Page 1
الموت بوابة الخلود
الموت حقيقة الحقائق في أرضنا، وهو قسيم الحياة، ففي كل لحظة موت وحياة:
في الجسد الواحد خلايا تموت وخلايا تتجدد.
وفي كل لحظة يغادر الحياة أناس ويهلُّ على الأرض أناس .
في المستشفى الواحد غرفة للمواليد وثلاجة للموتى.
الموت هو الحقيقة الحاضرة الغائبة التي تأتي في كل لحظة وكأنها تأتي أول مرة، ونتخلص من حضورها سريعا، وكأننا بتجاهلها نحاول وأدها، وهي لا تلتفت إلى تجاهلنا بل تأتي في كل لحظة لتزور مكانا ما أو أكثر في الأرض، وتمضي بحمولتها مرة إثر مرة لا تعبأ بمن يرضى بها أو يسخط عليها ومن يحبها أو يكرهها.
نودع موتانا في المقابر ونحن نتحدث عن دنيانا، نحاول أن نبعد عن أنفسنا فكرة أننا سنموت.
ونقيم مجالس العزاء التي يغلب أن يحضر فيها كل شيء إلا ذكر الموت الذي نحاول أن نلقي عليه أستارا من التقاليد الاجتماعية والعادات التي تحوّل مجلس الموت إلى مجلس تباه بمن حضر وعدد من حضر، وبما يرافق ذلك من تقاليد الطعام والشراب بل بختام أيام العزاء بالحلوى التي نحاول أن ننسى بها مرارة الموت .
وتتردد على ألسنة بعضنا جملة يكررها بغفلة وهو يعزي أهل الميت قائلا: خاتمة الأحزان !!
وهل للأحزان في هذه الدنيا خاتمة ؟
ومن الناس من يقول : البقية في حياتك !!
وهل ترك الميت بقية من عمره لغيره؟
إنه لم يمت حتى استوفى رزقه وأجله.
نتجاهل الموت؛ وهو حقيقة الحقائق التي لا يجادل فيها مؤمن ولا كافر.
Page 2
يستوي في ذلك من يرى أن بعد الموت بعثاً وحساباً وحياة جديدة يلقى فيها جزاء ما قدم من خير أو شر،
ومن يراه خاتمة المطاف ونهاية مسرحية لم يعرف كاتبها ولا مخرجها ولم يدر لماذا جاء ولماذا غادر.
جاء لا يعرف من أين وسيمضي إلى مجهول يسعى إلى أن يكون عدما ليؤمِّن لنفسه راحة العدم؛ لأنه لم يعد نفسه لوجود جديد ولم يحسب حسابه.
كثيرا ما نتجاهل الموت لأننا لم نفرغ بعد من أمور دنيانا ولم نرتب أوراقنا لنقول إننا جاهزون للرحيل.
لم نجهز حقائب سفرنا ولم ننتبه إلى أن مقعد رحيلنا عن دنيانا محجوز لنا منذ تخلقنا أجنة في أرحام أمهاتنا.
ولم نتنبه إلى أننا في هذه الدنيا أشبه ما نكون بالركاب في صالة انتظار في المطار أولئك الذين يسمح لهم بالتجوال في المنطقة الحرة بكل إغراءاتها وتبرجها وإعفاء ما فيها من الرسوم الجمركية.
بعضنا أو لنقل إن كثيرا منا نسي أنه في صالة الانتظار، وأن جولته في السوق الحرة عارضة مؤقتة، وأن عليه حين ينادى عليه بالتوجه إلى بوابة كذا أن يستجيب.
بل عليه ألا ينسى أنه في صالة انتظار.
وأنه ليس في دار قرار.
وأنه وهو في هذه الصالة كان تحت رقابة صارمة تسجل بالصوت والصورة كل حركاته،
وأنه عند الخروج من البوابة سيُسأل عما فعل وسيتم تفتيش ما معه من البضاعة،
وأنه سيستخرج منه ما أخفى مما مدَّ إليه يده حين نظر يمينا ونظر شمالا وظن أن لم يره أحد، وأخفى ما أعجبه في جيبه حينا، أو دسَّه في حقيبته حيناً، من غير أن يدفع ثمنه.
كل ذلك سيستخرج منه ويسأل عنه ولن ينفعه أن يقول: أنا لم آخذ هذه الأشياء بل تسللت إلى جيبي أو اندست في حقيبتي!!!
Page 3
لن ينفعه ذلك ولن يستطيع الإنكار حين يوضع أمامه شريط مسجل يرى نفسه فيه منذ لحظة الدخول حتى بوابة الخروج، ويقال له: لن نقول لك شيئا بل سندعك أنت تحكم على نفسك.
قد لا يكون الحديث عن الموت أمرا شهيا، ولكن هل نملك إلا أن نتحدث عنه؟
وهل يجدينا شيئا تجاهله وهو لا يتجاهلنا، بل يخطف منا من انتهى أجله، وسيأتينا الدور شئنا أم أبينا، أحببنا أم كرهنا؟
أليس الأجدى لنا أن نفهم هذه الظاهرة القاهرة، الغائبة الحاضرة التي تملأ العيون دمعاً، والحلوق غصصاً، والصدور حزناً ؟
لماذا لا نسعى إلى فهم الموت فهما إيجابيا يجعل لحياتنا معنى ويملؤها بكل نافع، ويضمن لنا طمأنينة القلب في الدنيا وحسن المنقلب بعد الرحيل عنها، فيتحول الموت من ظاهرة تثير التشاؤم إلى ظاهرة تضبط مسار الحياة.
ظاهرة لا تقول: كل وتمتع فإنك ستموت،
أو أعرض عن كل شيء ما دمت ستموت.
بل تقول: استقم في حياتك لأنك ستموت،
عمّر الأرض بالخير لأنك ستموت.
Page 4
أوهام حول الموت
يرتبط الموت لدى كثير من الناس بظاهر ما يحدث لجسد الإنسان وغياب ما وراء ذلك،
ذلك أن المشاهد المحسوس المقطوع به هو ما نعرفه عن الإنسان الذي مات من أنه يتغير:
فالجسم يفقد الحياة والحركة والتفاعل والقدرة،
كل ذلك يزول ويسلب منه،
ويتحول إلى جثمان، أي إلى جسد هامد يجثم مكانه ولا يتحرك بنفسه.
ثم ما يتبع جثوم الجسد من مسارعة إلى دفنه في القبر، وما يرتبط به الدفن من تحلل الجسد وتلاشيه.
فهل الموت هذا فحسب ؟
هل الموت تلاش وفناء وانتهاء لمن كان ملء السمع والبصر والقلب؟
كثيرا ما يتوقف العقل البشري عند هذا المشهد ولا يتابع ما وراءه، إما عجزا عن الإدراك أو تقصيرا في استحضار المشهد الخفي الذي جاءتنا عنه نصوص صحيحة في كتاب الله وسنة رسوله .
نصوص تجعلنا نرى ما لا تراه العين من حقيقة الموت، وما يكون مع الميت بعد انفصال الروح عن الجسد وانطلاقها إلى أفق لا ندركه بالعين المجردة ولا نسمع ما يجري فيه بآذاننا.
وقبل الوقوف على ما وراء المشهد المنظور من أحوال الموت والميت، لنقف على أمر لا بد من استحضاره،
أمر مرتبط بالأرض التي نعيش فيها ومتطلبات الوجود فيها.
الله تعالى حين خلق آدم جعله بشرا من طين الأرض، ونفخ فيه من روحه،
فالإنسان: جسد طيني أرضي
Page 5
ونفخة ربانية،
هذه النفخة تجلّى وجودها وأثرها وصفاتها من خلال هذا الجسد الطيني الأصل،
ويبدو أن من أراد الظهور في عالم الشهادة الأرضي لا بدّ له من جسد، شأنه في ذلك من باب التقريب شأن من يلبس البدلة الفضائية من رواد الفضاء الذين يخرجون خارج الجاذبية الأرضية، وبغير هذه البدلة لا يستطيعون الاستمرار في الحياة.
فهذا الجسد هو بدلة الفضاء للنفخة الربانية التي صار بها الإنسان إنسانا، وكائنا مكرما، له من القدرات ما ليس لغيره من الأحياء التي تشاركه هذه الأرض.
ولعل مما يزيد الأمر وضوحا أن الملائكة حين يدخلون عالم الشهادة في الأرض يلبسون جسدا أرضيا يمكن إدراكه بالمشاهدة والتعامل معه،
ولذلك حين طلب المشركون أن يكون الرسول ملكا قال الله تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ) [الأنعام: 9].
ويدل على ذلك ما كان من أمر جبريل عليه السلام حين جاء مريم وقال القرآن الكريم عنه: (ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ) [مريم: 17].
وكذلك حاله في الحديث المشهور الذي رواه مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جاء النبي وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأماراتها، فقد ظهر في صورة شخص شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر حتى خفي أمره على الصحابة، وورد أنه كان يظهر في صورة دحية الكلبي .
أخلص من هذا إلى أن النظر إلى الموت من خلال الجسد الفاني المتحلل في القبر، وغياب الجزء الآخر من الصورة عن أذهاننا، صورة ما يكون من أمر الميت في عالم الغيب بعد أن اختفت صورته من عالم الشهادة، ذلك النظر يؤدي إلى قصور في تصور الموت.
الموت ليس فناء بل هو انتقال إلى مرحلة جديدة في مسيرة الإنسان من لحظة خلقه في عالم الغيب: (ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ) [الأعراف: 172].
إلى لحظة توجه الناس زمرا: المؤمنون إلى الجنة والكافرون إلى النار،
ويمر الإنسان ما بين اللحظتين بمراحل يعي بعضها ومراحل لا يعيها.
فمن منا يذكر مرحلة الرحم والولادة ومرحلة ما قبل الوعي والتذكر ؟
معنى هذا أن إدراكنا لحقائق الوجود محصور بوسائل الإدراك من سمع و بصر وحواس أخرى وفؤاد أو قلب أو عقل، ووراء ما ندرك عوالم وحقائق لا يعلمها إلا الله ، قد نطلع عليها في رحلة وجودنا.
Page 6
أوهام حول الحياة والإنسان
يرتبط الحديث عن الموت بالحديث عن تصورنا للحياة وتصورنا عن الإنسان ووظيفته في الوجود وسر خلقه.
واسمحوا لي أن أستعير جملة كنت أسمعها من إحدى جداتي تلخص موقف كثير من الذين يتحدثون عن الموت من حيث يريدون أو لا يريدون هذه الجملة هي: (خلقنا وعلقنا)
فهل نحن فعلا علقنا في كوننا مخلوقين وهل الحياة ورطة؟
سؤال قد يبدو عجيبا ولكن إن نحن تدبرنا في حديث كثير من الوعاظ والدعاة عن الحياة والإنسان والموت وجدناها كذلك، وحاشا لله أن تكون كذلك.
وهي نظرة بدأت في وقت مبكر من عهد التابعين الذين انعزل بعضهم عن الحياة وعطل ما أودع الله تعالى فيه من القدرات، ولو أن المجتمع سار على منهج هذا النفر لتعطلت الحياة ولخفي سر الخلق، ومن شاء فليرجع إلى كتاب صفة الصفوة لابن الجوزي، ولينظر شواهد كثيرة لما أقول. [ولعلي أنشر قريبا دراسة أعددتها حول هذه الظاهرة بعنوان: الزهد في الإسلام ( قراءة في كتاب صفة الصفوة )].
إن منهج: لدوا للموت وابنوا للخراب.
ومنهج: نح على نفسك يا مغرور إن كنت تنوح.
ومنهج الترهيب المعطل للحياة.
هذا المنهج هو الذي نجده في بعض المواعظ والدروس (التمثيلية) نعم أقول: (التمثيلية (التي يتحول فيها الواعظ إلى ممثل تراجيدي،
في طريقة عرضه لفكرة الحياة والموت،
وفي تركيزه على جانب من الحياة،
ويغدو مثل هذا الوعظ كابوسا لا يستطيع سامعه أن ينام دون أن تصيبه الكوابيس.
Page 7
في هذا الأسلوب من الوعظ إغفال أمر مهم هو أن الله تعالى قد جعل الإنسان مظهر أسمائه الحسنى في أبهى صورها وأجلاها.
وأن هذا الإنسان بالنفخة الربانية المكرمة له صار كائنا فاعلا في الوجود لا منفعلا متأثرا فحسب،
وأن الله سبحانه قد سخّر ما في السماوات وما في الأرض لخدمته ولتوفير متطلبات الحياة له في هذه الأرض، لتتجلى على يديه وبما يكون منه آيات الله تعالى،
وليدرك من هذه الآيات ما ينكشف له في عصره، وفي النظر في توالي العصور ومنجزات الإنسان حيث ندرك عظمة الخالق وحكمته ورحمته.
أقول: إن هذا المنهج الذي قد كان من قبل نتيجة فهم جزئي للدين والحياة وخلق الإنسان،
وكان ردة فعل أحيانا على انجراف المجتمع نحو الدنيوية التي تتغلب فيها الغفلة على القلوب، والرضا بالحياة الدنيا والاطمئنان إليها؛ مما يؤدي إلى الميل نحو الجهة الأخرى في ما عرف بظاهرة الزهد التي يتخلى الإنسان فيها عن الدنيا ومظاهرها، وامتدت هذه الظاهرة عبر التاريخ فتجلت أحيانا في التصوف السلبي الذي تحول فيه الذكر إلى مهنة تقام لها الزوايا، ويأوي إليها من يتجردون للذكر، والأوقاف مرصودة لهم، والأرزاق دارة عليهم، وهم يحسبون أنهم على المنهج الرشيد بانقطاعهم للذكر، وينسون أن المطلوب من المسلم أن يذكر الله تعالى على كل حال في السوق والحقل والمصنع والمستشفى والمدرسة.
والمطلوب من المسلم ألا يتعلق قلبه بالدنيا ولو ملك منها الملايين، فذلك يكون في يده لا في قلبه.
وقد تمثل هذا التكامل والنظرة الشاملة إلى الحياة والإنسان في شخص الرسول الكريم عليه وآله الصلاة والسلام، وفي جيل الصحابة، رضي الله عنهم، الذين فتحت الدنيا عليهم بعد الفتوح، فكانوا نماذج خيرة في التعامل مع الدنيا وزينتها.
إن من المهم لضبط النظرة للموت وتصوره تصورا صحيحا أن يكون واضحا في ذهن الإنسان جواب عن سؤال: لماذا خلقني الله تعالى؟
وما الذي يتجلى من خلالي وفيّ من الأسماء الحسنى؟
Page 8
وكيف أسهم في عمارة الأرض التي تتجلى فيها آيات الله تعالى؟
و كيف أكون وأنا أعمر الأرض من العابدين ؟
الإنسان مخلوق مكرم.
والحياة والخلق نعمة يشكر الله تعالى عليها،
وليس الإنسان في ورطة،
وليس الموت عقوبة بل هو جسر وبوابة ينتقل من خلاله إلى عالم الخلود،
ولكن يكون الموت كذلك حين يدرك الإنسان المعنى الشامل للعبودية ويسعى إلى تحقيقها.
الله تعالى لم يقل لنا إن الدنيا هي دار القرار بل قال: ( ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ) [البقرة: 36].
ولم يقل إن كل بني آدم سواء بل ميز بين المؤمنين والكافرين، (ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ) [طه: 124].
وقال سبحانه: (ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ) [الجاثية: 21].
في ضوء الفهم للحياة والإنسان يكون تصور الموت وما بعده.
Page 9
الأموات ليسوا سواء
من المشكلات التي توجد تصورا سلبيا للموت لدى الناس أن بعض المتحدثين عنه لا يفرقون في الحديث بين ما يلقاه المؤمنون وما يكون لغير المؤمنين مما يجعل الصورة غائمة مضللة.
فهل يستوي من آمن بالله وكتبه ورسله والملائكة واليوم الآخر ومن كان كافرا ؟
الجواب نجده في كتاب الله تعالى في أكثر من موضع فيها الحديث عن المؤمنين في الدنيا وعند الموت ويوم القيامة:
(ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ) [السجدة: 18].
(ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ ﯧ ﯨﯩﯪﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ) [الجاثية: 21].
وحين حدثنا القرآن الكريم عن موت الذين كفروا قال: (ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ) [الأنفال: 50].
وأما المؤمنون فوصف حالهم بقوله: (ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ) [النحل: 32].
إذا لا بد عند الحديث عن الموت أن يكون واضحا لدى المتحدث والسامع أن الأموات ليسوا سواء: حالهم حال المسافرين.
فليس من يمشي على رجليه كمن يسافر في سيارة أو حافلة أو طائرة.
فلكل مسافر بواحدة من هذه الوسائل أحوال مختلفة، وليسوا جميعا سواء حين يصلون محطة الاستقبال:
فهناك من يستقبل استقبالا خاصا حافلا بحفاوة وتكريم في صالة كبار الزوار،
ويجد من يأخذ عنه متاعه وحقائب سفره، ويستقبل في أحسن الفنادق،
وإذا كان مسؤولا كبيرا ينزل في بعض القصور.
هذا حال مسافري الدنيا،
Page 10
وقل مثل ذلك في مسافري الآخرة الذين يعبرون قنطرة الموت إلى عالم البرزخ،
فهم ليسوا سواء، ولكل منهم حال يناسب منزلته عند الله، ومنزلته عند الله مرتبطة بإيمانه و صالح عمله.
ومن أوضح وأجمل من عبر عن الأحوال المختلفة للموتى التابعي أبو حازم الأعرج رحمه الله تعالى، الذي دار حوار بينه وبين سليمان بن عبد الملك، ومما دار في ذلك الحوار حديث عن الموت،
فقد سأل سليمان أبا حازم سؤالا مهمّا يتردد على ألسنة بعض الناس هو: يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟.
وجاء الجواب الحكيم من أبي حازم الحكيم الذي يدرك الحقائق ويكشف الأسباب.
قال: لأنكم خربتم آخرتكم، وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنقلوا من العمران إلى الخراب.
ولنا أن نسأل فنقول: من الذي يكره الموت؟
هل يكره الموت من يعلم أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر؟
هل يكره الموت من يعلم أن الآخرة خير وأبقى من الدنيا؟
هل يكره الموت من تزود بالعمل الصالح وهو يعلم أنه يقبل على رب كريم غفور رحيم؟
الذي يكره الموت هو: من رضي بالحياة الدنيا واطمأن بها، والآخرة عنده ظن أو خيال أو وهم وليست حقيقة ثابتة.
ولنقف على بقية ما له علاقة بالموت من كلام الحكيم أبي حازم، ذلك الكلام الذي يكشف بنور العلم والإيمان ما يكون مع الإنسان عند موته، وشتان بين حال المؤمن وحال الكافر.
قال سليمان: كيف القدوم على الله؟.
قال أبو حازم: يا أمير المؤمنين، أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه (أي العبد الهارب من سيده يرجع إليه قسرا).
كلام قليل لكنه بليغ كاشف عن حال الراحلين ليكون استقبال كلٍّ منهم على مقدار حاله.
فشتان بين من يعود إلى أهله بعد غياب فيستقبل بالحفاوة والترحاب، ومن يكون هاربا من سيده أو مجرما هاربا من سجنه، هل يستويان؟.
ليس الناس عند الموت سواء كما أنهم لم يكونوا في الحياة سواء،
بل يموت المرء على ما عاش عليه ويبعث على ما مات عليه.