eKtab
EN ع
المرشـد الواضـح في الـحـج والعـمــرة
Read free sample

المرشـد الواضـح في الـحـج والعـمــرة

by محيـى الـديـن محمـد عطية

Page 1

الحج:هو قصد مكة لأداء عباده الطواف والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة وبقية المناسك استجابة لأمر الله وابتغاء مرضاته، وهو من أفضل القربات إلى الله عز وجل.

والحج فرض عين على كل مسلم، بالغ ،عاقل، حر مستطيع ، أي قادر صحيا على أعمال الحج وتحمل أعباء السفر ومشاقه وقادر ماليا على نفقات السفر والإقامة والزاد والإنفاق على من يعولهم ،سواء تركهم أو اصطحبهم.

ومن الاستطاعة وجود الزوج أو المحرم مع المرأة لحديث ابن عباس رضي الله عنهما، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يخلُوَنَّ رجل بامرأة إلا معها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم" ، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجّة، وإني اكتُتِبتُ في غزوة كذا وكذا: قال: "انطلق فحج مع امرأتك فلا يجب على المرأة أن تسافر للحج، ولا يجوز لها ذلك إلا مع زوج أو ذي محرم  لكن لو حجت المرأة بغير محرم أجزأتها الحجة عن حجة الفرض مع معصيتها، وعظيم الإثم عليها والأحاديث في تحريم سفر المرأة بدون محرم كثيرة، منها الأحاديث الآتية:

الحـديث الأول: حديث ابن عباس المتقدم.

الحديث الثاني: حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمةٌ" وفي لفظ لمسلم: "لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو محرم منها". وفي لفظ له: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم".الحديث الثالث: حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم"، وفي لفظ: "لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم". وفي لفظ لمسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم الحديث الرابع:حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها"

Page 2

أولاً: فرضية الحج بالكتاب

قال تعالى {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}([15]).

وقال سبحانه {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}([16]). وقال عز وجل { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ}([17]).

فهذه الآيات تدل على فرضية تلك العبادة ، وأنها أحد أركان الإسلام .

وقال الإمام الطبري رحمه الله في تأويل قوله تعالى: ] وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَـمِينَ [ قال بعد أن ذكر أقوال أهل العلم: "وأولى التأويلات بالصواب في ذلك: قول من قال: "ومن كفر" ومن جحد فرض ذلك، وأنكر وجوبه، فإن الله غنيٌّ عنه وعن حجه، وعن العالمين جميعاً " ([18])؛ ولهذا قال رحمه الله: "ومن جحد ما ألزمه الله من فرض حج بيته، فأنكره، وكفر به؛ فإن الله غنيٌّ عنه، وعن حجِّه وعمله، وعن سائر خلقه من الجن والإنس... "([19]).

ثانيا: فرضية الحج بالسنة

وأما السنة؛ فالأحاديث كثيرة، منها الأحاديث الآتية:

1- حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: نُهينا أن نسأل رسول الله عليه الصلاة والسلام عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية، العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك؟ قال: "صدق "، قال: فمن خلق السماء؟ قال: "الله"، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: ، قال: "الله"، قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: "الله"، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب الجبال، آلله أرسلك؟ قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، فقال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك أنَّ علينا صومَ شهر رمضان في سنتنا، قال "صدق "، قال: فبالذي أرسلك: آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، قال: "صدق "، قال: ثم ولَّى، قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهنَّ ولا أنقص منهنَّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لئن صدق ليدخلن الجنة "([20]) .

2- حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "بُني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت" ([21]) .

3- حديث جبريل في رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفيه أنه قال: بينا نحن عند رسول الله عليه الصلاة والسلام ذات يومٍ إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفَّيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصومَ رمضان، وتحجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً..." ([22]).

4- حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وفيه: أنه قال: خطبنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال: "أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجّوا..." ([23])

فرضية الحج بالإجماع

أجمعت الأمة الإسلامية على فرضية الحج على المستطيع و أنه أحد أركان الإسلام.([24]) ، وأنه من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة وأن منكره كافر مرتد عن الإسلام.

قال الإمام ابن المنذر: "وأجمعوا على أن على المرء في عمره حجة واحدة: حجة الإسلام إلا أن ينذر نذراً فيجب عليه الوفاء به" ([25]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقد أجمع المسلمون في الجملة على أن الحجَّ فرضٌ لازمٌ"([26]).

تساؤل:

هل الحج فرض عين على الفور لمن استطاع إليه سبيلا أم فرض عين على التراخي؟

ذهب بعض العلماء إلى إنه يجب على التراخي!. ، واحتجوا بالقياس على الصلاة في الوقت: إن شئت صلها في أوله، أو في آخره، والعمر هو وقت الحج، فإن شاء حج أول العمر أو آخره، واحتجوا أيضاً بأن الله فرض الحج في السنة السادسة بقوله تعالى: { وَأَتِمُّوا الْـحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله }([27]) ، ولم يحج النبي صلى الله عليه وسلم إلا في السنة العاشرة.

ولكن الصحيح أنه يجب على الفور؛ بمعنى أن العبد متى تمكن من أدائه، وزالت المحظورات، وقدر عليه؛ وجب عليه أن يأتي به، ولم يجز له تأخيره.و لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على المبادرة إلى الحج، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابن عباس" من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة"([28]) .

ففي هذا الحديث حث منه عليه الصلاة والسلام على المبادرة إلى أداء هذا الركن العظيم، وهذا من أدلة وجوب الحج على الفور. كما أن أوامر الله تعالى يجب الإسراع بها، لما علل به في الحديث السابق من خوف العوائق والعوراض التي تعرض للإنسان، فإنه لا يدري متى تعرض له. فعلى المسلم أن يبادر بأداء الأوامر والطاعات وهو في حال صحته واستطاعته قبل أن يندم،.

ثم إن الله تعالى إنما أوجبه مرة في العمر، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : أيها الناس إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال: لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم، الحج مرة، فما زاد فهو تطوع([29]).

فمن حكمة الله ومن رحمته بعباده أنه ما أوجب الحج إلا مرة واحدة في العمر على الفور، لمن استطاعه، ولا يتم الدين إلا به وما زاد فهو تطوع فعلى كل مسلم إذا تمت فيه الشروط المعروفة أن يأتي لهذا البيت المعظم ملبيا نداء الله إليه .

وعلى هذا لا حجة لمن قال أن الحج واجب على التراخي، وأما القول: إن عمر الإنسان كله وقت للحج، فهذا صحيح، لكن جاءت الأدلة بالأمر بالتعجيل؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، وأما قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْـحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله} فهذا ليس أمراً بهما ابتداءً، ولكنه أمر بالإتمام بعد الشروع فيهما، وأما فرض الحج فالصواب أنه فرض في السنة التاسعة، ولم يحج النبي صلى الله عليه وسلم إلا في العاشرة؛ لكثرة الوفود عليه في تلك السنة،ليتفقهوا في الدين وهذا أمر مهم وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان. لأن في السنة التاسعة متوقع أن يحج المشركون كما وقع ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤخر من أجل أن يتمحض حجه للمسلمين فقط . ([30])

فالصحيح أن الإنسان إذا بلغ سنة بلوغه كما لو بلغ في شوال أو في ذي القعدة وكان موسراً تلك السنة فيجب عليه أن يحج في أول سنة يصادفه فيها الحج،ومن مات وقد فرط في أداء الحج بعد القدرة عليه فيخشى ألا ينفعه تأديته عنه بعد موته ([31]) .

أما العمرة:

فهي زيارة البيت الحرام لأداء هذا النسك على وجه مخصوص هو الإحرام، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة ،والحلق أو التقصير.

والعمرة فرض عين مرة واحدة على من يجب عليه الحج لقوله تعالى:
{ وَأَتِمُّوا الْـحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله }([32]) ، وقوله: { فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} ([33]) ، وقوله تعالى: { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْـحَجِّ }([34]) .

وللأحاديث الثابتة الآتية:

1- جواب النبي صلى الله عليه وسلم لسؤال جبريل من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:بينا نحن جلوس عند رسول الله عليه الصلاة والسلام في أناسٍ إذ جاء رجل ليس عليه شحناء سفر،وليس من أهل البلد،يتخطَّى حتى ورك فجلس بين يدي رسول الله عليه الصلاة والسلام،كما يجلس أحدنا في الصلاة،ثم وضع يده على ركبتي رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال:يا محمد،ما الإسلام؟ قال:"الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله،وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة،وتؤتي الزكاة،وتحج، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة،وتتم الوضوء،وتصوم رمضان"، قال: فإن فعلت هذا فأنا مسلم؟ قال:"نعم"،قال:صدقت"،وذكر باقي الحديث... ([35]).

2- حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله! على النساء جهاد؟ قال: "نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة"([36]) .

3- حديث أبي رَزِين أنه قال:يا رسول الله!إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن قال: "حجَّ عن أبيك واعتمر"([37]) .

4- حديث الصُّبيِّ بن مَعْبَدٍ، في قصته الطويلة، وفيه: أنه أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال:"...يا أمير المؤمنين،إني كُنْتُ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا، وَإني أَسْلَمْتُ وأنا حَرِيصٌ عَلَى الْـجِهَادِ،وَإِنِّي وَجَدْتُ الْـحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ،فَأَتَيْتُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي،فَقَالَ لِي:اجْمَعْهُمَا وَاذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْـهَدْيِ،وَإِنِّي أَهْلَلْتُ بِهِمَا مَعًا،فَقَالَ لِي عُمَرُ t:هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ  "([38]) .

5- قول ابن عمر رضي الله عنهما: "ليس أحد إلا وعليه حج مرة"([39]) .

6- قول ابن عمر رضي الله عنهما: "الحج والعمرة فريضتان "([40]) .

7- قول ابن عباس رضي الله عنهما عن العمرة: "إنها لقرينتها في كتاب الله عزوجل: {وَأَتِمُّوا الْـحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله }([41]) .

وهذا هو الصواب الذي دلت عليه الأدلة الشرعية أن العمرة فريضة كالحج تجب في العمر مرة واحدة على من وجب عليه الحج، سواء كان من أهل مكة أو غيرهم.([42])

Page 3

أولاً: فضائل الحج والعمرة:

فضائل الحج والعمرة كثيرة، منها الفضائل الآتية:

1- الحج من أفضل الأعمال لحديث أبى هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله عليه الصلاة والسلام أي الأعمال أفضل قال "إيمان بالله ورسوله" قيل ثم ماذا قال "ثم جهاد في سبيل الله قيل ثم ماذا قال "حج مبرور" ([43]).

2- الحج أفضل الجهاد لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله: ترى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: "لكن أفضل الجهاد حج مبرور" وفي رواية : أنها قالت: قلت: يا رسول الله ألا نغزو ونجاهد معكم؟ فقال: "لكن أحسن الجهاد وأجمله الحجُّ حجٌّ مبرور "، قالت عائشة رضي الله عنها: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله عليه الصلاة والسلام([44]) وعنها: قالت: قلت: يا رسول الله على النساء جهاد؟ قال: "نعم عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة"([45]).

3- من حج البيت الحرام، أو اعتمر فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام:"من حج هذا البيت فلم يرفث([46])، ولم يفسق([47])، رجع كما ولدته أمه"([48])، وفي لفظ مسلم: "من أتى هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كما ولدته أمه" ([49])، وهذا اللفظ يشمل الحج والعمرة([50]).

4-العمرة إلى العمرة تكفر ما بينهما، والحج المبرور جزاؤه الجنة؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة "([51]) .

5- أداء المناسك وفق المنهج الصحيح يجلب الخير والفضل، ولذلك وجب على من أراد الحج أو العمرة أو عزم عليها أن يتعلم أداء المناسك حسبما علمها النبي e لأصحابه فإن تعلم ذلك وأدى وفق المنهج الصحيح حصل على الفضل و الثواب العظيم، أما من خالف عمداً أو جهلاً أو ابتدع خرج عن مصاف أهل الفضل، وحبط عمله ويا شقاء من خالف أو انحرف عن جادة الطريق في حرم الله الآمن.

6 - زيادة الأجر والفضل في الحج والعمرة تكون بقدر الاجتهاد والإخلاص لأن الحج جهاد، والأجر فيه يكون على قدر العمل.

7 - الحج تدريب على العبادات الحقة، والطاعة الصادقة ،وذلك لأن الحاج يترك ماله، وبيته، وأهله، وعشيرته، ويذهب إلى مكة ،لأداء مناسك الحج تقرباً إلى الله وامتثالا لأمره رغبة في الثواب وطمعا في المغفرة ولذلك يرجع من حجه طاهراً من الذنوب كيوم ولدته أمه.

8 – الله يضمن الجنة لمن مات حاجاً أو معتمراً في بيته الحرام لقوله تعالى {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ }([52]) ، ومن وقع أجره على الله لا يعذبه أبدا، ومن ثم كان الضمان لمن مات أن يدخل الجنة.

9 – الحج تدريب على السلام، لأن الحاج في رحلة سلام إلى أرض سلام في زمن سلام، وأشهر الحج هدنة إجبارية تغمد فيها السيوف، وتحقن فيها الدماء، ويقف القتال وتلتقط النفوس أنفاسها في هدوء ، وتفكر في رويه وأناة فيظل المسلم فترة إحرامه في سلام حقيقي مع من حوله وما حوله.

10- الحج عباده روحيه راقية، لأنها عباده تؤدى إلى التسامي لدى الإنسان، وتخرجه من عالم المادية إلى عالم الروحانية يتخلص من شهوته ،ويتجرد من زينته ويهرول إلى ساحة الغفران، والرضوان ليتوب توبة نصوح فيشعر بالإيمان الصادق و اللذة الروحية التي تدفعه إلى كمال إنسانيته فلا يمارس غريزته إلا وفق ما شرع الله بعيدا عن حضيض الحيوانية الصرفة.

11- الحج يهدم ما كان قبله؛ لحديث عمرو بن العاص رضي الله عنه ، وفيه: أنه قال: فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يمينك لأُبايِعَكَ، فبسط يمينه، فقبضت يَديَ، قال: "مالك يا عمرو؟ " قلت: أردتُ أن أشترط، قال: "تشترط بماذا؟ " قلت: أن يغفر لي، قال: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله "([53]).

12-الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب، والحج المبرور ثوابه الجنة؛ لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة"([54]).

13- الحاج والمعتمر وفدُ الله تعالى؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "وفد الله ثلاثة: الغازي، والحاج، والمعتمر"([55]).والمعنى: السائرون إلى الله تعالى، القادمون عليه من المسافرين ثلاثة أصناف، فتخصيص هؤلاء من بين العابدين؛ لاختصاص السفر بهم عادة ([56])، وفيه إضافة تشريف لهؤلاء.

14- المعتمر والحاج يعطيهم الله ما سألوه؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الغازي في سبيل الله، والحاج، والمعتمر، وفد الله. دعاهم فأجابوا، وسألوه فأعطاهم"([57]).

15-الحاج والمعتمر يلبِّي معه الشجر والحجر حتى تنقطع الأرض عن يمينه وشماله؛ لحديث سهل قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "ما من مسلم يُلبِّي إلا لبَّى من عن يمينه وشماله، من حجرٍ، أو شجرٍ، أو مدرٍ حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا "([58]).

16- الله تعالى يباهي بالحجاج في عرفة الملائكة؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟"([59]).

17-من طاف بالبيت العتيق واستلم الحجر الأسود شهد له يوم القيامة؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام في الحجر: "والله ليبعثنّهُ الله يوم القيامة، له عينان يبصر بهما، ولسانٌ ينطق به، يشهد على من استلمه بحق"([60]).

18- من حج البيت كمل إسلامه؛ لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، قال: يا محمد ما الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وأن تتم الوضوء، وتصوم رمضان". قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: "نعم" قال: صدقت([61]).

19-الحاج إذا خرج من بيته قاصداً البيت الحرام كتب له بكل خطوة يخطوها هو ودابته حسنة، ومحا الله عنه خطيئة، ورفعت له درجة؛لحديث عبادة بن الصامت t يرفعه،وفيه:"فإن لك من الأجر إذا أممت البيت العتيق أن لا ترفع قدماً،أو تضعها أنت ودابتك إلا كتبت لك حسنة،ورفعت لك رجة"([62])،وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما يرفعه: "... فإنك إذا خرجت من بيتك تؤمُّ البيت الحرام لا تضعُ ناقتك خفاً، ولا ترفعه إلا كتب الله لك به حسنة، ومحا عنك خطيئة" ([63]).

20-الحاج والمعتمر يكتب له بركعتي الطواف عتق رقبة من بني إسماعيل؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما وفيه: " ... وأما ركعتاك بعد الطواف كعتق رقبة من بني إسماعيل"([64]).

21- طواف الحاج أو المعتمر بين الصفا والمروة، كعتق سبعين رقبة؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما وفيه " ... وأما طوافك بالصفا والمروة، كعتق سبعين رقبة"([65]).

22-يغفر الله تعالى لأهل عرفات،وأهل المشعر؛ لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: وقف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات، وقد كادت الشمس أن تؤوب([66])، فقال: "يا بلال، أنصت لي الناس"، فقام بلال فقال: أنصتوا لرسول الله عليه الصلاة والسلام ، فأنصت الناس فقال: "معشر الناس، أتاني جبريل u آنفاً، فأقرأني من ربِّي السلام، وقال: إن الله عزوجل غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر، وضمن عنهم التَّبعات([67])، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله! هذا لنا خاصة؟ قال: "هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة"، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كَثُرَ خيرُ الله وطاب"([68]).

وعَنْ بِلَالِ بْنِ رَبَاحٍ أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ لَهُ غَدَاةَ جَمْعٍ:"يَا بِلَالُ أَسْكِتْ النَّاسَ"،أَوْ "أَنْصِتْ النَّاسَ"،ثُمَّ قَالَ:"إِنَّ الله تَطَوَّلَ عَلَيْكُمْ([69]) فِي جَمْعِكُمْ هَذَا فَوَهَبَ مُسِيئَكُمْ لِـمُحْسِنِكُمْ،وَأَعْطَى مُحْسِنَكُمْ مَا سَأَلَ،ادْفَعُوا بِاسْمِ الله"([70]).

23- الحاج له بكل حصاة يرمي بها الجمار تكفير كبيرة من الموبقات؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما وفيه: "وأما رميك الجمار؛ فلك بكل حصاة رميتها تكفير كبيرة من الموبقات..." ([71])، وعن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما أتى إبراهيم خليل الله المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساح([72]) في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات حتى ساح في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة فرماه بسبع حصيات حتى ساح في الأرض"، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الشيطان ترجمون، وملَّة أبيكم إبراهيم تتَّبعون"([73]) .

24- الحاج يُعطى بكل شعرة حلقها حسنة، وتُمحى عنه بها خطيئة، وله بكل شعرة نور يوم القيامة، وما ينحره من الهدي مُدَّخَرٌ له عند الله؛ لحديث ابن عمر وفيه "...وأما نحرك فمدخور لك عند ربك، وأما حلاقك رأسك، فلك بكل شعرة حلقتها حسنة، وتمحى عنك بها خطيئة ..." ([74])، وفي حديث عبادة بن الصامت : " ... وأما حلقك رأسك، فإنه ليس من شعرة تقع في الأرض إلا كانت لك نوراً يوم القيامة..." ([75]).

25- إذا لبَّى الملبِّي في الحجّ، أو كبَّر بُشِّرَ بالجنة؛ وفضل رفع الصوت بالتلبية؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أهلَّ مهلٌّ([76])، ولا كبَّر مُكبِّرٌ إلا بُشِّر"، قيل: يا رسول الله بالجنة؟ قال: "نعم"([77])،وعن أبي بكر الصديق : أن رسول الله عليه الصلاة والسلام سُئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: "العجُّ([78])، والثجُّ([79])([80])، ولفظ الترمذي: أن رسول الله عليه الصلاة والسلام سُئل: أيُّ الحج أفضل؟ قال: "العجُّ، والثجُّ"([81]).

26- الحج يقع معظمه في أفضل أيام الدنيا: عشر ذي الحجة؛ لحديث جابر رضي الله عنه ، أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: "أفضل أيام الدنيا أيام العشر" – يعني عشر ذي الحجة – قيل: ولا مثلهنَّ في سبيل الله؟ قال: "ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجلٌ عَفَّر([82]) وجهه في التراب"، وذكر عرفة، فقال: "يوم مباهاةٍ ينزل الله تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا، فيقول: "عبادي شُعثاً غُبراً ضاحين([83])، جاؤوا من كلِّ فجٍّ عميقٍ، ويستعيذون من عذابي، ولم يروا يوماً أكثر عتيقاً وعتيقة من النار"([84])

27- إذا طاف الحاجُّ طواف الوداع خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه؛ لحديث عبادة بن الصامت ، وفيه: "... وأما طوافك بالبيت إذا ودَّعت فإنك تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك"([85]).

وفضائل الحج والعمرة لا تحصل إلا لمن أخلص عمله لله، وأدَّى حجه أو عمرته على هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهذان شرطان لابد منهما في قبول كل قول وعمل:

الشرط الأول: الإخلاص للمعبود؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"([86]). ولهذا حَرِصَ النبي صلى الله عليه وسلم على الإخلاص والدعاء به، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: حجَّ النبي صلى الله عليه وسلم على رَحْلٍ رثٍّ وقطيفة([87]) تسْوى أربعة دراهم، أو لا تسْوَى ثم قال: "اللهم حِجةٌ لا رياءَ فيها ولا سُمعة"([88]).

الشرط الثاني: المتابعة للرسول r ؛ لقوله: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"([89])، فمن أخلص أعماله لله، مُتَّبعاً في ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهذا الذي عمله مقبول، ومن فقد الأمرين أو أحدهما فعمله مردود داخل في قوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا}([90])، ومن جمع الأمرين فهو داخل في قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ } ([91])، {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}([92])([93])

Page 4

ثانيا:منافع الحج والعمرة وفوائدهما

يقول الله تعالى: { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ *لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}([94]).

لقد بحث العلماء عن هذه المنافع فقالوا: لا بد أن تكون هناك منافع متعددة، ولا شك أن أعظم المنافع كون العبد يتقرب إلى الله تعالى بهذه القربة وبهذا المنسك، ويطلب من الله تعالى الثواب والأجر. وقد عدّد العلماء للحج منافع عدة ، ولا بد أن تجتمع هذه المنافع كلها في هذه المناسك.

قال الإمام ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَـهُمْ} منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا، فما يصيبون من منافع البُدن، والربح، والتجارات ([95]).

وذكر الإمام البغوي رحمه الله ما حاصله:العفو والمغفرة،وقيل: التجارة، وقيل:الأسواق،وقيل:التجارة وما يرضى الله به من أمر الدنيا والآخرة([96]).

ولأهمية معرفة منافع الحج، والحكمة التي شرع من أجلها، فإننا نحب أن نذكر شيئا من هذه المنافع، علَّ الله أن ينفع بها:-

أولاً: تعظيم شعائر الله وحرماته، وهذه المنفعة من أعظم العبادات لله تعالى، قال الله عزوجل: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب }([97]) ، وقال جل وعلا: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ الله فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ }([98]) .

قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ الله } أي ومن يجتنب معاصيه ومحارمه، ويكون ارتكابها عظيماً في نفسه { فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} أي فله على ذلك خير كثير، وثواب جزيل، فكما أن على فعل الطاعات ثواب كثير وأجر جزيل، كذلك على ترك المحرمات والمحظورات"([99]).

ثانياً: مغفرة ذنوب الحاج ورضوان الله عليه، فيرجع إلى وطنه كيوم ولدته أمه لا ذنب عليه، إذا كان متَّقياً ربه في حجِّه: بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وقد تقدم في فضائل الحج والعمرة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه"([100]).

ثالثاً: مضاعفة الصلوات في الحرم من المنافع العظيمة؛فإن الصلاة فيه أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "...وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه"([101]) وهذا ثوابه عظيم؛ فإن من صلّى يوماً واحداً خمس صلوات، كانت أفضل من خمسمائة ألف صلاة، فتكون أفضل من الصلاة في مائتين وإحدى وثمانين سنة وستة أشهر تقريباً؛ لأن المصلي إذا صلَّى خمس صلوات، كان ذلك عدد الصلوات في اليوم، فيكون بمائة ألف يوم تقسيم ثلاثمائة وخمسة وخمسين يوماً، عدد أيام السنة القمرية، والناتج يكون عدد السنين هكذا 100000 يوم ÷ 355 يوماً = 281،69 سنة، وهذا فضل عظيم، وثواب كبير جليل، لمن وفقه الله تعالى للخير([102]).

رابعاً: أداء الشكر لله تعالى؛ فإن في الحج يؤدي العبد بعض الشكر لسلامة البدن من العوارض المانعة من الحجِّ و غيره، وشكر نعمة المال، وشكر نعمة الفراغ، وشكر نعمة الحياة، وشكر نعمة القوة والشباب، وهذه النعم من أعظم ما يتمتع به الإنسان من نعم الدنيا؛ لأن الإنسان بهذه النعم: يجهد نفسه، وينفق ماله؟، ويشغل وقته، ويغتنم حياته وقوته، في طاعة ربه، والتقرب إليه ومعلوم أن شكر الله تعالى على نعمه من أعظم العبادات التي ينال بها العبد الثواب والزيادة من فضل الله عزوجل، قال الله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ }([103]) .

خامساًً: الحج أعظم مؤتمر بشري تجتمع كلمة أصحابه الصادقين على البر والتقوى ، فتذوب الفوارق بين الناس: فوارق اللون والجنس، وفوارق اللسان واللغة، وفوارق الغنى والفقر، وفوارق الجاه والسلطان: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ}([104]) .

سادساً: الحج يذكّر المسلم بالموت والانتقال إلى الآخرة، وذلك إذا تجرَّد الحاج من ثيابه، ولبس الإحرام الذي يشبه الأكفان، ورأى: بأن الرئيس والمرؤوس، والملك، والوزير، والغني، والفقير، والعربي، والأعجمي، والأسود، والأبيض، والصغير، والكبير، كلهم لباسهم واحد، ولا فرق بينهم في ذلك ، وهذا يُذكِّر بخروج الإنسان من الدنيا، ولا يحمل معه إلا هذه الأكفان، التي تبلى بعد ذلك سريعاً، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ } ([105]).

سابعاً: الحج يذكِر بيوم القيامة؛ لأن الحاج إذا رأى جموع الحجاج قد جاؤوا من كل فجٍّ عميق، ومن كلِّ طريقٍ بعيدٍ، في صعيدٍ واحدٍ، في يومٍ واحدٍ، بلباسٍ واحدٍ، بأعدادٍ كثيرةٍ هائلةٍ، ذَكَّره بهذا اليوم العظيم، ولان قلبه، واستعدّ للقاء الله تعالى. والله المستعان.

ثامناً: الصلة بالله تعالى، والتقرب إليه، ؛ لأنه في هذه العبادة: يركب الأخطار، ويقطع الطرق الطويلة، ويشق الأجواء يرجو رحمة ربه، ويخاف عقابه سبحانه، فما أحراه بالثواب الجزيل، والأجر العظيم، من المولى الكريم U([106]).

تاسعاً: لا شك أن من فوائد الحج اتصال المسلمين من جميع أقطار الأرض في مواسم الحج، بعضهم ببعض،وتعاونهم في مصالحهم فيحصل بذلك الخير الكثير، والتشاور في كثير من أمورهم، وتعاونهم في مصالحهم العاجلة والآجلة، واستفادة بعضهم من بعض، وتوحيد كلمتهم على الحق، وكل ذلك من جملة منافع الحج التي أشار إليها تعالى بقوله([107]): {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَـهُمْ } ([108]).

عاشراً:التعلم،والتعليم،ونشر الدعوة والخير بين الناس ،والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأسلوب الحسن، والحكمة والموعظة الحسنة([109])،كما قال تعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْـحِكْمَةِ وَالْـمَوْعِظَةِ الْـحَسَنَةِ وَجَادِلْـهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }([110]) .وكل ما تفعله مما ينفع الناس من قولٍ، أو فعلٍ، أو صدقةٍ، أو غيرها مما شرعه الله أيضاً من التزود بالتقوى التي هي خير زاد، كما قال الله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}([111]) ،داخل في المنافع، فينبغي للحاج أن يستغل هذه الفرصة العظيمة ... "([112]).

حادي عشر: أعظم المنافع تحقيق التوحيد ونبذ الشرك؛ لحديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم: حجة الوداع، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معه جمع غفير عند إحرامه من ذي الحليفة، قال جابر رضي الله عنه ، فنظرت إلى مدِّ بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله عليه الصلاة والسلام بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهلَّ بالتوحيد: "لبَّيْك اللهمّ لبَّيْك، لبَّيْك لا شريك لك لبَّيْك، إنَّ الحمدَ، والنِّعْمَةَ لك والـمُلْكَ، لا شريك لك"([113]).

Page 5

أخي المسلم:

إن كنت ممن أكرمك الله تبارك وتعالى ،وأذن لك بزيارة بيته ، والتنعيم في رحابه ،فعليك أخى الحبيب عند عزومك على قضاء هذه الفريضة التي أكرمك الله بأدائها عليك مراعاة ما يلى :-

1- ابدأ عهداً جديداً مع ربك، بالتوبة من جميع الذنوب والمعاصي، وحقيقة التوبة: الإقلاع عن جميع الذنوب وتركها، والندم على فعل ما مضى منها، والعزيمة على عدم العودة إليها، لقوله تعالى :{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}([114]) وتذكر أنك في رحلة مباركة، وهجره إلي الله تقوم على توحيده والإخلاص له، وتلبية دعوته، وطاعته، ولا أعظم من ذلك أجرا فالحج المبرور جزاؤه الجنة.

2- الإخلاص لله سبحانه وتعالى هو الركن الأول من أركان العمل الصالح قال عز وجل {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}.([115])

فليكن حجك أخي الكريم أختي الكريمة خالصًا لله عز وجل لا رياء فيه ولا سمعة بل ابتغاء مرضاة الله، لا لأجل أن تتباهى بحجك، ولا لأجل أن يقال عنك: الحاج فلان، فالإخلاص الإخلاص.

3- المتابعة لرسول الله عليه الصلاة والسلام هو قدوتنا وأسوتنا في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ، والفوز والنجاة في متابعته والسعادة والهناء في هديه، قال عز وجل: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ}([116]) . وقال عز وجل: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}([117]) .

فجعل متابعة الرسول من لوازم محبته ومن الأدلة على صدق المحبة، فهل أنت تحب رسول الله عليه الصلاة والسلام حقًّا؟.فواجب عليك أحى المسلم أن يكون عملك وحجك موافقاً لما جاء به النبي الأمين r عن ربه فإن أي عمل لم يأت بهr مهما كان لونه ومهما كان القصد منه فهو مردود على صاحبه؛ لأنه مما لم يشرعه الله لعباده، والله تعالى ما تعبد الناس إلا بما شرعه لهم وما عدا ذلك فهو من اتباع الهوى الذي نهانا الله عنه، قال الله تعالى لنبيه الكريم صلوات الله وسلامه عليه : "ثم جعلناك على {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ}([118]). وفي الحديث الصحيح : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"([119]) وفي رواية أخرى "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ([120]).

فالخير كل الخير في الاتباع والشر كل الشر في الابتداع، وقد قال r : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ، عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ([121]).

4- العلم الصحيح هو الطريق إلى العبادة الصالحة قال عز وجل: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}([122]) ، فالعلم هو السبيل الصحيح لاعتقاد صحيح ولعملٍ صالحٍ قويم،لأنك بالعلم تعرف مراد الله، وتعرف هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام فاحرص قبل كل عبادة من العبادات على تعلم أركانها وشروطها وواجباتها وسننها حتى تفعلها، واحرص على معرفة ما يبطل الأعمال وينقضها ويفسدها حتى تبتعد عنه.

5- أوصيكم ونفسي بتقوى الله على كل حال ، فإنها جماع كل خير ووصية الله تعالى للأولين والآخرين ، قال تعالى : { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ}([123]) ، وتتحقق تقوى الله عز وجل في امتثال أمره واجتناب نهيه عن إخلاص ومحبة له سبحانه ورغبة في ثوابه ، وحذراً من عقابه ، على الوجه الذي شرعه الله لعباده وبينه الرسولr لأمته ، كما قال الله تعالى له :{ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}([124]) .

6- أوصيكم ونفسي بتحري الحلال في المطعم والملبس والمشرب والنفقة والصدقة ، فإن ذلك يعين على الطاعة ويكون سبباً في قبولها ، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: "أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً" ([125])

وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} ([126]) ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}([127]) ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟ ([128])، فاختاروا لحجكم وعمرتكم نفقة طيبة تعينكم على إجابة الدعاء وقبول الأعمال .

7- وأوصيكم ونفسي بالمحافظة على الصلاة وأدائها جماعة ما استطعتم ، فإنها عماد الدين وفرق ما بين المسلم والكافر وآخر ما يرفع من الدين وأول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، فمن ضيعها فهو لما سواها من الفرائض والواجبات أضيع ، والله تعالى يقول: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ* إِلَّا أَصْحَابَ اليَمِينِ* فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ* عَنِ المُجْرِمِينَ* مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ* وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخَائِضِينَ* وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ* حَتَّى أَتَانَا اليَقِينُ* فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ }([129]) .

والمحافظة كذلك على سائر الفرائض والواجبات فمن ضيعها أو تهاون بها أو قصر في أدائها فهو على خطر عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين.

8- وأوصيكم ونفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الحكمة والموعظة الحسنة ؛ لقول الله تعالى :{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} ([130]) . ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ([131])

فابذلوا النصح لإخوانكم في رفق ولين فما من أمة ضاع فيها هذا الواجب إلا عمها الله بعذاب ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" ([132]) وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: "بايعت رسول الله عليه الصلاة والسلام على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم"([133]) .

9- الصبر! الصبر! الصبر! وأكثر من قول: «قدّر الله وما شاء فعل» واحذر من أن تقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ([134]) ولكن أكثر من الاسترجاع وتذكر قول الله عز وجل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ}([135]) .

واعلم: إن لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه([136]).

بل من عقيدتنا الإيمان بقضاء الله وقدره خيره وشره، وأن الله عز وجل لا يكلف نفسا إلا وسعها.

وأحسن الظن بالله عز وجل، وأنه سيعوضك خيرا كثيراً؛ فإن رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث القدسي فيما يرويه عن ربه أنه تعالى قال: "أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء"([137]) الحديث. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "عجباً لأمر المؤمن أن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له"([138]).

10- ويجب على الحجاج وغيرهم اجتناب محارم الله تعالى والحذر من ارتكابها كالزنا ،واللواط ،والسرقة، وأكل الربا وأكل مال اليتيم ،والغش في المعاملات ،والخيانة في الأمانات، وشرب المسكرات والدخان، وإسبال الثياب، والكبر ،والحسد، والرياء، والغيبة والنميمة، والسخرية بالمسلمين وسائر أنواع المعاصى،فإن هذه كلها من المنكرات التي حرمها الله على عباده في كل زمان ومكان، فيجب أن يحذرها الحجاج، لأن المعاصي في هذا البلد الأمين إثمها أشد وعقوبتها أعظم وقد قال الله تعالى{وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}([139])، فإذا كان الله قد توعد من أراد أن يلحد في الحرم بظلم فيكف تكون عقوبة من فعل ؟! لاشك أنها أعظم وأشد فيجب الحذر من ذلك ومن سائر المعاصي ولا يحصل للحجاج برُّ الحج وغفران الذنوب إلا بالحذر من هذه المعاصي وغيرها مما حرم الله عليهم .

11- اختيار الصحبة الصالحة من أهل الطاعة والتقوى والفقه في الدين، فإنك إذا اخترت رفقة من الصالحين لا شك أنك تستفيد منهم، وتربح ربحا كبيرا في الدنيا والآخرة، فإنهم يذكرونك إذا نسيت، ويعلمونك ما جهلت، ويعاونونك على ما عجزت عنه، وينشطونك على نوافل العبادة، ويساعدونك على ما قد تغفل عنه إذا كنت وحدك.

12- التخلق بالخلق الحسن، ، والخلق الحسن يشمل: الصبر، والعفو، والرفق، واللين، والحلم، والأناة وعدم العجلة في الأمور، والتواضع، والكرم والجود، والعدل، والثبات، والرحمة، والأمانة، والزهد والورع، والسماحة، والوفاء، والحياء، والصدق، والبر والإحسان، والعفة، والنشاط، والمروءة؛ ولعظم فضل حسن الخلق قال r: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا.." ([140])، "إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم"([141]).

13- اغتنم فترة وجودك في هذه الرحاب الطاهرة والبقاع المقدسة في الإكثار من صالح الأعمال والأقوال كأداء الفرائض ، والإكثار من النوافل ، والانشغال بتلاوة القرآن الكريم ، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والإكثار من الذكر والدعاء والاستغفار ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والحرص على الصدقة ، والإحسان إلى الغير ، ومساعدة المحتاج ، وإرشاد الضال ، وقراءة في الكتب النافعة، ومدارسة للعلم، وغير ذلك من أعمال البر وأفعال الخير فإن الحاج ما خرج من بلده، وترك أهله؛ إلا لطلب الأجر والثواب، وهو يرجو أن يعود وقد غفر اللهُ له ذنبه، فعليه أن يغتنم الأوقات الفاضلة في الأماكن المقدسة، وعليه أن يحذر من إضاعة الوقت فيما لا نفع فيه،

14- ينبغي للحاج الاستغناء عما في أيدي الناس والتعفف عن سؤالهم لقوله صلى الله عليه وسلم "ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله" و قوله صلى الله عليه وسلم "لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة([142]) لحم([143]).

15- طهر نفسك برد الحقوق والمظالم إلي أهلها، واطلب الصفح ممن ظلمتهم، واسترضِ من أخطأت في حقه أو سبق لك الاعتداء عليه، وصل أرحامك وبر والديك وارضِ إخوانك وجيرانك.

16- يستحب للمسافر أن يكتب وصيته، وما له وما عليه فالآجال بيد الله تعالى، قال الله عزوجل: { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ }([144]) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده"([145]).

17- أوصي نساء المؤمنين بوصية خاصة ، هي وصية الله عز وجل لهن، حيث قال جل شأنه : {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ }([146]) . فالواجب على النساء أن يتقين الله، وأن يحذرن أسباب الفتنة من الزينة والطيب وإبراز بعض المحاسن، كالوجه واليدين والقدمين عند اجتماعهن بالرجال، وخروجهن إلى الأسواق ، ، وأشد من ذلك وأعظم في المنكر كشفهن الرؤوس ولبس الثياب القصيرة التي تقصر عن الذراع والساق ؛ لأن ذلك أعظم أسباب الفتنة ؛ ولهذا قال الله عز وجل : "وقرن {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى}([147]) ،وقال عز وجل: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ}([148])

18- حث أبناءك، وبناتك، وأهلك، وإخوانك على تقوى الله والتمسك بآداب الدين والمحافظة على أداء فرائضه. وهي وصية الله تعالى للأولين والآخرين: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ الله وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لله مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ الله غَنِيًّا حَمِيدًا }([149]) .

19- يستحب للمسافر أن يودع أهله، وأقاربه، وأهل العلم من جيرانه، وأصحابه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أراد سفرًا فليقل لمن يخلِّف: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه"([150]) ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يودع أصحابه إذا أراد أحدهم سفرًا فيقول: "أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك"([151]) ، وكان r يقول لمن طلب منه أن يوصيه من المسافرين: "زوَّدك الله التقوى، وغفر ذنبك، ويسَّر لك الخير حيثُ ما كنتَ"([152]) . وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد سفرًا فقال: يا رسول الله أوصني، فقال: "أوصيك بتقوى الله والتكبير على كل شرف"، فلما مضى قال: "اللهم ازوِ له الأرض، وهوِّن عليه السفر"([153]) .

20- يستحبُّ للمسافر أن يدعو بدعاء الخروج من المنزل فيقول عند خروجه: "بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله([154])، اللهم إني أعوذ بك أن أضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أزلَّ أو أُزَلَّ، أو أظلِمَ أو أُظلَمَ، أو أجهلَ أو يُجهلَ عليَّ"([155]).

ويستحبّ له أن يدعو بدعاء السفر، إذا ركب دابته، أو سيارته، أو الطائرة، أو غيرها من المركوبات فيقول: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر" { سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ }([156])، "اللهمّ إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهمّ هوِّن علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهمّ أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهمّ إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب: في المال، والأهل.." وإذا رجع من سفره قالهن وزاد فيهن: "آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون"([157]).

ويستحبّ له أن لا يسافر وحده بلا رفقة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم :"لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده"([158]).وقال r: "الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، الثلاثة ركب"([159]). و يستحبّ له أن يكثر من الدعاء في السفر؛ فإنه حريٌّ بأن تجاب دعوته،ويُعطى مسألته؛لقوله صلى الله عليه وسلم : "ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده"([160]).

ويستحب إذا نزل المسافرون منزلاً أن ينضمّ بعضهم إلى بعض، فقد كان بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزلوا منزلاً تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال r: "إنما تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان"([161]). فكانوا بعد ذلك ينضمُّ بعضُهم إلى بعض حتى لو بسط عليهم ثوب لوسعهم.

ويستحب ّللمسافر إذا نزل منزلاً في السفر أو غيره من المنازل أن يدعو بما ثبت عنه r: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق"؛ فإنه إذا قال ذلك لم يضرَّه شيء حتى يرتحل من منزله ذلك([162]).

ويستحبّ له أن يكبّر على المرتفعات ويسبح إذا هبط المنخفضات والأودية، قال جابر رضي الله عنه : "كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا"([163])، ولا يرفعوا أصواتهم بالتكبير، قال r: "يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنه معكم، إنه سميع قريب"([164]).

ويستحبّ له أن يدعوَ بدعاء دخول القرية أو البلدة فيقول إذا رآها: "اللهم ربَّ السموات السبع وما أظللن،ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها"([165]).

ويستحبّ له السير أثناء السفر في الليل وخاصة أوله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم :"عليكم بالدُّلجة؛فإن الأرض تُطوَى بالليل"([166]).

ويستحبّ له أن يقول في السحر إذا بدا له الفجر: "سمّع سامعٌ بحمد الله وحسن بلائه علينا. ربنا صاحبنا، وأفضل علينا عائذًا بالله من النار"([167]).

21- يجب أن تعلم ما أنت مقدم عليه، إنك مدعو من سيد هذا الكون لزيارته ،فلتعلم أن هذه الزيارة شرف لا يطاوله شرف آخر، واعلم أن تلبية الدعوة تكريم من الله لك، وعليك أن تستحضر ذلك كله في ضميرك فإنه يعينك على أن تدرك جلال ما أنت قادم عليه.

22- تذكر رخص السفر([168]) لأن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ومن الرخص إذا كنت صائماَ فالأفضل لك الإفطار ولك أن تقصر الصلاة الرباعية فقط فتجعلها اثنين ولك أن تجمع بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء جمع تقديم في وقت الأولى منها أو جمع تأخير في وقت الثانية منها لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:"كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يجمع بين صلاة الظهر والعصر، إذا كان على ظهر سير([169])، ويجمع بين المغرب والعشاء([170])، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدَّ به السير([171])([172])، وعن أنس رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين صلاة المغرب والعشاء في السفر"([173]).

23-إذا سافرت إلى بلد ما مسافة 81 كيلو متر وأقمت بها أقل من أربعة أيام فإنك تقصر صلاتك فتجعل الصلاة الرباعية ثنائية، فقد ثبت أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يقصر في أسفاره:حاجًّا،ومعتمرًا،وغازيًا،قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "صحبت رسول الله عليه الصلاة والسلام فكان لا يزيد في السفر على ركعتين،وأبا بكر، وعمر،وعثمان كذلك، y([174]). وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "فرض الله الصلاة حين فرضها: ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فَأُقرَّت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر" وفي لفظ للبخاري: "فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعًا وتركت صلاة السفر على الأولى"([175]). أما إذا أقمت أربعة أيام فأكثر في هذه البلد فإنك تتم صلاتك، ولا تقصرها إذ بنية الإقامة يستريح خاطرك، ويهدأ بالك، ولم تبق العلة التي شرع من أجلها القصر، وهى قلق المسافر، وانشغال باله بمهام سفره، أما إذا أقمت في بلد ما لقضاء حاجة، وتنتظر قضاءها، ولا تعرف متى تنقضي، ولا تعرف موعد خروجك من هذه البلد فلك قصر الصلاة مدة إقامتك، ؛ لما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة عام الفتح تسعة عشر يوماً يصلي ركعتين، وأقام النبي صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة".

قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: "إذا نوى أن يقيم بالبلد أربعة أيام فما دونها قصر الصلاة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة، فإنه أقام بها أربعة أيام يقصر الصلاة، وإن كان أكثر ففيه نزاع، والأحوط أن يتم الصلاة، وأما إن قال غدًا أسافر، أو بعد غد أسافر، ولم ينوِ المقام فإنه يقصر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة بضعة عشر يومًا، يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة. والله أعلم"([176]).

لكن إذا صلى المسافر خلف إمام يصلي أربعاً فإنه يصلي أربعاً تبعاً لإمامه سواء أدرك الإمام من أول الصلاة أو في أثنائها، فإذا سلم الإمام أتى بتمام الأربع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه " ([177]). وعموم قوله: "فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" ([178]). لما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما من حديث موسى بن سلمة رحمه الله قال: كنا مع ابن عباس بمكة فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعًا وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين، قال: "تلك سنة أبي القاسم r"([179]). وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا صلى مع الإمام صلى أربعًا وإذا صلاها وحده صلى ركعتين([180]).

ومن صلى أربعاً منفرداً فلا حرج لكن ماسار عليه النبى r هو أولى وأفضل.

24- لك أن تمسح على الخفين والجوربين بدلاًًً من غسل الرجلين عند الوضوء مدة ثلاثة أيام ولياليهن في حالة السفر، أو يوم وليلة في حال الإقامة؛لحديث علي بن أبي طالب t، قال: "جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم"([181])؛ ولحديث أبي بكرة t عن النَّبي e "أنَّه رَخَّصَ للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة، إذا تطهر فلبس خُفَّيْه أن يمسح عليهما"([182]). وهذه المدة على الصحيح تبتدئ من أول مرة مسح بعد الحدث([183])، وتنتهي بأربع وعشرين ساعة بالنسبة للمقيم، واثنتين وسبعين ساعة بالنسبة للمسافر([184]).

ويشترط لذلك أن يكون الخف أوالجورب طاهراً ساتراً للكعبين، وأن يلبس على طهارة كاملة، وعلى وضوء، وان يكون الجورب ثخيناً يمنع وصول الماء إلي ما تحته وألا يكون شفافاً يرى ما تحته، و أن يكون مباحاً لا مغصوباً، ولا حريراً لرجل، ولا مسروقاً، ولا ما فيه صور لذوات الأرواح، فلا يجوز أن يمسح على ذلك؛ لأن المسح على الخفين رخصة، فلا تستباح به المعصية؛ ولأن القول بالجواز مقتضاه إقرار هذا الإنسان على لبس هذا المحرم، والمحرم يجب إنكاره([185]).

ولا يحل لك المسح بعد انقضاء هذه المدة كما لا يحل لك المسح إذا انتقضت طهارتك، بأن أصابك ما يوجب الغسل كالجنابة أو إذا خلعت الخفين أو ما في معناهما بعد المسح عليهما وفي هذه الحالة عليك خلعهما والاغتسال في حالة الجنابة أو غسلهما في غير هذه الحالة، ثم الوضوء، واستئناف المسح لوقت آخر

ولكي تمسح على الخف أو الجورب ضع أصابع يدك اليمنى على مقدم خف، أو جورب رجلك اليمنى، وأصابع يدك اليسرى على مقدم خف، أو جورب رجلك اليسرى ، ثم تمر بهما إلى الساق فوق الكعبين مرة واحدة وأنت مفرج لأصابع يدك قليلا بحيث يكون المسح عليهما خطوطاً .

قال ابن قدامة رحمه الله: "روى الخلال بإسناده عن المغيرة بن شعبة فذكر وضوء النَّبي e قال: "ثم توضأ ومسح على الخفين، فوضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ووضع يده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أثر أصابعه على الخفين"([186]).

قال ابن عقيل: سنة المسح هكذا "أن يمسح خفيه بيديه اليمنى لليمنى، واليسرى لليسرى"، وقال أحمد: "كيفما فعلت فهو جائز باليد الواحدة أو باليدين"([187]).وقد روى عن علي رضي الله عنه قال: "وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه"([188]).

أما المسح على العمائم وخمار المرأة على الصحيح فيشترط للمسح عليهما ما يشترط للخفين على الصحيح، ([189]).

Page 6

5- المسح على الجبائر:

الأحاديث التي وردت في الجبائر قال جماعة من أهل العلم: إنها ضعيفة([190])، ولكن ذكر العلامة ابن باز رحمه الله أن أحاديث الجبائر مع أحاديث المسح على الخفين تدل على شرعية المسح على الجبائر؛ لأن المسح على الخفين للتيسير، فالمسح على الجبائر أولى بالشرعية؛ ولكونه ضرورياً لم يشرع فيه التوقيت([191])، ويفارق مسح الجبيرة مسح الخف من وجوه:

الوجه الأول: لا يجوز المسح عليها إلا عند الضرر بنزعها، والخف خلاف ذلك.

الوجه الثاني: يجب استيعابها بالمسح إلا ما زاد على محل الفرض في الوضوء؛ لأنه لا ضرر في تعميمها به بخلاف الخف فإنه يشق تعميمه بالمسح، فيجزئ فيه مسح بعضه كما وردت به السنة([192]).

الوجه الثالث: يمسح على الجبيرة من غير توقيت؛ لأن مسحها لضرورة فتقدّر بقدرها.

الوجه الرابع: يمسح عليها في الحدث الأصغر والأكبر بخلاف الخف؛ فإنه لا يمسح عليه إلا في الأصغر.

الوجه الخامس: لا يشترط تقدم الطهارة على شدِّها على القول الراجح بخلاف الخفّ([193]).

الوجه السادس:الجبيرة لا تختص بعضو معين والخف يختص بالرِّجل([194]).

أما كيفية المسح على الجبائر:

إذا وُجِدَ جرح في أعضاء الطهارة فله مراتب:

المرتبة الأولى: أن يكون مكشوفاً ولا يضره الغسل، فيجب غسله.

المرتبة الثانية: أن يكون مكشوفاً ويضره الغسل والمسح لا يضره، فيجب مسحه.

المرتبة الثالثة: أن يكون مكشوفاً ويضره الغَسلُ والمسح، فحينئذ يشد عليه جبيرة ويمسح عليها، فإن عجز فهنا يتيمم له.

المرتبة الرابعة: أن يكون مستوراً بجبس، أو لزقة، أو جبيرة، أو شبه ذلك ففي هذه الحال يمسح على الساتر، ويغنيه عن الغَسل([195]).

25- إذا دخل وقت الصلاة، ولم تجد الماء،أو كان معك ماء قليل تحتاجه لأكلك وشربك أو خفت ضياع الرحلة ،أو فوت الرفقة، أو حال بينك، وبين الماء عدو، أو أي خوف، أو مرض تيمم بتراب طاهر، أو ما كان من جنس الأرض، كالرمل، و الحجر، ويكون بضربة واحدة بكفيك على الأرض ثم تنفضهما، أو تنفخ فيهما، وتمسح بها وجهك ،وظهر كفيك إلى الرسغين، وليس عليك استيعاب الوجه ،ولا الكفين، ولا تمسح ذراعك، ولا رأسك، ولا رجلك، ولا شيئاً من جسدك، وصلّ بالتيمم فريضة واحدة وما شئت من النوافل وكل ما ينقض الوضوء ينقض التيمم لما روي عن عمار رضي الله عنه أنه قال "أجنبت فلم أصب الماء فتمعكت([196]) في الصعيد، وصليت فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يكفيك هكذا وضرب النبي e بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه"([197]).

26- السنة ترك الرواتب في السفر إلا سنة الفجر، والوتر؛ لحديث حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتةٌ نحوَ([198])حيثُ صلى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا أتممت صلاتي، يا ابن أخي إني صحبت رسول الله عليه الصلاة والسلام في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }([199]). أما سنة الفجر، والوتر فلا تُترك لا في الحضر ولا في السفر؛ لحديث عائشة رضي الله عنها في سنة الفجر أن النبي صلى الله عليه وسلم "لم يكن يدعهما أبدًا"([200])؛ ولحديث أبي قتادة t في نوم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في السفر عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، وفيه: "ثم أذن بلال الصلاة فصلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم"([201]).

وأما سنة الوتر؛ فلحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته". وفي لفظ: "كان يوتر على البعير"([202]).

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "وكان تعاهده r ومحافظته على سنة الفجر أشد من جميع النوافل ولم يكن يدعها هي والوتر سفرًا ولا حضرًا... ولم ينقل عنه في السفر أنه عليه الصلاة والسلام صلى سنة راتبة غيرهما"([203]).

وأما التطوع المطلق فمشروع في الحضر والسفر مطلقًا،مثل:صلاة الضحى، والتهجد بالليل، وجميع النوافل المطلقة، والصلوات ذوات الأسباب: كسنة الوضوء، وسنة الطواف، وصلاة الكسوف، وتحية المسجد وغير ذلك([204]).

قال الإمام النووي رحمه الله: "وقد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر..." ([205]).

27- إذا نسيت صلاة الحضر فذكرتها في السفر فعليك أن تصليها صلاة حضر تامة من غير قصر إجماعًا؛ لأن الصلاة تعيَّن عليه فعلها أربعًا، فلم يجز له النقصان من عددها؛ ولأنه إنما يقضي ما فاته وقد فاته أربعٌ، وأما إن نسيت صلاة السفر فذكرتها في الحضر، فقال الإمام أحمد: عليه الإتمام احتياطًا، وبه قال الأوزاعي، وداود، والشافعي في أحد قوليه، وقال مالك والثوري وأصحاب الرأي: يصليها صلاة سفر؛ لأنه إنما يقضي ما فاته، ولم يفته إلا ركعتان([206])، والله عزوجل أعلم([207]). وإن نسيها في سفر وذكرها فيه أو ذكرها في سفر آخر قضاها مقصورة؛ لأنها وجبت في السفر وفُعلت فيه([208]).

28- يصح التطوع على المركوب في السفر: من راحلة، وطائرة، وسيارة، وسفينة وغيرها من وسائل النقل، أما الفريضة فلابد من النزول لها إلا عند العجز؛ لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ "برأسه" إيماء صلاة الليل إلا الفرائض ويوتر على راحلته ، وفي لفظ: "غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة"([209])؛ ولحديث عامر بن ربيعة t قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته حيث توجهت به". وفي لفظ: "ولم يكن رسول الله عليه الصلاة والسلام يصنع ذلك في المكتوبة". وفي لفظ: "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت به"([210])؛ولحديث جابر رضي الله عنه قال:"كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يصلي على راحلته حيث توجهت به،فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة"([211]).وفي لفظ: "كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة".وفي هذا أحاديث أخرى كحديث أنس رضي الله عنه ([212]).

ويستحب استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام؛ لحديث أنس رضي الله عنه "أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة، فكبر، ثم صلى حيث وجهه ركابه"([213])، فإذا لم يفعل ذلك فالصلاة صحيحة عملاً بالأحاديث الصحيحةوذكر الإمام النووي رحمه الله "أن التنفل على الراحلة في السفر الذي تُقصر فيه الصلاة جائز بإجماع المسلمين ... " ([214]).

29- لا تتكلم إلا بالخير، واحفظ لسانك من كثرة القيل والقال، والخوض فيما لا يُعنيك، وتذكر أن قلة الكلام فيما لا ينفع مستحبة في كل حال صيانة للنفس من اللغو والوقوع في الكذب، وما لا يحل فإن من كثر كلامه كثر سقطه، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت"([215])

30- يجب على الحاج وغيره أن يحفظ لهذه الأماكن المقدسة حرمتها ، فلا يهم فيها بعمل سوء ، فقد توعد الله من فعل ذلك بعذاب أليم، قال تعالى: "ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم". ([216])

فالواجب على كل مؤمن وعلى كل مؤمنة أن لا يؤذي بعضهم بعضاً ، لا في نفس ولا في مال ولا في عرض، بل يجب أن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يتناصحوا ، وأن يتواصوا بالحق والصبر عليه ؛ لقول r: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ، التقوى هاهنا ، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" ([217]).

وقد حرم الله إيذاء المؤمنين والمؤمنات بأي نوع من الإيذاء ، في كل مكان وفي كل زمان، فكيف بإيذائهم في البلد الأمين، وفي الأشهر الحرم، وفي وقت أداء المناسك، وفي مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ؟! لاشك أن هذا يكون أشد إثماً وأعظم جرماً، قال الله تعالى: "الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج" ([218]) وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}([219])

فالمطلوب من الحاج أن يكون سلماً على نفسه، سلماً على غيره ، من إنسان وحيوان، وطير، ونبات، ولا ينالهم منه أذى، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وحرمة المسلم عند الله عظيمة، وظلمه معصية كبيرة، والظلم عاقبته وخيمة قال الله تعالى: "ومن يظلم منك نذقه عذاباً كبيراً([220]).

وأخيراً اتق الله ما استطعت ولا تفعل من الأفعال ما يتنافي مع هذه العبادة الجليلة، واحرص كثيراً على أداء ما فرض الله، وعلى ترك ما حرم الله ،والويل كل الويل لمن اتخذ الأمر لهواً ولعباً وظنه أنها رحلة عاطفية ونزهة نفسية.

والله أسأل أن يوفق حجاج بيت الله الحرام للاستقامة على دينهم وحفظ حجهم مما يبطله أو ينقص أجره، وأن يمن علينا وعليهم بالفقه في دينه والتواصي بحقه والصبر عليه ، وأن يعيذ الجميع من مضلات الفتن ونزغات الشيطان ، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان .

Page 7

ورد في السنة عدد من الأحاديث كلها تتحدث عما يلبسه المحرم في إحرامه، ففي الصحيحين عن ابن عمررضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات أنه كان في المدينة فسأله سائل فقال يا رسول الله ما يلبس المحرم ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلملا يلبس القمص ([222])ولا البرانس([223]) ولا العمائم([224]) ولا السراويلات([225]) ولا الخفاف ([226]) . في هذا الحديث سأل هذا الرجل عما يلبسه المحرم فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بما لا يلبسه المحرم، قال ابن حجر وهذا قمة في البلاغة والجزالة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم أن الممنوع محدود والمباح مطلق أعرض عما سأل عنه السائل وبين المحصور المحدود فقال " لا يلبس القمص ولا البرانس ولا العمائم ولا السراويلات ولا ثوب مسه ورس أو زعفران ....الحديث". فهذا هو الحديث الأول في مسألة ما يلبسه المحرم .

الحديث الثاني: هو ما في الصحيحين أيضا من حديث يعلى بن أميةt أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الجعرانة في مرجعه من الطائف فجاءه إعرابي فقال :يا رسول الله ما تقول في رجل أحرم في جبة وتضمخ بطيب - يعني تلطخ بطيب - فقال r أما الطيب فاغسله ثلاثا وأما الجبة فانزعها. فا أمره r أن ينزع الجبة.([227]) .

الحديث الثالث: الذي ورد في مسألة ما يلبسه المحرم حال إحرامه هو ما رواه البخاري من حديث ابن عباس _رضي الله تعالى عنهما_ أن النبيr قال وهو يخطب بعرفات ومن لم يجد الإزار فليلبس السراويلات ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين "([228]). ففي هذا الحديث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ورخص لمن لم يجد الإزار أن يلبس السراويلات .

من خلال هذه الأحاديث الثلاثة قال أهل العلم أن المحرم ممنوع من لبس ما يفصل على قدر الأعضاء، وعبر بعض الأئمة عما يفصل على قدر الأعضاء بالمخيط فقالوا: لا يلبس المحرم المخيط ،ومقصودهم بالمخيط ليس ما يخاط بالإبرة أو بالمكينة أو نحو ذلك ،لا، وإنما قصدهم بالمخيط مايخاط ويفصل على قدر أعضاء البدن، كالفنيلة والسراويل والثوب ونحوها وهذه اللفظة لم ترد في السنة لا في حديث ابن عمر ولا حديث يعلى ولا حديث ابن عباس ولا في شيء من كتب الحديث .فالتعبير بأن المحرم لا يلبس المخيط إنما ورد عن بعض السلف فانتشر وتداولته كتب الفقه وتناقله الفقهاء بعضهم عن بعض و من خلال هذا النقل التبس هذا الأمر على كثير من الناس فظن أن المقصود بالمخيط هو ما يخاط في الإبرة أو المكينة أو نحو ذلك ، وهذا ليس مقصودا للفقهاء على الإطلاق فإنه بإجماع أهل العلم لو أن الإنسان عنده إزار ثم شق هذا الإزار فخاطه ثم لبسه أن ذلك جائز بإجماع أهل العلم ، فليس المقصود بالمخيط هو الذي جرت به الإبرة أو المكينة أو نحو ذلك وإنما المقصود بالمخيط هو ما يخاط ويفصل على قدر الأعضاء. ([229])

تساؤل:

ما حكم لبس الإزارالمخيط بالنسبة للمحرم من الرجال ؟

الإزار المخيط هو ما ظهر في هذا الوقت وأفتى به مجموعه من أهل العلم وطلابه، وهو الإزار الذي يخاط جانباه ويوضع في أعلاه تكة إما من خيط أو مطاط أو سير أو نحو ذلك وبعض الناس وضع له جيب يوضع فيه المال أو الجوال أو نحو ذلك.

أن هذا اللباس لا يشبه السراويلات التي منعها النبي صلى الله عليه وسلم فإننا لو تأملنا في جميع الألبسة التي منعها النبي صلى الله عليه وسلم كالبرانس والقمص والسراويلات والجبة لوجدنا أنها كلها تجتمع في صفة واحدة، هي أنها فصلت على قدر الأعضاء وحينما تتأمل هذا الإزار تجد وتلاحظ أنه ليس من هذا القبيل، وبناء على ذلك نقول والعلم عند الله سبحانه وتعالى أن هذا الإزار يجوز لبسه لأنه ليس مما نص النبي صلى الله عليه وسلمعلى تحريمه ولا يشبهه وقد كانت عائشة رضي الله تعالى عنها تذهب إلى الحج وإلى العمرة فكان غلمانها إذا أرادو أن يحملوا هودجها على البعير أو ينزلوه ربما بدا منهم شيء من عوراتهم فأمرتهم عائشة رضي الله عنها أن يلبسوا تحت الإزار شيئا يقال له التُبان ، والتبان هذا بإختصار شديد هو الإزار المنتشر في هذا الزمن إلا أنه قصير إلى حدود أنصاف الفخذين _ يعني هو مثل السراويل القصيرة إلى نصف الفخذ لكنه لا أكمام له وإنما له تكة في أعلاه_ فكانت عائشة رضي الله عنها تأمر غلمانها بأن يلبسوا هذا التُبان تحت أزرِهم ليسترُ عوراتِهم فهذا الإزار لا يشبه السراويل وبتالي فإنه يجوز لبسه سواءً سمي إزارا أو لم يسم، وهناك من العلماء من يرى عدم استعمال الإزار المخيط؛ لأنه لما خيط خرج عن كونه إزارًا؛ لأمرين:الأول: من جهة اللغة، فقد ذكر في أن الإزار غير مخيط، ويؤيد ذلك قول الشاعر:فالإزار يعقد على الحقوين "([230]) ولا يخاط ([231]) .الثاني: حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "إن كان الثوب واسعًا فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقًا فاتَّزر به" ([232]) .فبيَّن له صلى الله عليه وسلم كيفيةَ لباس الصلاة، وهو أنه إن كان الثوب واسعًا ستر به جميع البدن، وإن كان ضيقًا اكتفي بستر أسفل البدن، ومعلوم أنه لو كان مخيطًا لما أمكن فيه ذلك، فدل على أن الإزار اسمٌ لما يستر أسفل البدن، وليس مخيطًا. وضابط ذلك أن كل ما خيط على قدر البدن، أو على جزء منه، أو عضو من أعضائه - فالمُحرِم ممنوع منه.

وقد اشتهر في كتب المناسك لفظ "المخيط، وهذا لم يرد في السنة، وإنما جرى على لسان بعض التابعين ([233]) ، حتى كثر استعماله في كتب الفقه، فظن كثير من الناس أن المقصود به كل ما فيه خيط، فظنوا أنه لا يجوز لبس الرداء الموصل؛ لقصره، أو لضيقه، أو ما خيط لشقٍّ فيه، وكذا الأحذية والأحزمة التي فيها خيوط، وهذا غير صحيح؛ بل المراد به ما تقدم، وليس المراد ما فيه خيط، ولو اقتصر الفقهاء على ما ورد في السنة، وأُلحق به ما أشبهه، لكان أوضحَ، وأبعدَ عن الإيهام.

تنبيهات:

1- قد لا يتيسر للبعض التكشف ولبس الإحرام الخاص، كالذين يعملون الأعمال الرسمية، ويريدون أداء المناسك، فيجوز لهم أن يحرموا بأكسيتهم وألبستهم المعتادة، فيجوز للجندي مثلا أن يحرم ويلبي وهو لابس قميصه، وعليه برنيطة على رأسه، ويتجنب المحظورات، ولكن يكون عليه فدية عن هذا اللباس، وإحرامه صحيح، فإن الإحرام هو النية والتلبية وما أشبهها. ([234])

2- يجوز لمن أحرم بالحج أو العمرة أن يلبس الحزام والحذاء، ولو كانا مخيطين بالماكينة. ([235])

3- أمرنا الله على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بارتداء الإزار والرداء في الحج وفي العمرة لحكمة يعلمها، فوجب علينا الامتثال؛ رجاءَ الثواب، سواء علمنا الحكمة أم لم نعلمها، ومما ذكره العلماء في ذلك: التذكير بحال الناس يوم الجمع والنشور يوم القيامة، وإشعار الحاج بالتواضع والتساوي بين الغني والفقير. ([236])

4- يجوز للمرأة حال إحرامها أن تلبس ما شاءت من الملابس النسائية التي لا زينة فيها ولا مشابهة لملابسالرجال وليست ضيقة تصف حجم أعضائها ولا شفافة لا تستر ما وراءها وليست قصيرة تنحسر عن رجليها أو يديها بل تكون ضافية كثيفة واسعة.

وأجمع أهل العلم على أن للمحرمة لبس القميص والدروع والسراويلات والخمر والخفاف ولا يتعين عليها أن تلبس لونًا معينًا من الثياب كالأخضر والأبيض والاسود وإنما تلبس ما شاءت بشرط الحشمة والتستر، ويجوز لها استبدال ثيابها بغيرها إذا أرادت ([237])، وتُمنع من شيئين:

الأول: النقاب، وهو ما يُنقب فيه للعينين، فلا يجوز لها لبسه.الثاني: القفاز، وهو غلاف ذو أصابع تُدخل فيه الكف، وهو المعروف بشراب اليدين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : "ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين"

5- يعتقد بعض النساء جواز كشف الوجه أمام الرجال ما دامت محرمة وهذا خطأ ، والواجب تغطيته ؛ ومن الأدلة على ذلك:

1- عن فاطمة بنت المنذر رحمها الله أنها قالت : " كنا نخمر وجوهنا ، ونحن محرمات ، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق . ([238])

2-عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها قالت : " كنا نغطي وجوهنا من الرجال ، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام "([239]) .

3-عن عائشة رضي الله عنها قالت : " المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوباً مسه ورس أو زعفران ، ولا تتبرقع ، ولا تتلثم ، وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت " ([240]). وهذا يؤكد أن المحظور على المرأة مخيط الوجه وليس التغطية .

أما حديث " إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها " فإنه لايصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال عنه ابن القيم رحمه الله : "لا أصل له ".

وكثير من النساء القادمات للعمرة يكشفن وجوههن أثناء الإحرام وبعده ، حتى أصبح كشف الوجه ظاهرة في الحرم ، فلابد أن تعلم المرأة أن كشفها للوجه أمام الرجال الأجانب محرم شرعاً لما سبق من الأدلة وغيرها ، والواجب عليها التوبة إلى الله وستره أمام الرجال الأجانب "([241])

6- ما تفعله بعض النساء مِن لبس النقاب وفوقه الحجاب؛ لقصد رؤية الطريق، فالظاهر " والله أعلم " أن عموم النهي عن النقاب يشمله؛ لتحقق لبسه، فإن قيل: ألا يجوز للحاجة، ولكونه غير ظاهر؟ فالجواب: أن ما فُعل من محظورات الإحرام للحاجة، ففيه الفدية، وكونه غير ظاهر قد لا يؤثر في الحكم. ([242])

7- يجوز لكلٍّ مِن الرجل والمرأة تبديلُ ثياب الإحرام، وغسلها بعد الإحرام، وأما ظن بعض النساء أن المحرمة تبقى على ثياب إحرامها، وليس لها تبديلها أو غسلها، فكل ذلك لا أصل له.([243])

تساؤل :

هل الكمامات ([244]) من جنس ما نهي عنه من الألبسة في حال الإحرام ؟

قد ذكرنا فيما سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القمص والسراويلات والعمائم والبرانس ونهى عن الجبة كما في مجموع الأحاديث. حديث ابن عباس وحديث يعلى وابن عمر _ رضي الله تعالى عنهم أجمعين _ وقلنا إن أهل العلم قالوا إن هذه الأحاديث بمجملها تدل على إن المحرم ممنوع مما فصل على قدر الأعضاء. فهل الكمام الذي يوضع على والوجه من قماش أو نحوه يأخذ حكم هذه الألبسة مثل الفنيلة التي فصلت على قدر الجسم واليدين أو مثل السراويل الذي فصل على قدر الرجلين أو مثل القميص أو نحو ذلك. هذا الكمام لم يفصل على قدر الأعضاء خاصة ما يكون منه على شكل قماش فإن هذا إنما يوضع على الفم ويربط خلف العنق فهذا لم يفصل على قدر أعضاء الوجه . وبالتالي فإن الكمامات ليست من الألبسة التي نص النبي صلى الله عليه وسلم على تحريمها ولا من جنس هذه الألبسة التي نص النبي صلى الله عليه وسلم على تحريمها .

تساؤل آخر:

هل المحرم ممنوع من تغطية وجهه ؟

قال النووي رحمه الله مذهبنا أنه يجوز للرجل المحرم ستر وجهه ولا فدية عليه وبه قال جمهور العلماء وقال أبو حنيفة ومالك : لا يجوز كرأسه واحتج لهما بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي خر من بعيره " ولا تخمروا وجهه ولا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة يلبي"([245]) وعن ابن عمر أنه كان يقول " ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم "([246])

Page 8

الإحرام: هو نية الحج، أو نية العمرة ، أو نية الحج والعمرة معاً.

والنية هي الإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء رضا الله تعالى، وامتثال أمره ،وهى عمل قلبي محض لا دخل للسان فيه إلا في الحج والعمرة، فيجوز التلفظ بالنية بشرط أن تقول بلسانك قولا مطابقا لما في قلبك لوروده عن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث البخاري عن أنس رضي الله عنه قال سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: " لبيك عمرة وحجة " ([247])

ودليل فرضيتها ما رواه الشيخان([248]) من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي يقول سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال: سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.

وسميت النية بالإحرام، لأن المحرم بإحرامه حرم على نفسه أشياء كانت مباحة ،مثل "لنكاح،والطيب" وغير ذلك كما سيأتي بيانه.

ولكي تحرم أي تنوى الحج أو العمرة أو الاثنين معاً ينبغي مراعاة عده أمور نذكرها لك فيما يلي:

1- النظافة: وتتحقق بتقليم الأظافر، وقص الشارب، ونتف الإبط وحلق العانة ؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب" ([249]) .

لأن الإحرام يمنع ذلك، فاستحب فعله قبله لئلا تحتاج إليه في إحرامك، فلا تتمكن منه ، ويستحب لك أن تغتسل؛ لحديث زيد بن ثابت t، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل([250]). والغسل سنة عند الإحرام للرجال والنساء حتى النفساء والحائض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس لما ولدت محمد بن أبي بكر بذي الحليفة أن تغتسل وتستثفر بثوب وتحرم، وذلك: أنها أرسلت إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام كيف أصنع؟ قال: "اغتسلي، واستثفري بثوب، وأحرمي"([251]).

وأمر عائشة لما حاضت وقد أحرمت بعمرة أن تغتسل وتحرم بالحج، وتفعل ما يفعل الحاج غير الطواف بالبيت. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع، فأهللتُ بعمرةٍ، ولم أكن سُقْتُ الهدي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من كان معه هدي فليُهلل بالحج مع عمرته، ثم لا يحل حتى يحلّ منهما جميعاً" قالت: فحضت، فلما دخلت ليلة عرفة، قلت: يا رسول الله إني كنت أهللت بعمرة، فكيف أصنع بحجتي؟ قال: "انقضي رأسك، وامتشطي ، وأمسكي عن العمرة، وأهلِّي بالحج"([252]).

والاغتسال هو أن تتوضأ وضوءك للصلاة ثم تفيض الماء على رأسك ثلاثا مع تخليل الشعر ليصل الماء إلى أصوله ثم تفيض الماء على سائر جسدك بادئا بالشق الأيمن ثم الأيسر مع تعاهد الإبطين([253]) . وداخل الأذنين، والسرة ، وأصابع الرجلين، وغسل المرأة كغسل الرجل إلا أن المرأة لا يجب عليها أن تنفض ضفيرتها إن وصل الماء إلى أصل شعرها لحديث أم سلمه رضي الله عنها أن امرأة قالت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنفضه للجنابة قال: إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي على سائر جسدك فإذا أنت قد طهرت([254]).وبعد الاغتسال سرح لحيتك وشعر رأسك.

2- التجرد من الثياب المخيطة، والتطيب في البدن دون ملابس الإحرام وإن بقي أثره بعد الإحرام لحديث عائشة رضي الله عنها قالت "كنت أطيب([255]) رسول الله عليه الصلاة والسلام لإحرامه([256]). قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت([257]) ثم البس ملابس الإحرام التي أشرنا إليها وأنت في الميقات المحدد للإحرام منه.

3- يستحب صلاة ركعتين قبل الإحرام([258]) تأسيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم لحديث عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام بوادي العقيق، يقول: "أتاني الليلة آتٍ من ربي، فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة"([259]) .و لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يركع بذي الحليفة ركعتين عند إرادة الإحرام.([260])

4- عقب الفراغ من الركعتين انوي في قلبك ما تريده من عمرة فقط ، أو حج فقط ،أو عمرة وحج معاً ولك أن تتلفظ بلسانك قائلا: اللهم إني نويت العمرة فيسرها لي، وتقبلها منى أو لبيك عمرة ،أو قل اللهم إني نويت الحج فيسره لي، وتقبله منى أو لبيك حجة، أو قل اللهم إني نويت العمرة والحج فيسرهما لي وتقبلهما منى أو لبيك عمرة وحجة.

ولك أن تحرم إحراما مطلقا قاصداً أداء ما فرض الله عليك من غير أن تعين نية الحج، أو العمرة ،أو العمرة والحج معاً، وبذلك ينصرف إحرامك إلى ما شئت فعله من الأنواع الثلاثة.

ولك أيضا أن تعلق إحرامك بإحرام شخص ما بأن تقول أحرمت بإحرام كإحرام زيد فتكون مثله في إحرامه فإن كان زيد محرما بحج، أو بعمرة ،أو بعمرة وحج، كنت مثله، وإن أحرم إحراما مطلقا كان إحرامك مطلقا ، فتصرفه إلى ما تشاء من حج أو عمرة ولا يلزمك موافقة زيد في الصرف، فلو صرف زيد إحرامه إلى حج ،كان لك صرف إحرامك إلى عمرة والعكس، وإن كان حاجاً أو معتمراً عن غيره نوى ذلك بقلبه ثم قال: لبيك عن فلان وإن كان حاجاً أو معتمراً عن أنثى قال:لبيك عن فلانه أو بنت فلان او أم فلانه.

5- إذا كان من يريد الإحرام خائفاً من عائق يعوقه عن إتمام نسكه شُرِعَ له أن يشترط فيقول عند إحرمه بالنسك: "... فإن حبسني حابس فمحلِّي حيث حبستني"؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ضباعة بنت الزبير حين أرادت أن تحرم وهي مريضة أن تشترط، فمتى اشترط المحرم ذلك عند إحرامه ثم أصابه ما يمنعه من إتمام نسكه فإن له التحلل ولا شيء عليه.

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله عليه الصلاة والسلام على ضباعة بنت الزبير فقال لها: "لعلك أردت الحج؟" قالت: والله لا أجدني إلا وجعة([261])، فقال لها: "حجِّي واشترطي([262])، قولي: اللهم محلِّي حيث حبستني"([263]). وكانت تحت المقداد بن الأسود([264]).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب رضي الله عنها، أتت رسول الله عليه الصلاة والسلام فقالت: إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج فما تأمرني؟ قال: "أهلي بالحج واشترطي أن محلِّي حيث حبستني"([265])، ولفظ أبي داود: "قولي لبيك اللهم لبيك، ومحلِّي من الأرض حيث حبستني"([266]).

وفي لفظ للنسائي: "قولي: لبيك اللهم لبيك ومحلِّي من الأرض حيث حبستني؛ فإن لك على ربك ما استثنيت"([267]).

وعن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب رضي الله عنها قالت: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "احرمي وقولي: إن محلِّي حيث تحبسني، فإن حُبِسْتِ، أو مرضت فقد أحللتِ من ذلك شَرْطَكِ على ربِّك "([268]) .

وما دلت عليه هذه الأحاديث ورواياتها الصحيحة هو الصواب من أقوال العلماء([269]).

6- إذا أردت أن تسوق الهدى معك إلي الحرم سواء كان من الإبل، أو البقر، أو الغنم، فالأفضل لك أن تنوى العمرة والحج معاً لحديث عاشه رضي الله عنها قالت: "خرجنا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام عام حجه الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله عليه الصلاة والسلام من كان معه هدي فليهل بالحجِّ مع العمرة، ثم لا يحلَّ حتى يحلَّ منهما جميعاً..." ([270]).

وإذا سقت الهدى معك يستحب لك إشعاره وتقليده إن كان من الإبل، أو البقر ، لحديث عن المسور بن مخرمة ومروان، قالا: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلَّد النبي صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره، وأحرم بالعمرة"([271]).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قلَّد نعلين، وأشعر الهدي في الشق الأيمن بذي الحليفة، وأماط عنه الأذى"([272]).والإشعار هو أن تشق أحد جنبي سنامه إن كان له سنام قدر أنملة أو أنملتين حتى يسيل الدم ،أو أن تضربه بحديده في الجانب الأيمن من جسده حتى تدميه، ثم تقلده ،أي تعلق نعلاً في عنقه ، أو أي شيء آخر لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "صلَّى رسول الله عليه الصلاة والسلام الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدَّمَ، وقلّدها نعلين ،ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهَلَّ بالحج" ([273]).

وذلك لتعلمه به، لتمييزه عما عداها من الأنعام، ليعلم المرء أنها هدى إلى الكعبة فلا يتعرض لها أحد ويتجنبها من يريدها بسوء ،إضافة إلي ما في الإشعار والتقليد من تعظيم شعائر الله وإظهارها، وإعلام الناس بأنها قرابين تساق إلى بيته، تذبح له ويتقرب بها إليه ،أما الغنم فلا يسن إشعارها لأنها ضعيفة وصوفها وشعرها يستر موضع إشعارها([274])، لكن يستحب تقليده رقعة جلد أو أي شيء آخر، وإن تركت الإشعار أو التقليد فلا شيء عليك.

ويجوز ركوب البدن التي سيقت هدياً والانتفاع بها حتى يوم النحر لِمَنْ احْتَاجَ إِلَيْهَا لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: "ارْكَبْهَا"، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهَا بَدَنَةٌ"([275])، فَقَالَ: "ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ([276])!فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ.

وفي لفظ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ الله r، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَدَنَةً مُقَلَّدَةً، قَالَ لَهُ رَسُولُ الله r: "وَيْلَكَ ! ارْكَبْهَا"، فَقَالَ: بَدَنَةٌ، يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "وَيْلَكَ ! ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ! ارْكَبْهَا"، وفي لفظ للبخاري قال: فلقد رأيته راكبها يساير النبي صلى الله عليه وسلم، والنَّعلُ في عنقها([277]).

وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ الله r بِرَجُلٍ يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: "ارْكَبْهَا" فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: "ارْكَبْهَا" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا([278]).

وفي رواية عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ r بِبَدَنَةٍ، أَوْ هَدِيَّةٍ، فَقَالَ: "ارْكَبْهَا"، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، أَوْ هَدِيَّةٌ، فَقَالَ: "وَإِنْ"([279]).

وفي رواية عن أبي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الْـهَدْيِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقُولُ: "ارْكَبْهَا بِالْـمَعْرُوفِ إِذَا أُلْـجِئْتَ إِلَيْهَا، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا([280])([281]).

وفي رواية عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا t عَنْ رُكُوبِ الْـهَدْيِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقُولُ: "ارْكَبْهَا بِالْـمَعْرُوفِ، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا".

وإذا عطب([282]) الهدى في الطريق فخشيت عليه موتاً فانحره ثم أغمس نعله في دمه ودعه للمساكين في موضعه حتى يعرفوه بهذه العلامة فيعلموا أنه هدى فيأكلوا منه ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك([283]) . لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ ثُمَّ يَقُولُ: "إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ([284])، فَخَشِيتَ عَلَيْهِ مَوْتًا فَانْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا([285])، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا، وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ"([286]).

والسبب في ذلك كما قال الإمام النووي رحمه الله هو قطع الذريعة لئلا يتوصل بعض الناس إلى نحره أو تعييبه قبل أوانه أو التقصير في حفظه ليعطب فيأكل هو ورفقته منه. ([287])

وإذا ولدت الهدية فولدها بمنزلتها إن أمكن سوقه، وإلا حمله على ظهرها، وسقاه من لبنها، فإن لم يمكن سوقه ولا حمله صُنع به ما يُصنع بالهدي إذا عطبت، ولا فرق في ذلك بين ما عيَّنه ابتداء، وما عيَّنه بدلاً عن الواجب في ذمته([288]).

7- بعد أن تنوى العمرة أو الحج أو العمرة والحج معا وتشترط إن أردت قل بعد ذلك "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك ،إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" وهذه هي التلبية" ([289]) التي كان يلبيها رسول الله عليه الصلاة والسلام لحديث جابر وعبد الله بن عمر قالا : "كانت تلبية رسول الله عليه الصلاة والسلام لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك ،إن الحمد والنعمة لك والملك ،لا شريك لك([290]) . واعلم أن هذه التلبية هي إجابة نداء الله لك بالحج فاحرص على أن تكون مقبولاً وتحاش أن يقال لك لا لبيك ولا سعديك.

وبهذه التلبية تصير محرما فلا تقترب مما هو محظور عليك، كما سيأتي بيانه ويلبى بها كل من أحرم سواء رجل أو امرأة أو محدث أو جنب أو حائض أو نفساء.

وردد هذه التلبية كلما استطعت، في سيرك، وفي جلوسك، وفي وقوفك ،وفي لقاء الأهل والأصحاب، وعند اجتماع الناس، وعند كل صعود أو هبوط ،وعند كل ركوب أو نزول ، وكلما أكلت أو شربت، وكلما أويت إلى فراشك أو قمت من نومك، وعند استقرارك في الطائرة ،أو وسيلة مواصلتك ،وعقب كل صلاة ،وعند الليل والنهار وبالأسحار، وبالجملة عند تغاير الأحوال. ، وعلى هذا أكثر أهل العلم"([291]).

والرجل يرفع صوته بها دون تشويش على غيره لحديث زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "جاءني جبريل فقال: يا محمد مُر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية؛ فإنها من شعار الحج"([292]).أما المرأة فتسمع نفسها لخوف الفتنة بصوتها السنة للمرأة أن تخفض صوتها بالتلبية، ولا ينبغي لها رفع الصوت بالتلبية، كما عليه جماهير أهل العلم([293]).

قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله: "وأجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تُسمع نفسها، فخرجت من جملة ظاهر الحديث، وخُصَّت بذلك، وبقي الحديث في الرجال"([294]).

ويستحب أن تكرر التلبية كل مرة ثلاث مرات وتواليها، لا تقطعها بكلام ،وإذا لبيت صلّّ على رسول الله عليه الصلاة والسلام وأسال الله تعالى ما شئت من أمور الدين والدنيا ولمن تحب وللمسلمين.

والمعتمر يستمر في التلبية إلى أن ينتهي منها عند ابتداء الطواف لحديث بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يلبى المعتمر حتى يستلم الحجر([295]). أما الحاج فينتهي من التلبية عند رمى أول حصاة من جمرة العقبة يوم النحر لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة"([296])([297]).

وله أن يقطع التلبية مع آخر حصاة لما روى عن ابن عباس عن الفضيل قال: "أفضت مع النبي صلى الله عليه وسلم من عرفات لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يُلبِّي حتى رمى جمرة العقبة"([298]). وفي لفظ عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أن رسول الله عليه الصلاة والسلام أردف الفضل، فأخبر الفضل: أنه لم يزل يُلبي حتى رمى الجمرة"([299]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية "رحمه الله": "وتشرع التلبية من حين الإحرام إلى الشروع في الإحلال، ففي الحج يلبِّي إلى أن يأخذ في رمي جمرة العقبة، وفي العمرة إلى أن يشرع في الطواف، قال أحمد: الحاج يُلبِّي حتى يرمي جمرة العقبة، وفي رواية يقطع عند أول حصاة، وقال في رواية الجماعة في المعتمر يقطع التلبية إذا استلم الركن. وهذا هو المذهب"([300]).

Page 9

التلبية لها فضائل عديدة عظيمة، ومنها الفضائل الآتية:

1 – التلبية توحيد، ومن حقق التوحيد دخل الجنة؛ لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معه جمع غفير عند إحرامه من ذي الحليفة، قال جابر: "... ورسول الله عليه الصلاة والسلام بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهلَّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"([302]).

2 – الملبِّي بحجٍّ أو عمرة يُبشَّر بالجنة؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أهلَّ مُهِلٌّ([303])، ولا كبَّر مكبِّر إلا بُشِّر" قيل: يا رسول الله بالجنة؟ قال: "نعم"([304]).

3 – التلبية من أفضل الأعمال؛ لحديث أبي بكر الصديق t: أن رسول الله عليه الصلاة والسلام سُئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: "العجُّ والثَّجُّ"([305])، ولفظ الترمذي: أن رسول الله عليه الصلاة والسلام سُئل: أيُّ الحجِّ أفضل؟ قال: "العجُّ والثجُّ"([306]).

4 – الملبِّي في الحج أو العمرة يلبِّي معه الشجر والحجر؛ لعظم شأن التلبية؛ لحديث سهل t قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "ما من مسلمٍ يُلبِّي إلا لبَّى من عن يمينه وشماله: من حج، أو شجر، أو مَدَرٍ حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا"([307]).

5 – التلبية من شعار الحجِّ؛ لحديث زيد بن خالد الجهني، قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "جاءني جبريل، فقال: يا محمد مُر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها من شعار الحج"([308]).

Page 10

اشتملت التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة منها الفوائد الآتية:

الفائدة الأولى: أن قولك: لبيك يتضمن إجابة داعٍ دعاك، ومنادٍ ناداك، ولا يصح في لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه.

الفائدة الثانية: أن التلبية تتضمن المحبة، ولا يقال: لبيك إلا لمن تحبه وتعظِّمه؛ولهذا قيل في معناها: أنا مواجه لك بما تحب، وأنها من قولهم: امرأة لبة: أي محبة لولدها؛ ولهذا جاء في أحاديث كثيرة أن عدداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا ناداهم النبي صلى الله عليه وسلم قال أحدهم لبيك يا رسول الله، ومنها أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يا معاذ بن جبل" قال: لبيك يا رسول الله وسعديك..." ([310]).

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "يا أبا هريرة؟" فقلت: لبيك يا رسول الله وسعديك"([311]).

وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "يا أبا ذر؟" قال: قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله"([312]).

الفائدة الثالثة: أنها تتضمن دوام العبودية؛ ولهذا قيل: هي من الإقامة: أي أنا مقيم على طاعتك.

الفائدة الرابعة:أنها تتضمن الخضوع والتذلُّل لله وحده:أي خضوعاً بعد خضوع، من قولهم: أنا ملب بين يديك: أي خاضع ذليل.

الفائدة الخامسة: أنها تتضمن الإخلاص؛ ولهذا قيل: إنها من اللبِّ، وهو الخالص.

الفائدة السادسة:أنها تتضمن الإقرار بسمع الرب تعالى، إذ يستحيل أن يقول المسلم لبيك لمن لا يسمع دعاه.

الفائدة السابعة:أنها تتضمن التقرب من الله؛ لهذا قيل: إنها من الإلباب، وهو التقرب.

الفائدة الثامنة:أنها جعلت في الإحرام شعاراً للانتقال من حال إلى حال،ومن منسك إلى منسك، كما جعل التكبير في الصلاة سبعاً؛ للانتقال من ركن إلى ركن؛ ولهذا كانت السنة أن يلبِّي حتى يشرع في الطواف، فيقطع التلبية، ثم إذا سار لبَّى حتى يقف بعرفة فيقطعها، ثم يلبي حتى يقف بمزدلفة فيقطعها، ثم يُلبِّي حتى يرمي جمرة العقبة فيقطعها([313])، فالتلبية شعار الحج، والتنقل في أعمال المناسك، فالحاج كلما انتقل من ركن إلى ركن قال: "لبيك اللهم لبيك" كما أن المصلِّي يقول في انتقاله من ركن إلى ركن: "الله أكبر" فإذا حل من نسكه قطعها، كما يكون سلام المصلِّي قاطعاً لتكبيره.

الفائدة التاسعة: أنها شعار التوحيد: ملة إبراهيم، الذي هو روح الحج ومقصده، بل روح العبادات كلها، والمقصود منها؛ ولهذا كانت التلبية مفتاح هذه العبادة التي يدخل فيها بها.

الفائدة العاشرة: أنها متضمنة لمفتاح الجنة، وباب الإسلام الذي يدخل منه إليه، وهو كلمة الإخلاص، والشهادة لله بأنه لا شريك له.

الفائدة الحادية عشرة: أنها مشتملة على الحمد لله الذي هو من أحب ما يتقرب به العبد إلى الله، وأول ما يُدعى إلى الجنة أهله، وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها.

الفائدة الثانية عشرة:أنها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلِّها؛ ولهذا عرَّفها باللام المفيدة للاستغراق:أي النعم كلها لك، وأنت موليها والمنعم بها.

الفائدة الثالثة عشرة: أنها مشتملة على الاعتراف بأن الملك كله لله وحده، فلا ملك على الحقيقة لغيره.

الفائدة الرابعة عشرة: أن هذا المعنى مؤكد الثبوت بإنَّ المقتضية تحقيق الخبر وتثبيته وأنه مما لا يدخله ريب ولا شك.

الفائدة الخامسة عشرة: في "إنَّ" وجهان: فتحها وكسرها:

فالفتح يتضمن معنى التعليل، فمن فتحها فالمعنى: لبيك؛ لأن الحمد والنعمة لك.

والكسر تكون به جملة مستقلة مستأنفة، تتضمن ابتداء الثناء على الله، فمن قال: "إنَّ" فقد عمَّ، ومن قال: "أنَّ" بالفتح فقد خصَّ.

الفائدة السادسة عشرة: أنها متضمنة للإخبار عن اجتماع الملك، والنعمة، والحمد لله عزوجل ، وهذا نوع آخر من الثناء عليه غير الثناء بمفردات تلك الأوصاف العليَّة، فاجتماع الملك والحمد، من أعظم الكمال، والملك وحده كمال، والحمد كمال، واقتران أحدهما بالآخر كمال، فإذا اجتمع الملك المتضمن للقدرة مع النعمة المتضمِّنة لغاية النفع والإحسان والرحمة مع الحمد المتضمن لعامة الجلال والإكرام الداعي إلى محبته كان في ذلك: من العظمة، والكمال، والجلال، ما هو أولى به، وهو أهل له، وكان في ذكر العبد له ومعرفته له من انجذاب قلبه إلى الله وإقباله عليه، والتوجّه بدواعي المحبة كلها إليه ما هو مقصود العبودية ولُبِّها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

الفائدة السابعة عشرة:أن النبيr قال:"...وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"([314]).

وقد اشتملت التلبية على هذه الكلمات بعينها، وتضمنت معانيها، و قوله صلى الله عليه وسلم : "وهو على كل شيء قدير" تدخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم في التلبية: "لا شريك لك" وكذلك تحت قوله صلى الله عليه وسلم : "إن الحمد والنعمة لك"، وكذلك تدخل تحت إثبات الملك له تعالى، فالملك كله له، والحمد كله له، وليس له شريك بوجه من الوجوه، فهو الذي على كل شيء قدير.

الفائدة الثامنة عشرة: أن كلمات التلبية متضمنة للردِّ على كلِّ مبطل في صفات الله وتوحيده؛ فإنها مبطلة لقول المشركين على اختلاف طوائفهم ومقالاتهم، ولقول الفلاسفة وإخوانهم من الجهمية المعطلين لصفات الكمال التي هي متعلق الحمد؛ فهو سبحانه محمود لذاته، وصفاته، ولأفعاله، فمن جحد صفاته وأفعاله فقد جحد حمده، وكلمات التلبية كذلك مبطلة لقول مجوس الأمة: القدرية الذين أخرجوا عن ملك الرب وقدرته أفعال عباده من الملائكة، والجن، والإنس، فلم يثبتوا له عليها قدرة، ولا جعلوه خالقاً لها... فمن علم معنى هذه الكلمات في التلبية، وشهدها، وأيقن بها، باين([315])جميع الطوائف المعطلة.

الفائدة التاسعة عشرة: في عطف الملك على الحمد والنعمة بعد كمال الخبر وهو قوله صلى الله عليه وسلم : "إن الحمد والنعمة لك والملك" ولم يقل: إن الحمد والنعمة والملك له، لطيفة بديعة، وهي أن الكلام يصير بذلك جملتين مستقلتين؛ فإنه لو قال: إن الحمد والنعمة والملك لك، كان عطف الملك على ما قبله عطف مفرد على مفرد، فلما تمت الجملة الأولى بقوله: "لك" ثم عطف الملك كان تقديره: والملك لك، فيكون مساوياً لقوله: "له الملك وله الحمد" ولم يقل: له الملك والحمد، وفائدته تكرار الحمد في الثناء.

الفائدة العشرون: لما عطف النعمة على الحمد ولم يفصل بينهما بالخبر، كان فيه إشعار في اقترانهما وتلازمهما، وعدم مفارقة أحدهما للآخر، فالإنعام والحمد قرينان.

الفائدة الحادية والعشرون: في إعادة الشهادة بأنه لا شريك له، لطيفة، وهي أنه أخبر أنه لا شريك له عقب إجابته بقوله: "لبيك" ثم أعادها عقب قوله: "إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" وذلك يتضمن أنه لا شريك له في: الحمد، والنعمة، والملك، والأول يتضمن أنه لا شريك له في إجابة هذه الدعوة، وهذا نظير قوله تعالى: {شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْـمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْـحَكِيم }([316]). فأخبر بأنه لا إله إلا هو في أول الآية، وذلك داخل تحت شهادته وشهادة ملائكته، وأولي العلم، وهذا هو المشهود به، ثم أخبر عن قيامه بالقسط، وهو: العدل، فأعاد الشهادة بأنه لا إله إلا هو مع قيامه بالقسط"([317]).

ولا شك أن الاهتمام بمعرفة معنى التلبية، ومعرفة هذه الفوائد التي تضمنتها التلبية تعين العبد المسلم على القيام بعبادة الحج والعمرة والتقرب إلى الله بقول هذه الكلمات على أحسن وجه وأكمله. ([318])