eKtab
EN ع
المشوار
Read free sample

المشوار

by د. فخري لبيب

Page 1

مقـــــــــــــدمـــــــــــة

فخرى لبيب... الشجرة الوارفة التى نستظل بها

شعبان يوسف

ليس من المبالغة إذ نقول: إن مشوار فخرى لبيب، الذى قطعه –نضالاً- منذ عقد الأربعينيات، حتى الآن، هو عبارة عن تاريخ ومشور وكفاح مصر. وليس هذا الكتاب، الذى بين أيدينا، إلا قطعة نابضة وحية وحقيقية من قلب هذا الوطن. وليس هذا من المبالغة، أو المديح، أو الإطراء، بل لا يسعنى إلا أن اقول: إن أى كلمات تقال لن تفى هذا الرجل والمناضل والإنسان حقه، فرحلته التى بدأت من مكان ناءٍ فى جنوب مصر، ثم الفيوم، ثم أسوان، حتى تصل به إلى القاهرة، رحلة مضنية، وغنية ومثيرة، وتضج بالمعانى النبيلة والوطنية والإنسانية، من البيت، إلى المدرسة إلى الجامعة، إلى فضاء مصر كلها. نستطيع أن نتعرف على هذا الوطن بتفاصيله المدهشه، وحكاياته المذهلة، من خلال ذاكرة نشطة، ويقظة، ومتأملة، لا تحكى، ولا تصف أو لا تقف عند التأمل فحسب، بل تتوغل فى التفسير والتحليل، وبالتالى فهى ذاكرة لا تبرر، بقدر ما هى ذاكرة جارحة –أيضاً-، تكشف وتعلن، أكثر مما تستر وتخفى، ذاكرة لا تدعى بطولة لصاحبها، بقدر ما تفرغ مخزونها ببساطة وهدوء عجيب، هذا الهدوء الذى يهدر بأحداث جسيمة وثقيلة، منذ انتقال الوالد- معاون المحطة بالسكك الحديدية- من بلد إلى بلد، ودخول الأخوة للمدرسة. ورفض صاحب السيرة أن يذعن لقرار المدرسة بعدم قبوله، فظل يذهب كل يوم مع أخوته، ويقف على باب المدرسة، حتى أدهش ناظر المدرسة الذى استدعاه، وتعرف عليه بعد حوار مكثف، فألحقه بالمدرسة التى تعلم من مدرسيها أشياء كثيرة، وضعته على أسنة أسئلة حادة ومصيرية، هذه الأسئلة التى حرّكت مشاعر الفتى وأفكاره، وظل هو بالتالى يعيدها على نفسه، ويحاول أن يطورها، ويجد لها إجابات، ويبحث عن حلول، لكن الحلول –دوماً- لا تكمن فى الكلمات، بل تتفجر فى العمل. وهذا ما أدخرته الأيام التالية للفتى عندما ذهب إلى القاهرة المتفجرة بأحداثها، والمشتعلة بمظاهراتها، والمحتجة على ما يحدث، والكاسرة لشوكة الأباطرة المتعددى الأوجه، والمختلفين فى طرق سيطرتهم واستغلالهم لطبقات الشعب الفقيرة...

جاء الفتى الشاب فخرى لبيب، من الجنوب، وهو مدجج بحلم الثورة، وبكلمات مدرس التاريخ التى وجدت هوى جامحاً بقلبه، فقلبها الفتى، وحركها فى روحه، فأثمرت الكلمات/ البذور- لتصبح أشجارًا وارفه فيما بعد. جاء الفتى مفتوناً بمدرس التاريخ، وبكلماته، هذا المدرس الذى كتب عنه لصديقه عبد الله، كامل رسالة يقول فيها: (أصبت عندما قلت أننى أحب مدرس التاريخ. لقد توجهت إليه أسأله عن الكيفية التى تمكننا من القيام بثورة فى مصر، ثورة مثل الثورة الفرنسية، التى قادها ميرابو ودانتون وروبسبير ومارا، من أين لنا بمثل هؤلاء هنا. بدا فى البداية متردداً.. وإن كان سعيداً. سألنى لماذا أهتم بمثل هذه القضية هكذا؟ أوضحت له أنه هو الذى أخبرنا بذلك. سألته إن كان يمكن للملك أن يقوم بها؟ فهو الشاب الذى رفض مطالب الإنجليز فحاصروه بالدبابات ليرغموه على قبول مطالبهم. بحلق الرجل فى وجهى مندهشاً، قال: إن الثورة الفرنسية أطاحت بالملكية وأن الملكية فى مصر والملك شخصياً فى حاجة إلى الإنجليز، وهم الذين يحمون نظامه، إذ أن الأسرة المالكة وحدها تمتلك خمس الأراضى الزراعية، وهى أسرة ألبانية أجنبية، كيف أستولت على كل تلك الأراضى؟ كيف حرمت المصريين منها وحولتهم إلى عبيد فى مزارعهم وتفاتيشهم الملكية؟) هذه الأسئلة جميعاً لم تسقط فى روح الفتى عبثاً... بل نشبت أظافرها الحادة فيها. وظلت تنبش وتحرك وتهتف حتى وجد الفتى نفسه يبحث فى القاهرة عن من يساعده فى سلسلة اغتيالات لهؤلاء الذين نهبوا مصر، واستغلوا ثرواتها، وسرقوا شعبها، وحولوا أبناء هذا الوطن الأصليين إلى خدم عندهم. وعندما قابله أحدهم، وأفهمه أن الاغتيالات لا تجدى، بل العمل الجماعى هو الذى يستطيع أن يحرر هذا البلد من كل أدرانه الأجنبية والمحلية، وُضع الفتى على أول الطريق الذى لم يتخل عنه –مطلقاً- فى شبابه ورجولته، ونضاله الدائم، الذى نفخر به ونعتز بإنجازاته الوارفة، والذى ما زال يظللنا نحن الأجيال التالية كسماء شامخة نحتمى بها...

ومنذ ذلك التاريخ الذى يسجله فخرى لبيب بدقة مدهشة، بتوثيق، مستعيناً بأوراق، ورسائل، وأظن أن الرسائل التى أوردها –لبيب- فى هذا الكتاب، تضاف إلى أدب الرسائل الرفيع، والذى يجمع بين الأسلوب الأدبى الراقى، والأفكار العميقة، الغنية بالمعانى، هذه الرسائل التى كان يتبادلها مع صديقه الحميم عبد الله كامل، وهو فى السادسة عشرة من عمره، أو أقل. ويندهش المرء –حقاً- من هذه الرسائل الفاتنة، والمكتوبة بوعى يفوق وعى هذه السن الصغيرة، هذه الرسائل التى تفجرت وفجرت روح الفتيان معها بكل ما هو ناضج وشاب وأخضر للدرجة التى تضع الشابين أمام وعيهم. يقول عبد الله كامل فى رده على فخرى فى الرسالة الخامسة: (أفزعنا خطابك الأخير أشد الفزع، لقد سمعنا حقاً عن وباء الملاريا، لكننا سمعنا أيضاً أن الحكومة والملك يتخذان كل الإجراءات اللازمة لمعاونة المصابين، غير أننا لم نتصور ابداً أن ما يحدث لكم هو هذه الحالة البشعة من الانحدار والاستهانة بحياة الناس، أى عالم هذا الذى تحكى لنا عنه؟ أين فرض الدين على هؤلاء الذين لا يعرفون الرحمة؟ وهى جوهر الدين والإسلام!!).. لاحظوا أن الذين يكتبون هذه الرسائل، ويرسلون تلك الأفكار، ويسألون هذه الأسئلة، ما زالوا صبية صغارًا فى الخامسة أو السادسة عشرة من أعمارهم، ومن المفترض ألا يكونوا قد غادروا ملاعب الكرة، أو على الأقل تنصرف أذهانهم وانشغالاتهم إلى ما يخص مراهقاتهم، حيث الفتيات التى تداعب ذكورتهم المتفجرة، والتى تبحث لها عن تحقق...

لكن الفتى ورفاقه كان لهم شأن آخر... فيأتى فخرى لبيب إلى القاهرة ليلتحق بكلية العلوم، والتى كان عميدها د.مصطفى مشرفة. ويلتقى بزملائه، والحال متفجرة، ومحمود فهمى النقراشى باشا، رئيس الحكومة، ورئيس حزب السعديين، دائم الحديث عن المفاوضات مع الحليفة بريطانيا العظمى. وكان المصريون أصدقاء الإنجليز –يتحدثون عن أن ما بين مصر وبريطانيا هو أقرب بالزواج الكاثوليكى، أى زواج لا يعرف الطلاق أبداً.. ويتقدم بعدها رئيس الوزراء فى 25 ديسمبر 1945 بمذكرة هزيلة إلى الحكومة البريطانية للدخول فى مفاوضات لإعادة النظر فى معاهدة 1936، فترد بريطانيا على النقراشى رداً مجحفاً وسخيفاً ومذلا: (إن سياسة حكومة جلالة الملك هى أن تدعم بروح الصراحة والعدل التعاون الوثيق الذى حققته مصر ومجموعة الأمم البريطانية أثناء الحرب).... إذن ماذا يفعل الفتى المتفجر، والمخنوق بأسئلته العنيفة، سوى أن ينضم لمجموعة أخرى تشبهه، وتتعاون معه، ويتعاون معها للقيام بثورة تكسح كل هذا البلاء الطافح على وجه الوطن،... وتشتعل البلاد، وتتفجر المظاهرات. ويسجل فخرى لبيب هنا يوميات الحركة الثورية، فى مصر، أثناء اشتعالها. ورغم أن يوميات فبراير، أو أحداث فبراير عام 1946 كتب عنها الكثيرون، إلا أن فخرى لبيب، الشاهد والمشارك فى الأحداث، والضالغ فى تفجيرها، يسجلها بدقة وأمانة وتوثيق.. لحظة بلحظة، وساعة بساعة. ويلاحق الأحداث بأوصاف يندهش المرء من براعته، رغم دموية هذه الأحداثـ التى مرت بفتح كوبرى عباس. ويورد بعض ما كتبه طه حسين- أنذاك- جريدة الوفد قائلاً: (لو حوكم صدقى على جرائمه عام 1930 لما ارتكب النقراشى جرائمه، يجب أن يقدم هؤلاء السادة إلى المحاكمة، ويجب قبل كل شىء أن تعرف الأمة المصرية بالضبط عدد القتلى والجرحى، وإذ كان قتيل واحد يكفى محاكمة ألف وزارة وألف نقراشى...). هكذا كتب طه حسين بغضب عارم، وحماس بالغ، محتجاً على ما يحدث، ومطالباً بمحاكمة الوزارة ورئيسها. ودعنا مما كتبه خالد بكداش، ويورده أيضاً –فخرى لبيب، حتى يتضح لنا كيف كانت البلاد- آنذاك، وكيف كان الفتى الطالع من دم البلاد... والمتفجر من طينها الطيب والطاهر...

منذ ذلك الوقت لم يعرف الفتى هدوءًا، ولم يعرف استقراراً، إلا عندما يتحرر هذا الوطن من أمراضه- فكانت السجون والمعتقلات محطاته الدائمة، ومواجهاته مع الجلادين، إنها دأبه المعتاد- ورغم أن أحداث هذا الجزء تنتهى عند عام 1955، إلا أننا نقرأ أحداثاً جساماً تحملها الفتى برضا كامل، وروح وثابة مثمرة، طامحة فى مستقبل جماعى أفضل- ما زال يحلم به الرجل للآن، رغم كل الأحداث المريرة التى مرت بها البلاد، وتنتظرها... وبهذه الأحلام والأحداث يعتبر فخرى لبيب أحد المعلمين العظام، الذين علمونا كيف يكون المناضل قادرًا على الثبات على المبدأ، رغم كل التنصلات التى شهدها زماننا السعيد. فخرى لبيب الرجل والحركة والإنسان والكاتب والمترجم، ليس أيقونة نحتفى بها –كما يفعل السدنة والكهنة فى معابدهم-، بل هو الرجل الذى نتعلم من مشواره النبيل كل المعانى الإنسانية التى ناضل من أجلها الأنبياء والقديسون والمناضلون البررة على مدى التاريخ الإنسانى.. فهو ما زال يثمر فى كل اتجاه، فى الترجمة، فلا ننسى ترجمته البالغة العذوبة لرواية "عريان بين ذئاب" لبرونوابيتز الألمانى. ولا ننسى ترجمته لرباعية الإسكندرية للورانس داريل، هذه الترجمة التى فاقت شهرتها اسم الرجل ذاته... وفخرى لبيب لا تهمه الشهرة، ولا تشغله النياشين، ولا يبحث عن مكافآت، فهو من الذين يعشقون مبدأ: (نحن فى الظل، ولكن نحن فى المواجهة)... وسوف تظل مسيرته وسيرته وكتاباته تعمل فى الأمام، وفى المواجهة، كمصباح يضىء لنا، نحن الأجيال التالية، هذا الطريق الوعر...

أفخر بأننى رافقت الرجل وتجادلت معه ما يزيد عن ربع قرن، وذلك من خلال عملنا المشترك فى ورشة الزيتون بحزب التجمع. واعترف أنه كان له فضل التأسيس، والإنشاء، والتحريض المستمر. ومن عرف العمل العام وويلاته، سيعرف كم يعانى المرء من بناء مشروع ناجح، لا ينتج سوى القيمة، ولا توجد من ورائه مكاسب مادية أو عينية مطلقاً، عدا ما تجره هذه المشاريع الفكرية والسياسية والحماهيرية من متاعب.. أعترف أن الرجل كان محرضاً عظيماً، وفاعلاً كبيراً فى إنشاء تلك المشاريع.. ورغم ذلك فإنه يعانى من نشر أعماله التى ظل يكتبها بصبر ودأب نادرين. ويشهد على ذلك كتابه الملحمى: (الشيوعيون وعبد الناصر)... هذا الكتاب الذى سجله مع كافة المناضلين الذين عانوا من تجربة الاعتقال فى عهد عبد الناصر، وفرغ الأشرطة، وصاغ الكتاب.. وذاق الأمرين –كما يقولون- كى يجد ناشراً له، وكنا نذهب معاً لدور النشر التى زعمت ثورية زائفة، فماطلت، وسوّفت، حتى خرج الكتاب دون ناشر، وعلى نفقة مطبعة الأمل، هذا الكتاب الذى لم يروج له–حتى الآن- كما يجب، ولم يجد له عارضين وشارحين ومهللين، لأنه ببساطة، يتحرى صدقاً نادراً، لذلك لم يجد له أفراحاً نشهد بعضها الآن. لقد خاض فخرى لبيب اشتباكات حقيقية ولذلك لم تكف السلطة السياسية عن ملاحقته وتوقيفه واعتقاله حتى عام 1989، أى بعد أن جاوز الستين من عمره...

أى رجل هذا. ومن أى معدن صيغت حياته؟ أقرر وأنا فى كامل وعيى: أن فخرى لبيب هو أحد اللبنات الكبرى الإنسانية لهذا الوطن، والتى تظل سيرته قبساً نستضىء به، ويظل مشواره هو مشوار النبل والشجاعة النادرين فى هذا الزمان..

ورغم كل هذا لم يكتف الرجل بكونه مؤخراً شاهداً ومشاركاً، ولا مترجماً يترجم كل ما يقع فى يديه ويخص مصر، فهو له وجهة نظر فيما يترجم. ولم يكتف بكونه ناشطاً عاماً يبين هنا ويشيد هناك، بل كتب القصة والرواية أيضاً، فكانت إبداعاته الفردية انعكاساً جدلياً لحياته، فكتب روايته (الجبل وأنا)، و(الأيدى الخضراء).. ومجموعته القصصية (كنز الدخان).. ولديه ما ينتظر النشر... هذه الإبداعات التى بدأها فخرى لبيب منذ أواخر الخمسينيات، بقصة نشرها فى جريدة "المساء" تحت عنوان "هدى"، نشرها باسم شقيقه الراحل رأفت لبيب، حيث كان هاربا وملاحقاً، حتى وقع فى أيدى السلطات.. وظل خمس سنوات فى المعتقل، وتستمد هذه السنوات الخمس ببطولة الرجل، هذه البطولة التى كتب عنها الكثيرون مثل طاهر عبد الحكيم فى (الأقدام العارية)، وفتحى عبد الفتاح فى (شيوعيون وناصريون) وفى (حدتو) لمحمود الوردانى.. الجميع يشهد بمواقف الرجل.. واستبساله المنقطع النظير فى المعتقل. ولا أنسى أيضاً ما كتبه عنه فوزى حبشى فى (معتقل لكل العصور)... أن الاحتفال بفخرى لبيب الذى بلغ الثمانين من عمره المديد (مواليد 7 فبراير 1928)... هو تأكيد لثقل هذا الرجل. أن فخرى لبيب بهذه السيرة التى تضاف وتضيف إلى أدب السيرة، سوف يحدث، كما أظن، الكثير من إعادة النظر وكشف لكثير من الحقائق، وأتمنى أن يتخلى الصامتون عن صمتهم.

Page 2

الاختطاف

انتهى العام الدراسى، وكذا الامتحانات. نحن الآن، فى مدرسة الأقباط الإعدادية بطنطا، نصحح أوراق التلاميذ. الوقت رمضان، وأنا أتسلل، ساعة الظهيرة، إلى معملى، أتناول غداء سريعاً، أعده فراش المعمل والمدرج. أنا أعمل مدرساً للطبيعة. أسكن شقة صغيرة، جملتها قدر استطاعتى لتكون عشى الهادىء. إنها تقبع فوق سطح عمارة فخيمة أستطيع من نوافذها أن أرى حياً وادعاً رائعاً يزخر بالأشجار والأزهار. ما أن ينتهى التصحيح خلال يوم أو اثنين حتى أغادر هذا المكان. أقضى الإجازة الصيفية فى الأسكندرية. البحر يموج بالبشر. من كل نواحى البلاد، حيث يمكن للمرء أن يتعرف على منابع المصيفين من لهجاتهم. الشاطىء عامر بالألوان والحسان، وشماسى مزخرفة، وأردية بحر مزركشة، وأجساد جميلة ممشوقة تطلق الفرحة والرغبة. وأطفال كالورود يشيدون أبنية من رمال، ما أن تداعبها الأمواج حتى تتلاشى. الزياط شديد، والكل يقبل على الماء يغسل مشاق العام الذى مضى، وكأن المرء يجىء إلى هنا، موعداً مع عماد* تتجدد به حياة الإنسان.

غير أن شيئاً من ذاك لم يحدث هذا العام. قبل أن ينتهى التصحيح بيوم أو اثنين. والتاريخ 29 مايو 1954، ما أن ابتعدت عن دارى، وبلغت الشارع الرئيسى، حتى أحاط بى عدد من الرجال لا أعرفهم. وأمسكوا بى بطريقة شلت حركتى، فصحت فيهم، غير أن صياحى ذهب سدى. سكون المكان الذى طالما عشقته غداً كابوسًا، تسمع صدى صوتك ولا مجيب. قال أحدهم:

-مباحث.

يبدو أنه ضابط. قام بتفتيشى. لم يجد ما آثار اهتمامه غير مفاتيح مسكنى. قلت:

-انت معاك أمر بالقبض علىّ وتفتيشى؟

لم يجبنى أحد. قال آخر يبدو أنه ضابط، أعلى رتبة:

-يلا بينا.

تساءلت، إلى أين، لم يرد علىّ أحد. كانت تكسو وجوههم الجدية والصرامة. كنت أتوقع هذه اللحظة التعسة، فقد قبض على زملاء لى منذ عامين، لكننى لم أن أتوقعها على هذا النحو. ساروا عودة فى اتجاه منزلى، فأردكت أنهم يعرفون أين أقيم. صعدوا بى حتى شقتى. وضع الضابط المفتاح فى قفلها. قلت مرة أخرى:

-معاكو أمر تفتيش؟

لم يبالى أحد بسؤالى. دفعونى إلى الداخل وأغلقوا الباب علينا. قلبوا الشقة رأساً على عقب.

وجدوا بعض المطبوعات والأوراق لكنهم لم يجدوا كل الأوراق. كنت قد أعددت مخبأ لمثل تلك المفاجآت. لم يصلوا إليه. عثروا على برواز خشبى، أمسك به كبيرهم فرحاً. نظر إلىّ متسائلاً فى يقين:

-عزيزة!؟

إنه الاسم "الحركى" لمطبعة الرونيو البدائية. إلا أننى لم أرد عليه. قال:

-فين بقيتها إنشاء الله؟

Page 3

لم أرد عليه أيضاً. كنت أنظر من النافذة، أرى كل الأشياء كما اعتدت أن أراها، ما عدا شقتى الجميلة وقد غدت ركاماً. يبدو أنه لم يكن يتوقع منى إجابة، فاستمر فى تفتيشه. طلب من مخبريه أن يحملوا كل الكتب والمخطوطات الموجودة. نهبوا جهد أعوام: بعض القصص التى كتبتها، ومكتبة وافرة، وألبوم صور عائلى. الكلام معهم لا يجدى. منذ أن فتحوا الشقة، واندفعوا إلى داخلها، حتى أحسست أننى لم أعد ولياً عليها. بل لم أعد أملك من أمر نفسى شيئاً. كنت أحس، وأنا أنظر من النافذة، أن كل ما يحيط بى الآن إلى وداع. كنت أنظر من النافذة أيضاً، لأنى قرأت يوماً، أن "المتهم" يوضع أثناء تفتيش موضع إقامته تحت رقابة غير ظاهرة، وإلى حيث تتجه عيناه يركزون البحث. إذ أن الإنسان يركز بصره دوماً دون أن يدرى على المنطقة التى يخشى أن يأتيه الخطر منها.

عندما أنهوا تدمير كل شىء باسم التفتيش الدقيق، غادروا الشقة وأنا وسطهم. تركوا بابها مفتوحاً كأنها لم تعد تعنيهم. تصرفوا على نحو يغرس فىّ شعوراً بأن أمرها لم يعد يعنينى أيضاً. وأن ذلك هو آخر عهدى بها.

بينما أهبط درجات السلم، رأيت باب شقة أصحاب المنزل مفتوحة. يبدو أنهم أحسوا بأن شيئاً غير عادى يجرى هنالك أعلى. كانت علاقتى الشخصية بابنيهم جيدة للغاية. كنت قد أخبرت أحدهما، ذات يوم، أثناء مناقشة ما، أننى قد أتلقى مثل هذه الزيارة غير المحببة. قال يومئذ أن ضابط المباحث المحلى صديقهم، وأنه لا يمكن أن يفعل هذه الفعلة فى منزلهم. إلا أننى ضحكت يومها، بينى وبين نفسى، فضابط المباحث الذى له علاقة بالأمن السياسى، سوف يشك فيهم هم أنفسهم حينذاك، (اكتشفت فيما بعد أن الضابطين الذين ألقيا القبض على –الصاغ حسن المصيلحى واليوزباشى محمود مراد- قد قدما من القاهرة مباشرة).

أمام المنزل، كانت هناك عربة. لم أرها فى الصباح. كان علىّ أن أدخلها لا أدرى إلى أين؟ اتجهت إلى مبنى المديرية. لحق بىّ ابنا صاحب المنزل ووالدهما. كانوا منزعجين غاية الانزعاج. حاولت تهدئتهم. كنت قد بدأت اعتاد هذا الوضع الغريب. كانوا غاية فى الشهامة والشجاعة. وقد تسببت هذه "الزيارة" لى فى تعرض منزلهم للتفتيش الدقيق، ربما بحثاً عن بقية "عزيزة"، أو أية أوراق "قد تفيد التحقيق".

من المديرية، سارت بنا العربة ووراءها عربة أخرى. ربما كانت من قوة المباحث المحلية. لكن إلى أين؟ لم أعد أسأل. إذ صار واضحاً أننى لم أعد أملك هذا الحق. كان علىّ أن أفكر وأن ألزم الصمت. الطريق الذى سلكته السيارتان يفضى إلى المدرسة. أتأمل الشوارع وقد امتلأت بالناس، كبارًا وشباباً وأطفالاً، ذكوراً وإناثاً نفس المحلات التجارية ونفس المطاعم التى أراها كل يوم. نفس الزحام. نفس الحياة تسير على وتيرتها. أرى بعضاً ممن أعرفهم، لكننى لا أستطيع أن أكلم أحداً. إلا أن أحداً لا يحس بما حل بى، أو يدرى بهذا "التكريم" الذى يحيطنى (هل يعانى الميت نفس الأحاسيس أيضاً، وهو يقاد إلى مرقده الأخير). أحس بوداع صامت من طرف واحد.

نصل المدرسة فتنقلب رأساً على عقب، أدخل محاطاً بكل هؤلاء "السادة". يتوجه ثالث، ربما كان ضابط المباحث المحلى، إلى حجرة الناظر ثم يعود ليقول لكبيرهم:

-تمام يا أفندم.

اصطحب معه سكرتير المدرسة. توجه الجميع، وأنا معهم، إلى المعمل والمدرج. جرى "التفتيش الدقيق" مرة أخرى، غير أنهم لم يجدوا شيئًا البتة. فراش المعمل وقف فاغرافاه، عاجزاً عن الكلام. المدرسون ينظرون من نوافذ الغرف حيث ما زال تصحيح أوراق الامتحان جارياً. ناظراً المدرسة وقف أمام باب غرفته ينظر إلى ما يجرى فى مدرسته صامتاً حائراً. لا بد أنه قد عرف بالأمر، شيوعى "خطير" فى مدرسته دون أن يدرى! كنت أنظر حولى أودع كل ما أراه، بشراًَ أم جماداً. لا أدرى متى سأرى هذا العالم مرة أخرى، إن قُدر لى أن أراه. الموكب الحافل، وأنا فى وسطه يسير نحو بوابة المدرسة. نمتطى السيارتين، فتنطلقان. إلى أين؟ لا أدرى. لكننى أدركت بعد قليل أننا نتجه إلى خارج المدينة. صاحبتنا السيارة المحلية حتى الأطراف ثم عادت. إننا فى طريقنا الآن إلى القاهرة. الضابط الأعلى رتبة يسوق السيارة وإلى جواره الآخر الأقل رتبة. أنا جالس فى الخلف وسط الإثنين الآخرين، وقد انحشر السائق الأصلى معنا. لاحظت أنه كلما سبقتنا سيارة، قال كبيرهم:

-خدتها؟

فيقول الآخر:

-أيوه، خدتها.

عجبت فى البداية، ما الذى يأخذه؟ اكتشفت أن ما يأخذه هى أرقام السيارات التى تسبقنا. يبدو أنهما كانا يخشيان أن يطاردهما أحد ليخلصنى منهما. ضحكت فى سريرتى لهذا الخاطر. (علمت فيما بعد أن إبنى صاحب الدار التى كنت أقطنها، قد فكرا بالفعل فى القيام بمثل هذا العمل، غير أن الموقف لم يسعفها. كما علمت أيضاً أن جريدة محلية نشرت حكاية القبض علىّ بالبنط العريض، وأضافت أن المباحث قد عثرت فى منزلى على دفتر الشيكات الذى كنت أصرف منه للأعضاء. وللحق أقول، والله على ما أقول شهيد، أننى حتى ذلك التاريخ لم أكن قد رأيت شيكاً فى حياتى.

كان السؤال الذى يشغل بالى، كيف توصلوا إلىّ؟ أنا جالس بين المخبرين أتأمل المساحات الخضراء تترى وراء السيارة، والشمس ساطعة، والناس جميعاً إلى أعمالهم. الحياة كما هى، سيرها الحثيث أو البطىء. وأنا إلى أين؟ كيف وقعت قبل أن أتوه فى زحام الإسكندرية بيوم أو بيومين؟ لابد أننى كنت مراقباً مراقبة دقيقة، حتى أمكنهم التوصل إلى دارى وشقتى فيها. هنالك من يعرف تحركاتى، بل ربما خطواتى. كيف حدث ذلك؟ كيف؟ فجأة سمعت الضابط الأعلى رتبة والذى يسوق السيارة يقول:

-على فكرة، أنا قريت جواباتك.

لم ألتفت إليه. لم أعرف تحديداً إن كان يقصدنى أم يحادث الضابط الآخر الأقل رتبة. استمر وكأنه لا ينتظر جواباً من أحد.

-عاملين نشاط مش بطال فى الأرياف، وفى العمال، وفى وسط الأفندية كمان.

شدت الكلمات الساخرة انتباهى تماماً، رغم تظاهرى بعدم الالتفات، باعتبار أن الأمر لا يعنينى أبداً.

هذا آخر خطاب أرسلته بالفعل إلى الزملاء فى السجن، أطمئنهم على أن التنظيم قائم، لملم جراحه بعد القبض عليهم واستمر يتقدم فى طريقه.

-لما توصل مصر، هوريك الجوابات.

وأنا لا أجيب أو أتجاوب. أحاول فقط الحفاظ على تماسكى، وإن كانت أعماقى تفور بالقلق. شخص واحد كان يتسلم منى تلك الخطابات، عامل، عضو جديد بالتنظيم، تطوع لزيارة الزملاء فى السجن وتوصيل الخطابات إليهم. وقد وصلتهم بالفعل كل الخطابات التى أرسلتها إليهم. تيقنت ذلك بأساليب أخرى. لم أكن أكتب إليهم عن أشياء محددة يمكن أن تضير أمان التنظيم، كنت أكتب كلاماً عاماً. غير أن تلك ليست هى المشكلة الآن. المشكلة هى من يكون هذا الاختراق؟ ومن أين جاء؟ من داخل السجن؟ أم من خارجه؟ الزملاء داخل السجن أعرفهم معرفتى بنفسى. نحن معاً منذ سنوات طوال، وأنا أعرف أيضاً أن أحداً منهم لم يضعفه السجن أو يوهن قواه. وهذا العامل المتطوع، أعرفه منذ شهور قليلة. وقد أنقذت حياة زوجته من مرض عضال، عن طريق بعد الأصدقاء الأطباء. حقاً، أنه لم يختبر اختباراً عسيراً بعد، لكنه يحتل بين العمال موقعاً قيادياً. إنه محل ثقتهم. هل يمكن أن يخون هذه الثقة، ويكون جاحدًا إلى هذا الحد؟

وبرز أمامى، فجأة، سؤال آثار حيرتى. إن هذا الضابط، عالى الرتبة، يعلم جيداً أنه يحرق، بما يقول، واحداً من عملائه. لماذا يفعل ذلك؟ لماذا يضحى به؟ إلا أن الحالة التى صرت إليها، نبهتنى إلى ما استهدف. إنه يحرق واحداً من عملائه، فى مقابل أن يحرقنا، جميعاً، الشك فى بعضنا البعض. إننا حتى نصل إلى الخائن الفعلى، سوف نجوس فى مراجعة دور كل منا، واحتمال الشك فيه. بل إن وصول هذا الخبر إلى الزملاء الذين ما زالوا يعملون فى الخارج سوف يصيبهم بالشلل. هذا بالإضافة إلى شعورنا (أنا وغيرى، إن كان قد قبض على آخرين) بضعف موقفنا، إذ نحن لا ندرى ما الذى يخبئونه لنا؟ وما الذى يعرفونه عنا؟ وإلى أى مدى تعرينا؟ إلا أننى تماسكت ثانية. إننى بهذا النحو من التفكير أحقق له ما يريد.

كان علىّ، والطريق إلى القاهرة ما زال طويلاً، أن أفكر فى شىء آخر، أفكر فى احتمالات تلك الضربة ومداها.

* * * *

Page 4

قيد وقضبان

أخذونى فى القاهرة إلى مبنى ضخم جهم كل ما فيه مريب. كلما مررت بأحد ممن فيه تفرس فىّ مبحلقاً، غارساً فى وجهى عينيه. المبنى كان، بشراً وحجارة، صرامة فى صرامة. كل من فيه يرحب "بالبطلين" اللذين معى، فقد "وفقهما الله" وعادا بالعديد معهما. لمحت زميلىّ محمد محمود عثمان وصلاح هلال فى حجرتين منفصلتين. تصرفت وكأنى لا أعرفهما. عزلونى فى حجرة ثالثة. الضربة فى اللحم الحى، فمحمد له دوره فى جسد التنظيم، وصلاح له دوره العمالى والنقابى والحزبى.

لم يحضر المصيلحى لىّ الخطاب الذى حدثنى عنه فى السيارة. ولم أسأله أنا أيضاً أين هذا الخطاب. أرسلونى إلى أحدهم لأجيب على أسئلة لا معنى لها، فالمفروض أنهم، كما يدعون، يعرفون عنى كل شىء. سألنى ما اسمك؟ ما سنك؟ ما وظيفتك؟ ما عنوانك؟ هل لك اخوة؟ أسماؤهم؟ أين يعملون؟ ما عناوينهم؟ هل ما زال والداك أحياء؟ ما عنوانهما. لم أذكر كل أسماء أخوتى، وأحلت الجميع إلى عنوان أبى.

أخذونى إلى وكيل النيابة. كانت الأوراق والمطبوعات وبرواز "عزيزة"، التى عثروا عليها لدىّ أمامه. سألنى بطريقة من يمارس عملاً مملاً:

-هل تعرف هذه الأوراق وتلك المطبوعات وذلك الرونيو؟

-لا أعرف.

-هل تعرف مصدرها؟

-إذا كنت لا أعرفها، فكيف لى أن أعرف مصدرها. إن ما أود أن أعرفه هو لماذا أنا مقبوض علىّ؟ ولماذا فتش منزلى دون أمر قبض أو تفتيش؟

تجاهل سؤالى، واستمر يسأل:

-أنت متهم بتأسيس وإدارة منظمة شيوعية هى طليعة الشيوعيين المصريين.

-عليك أنت أن تثبت ذلك.

-ما علاقتك بالمدعو محمد محمود عثمان؟

-لا أعرف أحداً بهذا الاسم.

-ما علاقتك بالمدعو صلاح هلال؟

-لا أعرف أحداً بهذا الاسم.

-هل لديك أقوال أخرى؟

-نعم، إننى أطالب بالإفراج الفورى عنى، حيث لا يوجد أى سند قانونى للقبض علىّ.

Page 5

هز وكيل النيابة رأسه كمن يرثى لحالى. طلب منى الاستكتاب، فكتبت بطريقة لا تماثل خطى بأى حال من الأحوال، وبذا تصبح تلك الأداة دليل براءتى، لا إدانتى. طلب منى التوقيع فوقعت، وانصرفت.

أرسلوا بنا معاً إلى قسم الخليفة. تظاهرنا بأن أحداً منا لا يعرف الآخر. قسم الخليفة هذا يكاد يكون من أقذر أقسام البوليس. ما أن دخلت التخشيبة حتى صدمتنى رائحة عطنة عفنة. كانت كقبر جماعى، ما زالت أجساد من فيه تفرز أردأ ما فيها. رائحة النوشادر طافحة سابحة، تزكم الأنوف وتمسك بالصدور.

أخذنا بعضنا البعض بالأحضان. لم يعد هنالك داع للتخفى. انتحينا جانبا نحن الثلاثة. كان علينا أن نتدارس ما جرى، استعداداً لمجهول لا ندريه. لقد عثروا عند محمد على بعض الأوراق أيضًا. لكنهم لم يجدوا شيئًا عند صلاح. أسئلة النيابة لثلاثتنا كانت متماثلة، على وجه التقريب، وكذلك إجابتنا.

أخرجونا فى اليوم التالى لوجودنا قى التخشيبة من الجب النتن إلى سيارة. كاد هواء الشارع أن يصيبنى بالدوار. سارت بنا السيارة إلى مبنى هائل أشبه بصندوق خرافى تملؤه الثقوب. ولجنا بوابة ضخمة من باب صغير، وعلى البوابة شعار "السجن إصلاح وتهذيب" وكان السجن "سجن مصر" الشهير بـ "سجن قره ميدان".

أحسست وأنا أخطو إلى داخل السجن برهبة وخشية. هنا المكان الذى يعزل فيه الإنسان عن الحياة، لتتحول فيه أيامه إلى كابوس ثقيل لا تبدو له نهاية. إنها خطوة واحدة من الخارج إلى الداخل، لكنها تساوى عمرًا بأكمله.

كانت المفاجأة التى أذهلتنا أننا وجدنا زملاء لنا من المسجونين يتحركون بحرية فى غرف الشئون الإدارية للسجن. قدموا أنفسهم لنا. هجموا علينا بالتحيات والسلامات، رغم أننا نراهم لأول مرة. إنهم دون شك يقصدون أن يبثوا فى نفسونا الطمأنينة. أحسسن براحة عميقة. انتهت الإجراءات، وجاء السجان ليصطحبنا إلى العنبر.

غادرنا مبنى الإدارة مع السجان وأحد الزملاء. رأيت حوشاً واسعاً، على جانبيه بنايتان مستطيلتان ضخمتان. البناية التى إلى اليمين تطل من ثقوبها خلف القضبان إناث صغار وكبار، بل وهنالك أطفال أيضاً. نظرت إلى الزميل مندهشاً متسائلاً، فابتسم. كان على ما يبدو يتوقع ذلك، قال:

-دا عنبر النسا.

إزداد عجبى. تساءلت إن كانت النساء مسجونات معنا فى ذات العنبر.

تحولت ابتسامة الزميل إلى قهقهة.

-لا أبداً المبنى واحد، بس مقسوم عنبرين، عنبر "جيم" للسياسيين وعنبر "دال" للنساء. وصلنا عنبرنا. ذهلت وأنا أعبر بوابته الحديدية. كان مليئاً بالبالونات الملونة. والزملاء يرتدون ملابس نظيفة. كان أمامى عبد الله محمود كامل ومنصور زكى ومحمد درويش مصطفى فى انتظارنا. يبدو أن خبر وصولنا كان قد بلغهم. لم يكن عمر مكاوى معهم. كان قد غادر السجن. استقبلونا بالأحضان والأناشيد والهتافات. شاركهم زملاء آخرون، ربما من باب المجاملة، أو طبقاً لتقاليد الترحيب ومراسم الاستقبال. الفرق شاسع بين تخشيبة الخليفة وعنبر "جيم" المزدان بالأعلام والرايات الحمراء والمطرقة والمنجل وصور لينين وماو. بدا العنبر وكأننا فى بلد أحمر خلف جدران قاتمة.

اليوم أول يونيو، عيد الطفولة. ومنحنى الزملاء زنزانة انفرادية. كنت فى أشد الحاجة إلى الراحة، بعد هذه الرحلة الشاقة. قلت لمنصور:

-فيه موضوعات كثيرة عاوزين نتكلم فيها.

قال منصور:

-أنت دلوقت تستحمى وتستريح، والوقت هنا بالكوم، ما تقلقش.

غير أننى كنت قلقاً بالفعل، لا أدرى كيف ستتلقى أسرتى الخبر. كنت على يقين من أن أصحاب المنزل فى طنطا سوف يتصلون بها ويخبرونها بما حدث. ولا أدرى أيضاً ما حال وظيفتى، والأرجح أننى سأفصل كما فصل كل من سبقنى.

أحسست أن كل ما يربطنى بالخارج يتمزق. أخذت حمامى ودخلت زنزانتى. قرفصت فوق السرير وحيداً، أتأمل تلك الجدران التى تطبق على أنفاسى. هنا سأقضى أيام وسنوات، ربما البقية الباقية من عمرى. من يدرى. هنا من حكم عليه بخمس سنوات وعشر سنوات. من يضمن لى بقية من عمرى تكفى السجن والعودة إلى الشوارع والطرقات أسير فيها بلا قيد ولا حُراس.

كان المفروض أن أكون الآن فى الأسكندرية. ما أبعد الشقة بين كليوباترا حيث يقيم أخى إدوارد وبين قرة ميدان. انقطعت عادتنا السنوية، عندما كنا صغارًا، حيث كنا نقضى أسبوعاً أو أسبوعين، صيف كل عام فى منزل جدى، جدى لأبى أو جدى لأمى، أو كليهما معًا.

ووجدت نفسى تنساب، دون أن أملك وقفها، خارج قضبان تلك الطاقة التى تسدها قضبان متقاطعة.

انطلقت إلى سنورس، إلى منزل جدى لأمى، لأبدأ الرحلة من أولها.

* * * *

Page 6

سنورس- طما

1928-1936

كان جدى لأمى وكيل تلغراف مدينة سنورس، مديرية الفيوم. هنالك رأى أبى أمى. كان وقتها يعمل "معاون بدل"، أى المعاون الذى يحل محل المعاون الأصلى عندما يقوم بإجازته. رآها فأعجب بها، فتزوجا. كانت صغيرة، والفرق بينهما قرابة أعوام عشر، أنجبت أخى الأكبر إدوارد. ثم لحقت أنابه بعد عامين. ولدتنى أمى فى منزل جدى الذى كان يقبع على امتداد رصيف المحطة، إلى جوار منزل ناظر المحطة ومنزل معاونها. وقد ظللنا نتردد على منزل سنورس، ربما حتى بلغت الثامنة من عمرى.

إننى لا أتذكر جدتى لأمى، فقد ماتت شابة، وتركت لجدى ثلاث بنات وثلاثة أولاد. كان أصغرهم يكبر أخى إدوارد بعامين، فكنا نبدو وإخوالى، كالإخوة "فوق رؤوس بعضهم البعض". بل كانت خالتى الصغرى وخالى الأصغر يلعبان معنا باعتبارنا جميعاً فى سن الطفولة.

كان جدى أصفر الشعر أبيض الوجه مشربا بالحمرة، ملون العينين، حتى أنهم كانوا يشبهونه بالأتراك أو الشوام. كان طويلاً وديعاً حنوناً واسع الصدر طويل البال.

ولدت أثناء صيام يونان. وثارت فكرة أن أدعى يونان. غير أن التقاليد تغلبت على المصادفة. أشعلت الأسرة ثلاث شمعات، ووضع على كل شمعة اسم: فخرى، فكرى، لمعى. احترقت شمعتا فكرى ولمعى، وظلت شمعة فخرى مشتعلة. وكان ذلك فألا، أن من يحمل اسم فخرى هو الأطول عمراً. كان أبى هو من اقترح الإسم، تيمناً باسم فخرى عبد النور الزعيم الوفدى لمديرية جرجا، مديريتنا. فقد كانت بلدتنا هى سوهاج، عاصمة المديرية. سنورس محفورة فى الذاكرة، الفراخ الفيومى، والبيض الفيومى، والعنب الفيومى، والتين الفيومى (الرمادى)، والبلح السيوى الذى يباع "بالأنجر" صف بيوت العاملين بالمحطة يمتد متماسكاً، تحيط به الحدائق وعشش الطيور والأرانب. الحديقة ناحية الرصيف، وسور عال، يحجبان المنزل عن عيون المسافرين. العشش تحيط به من خلف، تحدها قناة مياه جارية أحياناً، وراكدة فى أغلب الأحيان. قناة تدعى "الخليجة". لا أدرى إن كان الإسم مؤنث خليج أم شىء آخر، غير أنها خلجة حياة تمد الحدائق بماء ريها، ومن ورائها ساحة شاسعة يحدها سور هى السوق، الذى كثيراً ما كانوا يعثرون فيه، وفى الخليجة، على جثث قتلى، نسجت حولها قصص العفاريت وأفاعيلها وهى تسرح تمرح فى المنطقة كلها. وشوشة الماء ونفيق الضفادع وخربشات الصراصير والجنادب، وهذا السواد الداكن الساكن، الجاثم الممتد بلا حدود، إن حل الظلام، يوقظ رعبا رهيباً من المجهول، وخيالاً نشطاً يجسد العفاريت والشياطين، حتى وفاة جدتى، كان للعفاريت فيها نصيب وافر. كانت تجلس بمفردها وقت غبشة المساء. سمعت أصواتاً غريبة، فهرعت إلى الداخل، غير أن أصحاب الأصوات لاحقوها ولحقوا بها، ورموها بحصوات ثلاث، وكانت تلك هى بداية النهاية، ومرض الموت (شخص الأطباء المرض بأنه التهاب رئوى).

أعيش قصص العفاريت، وأجهد ذهنى كيف تخرج من أرض هى حبيسة فيها. هدانى عقلى، حينذاك، إلى أنه لا توجد فتحة فى الأرض غير فتحة المرحاض البلدى. لابد أنها منفذ كل تلك العفاريت. ولذا كان دخول المرحاض، بالنسبة لى، إن ضافت بى الحاجة، كرب أى كرب، وبلاء ما بعده بلاء، أستعين بكل قوى السماء كى تهب لنجدتى من هذا المجهول المهول.

عفاريت سنورس ليست إلا امتداداً لقصص بيت جدود جدى فى أسيوط. بيت واسع شاسع، يقبع فى نهاية شارع ضيق، أطلق عليه اسم السندى، لقب العائلة، يحيط به سور عال كأسوار الحصون، وبوابة خشبية مصفحة بالحديد (يمكن أن تصد جيشاً من الغزاة)، أو هكذا تصورت، عندما رأيته أول مرة. ما أن تعبر تلك البوابة، حتى ترى باحة، يحدها من اليسار صف من الحجرات، وفى الواجهة مصطبة عريضة تجلس عليها خالة أمى، وكانت الوحيدة التى ظلت بهذه الدار المهيبة الرهيبة، ومعها ابنتها، بعد أن هاجر الجميع إلى القاهرة، وكان فى الحائط الذى ينهى المصطبة كوة فيها "السبرتاية وعدة القهوة"، حيث تعد القهوة لنفسها وضيوفها، بنفسها. وكانت الباحة الكبرى، وهى ضعف الباحة الصغرى تجىء خلف الحائط، ويجرى دخولها عبر باب جانبى، وهنالك فى وسطها بئر ماء كالجب، وبقايا أوانى ورشة لصباغة الأقمشة.

وحكايات مختلفة عن أصوات تصعد من البئر، ورائحة بخور تملأ المكان دون مصدر معروف لها. فحكاية أمى عن كنز هذه الدار، وحارسه الكلب الأشبه بالوحش، لكنه كلب طيب. والحلم الذى انقض على أنفاسى ليلة سمعت الحكاية، كنت أبحث عن الكنز، لكن حارسه أمسك بى. كان غولاً بشعاً، لا كلباً طيباً. كاد يفتك بى، فانطلقت صرخاتى داوية من أعماقى فايقظتنى ألهث مذعوراً. رأيت هذه الدار مرة، غير أن نفسى لم تتق لرؤيتها أبداً. لم أكن أجرؤ على تخطى باب الباحة الداخلية إليها. وآخر ما أذكره عنها هو انطلاقنا إلى الشارع الرئيسى عندما سمعنا صوت بائع الأذرة المسلوقة. دفع بسيخ حديدى إلى داخل قدر تماسى كبير، ليخرجه وقد انغرست فيه "أكواز" الأذرة يتصاعد منها بخار يملؤ الخياشيم، ونحن نحشو أفواهنا بالحبات الذهبية الساخنة اللاسعة.

* * * *

Page 7

انتقل جدى من سنورس إلى منفلوط. وأصبح والدى معاون محطة طما. كانت والدتى قد انجبت سمير ثم رأفت.

وتعرفت على المدرسة أول ما تعرفت فى طما، كانت مدرسة إلزامية، حيث كنا نحفظ القرآن، بالضرب المبرح إذا لزم الأمر. ليس هنالك ذرة تسامح أو تهاون مع خطأ فى القواعد أو التشكيل أو سقوط كلمة هنا أو حرف هناك. وكان الأمر كذلك فى الحساب عامة وجدول الضرب خاصة.

كانت طما تتوسط منفلوط، التى تقع شمالها، حيث يعمل جدى لأمى، ينى السندى، وسوهاج التى تقع جنوبها، حيث يقطن جدى لأبى، المقدس حنا إبراهيم. وكان ذلك الموقع يوفر لنا فرصة ذهبية لقضاء الإجازة الصيفية عند الجدين.

ذهبنا هذا الصيف إلى منفلوط. كنت فى السابعة من عمرى، صبياً شقياً. شكلنا فريقين، فريق فيه إدوارد شقيقى الأكبر، والفريق الآخر كنت أنا فيه ومنير خالى الأصغر. وباقى أعضاء الفريقين من أبناء المنطقة التى يقع فيها منزل جدى. لم يكن منزلاً حكومياً كما كان الحال فى سنورس، كان منزلاً فى أحد أحياء المدينة، منزلاً كبيراً "من بابه"، لا يسكنه غير جدى وأسرته. كان هنالك دور أرضى لا يستخدم، والدور الثانى تعيش فيه الأسرة، وسطح المنزل حيث حجرة الفرن والخبيز، والباقى مساحة فارغة يحيط بها سور منخفض.

تسلح الفريقان بأيدى المقشات وقطع الأخشاب. واعد كل فرد من الأفراد لنفسه غطاء رأس من ورق الجرائد. وأخذ كل فريق يسير فى خطى عسكرية يتحدى الفريق الآخر. كان أحد الفرق يسمى نفسه الفريق الأزرق ويسمى الآخر نفسه الفريق الأخضر (أشبه بفرق الوفد ومصر الفتاة)، ومرة أخرى يسمى أحدهما نفسه الفريق الحبشى والآخر الفريق الطليانى، ويجىء التحرش بعد التحدى ثم الصدام والالتحام، وترتفع صرخات الحرب فى الشارع، ويهرع الأهل من بيوتهم يفضون هذه الاشتباكات اليومية. وكان خالى الأوسط فريد، هو الذى ينزل، ممثلاً أسرة جدى، ليساهم فى فض هذه الاشتباكات، وتوجيه اللوم لنا على أفعالنا الصبيانية المزعجة. كان خالى الأكبر وليم يدرس فى كلية التجارة بالقاهرة، ولم يكن قد عاد بعد. كنا نعيد الكرة يوماً بعد يوم. حتى جاء مساء اشتد فيه وطيس الحرب، فأسرع البعض منا إلى المنازل، لإحضار السكاكين دعماً للمقاتلين فأمسك الأهل بهم. وأسرعنا نحن الثلاثة نستكمل الحرب داخل المنزل نطارد بعضنا البعض، واستغاث خالى فريد بجدى فهرع إليه غير أنه كان قد كبر سناً، فزلقت قدمه وسقط، ثم انطلق وخالى وراءنا وأمسكا بإدوارد ومنير ونالا علقة طيبة. أما أنا فقد هربت إلى السطح حيث كانت خالاتى، فتوسطن عند جدى ليعفو عنى، إذ كنت أصغر الشياطين الثلاثة. وكانت تلك الليلة هى نهاية حرب الزرق والخضر، وإيطاليا والحبشة.

وقررنا نحن الثلاثة ألا نعود إلى لعبة الحرب تلك مرة أخرى، وأن نبدأ فى عمل شىء مفيد، خلال ما تبقى لنا من أيام فى منفلوط. وتوصلنا إلى أن يشكل ثلاثتنا فرقة مسرحية، تتخذ من سطح البيت مسرحاً وقاعة، ومن حجرة الفرن، حجرة للملابس والمكياج. وحددنا أجر دخول المسرح بمليم واحد، يدفعه المتفرج فنسمح له بالصعود إلى السطح ليجلس القرفصاء. وأصبح زبائن المسرح هم أعضاء الفريقين المتناحرين، بالإضافة إلى خالى وخالاتى ووالدتى وسمير ورأفت.

كنا نقدم نمراً، كما نقدم للصبية حلوى بمقدار المليم الذى دفعوه. وكانت واحدة من تلك النمر التى تقدمها غرة سودانية مصحوبة بالرقص. كنا ندهن وجوهنا برماد الفرن أو "هباب" لمبة الجاز لنصبح سود البشرة، ونخرج واحداً بعد الآخر، وقد شمرنا ملابسنا، يمسك كل منا بقطعة خشبية باعتبارها سيفاً أو رمحاً، نخرج من حجرة الفرن إلى خشبة المسرح (الذى هو جزء من السطح)، لنقابل بالتصفيق والتهليل، ونحن نقفز بلا نظام نشوح بالسيف أو الرمح، نرقص ونغنى:

نحن عبيد من السودان

وقت الحرب زى الجان

نضرب بالسيف الرنان

أيا لا موزا وسلمك الله

Page 8

إلا أن خالاتى تأففن من هذا العمل الفنى وآثاره التى تمثلت فى اتساخنا واتساخ ملابسنا واتساخ المنزل، والضجة التى كان يحدثها رواد المسرح والتى أقلقت الجيران. كما أن تكرار النمر لذات المتفرجين، وصعوبة الظروف الاقتصادية لأسر بعض زبائننا التى لا تستطيع توفير مصروف يومى ثابت قدره مليم واحد، وربما لأكثر من إبن، قد أثر على انتظام جمهورنا فاتجه نحو التناقض، مما أدى إلى إغلاقنا للمسرح.

انتهت مدة إجازتنا فى منزل جدى ينى، فعدنا إلى طما. غير أننا ما أن وصلنا حتى بدأنا الاستعدادات للذهاب إلى منزل جدى لأبى، المقدس حنا، فى سوهاج. اتسعت الزيارة هذه المرة لتشمل أبى أيضاً.

كان جدى فى الأصل من نواحى ديروط، وجدتى من نواحى أولاد إلياس. غير أن جدى، لسبب ما، ترك بلده إلى المنيا، ربما اختفاء من السلطة، وربما خشية صراع حول ميراث، ثم انتقل من المنيا إلى سوهاج، حيث استقر وانجب قبيلة المقدس حنا. كان يعمل خراطاً فى ورش السكك الحديدية. ويسكن فى نجع الورشة الذى يقع قريباً من الورش، وشوارع النجع كلها حوارى. ويبدو أن جدى كان من أوائل من سكنوا تلك الحارة. كان يمتلك فيها ثلاثة بيوت، وكانت جدتى تمتلك بيتا رابعاً. وكانت واحدة من عماتى تسكن فى الجوار أيضاً، فى بيت تمتلكه.

كانت حارة جدى، لا تسمح بمرور عربة الحنطور. فبالإضافة إلى ضيقها، كثيراً ما يرقد بعرضها جمل أو أكثر، ينام مسترخياً يجتر. كنا نترك الحنطور على رأس الحارة، ونجتازها سيراً على الأقدام حتى منزل جدى. وكانت أمى تخشى من الحسد، علينا، وعلى نفسها وزوجها. فقد كان أهل الحارة يطلقون عليها اسم "أم الولاد"، لأن ذريتها كلها حتى الآن كانت ذكوراً. كانت تخشى أن يراها أهل الحارة هى وزوجها وخلفها أولادهما الأربعة، أفندية صغارًا. لذا كانت تصر دوما على الاحتماء وأسرتها، من عيون الحاسدين، بالليل وقد أظلم المكان.

كنا نعرف بيت جدى الذى سننزل فيه من تمساح كبير محنط محشو بالقش معلق على بابه. كان مدخل البيت يقود إلى حجرتين فارغتين بلا أبواب، ومنافذهما مغلقة طوال الوقت مما كان يجعلهما مظلمتين تماماً. كنا نأتى بـ "قلة" فخاربه، ونكسر رقبتها، ونقلبها على ما تبقى من هذه الرقبة، بعد أن نكون قد فتحنا، بعناية شديدة، ثقبين أشبه بالعينين فى جزئها المستدير، ونضع أسفلها فتيلاً مشتعلاً، وبذا تصبح أشبه برأس إنسان، واقعة على الأرض، والنار والدخان يخرجان من فتحتى الثقبين. وكان الأطفال الذين يلعبون معنا "الغماية" من الأقارب أو الجيران، يحاولون الاختفاء فى "بير السلم" فيفاجأون بهاتين العينين المشتعلين فى رأس "أقرع"، ملقى فوق الأرض، فـ "ينسرعون" ويصابون بالذعر صارخين "عفريت، عفريت". وتسرع جدتى تخفف عنهم أثر هذا الرعب:

-دى قُلة يا ضناى. ما تخفش يا حبيبى. تعالى أوريهالك.

وتدارى جدتى ابتسامتها من شقاوة أحفادها.

-صحيح ما عفريت إلا بنى آدم.

ثم تنادى على أمى:

-تعالى يا إلين شوفى عيالك وشقاوتهم. شياطين من صغرهم.

كانت تحبنا كثيراً. وأعتقد أنها كانت سعيدة بشقاوتنا. ولكن لو بلغت تلك المسائل جدى يختلف الأمر. كان يتمنطق بحزام جلدى عريض، فيخلعه، وتكون تلك إشارة لما يمكن أن يحل بناء فنسرع هاربين، أو نحتمى بجدتى وأمى. كانت جدتى تهدأ من إنفعاله:

-خلاص يا مقدس، مش هيعملوا كده تانى. قول يا فخرى مش هعمل كده تانى.

لكننى أتردد وأقول:

-إحنا كنا بنلعب يا سيدى، حتى إسأل ستى.

وتسرع أمى تتدخل:

-خلاص يا عمى أنا هضربه. هوه أصله لمض.

ويهدأ جدى وتمر الأزمة. غير أن أزمة أخرى كادت ألا تمر. لم تكن تلك فى سوهاج، لكنها كانت فى طما. فقد جاءنا طبيب قريب لنا من طهطا، طبيب مشهور للغاية، لكنه قبل أن يجرى لنا عملية ختان بالجملة. كنا نحن الأربعة، ومعنا خالنا الصغير منير والذى تصادف وجوده معنا. وسافر الطبيب مشكوراً، وجاء جدى لزيارتنا والاطمئنان علينا. كنا نسير وقد انفرجت سيقاننا، ونحن نضحك من بعضنا البعض، من منظرنا وما حل بنا. ولا أدرى ما الذى أخذه جدى علينا، إذ أنه غضب غضباً شديداً، وخلع حزامه، ولم يكن خالى الأصغر يعرف دلالة هذه الحركة، لكننا نحن أحفاده كنا نعرفها جيداً، فجذبناه بشدة، حتى كاد يقع، وانطلقنا مذعورين نبحث عن مأوى نختفى فيه، وكل منا يحمل جرحه بين ساقيه. هربنا إلى الحديقة وسطح المنزل وحجرة الفرن، وعشش الطيور، تناثرنا هباء. ودارت أمى ملهوفة تبحث عنا، تجمعنا، وتهدأ مخاوفنا، وتتأكد، فى الأساس، أن جراحنا لم تنزف بمناسبة هذا الحدث الجلل.

كان سيدى وستى (جدى وجدتى) كتلة من الحنان. وأنا لا أتذكر أبداً أن هذا الحزام الجلدى الرهيب قد نزل على جسد واحد منا. لكنه كان وسيلة تخويف "تربوية". كان رمزاً أكثر منه أداة.

كانت ذرية جدى، أربعة من الذكور: صبحى ومهنى ولبيب وناشد، وثلاث من الإناث. كان عمى الأكبر يعمل منذ صباه خراطاً مع جدى. وقع عليه ما كان يقع على الإبن الأكبر من غبن أن يكون فداء لباقى أخوته، ويعمل، فى الغالب، فى مهنة أبيه، كى يعاونه على تربية الباقين. وكان عمى مهنى معاون بريد فى مكتب سوهاج، أما عمى ناشد، فإننى أتذكره كظلال وأطياف بعيدة. كان يمسك بيدى، يطوحنى فى الهواء فوق سطح المنزل وأنا أصرخ فى سعادة بالغة. كان فى البكالوريا، وكان فرحة الأسرة كلها وأملها أن يلتحق بالجامعة. لكنه مرض ومات فى ريعان شبابه، فكان صدمة داوية لوالديه وأخوته.

كان عمى صبحى يسكن وأسرته فى المنزل الملاصق لمنزل جدى، وكان يمتلكه أيضًا. كان لديه حينذاك ابنة وابنان: إبراهيم ونبيل (وسوف يكون لديه عندما تكتمل ذريته، ابنة وستة أبناء). وكان فى وسعنا الانتقال ما بين البيتين من أبوابهما، أو قفزا من فوق الأسطح، وتلك كانت الأقرب إلينا، والمفضلة لدينا.

وكان عمى مهنى يسكن هو وأسرته فى نجع أبو شجرة، فى منزله الذى يمتلكه. ونجع أبو شجرة حى أرقى من نجع الورشة. كان لديه حينذاك ابنتان وابن: داود (عندما تكتمل ذريته سوف يكون لديه ابنتان وثلاثة أبناء).

أما عماتى الثلاث، فقد تزوجت إحداهن وأقامت فى الإسكندرية وأنجبت إبنين. وتزوجت الثانية وعاشت فى القنطرة، وأنجبت قبيلة. وتزوجت الثالثة فى سوهاج وأقامت إلى جوار جدى، وقد أنجبت بنتين أسمتها الضبعة والغولة، رغم رقتهما الشديدة. لم يكن يعيش لها خلف، وكان للحسد مكانته العالية، فنصحها المعارف والأحباء وذوى الخبرة أن تطلق على من تنجبه أسماء مخيفة تبعد عنه عيون الحساد. وكان اسماهما الحقيقيان فايزة وفوزية، فقد فازتا بالحياة.

كان جدى وجدتى وعمى صبحى وزوجته وابنته قد ذهبوا جميعاً إلى القدس فى هذا العام. مصلحة السكك الحديدية تمنح العاملين لديها تذاكر مجانية، والقطار ينطلق من القنطرة شرق إلى القدس. وعاد جدى المقدس حنا وهو يحمل لكل ولد من أحفاده طاقماً عربياً، عقالاً وشالاً، وارتديناهما على الجلاليب البيضاء التى "تشف وترف" والصنادل المحترمة لنختال بكل هذا على باقى أبناء الحارة.

* * * *

Page 9

أبو قرقاص

1936-1940

نُقل والدى من طما إلى أبو قرقاص. نحن نزحف من الجنوب إلى الشمال، من مديرية جرجا إلى مديرية المنيا. ليس لنا منزل حكومى نسكن فيه على المحطة كما كان الحال فى طما. استأجر والدى شقة جميلة واسعة، بجنيهين اثنين فى الشهر. كان يسكن معنا، فى ذات المنزل، ناظر المدرسة الابتدائية التى التحقت بها، بعد أن أنهيت دراستى الإلزامية فى طما.

غدت زوجة الناظر صديقة حميمة لوالدتى. كانت سيدة جميلة للغاية، واسمها إقبال. وكانت أمى تحبها، وتقول عنها لبهائها أنها تركية. انجبت أمى خلفها الخامس، وكانت طفلة جميلة، أسمتها أمى دون تردد إقبال. كانت أمى تحلم بابنة، لذا كانت سعيدة غاية السعادة، وكنا نحن أيضاً فرحين لفرحتها، ولأن الله قد من علينا بشقيقة.

المدرسة الابتدائية فخمة، كبيرة، واسعة، على شكل مستطيل، فصولها مرصوصة حول الضلعين الطوليين، وضلع بالعرض هو المدخل، والضلع المواجه له هو الإدارة. إننا نحس بالاعتزاز ونحن ندخلها. اليوم الدراسى على فترتين، الصباحية حتى الظهيرة، ثم نذهب إلى بيوتنا للغذاء، والعودة لاستكمال اليوم الدراسى، ولا نغادر المدرسة إلا بعد الانتهاء من واجباتنا، وسؤال الأساتذة عما عصى علينا فهمه وإدراكه.

أمام الفصول طرقة واسعة تسير بامتداد المستطيل، ويحدها ناحية حوش المدرسة درابزين خشبى جميل.

المدرسة غنية بمكتبة هائلة يشجعنا أساتذة اللغة العربية على ارتيادها، والإطلاع على ما بها من مجلات كالمقتطف والرسالة. وأغرق فى كتب المنفلوطى، تشدنى لغتها الفخيمة، وأسلوبها الموسيقى، فأكاد أحفظ البعض منها عن ظهر قلب.

أخبرونا ذات يوم أن نكون فى الغد على أتم استعداد، نرتدى أنظف ملابسنا وجواربنا، وقد لمعنا أحذيتنا، وقصصنا شعرنا وأظافرنا.

جاء الغد، وقد غدا مدرسونا فى حالة من التوتر شديدة، وناظر المدرسة يلقى بالأوامر والتعليمات. أوقفونا صفوفاً كالمعتاد. مر المدرسون علينا يفحصونا فحصاً دقيقاً، ومن لم يكن مطابقاً للمواصفات أبعد من الطابور. ثم جُمع من ثم اختيارهم فى سيارة كبيرة، حملتنا إلى حيث لا نعلم شرقى النيل. وقد عرفنا عندما وصلنا أن المكان يدعى "بنى حسن". وأن باخرة سوف تصل وعليها ولى العهد، أمير الصعيد، الأمير فاروق، ابن الملك فؤاد الأول.

وانتقل إلينا قلق الآخرين وتوترهم. غير أننا كنا نحس بالتميز إذ نحن من وقع عليه الاختيار لاستقباله.

لاحت السفينة الجميلة تتهادى، تقترب من الشاطىء. وتعالت منا الهتافات، غير أن المدرسين الملازمين لنا اسكتونا حتى نحتفظ بقوة أصواتنا لحين يمر أمامنا الأمير. كنا منفعلين للغاية، مشدودين كدمى خشبية، نخشى أن يتحرك منا أى جزء حتى إن كان هدب العين. رست السفينة المحروسة، وهبط منها الأمير الشاب. وما أن اتجه نحونا، تحيط به حاشية فخيمة، حتى انطلقنا بالنشيد، بعد إشارة من مدرس الألعاب الرياضية:

بلادى، بلادى، فداكى دمى

وهبت حياتى فدا فاسلمى

غرامك أول ما فى الفؤاد

ونجواك آخر ما فى فمى

سأهتف باسمك ما قد حييت

تعيش بلادى ويحيا الملك

Page 10

واقترب الشاب الأمير منى حلو الصورة، ناعماً، رياناً، تفور وجنتاه البيضاوتان بالدماء. وخيل إلىّ أنه يبتسم لى، فكادت ركبتاى أن تتهاويا. وشعرت بفخار ما بعده فخار، أن أرى أمير الصعيد، وولى العهد وجهاً لوجه. أحسست أن خيوطاً قوية تربطنى به، تشدنى إليه، حتى أنه عندما مات الملك فؤاد وأصبح الأمير فاروق ملكاً على البلاد، خرجت مع "تلاميذ المدرسة" نهتف فى شوارع أبو قرقاص "مات الملك، يحيا الملك"، وأنا سعيد للغاية، فقد غدا صديقى الأمير فاروق، غدا الملك فاروق الأول، حفظه الله. أحسست وكأنى أنا نفسى قد أصبحت لى يد فى حكم البلاد.

* * * *

الترعة الإبراهيمية تفصل المحطة شرقاً عن البلدة غرباً، عن أبو قرقاص الفكرية. غير أن هنالك أبو قرقاص أخرى تقع شرقى الترعة والمحطة، أنها أبو قرقاص البلد، والفرق شاسع بين تلك وبين أبو قرقاص الفكرية. تبعد أبو قرقاص البلد حوالى كيلو مترين عن محطة السكة الحديدية، وهى منطقة ريفية تماماً قرب النهر، وتنتشر فيها الخنازير بكثافة شديدة.

أبو قرقاص الفكرية تقع غربى الترعة الإبراهيمية، التى يعلوها كوبرى أمام المحطة، كوبرى يصب فى الشارع الرئيسى الذى يمتد بحذاء الترعة، والذى يزينه محل الإسكندرانى للأسماك الشهية، ومخبز بيع "العيش المجر، وهو خبز لذيذ للغاية يغطى السمسم صفحته العليا المقددة حتى الاحمرار بلون الكهرمان. وهنالك أيضاً محل "كاتشونى الجريجى"، والذى تعرض فى واجهته أنواع الياميش المختلفة، وكذا "الوشنة" التى تصنع منها مربى غاية فى الجمال. ولكوبرى الإبراهيمية ذكرى لا أحبها أبداً. كنت أعبره عائداً من عند والدى فى المحطة. كنت منتشياً سعيداً أشوح بقدمىّ فى الهواء، وفجأة اندفعت فردة الحذاء اليمنى إلى أعلى، وقبل أن أتبين ما جرى سمعت صوت طرطشة شديدة فى الماء. وكان علىّ أن أهرع إلى المنزل نصف حافٍ، لأتلقى نصيبى من اللوم والتقريع.

أبو قرقاص الفكرية جميلة نظيفة. تبدو كأنها قد قامت امتداداً "لفابريكة السكر"، ذلك المصنع الذى يبعث الحياة فى المدينة بأجور العاملين فيه، والتى تفوق أجور الموظفين العاديين.

حدث ذات ليلة أن اشتعلت النيران فى مخازن قصب المصنع. أسرع المدير يعاين ما يجرى ويحاول إطفاء الحريق. أطلقت عليه النيران وقتل. قيل أن الأساس فيما جرى الليلة هو القتل، فقد كان المدير مستبداً بالعاملين، وأن الحريق لم يكن غير الفخ الذى نصب له لاستدراجه.

* * * *

مر علىّ أحد زملائى وأصدقائى فى المدرسة. قال، إن هنالك صندوقاً عجيباً أحضره المقهى الذى يجاور منزلهم، صندوقاً يتكلم. قالت والدتى، إلى أين؟ قلت، لأرى صندوقاً يتكلم. بدا عليها الاندهاش والتوجس. قالت، بسم الصليب وإشارة الصليب. نصحتنى ألا أقترب منه، بعد أن حاولت منعى من الذهاب، ولم تستطع. ذهبت وصديقى. كان المقهى ممتلئاً بالناس، بين مصدق وغير مصدق، لكن الجميع فى حالة من "الهياص والزياط". شققنا طريقنا بين سيقانهم حتى بلغنا الصندوق المتكلم بعد جهد جهيد. كان صندوقاً من خشب جميل وواجهة مزخرفة، وقد وقف صاحب المقهى قبالته، بينما وقف العاملون فى المقهى حوله حماية له. لعب صاحب المقهى دور الحاوى. كان يدير أزراراً فتصدر عن الصندوق أصواتاً مختلفة، ثم ثبته على قراءة القرآن الكريم. قال صديقى، ونحن نغادر، بينما يتلفت حوله فى خوف وخشية:

-دا باين جواه عفريت.

شخط فيه أحد المزاحمين:

-وهو العفريت بيقرا القرآن الكريم يا ولد.

أطلقنا سيقاننا فراراً. قال أبى عندما سألته تفسيراً:

-يا بنى الأسلاك بتنقل المكالمات فى التليفون، وبتنقل الإشارات فى التغراف، ممكن الهوا ينقل الكلام للبتاع اللى انت شفته النهاردة. دا العلم بحره غويط يا بنى.

* * * *

أعلن مدرس التاريخ، فى منتصف العام الدراسى، أنه سيكون فرقة مسرحية. أسرعت أنضم إليها، ربما استمراراً لهواية التمثيل التى مارسناها فوق سطح منزل جدى بمنفلوط. جمعنا المدرس وقال، أننا سنتدرب على تمثيلية عن الفرس ودخولهم مصر، وهى، كما قال، من اقتباسه وإعداده. وطلب من كل منا أن يحفظ دوره.

كنا نتدرب بعد انتهاء اليوم الدراسى، ساعة أو ساعتين، يوماً أو يومين فى الأسبوع. أسند إلىّ دور قمبيز، لا أدرى لماذا؟ فأنا لست طويلاً ولا عريضاً بهيئة القادة والغزاة، أنا على عكس ذلك نحيل، لكننى حفظت الدور سريعاً وأجدت أداءه، وكان نطقى للعربية جيداً لتعلمى المبكر فى المدرسة الإلزامية، مما أهلنى لهذا الدور.

لم أكن أكتفى بالتدريب الذى نقوم به فى المدرسة، كنت أنتهز أية فرصة فى المنزل، لأمتطى ظهر السرير وأمثل دورى، إلقاءً وأداءً، مما آثار لى المشاكل مع والدتى، لما كنت أسببه من إزعاج. امتلأ الصوان فى يوم العرض، وأنا وزملائى نعيش فى الكواليس توتراً شديداً، نعيد ونعيد "تسميع" أدوارنا، فامتحان اليوم عسير.

جلس ناظر المدرسة والمدرسون فى الصفوف الأولى. كان الناظر عملاقًا أحمر الوجه، يمسك دوما بخيرزانة رفيعة لمعت من كثرة استخدامها. لم تكن معه اليوم فى هذا الحفل الحاشد، لكننا جميعاً كنا نحس بها فى موضعها، مخفاة هناك وراء مقعدته. كان أحياناً يمر علينا أثناء البروفات، يسأل مدرسنا بصوت "يلعلع" تهديداً ووعيداً، وهو يدفع بالخيرزانة فى الهواء، فيصدر عنها أزيز وصفير:

-الولاد دول عاملين إيه، أنا خايف يفضحونا يوم الحفله.

كان يسير خلفه مدرس الألعاب الرياضية. كان فى الأصل مجنداً بالجيش. وهو المسئول عن الضبط والربط فى المدرسة، وهو الذى يحمل الأولاد المذنبين "ليعبطهم" حضرة الناظر بالخيرزانة على مؤخراتهم.

وهو المسئول اليوم عن المحافظة على النظام واجلاس الضيوف يعاونه بعض تلاميذ القسم المخصوص. عندما دقت الساعة الخامسة، وهى الموعد المحدد للبداية، أسرع مدرس الألعاب الرياضية إلى ناظر المدرسة ليبلغه أن كل شىء "تمام التمام"، فيعطى إشارة البدء، ليتقدم مدرسنا، وهو يفرك يديه، يلقى كلمة الافتتاح تمجيداً للمدرسة وناظرها واهتماماً بتنشئة جيل يحب الفن ويمارسه، وترحيباً بالضيوف الكرام. وقوبلت كلمته بالتصفيق، فانحنى محييا ثم اتجه إلى خشبة المسرح ليدق ثلاث دقات ارتفعت بعدها ستارة المسرح وبدأ العرض.

كان التصفيق الحاد يقاطع الممثلين الصغار، مما كان يثير حماسنا، ويبعث بالطمأنينة إلى نفوسنا، حتى جاء دورى فتقدمت أرتدى ملابس ملك قائد فارسى، وفى يدى سيفاً الوح به فى الهواء، وأقول متحدياً:

أنا قمبير ابن كسرى

صاحب العرش العتيد

قد ملكت الآن مصر

كل من فيها عبيد