eKtab
EN ع
المسافة صفر ( اشتباكات الرواية والحياة )
Read free sample

المسافة صفر ( اشتباكات الرواية والحياة )

by هيا صالح

Page 1

بمثابة مقدمة

من بين سائر الأنواع الأدبية، يتبوّأُ السردُ اليوم الصَّدارة، وربما يعود ذلك بشكل أساسي إلى التحولات الدراماتيكية التي عصفت بالعالم في العقود الأخيرة، وألقت بظلالها على الأدب أيضاً، فكان أن انحسرَ الشعرُ الذي ظلّ يوصَف بـ«ديوان العرب»، ليظهر السردُ «بطلاً» يخطف الأضواء، ولسان حاله أنّ الرهانَ عليه بلا شكّ رابح!

هذا الرأي الذي تَكرَّسَ في المدوّنة النقديّة ليس فيه انحياز أعمى، ولا يُبتغى منه الدعوة إلى إطلاق «رصاصة الرحمة» على نوعٍ أدبي أدّى رسالته لقرون فـ«كفّى ووفّى»، وما يزال أملٌ معقوداً عليه. إن الحديث هنا يتّخذ طابعَ «التبشير» المسنود إلى أدلّة وحُجًج مقْنعة، بأن السردَ سيّدُ الموقف، كيف لا وقد أبدى استعداده لمحاكاة الحياة، ومناوشتها، ومراوغتها، والتوغُّل في ثناياها، وإحالة الـمَشاهد فيها إلى صورٍ عمادُها الكلمات التي تتّخذ سمة الديمومة والخلود..

إنّ الصّورة المجبولة بالكلمات تمثل انعكاساً لمجريات الحياة التي هي الينبوع الذي يستمدّ منه السردُ -وبخاصة الرواية- نسغَهُ، ويشكل من خامته وطينتِه عوالِمَه الثريّة، إذ يطوّع الكاتبُ المادةَ الخام ويعيد تشكيلها وفق رؤيته الجمالية وأسلوبه الخاصّ، وهو بذلك يخلق عالَماً من الورق موازياً لعالَم الواقع، وكلٌّ من هذين العالَمين يؤثّر في الآخر ويتأثّر به ويتفاعل معه، بما يجعلهما شديدَي الصّلة بعضهما ببعض، وكأنما الواقع يُنتج نصاً ينتظر أن يُسْكَب على الورق، كما تتشكّلُ على الورق حياةٌ تلامس الواقع وتسعى للتّحقُّق من خلاله.

يضم هذا الكتاب إحدى وثلاثين مقالة، تتناول نصوصاً روائية عربية تمّ التعامل مع كلٍّ منها بوصفه مادة جمالية تجترح أسئلتها وتتفرّد في سماتها عن سواها. ويتوخّى لَمُّ شملِ هذه المقالات معاً، تلمُّس الدّرب الذي اختطّته الرواية العربية لنفسها كاشفةً عن قواسم مشتركة في ما أُنتج في إطارها، دون ادّعاء جلاء صورتها بأبعادها المتعدّدة. وحسْب هذه المحاولة أن تضيءَ مواضعَ في الصورة البانورامية للمدونة الروائية العربية خلال العقدين الأخيرين، حيث انصبّ اهتمام القارئ والناقد معاً عليها، وخُصصت لها أهم الجوائز الأدبية وأرفعها، وتهافتَ عليها الناشرون، ومُنحت الحيّز الأوسع في معارض الكتب.

Page 2

تؤشر المقالات على ما اتّجهت إليه الرواية العربية على صعيد الأسلوب، من خلخلةٍ للتتابُع الطبيعي للزَّمن عبر الاسترجاعات والاستباقات، وعنايةٍ أقلّ بتفاصيل المكان، واستخدام التكنيك السينمائي والتقطيع الدرامي، واللجوء إلى المونولوج الداخلي وتيار الوعي. كما بدأت الرواية العربية تشهد تحوّلاً بلغَ حَدَّ الانقلاب الجذريّ في صورة الذات، فبدلاً من أن تكون الذاتُ الجمعيّةُ المتشكّلةُ من أصداءِ الذوات الفردية المنسكبة فيها، هي المركزُ، صارت الذّواتُ التي تمتلك كلٌّ منها رؤاها وتصوّراتها وتطلّعاتها الخاصّة، هي المحور الذي تتشكّل الذاتُ الجمعية من تفاعُل مكوّناته وأصداء اشتباكاتها.

وهذا ما استتبعَ تغييراً في بنى السرد، إذ اختفى «الراوي العليم» أو كاد، وهو الراوي الذي ظلّ إلى وقتٍ قريب يقبض على الأحداث، يتنبّأ بها ويحلّلها ويتدخَّل في شارداتها ووارداتها.. وشاع بدلاً منه ضمير المتكلِّم، الذي يمكّن الّراوي من تقديم منظور ذاتي يرصد انعكاسات الخارج على داخل الشخصية. إلى جانب ذلك، برزت ظاهرة الجمع بين أكثر من ضمير سرديّ، أو اعتماد عدد من الرواة في النَّص الواحد، يرصد كلٌّ منهم الأحداث من وجهة نظره، بما يتيح للقارئ إطلالةً ضافية على الأحداث من زوايا مختلفة، والانحياز من ثمّ لوجهة النظر التي يرى أنها تعبّر عنه، بما يجعله شريكاً فاعلاً في إنتاج النص، أو إعادة إنتاجه بحسب ما ترى إحدى نظريات التلقّي.

وعلى وقْع التغيير الذي أصاب الأسلوب والبنية، تغيّرت طبيعة تناول الموضوعات وطريقة معالجتها. إذ تكشف المقالات في هذا الكتاب عن انشغالات الرواية العربية في الرَّاهن، وعن أسئلتها الكبرى التي تتصدّرها موضوعة الحرب بلا منازع، بنتائجها وتداعياتها الكارثية على الجماعة، وقبل ذلك، على الفرد الذي باتَتْ ذاتُه تعاني من الشروخات والتصدّعات، وفقدَ قدرته على الانخراط في الحراك الاجتماعي، أو الانفتاح على محيطه، وسيطرَ عليه الإحساس بالاغتراب والعزلة والتخبّط وفقدان البوصلة.

وقد ظهرت تجلّيات ثيمة الحرب في الأعمال المتناوَلة، بالمزج بين الواقعيّ الذي يمثّل مرحلة الضعف والخذلان، وبين الأسطوريّ الذي يحيل البطلَ أحياناً إلى صانعٍ للمعجزات توقاً إلى قلْبِ معادلة الواقع رأساً على عقب، وتحقيق التغيير المنشود.

Page 3

على صعيد آخر، تُظهِرُ الأعمالُ المدروسة إعلاءً من شأن الفرد، وانتصاراً للذّات وانحيازاً لصوتها الذي غابَ في السابق لصالح «المجموع»، إذ صار متاحاً لهذه الذات –الفردية- أن تسأل وتشكّ وتنتقد وتفعّل وجودها وتؤكد إنسانيتها، وتواجه في الوقت نفسه واقعاً مثخَناً بالهزائم والخسارات، وتتصدَّى لقيمِ الاستهلاك والتبعية التي تسِمُ عصرَنا.

لقد قطعت الرواية العربية أشواطاً كبيرة في مسيرتها، وأفرزت -وما تزال- أصواتاً مهمة ينبغي التوقُّف عندها ومعاينتها.. وهو ما يحاوِلُه هذا الكتاب في درْسِهِ تجاربَ تطرق أبواب المحظورات، وتفضحُ المسكوت عنه، وتحرّك الراكدَ في مجتمعاتنا، وتتصدّى لما غلّفَ العقلَ العربي من جمودٍ وتبعية.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذه المقالات كُتبت استجابةً للأثر المتحصّل بعد فعل القراءة، كلٍّ على حدة وفي زمنها، من دون خضوعٍ لبرنامجٍ قراءةٍ مُعَدّ مسبقاً، وبمنأى عن أيّ خططٍ مدروسة في هذا السياق.

ولعلّ هذا يفسّر حضوراً لتجارب روائية وغياباً لأخرى في البلد الواحد، مثلما يفسّر التركيزَ على نتاجٍ روائي في بلدانٍ عربية بعينها أكثر من سواها، كما يفسّر أيضاً التباينَ في المستوى الفنّي للتجارب التي جرى تناولها، والتفاوت في الدّربة وخبرة الكتابة بين روائيٍ وآخَر.

وأخيراً، أتوجّه بالشكر للصديق الكاتب والباحث د.سميح مسعود الذي تحمّس لفكرة الكتاب وبادر إلى دعم إصداره عبر الصالون الثقافي الأندلسي بمونتريال/كندا الذي يرأسه، وذلك في إطار الشراكة مع «الآن ناشرون وموزعون» بعمّان.

هيا صالح

عمّان، 25 أيلول 2014

Page 4

«القط الذي علّمني الطيران» لهاشم غرايبة

تطهير الذات عبر تمجيد الألم

تتناول رواية «القط الذي علّمني الطيران» للروائي والقاص الأردني هاشم غرايبة، حياة السّجن وما يدور في ثناياها من أحداث ومواقف، وما يَشْغل فضاءَها الضيّقَ واقعاً والواسعَ تخيُّلاً من أحلام وهواجس..

تندرج الرواية تحت ما يمكن أن يسمّى «أدب السُّجون» الذي صدرت فيه العديد من الأعمال الروائية عربياً، ومنها ما كتبه كلٌّ من عبد الرحمن منيف في «شرق المتوسط»، والطاهر بن جلون في «تلك العتمة الباهرة»، وعبد اللطيف اللعبي في «مجنون الأمل»، وفاضل العزاوي في «القلعة الخامسة»، وخالد عويس في «وطن خلف القضبان».. إذ تشترك هذه الأعمال ومثيلاتها، في كونها ترصد حالات القهر والحرمان وامتهان الكرامة التي يتعرض لها السُّجناء والمعتقَلون، لتمجّد الألم وتخلّده عبر الفَنِّ، علّ ذلك يكون شكلاً من أشكال الخلاص الإنساني.

ترتبط أحداث «القطّ الذي علّمني الطيران» بما شهدته الساحات العربية وتشهده من «ثورات» و«انتفاضات» و«حراكات» في إطار ما سُمّي «الربيع العربي» (الذي سارت رياحه بما لا تشتهي سفن الذين تاقوا إليه).. يؤكد ذلك الإهداء، وفيه: «إلى روح محمد بوعزيزي.. وللإرادة الحرة». كذلك ما يشير إليه الكاتب في أحد فصول الرواية، وعنوانه «الراوي»، مُزيلاً الحدود بين ثالوث الكاتب الذي يسجّل الأحداث، والراوي كلي العلم الذي ينقلها، والبطل الذي ينهض بها: «أنا الراوي هاشم غرايبة، كنت أقلّب أورق كُنّاس مُصْفَرّة كتبتُها قبل ثلاثة وثلاثين عاماً، فطارت من بينها زهرة ياسمين مثل فَراشة بلون التبن لتحطّ على كفّي، وتصل روحي بخيطٍ من شذى الياسمين مع زهو الشباب، وزمن الإلهام، ودفء الحلم، وقدسية الكرامة الشخصية» (ص99). أما الغلاف الأخير فحمل عبارة لـ«جوليان أسانغ» مؤسس موقع «ويكليكس» تقول: «عندما يحمل الناس وهُم في قمة عنفوانهم قناعاتٍ وقيماً، فعليهم أن يتصرفوا وفقها وينفذوها».

Page 5

إن ما دافع عنه بطلُ الرواية «عماد»، وضحّى من أجله بسنوات شبابه وراء القضبان، هو نفسه الذي أخرج الشعوب عن صمتها لتطالب بالحرية والديمقراطية والعدالة. وهذا الدفاع؛ دفاع «عماد» عمّا يؤمن به، ودفاع الشعوب عن حقوقها، يمثل المحور الذي تضيئه الرواية وتدور في فلكه.

تبدأ الرواية في تأمُّل «عماد» المساجينَ وهم يتجمهرون عند الشَّبَك الداخلي للسّاحة، بينما يتم «تسجيله نزيلاً موقوفاً على ذِمّة المخابرات» (ص7)، وعلى غير المتوقَّع في مثل هذا الموقف، فإن ذاكرة «عماد» تسترجع في تلك اللحظة خيمة السيرك التي ألهمته بألوانها المتعدّدة رسوماتٍ نالت إعجاب معلميه، وفيلماً هندياً حضره في السينما مع ابن عمه «عسّاف»، وهنا يبدو مشهد السُّجناء داخل القضبان الذي كان رآه حينها مشهداً درامياً يصلح للفرجة وحسْب، لذا فإنه يتذكّر أيضاً أنّه عندما كان يمرُّ من أمام السّجن الرمادي في طريقه إلى المدرسة يتخيّل «كائنات متمردة خلف القضبان تزمجر محاوِلةً أن تكسر أقفاصها، أو تقبع في الزوايا متظاهرة بالانصياع فيما تفكر بالهرب» (ص8).

هذا الخيال الدرامي ظلّ بمثابة الرفيق الدائم لـ«عماد»، وهو الذي سانده ليتحمّل -بعد أن صار سجيناً- أشكال التعذيب والإهانة على اختلافها، من دون أن يستسلم، وهو الذي تعلّق خلاصُه بتوقيعٍ على ورقة يقول مضمونها: «أنا الموقّع أدناه، أستنكر الحزب الشيوعي الهدّام، وأعلن ولائي وإخلاصي لجلالة الملك المفدى ولحكومته الرشيدة» (ص16). هذا التوقيع يظلّ يراود البطلَ عن حلمه كلما اشتدت به ضائقة السجن، لكنه يتراجع متمترساً بما آمن به وما ناضل من أجله؛ كما كان يلجأ إلى الرسم لما فيه من فسحةٍ للتأمل؛ يرسم رفاقه خارج السجن، ويرسم نفسه ذئباً برأس حمار: «قلب جري ورأس حمار حرون» (ص132).

وكثيراً ما كان «عماد» يواجه سؤال السجن، ويحاول أن يفهم السرّ الذي يمنعه من توقيع الورقة، ويدفعه لقول «لا»، والبحث عن معنى «الجرأة»: «ماذا يبقى مني إذا سُلبت الحق بقول (لا).

الحرية هي أن يكون لنا الحق بقول (لا)..

لا؛ خصبة..

نعم؛ سهلة. خانعة. قاحلة..

لا؛ مفتاح الحرية..

لا شيء يهب الجرأة كنسيم الحرية» (ص100).

كان «عماد» تعرّف على الحزب خلال دراسته الجامعية، وبدأ نشاطه في تأسيس اتحاد طلبة الجامعة. وجد في الحزب مثقفين يناقشونه في البنيوية والوجودية، ويختلف معهم حول السبيل إلى الوحدة العربية، وحول تعريف «الاشتراكية»، وفي خضم ذلك عرفَ دفء الانتماء لنخبةٍ ألّفها، وعرف لذّةَ الاختلاف والتغريد خارج السرب: «ما ذلك السر الذي كان يجمع زملاءه الطلاب للتظاهر من أجل.. أو دفاعاً عن.. ويجمع المساجين من حوله بانبهار متبادَل!

Page 6

ما هو ذلك الخفي المنيع العصي الذي يخاف أن يخسره!

ذاك التوهج المشعّ من احترامه لذاته، وإيمانه العذب بمقترحاته.. أم ذاك البريق في العينيين عندما يحاجج وهو مؤمن بما يقول» (ص99).

هذا الثبات على الرأي، هو ما جعل لـ«عماد» ميزة بين السجناء الآخرين المتّهمين بجرائم قتل وسرقة وتزوير ونصب واحتيال، وكان الأقرب له من بينهم «القِطّ» المسجون في قضايا سرقة، والذي يحلم بالفرار من السجن إلى النور. «القِطّ» شخصية مركّبة وغريبة الأطوار، يجتمع فيها ما لا يخطر على بالٍ من متناقضات، إذ كان يعمل سبّاكاً ويحلم بالياسمين.. لصّ ونبيل، قارئ من الطراز الرفيع، وفيلسوف مقْنع، كما يتبدى في ما يرويه عن الظروف التي دفعته ليصبح لصّاً: «الجوع ممكن يصنع شحاد أو حرامي.. الجوع ما يصنع ثائر» (ص167)، لذا فقد اختار، على سبيل الاجتهاد، أن يصبح لصّاً، فاللصّ له من الكرامة ما يفتقده الشحاد. وهو كذلك عقل مدبِّر، ومُغَنٍّ حساس يحفظ الألحان والأشعار ويرددها وهو ما كان يسرّي به عن نفسه وعن بقية المساجين: «قام القِطّ يتمايل مثل خيال الظل ويغنّي:

يا مين يرجعني صغير وياخذ مالك يا دنيي

أوف أوف أوف وارجع أكبر عَ الهدا

سرت عدوى البهجة بينهم، فاصطفّوا حول القِطّ يسحجون الدحية والقِطّ يحوشي بالوسط برشاقة وخفة..

يا هويدا ويدا لك

يا هويدا ويدا لي

يا حلوة يللي عَ الجبل ظلي اضحكي وتدلّلي» (ص70).

تتسم شخصيات الرواية بتنوعها وتعدّد طباعها وسماتها، يحمل كلٌّ منها لقباً خاصاً اكتسبه من مجتمع السجن، لتتخلّى بذلك عن أسمائها الحقيقية: فـ«أبو حديد» متهور الطباع، رمّام، ويضمر الشرّ بقلبه، كالضبع، إذا رُدع يزعزع الفضاء بقعقعته. و«القِطّ» روح متعطشة للحرية التي سُلبت منها، أو قِطّ يحلم أنه طائر غرّيد في فضاء شاسع، و«الختيار» رجل عاقل وصبور وهادئ، وهو صعب المراس إذا ما استفزه أحد، أما «عسّاف» فهو كالأفعى؛ ناعم وأملس وسريع الانزلاق، فيما «كرزم» ثعلبٌ متربص يضرب ويختفي بسرعة ويجيد التأقلم مع بيئته، و«أبو زهرة» ضعيف مذعور مثل السحلية، يخاف كل متحرك.

Page 7

تم إغناء شخصية البطل أو الراوي كلي العلم، بتوظيف سلوكات بقية الشخصيات ومواقفها وهواجسها، فيما بدا ما يتوقّعه الراوي أو ما يتناهى إليه من أخبار ويتشكّل لديه من تصورات وآراء، كافياً لإضاءة بعض الجوانب في هذه الشخصية أو تلك.

وقد تنوّعت تقنيات الرواية لتقوم على التدعايات الحرّة والتذّكر والقفزات الزمانية والمكانية، ما حافظَ على منسوب التشويق فيها، بخاصة أنّ الرواية محددة بمكان ضيق جداً لا يتعدّى جدران السجن وأبواب الزنازين والقبو، لذا فقد عمد الكاتبُ إلى توسعة هذا الحيز افتراضياً من خلال الصور والخيالات والتذكّر والحنين إلى الماضي، بخاصة عندما يزداد واقع السجن إظلاماً وإذلالاً وامتهاناً للكرامة، ويبدو المستقبل مصبوغاً بلون جدران الزنزانة ورائحة العفن: «أحلام اليقظة تذهب به إلى محاضراته مع أساتذته وزملائه وزميلاته، ويتذكر تلك المناوبات الليلية في صحيفة (الصباح)، حيث كان يستمر الجدل بين الشباب منقسمين بين مؤيد وبين معارض لهذا التدخل.. ويسرفون في شرب القهوة والتدخين حتى طباعة النسخة الأولى من الصحيفة، كان هطول الصحيفة ساخنة من سقف المطبعة يشكل فرحة متجددة للشباب كل مرة، يتزاحمون على النسخة الأولى يبحثون عن أسمائهم مطبوعة فيها، ويهبطون مع أول خيوط الفجر مشياً إلى وسط المدينة ليتناولوا الحمص والفلافل والشاي على رصيف مطعم هاشم» (ص29).

كما يلجأ «عماد» إلى زهر الياسمين الذي يذكّره بمدينته ورفاقه وصديقاته، ويتذكّر رائحة أمه ووجهها وصوتها الذي يفتقده، ويستحضر آلاف الصور عن السوق خارج الأسوار وحركة الناس والسيارات التي تصعد التل، وشكل أشعة الشمس خارج الأسوار، وهو كثيراً ما كان يحدّثها: «حرريني أيتها الشمس من ترف الغرفة البيضاء.. ما من أحد سواك أقدر على انتشالي من هنا خفية عن أعين الحراس.. خذيني أيتها الحرّة مع شعاعك المنسحب إلى فضائك الشاسع» (ص85).

يتنقل الراوي العليم بين مفاصل السرد ناقلاً الأوضاع اللاإنسانية التي يعاني منها السجناء، ويتطرق إلى الفساد السياسي وبؤس النظام العسكري من خلال رسم صورة كاريكاتورية للجلاد، ومن ذلك عدم وقوف «عماد» أثناء المحاكمة، الأمر الذي أغضب القضاة ودفعهم لإعلان انسحابهم قبل أن يعودوا بعد إلحاحٍ ممن حضروا المحاكمة، لكن «عماد» يمتنع مرة أخرى عن الوقوف، وعندها يتم إخراجه من القاعة، ثم إدخاله من جديد: «قال المدعي العام شيئاً عن الخطر الشيوعي، وقال قاسم بيك شيئاً عن منشورات وكتب وأوراق؛ ووقف شاهدا إثباتٍ لم يرهما في حياته، وأكدا أنه شيوعي خطير.. رد المحامي بطلاسم عن القوانين والدستور والمحاكم النظامية.. أخيراً (جحره) القاضي، ووجّه له سؤال القضاة الأبدي:

- مذنب؟

أجاب بثقة: «غير مذنب» (ص33)، ليُحكَم عليه بعشر سنوات من السجن.

في ظل هذا الواقع «الكاريكاتوري»، يعرف «عماد» أن خلاصه من السجن يكمن في الهرب، وقد حاول ذلك عبر السرداب الموجود بالقبو، والذي دلّه «القِطّ» عليه، لكنه أخفق وقامت إدارة السجن بردم القبو.

وقبيل نقله إلى السجن المركزي في عمّان، تندلع مشاجرات بين السجناء، وتشتعل النار، فيهبّ الجميع لإطفائها، وفي الأثناء ينجح «عماد» في الفرار بمساعدة «القِطّ»، لكنه ما إن يضع قدميه على الشارع حتى تدهسه سيارة، ليتوحد بالثلج الساقط من السماء، وبرائحة الحرية على الإسفلت: «طار عالياً حيث صارت تظهر له بساطة الأشياء وعمقها» (ص197).

• دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمّان، 2011.

Page 8

«ملكوت طفلة الرَّب» لإبراهيم الكوني

ثالوث الحرية، الصحراء، الأبدية

تسرد هذه الرواية للكاتب الليبي إبراهيم الكوني، مسيرةَ طفلة ما تزال تخطو خطواتها الأولى على الأرض، وهي تروي حكاياتها بلسانها «لسان الصمت» الذي لم يعتد بعد لغةَ الناس المحيطين بها («الكبار» كما تسميهم) أو من لهم باع في البقاء على قيد الحياة. ويبدو أن منطقة الصمت التي تروي منها البطلة معادلٌ موضوعي لمنطقة التأمل والتفكّر وإعمال الخيال.. إنها كما تصفها البطلة (الراوية بضمير المخاطب) «لغة الحقيقة الأولى» والتي هي حكرٌ، كما تقول، «على الفئة التي تطلقون عليها اسم الصغار، كما تطلقونه الآن عليّ دون أن تدروا أن ما أتكلمه الآن ليس لسان أهل الدنيا، ولكنه لسان حال الدنيا. هل تعلمون لماذا؟ لأن من تكلم لسان الأبدية لن يكتب له أن يتكلم لسان الدنيا أبداً. ومن تكلم لسان الدنيا هيهات، ثم هيهات، أن يتكلم لسان الأبدية، لسان الحقيقة» (ص11).

تنقسم الرواية إلى ست عشرة دائرة، تشكل كل واحدة منها محطة انتقال في الوعي والرؤية عند «أنّا» التي تكتشف العالم وموجوداته عبر تأملها الذاتي في المطلق، وهو تأمل خارج عن منطق «الكبار»، ويصعب عليهم فهمه بإدراكهم المحدود لما يحيط بهم، وبما اكتسبوه من عادات «أرضية» تظل البطلة، على مدار الرواية، ترفضها وتنتقدها بشدّة.

وكما أنَّها لا تتكلم بلغة المحيطين بها من «الكبار»، فإن حسابها للزمن يختلف أيضاً عن حسابهم له؛ فـ«أنّا» التي لا يتجاوز عمرها على الأرض أياماً معدودة، تمتلك من الحكمة والرؤية العميقة ما لا يمتلكه شيخ طاعن في السن، إذ أنها لا تحتكم لقياس أهل الدنيا للزّمن، وإنما لمقياس الأبدية: «مسلك الأبدية، أعترف لكم، يقول إن حقيقتها تتخبأ في الومضة، حقيقتها تتستر في الجزء الأقصر عمراً من مجرّد الومضة. وهي لم يكن في مقدورها أن تصير دهراً، أن تصير أبديّة، إن لم تُخْفِ سرّها في هذه الجزئية. أما ما ترونه أنتم دهراً، ما تسمونه خلوداً، ما هو إلا المظهر، ما هو إلا المرآة لهذا الجوهر الخفي المتناهي في ضآلته. لهذا فإن حقيقة الخلود تنام في قاعٍ هو عدمٌ بمقياس زمانكم الدنيوي» (ص15).

Page 9

إن «أنّا»، كما يتبيّن القارئ من خطابها ومن اسمها أيضاً، طفلة غير عادية، تتمتع بنبوءة وبقوة خفية، وكأنما هي تجلٍّ أرضي لصورة إلهية: «اسمي، إذاً، قرين القطب. اسمي قرين مالك الثقلين والأرض والسماوات وما بينهما. فكيف لا أتزعزع فرحاً بهذه الشهادة التي كبلت بها الأقدار عنقي نبوءة تنزّلت في قلب أبي الذي وسمني يقيناً منه أنه يطلق الاسم علي تبركاً باسم الأم كما يرد في ألواح الأمم الأولى» (ص10). ولذا تبدو «أنّا» قادرة على استشراف المستقبل، وعالمة بخبايا الناس وأسرارهم، ويشي خطابُها بالحكمة العميقة التي يتخللها موعظة تكون أحياناً مباشرة، تدل على الرسالة الإلهية التي تحملها «أنّا» لأهل الأرض. وهنا مثال على ذلك: «المأساة ليست في أن تأتوا المنكر، ولكن في أن تستمرئوا المنكر. المأساة ليست في أن تقترفوا الآثام، ولكن في ألاّ تستشعروا الخجل أو الندم. لأن صاحب الإثم ليس من يقترف الإثم، ولكن الآثم هو من يكابر، هو من يرفض أن يعترف بالإثم، هو من ينكر التوبة» (ص15). ولعل الخطاب الوعظي المباشر، وإن كان هناك ما يبرره موضوعياً، لا يوجد ما يبرره فنياً، خصوصاً وأن هذا الخطاب تخلّل معظم أجزاء الرواية، كاشفاً أحياناً عن تدخّل الكاتب وإملائِهِ رؤيتَهُ على الشخصيات.

تعاين «أنّا» طبائع البشر من خلال احتكاكها المباشر بنماذج منهم، كالمرأة «السعلاة»

التي لا تكف عن الثرثرة والكذب والنميمة. والمرأة الساحرة التي أرادت أن تكيد لأمّ

«أنّا» ولجدتها، فانقلب السحر عليها، إذ أنّها بعد أن وضعت مسحوقاً غريباً في قارورة

الماء لتشرب منها الأم أو الجدة، رأتها «أنّا» التي حاولت جاهدة سكب القارورة على

الأرض ليغمر الماء مقعد الساحرة التي غادرت مكانها كمن لدغتها أفعى، وما أثلج صدر «أنّا» هو النتيجة، حيث «أقلعت تلك المخلوقة عن زيارتنا، فلم يقع عليها بصـري بعد ذلك اليوم أبداً» (ص48).

تقوم الثيمة الرئيسية للرواية على تمجيد الحرية واستجلاء مفهومها، ورفض كل ما يحدّ منها أو يحجّمها. لذلك تطلق «أنّا» وصف «قمقم» على الجسد الذي تراه سلسلةً من عدة سلاسل تكبل الروح، منها ما هو خارج عن إرادة الإنسان كالجسد، ومنها ما هو من صنع الإنسان كاللباس والقماط والجدران والأرض.... أصفاد تلو الأخرى تحدّ من انطلاق الإنسان، ومن إحساسه بالحرية: «تزحزحت من المكان في محاولة بطولية للتحرر من أغلال المكان، في محاولة للاغتراب عن الأرجوحة، عن الدار التي تحوي الأرجوحة، عن الأرض التي تسع الدار، عن الدنيا التي تلف الأرض» (ص24). وفي مقطع آخر: «كأني أتساءل عن حقيقة الحرية التي لا تَهِبُنا نفسها بوسيلة الجسد. كأني أنكر وجودي في الجسد إذا كان لا يستطيع أن يصير مطيةً تطير بي إلى الحرية» (ص25).

Page 10

تظل الرواية تهجس بالحرية كلما تشعبت دوائرها واتسعت أكثر. فـ«أنّا» التي تبدأ بالتعرف على مراحل الحياة، منذ حلول الروح في الجسد، حتى الموت، ترى في الموت معادلاً للحرية، إذ أن خروج الروح من الجسد يعني تحررها من القيد الذي يكبلها، وحين تمتلك حريتها فإنها تمتلك سعادتها. وهو ما يتضح مثلاً من حادثة غرق الدمية التي تسارع «أنّا» لإنقاذها من الموت، ثم تشعر بالندم بعد ذلك لأنّها حرمت دميتَهَا من لذّة استعادتها لحريتها بالموت: «قرأت الرسالة على الفور. قرأت رسالة اللوم التي تستصرخ الخفاءَ قائلة إنّ الخطيئة التي تَفوقُ بجرمها القتلَ هي أن ننزع الخَيَار من مخلوق، فنقوده غصباً إلى الجنّة مكبلاً بالسلاسل. لأن السلاسل في عرف الحرية هي السلاسل. هي السلاسل حتى لو قادتنا إلى الجنّات» (ص38).

كما هيمنت على «أنّا» فكرة اللااستقرار، والذهاب باتجاه المجهول، وأن الرحيل من الجسد هو ما يحقق للروح والخيال الذهاب باتجاه الحرية. وظلت الصحراء معادلاً للحرية، ومهرباً من صورة الواقع بأصفاده وأغلاله؛ الصحراء الممتدة التي لا يعرف ساكنوها الاستقرار، مواصلين ارتحالهم نحو مكان جديد وكشف جديد دائماً.. وفي ذلك يكمن سر إقبالهم على الحياة، وإحساسهم بحلاوة الحرية. تروي «أنّا» عن أهل الصحراء، أنهم: «يلتحمون بساحة الحرية الخالدة المسمّاة في لغتكم صحراء، فتزرع في قلوبهم أحاجيها. تلك العطايا الخفية التي تحقق أعجوبةَ التماهي بين السماء المرصعة بالأنجم والأرض المغسولة بالعراء والعزلة وأشعة الشموس الأبدية لتخلق من القطبين بعصاها السحرية جرماً واحداً، طينة واحدة، حرماً واحداً» (ص130).

فالصحراء، كما تصورها الرواية، تبدو معبداً لناسك أو صومعةً لمتصوّف ينقطع عن أسباب الدنيا للتأمل في حالها، واكتشاف أسرار الكون وخفاياه، عبر تأمله وتفكّره فيها. ومن الملاحَظ اهتمام الكوني بالمفردات والتعابير ذات البعد الصوفي في المقاطع التي تصف الصحراء (من مثل: خلوة، حلول، عزلة، المريد...): «صاحب العزلة (سواء انقطع بعزلته في الصحراء أو استدعى خلوة الصحراء لتسكن هي قلبه بدل أن يسكن هو قلبها) هو دائماً من الخوف في أمان، لأن عزلته ليست تقوقعاً أو انطواء كما يظن البلهاء، ولكنها عزلة الانقطاع إلى الكون، عزلة التماهي مع كائنات هذا الكون» (ص131).

تصور الرواية رحلة «أنّا» -والترحال صفة ملازمة للصحراء- مع الكاهن الذي يعرج بها إلى أعلى سفح الجبل لتطل من هناك على أهل الأرض، وترى أحوالهم بعد أن تخلّوا عن الصحراء/ الحرية/ الفطرة التي فُطروا عليها، واستطابوا حياة الاستقرار والمدنية، فأصبحوا يكيدون ويتنابزون ويتقاتلون ويمارسون مختلف أنواع الشـرور... فالأخ «مسكون بالشـر يترصد أخاه في الرحم والدم ليقتله في سبيل الاستيلاء على شبر أرض». والمرأة تقتل زوجها لأنه «لم يشترِ لها من السوق زينة من معدن الذهب اللعين لتتباهى بها أمام جاراتها في حفل زفاف قريبتها». والابن «يتآمر لدفن أبيه حياً انتقاماً لأنه رفض أن يهبه ثروته كي يحقق بها صفقة مشبوهة» (ص134).

ولعل قمة الشَّر تكمن في الاعتداء على الصحراء وكائناتها، إذ تنتهي الرواية بموت الحيوان الجبلي المسمى «الودّان» والذي أطلقت عليه «أنّا» لقب «الإله الجبلي»، لأنها ترى أنه يجسّد قدرة الله في خلقه. حيث يقْدم أحدهم على قتله، مما يستفز «أنّا» التي تتكلم، أخيراً، بلسان أهل الدنيا، فترتكب بذلك الخطيئة التي افتتحت الروايةَ بالتحذير من الوقوع فيها: «أحسستُ بسمّ الإثم يسري في عروقي، وفي دمي. لأعلم أخيراً أني تكلمت. لم أتكلم بلسان الصمت كما تكلمت دائماً. ولكني تكلمت بلسانكم أنتم هذه المرة. تكلمت بلساني فارتكبت الخطيئة. تكلمت بلسان الخطيئة ففقدت لساني» (ص137).

هنا، تبدو الرواية في الإطار العام، كبقعة ماء أُسقط فيها حجر فشكّل دوائر متعددة (الاسم، الزمان، القمقم، الدمية، كلمة السـر، الخطيئة 1، السعلاة، الميلاد، الخروج، الرؤيا....)، تتسع كلّ دائرة لتضمّ ما قبلها، وتبشّر بأخرى أكثر اتساعاً تولّد منها وصولاً إلى نقطة النهاية؛ النقطة التي بدأت منها.

• المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2005.