eKtab
EN ع
المسائل الخلافية في علم الفرائض وأسبابها
Read free sample

المسائل الخلافية في علم الفرائض وأسبابها

by هادي محمد عبدالله

Page 1

أولاً : التعريف بالموضوع:

أ) تعريف علم الفرائض:

هو لفظ مركب وتعريفه يتوقف على تعريف مفرداته المتكونة من مضاف ومضاف إليه وضرورة توقف معرفة الكل على معرفة أجزائه. والمضاف هو (العلم)، والمضاف إليه هو (الفرائض).

فالعلم: هو الصورة الحاصلة من الشيء عند العقل([1]).أو هو الإدراك مطلقاً([2]).

والفرائض: لغة: جمع فريضة، على وزن فعيلة، بمعنى مفعولة، أي مفروضة مأخوذة من الفرض وهو القطع. يقال: فرضت لفلان كذا، أي قطعت له شيئاً من المال.

ويقال أيضاً فرضت له، أي قطعت له رزقاً. واصل الفرض: القطع والشق([3]).

ويقال أيضاً: الفرض، ويقصد به التقدير([4]). أي الأنصبة المقدرة للورثة في كتاب الله([5]).

وقيل: هو من فرض القوس، وهو الحزّ الذي في طرفيه حيث يوضع الوتر ليثبت فيه ويلزمه ولا يزول.

ومن ذهب إلى أن المعنى الثاني خاص بفرائض الله تعالى، وهي ما ألزم عباده من الأحكام الشرعية لمناسبة اللزوم([6]).

وقيل أيضاً: الفرض([7]): يعني قطع الشيء الصلب والتأثير فيه.

وخصت المواريث باسم الفرائض لقوله تعالى )نَصِيباً مَّفْرُوضاً(([8]) أي مقدراً، معلوماً أو مقطوعاً من غيرهم.

أما اصطلاحاً: فيمكن تعريفها: بأنها القواعد الفقهية وعلم الحساب الموصل لمعرفة ميراث كل ذي حق من تركة مورثة.

وجعل لفظ الفرائض لقباً لعلم الميراث لوجهين:

أولاهما: أن الله تعالى سماه به فقال بعد القسمة )فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ(([9]). وكذلك سمّاهالرسول عليه الصلاة والسلام فقال (تعلموا الفرائض)([10]).

وثانيهما: أن الله تعالى ذكر الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات مجملاً ولم يبين مقاديرها، وذكر الفرائض مبينا سهامها، وقدرها تقديراً لا يحتمل الزيادة أو النقصان([11]).

والمواريث: جمع ميراث([12])، وهو خلافة إجبارية في تركة مورثه. أو هو انتقال مال الغير إلى الغير على سبيل الخلافة([13]).

وفرائض المواريث: ما فرضه الله لمستحقيها بالكتاب أو السنة أو الاجتهاد المبني عليهما.

أذن من كل ما تقدم يمكن تحديد علم الفرائض بأنه: العلم الذي موضوعه القواعد الفقهية([14])، وعلم الحساب الموصل إلى معرفة ميراث كل ذي حق من تركة مورثة([15]).

ويسمى العالم به: بالفارض، وفرضي([16])، وفارضاً، وفريضاً، وفرائضياً، وفرضياً([17]).

وموضوع هذا العلم الجليل هو التركة، وغايته حصول ملكها للوارث([18]).

موقف القانون:

لم يعرّف المشرع العراقي الأرث في قانونه([19])، وحسناً فعل لأنه من مهام الفقه ومكانه في مؤلفاتهم. وكذلك فعل المشرع السوري([20])، والصومالي([21])، والتونسي([22])، والمصري([23])، وقانون الإرث لغير المجديين لسنة 1959، وقانون الأحوال الشخصية للطائفة الأرمنية الارثوذكسية اللبنانية والسورية لسنة 1951.

وبخلاف هذه التشريعات ذهب قانون الأحوال الشخصية للطوائف الكاثوليكية في سوريا ولبنان لسنة 1959([24])، وقانون الأحوال الشخصية للطائفة الإنجيلية في سوريا ولبنان لسنة 1951([25])، ومدونة الأحوال الشخصية المغربي لسنة 1957([26])، إلى تعريفه.

Page 2

(ب) استعمال لفظ (مدرسة فقهية) بدلاً من (مذهب):

قد يعجب المرء من عزمنا بالكتابة في المسائل الخلافية في وقت نحن فيه أحوج ما نكون إلى الإتفاق ونبذ الخلاف، ولكن سرعان ما يزول عجبه عندما يرى دراستنا في المسائل الخلافية ليست لإيجاد أسباب فرقة بيننا وإنما القصد منها هو:

1- الغوص في محيط الفقه الإسلامي لإستخراج بعض كنوزه على قدر الطاقة وسعة العلم، وما قد عجز عنه العقل الغربي من تتبع أسبابه، ولكي يظهر تفوق التفكير الإسلامي عليه بإيجأبيته البالغة.

2- وليس قصدنا التعصب لرأي ما أو لسبب، ما لم تؤيده الأدلة والبراهين والحجج.

ونعتقد جازمين بأن التعصب المذهبي من العوامل الرئيسية التي أدت إلى تآخر المسلمين، في حين أن أئمة المدارس الفقهية أنفسهم لم يتعصبوا تعصب الإتباع لمذاهبهم، ويظهر ذلك جليا من مؤلفاتهم ومن آرائهم، ولن يكون نقد ما نقوله اليوم إلا أشد وأقسى، ولن يكون المأخذ إلا أمر وأنكى إذا اصررنا على هذا السبيل.

ولو كان التعصب متعلقاً برأي الفقيه الإجتهادي لهان الأمر ولكنه يحمل حملاً على نص من كتاب الله لأنه افتى برأى فيه وما كان له ولا لغيره أن يحملوا القرآن خطأ من أخطائهم أو آرائهم التي أنطقت القرآن بما لم ينطق.

ولكي لا يطول إلاستعراض ويمتد التجوال ولكي لا نضع أنفسنا موضع شبهة التعصب نفضل استعمال مصطلح المدارس الفقهية (School of Legal Thought) بدلاً من مصطلح المذاهب الإسلامية أو المذاهب الفقهية. لأن المدارس الفقهية في الإسلام ينظر إليها كوحدة وليست كالمفهوم الأوروبي لمصطلح المذهب (A Sect) والذي أخذت به الديانة المسيحية بحيث يرقى كل مذهب لدى المسيحيين أن يصبح ديناً ومعتقداً مستقلاً.

3- المسائل الفقهية الخلافية محمودة:

الإختلاف في الاحكام الشرعية والمسائل الفقهية منها ما هو مذموم، كاختلاف اهل البدع والاهواء مصداقا لقوله تعالى الذي ذم التفرق )وَمَا تَفَرَّقَ الَذينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ(([27]).

وقال تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ(([28]).

وايضا قوله تبارك في علاه )وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ(([29]).

ومنه ما هو محمود كاختلاف فقهاءالصحابة والتابعين والائعة المجتهدين (رضوان الله عليهم) لكونه مبنيا على استنباط الاحكام الشرعية من نصوص كتاب الله وسنة المصطفى r اومستنداً الى المصادر التي تدور في فلكهما .

وأسباب اختلاف الفقهاء في الأحكام راجع أما إلى اختلافهم في القواعد الاصولية واللغوية او الى الاختلاف في العلم بالحديث ، او الثقة به ، او العمل به تحت شروط معينة ، او للتعارض بين الاحاديث ودفعه ، وربما سببه الخلاف في الاجتهاد بالرأى فيما لا نص فيه عن طريق العمل بمصدر من المصادر التبعية ، ويندرج اختلاف الفقهاء في مسائل علم الفرائض تحت هذه الأسباب وتدل على نضج الفكر الاسلامي وكونه مؤشر صحة([30]).

وعلى الرغم من ان الدراسة تختص بالمسائل الخلاقية في علم الفرائض إلاّ أننا نعرج على المسائل الإتفاقية في هذا العلم لسببين:

أولهما: إذا لم نعرف المسائل التي هي موضع إتفاق الفقهاء لا يمكننا معرفة مسائل الخلاف بينهم.

وثانيهما: إعطاء صورة واضحة من الأحكام المتعلقة بالفرائض لخطورتها، ولتكون الدراسة فيها شاملة كاملة دون إطناب مُمِل أو اقتضاب مُخِل على أن تكون المسائل الخلافية موضع البروز فيها دون إفراط أو تفريط .

وعلى ضوء ما تقدم نهجنا ذلك المنهاج المستقيم، وهو الأخذ، من هذه المدارس والإشارة إلى ما نراه قوى السند، واضح المعتمد من آرائهم. وبهذا المنهج نقوم بحق العلم علينا لأن الدارس للتراث الإسلامي عليه أن يقصد إليه من كل نواحيه، وعن شتى مدارسه، لا يحول بينه وبين طلب الحق عصبية ولا مذهبية ولا تمييز طائفة على أخرى.

فالفقه لكل العلماء والباحثين وأنه الزرع الذي أخرج شطأه في ضوء ظليل من كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، وليس هو ملكاً لفريق دون وإنما هو العلم لكل العلماء وتراث الفكر للمفكرين.

Page 3

ج) نظرة تأريخية في علم الفرائض:

إن البحث في نظم التوريث لدى بعض الأمم القديمة والمعاصرة يبين لنا جليا فضل التشريع الاسلامي عليها جميعاً، ويكشف الحاجة إلى ضرورة مجيء الوحي السماوي بنظام جديد للميراث مع وجود تلك النظم غير الإسلامية ولهذا رأيت من الضرورة بمكان أن يكون ذلك كله بإيجاز ليكون مدخلاًَ لعلم الفرائض.

1-الميراث عند الأمم القديمة الأولى:

كانت الراضي المصرية ملكاً للفراعنة بما لهم من الرياسة الدينية على الأهالي والخلافة المقدسة الآيلة لهم عن الإله (آمون) ممثل الشمس والمعبود الأعظم، ويعتبر المصريون مستأجرين لها ومنتفعين بها، وإذا توفي أحد المصريين حل محله أرشده أولاده في زراعة الأرض والانتفاع بها([31]).

واحل الكلدانيون والسريان والسوريون والفينيقون والطورانيون والعرب في الجاهلية الابن البكر محل أبيه في الميراث فإذا لم يوجد قام مقامه أرشد الذكور، ثم الأخوة، ثم الأعمام وهكذا إلى أن يدخل الاصهار وسائر العشيرة.

وكان التوربث في هذه الشرائع بلا تقدير والاعطاء جزافاً من غير تحديد وهم على قليل من التباين في ذلك. فمنهم من حرم الإناث مطلقاً كالكلدان والسريان والاشوريين والفنيقيين والسوريين والطورانيين وأكثر العرب في الجاهلية.

ولقد كانت المرأة قبل ظهور الاسلام محرومة من الميراث بل لم تكن لها بين الناس كرامة وحرمة.

ففي الهند ولا سيما في شريعة (مانو) لم يكن لها حقاً مستقلاً عن حق أبيها أو زوجها أو ولدها في حالة وفاة أحدهم بل يقضى عليها بأن تموت يوم موت زوجها وأن تحرق معه على موقدٍ واحد، ودام هذا العرف إلى القرن السابع عشر([32]).

وفي شريعة حمورأبي كانت من عداد الماشية المملوكة وكان تفرض على من قتل بنتاً لرجل آخر أن يسلمه بنته ليقتلها أو يملكها إذا شاء أن يعفو عنها.

كذلك الأمر كان في الشرائع العراقية التي سبقت شريعة حمورأبي مثل شريعة لبت عشتار وشريعة إيشنونا والشرائع التي تلتها كقانون العهد الاشورى الوسيط([33]).

ومع هذه القساوة بحق المرأة في الشرائع العراقية القديمة إلا أنها مع ذلك كانت أرحم بالمرأة وأرأف بها من الشرائع المعاصرة لها واللاحقة، إذ لو تصفحنا قانون (أبيمدار) ([34])في مادته الثانية والتي نصت على أنه (إذا توفي رجل ولم يخلف أولاداً فابنته العزباء سوف تحصل على ميراثه) أي أن هذا القانون ورّث بنت المتوفى العزباء عند عدم وجود الولد.

وأيضاً ورد في قانون آخر عُثِرَ عليه في مدينة سوسه، والذي اعطى الاخوات حق أخذ ميراث أبيهن وأخواتهن([35]).

وكان التوارث في القوانين اليونانية القديمة عبارة عن وصية تصدر عن رب العائلة بحضرة الجمعية الملية التي تحكم بالتصديق على الوصية بعد مرافعة وتنازع بين الموصي ومن يعترض عليه من الأهل والأقارب، وهذا الحكم كان قابلاً للطعن فيه لمن يريد إقامة الدليل على فساد الوصية لمصلحة الأسرة أو الوطن، وبموت الموصي تنتقل جميع أمواله إلى الموصى له فيصير رئيساً للعائلة. وكانت المرأة مسلوبة الحرية والمكانة في كل ما يرجع إلى حقوقها الشرعية([36]).

وفي شريعة اليهود كان الذكر هو الوارث الوحيد للمتوفى، وتحرم البنت من حقها في الميراث ما لم ينقطع نسل الذكور. وعند عدم وجود ذكر للميت يؤول أرثه إليها بشرطين:

أولهما: أن لا تتزج من سبط آخر.

Page 4

وثانيهما: ولا يحق لها أن تنقل ميراثها إلى سبط آخر([37]). وإذا تعدد الاولاد الذكور فللبكر حظ اثنين من أخواته ولا فرق بين الولد الشرعي والولد الطبيعي عندهم في الميراث([38]). وإذا اعطى الأب لابنته شيئاً في حياته فهو من قبيل الهبة ولا يجب لها الميراث بعد موته([39]).

وعند العرب في الجاهلية كان التوريث عندهم على أساس الرجولة والقوة([40])، وكانوا لا يورثون النساء والصغار والضعفاء شأنهم شأن الأمم القديمة الآخرى ولم تكن لها قيمة بل كانت عاراً يأنف منه أهلوها، أو حطام يورث مع المال والماشية.

بمعنى آخر، أن الإرث عندهم مقصور على الرجال الذين يحمون الذمار ويردون العدوان عن الدار ويجمعون الغنائم ولم يكن للمرأة من الميراث شيئاً وإنما كانت هي نفسها جزءاً من المتاع، فإذا مات عنها زوجها تورث كما تورث بقية التركة ويزوجها الوارث من يشاء دون إرادة منها أو إبداء لرأيها وله أن يحل محل زوجها المتوفى طبقاً لعادة وراثة النساء الارامل في الجاهلية([41]).

2-الميراث عند الرومان:

كانت أحكام الميراث عند الرومان متشبعة بروح الخشونة وتشف عن القسوة والاخلاق السيدوية والميول الحربية وهي الروحية التي كانت سائدة عند اليونان والذي نقل قانونهم إلى الرومان بمعرفة الحكيم اليوناني (صولون). فكان الميراث عبارة عن إقامة خلف للمتوفى يقوم بما عليه من الحقوق القومية والواجبات الجنسية ويسد مسده من الغزو والكرّ والفرّ وحماية القبيلة([42]).

وكانت هذه الخلفية تتم من رب الأسرة بوصية تكون بحضرة القبيلة أيام اجتماعاتها المعينة أو أمام المعسكر أيام الخروج إلى الحرب يعلن فيها اختيار الوصي فإن رضت به اقرته وإلا رفضت اختياره وأقامت من ترى فيه الصلاحية والكفاءة للقيام بالواجبات بعد موت الموصي، ومتى وافقت القبيلة عليه كان له من الحقوق والرياسة على الاسرة والتعرف فيها وفي الأموال كما يشاء.

ثم تطور هذا النظام بعد أن ظهرت لهم قساوته وصعوبته ومشاقه فلجأوا إلى طريقة آخرى للتوريث وهي أن يبيع رب الأسرة جميع ما يملكه إلى من يريد أن يخلفه وتوقع صيغة البيع أمام خمسة من الشهود، وبتمام البيع يصير المشترى رئيساً للأسرة وله مطلق التصرف فيها بما يشاء على الولد والمال ويتجرد رب الأسرة السابق من كل حق ورياسة ولا يبدى اعتراضاً على تصرف رب الأسرة الجديد.

ثم تطور نظام التوريث، فاتبعوا طريقة آخرى وهي كتابة الوصية للموصى له على أن لا تنفذ إلا بعد موت الموصي، وبحلول الأجل يحل الموصى له الذي كان يطلق عليه اسم (إيريس) محل الموصى([43]).

ثم تميز نظام الإرث لديهم أكثر، ولا سيما في عصر الأمبراطور (غطينانوس ) واصبح انتقال اموال المتوفي بالارث بطريق الوصية او بدونها عند عدمها. واصبح استحقاق الميراث بالقرابة وولاء العتاقة، ولا ميراث للزوجة من زوجها كي لا ينتقل بعض التركة الى عائلات آخرى ، وعلى هذا كان ماترثه الأم من اموال أبيها يؤول بعد وفاتها لأخوتها وأخواتها وغيرهم من عصبتها([44])، وتطبيقا لهذا المبدأ حرموا التوارث بين الأم واولادها.

والمراد بالقرابة سبباً لاستحقاق التركة هم الفروع والاصول والحواشي، ويثبت نسب الفروع للاصول، سواء أكانوا من ثمرة نكاح صحيح أم من زنا، أم يكون ولداً تبناه الرجل([45]).

وأن القانون الروماني خول رب الاسرة حرمان ابنه الذي في ولايته من الارث وان يعلن عن هذا الحرمان صراحة وإلا ورث ([46]). وله ايضا ان يورث من الرجال سواء أكانوا احراراّ أم ارقاء ([47]).

وفي المواريث الايلة بغير طريق الوصية (Abintestate) ([48]) تكون للورثة الاصلاء ولو بدون علمهم([49]).

وإذا لم يكن وارث اصيل انتقل الارث لأقرب العصبات بمقتض شريعة الالواح الاثنى عشر([50]).

وينشأ حق العصوبة بالتبني ايضا ويجرى بين الذكور فقط. ولم يكن للنساء هذا الحق ولايرثن بسبب وحدة الدم إلا متى كن اخوات للمتوفى فان كن من درجة ابعد فما يرثن عاصبهن([51]).

وكان القانون الروماني يساوى بين الذكر والانثى في الميراث في الحالات التي يورث فيها الانثى([52]).

3- الميراث في الديانة المسيحية :

عالجت الديانة المسيحية النواحي الخلقية والروحية للانسان ، ولم تتضمن الكتب المقدسة للمسيحيين([53])، أحكاماً خاصة بالفرائض مما دفع ذلك رجال الكنيسة الى استنباط بعض احكام الفرائض التي وردت في التوراة والقوانين التي كانت سائدة بين ظهراتيهم .

ولقد ذكران السيد المسيح ( على نبينا وعليه السلام ) رفض القيام بدور القاضي اوالمقسم للتركة حينما جاءه من يلتمس منه أن يامر اخاه بمقاسمة الميراث قائلاله : ومن اقامني عليكما قاضياً أو مقسماً([54]).

Page 5

4- الميراث في الاسلام:

لما بعث الله سبحانه نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم بدين الحق قلب حياة من آمن به الاجتماعية من اصولها وابدلها بنظام اجتماعي اساسه الايمان ووحدة العقيدة والعدل والمصلحه العامة ، ومراعياً في نظام الارث اسسا تتميز بمجموعها عن الاسس التي عليها النظم التي سيقته والتي تلته وتختلف في مقاصدها واتجاهاتها عما اريد بها في النظم الأخرى .

أسس الميراث في الإسلام:

الأساس الأول:

انه نظام اجبارى بالزام الشارع : فقد جعل الاسلام الميراث حقا شرعيا يثبت للورثة من مورثهم الذين عينهم التشريع الاسلامي بكتابه او سنته أو اجماعه ، دون دخل لارادة المورث فيه. فليس له ان يحرم وارثا من حقه ولا ان يحأبي أحدهم دون الآخر . ولا يتوقف انتقال الارث إلى مستحقه على قبول هذا الأخير أو رفضه ، والتركة تؤول اليه شاء أم أبى. ولا يضار الوارث من هذا الانتقال الاجبارى لأنها تنتقل إليه بعد سداد ما عليها من الديون خالصة له.

الأدلة: والدليل على فرضيته هو الكتاب والسنة والأثر:

أولاً- الكتاب:

أ) قال تعالى:)نَصِيباً مَّفْرُوضاً (([55]) أي مقطوعاًَ من عنده سبحانه .

ب) وقال ايضا ) فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ (([56]) بمعنى حكما مفروضا من عنده سبحانه .

ج) وقال ايضا )وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ (([57]).

(ثانيا)– السنة :

(1) عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله تعالى) رواه مسلم وابو داود([58]). فقد عدهالرسول عليه الصلاة والسلام فرض الله الواجب .

(2) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : انطلق بي أبي يحملني الىرسول الله عليه الصلاة والسلام فقال : يارسول الله أشهد اني قد نحلت النعمان كذا وكذا من مالي، فقال r: (أكل بنيك قد نحلت مثل هذا؟) قال: لا، قال r (فاشهد على هذا غيري)، (ثم قال أيسرك أن يكونوا إليك في البرّ سواء) قال: بلى. قال: (اتقوا الله واعدلوا في أولادكم) رواه البخاري ومسلم وابوا داود والترمذي والنسائي([59]).

فتفضيل بعض الورثة على بعض مكروه عند بعض أهل العلم.

وقال طاووس وعروة ومجاهد والثورى وأحمد واسحاق وبعض الشافعية والمالكية أنه حرام لا متناعه عليه السلام عن الشهادة ولأمره له برد العطية ولأن التفضيل مدعاة للحقد.

والتسوية فرض، ولحديث الطبراني والبيهقي: (سوّوا بين أولادكم في العطية ولو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء)([60]).

(جـ) عن زيد العمى عن أنس قال: قالرسول الله عليه الصلاة والسلام: (من فرّ من ميراث وارثه، قطع الله ميراثهُ من الجنه يوم القيامه) ([61]) أخرجه ابن ماجة.

الأساس الثاني: انصاف الورثة من التركة:

ومن جملة محاسن الإسلام في الإرث إن سوّى بين الصغير والكبير من الأولاد والأقارب وبين القوي والضعيف من الوالدين، وسوى بين الصالح والطالح والمطيع والعاصي. بينما كان من عادة الأمم السابقة حرمان الضعفاء من التركة كالزوجة والصغار من الذكور وضعفائهم، كما مرّ آنفاً، واستمرت هذه العادة حتى أبطلها الإسلام الحنيف.

الأدلة: ومن الأدلة على انصاف الإسلام للورثة ما جاء:

(أولاً) في الكتاب:

(1) كانت المرأة مخلوقة ضعيفة بطبيعتها وهي متاع يُورث ولا ترث وجعل الإسلام نصيباً من التركة، زوجة كانت ام أما أم بنتا أم من ذوي الأرحام. قال تعالى )وَلِلنسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأقربونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً(([62]).

(2) كما حرم وراثتها كرها بقوله: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً.....آية( ([63]).

وكانت سلعة يتصرف بها بمشيئة أولياء زوجها المتوفى إن شاء بعضهم تزوجها، وأن شاءوا عضلوها، وهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك. رواه البخاري وأبود داود([64]).

ثانياً: في السنة:

عن جابر بن عبد الله t قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلىرسول الله عليه الصلاة والسلام بابنتيها من سعد فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل معك شهيداً يوم أحد وقد استفاء عمها مالهما وميراثهما كلّه ولم يدع لهما مالاً إلاّ أخذه فما ترى يا رسول الله، فوالله لا تنكحان أبداً إلاّ ولهما مال. فقالرسول الله عليه الصلاة والسلام: (يقضي الله في ذلك). وقال: نزلت سورة النساء:)يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ...الآية)، فقالرسول الله عليه الصلاة والسلام: (ادعوا إلي المرأة وصاحبها. فقال لهما: اعطهما الثلثين، واعط أمهما الثمن وما بقي فلك) رواه الخمسة إلا النسائي([65]).

ثالثاً: العقل:

لم يقم الإسلام الفرائض على أساس الأنوثة والذكورة وإنما أقامها على أساس الموقع الذي يكون فيه الرجل أو المرأة من الأسرة قرباً أو بعداً مع مراعاة التفاوت في المسؤوليات والأعباء ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة([66])، وهذا ما يقتضيه العقل والمنطق السليم.

يذهب المتشدقون بالثقافة الحديثة ويدّعون الدفاع عن المرأة إلى الزعم بأن الإسلام ينقص أنسانيتها وبغض من قيمتها ويجعل حقها بمقدار النصف من حق الرجل، في حين أن منطق المساواة بينهما يستلزم أن يكون نصيبهما واحداً.

رأي هذا النفر يجافي الحقيقة، ويناهض الحق، وأنهم به ينكرون عدلاً، ويطلبون ظلماً، ويقّرون شططاً وحيفاً، وكان عليهم أن يقولوا أن نصيب المرأة في الموقع المعين يمكن أن يكون كذلك فيفضلها الرجل كما يفضل الرجل الرجل نفسه، ومن ثم لا اعتبار للأنوثة لذاتها في تحديد نصيب المرأة.

الأدلة:

وهناك حالات تساوي المرأة فيها الرجل، أو تأخذ أكثر منه، وقد تصادف أن ترث المرأة ولا يرث الرجل في درجتها مع كونه الأقرب إلى الميت وإليك بعضا منها:

أولاً- مساواة الأم للأب في السدس عند وفاة ابن أو بنت لهما مع وجود فرع وارث للمتوفى.

ثانياً- مساواة الجدة مع الجد عند وفاة ابن أو بنت لهما مع وجود فرع وارث للمتوفى.

ثالثاً : مساواة الأخوة والأخوات للأم في استحقاق السدس إذا كان أي منهما واحدا، وإذا تعددوا فهم شركاء في الثلث دون تمييز بينهم.

رابعاً : حصة البنت قد تكون اكثر من حصة إخوة المتوفى وهم رجال ، كأن يموت شخص عن بنتين مع اخوين او اكثر . فللبنتين الثلثان ولهما الباقي وهو الثلث تعصيها .

خامساً: ومثل ذلك بنات الابن مع أخوته .

سادساً : الزوجة قد تأخذ الربع من التركة زوجها ، كما قد يأخذه زوجها من تركتها ايضا .

سابعاً : الأم قد تأخذ اكثر من الأب مثال ذلك : كأن يموت الابن عن ام وعصبة بعيدة عنه .فهي تأخذ الثلث ، في حين قد يصادف ان الاب يأخذ السدس عن ابنه لوجود فرع وارث ذكر له .

ثامناً : الاخوات من الأم إذا اجتمعن مع الأشقاء والزوج والأم في المسألة الحجرية فهن يرثن من دون الأشقاء عند أبي حنيفة وأحمد ورواية عن الشافعي([67])، مع كونهن نساء والرجال في درجة أقرب إلى المتوفي.

فالاعتبار في توزيع الانصبة في الاسلام للموقع وليس للجنس، والحالة الوحيدة التي يكون فها حظ الذكر مثل حظ الانثيين هي عند وجود الاخت مع اخيها شقيقا كان أو لاب لقوله تعالى )يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ(([68]).

وان هذا التقسيم يقتضيها العدالة في توزيع الاعباء والواجبات تطبيقا لقاعدة (الغرم بالغنم) فالرجل هو الذى يقدم المهر والهدايا خلال الخطبة ويتحمل النفقة عليها وعلى اولادها، ويكلف باعداد السكن الشرعي وحتى استئجار الظئر عند امتناعها عن إرضاع ولدها. اما هي فتاخذ سهمها من الميراث مبرأ من كل التزام أو عبء .

إذ أخذنا بعين الاعتبار ما تملكه من المهر والنفقة والسكن والأثاث بالإضافة الى ما تأخذه من سهمها من التركة. عندما يكون حظها نصف حظ شقيقها، مقارنة لها بشقيقها الذي يتحمل تلك الاعباء، لظهرت النتيجة عكس ما يدعيه المتجاهلون. لقد كان الاسلام كريما متسامحا حين طرح من المرأة كل تلك الأعباء وألقاها على عاتق الرجل ثم أعطاها نصف ما يأخذ.

ولا مجال للمطالبة بمساواة المرأة مع الرجل في الميراث مطلقا الابعد مطالبتها بمساواته في الاعباء والوجبات، انها فلسفة متكاملة فلابد من الاخذ بها كاها او تركها كلها([69]). فعلى المتشدقين بالثقافة العصرية ان يثوبوا إلى رشدهم ويكفوا من طيشهم ولينظروا إلى ما عليهم انفسهم من تكاليف الحياة وكثرة مطالبها والى ما على اخواتهم من اعباء الحياة وما لهن من مطالب قبل أزواجهن من الضرويات والكماليات ثم ليقولوا رأياً منصفاً. وبعكسه يكون الكلام فيه جهالة من جهة، وسوء أدب مع الله من جهة آخرى وزعزعة للنظام الاجتماعي والاسرى لاتستقيم معها حياة([70]).

الأساس الثالث : إبطال بعض أسباب التوريث:

أبطلت الشريعة الإسلامية بعض أسباب التوريث منها الميراث بالعهد والمحالفة والولاء والتبني والهجرة والموآخاة وسوف نوضحها في مكانها وبالقدر المستطاع ان شاء الله تعالى([71]).

Page 6

الأساس الرابع : توزيع التركة لا تجميعها :

لم يحصر الاسلام الارث بشخص دون آخر او طبقة دون آخرى وانما قسم الورثة الى اصناف ودرجات مما ساعد ذلك على توزيع ثروة المتوفي على أكبر عدد ممكن من الورثة ومنع من تكديسها في يد واحدة، وهو من عناصر الطغيان المالي الذي يثير في الجماعة حرب الطبقات . كما اعطى للمورث في حياتة ان يتصرف بثلث ماله وما زاد عن ذلك فبموافقة الورثة. وندب إعطاء من يحضر من الاقارب (غير الوارثين) شيئاً من التركة وعند عدده أن يقول له قولاّ معرفاً حيث قال تعالى)وَإِذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُوْلُوا القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً( ([72]).

وبهذا الاسلوب القويم تتوزع ثروة المسلم المتوفي الى ملكيات صغيرة ويشترك فيها عدد كبير من الورثة ، ويعمل على بقاء وحدة تماسك الاسرة وتضامن افرادها وتعاونهم وذلك مدعاة ، لازالة أسباب التباغض والحقد والحسد بينهم ([73]).

الأساس الخامس: الإرث في الاسلام نعمة لا نقمة :

شرع الاسلام الارث نعمة للوارث لا نقمة عليه ولهذا لا يتحمل ديون مورثه الزائدة عن التركة كما في بعض الشرائح القديمة والحديثة لأن شخصيته مستقلة عن شخصية مورثه وليس امتداد لها ولهما ذمتان ماليتان مستقلتان([74]).

مما تقدم يظهر ان الشريعة الإسلامية جاءت بأحكام تسمو على القوانين والانظمة القديمة بما فيها القانون الروماني، وانها اختلفت مع القانون الروماني في مسائل الميراث، وما اتفقا فيه لا يذكر بجانب ما اختلفا فيه، وان جهة التشريع فيهما مختلفة تمام الاختلاف، وهذا الاختلاف حجة على الذين زعموا ان الشريعة الإسلامية مأخوذة من شرائح الرومان. كما سيظهر من خلال دراستنا.

وآنئذٍ يسوغ لطالب العلم ان يأخذ العلم من ينبوعه صافي الورد ، نقي المورد وحق على الذين يريدون الموازنة بين الشريعة الإسلامية وقانون الرومان ان يوازنوا على بينةٍ، وان يدركوا أي الطريقين اهدى سبيلاّ .

5- الميراث في القوانين الانجلو سكسونية :

يتم توزيع الميراث (Succession) في هذه القوانين المتأثرة بها بطريقين متتابعين:

اولهما : الميراث بالوصية : ويكون حسب وصية (Will) المتوفي (الموصي) .

ثانيهما : الميراث القانوني : يتم توزيعه حسب القواعد التشريعية والضريبية والتي تتماشى مع الأمور المالية عند عدم وجود وصية .

وهذا الاسلوب معمول به في انجليزا([75])، ونايجيريا([76])، والاتحاد السوفيتي([77])، وبلغاريا([78])، وتشيكوسلوفاكها([79])، وهنكاريا([80])، وبولندا([81])، وروماني([82])، ويوغسلافيا([83])، والصين([84]).

وعلى الرغم من أن بعض الدول (الاشتراكية ) قد انقسمت على نفسها الى دول لسبب ما فأنها على حد علمي بقيت مطبقة احكام الفرائض التي كانت تطبقها قبل الانقسام كالاتحاد السوفييتي وتشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا وغيرها . ولنأخذ مثلاً من هذه القوانين ونعرض بعضا من الاحكام التي وردت فيه وليكن قانون الاتحاد السوفيتي (سابقا) .

الميراث في قانون الاتحاد السوفيتي :

ألغى المشرع السوفيتي نظام الارث في بادئ الأمر إلغاءً تاماً استجابة لمثله السياسية، ومن بعده أصبحت الدولة مالكة لما يتركه الافراد بعد موتهم من تركات . لكن القانون ، مع ذلك ، التفت الى أقارب المتوفى وقرر لفروع الميت واصوله واخونه واخواته وزوجه الباقين على قيد الحياة إذا لم يتوفر لهمم الحدالادنى من ضرورات المعيشة كان لهم أخذ معونة مادية من مجموع التركة وتقوم السلطة الادارية بتحديد مبلغ المعونة .

كما نص القانون على أيلولة التركة الى الزوج واقارب المتوفى المذكورين آنفا إذا لم تزد على عشرة الاف روبل على ان يتم التوصل الى تسوية بين الورثة بصدد توزيع التركة فيما بينهم وعند عدم الاتفاق فالمحكمة هي الفيصل([85]).

وفي عام1936 شرع دستور جديد في الاتحاد السوفيتي وتم اقرار حق الارث الفرد اذ نصت المادة العاشرة من الدستور الجديد على حق المواطنين في ميراث الملكية الشخصية مضمون بموجب القانون (Succession Legal).

وكانت التركة تتوزع على الورثة وهم:

أولاً – الفروع المباشرين.

ثانياً- الولد المتبنى وفروعه.

ثالثاً- الباقي من الزوجين.

رابعاً- الاشخاص العاجزين عن العمل والمساكين الذين كانوا من عيال المتوفى خلال سنة في الأقل قبل وفاته.

وكان يحرم القانون السوفيتي الأب والأم والأخوة والأخوات من الميراث مطلقاً مما دفع هذا الوضع الشاذ المشرع السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية إلى تعديل المادة (420) من القانون المدني السوفيتي بقانون (24/إذار 1945) فأضافهم على باقي الورثة.

6- الميراث في القانون الفرنسي:

نظم القانون المدني الفرنسي لسنة 1804 أحكام الميراث. وحدد في مادته (731) الورثة الشرعيين باربع فئات وكل فئة تحجب التي بعدها:

الأولى : أولاد المتوفى ذكوراً وإناثاً للذكر مثل حظ الأنثى من الميراث([86]).

الثانية: والد المتوفى ووالدته وأخوته وأخواته([87]).

الثالثة : الاعمام والخالات وأبناء العمومة([88]).

الرابعة : وهم بقية الأقارب.

ولم يورث القانون الفرنسي الزوج أو الزوجة إلا في حالة عدم وجود الفئات الأربعة المذكورين حتى عام 1930 حيث صدر قانون تقرر بموجبه للزوج حق من الملكية باعتباره وارثاً للزوج الآخر على شرط قيام الزواج عند وفاة المورث([89]).

7-الميراث لدى الشعوب الأفريقية: ([90])

إن نظام الإرث لدى هذه الشعوب لا يختلف عن الأنظمة القديمة التي كانت تحدد الإرث على اساس الرجولية والقوة. ولم يكن للصغير من الذكور أو الضعيف منهم أو للمرأة حق في الإرث. بل كانت ولا زالت المرأة في هذه الشعوب تعد جزء من التركة تنتقل إلى الوارث الذكر من أقارب الميت الأقربين ويحل محله في علاقته بارملة قريبة وهذا التقليد يسمى بوراثة الأرامل (Inheritance of Widows) ([91]).

Page 7

ثانياً: أهمية الموضوع وأسباب اختياه:

أ- تأتي أهمية موضوع الرسالة من الشأن الذي أولته إياه الشريعة الإسلامية، فهو العلم الذي يحتاج إليه لكثرة ما تعم به البلوى أو يكون فيه من النوازل والفتوى، وهو من أبواب العلم بل من أجلها نفعاً، وارفعها شأناً، وقد قام الدليل الشرعي على ما يوضح بجلاء فضله، وجلاله، والحث على تعلمه وتعليمه وبحسبانه من فروض الدين وإليك الدليل:

1- الكتاب:

إذا قال تعالى )يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ(([92]). ولا يتم امتثال وصية الله إلا بمعرفة الفرائض وكيفية توزيعها والقواعد المتعلقة بها([93])، بل ومن شرف هذا العلم أن الله تولى بيانه وقسمته بنفسه واوضحه وضوح النهار بشمسه في الآية المذكورة([94]).

2-السنة:

أولاً : ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص t عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل، آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة) ([95]) رواه ابن ماجة وأبو داود.

ومعنى (آية محكمة): أي غير منسوخة. و (أو سنة قائمة): أي دائمة مستمرة متصل بها العمل. و(فريضة عادلة): بمعنى العدل في القسمة فتكون موافقة للكتاب والسنة ولا عوج فيها والماصدق واحد. أو تكون موافقة لما اتفق عليه المسلمون. وسميت فريضة لوجوبها على المجتهد([96]).

ومعنى (وما سوى ذلك فهو فضل): أي زائدة لا ضرورة فيه. وفي هذا دليل على أن العلم النافع الذي ينبغي تعلمه وتعليمه هو الثلاثة المذكورة وما عداها فضل لا تمس إليه الحاجة([97]).

ثانياً: وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول r: (تعلموا القرآن وعلموه الناس، وتعلموا العلم وعلموه الناس، وتعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإن العلم سينقضي وتظهر الفتن حتى يختلف الإثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما) ([98]).

وذهب بعض العلماء إلى القول بأنه وقع ما أخبر به r وهو من علامات نبوته([99]).

ثالثاً : عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإنه نصف العلم وهو ينسى وهو أول شيء ينسى، وهو أول شيء ينتزع من أمتي).

ولقد اختلف الفقهاء في تفسير لفظ (النصف) في قوله (نصف العلم) الذي ورد في الحديث: فقال ابن الصلاح: أنه جاء بمعنى أحد القسمين وأن لم يتساويا. وقال ابن عيينة عند سؤاله عنه: أنه يبتلى به الناس كلهم.

وقيل: لأن للناس حالتين، حالة حياة وحالة الموت، والفرائض تتعلق بأحكام الموت.

وقيل أيضاً: لأن الملك نوعان: اختياري وقهرى.

فالأول: وهو ما يملك ردة’ كالشراء.

والثاني: وهو ما لا يملك ردة. وهو الارث.

وقيل كذ لك: ان الاحكام تتلق من النصوص ومن القياس والفرائض لاتتلق إلا من النصوص([100]). وفسر بمعنى نصف ايضا كقول الشاعر:

إذا مت كان الناس نصفان شاءت وآخر مثني بلذى كنت أصنع ([101])

Page 8

وقيل:انه ياخذ منتصف الموضيع التي تبحث في المولفات الفقهية ولهذا ذهب العلماء الى بحثه بعد العبادات والمعاملات لانه نصف العلم فناسب ذكره في نصف الكتاب([102])

والأولى من كل ذلك أن النصف ذكر للمبالغة في كثرة نفعه من الاحتجاج اليه فكأنه نصف العلم([103]). وفي رواية آخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه (أن الفرائض ثلث العلم وأنها أول ما ينسى) الحديث.

نقد رأى ابن خلدون:

وقد ذهب العلامة ابن خلدون الى انتفاد اهل الفرائض بتفسيرهم لفظ الفرائض الواردة في تلك الاحاديث بانها نصف العلم وثلثه وقال :بان هذاالتفسير بعيد عن المراد وانما هي الفرائض التكليفية من العبادات والعادات والمواريث وغيرها وبهذا يصح فيها النصفية والثلثية واما فروض الورثة اقل من ذلك كله بالنسبة الى علم الشريعة كلها([104]).والصحيح عندنا ان الفرائض المقصود بها هي احكام المواريث جميعا لما تقدم من ادلة ولما يأتي منها ايضا, اما الفرائض بلمعنى الذي يقصده ابن خلدون (رحمه الله) فهي كل العلم وليسى ثلثه او نصفه ولفظ (النصف )او(الثلث) استعمل للدلالة على المبالغة في ثواب من يعمل به دراسة وتعليما وهو استعمال مجازي.

رابعا: عن أبي سعيد الخدري t قال: قالرسول الله عليه الصلاة والسلام (ارحم أمتي بها أبو بكر، وأقوالهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، واقضاهم علي، وأفرضهم زيد، وأقرؤهم لكتاب الله عز وجل أبي بن كعب، واعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وأبو هريرة وعاء من العلم، وسلمان بحر من علم لا يدرك، وما أظلت الخضراء وأفلت الغبراء - أو قال البطحاء- من ذي لهجة أصدق من أبي ذر) ([105]).

3- الأثر:

أولاً : عن الأعمش بن إبراهيم قال: قال عمر رضي الله عنه : (تعلموا الفرائض فإنها من دينكم)([106]).

ثانياً: وعن قتادة قال: (كتب عمر إذا لهوتم فالهوا بالرمي، وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض)([107]).

ثالثاً: عن أبي عبد الله t قال: (لا يستقيم الناس على الفرائض والطلاق إلا بالسيف)([108]).

رابعاً: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (من تعلم القرآن فليتعلم الفرائض ولا يمكن كرجل لقيه إعرأبي فقال له: يا عبدالله إعرأبي أم مهاجراً؟ فإن قال: مهاجر، قال: إنسان من أهلي مات فكيف تقسم ميراثه؟ فإن علم كان خيراً أعطاه الله، وأن قال: لا أدري، قال: فما فضلكم علينا، إنكم تقرؤون القرآن ولا تعلمون الفرائض).

خامساً: وعنه أيضاً t قال: (تعلموا الفرائض والحج والطلاق فإنه من دينكم).

سادساً: وعن عكرمة قال: كان ابن عباس يضع الكيل في رجلي ليعلمني القرآن والفرائض.

سابعاً: وعن طاووس وقتادة قالا: (الفريضة ثلثا العلم).

ثامناً : وعن إبراهيم قال: سألت علقمة عن الفرائض، قال: إذا أردت أن تعلمها فأمت جيرانك وورث بعضهم من بعض.

تاسعاً: عن يوسف بن الماجشون قال: سمعت ابن شهاب يقول (لو هلك عثمان بن عفان وزيد بت ثابت y في بعض الزمان لهلك علم الفرائض إلى يوم القيامة، جاء على الناس زمان وما يحسنه غيرهما) ([109]).

وفيه دليل، وفي الأحاديث الآخرى، عن فضيلة كل واحد من الصحابة المذكورين وأن زيد بن ثابت أعلمهم بالفرائض فيكون الرجوع إليه عند الاختلاف فيها أولى من الرجوع إلى غيره، ويكون قوله فيها مقدماً على أقوال سائر الصحابة،ولهذا اعتمده الشافعي في الفرائض([110])، وظاهر كلام البيهقي أن الأمام الشافعي قلد زيد بن ثابت، بينما المشهور عند الفقهاء أن الشافعي t لم يقلد زيداً وإنما وافق رأيه رأى زيد t فإن المجتهد لا يقلد المجتهد([111]).

عاشراً: قال رجل لابن سيرين: رأيت كأني دخلت بستاناً فأكلت من جميع ثمار أشجاره إلا شجرة واحدة وهي أحسن ما فيه، وفي رواية (أنه دخل حائطاً أي بستاناً، فيجعل يأكل نوعاً ويدع نوعاً فعبر له: أنه قرأ القرآن ولم يتعلم الفرائض، فسئل الرجل فوجد كذلك، رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم) ([112]).

يتبين من كل ما تقدم أهمية علم الفرائض وفيه الترغيب في تعلمه وتعليمها والتحريض على حفظها لأنها لما كانت تنسى وكان أول ما ينزع من العلم كان الاعتناء بحفظها أهم ومعرفتها لذلك أقوم.

ب- عدم وجود دراسة قانونية شاملة وكاملة لعلم الفرائض تبحث في المسائل الخلافية، بالإضافة إلى المسائل التي هي محل اتفاق الفقهاء، وأن وجدت فهي مؤلفات منهجية تأخذ بالراجح من الآراء مع ذكر النتف القليلة جداً عن الخلاف بين الفقهاء.

ج- لم ينظم القانون في العراق أحكام الفرائض تنظيماً دقيقاً وشاملاً كما هو شأن بعض القوانين العربية كالمصري والسوري واللبناني، وإنما احتوى على بعض النصوص وهي بالتحديد ستة مواد تبدأ من المادة (86-91) من قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 في حين جاء في المادة التسعين من القانون بأنه يجري توزيع الاستحقاق والأنصبة على الوارثين بالقرابة وبقية أحكام الفرائض وفق الأحكام الشرعية التي كانت مرعية قبل تشريع قانون الأحوال الشخصية المذكورة آنفاً مع ضرورة معرفة أن هذه إلا حالة مقيدة بأن تكون الأحكام الشرعية الأكثر ملاءمة لنصوص قانون الأحوال الشخصية النافذ([113]).

د- اختلاف قرارات المحاكم بشأن المواريث، وهذا الاختلاف كان نتيجة عدم وجود مواد محددة تلتزم بها المحاكم وأن وجدت فهي مبهمة تحتاج إلى بيان ولاسيما المادة (89) بعد التعديل التي أدت إلى اختلاف قرارات محكمة التمييز نفسها.

لكل هذه الأسباب جعلنا من المسائل الخلافية في علم الفرائض موضوعاً لهذه الرسالة:

Page 9

ثالثاً : خطة البحث:

الباب الأول : المسائل الخلافية في متطلبات الميراث وأسبابها.

الباب الثاني: المسائل الخلافية في ميراث الفروع والأصول وأسبابها.

الباب الثالث: المسائل الخلافية في ميراث الحواشي وأسبابها.

الباب الرابع: المسائل الخلافية في أصول المسائل والاحتياط في التوزيع وأسبابها.

الخاتمة ونتائج البحث

Page 10

الفرع الأول :نظرة عامة في أركان الميراث

تعريف الركن: وهو ما يتوقف عليه وجود الشيء وجوداً شرعياً ويكون جزءً من حقيقة ذلك الشيء وما هيته وينعدم بانعدامه. وعلى ذلك فان أركان الميراث ثلاثة هي:

الأول : المورث(المتوفى).

الثاني: الوارث.

الثالث : الموروث(التركة).

ومن خلال دراسة مؤلفات الفقهاء نلاحظ قلة عناية اغلب الفرضيين ولا سيما القدماء منهم بأركان الفرائض وإنما بحثوا الموضوعات الداخلة فيها في أماكن متفرقة من مؤلفاتهم ويبدو قلة ذكرهم لها في موضوع مستقل كونها معلومة بالضرورة.

موقف القوانين الوضعية منها:

وبهذه الأركان الثلاثة اخذت المادة(86) من قانون الأحوال الشخصية رقم188 لسنة 1959 التي نصت على أن:

أ- أركان الارث ثلاثة:

1- المورث: وهو المتوفى.

2- الوارث: وهو الحي الذي يستحق الميراث.

3- الميراث: وهو مال المتوفى الذي يأخذه الوارث).

ويلاحظ على القوانين العربية انها لم تفرد مادة مستقلة لبيان أركان الميراث لكنه يمكن القول بأن جميع القوانين ضمنت موادها أركان الميراث وأن لم تفرد لها مادة مستقلة إذ لا تقوم الفرائض بدونها ومن هذه القوانين القانون المصري([114]) والسوري([115])، والصومالي([116])، والتونسي([117])، والمغربي([118])، وقانون الإرث لغير المحمديين اللبناني([119])، وقانون الأحوال الشخصية للطائفة الدرزية لسنة 1943، وقانون الأحوال الشخصية للطوائف الكاثوليكية اللبنانية والسورية لسنة1951، وقانون الأحوال الشخصية الأرمنية الارثوذكسية اللبنانية لسنة1951، وقانون الأحوال الشخصية للسريان الارثوذكس لسنة1951، وقانون الأحوال الشخصية للطائفة الإنجيلية في سوريا ولبنان لسنة1951.