eKtab
EN ع
المسافر
Read free sample

المسافر

by عبد المنعم الرفاعي

Page 1
المسافر
 
(مسيرة الحياة)
 
إِيهِ يا طاويَ الرُّبَى والبيدِ
 
هل لمسراكَ في الدُّجَى مَنْ مُعيدِ
 
الطريقُ الطويلُ هَدَّمَ جنبيكَ
 
وَعَدْوُ الهَوَى وَشَدْوُ القصيدِ
 
سَفَرٌ شاسعٌ كأَنَّ مَداهُ
 
رحلةُ الفكرِ في الفضاءِ البعيدِ
 
كلما جزتَ في نواحيهِ شأْواً
 
كَشَفَ الشوقُ عن خيالٍ جديدِ
 
فكتبتَ الهوى سطوراً سطوراً
 
هائِماتٍ شَجيَّةَ الترديدِ
 
وحملتَ الشقاءَ جرحاً فجرحاً
 
فقوافيكَ دامياتُ النشيدِ
 
* * *
 
هل تذكَّرْتَ والزمانُ غريرٌ
 
وحواشيكَ يانعاتُ البُرودِ
 
والمُنى تذرعُ الصبا بين نهدٍ
Page 2
مشرئبٍّ وناعمٍ أملودِ
 
طارَحَتْني الهَوَى فَسِرْنا وَئيداً
 
واندفاعُ الشبابِ غيرُ وئِيدِ
 
بُرْعُمٌ هَزَّ بُرْعُماً وتَلاقَى
 
غَزَلُ الطَّلِّ واخضرارُ العُودِ
 
ما قَطَفْنَا الجَنَى ولكنْ رَشَفْنا
 
مِنْ رحيقِ الحياةِ خَمْرَ الوجودِ
 
* * *
 
رُبَّ ذِكْرَى تعودُ حتى تَراهَا
 
خَلَقَتْ شِبْهَهَا مِنَ التجديدِ
 
شادِنٌ مَرَّ في حِمايَ وَحَيىَّ
 
سائِلاً عن غرامِيَ المفقودِ
 
قلتُ وَلَّى، وفاحَ فيكَ شذاهُ
 
يا نَجِيَّ المُوَلَّهِ المعمودِ
 
فانثني يلثمُ الجِراحَ ويأْسو
 
والهَوَى بينَ طيِّعٍ وعنيدِ
 
وافترقنا وباعَدَ الوصلَ عنا
 
هَذَرُ الناسِ وافتراءُ الحسودِ
 
في سكونٍ من الصَّدى وخفوتٍ
 
أَيقظْتْنَي تَهُزُّ أَوتارَ عودي
 
تسأَلُ الشعرَ ما بِهِ ليس يشدو
 
والهَوَى ما له حبيسَ الجُمودِ
 
واحتسيْنا الطِّلا رويداً رويداً
 
وشربْنا على انسياب القصيدِ
 
وتلاقتْ شفاهُنا وتَلَظَّى
Page 3
شَغَفُ الشوقِ بين خَصْرٍ وجيدِ
 
وَمَضتْ دربَهَا وسرتُ بدربي
 
والنَّوى ينتشي على التجديدِ
 
* * *
 
في الذُّرَى فوقَ شاهقٍٍ من هَوَانا
 
وقفتْ بينَ مطمحي وحدودي
 
تستبيني المُنَى فألثُمُ فاها
 
ثُمَّ أَرتَدُّ رَهْنَ زَجْرٍ شديدِ
 
يا جنونَ الشبابَ حَسْبي جُمُوحاً
 
لَمْ يَعُدْ في جوانحي مِنْ مَزيدِ
 
وقفةٌ شَدَّت الشجونُ عُراها
 
في ركوعٍ منَ الهُدَى وسُجودِ
 
لا حفيفُ الغصونِ مالَ معَ
 
الريحِ ولا الطيرُ حَنَّ للتغريدِ
 
وامَّحَى غيرَ بارقٍ من سنَاهُ
 
زمنُ اللهوِ والهَوَى والنشيدِ
 
غيرَ رَجْعٍ لذكرياتٍ رِقَاقٍ
 
كَشَفَارٍ تَأَلَّقتْ في الغُمُودِ
 
هل يُلامُ الهَزَارُ حَلَّقَ في الشَّدوِ
 
على كلِّ ربوةٍ وصعيدِ
 
أَمْ يُلامُ العبيرُ يَحْلُمُ في الليلِ
 
وَيَسْري معَ الصباحِ الجديدِ
 
ثَمِلَ الشاربُ الولَوعُ وملَّتْ
Page 4
كأْسَ صهبائِها يدُ العربيدِ
 
وكأنِّي بهاتفٍ عُلْويٍّ
 
قَدْ دَوَى في مسامعي ووجودي
 
أَغَرامٌ وموطني يَتنَزَّى
 
عن شهيدٍ مَضَرَّجٍ وشريدِ
 
وَعَذاراهُ في الإِسارِ سبايا
 
بينَ حُمْرٍ من الدموعِ وسودِ
 
دَمِيَتْ جبهةُ الإِباءِ ومالتْ
 
خلفَ أعلامها سرايا الجدودِ
 
فانتفضْنا على أَنينِ الضحايا
 
وَحَطَمْنا مُمَنَّعاتِ القيودِ
 
وَبَذْلنَا الفِداءَ من كلِّ عِرْقٍ
 
عربيِّ الدماءِ صافي الوريدِ
 
كلُّ شبرٍ منْ أرضنا وسمانا
 
قد دَوَى بالعُلى وخَفْقِ البنودِ
 
موكبٌ إِثْرَ موكبٍ وجهادٌ
 
من جهادٍ وطارفٌ من تليدِ
 
كيفَ أَنسَى وفي يميني المُعَنَّى
 
أَثَرُ النارِ وانطلاقُ الحديدِ
 
نَمْ هنا، طالَ مَدأَبٌ وَمَثارٌ
 
هذهِ رقدةُ الجريحِ الطريدِ
 
وحواليْكَ عُوَّدٌ وأُساةٌ
Page 5
وهديلُ الدعاءِ والتجويدِ
 
من أَبٍ طَيَّبَ الإلَهُ ثَرَاهُ
 
وَأَخٍ مُشْفِقٍ وَأُمٍّ ودودِ
 
* * *
 
أَقْبَلَتْ بين دَلِّها وأَسَاها
 
والخُطَى في تثاقلٍ وجمودِ
 
وانحنَتْ فوقَ أضلعٍ خاوياتٍ
 
هاوياتٍ وساعدٍ ممدودِ
 
ضَمَّخَتْ مَبْسِمي العليلَ بطيبٍ
 
من ثنايا المُفَلَّجِ المنضودِ
 
وكأَنَّا على اختلاجِ الأَماني
 
قَدْ زُفِفْنَا ليومِنا الموعودِ
 
تضحكُ الأُمسياتُ حين تَرانا
 
ثُمَّ تَبكي على القديمِ الجديدِ
 
بيتُنا شادَهُ الرِّضى وَبَنيْنَا
 
حولنا فيه صرحَ عيشٍ رغيدِ
 
نشتهي حلْيَة النُجومِ فَنُهْدَى
 
مِنْ حِلَى النجمِ كُلَّ عِقْدٍ فريدِ
 
ونُناجي العُلَى على كلِّ أُفقِ
 
فَنُعاطَىَ المُنَى بكأْسِ الخلودِ
 
قد عَلَوْنَا السحابَ في كلِّ جوٍ
 
وطَوَيْنا العُباَبَ خَلْفَ الحدودِ
 
وخَرجنا مع الأَصائلً للبحرِ
Page 6
على الشاطيءِ الرَخِيِّ الوئِيدِ
 
وَشدوْنا معَ البلابلِ صُبْحاً
 
وَأَعَرْنا الطيور حُلْوَ النشيدِ
 
وَنَزَلنا المروجَ والقِمَمَ الخُضْرَ
 
إلى المُرْتَقى القَصِيِّ البعيدِ
 
وَجَلسْنَا مع الحَزانَى نُداري
 
مِنْ جراحِ الأَذى وَذُلِّ العبيدِ
 
وَمَشيْناَ معَ الملوكِ إلى الأَوجِ
 
بِهَالاتِ عِزَّةٍ وسَعُودِ
 
قد مَلَكْنَا الحياةَ مِنْ طَرَفَيْها
 
عَبَثِ اللَّهْوِ واحتدامِ الجهودِ
 
وَهَصرْنا المُنَى فكانَ جنَاها
 
زهرةَ العُمْرِ في جبينِ وليدِ
 
* * *
 
يا هوَىَ النفسِ حينَ يَغْمُرُني
 
الشوقُ إلى المُلتقى البهيجِ السعيدِ
 
وَهُدى الفكرِ حينَ أبحثُ في الكونِ
 
عن اللّهِ في مَقَامِ الخلودِ
 
وَبَقائِي إذا فَنِيتُ معَ العُمْرِ
 
وأُودِعْتُ في مَهاوي اللحودِ
 
يا سَنَا النُّورِ حينَ أُدْلِجُ في الليلِ
Page 7
وأَصبُو إلى الصباحِ الجديدِ
 
وانطلاقي الغَدَاة في الفَلَكِ الرَّحْبِ
 
إذا ضِقْتُ في الوَرَى بقيودي
 
وانسيابي معَ الغديرً إلى المرجِ
 
وعَدْويِ معَ الغزالِ الشَّرودِ
 
ليتني إِنْ بَكَيْتَ أَمنحكَ الدَّمعَ
 
وَجَفْني ومُقْلَتي وخُدودي
 
أَوْ تَأَوَّهتَ أَسكبُ الحبََّ آهاً
 
لكَ مِنْ ذَوْبِ قلبيَ المعمودِ
 
يا نعيمي وهَدْأَتي وحَنيني
 
وادِّكاري الهَوَى وأُنسي وعيدي
 
جِئْتَنا والحياةُ تَظمأُ للخِصبِ
 
فأحيَيْتَ ذابلاتِ الورودِ
 
فالعبيرُ الذي تَضَوَّعَ في الدارِ
 
شَذَى عَبْقِكَ النَّديِّ النديدِ
 
* * *
 
ما غَفَا جَفْنُنا كأَنَّ خيالاً
 
راعَ أَحلامَنا بِهَوْلٍ شديدِ
 
تَتَمطَّى عليهِ أَجنحةُ الجِنِّ
 
وَتُلْقي مِنَ الظلالِ السودِ
 
تحسبُ القبلةَ الرَّضِيَّةَ تَهْمي
 
بالمآسي على الزمانِ الفقيدِ
 
وتَرى النظرةَ الغَضوبَ سراباً
Page 8
ذابَ فيه الهوى بلفحِ الصُدودِ
 
فَتَرَّنحْتُ بينَ يقظةِ مَلهوفٍ
 
ودُنيا أَذَىً ورُؤْيا جحُودِ
 
هاربٌ منْ حِمايَ مُنْطِلقُ الظَّبيِ
 
غَوِيُّ النَّوَى عَصِيُّ الشُرودِ
 
آهِ يا ظبيتي سَرَحْتِ إلى الغيبِ
 
إلى مَهْمَهِ الضَّلالِ الأَكيدِ
 
حيثما الناسُ ثعلبٌ عند أَفعى
 
عندَ ذئْبٍ بِزِيِّ خِلٍّ ودودِ
 
ما ظَلَمتُ الوَرَى ولكنَّ سهماً
 
منكِ أَدْمَى الرِّضَى بجرحٍ حَقودِ
 
لا أرى حولِيَ الغَداةَ سوى الإثمِ
 
وشَكِّي بمعدني ووجودي
 
والتحامِي مع التُّقى في عِراكٍ
 
يهزأُ الكُفْرُ فيهِ بالتوحيدِ
 
* * *
 
أَينَ يَمَّمْتِ والطريقُ مَخوفٌ
 
ولياليكِ فيهِ سودٌ بسودِ
 
تستبيكِ البروقُ مُؤْتَلِفاتٍ
 
خُلَّبَ الوَسْمِ كاذباتِ الوعودِ
 
لَهْفَ نفسي عليكِ جَرَّحَكِ الشوكُ
Page 9
وأَدْمَى الهجيرُ رَطْبَ الخدودِ
 
كنتُ عَوَّدْتُكِ الحنانَ قديماً
 
ما على القلبِ لو حَنَا مِنْ جديدِ
 
هَلْ تَجَنَّيْتُ؟ عَلَّني•• غير أَنِّي
 
كنتُ أَوْلَى لديك بالتضميدِ
 
لِمَ لَمْ تَسقِني حَنانَك صِرْفاً
 
وَتَشُدِّي مِنْ عَزْمَيَ المكدُودِ
 
فَهبينِي أَفْرَغْتُ أَقداحَ ذنبي
 
لَمَ أَتْرَعْتِ كأْسَها بالمزيدِ؟
 
أَيْنَ يَمَّمْتِ ما سأَلتِ هوانَا
 
فهوَ ما زالَ عندَ عهدٍ عهيدِ
 
ما سأَلتِ السنينَ مزدهراتٍ
 
بالمصابيحِ من عُلَىً وسعُودِ
 
ما سأَلتِ الوفاءَ والحبَّ والعطفَ
 
وطبعَ النَّدى وفَيْضَ الجُودِ
 
لا ولا جؤذراً ترعرعَ في النُّعْمَى
 
صَفِيَّ الكَرَى حَفِيَّ المهُودِ
 
كنتِ عَوَّدتّهِ الجناحَ فأَلْفَى
 
سائِلاً عن جناحِكِ المفقودِ
 
فأُداري شكواهُ أَصطنعُ اللَّهوَ
Page 10
فيرنو بَطِرْفِهِ المعمودِ
 
في غدٍ تُورقُ الغصونُ فأروي
 
عنْ شبابي وقصّتي لوحيدي
 
في غدٍ تسمعُ الملائِكُ هَمْسَيْنا
 
وحيديْنِ: والدٍ ووليدِ
 
تَتدلَّى النجومُ حولَ ليالينا
 
ويشدو الزمانُ لحنَ الخلودِ
 
وَتُطِلِّينَ مِنْ كُوَىً نائِياتٍ
 
تَتَمَنَّيْنَ دُونَها أَن تعودي
 
* * *
 
آهِ يا ساكِنَ الهواجسِ والهَمِّ
 
وحيداً معَ الخيالِ المَديدِ
 
يمرح الشِّعرُ في رحابِكَ والمجدُ
 
وَرَهْجُ المُنى وَوَهْجُ القصيدِ
 
ويمرُّ النسيمُ حولكَ خلواً
 
من حديثِ الورَى وهمسِ الحسودِ
 
ويُغَشِّي الضبابُ أَمْسَكَ حتى
 
لا ترى غيرَ يومِكَ المنشودِ
 
رُبَّ حُريِّةٍ يُعانِقُها القَيْدُ
 
فَتَحْيَا على عِناقِ القيودِ
 
فَسَلامٌ عليكَ وقَّعَكَ الشَّجْوُ
 
فأصغى إليكَ سَمْعُ الوجودِ