Page 1
مقدمة الطبعة الثانية
نشرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام 2002 فى منطقة كردستان حصرًا تحت عنوان « المسألة القومية فى العراق »، وباستثناء تعديل العنوان إلى « المسـألة الكردية فى العراق » لينسجم أكثر مع البحث ، وتصحيح بعض الأخطاء الفنية هنا وهناك فقد أبقيت فى هذه الطبعة « البغدادية » على المضمون كاملاً الذى لايزال يحتفظ ، فى اعتقادى ، بحيويته ، مع التفصيل والتطويل فى موضوع أو موضوعين ، كما كانا ، لرسم لوحة عامة للقراء هنا أيضًا فى عرض ومعالجة مسألة هامة يرثها النظام الجديد فى العراق عن العهد البيروقراطى - الشوفينى الدكتاتورى الساقط .
يتبنى النظام البديل المتطور الديمقراطية كهدف معلن للحكومة الأنكلو - الأمريكية ، وتعتبر الديمقراطية وسيلة مثالية لحل المشاكل (panacea) ومنها المشكلة القومية . وهناك تلميحات بأنه قد يعتمد أيضًا الفدرالية لحكومة البلاد . الديمقراطية والفدرالية عاملان يساعدان لحل المشكلة القومية ، وكم هائل من المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعيـــة الأخـــرى ، القديمـــة والجديدة ، لكن الوقائع تثبت أنهمـــا لا يكفيان لوحدهما لحل هذه المشكلة ، كما نرى للحالة الأولى فى بريطانيا ، وفى روسيا والهند ونيجيريا .. للحالة الثانية . لذلك لابد من حل المشكلة بذاتها بالانطلاق من حق القومية فى تقرير مصيرها بنفسها ، وتحديد طبيعة علاقتها بالقومية الأخرى فى ضوء هذا الحق ، فى مجتمع ثنائى القومية كما فى العراق مثلاً ، وإلا سيبقى الحل ناقصًا ، ولهذا يجب تثبيت هذا الحق دستوريًا فى شراكة حرة متساوية فى الوطن، حتى لا تصبح الفدرالية، نظامًا إداريًا لا مركزيًا حسب ولا تكون بديلة لحق القومية فى تقرير مصيرها بنفسها .
كرديًا : تمكنت الحركة الكردية من تحرير كردستان العراق بأكملها ، وهذا إنجاز تاريخى ، وتقع على عاتقها الآن مهمة عاجلة بإعادة المستوطنين العرب والمرحلين الكرد إلى ديارهم الأصلية ، وتوحيد الإقليم وتعميق الديمقراطية وترسيخ سيادة القانون ومنع بروز ( طبقة جديدة ) تستغل السلطة لمصلحتها الضيقة ، وتصدت الحركة بحزم ونجاح آنى مشهود إلى التهديد الشوفينى التركى بغزو الوطن لضم كركوك والموصل إلى تركيا ، لكن الزعيق الدونكيشوتى التركى حول الدولة الكردية لازال مستمرًا ، ولازال الخطر فى الواقع قائمًا ، وهناك من يحرض على الغزو والضم فعلاً . فقد كتب الصحفى الأمريكى المتنفذ « ويليام سافاير » مقالاً فى صحيفة « إنترناشنال هيرالد تربيون » بتاريخ 2/11/2001 تحت عنوان « ساعدوا تركيا على اجتياح العراق » جاء فيه: « أرى عقد صفقة » مع أنقرة الآن للتحرك عبر حدود تركيا وضم الثلث الشمالى من العراق . إن معظمه يقع بيد الكرد فى الظرف الراهن . لكن الأرض المقترحة لضمها إلى تركيا هى الحقل النفطى حول كركوك الذى ينتج نصف نفط ( العراق ) تقريبًا » .
تاريخيًا : تشكل تركيا وإيران محور الشر للكرد لأكثر من أربعمائة سنة . وهذا الشر يتستر أحيانًا ، منذ أيام الصفويين والعثمانيين ، بجلباب الدين . ومن المؤسف أن تنضم سوريا إلى هذا المحور (*) خارقةً بذلك مبادئ الأخوة العربية - الكردية التى جسدها صلاح الدين ، الراقد هناك . وقبل سوريا كان العراق نفسه يلعب دورًا نشطًا فى المحور الإقليمى المعادى للكرد ، بترتيبات عراقية - تركية خاصة لملاحقة العناصر الوطنية الكردية عبر خط الحدود المشترك . فكأنك تهرول 66 سنة إلى الوراء لتسقط فى مستنقع ( سعد آباد ) ثانية .
يبدى المحــور حرصًا زائدًا على ( وحدة الأراضى العراقيـــة ) ، وهو حرص زائف لا يخدع إلا المنافقين ، فدافع المحور سر مكشوف وهو الهوس الشوفينى بمعاداة كرد العراق وتمتعهم بأى حقوق قومية كى لا تسرى « عدوى » هذه الحقوق على «كردهم» ، فهى أم الكوارث بالنسبة لهم .
نشرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام 2002 فى منطقة كردستان حصرًا تحت عنوان « المسألة القومية فى العراق »، وباستثناء تعديل العنوان إلى « المسـألة الكردية فى العراق » لينسجم أكثر مع البحث ، وتصحيح بعض الأخطاء الفنية هنا وهناك فقد أبقيت فى هذه الطبعة « البغدادية » على المضمون كاملاً الذى لايزال يحتفظ ، فى اعتقادى ، بحيويته ، مع التفصيل والتطويل فى موضوع أو موضوعين ، كما كانا ، لرسم لوحة عامة للقراء هنا أيضًا فى عرض ومعالجة مسألة هامة يرثها النظام الجديد فى العراق عن العهد البيروقراطى - الشوفينى الدكتاتورى الساقط .
يتبنى النظام البديل المتطور الديمقراطية كهدف معلن للحكومة الأنكلو - الأمريكية ، وتعتبر الديمقراطية وسيلة مثالية لحل المشاكل (panacea) ومنها المشكلة القومية . وهناك تلميحات بأنه قد يعتمد أيضًا الفدرالية لحكومة البلاد . الديمقراطية والفدرالية عاملان يساعدان لحل المشكلة القومية ، وكم هائل من المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعيـــة الأخـــرى ، القديمـــة والجديدة ، لكن الوقائع تثبت أنهمـــا لا يكفيان لوحدهما لحل هذه المشكلة ، كما نرى للحالة الأولى فى بريطانيا ، وفى روسيا والهند ونيجيريا .. للحالة الثانية . لذلك لابد من حل المشكلة بذاتها بالانطلاق من حق القومية فى تقرير مصيرها بنفسها ، وتحديد طبيعة علاقتها بالقومية الأخرى فى ضوء هذا الحق ، فى مجتمع ثنائى القومية كما فى العراق مثلاً ، وإلا سيبقى الحل ناقصًا ، ولهذا يجب تثبيت هذا الحق دستوريًا فى شراكة حرة متساوية فى الوطن، حتى لا تصبح الفدرالية، نظامًا إداريًا لا مركزيًا حسب ولا تكون بديلة لحق القومية فى تقرير مصيرها بنفسها .
كرديًا : تمكنت الحركة الكردية من تحرير كردستان العراق بأكملها ، وهذا إنجاز تاريخى ، وتقع على عاتقها الآن مهمة عاجلة بإعادة المستوطنين العرب والمرحلين الكرد إلى ديارهم الأصلية ، وتوحيد الإقليم وتعميق الديمقراطية وترسيخ سيادة القانون ومنع بروز ( طبقة جديدة ) تستغل السلطة لمصلحتها الضيقة ، وتصدت الحركة بحزم ونجاح آنى مشهود إلى التهديد الشوفينى التركى بغزو الوطن لضم كركوك والموصل إلى تركيا ، لكن الزعيق الدونكيشوتى التركى حول الدولة الكردية لازال مستمرًا ، ولازال الخطر فى الواقع قائمًا ، وهناك من يحرض على الغزو والضم فعلاً . فقد كتب الصحفى الأمريكى المتنفذ « ويليام سافاير » مقالاً فى صحيفة « إنترناشنال هيرالد تربيون » بتاريخ 2/11/2001 تحت عنوان « ساعدوا تركيا على اجتياح العراق » جاء فيه: « أرى عقد صفقة » مع أنقرة الآن للتحرك عبر حدود تركيا وضم الثلث الشمالى من العراق . إن معظمه يقع بيد الكرد فى الظرف الراهن . لكن الأرض المقترحة لضمها إلى تركيا هى الحقل النفطى حول كركوك الذى ينتج نصف نفط ( العراق ) تقريبًا » .
تاريخيًا : تشكل تركيا وإيران محور الشر للكرد لأكثر من أربعمائة سنة . وهذا الشر يتستر أحيانًا ، منذ أيام الصفويين والعثمانيين ، بجلباب الدين . ومن المؤسف أن تنضم سوريا إلى هذا المحور (*) خارقةً بذلك مبادئ الأخوة العربية - الكردية التى جسدها صلاح الدين ، الراقد هناك . وقبل سوريا كان العراق نفسه يلعب دورًا نشطًا فى المحور الإقليمى المعادى للكرد ، بترتيبات عراقية - تركية خاصة لملاحقة العناصر الوطنية الكردية عبر خط الحدود المشترك . فكأنك تهرول 66 سنة إلى الوراء لتسقط فى مستنقع ( سعد آباد ) ثانية .
يبدى المحــور حرصًا زائدًا على ( وحدة الأراضى العراقيـــة ) ، وهو حرص زائف لا يخدع إلا المنافقين ، فدافع المحور سر مكشوف وهو الهوس الشوفينى بمعاداة كرد العراق وتمتعهم بأى حقوق قومية كى لا تسرى « عدوى » هذه الحقوق على «كردهم» ، فهى أم الكوارث بالنسبة لهم .
Page 2
التوسع قليلاً فى بحث هذه النقطة المتعلقة بالبيروقراطية الشوفينية سيكشف عن ظاهرة قد تكون عامة ومفارقة جديرة بالملاحظة ، فالمجتمعات فى الشرق الأوسط هى مجتمعات شبه - صناعية ، والطبقات الوسطى ، المعروفة بمواقفها اللبرالية ، وظلالها . الطبقات العاملة المشهورة بتقاليدها الاشتراكية ، ضعيفة التكوين والنفوذ . وتعجزان عن إقامة أنظمة ديمقراطية راسخة عبر توازن القوى بينهما ، فتسيطر الفئات البيروقراطية - الشوفينية على الحكم ، وهى فئات متخلفة تتكون قاعدتها الاجتماعية بمعظمها ، من الشرائح الفلاحية - العمالية الطفيلية التى تسعى للانفراد بالحكم واستغلاله لمصلحتها الضيقة عبر أجهزة الأمن والإعلام ، وهذه الفئات تكن عداء شديدًا للديمقراطية والحقوق القومية لأنها حقوق ديمقراطية فى جوهرها ، وهى القوة الرئيسة التى تعرقل حل المسألة القومية سلميًا وديمقراطيًا .
إننا نرى هذه الظاهرة سائدة بدرجات متفاوتة فى تركيا وإيران وسوريا والسودان والجزائر والعراق ( سابقًا ؟ ) ، وتشتط الفئة البيروقراطية - الشوفينية فى عدائها للديمقراطية كلما استطاعت إلى ذلك سبيلاً ، وقد يبرز منها « قائد فذ » دكتاتور يتجاوز المدى فى التنكيل بحقوق المواطنة وطمسها فيعانى المواطن عندئذ الأمرين من الحاكم ويبلغ السيل الزبى فى البلاد .
هنا نلاحظ المفارقة فى المواقف والتناقض مع بعض الثوابت الوطنية فى مسألة جليلة كالاستقلال وواقعة كارثية كالاحتلال .
ففى النظرة الذرائعية ، ترى جماهير واسعة من الشعب أن الاحتلال الحليف « المؤقت » لا يمكن أن يكون أسوأ للمواطن العادى من الكابوس الدائم للنظام شبه - الفاشى quasi-fascist الذى يملأ أرض الوطن بالقبور الجماعية ويجبر 20% من المواطنين على الاغتراب فى المهاجر ويمسخ إنسانية العديد فى الصراع اليومى من أجل البقاء . لا عجب إذن أن ينظر الكثير من الناس إلى المحتلين كمنقذين . وعبثًا تقول إنكم تستجيرون من الرمضاء بالنار ، فهم يرون العكس تمامًا .
القول بشرور الشوفينية ليس جديدًا بطبيعة الحال ، وقد حذرت مبكرًا من خطرها على القومية الكردية قائلاً :
« إن القومية الشوفينية تشكل أعظم خطر كامن لبقاء وازدهار الأمة الكردية » - انظر كتابى : كردستان والحركة الوطنية الكردية . ص62 ، مطبعة الأهالى ، بغداد، 1959 . وقد برهن تدمير (4000) قرية كردية ، بين أشياء أخرى ، على صحة هذا القول .
إن العراقيين - عربًا وكردًا - يرفضون الشوفينية ويعارضون وصاية محور الشر على شؤونهم ، فقد اكتووا بما فيه الكفاية بنار التدخل فى حياتهم . إنهم ينشدون العدل والأمن والعمل ، ويريدون الحرية والديمقراطية والمساواة ، وينزعون إلى حل المشاكل عبر الحوار ويطلبون نهاية لمسلك الأشرار . وبعد ( أم الزلازل ) تؤكد القوى الفاعلة فى المجتمع العراقى ، ناقصًا حزب السلب والنهب ، على ضرورة تطبيع الوضع وتأليف الحكومة وإجراء الانتخابات وسن الدستور وتثبيت الحقوق وتحديد الواجبات.
وأخيرًا قد يكون من المناسب أن أختم هذه المقدمة بالتأكيد على أن المشكلة القومية هى مشكلة عالمية ولهذا بعثت برسالة إلى جريدة ( الحياة ) الصادرة فى لندن لجلب الانتباه إلى هذا الموضوع نشرتها بتاريخ 8/3/2000 تحت عنوان « الأمم المتحدة والمشكلة القومية » أقترح فيها :
« قيام الأمم المتحدة بدراسة المشكلة القومية جديًا ومعالجتها جذريًا عبر التأكد من تمثيل الدول الأعضاء لقومياتها وأعراقها وجعل هذا التمثيل القائم على أساس المساواة القومية شرطًا للعضوية فى المنظمة واتخاذ إجراءات رادعة بحقها عند خرق هذا الشرط » .
ص . س
بغداد ، 1/6/2003
إننا نرى هذه الظاهرة سائدة بدرجات متفاوتة فى تركيا وإيران وسوريا والسودان والجزائر والعراق ( سابقًا ؟ ) ، وتشتط الفئة البيروقراطية - الشوفينية فى عدائها للديمقراطية كلما استطاعت إلى ذلك سبيلاً ، وقد يبرز منها « قائد فذ » دكتاتور يتجاوز المدى فى التنكيل بحقوق المواطنة وطمسها فيعانى المواطن عندئذ الأمرين من الحاكم ويبلغ السيل الزبى فى البلاد .
هنا نلاحظ المفارقة فى المواقف والتناقض مع بعض الثوابت الوطنية فى مسألة جليلة كالاستقلال وواقعة كارثية كالاحتلال .
ففى النظرة الذرائعية ، ترى جماهير واسعة من الشعب أن الاحتلال الحليف « المؤقت » لا يمكن أن يكون أسوأ للمواطن العادى من الكابوس الدائم للنظام شبه - الفاشى quasi-fascist الذى يملأ أرض الوطن بالقبور الجماعية ويجبر 20% من المواطنين على الاغتراب فى المهاجر ويمسخ إنسانية العديد فى الصراع اليومى من أجل البقاء . لا عجب إذن أن ينظر الكثير من الناس إلى المحتلين كمنقذين . وعبثًا تقول إنكم تستجيرون من الرمضاء بالنار ، فهم يرون العكس تمامًا .
القول بشرور الشوفينية ليس جديدًا بطبيعة الحال ، وقد حذرت مبكرًا من خطرها على القومية الكردية قائلاً :
« إن القومية الشوفينية تشكل أعظم خطر كامن لبقاء وازدهار الأمة الكردية » - انظر كتابى : كردستان والحركة الوطنية الكردية . ص62 ، مطبعة الأهالى ، بغداد، 1959 . وقد برهن تدمير (4000) قرية كردية ، بين أشياء أخرى ، على صحة هذا القول .
إن العراقيين - عربًا وكردًا - يرفضون الشوفينية ويعارضون وصاية محور الشر على شؤونهم ، فقد اكتووا بما فيه الكفاية بنار التدخل فى حياتهم . إنهم ينشدون العدل والأمن والعمل ، ويريدون الحرية والديمقراطية والمساواة ، وينزعون إلى حل المشاكل عبر الحوار ويطلبون نهاية لمسلك الأشرار . وبعد ( أم الزلازل ) تؤكد القوى الفاعلة فى المجتمع العراقى ، ناقصًا حزب السلب والنهب ، على ضرورة تطبيع الوضع وتأليف الحكومة وإجراء الانتخابات وسن الدستور وتثبيت الحقوق وتحديد الواجبات.
وأخيرًا قد يكون من المناسب أن أختم هذه المقدمة بالتأكيد على أن المشكلة القومية هى مشكلة عالمية ولهذا بعثت برسالة إلى جريدة ( الحياة ) الصادرة فى لندن لجلب الانتباه إلى هذا الموضوع نشرتها بتاريخ 8/3/2000 تحت عنوان « الأمم المتحدة والمشكلة القومية » أقترح فيها :
« قيام الأمم المتحدة بدراسة المشكلة القومية جديًا ومعالجتها جذريًا عبر التأكد من تمثيل الدول الأعضاء لقومياتها وأعراقها وجعل هذا التمثيل القائم على أساس المساواة القومية شرطًا للعضوية فى المنظمة واتخاذ إجراءات رادعة بحقها عند خرق هذا الشرط » .
ص . س
بغداد ، 1/6/2003
Page 3
مقدمة الطبعة الأولى
يبحث هذا الكتاب فى القومية كمدخل لدراسة المسألة القومية فى العراق عامة والمسألة الكردية خاصة ، قبل تشكيل الدولة العراقية وبعده ، وبعض الأسس النظرية المقترحة لحل المسألة .
عن الكرد بحثت فى فجر التاريخ ، فى البدايات الأولى لاستيطان البشر فى كردستان ، وتطرقت إلى بحث العلاقة السومرية - الكردية فى ضوء الاكتشاف المثير لعلماء الآثار والتاريخ القديم بنزوح السومريين من المنطقة الجبلية الكردية فى شمال العراق إلى جنوبه وابتكار الكتابة وبناء الحضارة فى سهوبه ، علنى أزيل بعض الغموض عن التاريخ الكردى القديم ، وربما عن السومريين أيضًا .
عن الخلفية الفكرية لحركة التحرر القومى الكردية لابد من الاستعانة بـ « مم وزين » ، كتاب الكرد الأول ، الذى نشره رائد الفكر القومى الكردى «أحمدى خانى» سنة 1695 ، و« كردستان » جريدة الكرد الأولى التى نشرها الأمير مدحت بدرخان عام 1898 ، فهذان المصدران القديمان وثيقتان فريدتان فى تاريخ الحركة وتكشفان بأسلوب أدبى رفيع عن أصالتها .
فى البحث عن متى وكيف ولماذا نشأت المسألة الكردية فى العراق اعتمدت نصوص البرقيات السرية المصيرية المتبادلة بين كبار الموظفين البريطانيين فى لندن وبغداد حول تقرير مصير كردستان بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة ، والتى نشرتها للمرة الأولى عام 1958 فى كتابى : كردستان : الوطن المجزأ فى الشرق الأوسط ، الذى كتبته باسم مستعار هو جافان Gavan لتجنب مشاكل البوليس البريطانى كما ذكرت ذلك فى ترجمته : كردستان والحركة الوطنية الكردية ، وهى وثائق هامة تتكلم فى لحظات تاريخية بصراحة السرية ، ولم أر خيرًا منها لشرح هذه المسألة .
نفتقر نحن فى العراق إلى دراسات موضوعية وميدانية عن الطبيعة العراقية (الإثنية) لمجتمعنا لذلك تبرز أخطاء نظرية وعملية فى معالجة الجوانب المختلفة للمسألة القومية ، ولهذا بحثت ، ولو بشىء من العجالة ، فى التركيب القومى للمجتمع العراقى تمهيدًا لدراسة موجزة عن الدولة والتعددية القومية .
استميح القارئ عذرًا للإشارة إلى بعض المعلومات الذاتية ، أوردتها لأنها تقول شيئًا ، ربما معبرًا ، عن المسألة . إنها أيضًا من باب الذكريات والحنين إلى أيام لن تعود !
ص . س
يبحث هذا الكتاب فى القومية كمدخل لدراسة المسألة القومية فى العراق عامة والمسألة الكردية خاصة ، قبل تشكيل الدولة العراقية وبعده ، وبعض الأسس النظرية المقترحة لحل المسألة .
عن الكرد بحثت فى فجر التاريخ ، فى البدايات الأولى لاستيطان البشر فى كردستان ، وتطرقت إلى بحث العلاقة السومرية - الكردية فى ضوء الاكتشاف المثير لعلماء الآثار والتاريخ القديم بنزوح السومريين من المنطقة الجبلية الكردية فى شمال العراق إلى جنوبه وابتكار الكتابة وبناء الحضارة فى سهوبه ، علنى أزيل بعض الغموض عن التاريخ الكردى القديم ، وربما عن السومريين أيضًا .
عن الخلفية الفكرية لحركة التحرر القومى الكردية لابد من الاستعانة بـ « مم وزين » ، كتاب الكرد الأول ، الذى نشره رائد الفكر القومى الكردى «أحمدى خانى» سنة 1695 ، و« كردستان » جريدة الكرد الأولى التى نشرها الأمير مدحت بدرخان عام 1898 ، فهذان المصدران القديمان وثيقتان فريدتان فى تاريخ الحركة وتكشفان بأسلوب أدبى رفيع عن أصالتها .
فى البحث عن متى وكيف ولماذا نشأت المسألة الكردية فى العراق اعتمدت نصوص البرقيات السرية المصيرية المتبادلة بين كبار الموظفين البريطانيين فى لندن وبغداد حول تقرير مصير كردستان بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة ، والتى نشرتها للمرة الأولى عام 1958 فى كتابى : كردستان : الوطن المجزأ فى الشرق الأوسط ، الذى كتبته باسم مستعار هو جافان Gavan لتجنب مشاكل البوليس البريطانى كما ذكرت ذلك فى ترجمته : كردستان والحركة الوطنية الكردية ، وهى وثائق هامة تتكلم فى لحظات تاريخية بصراحة السرية ، ولم أر خيرًا منها لشرح هذه المسألة .
نفتقر نحن فى العراق إلى دراسات موضوعية وميدانية عن الطبيعة العراقية (الإثنية) لمجتمعنا لذلك تبرز أخطاء نظرية وعملية فى معالجة الجوانب المختلفة للمسألة القومية ، ولهذا بحثت ، ولو بشىء من العجالة ، فى التركيب القومى للمجتمع العراقى تمهيدًا لدراسة موجزة عن الدولة والتعددية القومية .
استميح القارئ عذرًا للإشارة إلى بعض المعلومات الذاتية ، أوردتها لأنها تقول شيئًا ، ربما معبرًا ، عن المسألة . إنها أيضًا من باب الذكريات والحنين إلى أيام لن تعود !
ص . س
Page 4
ظهور المسألة القومية :
ظهرت المسألة القومية فى العالم فى صورتين كانتا فى الغالب متكاملتين ، تمثلت الصورة الأولى فى « التحرر القومى » وتتضمن تحرير جماعة من الناس الذين يشكلون « قومية » فى الدولة التى ينتمون إليها ويقعون تحت سيطرة حكومتها التى تنتمى إلى قومية أخرى لكى تتمكن هذه الجماعة من الناس الحصول على حق تشكيل دولة مستقلة . أما الصورة الثانية فقد تجسدت فى « الوحدة القومية » وتتضمن جمع أو توحيد الشعوب التابعة لقومية بذاتها فى دولة واحدة خاصة بها بدلاً من بقائها تحت سيادات مختلفة سواء كانت سيادات دول مستقلة أو كيانات « أقليات قومية » . وفى ضوء هاتين الصورتين أيضًا ظهرت الحركات القومية وذلك لتحقيق رغبة « قومية » فى « التحرر القومى » أو « الوحدة القومية » . فقد ظهرت هذه الحركات القومية مثلاً خلال الأعوام 1815 - 1848م لتحقيق « الوحدة القومية » فى حالة الإيطاليين والألمان ، ولتحقيق التحرر القومى فى حالة « البلجيك » (1830) والبولونيين عام 1831م والنرويج عام 1905م(**) .
وظهرت الحركة القومية الكردية لتحقيق التحرر القومى من السيطرة التركية - الفارسية بعد تقسيم كردستان عام 1514م بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية وإعادة تقسيمها بعد أربعة قرون بين تركيا وفارس وبريطانيا وفرنسا ، كما ظهرت الحركة القومية العربية لإنجاز التحرر القومى من السيطرة التركية قبل الحرب العالمية الأولى ، ولتحقيق الوحدة القومية بعدها . « التحرر القومى » و« الوحدة القومية » حقان طبيعيان لكل قومية ، وهما شكلان متكاملان من حق طبيعى آخر هو « تقرير المصير » ، وهو حق كل قومية فى تقرير مصيرها ، أو مستقبلها ، بنفسها ، بضمنه حق إقامة دولتها المستقلة أو الموحدة فى عصر دول القومية أو الأمة Nation-States . فالوضع الطبيعى فى حياة القومية يستقيم فقط عند قيامها بممارسة هذا الحق ، فى ظل الحرية ، أما فى الوضع الشــاذ فإن القومية لا تتمتع بحقها فى تقرير مصــيرها لوجــود ما يحول دون ممارسة هذا الحق كالسيطرة الأجنبية ، مما يؤدى إلى خلق « المشكلة القومية » ، فالعامل الرئيس فى نشوء المشكلة القومية هو تجريد القومية من حريتها فى ممارسة حقها فى تقرير مصيرها بنفسها ، ورفض القومية لهذا الغبن فى حقها ، وما ينجم عن التجريد من الظلم ، وما ينتج عن رفض الظلم من الكفاح ، ولأن أوضاعًا شاذة من الغبن القومى تسود العديد من الأقطار ، فإن من المرجح أن تبرز فى هذه الأقطار المشكلة القومية عاجلاً أم آجلاً ، فهذه المشاكل الكامنة قد تتفاقم بسرعة إلى حد الانفجار فتسبب للناس أفدح الأضرار . إنها ليست مشكلة محلية صغيرة بل هى مشكلة عالمية خطيرة تتطلب معالجة جذرية عادلة لإزالة القهر عن ملايين البشر ودرء الدمار عن الديار .
برزت المسألة القومية فى أوروبا تحديدًا وأجزاء معينة من آسيا ، ضمن السياق الاجتماعى فى ضوء التطور التاريخى ، وبصورة خاصة نمو قاعدة اقتصادية تجارية (برجوازية) باعتبار أن الظروف الاقتصادية وأنماط الإنتاج والملكية هى التى تحدد سمة المرحلة الاجتماعية التاريخية . أما فى القارات الأخرى كأمريكا وأفريقيا وآسيا عامة ، فقد برزت المسألة فيها بشكل « وطنى » ، والحركات التى نشأت فيها كانت حركات للتحرر الوطنى ، تهدف إلى تحرير البلدان من السيطرة الأجنبية وإقامة حكم وطنى مستقل ، كما حدث فى الولايات المتحدة الأمريكية والهند وإندونيسيا ونايجيريا . فقد كان الكفاح التحررى هنا كفاحًا وطنيًا يخوضه شعب مكون من أقوام مختلفة ضمن رقعة جغرافية محددة ، مستعمرة عادة ، فى سبيل الاستقلال والسيادة الوطنية، ولم يكن كفاحًا تقوم به قومية واحدة أو عرق معين لإقامة دولة قومية حسب ، برغم أن الفئة الاجتماعية التى حركت الكفاح التحررى الوطنى والكفاح التحررى القومى ، وتولت قيادتهما ، كانت برجوازية فى جوهرها ، حيث كان ظهورها ونموها مرادفين لظهور ونمو هاتين الحركتين الوطنية والقومية . إن الأقطار التى تحررت من الاستعمار الحديث وأقامت دولاً فى أعقاب الحرب العالمية الثانية خاصة متعددة الأقوام أصلاً وتتكون هذه الأقوام من « شعوب » مختلفة لا تملك أحيانًا لغة قومية مشتركة فتستعين بلغة المستعمر فى الحياة الوطنية العامة كالإنكليزية فى الهند والفلبين ونايجيريا ، لكن هذه الشعوب تتطور ، فى سياق التطور الاجتماعى - الاقتصادى باتجاه تطور لغاتها القومية المختلفة حين تتكون فيها تدريجيًا طبقة وسطى « برجوازية » ترفع لواء الثقافة القومية وتقود الشعب غالبًا نحو السيادة القومية . ولو ألقينا نظرة على خارطة العالم لرأينا دولاً عديدة مرشحة لظهور المشكلة القومية فيها ، فهذه الدول لم تتكون من اتحاد طوعى بين الشعوب والأقوام القاطنة ضمن حدودها الدولية ، إذ لم يكن لهذه الشعوب والأقوام فى يد رسم هذه الحدود بما ينسجم والمصالح القومية أو التركيب العرقى - الجغرافى . وقد شاهدنا صورة مبكرة لظهور هذه المشكلة فى « نايجيريا » عندما حاول قادة شعب « ايبولاند » - دون نجاح - تأسيس دولة مستقلة لهذا الشعب باسم « بيافرا » بين عامى 1967 - 1970 . « نايجيريا » دولة اتحادية متعددة - القومية وتأتى فى المرتية الأولى فى القارة من حيث عدد النفوس ، الذى يبلغ (120) مليون نسمة ، كانت تتكون من 12 ولاية اتحادية يتراوح عدد نفوس كل منها من 4 مليون إلى 24 مليون نسمة ، قبل تقسيم البلاد إلى ولايات أصغر ، تتكلم مائتى لغة قومية - عرقية مختلفة . لغتها الرسمية هى الإنكليزية ، ومن لغاتها الرئيسة الهاوسا / فولفولد التى يتكلمها شعب الهاوسا والفولانى (47%) من السكان ، تليها لغة اليوروبا (17.5%) ثم لغة « ايبو » التى يتكلمها شعب ايبولاند حوالى (3.5%) .
ظهرت المسألة القومية فى العالم فى صورتين كانتا فى الغالب متكاملتين ، تمثلت الصورة الأولى فى « التحرر القومى » وتتضمن تحرير جماعة من الناس الذين يشكلون « قومية » فى الدولة التى ينتمون إليها ويقعون تحت سيطرة حكومتها التى تنتمى إلى قومية أخرى لكى تتمكن هذه الجماعة من الناس الحصول على حق تشكيل دولة مستقلة . أما الصورة الثانية فقد تجسدت فى « الوحدة القومية » وتتضمن جمع أو توحيد الشعوب التابعة لقومية بذاتها فى دولة واحدة خاصة بها بدلاً من بقائها تحت سيادات مختلفة سواء كانت سيادات دول مستقلة أو كيانات « أقليات قومية » . وفى ضوء هاتين الصورتين أيضًا ظهرت الحركات القومية وذلك لتحقيق رغبة « قومية » فى « التحرر القومى » أو « الوحدة القومية » . فقد ظهرت هذه الحركات القومية مثلاً خلال الأعوام 1815 - 1848م لتحقيق « الوحدة القومية » فى حالة الإيطاليين والألمان ، ولتحقيق التحرر القومى فى حالة « البلجيك » (1830) والبولونيين عام 1831م والنرويج عام 1905م(**) .
وظهرت الحركة القومية الكردية لتحقيق التحرر القومى من السيطرة التركية - الفارسية بعد تقسيم كردستان عام 1514م بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية وإعادة تقسيمها بعد أربعة قرون بين تركيا وفارس وبريطانيا وفرنسا ، كما ظهرت الحركة القومية العربية لإنجاز التحرر القومى من السيطرة التركية قبل الحرب العالمية الأولى ، ولتحقيق الوحدة القومية بعدها . « التحرر القومى » و« الوحدة القومية » حقان طبيعيان لكل قومية ، وهما شكلان متكاملان من حق طبيعى آخر هو « تقرير المصير » ، وهو حق كل قومية فى تقرير مصيرها ، أو مستقبلها ، بنفسها ، بضمنه حق إقامة دولتها المستقلة أو الموحدة فى عصر دول القومية أو الأمة Nation-States . فالوضع الطبيعى فى حياة القومية يستقيم فقط عند قيامها بممارسة هذا الحق ، فى ظل الحرية ، أما فى الوضع الشــاذ فإن القومية لا تتمتع بحقها فى تقرير مصــيرها لوجــود ما يحول دون ممارسة هذا الحق كالسيطرة الأجنبية ، مما يؤدى إلى خلق « المشكلة القومية » ، فالعامل الرئيس فى نشوء المشكلة القومية هو تجريد القومية من حريتها فى ممارسة حقها فى تقرير مصيرها بنفسها ، ورفض القومية لهذا الغبن فى حقها ، وما ينجم عن التجريد من الظلم ، وما ينتج عن رفض الظلم من الكفاح ، ولأن أوضاعًا شاذة من الغبن القومى تسود العديد من الأقطار ، فإن من المرجح أن تبرز فى هذه الأقطار المشكلة القومية عاجلاً أم آجلاً ، فهذه المشاكل الكامنة قد تتفاقم بسرعة إلى حد الانفجار فتسبب للناس أفدح الأضرار . إنها ليست مشكلة محلية صغيرة بل هى مشكلة عالمية خطيرة تتطلب معالجة جذرية عادلة لإزالة القهر عن ملايين البشر ودرء الدمار عن الديار .
برزت المسألة القومية فى أوروبا تحديدًا وأجزاء معينة من آسيا ، ضمن السياق الاجتماعى فى ضوء التطور التاريخى ، وبصورة خاصة نمو قاعدة اقتصادية تجارية (برجوازية) باعتبار أن الظروف الاقتصادية وأنماط الإنتاج والملكية هى التى تحدد سمة المرحلة الاجتماعية التاريخية . أما فى القارات الأخرى كأمريكا وأفريقيا وآسيا عامة ، فقد برزت المسألة فيها بشكل « وطنى » ، والحركات التى نشأت فيها كانت حركات للتحرر الوطنى ، تهدف إلى تحرير البلدان من السيطرة الأجنبية وإقامة حكم وطنى مستقل ، كما حدث فى الولايات المتحدة الأمريكية والهند وإندونيسيا ونايجيريا . فقد كان الكفاح التحررى هنا كفاحًا وطنيًا يخوضه شعب مكون من أقوام مختلفة ضمن رقعة جغرافية محددة ، مستعمرة عادة ، فى سبيل الاستقلال والسيادة الوطنية، ولم يكن كفاحًا تقوم به قومية واحدة أو عرق معين لإقامة دولة قومية حسب ، برغم أن الفئة الاجتماعية التى حركت الكفاح التحررى الوطنى والكفاح التحررى القومى ، وتولت قيادتهما ، كانت برجوازية فى جوهرها ، حيث كان ظهورها ونموها مرادفين لظهور ونمو هاتين الحركتين الوطنية والقومية . إن الأقطار التى تحررت من الاستعمار الحديث وأقامت دولاً فى أعقاب الحرب العالمية الثانية خاصة متعددة الأقوام أصلاً وتتكون هذه الأقوام من « شعوب » مختلفة لا تملك أحيانًا لغة قومية مشتركة فتستعين بلغة المستعمر فى الحياة الوطنية العامة كالإنكليزية فى الهند والفلبين ونايجيريا ، لكن هذه الشعوب تتطور ، فى سياق التطور الاجتماعى - الاقتصادى باتجاه تطور لغاتها القومية المختلفة حين تتكون فيها تدريجيًا طبقة وسطى « برجوازية » ترفع لواء الثقافة القومية وتقود الشعب غالبًا نحو السيادة القومية . ولو ألقينا نظرة على خارطة العالم لرأينا دولاً عديدة مرشحة لظهور المشكلة القومية فيها ، فهذه الدول لم تتكون من اتحاد طوعى بين الشعوب والأقوام القاطنة ضمن حدودها الدولية ، إذ لم يكن لهذه الشعوب والأقوام فى يد رسم هذه الحدود بما ينسجم والمصالح القومية أو التركيب العرقى - الجغرافى . وقد شاهدنا صورة مبكرة لظهور هذه المشكلة فى « نايجيريا » عندما حاول قادة شعب « ايبولاند » - دون نجاح - تأسيس دولة مستقلة لهذا الشعب باسم « بيافرا » بين عامى 1967 - 1970 . « نايجيريا » دولة اتحادية متعددة - القومية وتأتى فى المرتية الأولى فى القارة من حيث عدد النفوس ، الذى يبلغ (120) مليون نسمة ، كانت تتكون من 12 ولاية اتحادية يتراوح عدد نفوس كل منها من 4 مليون إلى 24 مليون نسمة ، قبل تقسيم البلاد إلى ولايات أصغر ، تتكلم مائتى لغة قومية - عرقية مختلفة . لغتها الرسمية هى الإنكليزية ، ومن لغاتها الرئيسة الهاوسا / فولفولد التى يتكلمها شعب الهاوسا والفولانى (47%) من السكان ، تليها لغة اليوروبا (17.5%) ثم لغة « ايبو » التى يتكلمها شعب ايبولاند حوالى (3.5%) .
Page 5
يمكن أن نشير إلى دول أخرى متعددة القوميات والأقوام والأعراق تكمن ضمن حدودها الدولية المشكلة القومية مثل سريلانكا وتانزانيا وقبرص والهند والسودان والجزائر وأثيوبيا وتركيا وإيران . والاتحاد السوفييتى السابق مثال آخر على المشكلة القومية الكامنة ، والحقيقة فإن هذه المشكلة كانت من جملة العوامل التى أدت إلى انهيار الدولة السوفييتية بسبب مركزيتها المفرطة : واستبدالها بدول مستقلة قومية ، وبرغم أن معظم القوميات السوفييتية استفادت ثقافيًا - اجتماعيًا ، واقتصاديًا أيضًا ، من الدولة السوفييتية التى شكلت أنموذجًا متقدمًا فى حل المسألة القومية فإن هذه القوميات فضلت أن تقيم دولها القومية المستقلة عملاً بحرية حق تقرير المصير . كان الاتحاد طوعيًا نظريًا لكنه لم يكن كذلك ، عمليًا . لقد كان اتحادًا قوميًا قسريًا يخفى مشكلة كامنة فى رحم الدولة ، وقد نمت المشكلة مع ميلاد الدولة ونموها لسبب بسيط هو أن الدولة ألحقت بكيانها قوميات دون اختيارها وحكمتها أحيانًا ضد رغبتها ، وهكذا بقيت المشكلة كامنة دون حل ديمقراطى حقيقى لأن القوميات لم تنتظم بطريقة ديمقراطية حرة طوعية فى الاتحاد ولم تختر العيش معًا ضمن إطار دولة واحدة . وعلى العكس فإن الدولة التى تبدى قومياتها رغبتها الحرة فى العيش معًا ضمن إطارها السياسى لا توجد مشكلة قومية فيها ، كما هو الحال فى سويسرا . فهذه الدولة تتكون من اتحاد طوعى حر بين ثلاث قوميات هى الألمانية والفرنسية والإيطالية ، وعلى الرغم تعرض الدولة السويسرية إلى أشد الضغوط خاصة بعد استيلاء الفاشيين الإيطاليين والنازيين الألمان على الحكم فى إيطاليا وألمانيا المجاورتين فإنها حافظت على وحدتها الوطنية وسيادتها الإقليمية وتمسكت قومياتها باتحادها الاختيارى . لكن المشكلة ، وما يزيد فى الطين بلة ، هى أن أغلبية الدول متعددة القوميات ليست من نوع الارتباط الحر المتكافئ بل هى من نوع الزواج القسرى الإكراهى ! وهذا الزواج ، كما هو معروف شرعًا باطل من أساسه ! إن ما يبنى على الباطل باطل . إنه فاقد للاستقرار والثبات لأنه فاقد للوفاق ، ومعرض فى النهاية للطلاق ! وقد يكون الطلاق، وهو أبغض الحلال ، وديًا وسلميًا ، وفى هذا شىء من العزاء ( كما حدث إلى حد ما فى انفصال فنلنده عن روسيا عام 1917 وبقية الجمهوريات عند انهيار الاتحاد السوفييتى ) ، لكنه قد يكون طلاقًا دمويًا عنيفًا كما يحدث فى يوغوسلافيا ، بين الصرب والسلوفينيين والكرواتيين والبوسنة والهرسك والألبان الكوسوفيين وغيرهم من القوميات .
فى نيسان 1989 زرت يوغوسلافيا وكانت مدينة « ساراييفو » الجميلة من بين المدن التى شاهدتها . من المعالم السياحية البارزة فى المدينة الموقع « الأثرى » الذى وقف فيه الطالب القومى الصربى « كافريلو برنسب » وأطلق منه النار على الدوق النمساوى الأعظم « فرانسيس فرديناند » وزوجته دوقة « هوهنبرك » وأرداهما قتيلين ، فانطلق بذلك الاغتيال سيل جارف من ردود الفعل الدولية بلغ أوجه فى اندلاع الحرب العالمية الأولى . كانت إطلاقات « برنسب » الشرارة التى فجرت برميل البارود فى البلقان وأشعلت حريقًا عام 1914 امتد لهيبه المدمر لأعوام أربعة إلى سائر أرجاء الدنيا وشكل فى تاريخ البشرية إحدى الكوارث الكبرى .
فى حزيران 1991 بدأ الجيش الاتحادى اليوغوسلافى عمليات عسكرية فى حرب محدودة للقضاء على الاستقلال الذى أعلنته جمهوريتا سلوفينيا وكرواتيا بعد أن قررتا الانفصال عن الدولة الاتحادية اليوغوسلافية عملا بمبدأ حق تقرير ( تبعتهما جمهوريتا البوسنة والهرسك ومقدونيا ) . وفى نهاية آذار 1999 بدأت حرب محدودة أخرى بمهاجمة قوات حلف الأطلسى للقوات الصربية لإرغام يوغوسلافيا على القبول بالحل الأطلسى للمشكلة القومية الألبانية فى كوسوفو ، وبرغم أن الظروف الدولية قد تبدلت بين عامى 1914 و1999 وأن نشوب حرب عالمية أخرى بسبب المشكلة البلقانية مستبعد باعتبار أن التاريخ لا يعيد نفسه لكن سبب الحرب المحدودة فى البلقان والسبب المباشر للحرب العالمية الأولى التى انطلقت من البلقان أيضًا ليس إلا المشكلة القومية الكامنة فى كيان الدول التى أقيمت هناك قبل وبعد الحرب العالمية الأولى ، ثم عدلت حدودها جزئيًا وثبتت « نهائيًا » بعد الحرب العالمية الثانية . فهذه الدول متعددة القوميات وقد أقيمت دون أن يكون لهذه القوميات رأى حاسم فى إقامتها ودون أن تختار طوعيًا الانضمام إليها أو الانخراط فى نظامها أو الموافقة على حدودها ، إنما قرر آخرون مصيرها فى ضوء المخططات والمصالح والتوازنات الأجنبية أو الدولية ولهذا ليس من المستغرب أن تبدى قومية رغبتها ، حين سنوح الفرصة لها ، فى فك ارتباطها القسرى بدولة أو قومية أخرى ، وإقامة دولتها المستقلة ، انطلاقًا من حقها الطبيعى فى تقرير مصيرها بنفسها واختيار شكل كيانها ونظامها . وهنا تكمن خطورة الأمر ففى العالم دول عديدة متعددة القوميات تحضن بذرة المشكلة وقد تنمو البذرة وتشتد المشكلة وتتحول إلى صراع جوهرى بين الدولة والقومية أو القوميات ، وحتى الدول ، وتنتهى باستخدام العنف ونشر الدمار وإزهاق الأرواح . وما إن تحل مشكلة قومية هنا ، بعد جهد جهيد ، حتى تبرز مشكلة قومية أخرى هناك ، فعلى الرغم من المكاسب المحتملة التى قد تحصل عليها قومية فى الدولة الكبيرة متعددة القوميات ، فإنها قد ترى أن إقامة كيان قومى مستقل أفضل لها من كيان مشترك متعدد القوميات حتى إذا كان لهذا الكيان الكبير التعددى مزاياه ( فى الدفاع مثلاً ) ، ولما كان المهم فى مبدأ حق تقرير المصير هو حرية ممارسته ، ولما كانت ممارسة هذا الحق متوقعة على نطاق أوسع فى المستقبل بسبب زحف الديمقراطية ونمو الطبقة الوسطى لذلك من المرجح أن تتكرر هذه المشكلة وقد تتخذ أبعادًا تهدد فيها الأمن الإقليمى والسلم العالمى وخاصة فى غياب آلية مناسبة لحلها . إنها مشكلة عويصة حقًا تتطلب المعالجة الجدية قبل استفحالها والاكتواء بنارها . ما هو الحل الصائب لمعالجة المشكلة ؟ الحل الصائب للمشكلة يكمن فى تطبيق الديمقراطية لأن غياب الديمقراطية هو فى الحقيقة أصل المشكلة . يكمن الحل فى حرية كل قومية فى ممارسة حقها فى تقرير مصيرها بنفسها سواء فى إقامة دولة أحادية القومية وحدها ، أو مشاركة قومية أخرى فى دولة ثنائية القومية أو إنشاء دولة متعددة القومية مع قوميات أخرى على أن تكون ممارسة هذا الحق حرة فى كل الأحوال .
فى نيسان 1989 زرت يوغوسلافيا وكانت مدينة « ساراييفو » الجميلة من بين المدن التى شاهدتها . من المعالم السياحية البارزة فى المدينة الموقع « الأثرى » الذى وقف فيه الطالب القومى الصربى « كافريلو برنسب » وأطلق منه النار على الدوق النمساوى الأعظم « فرانسيس فرديناند » وزوجته دوقة « هوهنبرك » وأرداهما قتيلين ، فانطلق بذلك الاغتيال سيل جارف من ردود الفعل الدولية بلغ أوجه فى اندلاع الحرب العالمية الأولى . كانت إطلاقات « برنسب » الشرارة التى فجرت برميل البارود فى البلقان وأشعلت حريقًا عام 1914 امتد لهيبه المدمر لأعوام أربعة إلى سائر أرجاء الدنيا وشكل فى تاريخ البشرية إحدى الكوارث الكبرى .
فى حزيران 1991 بدأ الجيش الاتحادى اليوغوسلافى عمليات عسكرية فى حرب محدودة للقضاء على الاستقلال الذى أعلنته جمهوريتا سلوفينيا وكرواتيا بعد أن قررتا الانفصال عن الدولة الاتحادية اليوغوسلافية عملا بمبدأ حق تقرير ( تبعتهما جمهوريتا البوسنة والهرسك ومقدونيا ) . وفى نهاية آذار 1999 بدأت حرب محدودة أخرى بمهاجمة قوات حلف الأطلسى للقوات الصربية لإرغام يوغوسلافيا على القبول بالحل الأطلسى للمشكلة القومية الألبانية فى كوسوفو ، وبرغم أن الظروف الدولية قد تبدلت بين عامى 1914 و1999 وأن نشوب حرب عالمية أخرى بسبب المشكلة البلقانية مستبعد باعتبار أن التاريخ لا يعيد نفسه لكن سبب الحرب المحدودة فى البلقان والسبب المباشر للحرب العالمية الأولى التى انطلقت من البلقان أيضًا ليس إلا المشكلة القومية الكامنة فى كيان الدول التى أقيمت هناك قبل وبعد الحرب العالمية الأولى ، ثم عدلت حدودها جزئيًا وثبتت « نهائيًا » بعد الحرب العالمية الثانية . فهذه الدول متعددة القوميات وقد أقيمت دون أن يكون لهذه القوميات رأى حاسم فى إقامتها ودون أن تختار طوعيًا الانضمام إليها أو الانخراط فى نظامها أو الموافقة على حدودها ، إنما قرر آخرون مصيرها فى ضوء المخططات والمصالح والتوازنات الأجنبية أو الدولية ولهذا ليس من المستغرب أن تبدى قومية رغبتها ، حين سنوح الفرصة لها ، فى فك ارتباطها القسرى بدولة أو قومية أخرى ، وإقامة دولتها المستقلة ، انطلاقًا من حقها الطبيعى فى تقرير مصيرها بنفسها واختيار شكل كيانها ونظامها . وهنا تكمن خطورة الأمر ففى العالم دول عديدة متعددة القوميات تحضن بذرة المشكلة وقد تنمو البذرة وتشتد المشكلة وتتحول إلى صراع جوهرى بين الدولة والقومية أو القوميات ، وحتى الدول ، وتنتهى باستخدام العنف ونشر الدمار وإزهاق الأرواح . وما إن تحل مشكلة قومية هنا ، بعد جهد جهيد ، حتى تبرز مشكلة قومية أخرى هناك ، فعلى الرغم من المكاسب المحتملة التى قد تحصل عليها قومية فى الدولة الكبيرة متعددة القوميات ، فإنها قد ترى أن إقامة كيان قومى مستقل أفضل لها من كيان مشترك متعدد القوميات حتى إذا كان لهذا الكيان الكبير التعددى مزاياه ( فى الدفاع مثلاً ) ، ولما كان المهم فى مبدأ حق تقرير المصير هو حرية ممارسته ، ولما كانت ممارسة هذا الحق متوقعة على نطاق أوسع فى المستقبل بسبب زحف الديمقراطية ونمو الطبقة الوسطى لذلك من المرجح أن تتكرر هذه المشكلة وقد تتخذ أبعادًا تهدد فيها الأمن الإقليمى والسلم العالمى وخاصة فى غياب آلية مناسبة لحلها . إنها مشكلة عويصة حقًا تتطلب المعالجة الجدية قبل استفحالها والاكتواء بنارها . ما هو الحل الصائب لمعالجة المشكلة ؟ الحل الصائب للمشكلة يكمن فى تطبيق الديمقراطية لأن غياب الديمقراطية هو فى الحقيقة أصل المشكلة . يكمن الحل فى حرية كل قومية فى ممارسة حقها فى تقرير مصيرها بنفسها سواء فى إقامة دولة أحادية القومية وحدها ، أو مشاركة قومية أخرى فى دولة ثنائية القومية أو إنشاء دولة متعددة القومية مع قوميات أخرى على أن تكون ممارسة هذا الحق حرة فى كل الأحوال .
Page 6
يستطيع المرء أن يدرك فورًا الفائدة الواضحة لبعض أوجه الدولة الكبيرة التى تقوم على أساس دولة واحدة ، أو قوميات عديدة تتعاون وتتعايش بينها فى سبيل إنجاز مهمات التنمية الاقتصادية وتوحيد جهودها لتحقيق التقدم العلمى والثقافى والاجتماعى وإزالة العقبات وحل الخلافات سلميًا وعقلانيًا عبر الحوار والمساواة فى الحقوق والتحلى بأفق قومى إنسانى فى ضوء مبادئ التعايش القومى لحل مختلف المشاكل وضمان الازدهار الوطنى الشامل . وقد طور بعض الفلاسفة والعلماء(***) هذه الفكرة ، فكرة الدولة الكبيرة ، عبر النظرة التكاملية ، باقتراح فكرة الحكومة العالمية لضمان السلم واستبعاد الحرب كوسيلة من وسائل السياسة ، بعد اختراع القنبلة الذرية وغيرها من الأسلحة النووية أو أسلحة الدمار الشامل الأخرى كالكيميائية والجرثومية ، يكون مجال عملها العالم كله ، وتحويل منظمة الأمم المتحدة إلى حكومة عالمية تمارس السلطة على العالم بأسره كوحدة متكاملة فى كوكبنا الصغير الذى ترتبط أجزاؤه بشبكة متنامية متكاملة ذات كفاءة من خطوط المواصلات والاتصالات بحيث تتمتع الأجزاء أو الكيانات فى ظل هذه الحكومة بحقوق متساوية انطلاقًا من مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية ، وتتحمل واجبات تتناسب مع إمكاناتها ( تضم المنظمة فى عضويتها حاليًا 192 دولة ) . لقد أصبحت هذه الفكرة أقرب إلى التحقيق الآن ، بعد حلول الوفاق محل المجابهة فى العلاقات الدولية ، وتنامى دور الأمم المتحدة فى حل المشاكل العالمية ، والحقيقة أن الفكرة ليست جديدة تمامًا وليست خيالية ، فقد شكلت خلفية تأسيس « عصبة الأمم » و« الأمم المتحدة » و« البيت الأوروبى » والمنظمات الإقليمية كمنظمة الوحدة الإفريقية ، والتنمية الاقتصادية على أساس السوق المشتركة أو الحرة لدرجة بروز ظاهرة العولمة - الرأسمالية الاحتكارية العالمية - والتوجه الأوروبى بخطى حثيثة نحو إقامة حكومة أوروبية اتحادية بشكل الولايات المتحدة الأوروبية على غرار الولايات المتحدة الأمريكية ، وقد لوحظ فى هذا السياق أن بنية الأمم المتحدة ليست متينة بدرجة تمكنها من القيام بهذه المهمة الخطيرة : مهمة الحكومة العالمية ، ولابد من تطوير هذه البنية لتمكين المنظمة من القيام بهذه المهمة ، فالمنظمة الدولية لا تتكون حقيقة من «أمم متحدة» فهى ليست منظمة أمم بل منظمة دول برغم أنها تستخدم فى التسمية مصلطح الأمة Nation بدلاً من مصطلح الدولة State فهى لا تقبل فى عضويتها إلا الدول وليست الأمم ومع ذلك فهى تعتبر ضمنًا أن كل دولة أمة ، وقد يكون هذا صحيحًا فى دولة أحادية القومية ، لكنه قد لا يكون صائبًا فى دولة متعددة - القومية. ولو دققنا النظر فى خارطة العالم وعضوية منظمة الأمم المتحدة لاكتشفنا قصور المصطلح ، فلا الأمم متحدة تمامًا فى دولها ولا الدول متحدة جميعًا فى المنظمة العالمية؛ لذلك فإن الأمم / الدول التى تكون « منظمة الأمم المتحدة » ليست متحدة بالضرورة كما يتضح من المشاكل المتفجرة فى يوغوسلافيا مثلاً . إن وجود منظمة أممية / دولية أو عالمية وتطويرها نحو حكومة عالمية يتطلب أولاً بنيانًا سليمًا خاليًا من النواقص الجدية عبر التأكد من شرط العضوية ، من طبيعة الأمة / الدولة ، خاصة ثنائية أو متعددة القومية ، وتشكيلها بصورة حرة تعبيرًا عن إرادة وقناعة ومصلحة القوميات ، وفى ظل المساواة القومية الفعلية وليست الشكلية حسب ، بحيث ينعدم الاضطهاد القومى الكامن ويزول التسلط القومى ، وإن تشترط فى عضوية الأمة / الدولة احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان ومساواة وحرية وحقوق القوميات فى الأمة / الدولة المشرحة للعضوية ، وانتقاء صفة العضوية عند الإخلال المتعمد والملموس والجوهرى بالمساواة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان . وعدم اقتصار شرط العضوية الرئيس على مجرد قدرة الدولة أو العصبة الحاكمة على بسط سلطتها الفعلية على رقعة محددة من الأرض ، ومجرد إبداء استعدادها لمراعاة بنود الميثاق ، كما يجرى حاليًا عادة عند قبول الأعضاء الجدد فى المنظمة الدولية .
ليست منظمة الأمم المتحدة وحيدة فى افتراض وحدة كيان أعضائها ورفضها التدقيق فى مؤهلات الأمة / الدولة المرشحة للعضوية أبعد عن السيطرة على الشعوب وسريان الأوامر ضمن رقعة جغرافية - سياسية محددة لغرض استكمال شرط عضوية الدولة . فمنظمة الوحدة الأفريقية بالغة الحساسية تجاه أية دعوة أو حركة تهدف إلى التدقيق فى الكيان الداخلى للأمة / الدولة العضو لضمان الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحرية ومساواة وحقوق الأقوام والشعوب والكشف عن قصور الأنظمة الهزيلة ، باعتبار أن الحدود والكيانات ضمنها مقدسة لا يجوز النظر إلى ما يجرى داخلها ، ناهيك عن تغييرها ، برغم أن الكولونياليين هم الذين رسموا الحدود بما يضمن مصالحهم ، وقد حصلت مستعمرات على « شرف العضوية » وهى مثقلة بالمشاكل الكامنة التى ورثتها عن الأنظمة الكولونيالية التى كانت قد رسمت حدودًا دولية بصورة اعتباطية بحيث حملت فى طياتها بذرة التطاحن الداخلى ، لأنها ضمت قبائل وشعوب متنافرة متداخلة الحدود أو مجزأة تشكل مرتعًا خصبًا للخلافات والأزمات والصدامات العنيفة المتكررة ، الداخلية والخارجية معًا ، كما حدث فى نايجيريا والسودان وأوغنده وليبريا وزائير ( الكونغو الديمقراطية ) ومالى ونيجر وموريتانيا والصومال وكينيا وأثيوبيا وتشاد ورواندا ( مجازر الهوتو والتوتسى ) ، ( تقابلها تركيا وإيران والهند وسريلانكا وإندونيسيا وبورما ( ميانمار ) .. إلخ فى آسيا ) . ومن الغريب أن هذه الحدود العجيبة - الغريبة والأمم / الدول الأعجب الأغرب هى إرث كولونيالى شائب ، وبدلاً من قيام « منظمة الوحدة الأفريقية » بدراستها وإيجاد حلول ديمقراطية لكياناتها وتحريرها من شوائبها الصارخة نراها تتجنب النظر إليها وتحظر مسها لأنها فى الحقيقة بؤرًا طافحة بالمشاكل العرقية ، لكنها لابد أن تواجه هذه المشاكل وتضع لها الحلول الصائبة وإلا ستنفجر عاجلاً أو آجلاً فى غياب هذه الحلول .
ليست منظمة الأمم المتحدة وحيدة فى افتراض وحدة كيان أعضائها ورفضها التدقيق فى مؤهلات الأمة / الدولة المرشحة للعضوية أبعد عن السيطرة على الشعوب وسريان الأوامر ضمن رقعة جغرافية - سياسية محددة لغرض استكمال شرط عضوية الدولة . فمنظمة الوحدة الأفريقية بالغة الحساسية تجاه أية دعوة أو حركة تهدف إلى التدقيق فى الكيان الداخلى للأمة / الدولة العضو لضمان الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحرية ومساواة وحقوق الأقوام والشعوب والكشف عن قصور الأنظمة الهزيلة ، باعتبار أن الحدود والكيانات ضمنها مقدسة لا يجوز النظر إلى ما يجرى داخلها ، ناهيك عن تغييرها ، برغم أن الكولونياليين هم الذين رسموا الحدود بما يضمن مصالحهم ، وقد حصلت مستعمرات على « شرف العضوية » وهى مثقلة بالمشاكل الكامنة التى ورثتها عن الأنظمة الكولونيالية التى كانت قد رسمت حدودًا دولية بصورة اعتباطية بحيث حملت فى طياتها بذرة التطاحن الداخلى ، لأنها ضمت قبائل وشعوب متنافرة متداخلة الحدود أو مجزأة تشكل مرتعًا خصبًا للخلافات والأزمات والصدامات العنيفة المتكررة ، الداخلية والخارجية معًا ، كما حدث فى نايجيريا والسودان وأوغنده وليبريا وزائير ( الكونغو الديمقراطية ) ومالى ونيجر وموريتانيا والصومال وكينيا وأثيوبيا وتشاد ورواندا ( مجازر الهوتو والتوتسى ) ، ( تقابلها تركيا وإيران والهند وسريلانكا وإندونيسيا وبورما ( ميانمار ) .. إلخ فى آسيا ) . ومن الغريب أن هذه الحدود العجيبة - الغريبة والأمم / الدول الأعجب الأغرب هى إرث كولونيالى شائب ، وبدلاً من قيام « منظمة الوحدة الأفريقية » بدراستها وإيجاد حلول ديمقراطية لكياناتها وتحريرها من شوائبها الصارخة نراها تتجنب النظر إليها وتحظر مسها لأنها فى الحقيقة بؤرًا طافحة بالمشاكل العرقية ، لكنها لابد أن تواجه هذه المشاكل وتضع لها الحلول الصائبة وإلا ستنفجر عاجلاً أو آجلاً فى غياب هذه الحلول .
Page 7
أدى البناء القاصر للدول إلى عجز فى حماية الحرية السياسية والمساواة القومية، أما عن « حقوق الإنسان » فحدث ولا حرج . فأمامنا مثال بوكاسا إمبراطور أفريقيا الوسطى - الذى كان مولعًا بتعليق المداليات على صدره ومتهمًا بأكل لحم مواطنيه . وماذا فعلت منظمة الوحدة الأفريقية ؟ إنها أخفت رأسها ، كالنعامة ، فى الرمل وتمنت على الدول الكولونيالية السابقة إنقاذ أفريقيا الوسطى من هذا الوحش . وأمامنا مثال ليبريا ، دولة العبيد فى غرب أفريقيا ، فبسبب البناء الهجين للأمة / الدولة وضعف تركيب ومفهوم الدولة ذاتها ، فقد أصبحت هذه الأمة / الدولة مزرعة ومرتعًا للمغامرين حتى إن العريف « دو » استولى على الحكم فى البلاد ليسرح ويمرح فيها ويبطش بأهلها بوصفه منقذها ! ومرة أخرى لم تستطع منظمة الوحدة الأفريقية (تحولت الآن إلى الاتحاد الأفريقى) أن تحرك ساكنًا . وفى سلم الأقدمية فى الرتب برز أباطرة جدد كالملازم الطيار « جيرى رولنكز » والعقيد والجنرال والمارشال عيدى أمين! حتى لقد بدأ المواطنون يترحمون احيانًا على النظام الكولونيالى السابق ويستغيثون به لإنقاذهم من منقذيهم . بل إن جيبوتى أصرت على الدولة الكولونيالية السابقة وهى فرنسا على إبقاء حامية عسكرية فى البلاد ربما للمحافظة على السلام القبلى بين عفار وعيسى . يمكن إيراد أمثلة أخرى من أفريقيا حيث رسمت الدول الكولونيالية حدودًا لمناطق نفوذها دون الاكتراث كثيرًا بالتركيب العرقى لهذه المناطق ، لذلك ما إن انحسر وزال الحكم الكولونيالى المباشر عن المناطق حتى انبثقت دول و« أمم متحدة » من خليط متنوع من القبائل والأعراق والأقوام والشعوب والملل، وبإقامة هذه الأمم / الدول بهذه التشكيلة برزت المشاكل العرقية / القومية أو حتى الدينية ، فاستقلال الهند مثلاً اقترن بتقسيم البلاد إلى دولتين هما الاتحاد الهندى وباكستان التى انقسمت بدورها إلى دولتين هما باكستان وبنجلاديش بعد اقتتال ذهب ضحيته آلاف الأرواح ، ولازالت مشكلة « كشمير » تهدد بالانفجار فى شبه القارة الهندية ، وحدث الشىء نفسه فى ماليزيا حيث قسمت لأسباب عرقية إلى ماليزيا وسنغافورة ، ولازال الصراع العرقى على أشده بين السنهاليين والتامليين فى سيريلانكا ، وظهرت المؤشرات الأولى للصراع العرقى العنيف فى أفغانستان واتحاد جنوب أفريقيا الذى عالجه هنا « نيلسون مانديلا » بحكمته . وتعانى بورما من ثورات عرقية منذ إنشائها كثورة الكارين . وفى الصين توجد المسألة القومية التبتية ، وفى مالى والنيجر توجد ثورة الطوارق ، أما إندونيسيا فقد قامت كدولة من تشكيلة واسعة من الأعراق والأقوام والشعوب المتناثرة فى مئات من الجزر التى لا تشترك فى الثقافة أو التاريخ ولا يربط بينها إلا الخضوع يومًا للسيطرة الكولونيالية الهولندية التى لم توحد هذه الأعراق والأقوام والشعوب والقبائل لتجعل منها أمة متحدة بل حكمتها واستغلتها فترة ثم سلمت أمرها فى النهاية إلى سلطة مركزية فى جاكارتا لتدبير شؤونها . وقد نقلت الأنباء حدوث ثورات عرقية فى بعض المناطق ( غينيا الغربية ومنديناو مثلاً إضافة إلى تيمور الشرقية ) ضد الاضطهاد العرقى المسلط عليها من قبل هذه السلطة المركزية « الوطنية » التى لا تراعى بدقة مصالح وحقوق الأعراق ولا تحترم هوياتها الثقافية ولا تعترف بحقها فى تقرير مصيرها بنفسها . فالمشكلة ، مرة أخرى ، كانت كامنة فى الكيان السياسى المستقل الذى تسلم السلطة من القوة الكولونيالية دون وضع أساس قويم للعلاقات المتكافئة بين الأعراق والأقوام فى الكيان الجديد . هنا نرى المشكلة العرقية - القومية تفعل فعلها وتؤتى ثمارها المرة بسبب الخلل فى الكيان الجديد لـ « الأمة المتحدة » وهو الخلل العرقى الذى يجد تعبيره فى المشاكل المتكررة بين السلطة الحاكمة التى تنتمى غالبًا إلى عرق واحد ، فى هذا الكيان، وبين الأعراق والأقوام الغفيرة التى تتحكم فيها وتضطهدها أحيانًا لدرجة تبدو السلطة الكولونيالية البائدة بالمقارنة سلطة متنورة .
ولماذا نذهب بعيدًا إلى الأرخبيل الإندونيسى وأمام ناظرينا مثال تركيا وإيران ؟ فتركيا دولة متعددة القوميات تتكون من الترك والكرد والعرب وبعض الأقوام الصغيرة كاللاز ، لكن الدولة التركية لا تعترف بهذا الواقع القومى التعددى ولا تحترم حقوق القوميات غير التركية فى إطار وحدة البلاد ، بل تنطلق من نظرة عنصرية فى إنكار هذا الواقع . وهكذا تبرز المشكلة . وإيران أيضًا دولة متعددة القوميات تتكون من الفرس والأزر/ الترك والكرد والعرب والبلوج ، ولا تتمتع قومية باستثناء الفرس، بأى حقوق سياسية أو قومية ، ربما باستثناء حق ثقافى محدود بنشر كتاب أو صحيفة بلغتها أو الإذاعة والتلفزة لأغراض الدعاية ، مما يؤدى إلى خلق المشكلة القومية . وهكذا نرى أن تركيا وإيران لا تشكلان « أمتين متحدتين » لأن القوميات العديدة فيهما ، باستثناء الترك والفرس لا تتمتع بحقوقها القومية ، وتعمل السلطتان المركزيتان فى أنقرة وطهران لطمس هواياتها الثقافية المستقلة ، وهكذا تخوض هذه القوميات المظلومة نضالاً مشروعًا فى سبيل حقوقها وقد يجر هذا النضال إلى الصراع الدامى فى غياب الحوار والحل السلمى الديمقراطى مما ينسف أسطورة «الأمة المتحدة» ويضع المشكلة القومية أمام الأنظار . إنها مشكلة عالمية فعلاً لأن إقامة العديد من الدول جرت بمنأى عن العدالة القومية ، وتحكمت فيها التوازنات المرحلية والمصالح الدولية ، وحددت أطرها وحدودها فى غياب الإنصاف والمساواة القومية .
أما فى بعض الأقطار النامية فقد ينتفى حتى الشرط الذى يتم بموجبه قبول القطر فى عضوية الأمم المتحدة ألا وهو شرط الأمة / الدولة التى تسرى سلطتها الفعلية ضمن حدودها السياسية حيث قد تنهار تلك السلطة كليًا ، كما حدث مؤخرًا فى الصومال ، ويتحول القطر حينئذ إلى إقطاعيات قبلية متصارعة يحكمها لوردات الحرب، وفى أقطار أخرى ينتفى حتى مفهوم الدولة حين يستولى مغامر على السلطة ويتحول إلى عراب فى القمة تحيط به زمرة من أزلام العائلة والمرتزقة لخدمة شخصه وتنفيذ رغباته وفلسفة جنونه وإبادة معارضيه ، بدءًا بالأعراق والأقوام التى لا تحمل رسالة شعب الله المختار التى تنحصر فى عرق العراب كما رأينا فى هاييتى ، وغالبًا ما تنتفض تلك الأعراق والأقوام دفاعًا عن النفس لأن منظمة الأمم المتحدة لا تحرك ساكنًا لوضع حد لحكم الغاب بذريعة عدم التدخل فى الشؤون الداخلية للدولة العضو فى ضوء ميثاقها العتيد ، برغم أن هذه الدولة ذاتها لا تكترث بالتزاماتها التعاقدية تجاه المنظمة الدولية ومبادئها وميثاقها وتتصرف بعكسها بسحق التطلعات الديمقراطية المشروعة للأعراق والأقوام التى تزعم أنها تمثلها فى المنظمة الدولية بينما تقوم فى الواقع بالتنكيل بها بكل ما أوتيت من قوة بهدف الاستئثار بالسلطة ونهب الثروة على الضد من أهداف الأمم المتحدة . فهل يستغرب المرء إذا انفجرت المشكلة القومية هنا وهناك ؟ وهل يستغرب المرء الدعوة الملحة لقيام منظمة الأمم المتحدة بمهمة حل المسألة القومية حتى لو تطلب الأمر إعادة النظر فى تركيبة المنظمة الدولية ؟
ولماذا نذهب بعيدًا إلى الأرخبيل الإندونيسى وأمام ناظرينا مثال تركيا وإيران ؟ فتركيا دولة متعددة القوميات تتكون من الترك والكرد والعرب وبعض الأقوام الصغيرة كاللاز ، لكن الدولة التركية لا تعترف بهذا الواقع القومى التعددى ولا تحترم حقوق القوميات غير التركية فى إطار وحدة البلاد ، بل تنطلق من نظرة عنصرية فى إنكار هذا الواقع . وهكذا تبرز المشكلة . وإيران أيضًا دولة متعددة القوميات تتكون من الفرس والأزر/ الترك والكرد والعرب والبلوج ، ولا تتمتع قومية باستثناء الفرس، بأى حقوق سياسية أو قومية ، ربما باستثناء حق ثقافى محدود بنشر كتاب أو صحيفة بلغتها أو الإذاعة والتلفزة لأغراض الدعاية ، مما يؤدى إلى خلق المشكلة القومية . وهكذا نرى أن تركيا وإيران لا تشكلان « أمتين متحدتين » لأن القوميات العديدة فيهما ، باستثناء الترك والفرس لا تتمتع بحقوقها القومية ، وتعمل السلطتان المركزيتان فى أنقرة وطهران لطمس هواياتها الثقافية المستقلة ، وهكذا تخوض هذه القوميات المظلومة نضالاً مشروعًا فى سبيل حقوقها وقد يجر هذا النضال إلى الصراع الدامى فى غياب الحوار والحل السلمى الديمقراطى مما ينسف أسطورة «الأمة المتحدة» ويضع المشكلة القومية أمام الأنظار . إنها مشكلة عالمية فعلاً لأن إقامة العديد من الدول جرت بمنأى عن العدالة القومية ، وتحكمت فيها التوازنات المرحلية والمصالح الدولية ، وحددت أطرها وحدودها فى غياب الإنصاف والمساواة القومية .
أما فى بعض الأقطار النامية فقد ينتفى حتى الشرط الذى يتم بموجبه قبول القطر فى عضوية الأمم المتحدة ألا وهو شرط الأمة / الدولة التى تسرى سلطتها الفعلية ضمن حدودها السياسية حيث قد تنهار تلك السلطة كليًا ، كما حدث مؤخرًا فى الصومال ، ويتحول القطر حينئذ إلى إقطاعيات قبلية متصارعة يحكمها لوردات الحرب، وفى أقطار أخرى ينتفى حتى مفهوم الدولة حين يستولى مغامر على السلطة ويتحول إلى عراب فى القمة تحيط به زمرة من أزلام العائلة والمرتزقة لخدمة شخصه وتنفيذ رغباته وفلسفة جنونه وإبادة معارضيه ، بدءًا بالأعراق والأقوام التى لا تحمل رسالة شعب الله المختار التى تنحصر فى عرق العراب كما رأينا فى هاييتى ، وغالبًا ما تنتفض تلك الأعراق والأقوام دفاعًا عن النفس لأن منظمة الأمم المتحدة لا تحرك ساكنًا لوضع حد لحكم الغاب بذريعة عدم التدخل فى الشؤون الداخلية للدولة العضو فى ضوء ميثاقها العتيد ، برغم أن هذه الدولة ذاتها لا تكترث بالتزاماتها التعاقدية تجاه المنظمة الدولية ومبادئها وميثاقها وتتصرف بعكسها بسحق التطلعات الديمقراطية المشروعة للأعراق والأقوام التى تزعم أنها تمثلها فى المنظمة الدولية بينما تقوم فى الواقع بالتنكيل بها بكل ما أوتيت من قوة بهدف الاستئثار بالسلطة ونهب الثروة على الضد من أهداف الأمم المتحدة . فهل يستغرب المرء إذا انفجرت المشكلة القومية هنا وهناك ؟ وهل يستغرب المرء الدعوة الملحة لقيام منظمة الأمم المتحدة بمهمة حل المسألة القومية حتى لو تطلب الأمر إعادة النظر فى تركيبة المنظمة الدولية ؟
Page 8
القـوميــة :
الآن ، إذا كانت المسألة القومية بهذه الأهمية فكيف تتم معالجتها ؟ لا شك أن المسألة تتطلب دراسة معمقة ، ولا شك أيضًا أن نقطة البداية لأية دراسة حول الموضوع ستكون تعريف القومية / الأمة والأقلية القومية والمجموعات العرقية الأخرى. ويدخل فى التعريف بالضرورة الأرض ، والعرق واللغة والذكريات التاريخية والتقاليد والفكر المدنى والظروف الاقتصادية والاختلافات الاجتماعية(1) .
برزت أهمية تعريف القومية Nationality والأمة Nation عند احتدام النقاش حول المسألة القومية وأسلوب حلها فى بداية القرن العشرين حين طور السياسيون وعلماء الاجتماع تعريفًا لمفهوم القومية / الأمة وهو تعريف موضوعى يحتم توفر شروط فى مفهوم أو مصطلح القومية / الأمة ، يتلخص جوهر هذا التعريف العلمى الشامل الذى طوره ستالين فى كتابه المسألة القومية عام 1913 وأصبح تعريفًا قياسيًا وهو :
الأمة Nation : هى جماعة ثابتة من الناس تقطن أرضًا مشتركة وتتكلم لغة مشتركة ولها ثقافة وعادات وتقاليد مشتركة وتملك اقتصادًا وطنيًا مشتركًا .
ويضع بيتر ورسلى التعريف بالشكل التالى :
« الأمة تتطور تاريخيًا كجماعة مستقرة ولها لغة وأرض وحياة اقتصادية وتكوّن نفسى يجد تعبيره فى ثقافة مشتركة(2) » .
إن هذا التعريف هو تعريف سياسى وليس تعريفًا اجتماعيًا وهو تعريف ينحصر فى الأمة / الدولة لأنه لا يمكن لجماعة من الناس أن تملك اقتصادًا وطنيًا مشتركًا إلا إذا كانت قد شكلت دولة تتضمن وجود هذا الاقتصاد .
وتعريف القومية Nationality شبيه بتعريف الأمة والفرق بين مفهومى الأمة والقومية يتعلق بدرجة التطور الاجتماعى - الاقتصادى والسياسى إذ تعتبر الأمة أكثر تقدمًا فى سلم التطور بسبب إطارها أو كيانها السياسى . إن الأمة قومية تمتلك دولة(3). ( تستعمل العبارتان أحيانًا للدلالة على مفهوم واحد ) .
يميز بيتر ورسلى بين المفهومين جدليًا بالشكل التالى :
« القومية .. شكل خاص من أشكال الانتماء العراقى . إنها تأسيس لهوية عرقية واحدة خاصة بربطها بالدولة . كان هذا واضحًا لعميد الدراسات التاريخية حول القومية « هانس كاهن » ، فقد كتب أن « القومية تركز الولاء الأعلى للغالبية العظمة من الشعب على دولة - الأمة » ، القائمة أو المرغوبة . إن الجماعات العرقية لا تعمل بالضرورة معًا إلا إذا كانت تملك مصلحة خاصة لضمانها وحين تكون هذه المصلحة هى الحصول على دولة خاصة بها ( أو جزء من دولة ) تصبح الجماعة « قومية » ، والجماعة التى تنجح ( فى تشكيل دولة ) تصبح أمة ، والتى لا تنجح تبقى « قومية » - أمة دون دولة . تشير القومية إلى الحركات والأنشطة والأيديولوجيات التى تطور لغرض كسب ، أو دعم ، دولة خاصة » . ويضيف « ورسلى » أن بناء الأمة يسير يدًا بيد مع تشكيل الدولة(4) .
ويعرف « أ. ويسلى روهم » ، ومجموعة من المؤلفين ، القومية كما يلى : «القومية هى جماعة من الناس ترتبط معًا بتاريخ مشترك ، وأعراف ومُثُل مشتركة ، بغض النظر عن امتلاكها لحكومة خاصة بها(5) .
والعرق ذاته مصطلح يقصد به الجنس فى الأنثروبولوجيا - علم الأجناس البشرية - ويقابل اللفظة الإغريقية Ethno - الأمة .
ومن تعريف القومية يمكن اشتقاق تعريف الأقلية القومية National Minority وهى جماعة من الناس تشكل عدديًا ، كما يتضح من مفهوم المصطلح ، أقلية بالمقارنة مع جماعة أخرى تعيش معها فى وطن مشترك تشكل الأغلبية . إن فقدان شرط من شروط القومية فى جماعة من الناس يجردها من صفة القومية الكاملة ويضعها ضمن تعريف آخر هو « الأقلية القومية » التى تأتى بعد القومية فى مجال التصنيف ، فالأقلية القومية هى جماعة من الناس تتكلم لغة مشتركة ولها عادات وتقاليد وثقافة مشتركة أيضًا وتقطن جزءًا من أرض ضمن الأغلبية القومية فى وطن مشترك . إنها لا تملك اقتصادًا مشتركًا ، فهى لا تقطن منطقة جغرافية متجانسة واحدة خاصة بها ، بل تعيش ضمن قومية أو قوميات أخرى . تتبعثر الأقلية القومية عادةً بشكل « مجموعات عرقية أو قومية » فى مناطق وضمن قوميات مختلفة .
وهناك مصطلح قومى آخر هو الجالية القومية National Community وهى عبارة عن جماعة صغيرة من الناس تتكلم لغة مشتركة ولها ثقافة وعادات وتقاليد مشتركة تبتعد عن موطنها القومى وتعيش منتشرة بين قومية ، أو قوميات أخرى ، فى المدن الرئيسة عادةً .
وأخيرًا هنالك الطائفة الدينية - القومية ، وهى طائفة sect أو مجموعة دينية أصلاً ضمن القومية أو الأقلية القومية ( أو القبيلة ) لها لغة مشتركة ، دينية غالبًا ، تضفى عليها طابعًا قوميًا مميزًا .
الآن ، إذا كانت المسألة القومية بهذه الأهمية فكيف تتم معالجتها ؟ لا شك أن المسألة تتطلب دراسة معمقة ، ولا شك أيضًا أن نقطة البداية لأية دراسة حول الموضوع ستكون تعريف القومية / الأمة والأقلية القومية والمجموعات العرقية الأخرى. ويدخل فى التعريف بالضرورة الأرض ، والعرق واللغة والذكريات التاريخية والتقاليد والفكر المدنى والظروف الاقتصادية والاختلافات الاجتماعية(1) .
برزت أهمية تعريف القومية Nationality والأمة Nation عند احتدام النقاش حول المسألة القومية وأسلوب حلها فى بداية القرن العشرين حين طور السياسيون وعلماء الاجتماع تعريفًا لمفهوم القومية / الأمة وهو تعريف موضوعى يحتم توفر شروط فى مفهوم أو مصطلح القومية / الأمة ، يتلخص جوهر هذا التعريف العلمى الشامل الذى طوره ستالين فى كتابه المسألة القومية عام 1913 وأصبح تعريفًا قياسيًا وهو :
الأمة Nation : هى جماعة ثابتة من الناس تقطن أرضًا مشتركة وتتكلم لغة مشتركة ولها ثقافة وعادات وتقاليد مشتركة وتملك اقتصادًا وطنيًا مشتركًا .
ويضع بيتر ورسلى التعريف بالشكل التالى :
« الأمة تتطور تاريخيًا كجماعة مستقرة ولها لغة وأرض وحياة اقتصادية وتكوّن نفسى يجد تعبيره فى ثقافة مشتركة(2) » .
إن هذا التعريف هو تعريف سياسى وليس تعريفًا اجتماعيًا وهو تعريف ينحصر فى الأمة / الدولة لأنه لا يمكن لجماعة من الناس أن تملك اقتصادًا وطنيًا مشتركًا إلا إذا كانت قد شكلت دولة تتضمن وجود هذا الاقتصاد .
وتعريف القومية Nationality شبيه بتعريف الأمة والفرق بين مفهومى الأمة والقومية يتعلق بدرجة التطور الاجتماعى - الاقتصادى والسياسى إذ تعتبر الأمة أكثر تقدمًا فى سلم التطور بسبب إطارها أو كيانها السياسى . إن الأمة قومية تمتلك دولة(3). ( تستعمل العبارتان أحيانًا للدلالة على مفهوم واحد ) .
يميز بيتر ورسلى بين المفهومين جدليًا بالشكل التالى :
« القومية .. شكل خاص من أشكال الانتماء العراقى . إنها تأسيس لهوية عرقية واحدة خاصة بربطها بالدولة . كان هذا واضحًا لعميد الدراسات التاريخية حول القومية « هانس كاهن » ، فقد كتب أن « القومية تركز الولاء الأعلى للغالبية العظمة من الشعب على دولة - الأمة » ، القائمة أو المرغوبة . إن الجماعات العرقية لا تعمل بالضرورة معًا إلا إذا كانت تملك مصلحة خاصة لضمانها وحين تكون هذه المصلحة هى الحصول على دولة خاصة بها ( أو جزء من دولة ) تصبح الجماعة « قومية » ، والجماعة التى تنجح ( فى تشكيل دولة ) تصبح أمة ، والتى لا تنجح تبقى « قومية » - أمة دون دولة . تشير القومية إلى الحركات والأنشطة والأيديولوجيات التى تطور لغرض كسب ، أو دعم ، دولة خاصة » . ويضيف « ورسلى » أن بناء الأمة يسير يدًا بيد مع تشكيل الدولة(4) .
ويعرف « أ. ويسلى روهم » ، ومجموعة من المؤلفين ، القومية كما يلى : «القومية هى جماعة من الناس ترتبط معًا بتاريخ مشترك ، وأعراف ومُثُل مشتركة ، بغض النظر عن امتلاكها لحكومة خاصة بها(5) .
والعرق ذاته مصطلح يقصد به الجنس فى الأنثروبولوجيا - علم الأجناس البشرية - ويقابل اللفظة الإغريقية Ethno - الأمة .
ومن تعريف القومية يمكن اشتقاق تعريف الأقلية القومية National Minority وهى جماعة من الناس تشكل عدديًا ، كما يتضح من مفهوم المصطلح ، أقلية بالمقارنة مع جماعة أخرى تعيش معها فى وطن مشترك تشكل الأغلبية . إن فقدان شرط من شروط القومية فى جماعة من الناس يجردها من صفة القومية الكاملة ويضعها ضمن تعريف آخر هو « الأقلية القومية » التى تأتى بعد القومية فى مجال التصنيف ، فالأقلية القومية هى جماعة من الناس تتكلم لغة مشتركة ولها عادات وتقاليد وثقافة مشتركة أيضًا وتقطن جزءًا من أرض ضمن الأغلبية القومية فى وطن مشترك . إنها لا تملك اقتصادًا مشتركًا ، فهى لا تقطن منطقة جغرافية متجانسة واحدة خاصة بها ، بل تعيش ضمن قومية أو قوميات أخرى . تتبعثر الأقلية القومية عادةً بشكل « مجموعات عرقية أو قومية » فى مناطق وضمن قوميات مختلفة .
وهناك مصطلح قومى آخر هو الجالية القومية National Community وهى عبارة عن جماعة صغيرة من الناس تتكلم لغة مشتركة ولها ثقافة وعادات وتقاليد مشتركة تبتعد عن موطنها القومى وتعيش منتشرة بين قومية ، أو قوميات أخرى ، فى المدن الرئيسة عادةً .
وأخيرًا هنالك الطائفة الدينية - القومية ، وهى طائفة sect أو مجموعة دينية أصلاً ضمن القومية أو الأقلية القومية ( أو القبيلة ) لها لغة مشتركة ، دينية غالبًا ، تضفى عليها طابعًا قوميًا مميزًا .
Page 9
نشـوء القوميـة :
نشأت القومية ونمت بنشوء ونمو البرجوازية التى لعبت دورًا رئيسًا فى إزالة العوائق الإقطاعية - الاقتصادية والسياسية والفكرية أمام التجارة والصناعة وربطت المجتمع بسوق مشتركة انطلاقًا من مفهوم حرية التجارة ، وما تبع ذلك من استخدام الأساليب العقلانية والعلمانية فى نشر العلم والمعرفة والفن والأدب وتوسيع شبكة المواصلات والاتصالات وتطوير لغة موحدة ، وثقافة مشتركة ، بعد إزالة السلطة الإقطاعية نفسها فى الدولة وإنشاء سلطة برجوازية قوامها الطبقة الوسطى ، التى وحدت الأمة ضمن رقعة جغرافية متميزة - الوطن ، وهكذا لعبت البرجوازية دورًا قوميًا تقدميًا رائدًا فى القضاء على النظام الإقطاعى وتحقيق التقدم الاقتصادى والاجتماعى والثقافى وإنجاز الوحدة القومية . والشواهد الكلاسيكية الرئيسة فى أوروبا حول هذا الدور تتمثل فى الحركات القومية / البرجوازية فى إنكلترا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا ، أما فى آسيا فالمثال الواضح هو اليابان .
ففى إنكلترا قادت البرجوازية الثورة الصناعية التى ظهرت ملامحها فى القرن السادس عشر واستكملت فى القرن الثامن عشر عند استخدام القوة البخارية وابتكار المغزل الآلى ، وكانت قد بدأت بـ « الثورة السياسية » قبل ذلك بوقت طويل وحققت الحريات الفردية فى « الماجنا كارتا » - الميثاق العظيم - عام 1215 ، ثم أزاحت السلطة السياسية الإقطاعية للملك وكبار رجال الكنيسة وثبتت سلطتها فى « الثورة الجليلة » عام 1688 رغم الإبقاء على الملكية نفسها .
وفى فرنسا قادت البرجوازية الثورة على الإقطاع واقتحم الثوار سجن الباستيل فى 14 تموز 1787 تحت راية الحرية والمساواة والعدل وأسقطوا الحكم الإقطاعى الممثل بالملك وكبار رجال الكنيسة والنبلاء وشيدوا صرح نظام قومى موحد فى البلاد ودعائم مجتمع مدنى جديد أصبح نموذجًا مؤثرًا عالميًا . فقد تبنت الجمعية التأسيسية « المؤتمر الوطنى » فى 26 آب 1789 « إعلان حقوق الإنسان والمواطن » جاء فيه :
« يولد الناس ويبقون أحرارًا فى الحقوق ، وهذه الحقوق هى الحرية والملكية والسلامة ومقاومة الاستبداد ، الحرية هى قبل كل شىء الحرية الشخصية والحرية الفردية المضمونة ضد الاتهامات وأوامر التوقيف الاعتباطية وافتراض البراءة ، حرية الكلام والكتابة والطباعة والنشر ، حرية الكسب والتملك ... سيادة الأمة أى مجموع المواطنين ، والقانون تعبير عن إرادة المجموع ، ولجميع المواطنين الحق فى العمل على صياغته إما بأنفسهم مباشرة أو بواسطة ممثليهم ، فصل السلطات ، حق المواطنين فى مراقبة الأموال العامة إما مباشرة أو بواسطة ممثليهم أيضًا ، غاية الدولة هى صيانة حق المواطنين فى التمتع بحقوقهم ، فإذا أخلت بهذا الواجب يحق للمواطنين مقاومتها ، إلغاء الامتيازات الخاصة بالأقاليم والإمارات والبلدان والمقاطعات والمدن وتجمعات السكان » .
قامت الأمة الفرنسية بخطوة حاسمة على طريق الوحدة إبان الثورة فالمؤسسات المستحدثة شكلت إطار دولة موحدة اقتصاديًا وإداريًا .. وكانت الروابط الاقتصادية الجديدة تزيد فى تمتين الوحدة القومية . وبعد القضاء على التجزئة الاقتصادية وإلغاء ضرائب المرور والجمارك الداخلية سحبت الحواجز الجمركية حتى الحدود السياسية بهدف توحيد السوق القومية من جهة ، وحمايتها من المنافسة الأجنبية من جهة ثانية عبر تعريفة خاصة ، واعتماد نظام قياسى عشرى موحد للأوزان والمكاييل - الغرام والمتر - .
سار تقدم اللغة الفرنسية فى الاتجاه ذاته . لم تكن أكثرية الفرنسيين تتكلم فى عام 1789 إلا لهجات محلية أو لغات إقليمية ، وكانت قرارات « المؤتمر الوطنى » تترجم إلى كل اللهجات المستعملة فى البلاد غير أن المؤتمر أصر بعدئذ على جعل اللغة الفرنسية لغة قومية : فتوحيد اللغة يساهم لا شك فى إحكام وحدة الأمة ؛ فبُذِل جهد عظيم فى هذا الاتجاه فى النوادى والجمعيات الشعبية : لقد أصبح التخاطب بالفرنسية برهانًا على صدق الوطنية . ( كانت الأمة البريتانية والأمة البروفانسية ماتزالان ، حتى نهاية القرن الثامن عشر ، حقيقتين حيتين بقوانينهما وتقاليدهما ولهجاتهما . وكان الملك « دوقا » فى « بريتانيا » و« كونتا » فى « البروفانس ») .
فى ألمانيا حققت البرجوازية بقيادة بسمارك خاصة « الوحدة القومية » (1815- 1871) بعد إسقاط الإقطاعية . وفى إيطاليا ، أنجزت الحركة القومية بقيادة مازينى - غاريبالدى وحدة البلاد عام 1861 .
نشأت القومية ونمت بنشوء ونمو البرجوازية التى لعبت دورًا رئيسًا فى إزالة العوائق الإقطاعية - الاقتصادية والسياسية والفكرية أمام التجارة والصناعة وربطت المجتمع بسوق مشتركة انطلاقًا من مفهوم حرية التجارة ، وما تبع ذلك من استخدام الأساليب العقلانية والعلمانية فى نشر العلم والمعرفة والفن والأدب وتوسيع شبكة المواصلات والاتصالات وتطوير لغة موحدة ، وثقافة مشتركة ، بعد إزالة السلطة الإقطاعية نفسها فى الدولة وإنشاء سلطة برجوازية قوامها الطبقة الوسطى ، التى وحدت الأمة ضمن رقعة جغرافية متميزة - الوطن ، وهكذا لعبت البرجوازية دورًا قوميًا تقدميًا رائدًا فى القضاء على النظام الإقطاعى وتحقيق التقدم الاقتصادى والاجتماعى والثقافى وإنجاز الوحدة القومية . والشواهد الكلاسيكية الرئيسة فى أوروبا حول هذا الدور تتمثل فى الحركات القومية / البرجوازية فى إنكلترا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا ، أما فى آسيا فالمثال الواضح هو اليابان .
ففى إنكلترا قادت البرجوازية الثورة الصناعية التى ظهرت ملامحها فى القرن السادس عشر واستكملت فى القرن الثامن عشر عند استخدام القوة البخارية وابتكار المغزل الآلى ، وكانت قد بدأت بـ « الثورة السياسية » قبل ذلك بوقت طويل وحققت الحريات الفردية فى « الماجنا كارتا » - الميثاق العظيم - عام 1215 ، ثم أزاحت السلطة السياسية الإقطاعية للملك وكبار رجال الكنيسة وثبتت سلطتها فى « الثورة الجليلة » عام 1688 رغم الإبقاء على الملكية نفسها .
وفى فرنسا قادت البرجوازية الثورة على الإقطاع واقتحم الثوار سجن الباستيل فى 14 تموز 1787 تحت راية الحرية والمساواة والعدل وأسقطوا الحكم الإقطاعى الممثل بالملك وكبار رجال الكنيسة والنبلاء وشيدوا صرح نظام قومى موحد فى البلاد ودعائم مجتمع مدنى جديد أصبح نموذجًا مؤثرًا عالميًا . فقد تبنت الجمعية التأسيسية « المؤتمر الوطنى » فى 26 آب 1789 « إعلان حقوق الإنسان والمواطن » جاء فيه :
« يولد الناس ويبقون أحرارًا فى الحقوق ، وهذه الحقوق هى الحرية والملكية والسلامة ومقاومة الاستبداد ، الحرية هى قبل كل شىء الحرية الشخصية والحرية الفردية المضمونة ضد الاتهامات وأوامر التوقيف الاعتباطية وافتراض البراءة ، حرية الكلام والكتابة والطباعة والنشر ، حرية الكسب والتملك ... سيادة الأمة أى مجموع المواطنين ، والقانون تعبير عن إرادة المجموع ، ولجميع المواطنين الحق فى العمل على صياغته إما بأنفسهم مباشرة أو بواسطة ممثليهم ، فصل السلطات ، حق المواطنين فى مراقبة الأموال العامة إما مباشرة أو بواسطة ممثليهم أيضًا ، غاية الدولة هى صيانة حق المواطنين فى التمتع بحقوقهم ، فإذا أخلت بهذا الواجب يحق للمواطنين مقاومتها ، إلغاء الامتيازات الخاصة بالأقاليم والإمارات والبلدان والمقاطعات والمدن وتجمعات السكان » .
قامت الأمة الفرنسية بخطوة حاسمة على طريق الوحدة إبان الثورة فالمؤسسات المستحدثة شكلت إطار دولة موحدة اقتصاديًا وإداريًا .. وكانت الروابط الاقتصادية الجديدة تزيد فى تمتين الوحدة القومية . وبعد القضاء على التجزئة الاقتصادية وإلغاء ضرائب المرور والجمارك الداخلية سحبت الحواجز الجمركية حتى الحدود السياسية بهدف توحيد السوق القومية من جهة ، وحمايتها من المنافسة الأجنبية من جهة ثانية عبر تعريفة خاصة ، واعتماد نظام قياسى عشرى موحد للأوزان والمكاييل - الغرام والمتر - .
سار تقدم اللغة الفرنسية فى الاتجاه ذاته . لم تكن أكثرية الفرنسيين تتكلم فى عام 1789 إلا لهجات محلية أو لغات إقليمية ، وكانت قرارات « المؤتمر الوطنى » تترجم إلى كل اللهجات المستعملة فى البلاد غير أن المؤتمر أصر بعدئذ على جعل اللغة الفرنسية لغة قومية : فتوحيد اللغة يساهم لا شك فى إحكام وحدة الأمة ؛ فبُذِل جهد عظيم فى هذا الاتجاه فى النوادى والجمعيات الشعبية : لقد أصبح التخاطب بالفرنسية برهانًا على صدق الوطنية . ( كانت الأمة البريتانية والأمة البروفانسية ماتزالان ، حتى نهاية القرن الثامن عشر ، حقيقتين حيتين بقوانينهما وتقاليدهما ولهجاتهما . وكان الملك « دوقا » فى « بريتانيا » و« كونتا » فى « البروفانس ») .
فى ألمانيا حققت البرجوازية بقيادة بسمارك خاصة « الوحدة القومية » (1815- 1871) بعد إسقاط الإقطاعية . وفى إيطاليا ، أنجزت الحركة القومية بقيادة مازينى - غاريبالدى وحدة البلاد عام 1861 .
Page 10
أما فى اليابان فقد أنجزت البرجوازية - القومية وحدة البلاد فى الثورة الاجتماعية - السياسية السلمية خلال حكم التنوير « ميجي » (1868-1912) .
كانت البرجوازية - القومية فى هذه المرحلة التاريخية ، مرحلة إزالة الإقطاعية ، قوة ديمقراطية تقدمية عظيمة ، لكن هذه السمة التقدمية تتراجع عادة بعد تسلم السلطة وتوحيد البلاد فتتسم البرجوازية - القومية فى المرحلة اللاحقة بطابع رجعى عام كما يتضح من قيام النظام النازى فى ألمانيا والنظام الفاشى فى إيطاليا والتوسع الكولونيالى البريطانى فى العالم الثالث أيضًا، ففى مرحلة التحرر القومى ، حين والفرنسى والإيطالى واليابانى . وتنطبق هذه الظاهرة على البرجوازية - القومية ، تعمل الحركة القومية لإزالة السيطرة الأجنبية يغلب عليها الطابع التقدمى ، لكنها حين تصل إلى السلطة تفقد هذا الطابع تدريجًا ويغلب عليها الطابع الرجعى الاستبدادى ، فتحجب عن القوميات الأخرى خاصة والجماهير الشعبية عامة حقوقها القومية والديمقراطية . والمثال الواضح لهذه الظاهرة هو تركيا .
فقد عملت الحركة البرجوازية - القومية التركية بقيادة « مصطفى كمال » فى سبيل تحرير البلاد من الاحتلال الأجنبى ، بعد الحرب العالمية الأولى ، مما أسبغ عليها طابعًا تقدميًا ، ولما وصلت إلى الحكم بعد تحرير البلاد عبر الكفاح الوطنى المشترك لجميع القوميات فى تركيا ، تحولت إلى قوة رجعية عنصرية مستبدة ظالمة ، اضطهدت القوميات غير التركية وسحقت الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان الأولية . وقد سلكت البرجوازية - القومية الفارسية السلوك نفسه .
كان هدف الحركات القومية - البرجوازية « الكلاسيكية » فى أوروبا ( إنكلترا ، فرنسا ، ألمانيا ، إيطاليا ) هو إزالة الإقطاعية كنظام اجتماعى وذلك لتوسيع السوق الوطنية ، اقتصاديًا ، وتحقيق الوحدة القومية ، سياسيًا ، وبعد إنجاز هذا الهدف ، انتفى المبرر التقدمى التاريخى لاستمرار هذه الحركات ، ولذلك تميزت الحركات القومية بعدئذ ، فى هذه الأقطار ، بطابعها الرجعى والعنصرى والدكتاتورى أحيانًا ( هتلر وموسولينى فى ألمانيا وإيطاليا ، والجبهة القومية فى فرنسا والاتحاد الفاشستى «موسلى» ( ثم الجبهة القومية فى بريطانيا ) .
ولابد هنا من التأكيد ثانية على ظاهرة الانحسار التدريجى للصفة التقدمية أو الإيجابية فى الحركة القومية بعد تسلم السلطة أو إنجاز الوحدة القومية واستلهام العبر منها ، فبينما يتسم نضال الحركة القومية ضد الاضطهاد القومى وكفاحها لإزالة النظام الإقطاعى وإقامة مجتمع برجوازى وحدوى بطابع تقدمى عام واضح ، فإن هذا الطابع التقدمى يزول تدريجًا بعد استلام السلطة وتحقيق الوحدة القومية ، إذ تبدأ الحركة بعدئذ بالسير فى خط سياسى يمينى رجعى قد يؤدى فى النهاية إلى النازية أو الفاشية أو العنصرية وهذا ما حدث فعلاً فى بريطانيا وإيطاليا واليابان وأخيرًا فى ألمانيا . إن للحركة القومية وجهين وجهًا صالحًا ووجهًا طالحًا .
فبعد إنجاز الوحدة القومية بدأ الحكام البرجوازيون القوميون يمهدون السبيل للتوسع الاستعمارى ويسوقون لهذا الغرض مختلف الحجج كضمان منافذ للإنتاج الصناعى ومصادر المواد الأولية والمتطلبات الاستراتيجية والمعنوية « البعث القومى » والمجال الحيوى للنفوذ والسلطة .
ففى بريطانيا قدمت الحركة الفكرية للقومية الإنكليزية خطوطًا سياسية جديدة منذ أن تبوأ دزرائيلى رئاسة الحكومة ( 1874- 1880 ) إذ أبرزت فكرة « الرسالة » التى يجب على الإنكليز نشرها فى « إشراقة المدنية الأوروبية » ، وبشرت الكنيسة الإنجليكانية « أن الله أودع الأمة الإنكليزية رسالة » لتحققها فى العالم . وذهب أصحاب هذا المذهب « روديارد كبلنك » و« سيسيل رودس » و« جوزف تشمبرلن » إلى أن التوسع الإمبريالى هو « قانون التطور التاريخى » وهو يعبر عن « أهداف إلهية تفوق فيها الحكمة براعة رجال الدولة » ؛ والشعب الإنكليزى يملك إلهامًا سماويًا ليلعب دورًا حاسمًا فى مستقبل العالم ، وهو يشعر بانتمائه إلى عرق موجه »(6) .
وفى اليابان بدأ الدعاة القوميون يدعون إلى التوسع استنادًا إلى دوافع ديموغرافية: إيجاد علاج لاكتظاظ السكان فى الأرخبيل اليابانى ، واقتصادية : ضرورة تأمين المنافذ التى تحتاجها الصناعة اليابانية . وأصبحت الموضوعات الرئيسة فى التعليم والدعاية المنظمة من قبل الجمعيات القومية السياسية وفى كتاب الطقوس الذى يمجد أسلاف الإمبراطور تشمل ابتداء من عام 1880 - 1885 كبرياء الانتماء إلى الأمة اليابانية والاعتقاد بتفوق العرق اليابانى ، والاعتقاد أيضًا بأن الأمة عرضة للزوال إن لم تسع إلى توسيع سلطانها وصيانة الجوهر القومى والإحساس بـ « رسالة »يتوجب عليها القيام بها فى العالم(7) .
كانت البرجوازية - القومية فى هذه المرحلة التاريخية ، مرحلة إزالة الإقطاعية ، قوة ديمقراطية تقدمية عظيمة ، لكن هذه السمة التقدمية تتراجع عادة بعد تسلم السلطة وتوحيد البلاد فتتسم البرجوازية - القومية فى المرحلة اللاحقة بطابع رجعى عام كما يتضح من قيام النظام النازى فى ألمانيا والنظام الفاشى فى إيطاليا والتوسع الكولونيالى البريطانى فى العالم الثالث أيضًا، ففى مرحلة التحرر القومى ، حين والفرنسى والإيطالى واليابانى . وتنطبق هذه الظاهرة على البرجوازية - القومية ، تعمل الحركة القومية لإزالة السيطرة الأجنبية يغلب عليها الطابع التقدمى ، لكنها حين تصل إلى السلطة تفقد هذا الطابع تدريجًا ويغلب عليها الطابع الرجعى الاستبدادى ، فتحجب عن القوميات الأخرى خاصة والجماهير الشعبية عامة حقوقها القومية والديمقراطية . والمثال الواضح لهذه الظاهرة هو تركيا .
فقد عملت الحركة البرجوازية - القومية التركية بقيادة « مصطفى كمال » فى سبيل تحرير البلاد من الاحتلال الأجنبى ، بعد الحرب العالمية الأولى ، مما أسبغ عليها طابعًا تقدميًا ، ولما وصلت إلى الحكم بعد تحرير البلاد عبر الكفاح الوطنى المشترك لجميع القوميات فى تركيا ، تحولت إلى قوة رجعية عنصرية مستبدة ظالمة ، اضطهدت القوميات غير التركية وسحقت الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان الأولية . وقد سلكت البرجوازية - القومية الفارسية السلوك نفسه .
كان هدف الحركات القومية - البرجوازية « الكلاسيكية » فى أوروبا ( إنكلترا ، فرنسا ، ألمانيا ، إيطاليا ) هو إزالة الإقطاعية كنظام اجتماعى وذلك لتوسيع السوق الوطنية ، اقتصاديًا ، وتحقيق الوحدة القومية ، سياسيًا ، وبعد إنجاز هذا الهدف ، انتفى المبرر التقدمى التاريخى لاستمرار هذه الحركات ، ولذلك تميزت الحركات القومية بعدئذ ، فى هذه الأقطار ، بطابعها الرجعى والعنصرى والدكتاتورى أحيانًا ( هتلر وموسولينى فى ألمانيا وإيطاليا ، والجبهة القومية فى فرنسا والاتحاد الفاشستى «موسلى» ( ثم الجبهة القومية فى بريطانيا ) .
ولابد هنا من التأكيد ثانية على ظاهرة الانحسار التدريجى للصفة التقدمية أو الإيجابية فى الحركة القومية بعد تسلم السلطة أو إنجاز الوحدة القومية واستلهام العبر منها ، فبينما يتسم نضال الحركة القومية ضد الاضطهاد القومى وكفاحها لإزالة النظام الإقطاعى وإقامة مجتمع برجوازى وحدوى بطابع تقدمى عام واضح ، فإن هذا الطابع التقدمى يزول تدريجًا بعد استلام السلطة وتحقيق الوحدة القومية ، إذ تبدأ الحركة بعدئذ بالسير فى خط سياسى يمينى رجعى قد يؤدى فى النهاية إلى النازية أو الفاشية أو العنصرية وهذا ما حدث فعلاً فى بريطانيا وإيطاليا واليابان وأخيرًا فى ألمانيا . إن للحركة القومية وجهين وجهًا صالحًا ووجهًا طالحًا .
فبعد إنجاز الوحدة القومية بدأ الحكام البرجوازيون القوميون يمهدون السبيل للتوسع الاستعمارى ويسوقون لهذا الغرض مختلف الحجج كضمان منافذ للإنتاج الصناعى ومصادر المواد الأولية والمتطلبات الاستراتيجية والمعنوية « البعث القومى » والمجال الحيوى للنفوذ والسلطة .
ففى بريطانيا قدمت الحركة الفكرية للقومية الإنكليزية خطوطًا سياسية جديدة منذ أن تبوأ دزرائيلى رئاسة الحكومة ( 1874- 1880 ) إذ أبرزت فكرة « الرسالة » التى يجب على الإنكليز نشرها فى « إشراقة المدنية الأوروبية » ، وبشرت الكنيسة الإنجليكانية « أن الله أودع الأمة الإنكليزية رسالة » لتحققها فى العالم . وذهب أصحاب هذا المذهب « روديارد كبلنك » و« سيسيل رودس » و« جوزف تشمبرلن » إلى أن التوسع الإمبريالى هو « قانون التطور التاريخى » وهو يعبر عن « أهداف إلهية تفوق فيها الحكمة براعة رجال الدولة » ؛ والشعب الإنكليزى يملك إلهامًا سماويًا ليلعب دورًا حاسمًا فى مستقبل العالم ، وهو يشعر بانتمائه إلى عرق موجه »(6) .
وفى اليابان بدأ الدعاة القوميون يدعون إلى التوسع استنادًا إلى دوافع ديموغرافية: إيجاد علاج لاكتظاظ السكان فى الأرخبيل اليابانى ، واقتصادية : ضرورة تأمين المنافذ التى تحتاجها الصناعة اليابانية . وأصبحت الموضوعات الرئيسة فى التعليم والدعاية المنظمة من قبل الجمعيات القومية السياسية وفى كتاب الطقوس الذى يمجد أسلاف الإمبراطور تشمل ابتداء من عام 1880 - 1885 كبرياء الانتماء إلى الأمة اليابانية والاعتقاد بتفوق العرق اليابانى ، والاعتقاد أيضًا بأن الأمة عرضة للزوال إن لم تسع إلى توسيع سلطانها وصيانة الجوهر القومى والإحساس بـ « رسالة »يتوجب عليها القيام بها فى العالم(7) .