للأديان الأخرى قبل ظهور الإسلام.
وهذا ينفى الادعاء بأن غناء "الحداء والسناد" فقط هي التي كانت موجودة أو معروفة لدى عرب البادية.
ومما تقدم: نرى أن الموسيقى والغناء العربي قبل الإسلام لم تكن فنون شعب منعزل على نفسه، بل أنه تأثر بالعصر الذي ظهرت فيه " ... وكانت الفنون والثقافة العربية في مستوى لا يقل عن مستوى الموسيقى الآشورية والفينيقية والآرامية ..".
وفى العصر الجاهلي كان الموسيقى شاعرا، والشاعر مغنيا، وكان الشاعر إذا لمس في نفسه ضعفا في مستوى صوته لجأ إلى مغنى ليردد عنه أشعاره، وكانت الآلات الموسيقية المنتشرة هي العود، والمزمار، والدفوف، الطبول، وغيرها.
Page 4

المبحث الثاني:الموسيقى العربية بعد ظهور الإسلام

كان العرب في الجاهلية يتكونون من شعبين وهما:
شعب عدنان: وهم عرب الشمال يقطنون في صحراء نجد والحجاز.
شعب قحطان: وهم عرب الجنوب موطنهم اليمن وحضرموت ومنهم تفرع عرب العراق وبلدان الشام.
وبعد ظهور الإسلام اختلطا، وصارت كلمة عربي، تشمل كل من يسكن المنطقة بكاملها.
وبعد ذلك بدأت الفتوحات الإسلامية شرقا حتى وصل العرب إلى الهند وحدود الصين وبلاد آسيا الوسطى.
وغربا وصلوا إلى مصر وشمال أفريقيا، كما وصلوا إلى جنوب أوروبا حتى الأندلس. وانتشر الدين الإسلامي، والحضارة العربية، وأسسوا الدول الباقية المعالم حتى هذا الزمن. وللحضارة العربية الفضل الكبير على ظهور الحضارة الأوربية منذ القرن التاسع.
في القرون الوسطى كان الفكر العربي يتغلغل في الغرب عن طريق التراجم، فقد تمت ترجمة أمهات الكتب العربية إلى اللاتينية، واللغات الأوربية، ومن هنا بدا عصر النهضة في أوربا.
وصف الجاحظ عرب الجزيرة: "بأنهم كانوا مطبوعين على حب الفروسية، والشجاعة، وانهم شعراء بالسليقة، يتذوقون الفن بإحساس عميق، ويحفظون القصائد والمعلقات عن ظهر قلب، وكان نظم الشعر ميدانا للتسابق بين فحول الشعراء العرب".
وكان للمدنيات القديمة والدول التي أسسها العرب منذ القدم وقبل الميلاد كالدولة المعينية 650-1200 ق.م. ودولة حمير 115-535 م. ودولة سبأ 115-950 ق.م. في ظل هذه المدنيات كانوا يجلبون الجواري والمغنيات من الجزيرة اليونانية ومصر والسودان وفارس، فلا يخلو بيت لحاكم منهن، وكان العرب ينظرون إلى ذلك على أنه نوع من الترفيه الزائد، لأن فنون الغناء لا يمارسها العرب ولا يميلون إليها كثيرا في ذلك الزمن.
وقد ارتبط الغناء بالشعر منذ البداية، وكانت الأنغام ما هي إلا مجرد حلية للشعر، والمعروف أن الشعر العربي له أوزان متنوعة، بعضها بسيط والآخر مركب، كذلك كان حالة الإيقاع في موسيقى العرب، فهي من ناحية الإيقاعات أغنى بكثير من أي موسيقى في العالم، ومصدر هذا الثراء هو عروض الشعر العربي وأوزانه.
في عام 600م. بدأ فجر الإسلام، فأبطل من عادات الجاهلية ما وجب إبطاله، وابقى على ما لا يؤثر على تعاليم الدين الإسلامي ولا يتعارض مع أحكامه، وهكذا اتخذ الغناء صفة دينية، وأصبحت تلاوة القرآن الكريم تلاوة منغمة، مجالا للتنافس بين أصحاب الأصوات الجميلة.
وانتشرت إلى جوار تلاوة القرآن الكريم الشعائر الأخرى مثل التمجيد والذكر والحضرة والسلاميات والمدائح.
أما بخصوص الغناء الدنيوي، فقد تضاربت الآراء بين معارض وبين مؤيد، وذلك من الصحابة والأئمة، إلا أنه من المؤكد أن الإسلام قد ابطل كل غناء فيه روح الجاهلية، والدليل على ذلك استقبال الأنصار لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بالنشيد العربي الإسلامي الخالد "طلع البدر علينا من ثنيات الوداع" هذا اللحن الذي لازال يتردد وسيستمر إلى الأبد.
كذلك في عام 630م قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية حاكم مصر (المقوقس) وهو الفارسي الأصل أهدى الرسول جاريتين من أقباط مصر، وهن السيدة مريم زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم وانجب منها إبراهيم، وشقيقتها سيرين التي أهداها عليه الصلاة والسلام إلى الشاعر حسان بن ثابت، وكانت سيرين تتمتع بصوت غنائي جميل وتعزف على آلة العود، وعن طريقها دخل الغناء المصري والعود المصري ذو الرقبة الطويلة إلى الجزيرة العربية، وتتلمذت على يد سيرين المغنية (عزة الميلاء) التي علمت كل من كان بعدها من المغنيات.
وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بدأت عصور الحضارة الإسلامية، وهى:
‌أ- الخلفاء الراشدين.
‌ب- الدولة الأموية.
‌ج- الدولة العباسية
‌د- دولة الأمويين في الأندلس.
Page 5

أ. الخلفاء الراشدين:

- أبو بكر الصديق رضى الله عنه: 632 – 634م. واستقر الوضع في عهده على ما كان عليه أيام الرسول صلى الله عليه وسلم.
- عمر بن الخطاب رضى الله عنه: تشدد في أمر السماع في البداية 634 – 644م. ولكن مشاغل الخلافة لم تمكنه من وضع تشريعات خاصة بالغناء والموسيقى.
- عثمان بن عفان رضى الله عنه: 644 – 656م. انتصر المسلمون في عهده على الفرس، فانتعشت الفنون، واصبح لمحترفيها منزلة كبيرة عند الشعب والدولة.
- على بن أبى طالب كرم الله وجهه: 656 – 661م. وقد أبدى رعاية للآداب والفنون، وسمح بتدريس الغناء، وظهر في عهده نوع جديد من الغناء يسمى (المتقن) لأنه كان اعظم في الإتقان اللحني من السابق عليه.
ونتيجة للرفاهية والاستقرار الذي عم الدولة الإسلامية، وانتصارها على الممالك التي دانت للإسلام، اخذ المسلمون ينظرون إلى أمور دنياهم بمنظار اكثر تساهلا وتسامحا عن ذي قبل، وظهر الاحترام لأهل الفن ومحترفيه من العامة ومن الأعيان والأمراء واصبح للأديب والشاعر والموسيقى مكانة مرموقة في المجتمع العربي.

ب. الدولة الأموية: 661 – 750م.

انتقلت الخلافة إلى دمشق، واتسعت الفتوحات فشملت الشرق كله، وامتدت إلى أوروبا، التي كانت لا تزال قابعة في عهود الظلام، وبفضل الإسلام والعرب نهضت حتى وصلت إلى عصور النهضة.
وبالنسبة للغناء انتشر الغناء المتقن الذي جاء به (سائب خاثر)، والذي كان يلاقى التشجيع من أمير المؤمنين (معاوية)، وأسس سائب مدرسة ظهر منها: عزة الميلاء – جميلة – ابن سريج – معبد.
وفى مكة ظهر لون مميز في الغناء والتلحين من المغنى والموسيقى (سعيد بن مسجح) حيث كان له مذهبه الخاص الذي رفض به كل أساليب الفرس والروم.
وتم في هذا العصر تسوية أوتار العود، على الطريقة الفارسية الموجودة للان وهى وجود الأوتار الغليظة من أعلى والحادة من اسفل، وكان (بن مسجح) أول من طبقها واخذ بها.
ووضع في هذا العصر أيضا (يونس الكاتب) أول المؤلفات في النظريات الموسيقية، وسيرة أهل الفن وصدرت الكتب: كتاب النغم – كتاب القيان.
وكانت أهم مصادر الموسيقى العربية في هذه الفترة هي الموسيقى الفارسية، واليونانية، ويظهر اثر الموسيقى الفارسية في الموسيقى العربية في التسميات الفارسية المستعملة في هذا الفن.
ويجب أن نفهم انه ليس معنى ذلك إن اصل الموسيقى العربية فارسي أو يوناني، بل كان العرب هم السباقون لوضع النظريات الموسيقية، ثم جاءت النظريات الموسيقية الفارسية واليونانية وامتزجت بها، فبقيت الموسيقى العربية محتفظة بميزاتها الخاصة، والدليل على ذلك هو رفض الملحنين العرب للطرق الفارسية والرومانية التي وجدوها غريبة عن الموسيقى العربية.
ورد في كتاب (إخوان الصفا):
"… أما الشعوب الأخرى كالفرس والروم فألحانهم وأغانيهم تختلف عن تلك التي وضعها العرب …".
وورد في (العقد الفريد) لابن عبد ربه:
"… كان لإسحاق الموصلي الذي عاش في القرن الهجري الثاني المقدرة على التعرف على اللحن اليوناني الأصل عند سماعه …".
وهذا يدل على إن هناك اختلاف بين الألحان اليونانية والعربية. ويقول الفيلسوف اسحق بن يعقوب الكندي في القرن الثاني الهجري:
"… إن دراسة الموسيقى إنما هي دراسة الفنون عند عدة بلدان مجاورة …".
وينبغي إن نشير إلى إن الحضارات القديمة قد أخذت عن بعضها احسن منجزاتها العامة والفنية، وهذه حقيقة يمكن الاستناد إليها للقول بأن موسيقى الحضارات المصرية والآشورية والفارسية والبابلية واليونانية والعربية، تشترك في آلاتها ونظرياتها، وهذا يجعل لها طابع قريب التشابه إلى حد ما، فالموسيقى في ذلك العصر كانت لغة واحدة مشتركة، مع تغير لهجاتها في كل هذه الحضارات، فتتميز الواحدة عن الأخرى وتبرز شخصية كل منها دون إن تترك مجالا للخلط بينها.
وكانت اليونان تتميز بتدوين وتنسيق علومها وفنونها وتدوين علوم وفنون الحضارات الأخرى أيضا، ولذلك فالمخطوطات اليونانية القديمة هي التي حفظت لنا النظريات من الضياع والاندثار.
بالنسبة للبلاد العربية كان موقف الخلفاء الأمويين (السبعة) هو تشجيع الفنون والآداب ورعاية المبدعين، وأقاموا المسابقات الأدبية والغنائية وخصصوا لها الأموال اللازمة، وكان عدد من الخلفاء الأمويين يعزف على آلة العود.
وكانت السيدة سكينة بنت الحسين، تشجع المغنين الذين ينشدون مراثي أهل البيت وأشهرهم (الغريض) وكانت تسمح للناس بحضور هذه الجلسات الغنائية الدينية.
Page 6

ج. الدولة العباسية: 750 – 847م.

وهذا هو العصر الذهبي الذي انتقلت فيه الخلافة من دمشق إلى بغداد، التي كانت من اجمل واكبر مدن العالم في العصور الوسطى.
وتطورت في هذا العصر كلمة (عربي) فلم تعد تعنى الجنسية العربية، بل شملت كل من كان يتكلم اللغة العربية، ومقيم في ارض الدولة العربية، من أي جنسية كانت.
دامت الخلافة قرنا كاملا، تعاقب فيه على الحكم (تسعة خلفاء) كان عصرهم أرقى العهود اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وفنيا، وقفزت الحضارة العربية خطوات هائلة واصبح العرب على شغف شديد بمعرفة العلوم والفنون والآداب،وأوصلوا اللغة العربية إلى أن أصبحت هي لغة العلم والثقافة والفن.
وحيث أن الفنون عامة من دلائل الترف في الحياة، فهي لا تستطيع الازدهار إلا حيث يسود الاستقرار والرخاء ويرتقى الفكر ويتم صقل الحضارة.
والموسيقى موادها الأولية إحساس ومشاعر، وأدواتها الأوتار والحناجر، وسلعته نغم وإيقاع، وهو صناعة، ومشجعيها لا يوجدون إلا في مجتمع متحضر ثقافيا، مزدهر اقتصاديا، يتذوق الفنون، ويحس بالجمال والمحبة للخير والحق والجمال.
في الدولة العباسية (العصر الذهبي) ازداد عدد المقامات والأوزان، وتنوعت الآلات الموسيقية، حتى كان العود قد وصل إلى ثمانية أنواع وهى:
المزهر – الكران – البربط – الموتر – المغنى – الشبوطى – المدرسي والكامل.
وشاع استعمالا ودراسة العزف عليها من عامة الناس لأن الفن والغناء صارت له مكانة جديرة بالاحترام.
في هذا الوقت كانت أوروبا لازالت في عصر الظلمات إذ كانت قوانين بعض بلادها لا تعطى للموسيقيين حق التوريث ومن يقتل موسيقيا لا يلزمه القانون بدفع الدية !!
وفى باريس حتى عام 1292م، لم يدرج الموسيقيون في قائمة دافعي الضرائب، ولم يسمح لهم بالإقامة في غير حي المهرجين واستمر هذا الوضع حتى القرن الثامن عشر !!!.
ومن مآسى هذا العصر أن موسيقارا عظيما مثل (موتسارت) لا يعرف أين دفن حتى الآن لأن الفنان في ذلك الوقت يعامل معاملة الخدم في قصور النبلاء، إذا مات يدفن في مقابر المجهولين!!!.
في هذا الوقت كانت المدنية العربية في قمة ازدهارها، والكتب العربية عن العلوم والآداب والثقافة والفنون العربية ملأت وانتشرت في بلاد فارس والهند في آسيا الوسطى، وظهر في كل البلاد التي دخلتها الحضارة العربية العشرات من العلماء والفلاسفة والفنانين والفلكيين وعلماء الرياضيات والكيميائيين، ورجال الصناعة والتجارة.
وكل هذا جعل من الحضارة العربية منارا ينشر أشعته في أوربا فيحيل ظلماتها إلى تقدم وازدهار.
ومن أعلام وفلاسفة العرب الذين تناولوا في مؤلفاتهم العلوم الموسيقية، وثبتوا أسسها، ووضعوا نظرياتها قبل أن يعرف الغرب شيئا عن ذلك بمئات السنين، نذكر منهم:
1. الفيلسوف العالم اسحق بن يعقوب الكندي:
درس في صباه القران الكريم، وفقه الدين، وعلوم المنطق، ودرس العلوم العقلية، وتبحر في علوم اللغة والأدب والفلسفة، ترجم العلوم اليونانية والسريانية والهندية في دار الحكمة ببغداد.
كان الكندي رائد مدرسة شراح الإغريقية وأستاذها الأول بلا منازع.
له مائتين وأربعون كتابا ورسالة (في 17 علما) ومنها عدد يختص بالفنون الموسيقية.
وفى مؤلفاته عن الموسيقى قسم الديوان الكامل إلى اثنتي عشر درجة تنفصل كل منها عن الأخرى بمسافة ونصف (2/1 1 تون).
وتوصل الغرب بعد عصر الكندي بعدة قرون إلى السلم المعدل وهو لا يختلف كثيرا عن السلم المعدل الذي أتى به الكندي في الأصل.
نظريات الكندي عرفها العرب قديما وانتقلت معهم إلى الأندلس ثم انتشرت في أوروبا بعد ذلك، ومنها نظام التدوين ونسب مواقع عنق النغم بالأصابع بالأشكال البيانية عن الأوتار.
والكندي تعدى بالموسيقى مجال السمع، فهو يخرج من الألحان إلى الألوان، ويشرح طبيعة كل لون، وتأثيره على النفس، ويناظر بينها وبين المقامات.
فالألوان في نظره كالألحان تعبر عن المشاعر النفسية والقوى الحيوية التي توحي بها.
والعطور اسماها الموسيقى الصامتة لأنها تنبه الحواس كالألحان والألوان.
وللكندي كتاب ممتع جدا في فلسفة الفنون الموسيقية، وله دراسات في العلاقة بين الأبراج السماوية وتركيب أجزاء العود، ودراسات في أوتار الآلات الموسيقية وطبائع الكون، وربط أنغام الموسيقى ومقاماتها بالكواكب وأيام الأسبوع.
Page 7
2. محمد أبو نصر الفارابي 870 – 950م(16):
هو مؤلف كتاب (الموسيقي الكبير) الذي عرض فيه الكثير من المقارنات بين الأبعاد الفيثاغورية والعربية وأعطى نماذج مختارة في المتآلف والمتنافر.
وهو الأستاذ الثاني لمدرسة شراح الإغريق بعد الكندي، قال عنه المستشرقون: "... مؤسس الفلسفة العربية ..."، وقالوا عنه "... وليس شئ مما يوجد في فلسفة ابن سينا وابن رشد، إلا وبداية جذوره موجودة عند الفارابي ...".
كان العرب يطلقون على ارسطو لقب المعلم الأول للإنسانية ولذلك أطلقوا على الفارابي لقب (المعلم الثاني).
بدا الفارابي حياته فيلسوفا، ووسط حياته متفننا، وختم حياته متصوفا، وكانت مواهبه في الموسيقى بارزة علما وفنا، وكتب اشهر رسالة في نظريات الموسيقية الشرقية.
3. أبو على الحسين بن سينا 370 – 428هـ:
علم من إعلام زمانه في علوم الدين – اللغة – الفلسفة – الرياضيات – المنطق – الأدب – علم النفس – الطب – والموسيقى.
كانت بحوثه في الموسيقى تتجه للجانب العلمي البحت متحللا من أوهام الاعتقادات وضروب الخيال كارتباط الموسيقى بالفلك والأجرام السماوية، وكانت معالجته للموضوعات الموسيقية تتصف بالدقة والعمق وتقوم على أساس الرياضيات والعلوم الطبيعية. وهو يقول في هذا "... الموسيقى علم رياضي يبحث في أحوال النغم من حيث التآلف والتنافر، وأحوال الأزمنة المتخللة بينها ...".
وهو أول من كتب في تعدد الأصوات، التي تصدر في آن واحد عن الآلات الموسيقية، مثل المزمار المزدوج وآلة الاولوس عند الإغريق، وفى العزف على اكثر من وتر واحد في ذات الوقت في الآلات الوترية كالكمان والقانون والعود وغيرها، فهذا الموضوع لم يلتفت إليه أحد من العلماء في مصنفاتهم النظرية، ولم يتناول تعدد الأصوات بالبحث العلمي قبل ابن سينا أحد.
وقد كتب ابن سينا تعدد الأصوات دون التأثر بأي أحد وكان ذلك في بداية القرن العاشر وبعده بعشرات السنين اتخذت الموسيقى في الغرب طريقها نحو تعدد الأصوات بينما ظلالشرق محافظا على الطابع القديم فانفصلت كل منهما عن الأخرى، بعد أن كانت الموسيقى العربية والأوربية تسيران سيرا متساويا ما قبل هذا العهد.
ومن الباعث لذلك ما تستعمله الكنيسة في التراتيل من اختلاف في الأصوات ثم الأداء الجماعي، وهذا ما أوحى للموسيقى الإيطالي (هوكبال) ليكتب في مؤلفاته النظرية عن تعدد الأصوات وإمكان امتزاج نغمة الأساس بالرابعة أو الخامسة أو الثامنة، ولذلك لقب هذا الموسيقى الإيطالي (أبو الهارموني)(17).
وخصص ابن سينا فصلا خاصا عن الإيقاع شرح فيه أنواعه المختلفة، ووصل إلى أنه في مقدور الموسيقى أن تستخدم من الإيقاع ما لا حصر له. ثم مزج بين الموسيقى والشعر من حيث الإيقاع وتناول الحديث عن التفاعيل والأوزان ووصل إلى أنه هناك ثمانية أنواع رئيسية تتفرع منها شعب وأقسام، وهى:
الهزج – خفيف الهزج – الثقيل الأول – خفيف الثقيل الأول – الرمل – خفيف الرمل – الثقيل الثاني – الماخورى.
كما خصص فصلا للآلات الموسيقية بأنواعها الثلاثة:
آلات النفخ – الوترية – الإيقاعية
وجعل لكل منها أقساما وفروعا، وخصص للعود بحثا مطولا فهو في نظره الآلة المثالية الأكثر استعمالا(18)، وهو أول من افترض نظريا إضافة الوتر الخامس حتى يكتمل أداء العود بالدواوين المطلوبة(19).
وكان ابن سينا من كبار علماء الإسلام وفلاسفتهم، وكان لإنتاجه الفكري الأثر الكبير في الشرق والغرب، ولقبه علماء الغرب بارسطو، واطلق عليه العرب معلم الإنسانية الثالث، عاش 58 عاما ألف خلالها 376 كتابا ورسالة. وكان متميزا بالدقة والابتكار في كل مؤلفاته، ووصلت بعض مؤلفاته مثل، الشفاء والنجاة إلى موسوعات بل ودائرة معارف.
ومن إعلام العصر العباسي أيضا:
4. صفى الدين عبد المؤمن الارموى:
عرف كعالم موسيقى، وكان شاعرا، وخطاطا بارعا، له كتب لازالت موجودة للآن منها:(20)
1- كتاب الأدوار: ويتكون من 15 فصلا، عن النغم والأبعاد والتأليف والأدوار وآلة العود، والطبقات، والاصطحاب، والإيقاع، وتأثير الأنغام، والعزف.
2- كتاب الشرفية في النُّسب التأليفية: يتكون من خمسة فصول عن قواعد الصوت، والأبعاد، والأجناس، والأدوار، والإيقاعات.
ومن اشهر الإعلام في العصر العباسي في الموسيقى والغناء:
- إبراهيم الموصلي 743 – 804 م.
- إسحاق الموصلي 767 – 850 م.
- إبراهيم بن المهدى 779 – 853 م.
- أبو الفرج الأصفهاني 807 – 967 م. وهو الذي وضع كتاب (الأغاني للأصفهاني) المعروف.
وأما عن إعلام الغناء في العصر العباسي فهم كثير، منهم:
يحيى المكي – أن جامع – منصور زلزل
ومن المغنيات:
بذل – شارية – متيم الهاشمية
وغيرهم الكثير ممن اثروا حركة الفنون الموسيقية والغنائية، بألوان عدة من الألحان وأساليب الأداء المختلفة، بالخبرة التي اكتسبوها من خلال امتزاج الحضارات التي اندمجت بها الحضارات العربية.
Page 8

د. دولة الأمويين في الأندلس:

في دنيا الفنون عندما نذكر الأندلس، فإن الحديث يكون عن الزَّرياب أو الزِّرياب أو ما عرف بلقب زرياب (أبى الحسن على بن نافع).
وقصة هجرته إلى الأندلس معروفة للجميع، والتي جاءت لمحاولة زرياب الغير مقبولة واللا لائقة بانتهازه الفرصة أمام الخليفة، لاغتصاب عرش الغناء من أستاذه الذي قدمه للخليفة من باب الاعتزاز بأحد تلاميذه، فإذا به ينقلب عليه وهو ما زال في أول مشواره الفني!!.
ولكن النتائج التي ترتبت على هذه المحاولة، كانت نقطة تحول تاريخية في الاتجاه الموسيقى والغنائي، فلقد هاجر زرياب من المشرق العربي إلى المغرب الأقصى، فكان فنانا ومعلما ومهذبا، جاء إلى العالم الغربي فعلمهم الفنون والآداب والأعراف والتقاليد، والتعامل وفن الموسيقى، وفن الحديث، وفن الاستماع، وكل ما له علاقة باللياقة والذوق والتذوق.
وصل زرياب إلى الأندلس، وبعد محاولات تم استقباله من الحاكم الذي أكرمه ورحب به، وكان سعيدا بمقدمه.
وبدأ زرياب نشاطه في الأندلس، بنشر الموسيقى الشرقية، والعادات الاجتماعية العربية، حتى عمت كل بلاد الأندلس، بل وانتشرت إلى العالم الأوربي كله.
"... وقد كان لزرياب تأثير كبير في نقل كثير من العادات الشرقية السائدة في بلاط بنى العباس إلى بلاد الأندلس، وقد أخذت تلك العادات الحضارية تنتشر في كثير من التأنق والذوق الناعم، وتبدو على الأخص في الأكل، وفى قوانين المآدب والحفلات، وقد كان لقدوم زرياب تأثير كبير في الحياة الاجتماعية والأدبية والفنية ...".
وأسس زرياب أول معهد لتدريس فنون الموسيقى، واستدعى من المدينة المنورة مجموعة من الأصوات الغنائية لنشر الموسيقى العربية بأصولها التراثية القديمة.
وبدأ زرياب القرطبي (اسمه الجديد) نشاطه الفني بالمعهد وكان من أول الطلبة لديه أولاده الثمانية وابنتاه: علية وحمدونة، إلى جانب عدد آخر من الطلبة والطالبات.
ووضع زرياب الشروط اللازم توافرها في الطلبة والطالبات، وهى تتلخص في إخضاع الطالب لاختبار قبول وفحصه لموهبته من حيث الإيقاع، وضبط الصوت، فإذا نجح قبل ضمن الطلبة.
ونقل جميع أنواع الآلات الموسيقية المعروفة في عصره في بلاد المشرق العربي "... حتى توافر للأندلس ثروة من تلك الآلات لم تعرفها بلد قبله ..."، ومن هذه الآلات:

أ.الآلات الوترية: (العزف بالريشة).

- العود القديم ذو الأوتار الأربعة.
- العود الكامل ذو الأوتار الخمسة، (عود زرياب المبتكر).
- آلة الشهرودة. (وهى تشبه آلة القانون).
- الطنبور، والقيثارة، والمزهر.
- آلة القانون، والنزهة.
- الكنارة أو الجنك (أي الهارب). والجنك من أنواع القانون.

ب. الآلات الوترية: (العزف بالقوس).

- الربابة على اختلاف أنواعها.
(وهى التي أخذت عنها أوروبا عائلة الكمان)
كمان – فيولا – شيللو – كنترباص
وقد أخذت هذه الآلات تسميات أوربية محورة عن العربية، فكانت الأسماء:
القيثارة Quitar الربابة Rubebe
الهارب Harp وهو من الآلات الموسيقية الفرعونية المصرية القديمة الموثقة اثريا.
Page 9

ج. آلات النفخ الخشبية:

آلة المزمار، الناي، الشبابة، الزمارة والصفارة.
(وعن هذه الآلات أخذت أوروبا آلات عائلة الاوبوا).
Haut-bais.
د. آلات النفخ النحاسية:
- آلة البوق – النفير.
- آلة الهورن (Horn) وهى مأخوذة عن قرون الحيوانات.
- آلة الكلارنيت (Clarnet).
هـ. الآلات الإيقاعية:
- آلات الدفوف Adfufe
- آلة البندير Pandero
- آلة الصنوج Sanajes
- آلة النقر Naker أو Nacaire
- آلة الطبل Timbale أو Timpani
وهناك آلة أطلق عليها زرياب اسم (الشقير) (Echiquier)، وهى من ابتكاره، وهى ذات ملامس سوداء وبيضاء، وهى التي أخذت عنها آلة البيانو في ما بعد.
واكد هذا الباحث البريطاني (كورت زاكس) وبذلك يكون البيانو آلة عربية. فالشقير هو الاسم القديم لآلة الكلافسان، ويعتبر هذا من أسلاف البيانو وعليه صار تعديل السلم.
"... أما الدور الهام في نقل فن الغناء العربي إلى القصور الملكية المسيحية، فقد قام به الأسيرات اللواتي كانت القصور المسيحية تحرص على الاحتفاظ بهن للموسيقى والغناء والرقص والسمر، وأن ذلك لم يكن مقصورا على القصور الملكية فحسب، بل وقصور الأشراف أيضا، وكان هؤلاء المغنيات يتحلين بحلي الأندلسيات، ويلبسن لباسهن، وكن فتيات جميلات وسيدات جميعهن سمراوات البشرة، سوداوات العيون، يرقصن رقصات أندلسية غاية في الروعة، وكن يعاملن الناس معاملة كريمة غاية في الظرف، كما أن هؤلاء المغنيات العربيات كن يتمتعن بتقدير وحب عظيمين ...".
وقد نشر زرياب الفن الغنائي بين جميع أفراد الشعب القرطبي كبارا وصغارا "وأصبحت قرطبة مسرحا عظيما، يغنى ويعزف ويرقص، وسرعان ما وجدت في قرطبة مجالس للغناء بمستوى لا يقل عظمة وفخامة عن مجالس بغداد، حتى لقد اشترك في أحد تلك المجالس مائتان من المغنين والمغنيات ليضربن بمختلف الآلات الموسيقية والإيقاعية من عيدان وطنابير ومزامير ...".
ووصل حيث زرياب وتأثيره في المجتمع الأندلسي كل أرجاء أوروبا، حتى بلغت شهرة التطور العلمي والثقافي والفني مبلغا جعل ملك إنجلترا (جورج الثاني) يرسل ابنة أخيه الأميرة (دوبانت) على رأس بعثة من بنات الإشراف يرافقهن رئيس موظفي القصر الملكي الذي يحمل كتابا من الملك إلى الخليفة هشام الثالث، ومعه الهدايا والتحف النادرة. ومما جاء في هذا الكتاب (الرسالة):
"... بعد التعظيم والتوقير، فقد سمعنا عن الرقى العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم والصناعة في بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم لنشر نور العلم في بلادنا التي يحيط بها الجهل من أركانها الأربعة ..." !!!!
Page 10
وجاء في آخر الرسالة:
"... وقد زودت الأميرة الصغيرة بهدية متواضعة لمقامكم الجليل، أرجو التكرم بقبولها مع التعظيم والحب الخالص ...".
من خادمكم المطيع
(جورج الثاني)
ملك إنجلترا والغال والسويد والنرويج
ويذكر المؤرخون أن البعثات توالت على الأندلس بعد دخول زرياب إليها بما لا يزيد عن عشرة أعوام حتى بلغ عدد الموفدين لتلقى العلم (700) سبعمائة طالب وطالبة من أسبانيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا.
وتعتبر شخصية زرياب اعظم شخصية في عصره بالأندلس، وكذلك (يحيى بن يحيى) فقد كان لهما اثر كبير في التقدم الحضاري الذي وصلت إليه الأندلس.
وتخرج من معهد زرياب للموسيقى عدد كبير من إعلام الطرب أما من أولاده فقد تخرج أربعة فقط وهم: عبد الرحمن وعبد الله ومحمد وقاسم وابنتاه علية وحمدونة واشتغلوا بالفن، وتزوجت حمدونة أحد وزراء الدولة.
وكان ابنه عبد الرحمن قريبا من مكانة والده ولكن غروره واعتزازه الزائد بنفسه لم يوصله لشيء !!
وارتفعت مكانة زرياب اكثر عندما بدا طلبته يتحولون إلى مدرسين ومدرسات يعلمن الأحرار من نساء الأندلس تلك الفنون في حشمة ووقار، واقبل الناس على دراسة العلوم الموسيقية.
وانتشرت المعاهد الموسيقية في اشبيليا وطليطلة وبلنسية وغرناطة، وغيرها من أرجاء البلاد.
وظهرت أنواع جديدة من الغناء وهى الموشحات والأزجال واشتهرت اشبيليا بصناعة الآلات الموسيقية وتصديرها للخارج.
وكان ذلك كله بفضل عربي، تمكن وحده من غزو العالم خلال فترة قصيرة من عمر التاريخ، فماذا كان سلاحه؟ .. العزيمة والثبات والثقة، والدعم المادي والمعنوي من الدولة.
والموهبة وحدها لا تكفى إذ لابد أن يساندها العلم. فكانت المعاهد الموسيقية على المستويات العلمية الراقية.
ولا اعتقد أننا في حاجة إلى سرد المزيد من الشواهد على فضل العرب على أوروبا في الثقافة والفنون إلا أنني أود أن أقول أن زرياب قد توفى عام 852 م. وبين زرياب وبيتهوفن وموتسارت اكثر من ألف عام فرق زمني.
ولذلك لابد من المقارنة بيننا نحن العرب وما كنا عليه في القرن التاسع الميلادي، وما كان عليه الغرب الأوربي في القرن الثامن عشر الميلادي من تخلف، تثبته هذه الوقائع:
في عصر أوروبي متقدم 1756 – 1791 هذه الفترة هي التي عاش فيها: موزارت الموسيقار النمساوي والموسيقار بيتهوفن، كان موزارت رغم عبقريته يعمل في قصر الحاكم ويقيم مع الخدم والطباخين ويعامل كما يعاملون ويهان كما يهانون ويأكل في المطبخ مثله مثل الخدم.
وكان الحال كذلك بالنسبة لبيتهوفن، ولو انه كان متمردا على العادات والتقاليد ولا يحب التسلط الفردي، ولكنه عاش فقيرا متشردا مريضا.
ومن المآسى أن موزارت عندما مات كانت جثته رهينة في مديونية مالية ولم يسمح بدفنه إلا بعد أن دفع الحاكم على مضض هذا الدين، وتم دفنه بعدها في مقابر المجهولين !!!
قارنوا بين هذا العصر وعصر زرياب الذي يسبقهم بحوالي ألف عام .. إلا يتضح لكم تباين المستوى الحضاري والفكري في مدى تقدير العرب والعصر الذهبي الأندلسي وكذلك العباسي لأهل الثقافة والأدب والفن والعلوم، وما لاقاه عباقرة أوروبا في عصرهم الذهبي عصر الموسيقى الكلاسيكية والرومانتيكية، والتي أساسها جميعا المجد العربي في عالم الموسيقى والغناء والعزف الآلي.