eKtab
EN ع
المؤتمر السادس لحركة فتح وتداعياته
Read free sample

المؤتمر السادس لحركة فتح وتداعياته

by حمادة فراعنة

Page 1

مقدمة

هذه سلسلة من المقالات المنشورة في صحيفة الأيام الفلسطينية، خلال الفترة الممتدة من عشية انعقاد المؤتمر السادس لحركة فتح إلى غداة انتهاء أعماله مطلع آب/أغسطس 2009، وهي في مجموعها تحاول قراءة اللحظة الفلسطينية التي انعقد المؤتمر إبانها، وتوضح أهمية هذا الحدث التاريخي الهام، ليس في حياة "فتح" أم المنظمات الوطنية الفلسطينية، وإنما أيضاً في الحياة السياسية الفلسطينية التي تلعب فيها هذه الحركة الكبيرة دوراً قيادياً مهيوب الجانب ولا يشق له غبار.

وقد تنقلت العناوين التي اشتمل عليها هذا الكتيب، بين مسائل عديدة كانت في صلب اهتمامات المؤتمر الفتحاوي السادس، وبين قضايا إشكالية كانت بمثابة تحديات مباشرة تواجه سير انعقاد المؤتمر، وتلح على المؤتمرين بضرورة الاستجابة لها، ناهيك عن بعض الاستخلاصات الأولية المبكرة لنتائج سبعة أيام مجيدة عاشتها بيت لحم، مدينة الميلاد التاريخية، وما تمخض عن هذه الواقعة الكبرى من دلالات أحسب أنها تخاطب المستقبل الفلسطيني كله.

وليس من شك في أن ما تمخض عنه مؤتمر فتح السادس سوف تظل، وإلى أمد بعيد، علامة فارقة في حياة الحركة الفلسطينية المؤسسة للكفاح الوطني وقائدته على مدى العقود الزمنية التالية من فجر ذلك اليوم الاستثنائي من عام 1965. فقد استردت فتح نفسها من غياهب الضياع والانقسام والترهل وانعدام اليقين، ومنحت النظام السياسي الفلسطيني، وعلى الفور، الحيوية والعافية التي كان في أمس الحاجة إليها بعد سنوات عجاف، تردت فيها الأحوال الفلسطينية إلى درك لم تبلغه من قبل.

Page 2

ولعل بعض عناوين هذه السلسلة من المقالات، بما في ذلك تلك العناوين التي تقارب مسائل تبدو ثانوية بالقياس إلى النتائج الكبرى لهذا المؤتمر، إلا أنها حين توضع في سياقها الخاص بتلك العملية التنظيمية المهمة، تبدو أكثر التصاقاً بهموم فتح واهتماماتها الجوهرية، خصوصاً ونحن ندرك أن عدداً من الأخطار المحدقة كانت تهدد سلفاً أما بعدم إمكانية عقد المؤتمر، وإما بإفشاله تماماً، مثل القنبلة الصوتية التي فجرها فاروق قدومي عشية المؤتمر، ومنع حركة حماس لأعضاء فتح في غزة من الالتحاق بمؤتمرهم، وكذلك منع الاحتلال لبعض أعضاء المؤتمر من القدوم إلى فلسطين.

إن هذا الكتيّب الذي أردنا صدوره في الفترة اللاحقة مباشرة على انتهاء مؤتمر فتح السادس، يحاول إن يوثق لبعض جوانب المؤتمر، وأن يطالع سياقاته السياسية الفلسطينية العامة، وأن يجيب على بعض الأسئلة التي ربما لا تزال مطروحة حتى بعد انقضاء أعمال المؤتمر وظهور نتائجه التنظيمية. وفوق ذلك كله فإننا نود من وراء هذا الإصدار أن نتيح لعدد أوسع من القراء والمتابعين الوقوف على جملة مساهمتنا الشخصية إزاء هذا الحدث الفلسطيني، خصوصاً لمن فاته الاطلاع على بعض أو كل ما كتبناه حول المؤتمر العام السادس لحركة فتح.

حمادة فراعنة

Page 3

أولاً : الحوار الثنائي المرفوض

تتمتع حركة فتح بمرونة عالية، وسعة أفق واسعة، تسمح بها بإجادة الطخ على أرجلها، وإيذاء حلفائها، قبل التصدي لعدوها الإسرائيلي وردع خصمها الحمساوي. تلك هي حصيلة الاستخلاص الذي أوصلنا إليه نايف حواتمه أمين عام الجبهة الديمقراطية الأقرب إلى حركة فتح، بسبب النتائج التي أسفرت عنها الحوارات الثنائية بين حركتي فتح وحماس تحت الرعاية المصرية في القاهرة.

فبدلاً من معالجة آثار الانقلاب، بما فيها مقدماته إضافة إلى تداعياته المدمرة على الوضع الداخلي وعلى مجمل المسار الفلسطيني، بدلاً من ذلك، سلمت حركة فتح مبدئياً وعملياً بنتائج الانقلاب، وتعاملت معها، وقبلت مطالب حركة حماس وأقرتها رغم تعارضها مع مجمل ما تم الاتفاق عليه بين الفصائل الثلاثة عشر المشاركة في الحوار، منذ جولاته الأولى.

فقد اشترطت حماس، وفرضت الحوار الثنائي بينها وبين فتح، وجعلته الأرضية التي تقف عليها الفصائل الأخرى، وذلك لسببين أولهما لتخليص فتح من حلفائها، وإظهارها بالإقلاع عنهم في أول محطة، وثانيهما لتعرية هذه الفصائل من حليفها الأقوى ودفعهم نحو مواقع الحياد وعدم الانحياز، وقد نجحت في ذلك، حيث عبرت الفصائل الثمانية حليفة فتح عن امتعاضها من مواصلة الحوار الثنائي، ليصار إلى دعوتهم لاحقاً للتصديق على نتائج هذا الحوار والتسليم به، ليكونوا "شهود زور" على اتفاقية وحدة لم يشاركوا في صياغة أسسها ومقدماتها، كما سبق أن حصل معهم في اتفاق مكة الثنائي، وحكومة الوحدة الوطنية برئاسة إسماعيل هنية، والتي فرضت عليهم بدون أن تتوفر لهم خيارات أخرى، إما المشاركة أو المقاطعة.

Page 4

وقد زاد من امتعاض الفصائل إزاء طرفي الحوار الفتحاوي الحمساوي، تراجع الفصيلين عن اعتماد قانون التمثيل النسبي الكامل في الانتخابات، فهذا التمثيل تم الاتفاق عليه، لأنه يعطي كل فصيل تمثيله الحقيقي وفق الأصوات بدون الإجحاف بالفصائل الأخرى، مثلما يوحد أجزاء الوطن المبعثر بين الضفة والقدس والقطاع، بقائمة تمثيلية موحدة لكل حركة أو فصيل أو حزب سياسي، كما يوحد القاعدة الانتخابية بتصويتها لقائمة تمثيلية واحدة على مستوى الوطن، وبالتالي لا يتم التصويت لصالح قائمة جهوية ضيقة.

حركة فتح استجابت لمطلب حماس فـي اعتماد المزاوجـة بيـن الشكليـن ـ الأكثري والنسبي ـ في الانتخابات، أي التمثيل النسبي على مستوى الوطن والأغلبية العددية على مستوى الدوائر، وقد اقترحت حماس إجراء الانتخابات بنسبة 40 بالمائة للدوائر و 60 بالمائة للتمثيل النسبي، في مقابل اقتراح فتح القائم على 20 بالمائة للدوائر و 80 بالمائة للتمثيل النسبي، فتقدم الوسيط المصري بحل وسط يقوم على 25 بالمائة للدوائر و 75 بالمائة للتمثيل النسبي، وهذا يتعارض كلياً مع الاتفاق المسبق الذي توصلت إليه كافة الفصائل التي أقرت التمثيل النسبي على مستوى الوطن 100 بالمائة.

قانون التمثيل النسبي، ثم إقراره في المجلس المركزي الفلسطيني وفي اللجنة التنفيذية، وصدر مرسوم باسم الرئيس، ومع ذلك وافقت حركة فتح على خرق كافة هذه التوجهات باتفاقها مع حماس لإجراء الانتخابات على قاعدة المزاوجة بين الشكلين، كما سعت حماس لرفع عتبة الحسم لتكون حدها الأدنى 8 بالمائة، وهي نسبة لا تسمح لكافة الفصائل تجاوز نسبة الحسم، وسيكون المجلس القادم وفق هذه النسبة خال من التعددية باستثناء فتح وحماس.

Page 5

وفي مقابل اقتراح حماس ( 8 بالمائة ) قدمت فتح اقتراحاً ليكون الحد الأدنى لنسبة الحسم ( 3 بالمائة )، واقترح المصريون نسبة ( 2.5 بالمائة ) بنما تصر الفصائل الأخرى على ( 1.5 بالمائة ) كحد أعلى.

وترغب حماس في تأجيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية لمدة عامين، لغاية 2012، والتمديد للمجلس التشريعي التي تنتهي ولايته يوم 24/1/2010، مثلما تم التمديد للرئيس محمود عباس الذي انتهت ولايته يوم 8/1/2008، ويبدو أن هنالك رغبة متبادلة بين الوفدين بهذا الخصوص بما يتعارض مع مصالح الشعب الفلسطيني، وبما يتعارض مع المعايير الدولية التي تجعل الشرعية والولاية الدستورية نابعة من نتائج صناديق الاقتراع وليس لأي شكل آخر من أشكال منح الشرعية.

فصائل المقاومة الثمانية، وهي حليفة حركة فتح في مؤسسات منظمة التحرير ( مجلس وطني، مجلس مركزي، لجنة تنفيذية ) أصدرت بياناً عبرت فيه عن امتعاضها ورفضها لنتائج الحوار الثنائي بين فتح وحماس، وأعلنت مقاطعتها لأي اتفاق لا يقوم على أساس الشراكة ولا يصون الاتفاقات السابقة بين الفصائل وفي طليعتها وثيقة الاتفاق الوطني، ونتائج حوارات آذار الجماعية في القاهرة عام 2009، وأبلغت أبو مازن قرارها، وسلمت مصر استخلاصاتها، وبذلك تكون حركة فتح قد خسرت حلفاءها، فهل هذا ما تبحث عنه وترجوه، وهل هي قادرة على مواجهة التحديات التي تقف أمامها بمعزل عن حلفاء مخلصين مطلوبين لتحقيق أهدافها.

Page 6

ثانياً : بعد نجاح انتخاب أبو مازن، هل ينعقد المجلس الوطني بمن حضر؟

نجح الرئيس الفلسطيني من موقعه في مكة، خلال تأديته فريضة الحج، في توظيف التاريخ واستخلاصاته؛ لتوجيه إدانة صارخة لحركة حماس الانقلابية وتعريتها أمام الـمسلـمين؛ لرفضها السماح لحجاج قطاع غزة ومنعهم من تأدية فريضة الحج؛ بسبب اختيارهم من قبل حكومة سلام فياض والتزام العربية السعودية في التعامل الرسمي والشرعي مع حكومة الرئيس الفلسطيني وعدم تكرار ما حدث العام الـماضي في التعامل مع حكومتي رام الله وغزة على قدم الـمساواة في قضية الحجاج؛ وما سببه ذلك الإجراء من تصلب سياسة حركة حماس وعدم انصياعها للشرعية، ومحاولة تسويق تداعيات انقلابها على أنه مواز للشرعية ومساو له سياسياً وقانونياً وواقعياً؛ فركبت رأسها وتبجحت، ساعدها على ذلك توصلها إلى اتفاق التهدئة مع الإسرائيليين في 19/6/2008 وإعادة فتح أبواب عمان لعدد من قياداتها والحوار الأمني معها مع أنه تم في نطاق ضيق.

نجح الرئيس أبو مازن في توظيف التاريخ واستذكار وقائعه في منع الحجاج من الوصول إلى بيت الله الحرام، حين كانت الواقعة الأولى من قبل قريش عشية صلح الحديبية، والواقعة الثانية في عهد القرامطة، والواقعة الثالثة في عهد انقلاب حماس وحركة الإخوان الـمسلـمين في العام الجاري 1429 للهجرة النبوية، وبهذه الوقائع واستخلاصاتها ونتائجها يكون أبو مازن ومعه تضامن العربية السعودية قد وجه لطمة سياسية قوية وإدانة فاقعة وتعرية غير مسبوقة لحركة حماس ومرجعيتها حركة الإخوان الـمسلـمين العابرة للحدود؛ ما أخرج قيادة حركة حماس عن اتزانها؛ لأن ضربتين متلاحقتين في الرأس توجع.

Page 7

والضربة الأولى التي تلقتها حركة حماس، منذ انقلابها تمثلت بقرار الـمجلس الـمركزي الفلسطيني ــ في دورة انعقاده (دورة الحكيم جورج حبش والشاعر الكبير محمود درويش) ــ انتخاب أبو مازن رئيساً لدولة فلسطين، وبذلك أعاد الـمجلس لنفسه صلاحيات الاختصاص، وأعاد التأكيد على أنه صاحب القرار وأنه الـمرجعية السياسية والقانونية لكل الـمؤسسات الفلسطينية، من داخل وخارج فلسطين، وتجلّت قدرة رئيسه سليم الزعنون القانونية الذي ذكّر الـمجلس بالحقائق الفلسطينية، بعد أن زال اللبس وسوء الفهم بين رئاستي الـمجلس واللجنة التنفيذية ووقع التعاون بين رئيس الـمجلس وأمين سر اللجنة التنفيذية ياسر عبد ربه، والـمصالحة بينهما، فكانت النتيجة الـمفاجئة، بانتخاب الرئيس وهو إجراء لـم يكن على جدول الأعمال، ولكنه القرار العملي النافذ الذي اتخذته الشرعية الفلسطينية في مواجهة الانقلاب، استباقا لاستحقاق 9/1/2009 الذي سعت من خلاله حركة حماس لقبض ثمن انقلابها بشرعنة الانقلاب ونتائجه وتداعياته وتوحيد مؤسسات الانقلاب مع مؤسسات الشرعية مقابل التمديد لرئيس السلطة الوطنية أو إعادة انتخابه بقرار من حركة حماس، فجاء الـمجلس الـمركزي ليذكّر ويؤكد أنه صاحب القرار وصاحب الولاية وأن قراراته هي من صنعت السلطة الوطنية وأعطت الشرعية لانتخاب الرئيس والـمجلس التشريعي طوال الـمرحلة الانتقالية حتى يستعيد الشعب الفلسطيني نفسه وولايته وسيادته واستقلاله وهويته.

Page 8

الشعب الفلسطيني خلاّق وتجربته فريدة من نوعها، وهي غير مسبوقة بمسارها ودلالاتها، ومع ذلك قدم الريادة وسجل أنه صاحب الراية في الثورة الأممية لحركات التحرر ضد الاستعمار بعد انتصار الشعب الفيتنامي، وهو ما زال رائداً ليس فقط في تقديم الكوفية التي غدت رمزاً لقوى التحرر، وكلـمة انتفاضة التي دخلت قواميس لغات الأرض، بل في صموده وعطائه واستعادة هويته بعد أن تبددت وتلاشت، لقد أثبت رفاق ياسر عرفات أنهم ما زالوا أوفياء لتراثه وحنكته، ونجحوا ولا يزالون في مواجهة الـمعضلتين: تفوّق الاحتلال وقسوة الانقلاب، فقد اكتوى الشعب الفلسطيني بمشروع الاحتلال الاستعماري التوسعي الاستيطاني، وها هو يواجه مشروع الانقلاب الدموي العسكري الأصولي وحركة الإخوان الـمسلـمين العالـمية العابرة للحدود وقوتها وامتداداتها ومحاولاتها إلغاء تراثه وتشويهه والنيل منه وكأن الانطلاقة وتضحياتها واستعادتها للهوية الوطنية وتشكيل منظمة التحرير كحاضنة للفعاليات والأنشطة الفلسطينية ورسوخها في الضمير والواقع وأمام الـمجتمع كممثل شرعي وحيد، كأن ذلك لـم يكن، وكأن التاريخ الفلسطيني بدأ مع قيام حركة حماس الذي تأخر عن الفعل والحضور الفلسطيني عشرات السنين.

ما قرره الـمجلس الـمركزي، وما قدمه أبو مازن بعد أبو الأديب، وما فعلته الـمملكة العربية السعودية، يحتاج لقرار شجاع بإعادة العمل باللجنة التحضيرية لانعقاد الـمجلس الوطني لتجديد الشرعية وإعادة انتخاب اللجنة التنفيذية، والـمجلس الـمركزي، ومجلس إدارة الصندوق القومي، فقد خدمت الدورة الـ17 للـمجلس الوطني وحافظت على الشرعية وأصبحت جزءاً من التاريخ رغم تحفظ البعض وانكفاء البعض الآخر ورفض البعض الثالث، وأجواء ما قبل الدورة الـ17 ماثلة أمام الشعب الفلسطيني ومثلـما انعقد الـمجلس الوطني في دورته الـ 17 بمن حضر، يجب عقد الـمجلس الوطني في دورته الـمقبلة بمن حضر وبمن يرى أنه مع الشرعية ومع مواصلة النضال والقبض على الجمر، فالقيادة لا تكون إلا لـمن يملك لحظة صنع القرار وشجاعة اتخاذ القرار فهل يفعلها أبو مازن وأبو الأديب ويجعلان انقلاب حماس شبيها بانقلاب 83 ومن معه؟؟.

Page 9

ثالثاً : إلى متى هذا الانحدار الفتحاوي

شيء معيب هذا الذي يجري داخل حركة فتح، اجتماعات اللجنة التحضيرية متواصلة منذ عدة أشهر، إن لم تكن منذ سنوات، اجتماع وراء اجتماع، وخلاف يعقبه خلاف، ومصالحة تسبقها مصالحة، وكأن الشعب الفلسطيني لا قضية لديه سوى خلافات حركة فتح، وصراعاتها الداخلية، وكأنه بلا هموم سوى مكان وزمان انعقاد المؤتمر، ومن هم الفتحاويون الذين يستحقون عضوية هذا المؤتمر، بل إن الاهتمام بما يجري داخل فتح ولجنتها التحضيرية يكاد يطغي على قضيتي العذاب الفلسطيني وهما بلوى الاحتلال وبلوى الانقلاب، ودخل مؤخراً عنوان جديد على يومياتهم بلوى مؤتمر فتح وتداعياته.

صحيح أن مؤتمر حركة فتح، استحقاق حزبي وتنظيمي بل ووطني، لأن حركة فتح ما تزال تملك رهان الفصائل والشخصيات لتبقى عمود الخيمة كما كانت منذ عام 1969 حتى رحيل الختيار ياسر عرفات، ولذلك ننظر لحركة فتح باعتبارها أداة المشروع الوطني الفلسطيني وحافظته وحاميته، لذلك نشعر بالقلق إزاء ما يجري داخل مؤسساتها من اللجنة المركزية إلى المجلس الثوري وإلى اللجان المنبثقة عنهما.

بعد رحيل أبو عمار تعرضت حركة فتح لسلسلة متلاحقة من الهزائم القاسية، بدءاً من هزيمة الانتخابات البلدية عام 2005 وهزيمة الانتخابات البرلمانية عام 2006، وهزيمتها في الانقلاب عام 2007، وعجزها عن تأدية دور مبادر مؤثر سياسياً وكفاحياً بما يليق بها وبالشعب الفلسطيني، في مواجهة حرب " الرصاص المصهور " الإسرائيلية على قطاع غزة مع نهاية العام 2008 وبداية العام 2009، وها هي خطواتها تتعرقل في انعقاد مؤتمرها العام، وتقف مشلولة أمام الاستحقاق الوطني في عقد المجلس الوطني الفلسطيني لتجديد شرعية مؤسسات المنظمة وضخ دماء جديدة في شرايينها، مثلما تقف مرتبكة على طاولة الحوار الوطني، وأسيرة لخيارات حركة حماس وتسلطها، وعدم رغبة قيادة حماس في التوصل إلى حلول واقعية للقضايا العالقة بينهما، بما فيها الاستحقاق الدستوري في إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، حيث لا مصلحة لحركة حماس في إجراء هذه الانتخابات خوفاً من نتائجها، كما تقف فتح فاشلة في تحقيق اختراق على جبهة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية.

Page 10

حركة حماس تفلح وفق أنظمتها الداخلية، وتتكيف مع الظروف والتعقيدات الأمنية والجغرافية والسياسية التي تعيشها، وتفلح في عقد مؤسساتها الحزبية، وتنتخب مكتبها السياسي، وتعيد التأكيد على شرعية رئيسها خالد مشعل، وربما مؤسسات أخرى كمجلس الشورى أو غيره، تفلح في ذلك مثلها مثل من سبقها من الفصائل التي عقدت مؤتمراتها الفرعية في فروع الضفة والقطاع والمنفى، كما فعلت الجبهة الديمقراطية وحزب الشعب وآخرها، كان للجبهة العربية الفلسطينية، الذين نجحوا جميعاً وعقدوا مؤتمراتهم وفق ظروفهم الخاصة في الميدان والمناطق، وأن كان ذلك على دفعات أو على مراحل.

حماس تنجح في ترتيب أوضاعها الحزبية الداخلية بشكل أو بآخر، بينما تراوح فتح في مكانها، ولم تنجح حتى في عقد جلسة تقييم واحدة لمراجعة نتائج سلسلة هزائمها المتكررة، فماذا تنتظر وإلى أين ستصل بنفسها وبالشعب الفلسطيني وبحركته الوطنية وإلى متى سيبقى رهان الفلسطينيين معلقاً ببرادة وجه بعض القيادات الذين فقدوا دورهم ومكانتهم ولا يزالون متشبثين بمواقعهم الحزبية المهترئة، وبدلاً من أن يتقدموا كآباء للجيل الذي أعقبهم ويتنازلوا له عن طيب خاطر، فيتم تكريمهم ويصبحوا حكماء له ومرجعية لحركة نضالية قدمت الكثير من التضحيات حتى سكنت ضمائر الفلسطينيين وآمالهم، بدلاً من ذلك كله، ها هم يمارسون كل الوسائل لإعاقة عقد المؤتمر ويضعوا العراقيل وعندهم شجاعة القرار في التعبير عن رغبتهم في الترشيح لعضوية المؤسسات القيادية، مع أنهم هزموا وفشلوا وراوحوا في أماكنهم بدون تقدم أو إنجاز أو أي عمل خلاق.

لقد أدت اللجنة المركزية لحركة فتح دورها القيادي المبادر خلال عشرات السنين الماضية، وكان آخر إنجاز حققته هو اتفاق أوسلو الذي كسر الموقف الإسرائيلي وأقر الاعتراف بالعناوين الثلاثة وهي الاعتراف بالشعب الفلسطيني والاعتراف بمنظمة التحرير والاعتراف بالحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني. وعلى أرضية هذا الاعتراف تم تحقيق مجموعة من الخطوات العملية على الأرض وهي الانسحاب الإسرائيلي التدريجي المتعدد المراحل من المدن الفلسطينية بدءاً من غزة وأريحا، وعودة أكثر من ثلاثمائة ألف فلسطيني مع الرئيس الراحل ياسر عرفات إلى فلسطين، وأخيراً ولادة السلطة الوطنية باعتبارها مشروع مؤسسات الدولة الفلسطينية، عند ذاك توقف الفعل والإبداع الفلسطيني وتقلص إن لم يتراجع أمام الطرفين: الأول أمام الاحتلال بإعادة احتلال المدن التي انحسر عنها الاحتلال، والثاني أمام الانقلاب الحمساوي وتفشي الأصولية الرجعية التي لا تؤمن بالآخر ولا تحترم التعددية.